المسائل الفقهية من كتاب الروايتين والوجهينكتاب الغصب
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الغصب

عن هذه الطبعة
عَلَم
أبو يعلى ابن الفراء
الكتاب
المسائل الفقهية من كتاب الروايتين والوجهين
المؤلف
القاضي أبو يعلى، محمد بن الحسين بن محمد بن خلف المعروف بـ ابن الفراء (المتوفى: 458هـ)
المحقق
د. عبد الكريم بن محمد اللاحم
الناشر
مكتبة المعارف، الرياض
الطبعة
الأولى (1405هـ - 1985م) أعده للشاملة/ فريق رابطة النساخ برعاية (مركز النخب العلمية) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

ما يضمن به المثلى: ـ مسألة فيما له مثل: نقل حرب وإبراهيم بن هاني: وما كان من الطعام والدراهم، أو ما يكال أو يوزن فعليه مثله ليس القيمة، فظاهر هذا أن ما يكال ويوزن له مثل وما عدا ذلك لا مثل له.
ونقل موسى بن سعيد الدنداني: المثل في العصا والقطعة إذا كسرت وفي الثوب، ولا أقول في العبد والبهائم فظاهر هذا أن ما عدا الحيوان له مثل كالثياب والحطب والخشب والأواني، وإلى هذا ذهب جماعة من أصحابنا وعندي أن المسألة رواية واحدة، وأن ما عدا المكيل والموزون لا مثل له، وما نقله موسى بن سعيد قول مرجوع عنه لأنه ليس بمكيل ولا موزون فلم يضمن بمثله كالحيوان ولأنه لا يمكن الرجوع فيه إلى المثل لأنه إن ساواه في القدر خالفه في الثقل وإن ساواه فيهما خالفه من وجه آخر وهو القيمة فإذا تعذر المثل لم يكن بد من اعتبار القيمة، ومن ذهب من أصحابنا إلى إثبات المثل في هذه الأشياء يحتج بما روى أنس قال: كان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم عند إحدى أمهات المؤمنين فبعثت إحداهن قطعة من طعام إليه فضربت بيدها على يد الرسول ـ صلى الله عليه وسلم فسقطت القطعة وانكسرت نصفين فضم رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم أحد الكسرين إلى الآخر، وجعل يجمع الطعام فيه، وقال: كلوا، غارت أمكم

وبعث بقطعة صحيحة إليها وقال: خذوا ظرفاً مكان ظرفكم، وروى عن عائشة ـ رضي الله عنه ـ قال: بعث بقصعتي إليها والجواب أن هذا محمول على أنه بعث بالقصعة إليها برضا عائشة، بدليل أنه بعث بقصعة بكسر قصعة، وهذا لا يجب، فثبت أنه رضى منها به.

ما تضمن به عين الدابة

: 2 - مسألة: إذا قلع عين دابة ينتفع بظهرها في العادة دون لحمها هل يجب فيها مقدار أم يضمن بما نقص؟ قال أبو بكر: فيها روايتان: إحداهما: ما نقص، قال في رواية الميموني: من جنى على الدابة أو أعور فيها فعليه ما نقص.
فظاهر هذا أن الواجب في ذلك ما نقص.
ونقل أبو داود في رجل فقأ عين دابة رجل فعليه ربع قيمتها قيل له: فإن فقأ العينين جميعاً فقال: إذا كانت واحدة فقضى عمر بأن فيها ربع القيمة

وأما العينان فما سمعت فيهما شيئاً فقد نص على ربع القيمة في العين الواحدة.
وتوقف في العينين أن يحكم فيهما بمقدر.
وقد نقل أبو الحارث هذه المسألة وكشف فقال في رجل فقأ عين دابة لرجل: عليه ربع قيمتها.
قيل له: فقأ العينين، قال: إذا كانت واحد فقال عمر ربع القيمة، وأما العينان فما سمعت فيهما شيئاً قيل له: فإن كان بعيراً أو بقرة أو شاة.
فقال: هذا غير الدابة هذا ينتفع بلحمه وينظر ما نقصها.
وجه الرواية الأولى: أنها جناية على بهيمة فضمنت بالنقصان، دليله لو قلع العينين أو قطع يداً أو قلع عين بهيمة بقصد الانتفاع بلحمها دون ظهرها.
ووجه الرواية الثانية: حديث عمر أنه قضى في عين الدابة بربع قيمتها.
وروى عن علي أيضاً والصحابي إذا قال قولاً يخالف القياس فلا يقوله اجتهاداً، لأن الاجتهاد لا يقتضيه، وإنما يقوله توقيفاً عن ـ النبي صلى الله عليه وسلم ـ، ولأن الفرس حيوان يستحق به من المغنم فوجب في عينه مقدر كالحر.

ضمان منافع الغصب

: 3 - مسألة: في منافع الغصب.
هل هي مضمونة على الغاصب؟ فنقل الأثرم فيمن زرع في أرض قوم بغير إذنهم فعليه أجرة مثلها.
ونقل بكر بن محمد عن أبيه في رجل غصب داراً فسكنها سنة أو أقل أو أكثر هل ترى عليه أجرة مثلها؟.
فقال: من الناس من يقول: لا أجرة عليه، ولا اجترىء أن أجعل عليه سكنى ما سكن.
قال أبو بكر الخلال: هذا قول قديم، لأن محمد بن الحكم مات قبل أبي عبد الله بنحو من عشرين سنة.
فمن ذهب إلى رواية بكر بن محمد فوجهه أنه لو غصب حراً فحبسه مدة

ثم أرسله لم يضمن منافعه كذلك العبد، والعلة فيه أنها منفعة استخدام فلم تضمن بالغصب، ولأن منفعة ولد المغرور غير مضمونة وإن كانت قيمته مضمونة كذلك العبد.
ووجه الضمان: وهو الصحيح أن المنفعة تضمن بالبدل في العقد الفاسد فضمنت بالغصب كالأعيان.
يبين صحة هذا أنها تحل محل الأعيان بدلالة جواز العقد عليها، وأنها تضمن بالمسمى في العقد الصحيح وبالمثل في الفاسد، وتصح هبتها والوصية بها كالأعيان سواء فيجب أن تساويه في باب الضمان.

فداء المغرور بالأمة لأولاده منها لسيدها

: 4 - مسألة: في المغرور إذا استولد الأمة، هل يفدي أولاده لمالك الأمة؟ فنقل جعفر بن محمد، يفديهم، ويرجع بذلك على من غره.
ونقل ابن منصور روايتين: إحداهما مثل هذا.
والثانية: قال: ليس عليه أن يفديهم، ويرد الأمة إلى مالكها.
قال أبو بكر الخلال: أحسب هذا قولاً قديماً، والذي أذهب إليه أنه يفديهم ويرجع بذلك على الغار، فوجه من نفى ضمان القيمة أن هذا الولد انعقد حراً في الأصل وإذا انعقد حراً لم يضمن لسيد الأمة، لأنه غير مالك له ووجه من أثبت ضمان قيمته ـ وهو الصحيح ـ أن الولد من نماء ملكه ـ وكان من سبيله أن يكون مملوكاً لسيدها.
وقد أتلف الرق عليه باعتقاده فكان عليه قيمته.

رجوع المغرور بالمهر على من غره

: 5 - مسألة: إذا ضمن المغرور المهر للمستحق هل يرجع به على الغار وهو البائع؟ فنقل ابن منصور: أنه يرجع به على من غره، وكذلك قال في المغرور في النكاح إذا غره في العيوب فوطىء وهو لا يعلم ثم فسخ أنه يرجع به على من غره.

قال في رواية بكر بن محمد: قد كنت أذهب إلى حديث علي ـ ثم هبته وكأني أميل إلى حديث عمر، فقد أخذ بحديث عمر ولفظه: إذا تزوج بامرأة وبها جنون أو جذام أو برص فمسها فلها صداقها وذلك لزوجها غرم على وليها، ورجع عن قوله بحديث علي، وهو الغرم بلا رجوع.
قال في رواية أبي طالب يقول: ليس عليه غرم بما غره فقيل له: ما تقول أنت؟ قال: لا أدري، وكذلك نقل هارون بن عبد الله البزاز فيمن خطب امرأة فزوجوه بغيرها فدخل بها فلهذا الصداق على وليها لأنه غره.
وقد نص بالرجوع على الغار فيه.
قال أبو بكر: فقد توقف أحمد عن المهر، لأن عمر وعلياً اختلفا فقال عمر: يرجع.
وقال علي: لا يرجع، وكلا القولين قال بهما أحمد.
قال: واختياري قول علي ـ رضي الله عنه ـ فقد جعل أبو بكر المسألة على روايتين في الرجوع واختياره أنه لا يرجع به، والمنصوص عنه في الأمة وفي العيوب أنه لا يرجع بذلك.
وأخذ بحديث عمر ـ وهو اختيار الخرقي وكذلك يتخرج الخلاف إذا استخدمها المشتري.
ثم جاء مستحق فاستحقها فإنه يغرم للمستحق أجرة مثلها.
وهل يرجع بذلك على البائع أم لا؟ على روايتين: فمن ذهب إلى أن لا يرجع فوجهه أن المهر بدل منفعة قد حصلت له.
فيجب ألا يرجع به على غره، ألا ترى أنه لو غصب طعاماً فغصبه آخر منه، فأكله فضمنه المغصوب منه لم يرجع بما ضمنه على الغاصب الأول، ولا يشبه هذا قيمة الولد إذا ضمنها المستحق يرجع بها على البائع لأنه يكون مغروراً يمنع دخول الولد في الرق فصار الولد حر الأصل، وهذا المعنى لا يحصل للمغرور وإنما يحصل للولد والوطء منفعته قد حصلت له فلا يجوز أن يرجع ببدلها على غيره، ومن ذهب إلى أنه يرجع، وهو أصح فوجهه أن البائع قد ضمن له بعقد البيع سلامة الوطء كما ضمن له سلامة الولد فكما يرجع عليه بقيمة الولد كذلك يجب أن يرجع

عليه بالمهر ولأن كونه منتفعاً بالوطء لا يمنع الرجوع بدليل أن قيمة الولد يرجع بها وهو منتفع بحريته، لأنه يرثه ولا ينتفي عنه النقص برق ولده، ولأنه لا يرجع وإن لم يحصل له منفعة وهو أن العين إذا تلفت في يده فإنه يغرم القيمة لمالكها ولا يرجع بذلك على البائع وإنما يرجع بالثمن الذي أخذه فامتنع أن يكون عليه الرجوع ما لم ينتفع به، لأنه قد لا ينتفع ولا يرجع وهو القيمة يعني قيمة العين، وقد ينتفع ويرجع وهو قيمة الولد.

الوقت الذي يعتبر فيه قيمة المغصوب

: 6 - مسألة: في قيمة المغصوب هل يعتبر وقت الإتلاف أو وقت الغصب؟ فنقل ابن مشيش فيمن غصب ثوباً: فعليه قيمته يوم يستهلكه لا يوم بغصبه، وكذلك نقل حنبل وصالح فيمن غصب جارية قيمتها ألف فماتت وهي تساوي مائتين فعليه قيمتها يوم ماتت فقد نص على أن القيمة معتبرة يوم التلف.
ونقل ابن منصور في الرجل يستهلك الطعام لرجل أو شيئاً من العروض: فعليه قيمته يوم غصبه فعاوده السائل بعد ذلك فجبن عنه، قال أبو بكر الخلال: قد روى جماعة أن عليه القيمة يوم الاستهلاك.
ونقل إسحاق عنه يوم غصبه ثم جبن عنه ورجع إلى قوله الأول، فعلى هذا رجوعه يمنع اختلاف الروايتين بل تكون المسألة رواية واحدة بأنه لا يعتبر قيمته يوم الغصب، وإذا لم يعتبر قيمته يوم الغصب فهل يعتبر يوم التلف؟ فالمنصوص في رواية ابن مشيش وحنبل وصالح: أنه يعتبر قيمته يوم التلف.
وقال الخرقي: ولو غصبها وهي حامل فولدت في يده ومات الولد فعليه قيمة ولدها أكثر ما كانت قيمته يعني أكثر ما كانت قيمته من حين الولادة إلى حين التلف، وما وجدت رواية بذلك فعلى قوله: إذا كانت قيمته يوم الولادة مائة ويوم التلف خمسين ضمنه بمائة، وكذلك سائر المتلفات فالغصب يخرج على قوله أنه يضمن بأعلى القيمتين من حين الغصب إلى حين الإتلاف.
والمنصوص عن أحمد خلاف هذا، وهكذا الحكم في المقبوض عن عقد فاسد أنه

يضمن بقيمته حين الإتلاف ولا تعتبر قيمته حين القبض ولا أعلى القيمتين وقد قال أحمد ـ رحمه الله ـ في رواية الأثرم وحنبل في الرجل يأخذ من الرجل رطلاً من كذا وكذا على وجه البيع ولا يقاطعه على سعره: فلا بأس به، ويكون له قيمته يوم أخذه لا يوم محاسبته، وإنما حكم بأن القيمة يوم القبض لأن استهلاك هذه الأشياء في العادة يوم القبض.
فمن نصر قول الخرقي وأنه يضمن بأعلى القيمتين فوجهه أنه يطالبه بتسليم العين حال زيادتها، وهو غاصب لها في هذه الحال فيجب أن تكون مضمونة عليه كزيادة الثمر والصنعة (لما كان) مطالباً بها على هذه الصفة كانت مضمونة عليه، والدلالة على أنه يضمن بقيمته يوم الإتلاف هو أن الزيادة في القيمة لو كانت مضمونة مع تلف العين لكانت مضمونة مع بقائها.
ولما لم يضمن هذه الزيادة مع بقاء العين كالسمن وتعليم الصنعة لما كانت هذه الأشياء مضمونة مع تلف العين كانت مضمونة مع بقائها، لأنه لو غصبها وقيمتها مائة فبلغت قيمتها مائتين ثم نقصت فرجعت إلى مائة فردها وقيمتها مائة لم يضمن هذا النقصان، كذلك يجب ألا يضمنها مع تلف العين.

ربح المال المغصوب إذا اتجر به الغاصب

: 7 - مسألة: إذا غصب مالاً اتجر فيه فهل يكون الربح لصاحب المال؟ فنقل أبو طالب وعلي بن سعيد: إذا اتجر في الوديعة بغير إذن مالكها فربح فيها فالربح لصاحب الوديعة.
ونقل حنبل: لا يكون الربح لأحدهما بل يتصدقان به.
وجه الأولى: أنه لا خلاف أنه لو غصب الحنطة فزرعها فالزيادة لرب الحنطة كذلك ها هنا يبين صحة هذا أن الربح يضم إلى النصاب ويزكى،

وتضم السخال إلى الأمهات وتزكى إن كان أحدهما من غير المال وهو السخال.
والآخر من غيره وهو الربح.
ووجه الثانية: نهى ـ النبي صلى الله عليه وسلم ـ عن ربح ما لم يضمن.
وهذا المال بعد التصرف فيه لو تلف قبل قبضه لم يكن من ضمان المالك، وإنما يكون من ضمان الغاصب فيجب أن يتصدق بالربح، وهكذا نقل حنبل فيمن ابتاع ثمرة قبل بدو الصلاح بشرط القطع فتركها حتى يبدو صلاحها تصدق بالزيادة، لأن الثمرة قبل قبضها من ضمان البائع فلم يملك الزيادة.

وجوب المهر على مكره الثيب

: 8 - مسألة: واختلفت إذا استكره حرة ثيباً هل يلزمه مهرها؟ فنقل بكر بن محمد: عليه الصداق، لأنه ملتزم حكم الإسلام صادف وطؤه أجنبية منه فإذا سقط الحد عن الموطوءة وجب المهر على الواطىء إذا كان من الضمان كما لو كانت بكراً فإنه يلزمه المهر، رواية واحدة كوطء الشبهة، ولأن أكثر ما فيه أنه لم يتلف جزءاً منها، وإنما انتفع بالوطء، ومثل هذا يوجب الضمان كمنافع المغصوبة إذا كانت أمة، وسكنى الدار وركوب الدابة، وكل هذا مضمون كذلك ها هنا.
ونقل ابن منصور: لا صداق عليه لما روي عن ـ النبي صلى الله عليه وسلم ـ أنه نهى عن مهر البغي ويروى بالتخفيف، ومعناه عن مهر في مقابلة فعل البغي وهذا

فعل البغي، لأن الحد يجب عليه بهذا الوطء، والصحيح أنه يروي بالتشديد والمكرهة غير باغية فلا ينصرف الخبر إليها، والرواية الأولى أصح.

ما يضمن به المغصوب إذا تغير عن صفته حال الغصب

: 9 - مسألة: إذا تغير المغصوب عن صفته التي هي عليها مثل أن غصب حديداً فضربه سكاكين أو خشباً فعمله أبواباً أو حنطة فطحنها أو دقيقاً فخبزه أو شاة فذبحها وشواهاً هل ينقطع حق المغصوب منه؟ فنقل بكر بن محمد: إذاغصب حديداً فعمله سكاكين فإنه يدفع إليه سكاكين، وإذا كان حديداً يدفع الثمن على القيمة، فظاهر هذا أنه حكم بملكه الغاصب وألزمه القيمة، وهو اختيار أبي بكر، لأنه قال في كتاب (التنبيه): ولو غصب يبرماً فعمله أبراً أو ساجة فعملها أبواباً فعليه قيمة البيرم والساجة، وعندي أنه لا ينقطع حق المغصوب منه، لأنه قال في رواية الميموني: في رجل دفع إلى رجل ثوباً ليقطعه قميصاً فقطعه قباء، أو قميص امرأة، أو إلى صباغ ليصبغه بعصفر فصبغه أسود فهو لصاحب الثوب، ويلزمه قيمة ما نقص.
وهذا نظير هذه المسألة لأن الأجير إذا تعدى في الإذن صار غاصباً.
وقال في رواية ابن منصور: إذا ذبح الشاة ثم أخرجها يقطع في ذلك، وهؤلاء يقولون: لا يقطع، وهذا يدل على أنه لا يملكها الغاصب، وقال أيضاً: إذا جنى على العين المغصوبة جناية أتلف منها منفعة مقصودة مثل أن يقطع يد العبد المغصوب أو شق الثوب نصفين يلزمه الأرش ولم يجعل له حبس العين ودفع القيمة، ويكون معنى قوله في رواية بكر بن محمد: يعطيه القيمة، يعني نقصان القيمة عما كانت عليه وقت الغصب لا أنه أراد قيمة جميع العين، فعلى هذه الطريقة إن نقصت قيمة العين بتغير صفته فعليه ما نقص، وإن زادت فالزيادة لصاحب العين ولا شيء للغاصب لأنها آثار أفعال وليست أعيان أموال، قال أبو بكر: وقد روى عنه إن كان فيها زيادة كان شريكاً لصاحب السلعة المغصوبة بقدر الزيادة

ولعله خرج هذا القول على رواية إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني فيمن غصب ثوباً فصبغه فزاد أن الغاصب شريك في الزيادة، ويجب أن يكون بينهما فرق وذلك أن الصبغ زيادة أعيان، وليس كذلك ها هنا، لأنها زيادة آثار، فمن ذهب من أصحابنا إلى أنه ينقطع حق المغصوب منه إذا تغيرت صفته فوجهه ما روي عن ـ النبي صلى الله عليه وسلم ـ أنه زار قوماً من الأنصار في دارهم فذبحوا له شاة وصنعوا منها طعاماً فأخذ من اللحم شيئاً ليأكله فيمضعه ساعة فلم يسغه فقال ما شأن هذا اللحم، وروي أنه قال: إن هذه الشاة لتحدثني أنها أخذت بغير حق، فقالوا: طلبنا شاة في السوق فلم نجد وهذه الشاة كانت لبعض جيراننا فذبحناها ونحن نرضيه من ثمنها فقال ـ النبي صلى الله عليه وسلم ـ: أطعموها الأسرى فلولا أن حق صاحبها قد انقطع عنها لما أمرهم أن يطعموها الأسرى ولأمرهم بردها على المغصوب منه، ولأنه إذا ذبحها وشواها فات أعظم منافعها وزال الاسم عنها فوجب أن ينقطع حق صاحبها عنها كما لو غصب شاة فقتلها، ولا يلزم عليه إذا ذبحها ولم يشوها لأن معظم المنافع لم تفت لأن المقصود من الشاة اللحم وهو قبل أن يشوي يصلح لكل لون، والدلالة على أنه لا ينقطع حق المغصوب منه أن كل ما إذا فعله المالك في ملكه لم يزل ملكه عنه فإذا فعله الغاصب لم يزل ملكه عنه أصله إذا ذبحها ولم يشوها، وإذا غصب نقرة فضربها دراهم، ولأنه لو كان الغاصب أحق بها لملك التصرف فيها بالبيع والهبة والأكل ونحو ذلك.

إجبار الغاصب على إزالة ما أحدثه في الأرض

: 10 - مسألة: إذا غصب أرضاً فبنى فيها هل يجبر الغاصب على قلع البناء أم له المطالبة بالقيمة أو أرش النقص بما يحصل بالنقص؟.
فنقل بكر بن محمد عن أبيه عنه: يقوم البناء ويعطى، لأنه إن أخذ الغاصب

بناء يضر برب الأرض في الخراب والهدم ويكون ذهاب مال الغاصب في الجص والآجر.
ونقل ابن مشيش ومهنا: يجبر على قلع البناء، وهو أصح.
ووجه الأولى: أنه بناء حصل في ملك الغير فلم يجبر على قلعه على وجه يضربه كما لو أعاره أرضاً للبناء، ولأنه لو أعاره أرضاً للزراعة مدة معلومة فانقضت المدة والزرع لم يبلغ فإنه يجبر على إقراره في أرضه حتى يبلغ، وإن لم يكن الإذن حصل فيما زاد على ذلك.
ووجه الثانية: ما روى عروة بن الزبير: أن رجلين من الأنصار وروي من بني بياضة اختصما إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم غرس أحدهما في أرض الآخر نخلاً فقضى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم لصاحب الأرض بأرضه وأمر صاحب النخل أن يخرج نخله منها، وقال: من أحيا أرضاً ميتة فهي له وليس لعرق ظالم حق قال ولقد رأيتها والفؤوس تعمل في أولها وهي يومئذ عم، وهذا المعنى موجود في البناء، ولأنه شغل ملك غيره غصباً بملكه الذي لا حرمة له بنفسه فكان عليه التفريغ أصله إذا غصب داراً فصب فيها طعاماً فعليه التفريغ والنقل، ولأنه لو غصب ساحة وبنى عليها لزمه نقل بنائه من غير قيمة البناء كذلك ها هنا.

ما يأخذ به صاحب الأرض ما عليها من بناء أو زرع للغاصب

: 11 - مسألة: فإن غصب أرضاً فزرعها، فأراد صاحب الأرض أخذ الزرع لنفسه، فهل يأخذه بقيمته أم بما أنفقه الغاصب على الزرع؟ فيه روايتان:

نقل الميموني أبو الحارث وأبو طالب: يأخذه بما أنفق عليه.
ونقل مهنا عنه: له قيمة الزرع.
وجه الأولى: حديث رافع أن ـ النبي صلى الله عليه وسلم ـ قال: له نفقته فنص على النفقة دون القيمة.
ووجه الثانية: أن الزرع ملك الغاصب، بدليل أنه لو لم يحضر صاحب الأرض حتى حصد الزرع لم يكن له أخذه وإذا كان على ملكه كان له أخذه بقيمته، كما لو غصب خياطاً فخاط به خرجه دفع قيمته، ولأن الشفيع والمعير يأخذ الغراس والبناء بقيمته كذلك صاحب الأرض.

فصول الكتاب · 25 فصل · 457 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول المسائل الفقهية من كتاب الروايتين والوجهين · 457 صفحة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الحج
كتاب البيوع
كتاب الرهن، والتفليس والحجر، والصلح والحوالة، والضمانكتاب الشركة والمضاربة والوكالةكتاب الإقراركتاب الغصبكتاب الإجارةكتاب الوقف والعطيةكتاب الشفعة وإحياء المواتكتاب اللقطةكتاب الوصاياكتاب الوديعةكتاب الفرائض
كتاب النكاح
كتاب الجراح
كتاب الحدود
كتاب السيركتاب الصيد والذبائح والأطعمة والضحاياكتاب الأيمان والنذور والكفاراتكتابكتاب
جارٍ التحميل