المسائل الفقهية من كتاب الروايتين والوجهينصفحات 343-350
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الحدود

صفحات 343-350
عن هذه الطبعة
عَلَم
أبو يعلى ابن الفراء
الكتاب
المسائل الفقهية من كتاب الروايتين والوجهين
المؤلف
القاضي أبو يعلى، محمد بن الحسين بن محمد بن خلف المعروف بـ ابن الفراء (المتوفى: 458هـ)
المحقق
د. عبد الكريم بن محمد اللاحم
الناشر
مكتبة المعارف، الرياض
الطبعة
الأولى (1405هـ - 1985م) أعده للشاملة/ فريق رابطة النساخ برعاية (مركز النخب العلمية) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

ونقلها أبو طالب: إذا أنفذ الإمام إلى امرأة فأسقطت فالدية على عاقلته وقد ذكر حديث عمر.

وجه الأولى: وهو اختيار الخرقي ـ رحمه الله ـ أن الإمام وكيل المسلمين وما كان من خطأ الوكيل كان في حق موكله، ولأنه إذا كان عمداً فالضمان في مال القاتل، وإن كان قد أخطأ تحولت الدية عنه إلى عاقلته حفظاً للمال واحتياطاً للدماء لأنا لو أوجبناها في ماله ذهب ماله فمتى أخطأ سقطت الدية فإذا كانت على العاقلة لم يذهب أموالهم ولم تهدر الدماء، فإذا كان لهذا المعنى في غير الإمام وجب أن يكون في حق الإمام في بيت المال لأن خطأه يكثر فإنه يقيم الحدود ويضرب في التعزير، فلو أوجبناها على عاقلته أفضى إلى الإجحاف بأموالهم وهدر الدماء، فلهذا كان في بيت المال.
ووجه الثانية: ما احتج به أحمد ـ رحمه الله ـ من إجماع الصحابة روي أن امرأة ذكرت عند عمر بسوء فأرسل إليها فأجهضت ذا بطنها فاستشار الناس في ذلك فقال له عبد الرحمن بن عوف لا شيء عليك فقال لعلي: ما تقول.
فقال: إن اجتهدوا فقد أخطأوا، وإن علموا فقد غشوك، عليك الدية.
فقال له عمر: عزمت عليك لا تقوم حتى تقسمها على قومك يعني على قومي فأضافهم إليه تألفاً.
ثبت أن خطأ الإمام على عاقلته وروي عن علي خلاف هذا.
روي أن علياً قال له في حد الخمر: إذا تلف المحدود منه كان في بيت المال ولأنها دية خطأ ثبت بالبينة فوجب أن تكون على عاقلته، أصله غير الإمام، وفيه احتراز من العمد والاعتراف.

مقدار التعزير

: 43 - مسألة: في مقدار التعزير.
فنقل عبد الله وأبو الحارث أبو طالب وابن منصور فيمن وجد مع امرأته رجلاً فقال علي ـ كرم الله وجهه ـ يجلد مائة.
قال أحمد وعلي: مذهبنا لا يجلد مائة إلا في الحد وعليه التعزير عشر جلدات حديث أبي بردة.
فظاهر هذا أن قدر التعزير عشر جلدات في سائر الأشياء فيما كان موجبه معصية بفرج وبغير فرج.

ونقل أبو طالب وأبو الحارث والميموني في رجل يطأ جارية بينه وبين شريكه: يجلد مائة، إلا سوطاً كذا قال سعيد بن المسيب وذهب إلى حديث عمر.
فظاهر هذا أنه كان موجب التعزير معصيته بالفرج أنه يزيد على عشر جلدات ما لم يبلغ به الحد في ذلك الجنس.
وقال في رواية الأثرم: إذا وطىء وجارية امرأة وقد أحتلها له جلد مائة، فظاهر هذا أنه يبلغ به أعلى الحدود في ذلك الجنس.

وقال الخرقي ولا يبلغ بالتعزير أدنى الحدود فظاهر هذا أنه يزيد على عشر جلدات ما لم يبلغ أدنى الحدود وهو أربعون.
وقد أومأ إليه أحمد في رواية صالح فقال حدثني أبي: حدثنا وكيع: حدثنا سفيان عن عطاء بن أبي مروان أن علياً ضرب النجاشي ثمانين ثم أخرجه من الغد فضربه عشرين وقال: هذا لتجرئك على الله وإفطارك في رمضان.
قال أبي: اذهب إليه فقد أخذ أحمد بحديث علي ـ عليه السلام ـ في التعزير.
وجه الأولى: في أنه يتقدر أكثره بعشر جلدات لا يزال عليها وما روى أبو بردة بن نيار أن ـ النبي صلى الله عليه وسلم ـ قال: لا يجلد فوق عشر جلدات إلا في حد من حدود الله ـ عزّ وجلّ ـ وهذا نص.
وروي عن ـ النبي صلى الله عليه وسلم ـ أنه قال: من بلغ بحد في غير حد فهو من المعتدين.
ولأن العقوبات في الأصول تختلف باختلاف الإجرام ووجدنا أن جرم الواطىء دون الفرج أقل من جرم الواطىء في الفرج كذلك جرم

المفتري في السب أقل من جرم المفتري بالقذف فيجب أن لا يبلغ عقوبة الأخف عقوبة الأغلظ.
ووجه الثانية: ما روى النعمان بن بشير عن ـ النبي صلى الله عليه وسلم ـ في الذي يأتي جارية امرأته قال: إن كان أحلتها له جلد مائة جلدة وإن لم يكن أحتلها رجم فأسقط الحد عنه وأوجب التعزير مائة.
وروى أن معن بن زائدة زوّر على عمر كتاباً فجلده مائة فشفع إليه في أمره فجلده مائتين.
وقد روى عنه خلاف هذا روي أنه كتب إلى أبي موسى الأشعري: لا تبلغ بالتعزير أدنى الحد.

وروى هشام بن عروة عن أبيه أن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب جاء إلى عمر بأمة كانت لحاطب وقد أصابت فاحشة وقد أحصنت فدعاها فسألها فقالت: نعم مرعوش بنت همين فقال عمر لعلي وعثمان وعبد الرحمن وهم جلوس عنده: اشيروا علي فقال علي وعبد الرحمن: ترجم فقال لعثمان أشر فقال: قد أشارا عليك فقال له: عزمت عليك فقال عثمان: إني لا أرى الحد إلا على من علم وأراها تستهل به كأنها لا ترى به بأساً فقال عمر: صدقت والذي نفسي بيده ما الحد إلا على من علم فضربها مائة وغربها عاماً.
وروى ابن أبي ليلى قال: وجد رجل مع امرأة في لحافها على فراشها فرفع ذلك إلى عمر بن الخطاب فضربه أربعين.

وروى عطاء بن أبي مروان أن علياً أتى بالنجاشي وقد شرب الخمر فجلده ثمانين عشرين لإفطاره في رمضان فقال النجاشي: إذا سقا اللَّه قوماً صوب غلائه فلا سقا اللَّه أهل الكوفة المطرا ضربوني ثم قالوا قدر قدر اللَّه لهم شر القدر وروي عن علي أنه أصاب رجلاً مع امرأة في لحاف واحد فضربهما مائة.

القصاص على قاتل من وجد يزني بامرأته

: 44 - مسألة: إذا وجد مع امرأته رجلاً ينال منها ما يوجب الحد على الزاني وكان الزاني ثيباً، فقتله وادعى ذلك لم يقبل قوله في إسقاط القود في الظاهر وهو ساقط عنه فيما بينه وبين الله تعالى لما روى أبو هريرة أن سعداً قال: يا رسول الله أرأيت إن وجدت مع امرأتي رجلاً أمهله حتى آتي بأربعة شهداء، فقال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: نعم فثبت أنه إن لم يأت بأربعة شهداء فعليه الضمان فإن أقام البينة فهل يجزىء في ذلك شاهدان أم أربعة؟ نقل ابن منصور عنه في رجل وجد مع امرأته رجلاً فقتله فقال: إذا جاء بشهود أنه وجد مع امرأته في بيته هدر دمه وإن كان شاهدين فظاهر هذا أنه يجزىء في ذلك شاهدان.

ونقل أبو طالب فيمن وجد مع امرأته رجلاً فقتله: يقيم البينة أربعة لأنه قذفها فإن شهد أربعة رجمت وإن شهد اثنان جلدوا فظاهر هذا أنه لا يجزىء في ذلك أقل من أربعة يثبتون الزنا، فإن شهد اثنان لم يسقط القود عنه لأنه

مدعي أنه قتله بسبب يستحق القتل وهو الزنا فيجب أن يثبت السبب الذي يسقط به القود عنه وذلك لا يثبت بأقل من أربعة.
ووجه من قال: يجوز في ذلك شاهدان فوجهه أنه لا يمتنع أن يقصد تثبيت الزنا بمعنى يرجع إلى حقه وإن كان ذلك الشيء مما لا يثبت به الزنا، ألا ترى أن الزوج إذا قذف زوجته ولاعنها فإنه يقصد باللعان اثبات الزنا عليها والزنا لا يثبت بذلك عليها على أصلنا ولكن يسقط عنه حد القذف، لأنه معنى يرجع إلى حقه كذلك هاهنا لا يمتنع أن يثبت الزنا بشاهدين المعنى يرجع إلى إسقاط القود وإن لم يثبت به الزنا لأن القتل لماجاز أن يثبت بشاهدين جاز أن يسقط بشاهدين ولأن الشهادة تضمنت حقاً لآدمي فقط وهو إسقاط القود عنه وذلك أنه إن ثبت زناها سقط القود عنه وهو حق كان استيفاؤه للورثة ولو ثبت القود فهو حق لهم وحقوق الآدميين ثبت بشاهدين ولأنه لما قال: فقتله لأنه زنا فقد وصل الإقرار بمعنى لا يؤدي إلى التناقض فكان يجب أن لا يلزمه إقامة البينة على ذلك لأنه وصل الإقرار بما يسقطه وهو أنه قتله بحق فهو كما لو قال: كان له فقضيتها لا يلزمه شيء لكان كلفناه البينة هاهنا احتياطاً للدماء فيجب أن يجزى في ذلك شاهدان.

ضمان سائق الدابة لجناية يدها أو رجلها

: 45 - مسألة إذا جنت الدابة برجلها أو بيدها وصاحبها يسوقها فهل يضمن بتلك الجناية أم لا؟ فالمنصوص عنه في رواية أبي طالب: الضمان لأنه قال: والذي يسوقها فما أصابت برجها أو بيدها فهو ضامن لما أصابت.

وقال الخرقي: وما جنت الدابة بيدها ضمن راكبها وإن جنت برجلها لم يضمن وكذلك إذا ساقها أو قادها فجعل حكم الراكب والقائد في نفس الضمان (كحكم السائق).
ووجه قوله: أنها جناية برجلها فلم يضمنها دليله لو كان راكباً أو قائداً ووجه ما نقله أبو طلب وهو أصح أنه إذا كان سائقاً أمكنها لحفظ منها لأنه يشاهد ذلك فهو الكراكب يضمن جناية يدها لأنه يمكنه التحفظ منها ويفارق هذا الراكب والقائد أنه لا يضمن جناية الرجل لأنه لا يمكنه التحفظ منها لعدم المشاهدة فلهذا لم يضمنها.

ضمان جناية الدابة الموقوفة في الطريق

: 46 - مسألة: إذا وقف في طريق المسلمين فنفخت بيدها أو برجلها أو كدمت بفمها هل يضمن صاحبها إذا لم يكن يده عليها؟

فنقل أحمد بن سعيد: إذا وقف على نحو ما يقف الناس أو في موضع يجوز أن يقف في مثله فنفخت بيدها أو برجلها فلا شيء عليه فإذا كانت مشدودة في قطار فيه عدة أبعرة فضربت إحداها برجلها وليس عليها إنسان فلا شيء عليه إنما ذلك إذا كان راكباً عليها.
فظاهر هذا أنه لا ضمان عليه إذا كان واقفاً لحاجة وكان الطريق واسعاً.
ونقل أبو الحارث: إذا أقام دابته في الطريق فهو ضامن لما جنت ليس له في الطريق حق.
وكذلك نقل أبو طالب: إذا شد فرسه في الطريق فعض رجلاً يضمن.
فظاهر هذا أن عليه الضمان.
وجه الأولى: أن وقوفه في الطريق الواسع يجري مجرى جلوسه في الطريق الواسع ثم ثبت أنه لو جلس في الطريق الواسع فعثر به إنسان فمات العاثر فلا ضمان على الجالس كذلك هاهنا.
ووجه الثانية: أن الدابة من طبعها أنها ترفس برجلها من قرب منها وتجني عليه فإذا أوقفها في الطريق حصل متعدياً بذلك فكان عليه الضمان كما لو شد سبعاً في الطريق فافترس إنساناً فعليه الضمان كذلك هاهنا.
ويفارق هذا جلوسه في الطريق أنه ليس من طبعه الجناية على من قرب منه فلهذا لم يضمن.

فإن ألقى في الطريق حجراً أو نصب سكيناً فعثر به إنسان فمات ضمن سواء كان الطريق واسعاً أو ضيقاً لأن الحجر والسكين قل ما عثر به إنسان إلا عقره وجرحه فحصل متعدياً بذلك.
ويفارق الدابة على رواية أحمد بن سعيد أنه لا يضمن لأنها قد يجني فخرج من هذا أنه إذا جلس في طريق واسع فعثر به إنسان فمات العاثر لا يضمن رواية واحدة، فإن ألقى حجراً أو سكيناً فعثر بها إنسان ضمن، رواية واحدة، فإن شد دابة فجنت، فعلى روايتين.

فصول الكتاب · 25 فصل · 457 صفحة
جارٍ التحميل