المسائل الفقهية من كتاب الروايتين والوجهينصفحات 301-342
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الحدود

صفحات 301-342
عن هذه الطبعة
عَلَم
أبو يعلى ابن الفراء
الكتاب
المسائل الفقهية من كتاب الروايتين والوجهين
المؤلف
القاضي أبو يعلى، محمد بن الحسين بن محمد بن خلف المعروف بـ ابن الفراء (المتوفى: 458هـ)
المحقق
د. عبد الكريم بن محمد اللاحم
الناشر
مكتبة المعارف، الرياض
الطبعة
الأولى (1405هـ - 1985م) أعده للشاملة/ فريق رابطة النساخ برعاية (مركز النخب العلمية) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

كتاب الحدود

توبة الساحر

: 1 - مسألة في الساحر هل تقبل توبته أم لا؟ نقل حنبل: أنه كالمرتد يستتاب، ونقل يعقوب بن بختان عنه: الزنديق والساحر كيف تقبل توبتهما؟ قال أبو بكر: فالمسألة على روايتين: إحداهما: لا يستتاب لما روى ابن عباس عن ـ النبي صلى الله عليه وسلم ـ قال: حد الساحر ضربة بالسيف.
وروي أنه قال: اقتلوا الساحر والساحرة ولم يفرق بين التوبة قبلها وبعدها ولأنه ساع في الأرض بالفساد ويد الإمام ثابتة عليه فهو كقطاع الطريق إذا قدر عليهم الإمام ثم تابوا أن التوبة لا تسقط عنهم القتل.

والثانية: يستتاب ـ وهو اختيار الخلال ـ لعموم قوله تعالى: ألم تعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده.
وقوله: ثم إن ربك للذين عملوا السوء بجهالة ثم تابوا من بعد ذلك وأصلحوا.
ولأن قتله هاهنا واجب بحق الله ـ عزّ وجلّ ـ فإذا تاب جاز أن يقبل توبته دليله المرتد.

قال أبو بكر ولأن في توبته منفعة للمسلمين لأنه بعد التوبة هو عالم بالسحر يمكنه يحله فكان في ذلك منفعة.

سقوط حد الزنا بالتوبة

: 2 - مسألة: حد الزنا هل يسقط بالتوبة وكذلك حد السرقة وشرب الخمر أم لا؟ فالمنصوص عنه في رواية أبي الحارث: في السارق إذا تاب قبل القدرة عليه سقط القطع قال أبو بكر: وكذلك الزاني إذا تاب قبل القدرة عليه سقط الحد.
قال شيخنا أبو عبد الله: فيه رواية أخرى: لا يسقط الحد لأن أحمد ـ رحمه الله ـ قال في رواية ابن منصور فيمن سرق وزنى ثم ارتد ثم تاب: قال سفيان: أهدر الإسلام ما كان قبله، قال أحمد: يقام عليه الحد ولا يسقط الردة وذلك.
وجه من قال: يسقط ـ وهو أصح ـ أنه حد وجب على غير وجه السعي في الأرض بالفساد، وهو حق الله ـ عزّ وجلّ ـ فسقط بالتوبة كالردة وفيه احتراز من الساحر والقاطع إذا قدر عليه.
ولأنه قتل هو حق لله ـ عزّ وجلّ ـ فسقط بالتوبة كالمرتد وقاطع الطريق قبل القدرة عليه ولا يلزم عليه حد القذف، لأنه حق لآدمي ولا يلزم عليه الساحر على إحدى الروايتين.
ووجه الثانية: أنه حد وجب على غير وجه المحاربة وتبديل الدين فالتوبة لا تسقطه دليله حد القذف.

توبة الزنديق

: 3 - مسألة: في الزنديق هل تصح توبته أم لا؟ نقل أبو الحارث والميموني وابن منصور: الزنديق إذا ظهر عليه فأقر بالزندقة يقتل ولا يستتاب والمرتد يستتاب.
ونقل أبو طالب وعبد الله وابن إبراهيم عن أحمد: الزنديق يستتاب ثلاثاً فإن تاب وإلا ضربت عنقه.
وجه الأولى: أن من عادة الزنديق أن يظهر الإسلام ويستبطن الكفر ويدعو إليه في السر ويسعى في الأرض فساداً فإذا كان هذا معلوماً من حاله لم يقبل قوله: إنه تاب وليس هو كالمرتد إذا تاب لأنا لا نعلم أنه يبطن الكفر فيحمل أمره على الصحة ويقبل قوله.

ووجه الثانية: وهي اختيار أبي بكر الخلال ـ رحمه الله ـ أن المنافقين كانوا على عهد رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم يظهرون الإسلام ويسرون الكفر قال الله تعالى: وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا أنا معكم.
وقال: يحلفون بالله أنهم لمنكم وما هم منكم.
وقال: يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر.
وقال تعالى: إذا جاء المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون.
ومع هذا ـ فالنبي صلى الله عليه وسلم ـ لم يكن يقتلهم كذلك الزنديق إذا أظهر الإسلام، يجب أن لا يقتل.

الباغي إذا لم يكن له منعة

: 4 - مسألة: في الباغي إذا لم يكن له فئة ممتنعة فهل يجري عليه أحكام البغاة؟

قال أبو بكر في كتاب الخلاف: لا فرق بين من كثر عدده أو قل لأن الإمام العادل لو قلت أوامره وجموعه لم يكن مسقطاً لإمامته كذلك أهل البغي لا فرق بين أن يقل جماعتهم أو يكثروا إذا نصبوا راية أو أظهروا دعوة الإمام ... وعندي أنه متى لم يجتمعوا بحيث يحصل لهم شوكة وعسكر ومنعة فلا حكم له، وإنما حكمه كحكم سائر (الجناة) إن قتل قُتل قوداً وإن أتلف المال ألزم بدلاً، وذلك لأن ابن ملجم لعنه الله قتل علياً ـ رضي الله عنه ـ فقتل ابن ملجم قوداً لأنه تأول تأويلاً غير سائغ، ولم يسقط عنه التبعة بل أمر بقتله قوداً وأنه أقيد به لأنه لم يكن في منعه وإنما كان وحده وأجاب أبو بكر عن هذا بأن ابن ملجم لم ينضم إلى إمام منصوب، ودعوة قائمة وإنما كان محله محل اللصوص وقطاع الطريق.

ضمان ما يتلفه أهل البغي على أهل العدل

: 5 - مسألة: إذا أتلف أهل البغي مالاً على أهل العدل أو قتلوا منهم في حال الالتحام هل هو مضمون عليهم أم لا؟

فنقل الأثرم، وأحمد بن أبي عبده، أنه أخذ بحديث الزهري: أنه لا يقاد ولا يؤخذ ما أتلف على تأويل القرآن إلا ما وجد بعينه.
فظاهر هذا أنه مالم يؤخذ بعينه فلا ضمان عليه من نفس ولا مال.
ونقل ابن منصور في الحرورية: إذا قاتلوا وأخذوا فقال: كلما أصابوا من شيء فهو عليهم.
فظاهر هذا أنه ضمنهم ما أصابوه في حال قتالهم.
وجه الأولى: ـ وهي أصح ـ ما روى هشام بن مسلم عبد الملك أنه كتب إلى الزهري يسأله عن امرأة من أهل العدل هربت إلى أهل البغي وكفرت زوجها وتزوجت فيهم ثم ثابت ورجعت هل عليها الحد أم لا؟ فكتب إليه الزهري فقال: كانت الفتنة العظمى وفي بعض الأحاديث:

كانت الفتنة الأولى بين الناس، وفيهم البدريون، وفي بعضها أنه قال: فلقيت جماعة منهم فاجتمعوا على أن لا حد على من ارتكب فرجاً محرماً بتأويل القرآن وأن لا يقتل من سفك دماً محرماً بتأويل القرآن وأن لا يغرم ما لا أتلف بتأويل القرآن.
وقول الزهري: كانت الفتنة العظمى ليس بمرسل، لأنه تابعي لقي عشرة من الصحابة ونقل عنهم وروي عنه أنه قال: فلقيت جماعة منهم، فهذا إجماع منهم مقطوع به ولأنه إتلاف على وجه التدين من جماعة ممتنعة فلم يتعلق بها ضمان وشهادتهم تقبل وإذا أخذوا الزكاة أو الجزية أجزأ ذلك ثم لا يجب على أهل العدل الضمان بإتلاف أموال البغاة كذلك لا يجب على البغاة الضمان بإتلاف مال أهل العدل.
ووجه الثانية: كل مسلم قتل مسلماً بغير حق لزمه الضمان كغير الباغي وكل طائفتين من المسلمين اقتتلنا: إحداهما محقه والأخرى مبطلة لزم الضمان المبطلة كقطاع الطريق وإذا قاتلوا أهل الرفقة وأتلفوا عليهم مالاً وقتلوا منهم وكذلك الحكم في المرتدين إذا كانوا في منعة فأتلفوا مالاً هل يضمنون مالاً أم لا؟ على روايتين:

إحداهما: لا يضمنون أومأ إليه في رواية مهنا في مرتد لحق بدار الحرب فقتل بها رجلاً مسلماً ثم رجع، وقد أسلم فأخذه وليه ما يكون عليه في ذلك فقال: قد زال عنه الحكم: إنما قتله وهو مشرك وكذلك إن سرق، وهو مشرك فقيل يذهب دم هذا الرجل قال: لا أقول في هذا شيئاً فظاهر هذا أن لم يضمنه لأنها فئة متنعة أتلفت مالاً على وجه التدين فلم يلزمهم الضمان كأهل الحرب.

والثانية: عليهم الضمان، وهو اختيار أبي بكر لأنه ملتزم حكم الإسلام أتلف مال من له حرمة بغير حق فلزمهم الضمان كقطاع الطريق، وقد أومأ أحمد في رواية مهنا في مرتد قطع الطريق ولحق بدار الحرب، فأخذه المسلمون:

يقام عليه الحدود، ويقتص منه، وكذلك نقل ابن منصور في المرتد يدخل دار الحرب فيقتل ويزنى، ويسرق، فقال: أما أنا فلا يعجبني أن لا يقام عليه ما أصاب.

انتقاض أمان أهل الذمة بمساعدة أهل البغي

: 6 - مسألة: إذا استعان أهل البغي بأهل الذمة، فقاتلوا معهم لأهل العدل، ولم يكونوا مكرهين ولا أتوا بشبهة تكون عذراً لهم في ذلك مثل أن قالوا: ما عرفنا أنهم يستعينون بنا على مقاتلة المسلمين، أو قالوا: كنا نعتقد أنه من المسلمين، تجوز متابعتهم فهل ينقض أمانهم أم لا؟ ذكر أبو بكر عبد العزيز، في كتاب الخلاف، ما يدل على وجهين/ إحداهما: ينتقض أمانهم لأنهم لو انفردوا بمقاتلة المسلمين انتقض عهدهم، كذلك إذا قاتلوا مع أهل البغي وجب أن ينتقض عهدهم.
والثاني: لا ينتقض لأن أهل الذمة وإن قاتلوا فإنما قاتلوا تبعاً للمسلمين والحكم للمتبوع لا للتبع فلهذا حكمنا بذلك.

الدفاع عن مال الغير على وجه يؤول إلى القتل:

7 - مسألة: إذا اعترض إنسان لرجل من المسلمين يطلب ماله، فهل لغيره معاونته في قتال ذلك الطالب، ودفعه عنه، على وجه يغلب على ظنه أنه يؤول إلى قتل الطالب أم لا؟ فقد توقف عن الجواب في رواية حرب، ومحمد بن يحيى الكحال فقال: لو كان ماله لم يكن في قلبي منه شيء وأما غيره فلا أدري وقد صرح بالمنع في رواية أحمد بن الحسن الترمذي، والمروذي، فقال: لا يقاتل بالسيف إلا عن ماله لم يبح لك قتله عن مال غيرك، أما توقفه فيحتمل أن يقتضي الجواز لما روي عن ـ النبي صلى الله عليه وسلم ـ أنه قال: انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً.

ولأنه دافع عن غيره جوراً فصار كما لو دفع عن نفسه ولأنه لما جاز له أن يدفع عن مال نفسه كما يدفع عن نفسه كذلك في حق الغير لما جاز أن يدفع عن نفس غيره جاز أن يدفع عن ماله أيضاً.
ويحتمل أن يقضي توقفه المنع وقد صرح به.
في رواية المروذي وغيره والوجه فيه ما روي عن ـ النبي صلى الله عليه وسلم ـ قال: لا يحل دم امرىء مسلم إلا بإحدى ثلاث: كفر بعد إيمان، أو زنا بعد إحصان، أو قتل نفس بغير نفس.
ولأنه لو أتلف مال غيره لم يبح ذلك قتله في مقابلتها كذلك إذا هم بأخذه وإتلافه لم يبح ذلك قتله ويفارق هذا النفس لأنه لو أتلف نفس غيره أبيح قتله في مقابلتها وكذلك إذا هم بإتلافها أبيح قتله ولا يلزم على هذا مال نفسه إذا طلبه غيره أنه مباح للمالك أن يقاتل عنه، وإن لم يكن إتلاف ماله موجباً لقتل المتلف، لأن القياس يقتضي المنع أيضاً لكن تركنا القياس، كما روي عن ـ النبي صلى الله عليه وسلم ـ أنه قال: من قتل دون ماله فهو شهيد فأباح القتال دون ماله، فتركنا القياس لذلك ولم يرد في مال الغير

خبر، فترك له القياس، ولأن القتال عن مال نفسه، هو لمعنى في نفسه، والقتال عن مال غيره هو لمعنى في غيره، وفرق بينهما ألا ترى أنها لو أفطرت لمرض قضت، ولا فدية عليها، ولو أفطرت الحامل والمرضع (خوفاً على ولديهما)، كان عليهما القضاء

والكفارة لأن فطرها لمرض لمعنى في نفسها، فكانت معذورة فخفف عنها وقطرها لأجل الولد لمعنى في غيرها، فغلظ عليها فوجبت الفدية.

استرقاق أولاد المرتد الذين يولدون حال ردته

: 8 - مسألة: هل يسترق ولد المرتد الذي ولد في حال الردة أم لا؟ نقل الفضل بن زياد، في رجل ارتد في أرض الشرك وتزوج فيهم، وولد له، ما يصنع بولده قال: يردون إلى الإسلام إلا أنهم يكونون عبيداً للمسلمين، وهذا يدل على استرقاقهم لأنه قال: هم عبيد للمسلمين وهو اختيار أبي بكر ذكره في كتاب الخلاف.
قال شيخنا أبو عبد الله: في استرقاقهم روايتان، وأختار أنه لا يجوز استرقاقهم لأنهم يتبعون الأب في الدين والإسلام، وقد كان ثبت لأبيهم حرمة الإسلام فمنع ذلك من استرقاقهم فيجب أن يمنع تلك الحرمة من استرقاقهم، والدلالة على أنه يجوز استرقاقهم، وهو المذهب، أنه ولد من بين كافرين، فأشبه إذا ولد من بين كافرين أصليين ولأن الحرمة تثبت للأب وتلك الحرمة منعت من استرقاقه في نفسه، ولم يثبت للأولاد فلم يمنع من استرقاقهم.
فإذا قلنا: يسترقون، فقال أبو بكر: لا يفرون ببذل الجزية ويجبرون على الإسلام، وهو ظاهر كلام أحمد ـ رحمه الله ـ يردون إلى الإسلام لأنهم عبيد

للمسلمين وعندي أنه يجب أن ينظر فيما يختارون من الأديان، فإن كانوا يختارون دين أهل الكتاب أقروا على دينهم، وجاز استرقاقهم وإن كان ديناً لا يقرون عليه كعبدة الأوثان لم يجز استرقاقهم، وقد نص على أن استرقاق عبدة الأوثان لا يجوز.

الحكم بإسلام الكافر الأصلي إذا شهد أن محمداً رسول الله:

9 - مسألة: الكافر الأصلي إذا شهد أن محمداً رسول الله ولم يلفظ بالشهادة بالله، هل يحكم بإسلامه أم لا؟

نقل مهنا عنه فيمن قال أشهد أن محمداً رسول الله: فقد دخل في الإسلام قيل له: يهودي أو نصراني أو مجوسي قال أشهد أن محمداً رسول الله وقال: لم أرد الإسلام يجبر على الإسلام.
فظاهر هذا أنه يحكم بإسلامه في جميع أهل الأديان.
ونقل صالح في اليهودي، والنصراني، إذا قال: أشهد أن محمداً رسول الله ثم قال: لم أرد الإسلام هل يجبر؟ فقال: أما اليهودي فيجبر لأنه يوحد وأما النصراني والمجوسي فلا لأنهم لا يوحدون فظاهر هذا أنه فرق بين أهل الأديان فجعل وذلك إسلاماً في حكم اليهودي، ولم يجعله إسلاماً في حق النصراني، والمجوسي.
وجه الأولى: أنه إذا شهد ـ بالنبي صلى الله عليه وسلم ـ فقد اعترف بالتوحيد، لأنه قد حصل مصدقاً بما جاء به ـ النبي صلى الله عليه وسلم ـ والذي جاء به نفي الولد والتوحيد.
ووجه الثانية: أن شهادتهم بالنبي ليس بصريح في إسلامهم لجواز أن يعتقد أن المرسل له الابن أو روح القدس، قال أبو بكر: لأن التوحيد لا يصح من النسطور، والروم، ويصح من اليعاقبة لأنهم لا يقولون: عيسى هو الله، تعالى الله علواً كبيراً.
والوجه الصحيح في ذلك: أن شهادته بالله تعالى قبل الشهادة ـ بالنبي صلى الله عليه وسلم ـ لا حكم لها، لأنه إنما يصح وشهادتهم بالله إذا كان مصدقاً لرسوله ممتثلاً لأمره وهذا المعنى لا يصح منه في تلك الحال.

الإتيان بالشهادتين دون قصد الإسلام

: 10 - مسألة: إذا أتى بالشهادتين وقال: لم أعتقد الإسلام هل يقبل قوله؟ فنقل الجماعة: أبو داود، ومهنا، وحرب: لا يقبل منه، ومتى رجع ضربت عنقه.

قال أبو بكر: وقد روي عنه إذا قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وهو يريد الإسلام فهو مسلم، وإذا قال وهو لا يريد الإسلام لم أجبره على الإسلام، وروى ذلك عنه فوران، ومحمد بن الحكم، والمشكاتي قال: والعمل على ما رواه الجماعة: أنه لا يقبل منه لأن المكلف إذا أتى باللفظ الذي يتعلق به الحكم، فالظاهر أنه يصده وأعتقده، وقوله بعد ذلك: لم أفصده، لم يصدق لأنه خالف الظاهر ألا ترى أنه لو أقر وقال: كذبت في إقراري أو سهوت لم يقبل منه وكذلك لو تلفظ بالطلاق الصريح، وقال: لم أقصد الطلاق لم يقبل منه.
ووجه الثانية: وهي اختيار أبي بكر هو أن في قبوله قوله احتياط للدم، والدماء يحتاط لها في الموضع المحتمل والشبهة وهاهنا شبهة لأنه يحتمل صدقه في ذلك ويمكن أن يحتمل ما نقله فوران، والمشكاتي على وجه وهو أن يكون أتى بالشهادتين على وجه يشهد له الظاهر، أنه لم يقصد به الإسلام مثل أن يأتي بألفاظ الآذان على وجه الحكاية، والأخبار عن صفة لا على وجه التأذين، أو يذكر أن فيها توحيداً على وجه الحكاية، كما يقول في باب الطلاق إذا أتى بصريحه على وجه الحكاية لم يقع.

قبول توبة المرتد إذا تكررت ردته

: 11 - مسألة: إذاتكررت توبته وردته هل تصح توبته؟ نقل ابن منصور: تصح.
ونقل الميموني، والمشكاتي: لا تصح وهو اختيار أبي بكر، لأنه متى تكررت ردته فالظاهر أنه زنديق، فلا تقبل توبته وإذا قلنا تقبل ـ

وهو أصح ـ فوجهه ما روى عن ـ النبي صلى الله عليه وسلم ـ أنه قال: إن الله تعالى لا يرد توبة التائبين أبداً وإن ترادف منهم الكفر والكبائر.
ولأنا قبلنا توبته أولاً لأجل أنه قد تعرض له شبهة، وهذا المعنى موجود هاهنا في الدفعة الخامسة.

الجمع بين الجلد والرجم للزاني المحصن: مسألة: هل يجتمع الجلد والرجم في حق الزاني المحصن؟ على روايتين: نقل الأثرم وأبو النضر وابن منصور وصالح: يرجم ولا جلد.
ونقل عبد الله وإسحاق بن إبراهيم: يجلد ويرجم.
ووجه الأولى: وهي اختيار شيخنا أبي عبد الله ما روى أبو هريرة وعبد لله بن عباس وجابر بن سمرة، وجابر بن زيد الأنصاري: أن ـ النبي صلى الله عليه وسلم ـ رجم ماعزاً ولم يجلده فلو كان الجلد واجباً لكان يوجبه.

وروى ابن مسعود عبيد الله بن عبد الله بن مسعود أن زيداً بن خالد الجهمي وأبا هريرة أخبره أن رجلين اختصما إلى رسول الله فقال أحدهما: اقض بيننا يا رسول الله بكتاب الله ـ فقال له الآخر اقض بيننا يا رسول الله بكتاب الله وائذن لي.
فقال تكلم فقال له يا رسول الله إن ابني كان عسيفاً على هذا، وقد زنا بامرأته وقالوا: إن على ابن الرجم ففديته بمائة شاة وجارية لي، ولقد أخبرني رجال من أهل العلم إنما على ابني الجلد وإنما الرجم على امرأة هذا.
فقال ـ النبي صلى الله عليه وسلم ـ: والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله أما شاتك وخادمك فهو رد عليك وعلى ابنك جلد مائة وغربة عام.
ثم قال لأنيس الأسلمي: اذهب إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها.
فذهب فاعترفت فرجمها.
فلو كان الجلد واجباً عليها لقال له: اجلدها وارجمها ولأنه سبب يجب به القتل فلم يجب معه الجلد أصله قتل المرتد.
ووجه الثانية: وهي اختيار أبي بكر ـ قوله تعالى: الزانية والزاني فأجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة فأوجب على الزانية والزاني جلد مائة ولم يفرق بين البكر والثيب فروى عبادة بن الصامت: أن ـ النبي صلى الله عليه وسلم ـ قال: خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلاً البكر بالبكر جلد مائة جلدة وتغريب عام.

والثيب بالثيب جلد مائة والرجم وروي أن علي بن أبي طالب

ـ رضي الله عنه ـ جلد شراحة الهمذانية يوم الخميس ورجمها يوم الجمعة، فقيل له: جلدتها حدين فقال: جلدتها بكتاب الله ورجمتها بسنة رسول الله، ولأنه زنا يوجب الجلد فأوجب عقوبتين دليله البكر يجب مع الجلد النفي وكذلك هاهنا يجب أن يجب مع الرجم معنى آخر وهو الجلد.

تغريب الزانية بلا محرم

: 13 - مسألة: إذا زنت المرأة البكر فإنها تنفى فإن تطوع محرمها وخرج معها فإنها تنفى إلى ما تقصر فيه الصلاة وإن لم يخرج معها محرمها ففيه روايتان: إحداهما تنفى إلى موضع لا يقصر في مثله الصلاة، نص عليه في رواية المروذي فقال: إذا زنت ولم يكن لها محرم تنفى إلى مثل المدائن سفراً لا تقصر في مثله الصلاة.
أومأ إليه في موضع آخر في مسائل المروذي فقال: تنفى من عمله إلى عمل غيره قيل له: بغير محرم قال: نعم.
فقد أطلق القول بالنفي من غير محرم ولم يقدر المدة.
ونقل الأثرم عنه في المرأة تنفى بغير محرم فقال: نعم قيل له: قد قال ـ النبي صلى الله عليه وسلم ـ: لا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم وأما السفر ليس من هذا هذا أمر

لزمها، ليس هذا بمنزلة السفر، يسافر بها وهم يقولون: إن امرأة وجب عليها حق والقاضي منهم على أيام رفعت إلى القاضي ولو أنها أصابت حداً في البادية جيء بها إلى المصر حتى يقام عليها الحد بغير محرم قالوا هذا برأيهم.
ونقل ابن القاسم عنه: لا تحج المرأة إلا مع ذي محرم فقيل له: فإن وجب عليها (الحد) وليس ثم حاكم، يخرج بها إلى المحاكم فقال ليس هذا يشبه الحج.
وجه الأولى: أنه سفر صحيح في دار الإسلام، فلم يجب بغير محرم دليله الحج والتجارة.
ووجه الثانية: أنه نفي وجب لأجل الزنا، فاعتبر في مدته ما تقصر فيه الصلاة، دليله نفي الرجل، ولأنه سفر واجب لغير عبادة فلم يعتبر فيه المحرم دليله الهجرة.

حد اللوطي

: 14 - مسألة: اختلفت الرواية في حد اللوطي.
فنقل أبو طالب، وإسحق إن إبراهيم: أنه يرجم محصناً كان أو غير محصن.
ونقل المروذي، وحنبل، وأبو الحارث، ويعقوب بن بختان: إن كان بكراً جلد وإن كان محصناً رجم.
وجه الأولى: حديث ابن عباس ـ رضي الله عنه ـ قال: اقتلوا الفاعل والمفعول به ولأنه إجماع الصحابة روى صفوان بن مسلمة

عن خالد ابن الوليد أنه وجد في بعض ضواحي العرب رجلاً ينكح كما تنكح المرأة فكتب إلى أبي بكر الصديق في ذلك فاستشار أبو بكر الصحابة في ذلك فكان أشد الناس في ذلك علي بن أبي طالب فقال: إن هذا ما عمله إلا أمة واحدة وقد رأيتم ما فعل الله بهم، وأرى أن يحرق.
فكتب أبو بكر إلى خالد أن يحرقه وأخذ بذلك عبد الله بن الزبير في خلافته، ولأن اللواط أعظم من الزنا فإن الفرج يستباح بحال وهو عقد النكاح، ولهذا يقول في وطء ذوات المحارم أنه يقتل بكل حال.
ووجه الثانية: أن اسم الزنا يقع على ذلك، قال ـ النبي صلى الله عليه وسلم ـ: إذا أتى الرجل الرجل فهما زانيان وإذا أتت المرأة المرأة فهما زانيتان وإذا وقع عليه اسم الزنا فقد قال الله تعالى: الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ولأنه فرج يجب بالإيلاج فيه الحد فوجب أن يختلف حكم البكر والثيب فيه كفرج المرأة.

عقوبة إتيان البهيمة

: 15 - مسألة: في إتيان البهائم هل يوجب الحد؟ نقل ابن منصور عنه: يدرأ عنه الحد ويعزر.
ونقل حنبل: حده كحد الزاني.
وجه الأولى: وهي اختيار أبي بكر والخرقي ـ أن الحد إنما يراد للزجر والردع والإنسان يرتدع وتعاف نفسه إتيان البهائم فلهذا لم يلزمه الحد.
ولأن الحد يجب بالإيلاج في فرج له حرمة كفرج الآدمي وهذا لا حرمة

له.
ألا ترى أنه لو مسه إنسان لم ينتقض طهره ولو مس فرج آدمي انتقض طهره.

ووجه الثانية: أنه فرج يجب بالإيلاج فيه الغسل فجاز أن يحد بالإيلاج فيه كفرج المرأة.

عقوبة واطىء ذات الرحم

: 16 - مسألة: إذا وطىء ذات رحم منه مع العلم بالتحريم ففيه روايتان.
نقل حنبل وصالح وعبد الله وأبو طالب وابن منصور: حده القتل بكل حال.
ونقل الفضل بن زياد: حده حد الزاني.
قال أبو بكر: فيه روايتان: إحداهما يقتل بكراً كان أو ثيباً، والثانية: حكمه حكم الزاني.
وجه الأولى: ـ وهي الصحيحة ـ وهي اختيار أبي بكر ما روى ابن عباس عن ـ النبي صلى الله عليه وسلم ـ أنه قال: من أتى ذات رحم محرم فاقتلوه.
وروى البراء بن عازب قال خرجت في طلب إبل لي قد ضلت فلقيت فرساناً ومعهم راية قد خلوا منزل رجل فأخرجوه وضربوا عنقه وقالوا هذا عرس بامرأة أبيه.
ولأن وطء ذات رحم محرم أعظم من الزنا لأنه لا يستبيحه.

قال: وقد نبه الله تعالى عليه فقال: يا نساء النبي من يأتي منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين لأن مأثمهم أعظم من مأثم غيرهم.
ووجه الثانية: أنه فرج من جنس ما يستباح بالوطء فإذا وجب الحد على الواطىء فيه وجب أن يكون حده حد الزاني دليله الأجانب شهادة بعضهم.

ثبوت حد القذف على شهود الزنا إذا لم يكمل النصاب أو ردت شهادة بعضهم

: 17 - مسألة: إذا (لم) يكمل عدد الشهود مثل أن يشهد واحد أو اثنان أو ثلاثة بالزنا لم يجب لحد على المشهود عليه، وأما الشهود فهم قذفة وعليهم حد القذف رواية واحدة.
نص عليه في رواية الأثرم وغيره وإن كمل عددهم لكن رد الحاكم شهادة الجميع أو بعضهم، إما لمعنى ظاهر مثل أن يكون فيهم عبد أو فاسق ظاهر الفسق أو كانوا عمياناً أو كان لمعنى خفي مثل أن اشتبه على الحاكم فسق واحد منهم ففيه روايتان: إحداهما: لا حد عليه نص عليه في مواضه.

فنقل حنبل في أربعة عميان شهدواعلى رجل بالزنا: لا يضربون قد جاؤوا أربعة.
ونقل مهنا: إن كان أحدهما فاسقاً أو أعمى أو محدوداً لم أقم عليه الحد عليهم قد أحرزوا ظهورهم.
ونقل بكر بن محمد والأثرم: إذا كانوا غير عدول أو بعضهم غير عدل لم يضربوا.

والرواية الأخرى: عليهم الحد نص عليه في رواية ابن منصور في أربعة عميان شهدوا على امرأة بالزنا قال يضربون أومأ إليه أيضاً في رواية أبي النضر العجلي في المجنون إذا شهد عليه أربعة أنه زنى فإنهم قذفه، وقال أيضاً: إذا شهد الزوج معهم مع ثلاثة فإنهم يحدون.
ووجه هذه الرواية هي أقيس أنهم أدخلوا المعرة عليه بإضافة الزنا بسبب لم يسقط حصانته فوجب عليهم الحد كما لو نقص عددهم من أربعة يبين صحة هذا أنه إنما وجب الحد عليهم لنقصان العدد كي لا يكون ذلك ذريعة إلى التعريض لأن كل من أراد أن يقذف إنساناً يجمع معه فيجيء إلى الحاكم فيشهد عليه بالزنا ولا يجب عليه الحد وهذا المعنى موجود مع كمال العدد.
ووجه الرواية الأولى: أن القياس يمنع من إيجاب الحد عليهم لأنهم أضافوا الزنا إليه بلفظ الشهادة فهو كما لو كانوا أربعة على صفة الشهود.
ولكن تركنا القياس في نقصان العدد لإجماع الصحابة وهو ما روي أن أبا بكرة ونافعاً وشبل بن معبد شهدوا على المغيرة بن شعبة بالزنا وامتنع زياد فحد عمر الثلاثة وكان ذلك بمحضر من الصحابة وتوافر منهم فلم يظهر من أحد منهم نكير عليهم ولا مخالفة فتركنا القياس في نقصان العدد للإجماع وبقي ما عداه على موجب القياس ولأن العدد موجود وقد جاؤوا مجيء الشهود وهم من أهل الشهادة في الجملة فلم يجب عليهم الحد كما (لو كانوا مبصرين) وذلك أن العميان من أهل الشهادة عندنا في الأموال وكذلك العبيد والفساق من أهل الشهادة في الجملة.

إقامة حد القذف على من يرجع من الشهود على الزنا:

18 - مسألة: إذا شهد أربعة بالزنا فرجع أحدهم قبل حكم الحاكم بالحد على المشهود عليه فهل يحد الراجع أم لا؟ نقل أبو الحارث ويعقوب بن بختان إذا رجع أحدهم قبل أن يقام الحد يحد

الثلاثة فظاهر هذا أنه أوجب الحد على الثلاثة ولم يوجبه على الراجع وهو اختيار أبي بكر وشيخنا.
ونقل حنبل: إذا شهد أربعة بالزنا فرجع أحدهم قبل قيام الحد حدوا كلهم فظاهر هذا أنه أوجب الحد على الرجع أيضاً.
وجه الأولى: أن الراجع قد فعل المأمور به من الستر على المشهود عليه فلهذا لم يلزمه الحد لفعله ما أمر به وليس كذلك من أقام على الشهادة لأنه لم يفعل المأمور به من الستر ولا زالت حصانة المشهود عليه بقولهم فلهذا لزمهم الحد ويفارق هذا إذا لم يرجع أحد منهم عن الشهادة أنه لا حد عليهم وإن لم يفعلوا المأمور به من الستر فإنه قد زالت حصانة المشهود عليه بقولهم ويفارق هذا إذا قذفه بغير لفظه الشهادة ثم رجع وأكذب نفسه أنه يلزمه الحد لأنه بالقذف وجب عليه الحد، فالبرجوع يسقط ما قد وجب عليه فلهذا لم يقتل، وهاهنا ما وجب عليه الحد بشهادتهم فالبرجوع لا يسقط حقاً فلهذا لم يحد.

ووجه الثانية: وهي الصحيحة عندي أن شهادة الشهود لا تتم قبل حكم الحاكم بدلالة أن شاهدين لو شهدا بمال ثم رجع أحدهما قبل حكم الحاكم لم يثبت بشهادة الآخر فلو كانت شهادتهما قد تمت لوجب أن يثبت نصف المال كما لو رجع أحدهما بعد حكم الحاكم فإنه يغرم نصف المال المشهود عليه وإذا كان كذلك وجب إذا رجع أحدهما في مسألتنا أن لا يكون لشهادة الباقين حكم، وإذا بطل حكمها صارت قذفاً.
لأن الراجع بإيجاب الحد عليه أشبه من الثلاثة لأن الباقين مقيمون على شهادتهم فكان يجب أن لا يصدق عليهم ولو أنه رجع بعد حكم الحاكم وقال تعمدت وتعمدوا معي فإنه يجب عليه القود دونهم وإن قال: أخطأت وجب عليه ربع الدية دونهم لا يختلف المذهب في ذلك فإذا لم يكن الراجع أولى بإيجاب الحد من غيره فلا أقل من أن يساويهم في إيجاب الحد.

ما يلزم شهود الإحصان عندما يرجعون مع الشهود على الزنا عن الشهادة

: 19 - مسألة: إذا شهد شاهدان بالحصانة وأربعة بالزنا فرجم، ثم رجعوا أجمعين وقالوا: أخطأنا.
فقال أبو بكر وغيره من أصحابنا: عليهم الضمان لأن الرجم المستوفى بقولهم أجمعين وكان الضمان على جماعتهم ويفارق هذا إذا بان فسق الشهود أن المزكين لا يلزمهم الضمان لأن فيه نظراً مع أن التزكية لا تختص بالرجم ولا بالإحصان وهذه الشهادة تختص بالإحصان فلهذا تعلق بها الضمان فإذا ثبت وإن عليهم الضمان فقال أبو بكر في كيفيته قولان: أحدهما: يضمن شهود الإحصان نصف الدية، قال وهو الأقيس على مذهبه لأن الرجم ثبت بنوعين من الجناية فكان عليهم الضمان نصفين.
والثاني: الضمان عليهم بالسوية لأن الرجم ثبت بشهادتهم أجمعين بدليل أنه لو انفرد كل فريق لم يرجم بشهادته فلما اجتمعوا رجم ثبت أنهم بالسوية كما لو شهد الستة بالزنا ثم رجعوا أجمعين فعلى هذا يلزم شهود الحصانة ثلث الدية ويلزم شهود الزنا الثلثان.

إقامة السيد الحد على مماليكه

: 30 - مسألة: هل يملك السيد إقامة حد السرقة على عبده؟ فنقل ابن منصور عن سفيان أنه قال في الآبق: لا يقطعه مولاه قد عيب على ابن عمر، قال أحمد قريب مما قال، وأما إذا زنت أو زنا ملك يمينه فيجلده وذكر الخبر.
فظاهر هذا أنه أخذ بقول سفيان وفرق بين القطع وبين

الجلد وأومأ في مسائل مهنا إلى الآخذ بما روي عن ابن عمر في جواز القطع.
وجه هذه الرواية عموم قوله ـ عليه السلام ـ: أقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم ولأن عائشة قطعت أمة لها سرقت وابن عمر قطع يد عبده في السرقة.
ولأنه حد الله تعالى فجاز أن يملك السيد إقامته كحد الزنا.
وجه الأولى: إن السيد لا يملك شيئاً من جنس القطع فلم يكن له القطع ويملك من جنس حد الزنا وهو التعزير ولأنه متهم في ذلك بأن يقصد إلى إتلافه بالقطع ليسري إلى نفسه.

اختلاف الشهود في الحال التي وقعت عليها الجناية

: 21 - مسألة: إذا شهد شاهدان أنه زنى بها في ثوب أحمر وشاهدان له زنى بها في ثوب أبيض.
فقال أبو بكر: ليس هذا اختلاف في الشهادة وقال: إذا شهد أحدهما أنه قتله غدوة آخر أنه قتله عشية أو شهد أحدهما أنه ضربه بالسيف وآخر أنه ضربه بخشبة أنها شهادة مسموعة.
وقال: لو شهد اثنان أنه زنى بها وهي سوداء وشهد آخران أنه زنى بها وهي بيضاء فهم قذفه يجب عليهم الحد.

ونقل عن أحمد في كتاب الخلاف أنه قال في رواية مهنا: إذا شهد نفسان أنه زنى بها في هذا البيت وآخران أنه زنى بها في بيت آخر وجب الحد بقولهم، وأخذ بظاهر هذه الرواية والمذهب عندي في جميع هذه المسائل أنها شهادة باطلة غير مسموعة.

وقد ذكر الخرقي: إذا شهد نفسان على رجل أنه زنى بها في هذا البيت وشهد الآخران على رجل أنه زنى بها في هذا البيت فالأربعة قذفة وعليهم الحد وهذا يدل على ما ذكرنا وأن الشهادة باطلة لأنها شهادة لم تجتمع على فعل واحد لأن فعلاً واحداً لا يمكن وجوده في بيتين ولا في قميصين ولا في غدوة وعشية ولا بخشبة وسيف.
فيجب أن لا تصح الشهادة كما لو شهد اثنان أنه زنى بها وهي بيضاء وآخران أنه زنى بها وهي سوداء إن الشهادة باطلة ويفارق هذا إذا شهد اثنان أنه زنى بها في الزاوية وآخران أنه زنى بها في الزاوية والأخرى أن الشهادة صحيحة إذا كان البيت صغيراً والزوايا متقاربة لأنه يمكن أن يكون على فعل واحد بأن يقربه شاهدان في هذه الزاوية وآخران من الزاوية الأخرى والفعل واحد ولا يمكن هذا في البيتين.

إقامة الحدود على الكفار

: 22 - مسألة: هل يجب الرجم على الكفار إذا أحصنوا وزنوا؟ نقل الجماعة منهم الميموني: يجب ويصح الإحصان في حقهم.
ونقل المروذي لفظين: أحدهما قال الذمية تحصن المسلم والثاني: قال لا تحصن اليهودية والنصرانية المسلم.
قال أبو بكر قد ورى المروذي هذه المسألة في ثلاثة مواضع أثبت إحصانهم في موضعين ونفاه في موضع آخر.
قال ويغلب على ظني أن أبا بكر الخلال أغلط أبا بكر المروذي فيها إلا أن من نفى الرجم عنهم وبقي الإحصان احتج بأنه احصان شرط فيه الحرية فوجب أن يكون الإسلام شرطاً فيه دليله الاحصان الموجب للحد على القاذف ولأنه لا يحد قاذفه بحال فوجب إذا زنى أن لا يرجم كالعبد.

وأما من أوجب الرجم وهو الصحيح فوجهه أن ـ النبي صلى الله عليه وسلم ـ رجم

يهوديين زنيا والرجم لا يجب إلا بعد ثبوت الإحصان ولأن اليهود والنصارى أهل ملة فجاز أن يجب عليهم الرجم بالزنا كالمسلمين ولأنه قتل بسبب متقدم فاستوى فيه المشرك والمسلم كالقتل في القصاص يلزم عليه القتل يترك الصلاة لأنه وجب بسبب حادث لا متقدم.

عقوبة واطئ الميتة

: 23 - مسألة: في وطء الميتة: نقل عبد الله عنه في الذي يأتي الميتة أن بعض الناس يقول عليه حدان: حد الموت وحد الزنى فظننه يعني عن نفسه.
فقال أبو بكر: لم يبلغنا في هذه المسألة غير ما رواه عبد الله وقد أخبر عن نفسه أنه ظن ذلك عن أبيه ويحتمل أن يكون عليه الحد لأنها حالة يجب الغسل بوطئها فوجب الحد كحالة الحياة ويحتمل التعزير قال فيه أقول لأن الحد يحب في العادة ردعاً وزجراً والإنسان في العادة يزجر نفسه عن وطء الميتة لأنها لا تشتهي غالباً.

عقوبة وطء أمة الزوجة

: 24 - مسألة: إذا أذنت له زوجته في وطء أمتها لم يحل له الوطء لأن

الوطء لا يستباح بالإباحة وإنما يستباح بملك اليمين أو عقد نكاح وليس هاهنا واحد منهما فإن وطئها لم يجب عليه الرجم ولكن يعزر بمائة جلدة وكان القياس الرجم لوجود شرائط الرجم لكن ترك القياس هاهنا لحديث النعمان بن بشير عن ـ النبي صلى الله عليه وسلم ـ في الرجل يأتي جارية امرأته قال: إن كان أحلتها له جلد مائة وإن لم يكن أحلتها له رجم.
فأسقط الرجم عنه بالأذن في الوطء فإن أتت بولد فهل يثبت نسبه منه أم لا؟ نقل ابن منصور عنه: قال سفيان: إذا أحلت فرجها فوقع عليها فهي مملوكة لسيدها الأول والولد مملوك.
قال أحمد هذا وطء شبهة والولد ولده والأمة ترجع إلى سيدها.
فظاهر هذا أنه ألحق به الولد.

وقال أبو بكر ما رواه ابن منصور قول أول، والعمل ما رواه الميموني والمروذي أنه لا بلحق الولد لأن الحد يلزحه وليس فيما حكاه عن الميموني بيان أن الوطء كان بعد إباحتها له بل يحتمل أن يكون ذلك على أن الوطء كان قبل الإباحة فلا يلحق لأن الرجم يلزمه ومن لزمه الرجم لم يلحق به الولد.
وما نقله ابن منصور فيه صريح إذا كان الوطء بعد الإذن أنه يلحق به لأن الحد لا يلزمه في هذه الحال، وإنما يجب عليه التعزير وثبوت التعزير لا

ينفي النسب كما لو وطئ أمه بينه وبين شريكه، فإن التعزير يجب والنسب يلحق به كذلك هاهنا.
فتكون الإباحة هاهنا شبهة في لحوق النسب كما كان ملك بعضها شبهة في لحق النسب.
وقد نقل المروذي وأحمد بن واصل المقري: إذا وطىء جارية امرأته في حياتها ثم ماتت وادعى أنها له لم نلحق نسبه لأنه وطىء ما لا يملك وإن كان ولدت بعد موت امرأته لحق نسبه لأن له فيها حصة.
ويؤدي باقي ثمنها، أما قوله: إذا وطىء في حال حياتها وماتت لم يلحق نسبه، محمول على أنه وطىء من غير إباحة منها، لأن الحد يجب عليه، وقوله: إن ولدت بعد موتها لحق نسبه، لأن له منها حصة، محمول على أن الوطء كان بعد موتها، لأن وطأه صادف أمة مشتركة بينه وبين الورثة.

قذف الميت

: 25 - مسألة: إذا قذف امرأة ميتة فهل لولدها الحي المطالبة بحد القذف إذا كان حراً مسلماً أم لا؟ قال الخرقي في مختصره: له المطالبة سواء كانت الأم مسلمة حرة أو كافرة أمه.
وقال أبو بكر في كتاب الخلاف: ليس له المطالبة قال: لأنه قذف لميتة فلا يملك الوارث المطالبة به كما لو كان المقذوف حياً ثم مات فإن وارثه لا يرث حق المطالبة في أصلنا كذلك هاهنا.

ووجه ما قاله الخرقي ـ رحمه الله ـ وهو أصح أن هذا القذف حصل قدحاً في نسب الحي فيجب أن يملك المطالبة به لما عليه من المعرة ولهذا المعنى ملك المطالبة مسلمة كانت أو كافرة إذا كان الابن مسلماً لأن القدح داخل لا يقدح في نسبه ولهذا المعنى لو قذف ابوه الميت لم يملك المطالبة بحد القذف لأن ذلك لا يقدح في نسبه نفلهذا لم يملك المطالبة ولا يلزم على هذا إذا كانت الأم في الحياة أنه لا يملك المطالبة بذلك وإن كان فيه قدح في نسبه لأن هناك من هو أحق بالمطالبة وهي الأم.

حد قاذف الكتابي

: 26 - مسألة: فإن قذف يهودية أو نصرانية ولها ولد مسلم أو زوج مسلم هل يجب على القاذف حد القذف؟ نقل حنبل: لا يجب.
ونقل أبو بكر: ما رواه حنبل هو المعمول عليه لأنه قذف لكافر فلم يلزمه الحد، دليله إذا لم يكن له زوج مسلم ولا ولد مسلم.
ووجه ما نقله ابن منصور: أن في قذفها قدحاً في نسب الولد لمسلم فالمعرة تلحقه بذلك ولهذا المعنى حد قاذف أم ـ النبي صلى الله عليه وسلم ـ، لما فيه من القدح من نسبه ـ عليه السلام ـ كذلك إذا كان الزوج مسلماً ففي قذفها قدح في فراشها ونسب ولده.

تعزيز قاذف الكافر

: 27 - مسألة: فإن قذف كافراً له ولد مسلم هل يعزر قاذفه أم لا؟ نقل الحسين بن محمد بن الحارث فيمن قذف اليهودي والنصراني: يؤدب.
وكذلك نقل اسحاق ـ قال أبو بكر الخلال: روى هذه المسألة أرجع من عشرة أنفس ليس عليه حد يؤدب وروى محمد بن موسى: ليس عليه شيء ولم يتابعه على هذا اللفظ أحد.
وجه الأولى: في أنه يعزر قاذفه أن في قذفه الذمي أذية له بذلك وقال ـ لنبي ـ: من آذى ذمياً كنت خصمه ولأن على الإمام أن يحمي أهل الذمة ويذب عنهم فيجب أن يعزر قاذفه لأن فيه ذباً عنهم.

ووجه الثانية: عموم قوله تعالى: ﴿ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً﴾ ولأنه ناقص بالكفر فلم يجب على قاذفه تعزير، دليله الحربي، ولأن التعزير عقوبة تجب لأجل القذف فلا يجب على المسلم بقذف الذمي دليله الحد.

مسائل في القطع في السرقة

اعتبار الذهب أصلاً في نصاب السرقة:

28 - مسألة في الذهب هل هو أصل في نصاب القطع في السرقة؟ على روايتين: أحدهما: أنه أصل ومقداره ربع دينار فصاعداً نص عليه في رواية صالح والمروذي فقال: إذا سرق من الذهب أقل من ربع دينار وهو يساوي ثلاثة دراهم فأكثر فليس عليه قطع حتى يسرق من الذهب ربع دينار، فظاهر هذا أنه أصل.
والثانية: ليس بأصل وهو مقوم بالدراهم نص عليه في رواية الميموني: إذا سرق من الذهب رددته إلى قيمته بالدراهم، فإذا بقدر ما يقطع فيه قطعته.
وجه الأولى: وهي أصح ما روي في حديث عائشة أن ـ النبي صلى الله عليه وسلم ـ قال: القطع في ربع دينار فصاعداً ولأن الذهب أحد جنسي الأثمان فكان

أصلاً في القطع كالفضة، ولأنه حكم يعتبر فيه نصاب في الورق فاعتبر فيه نصاب من الذهب كالزكاة.
ووجه الثانية: ما روى ابن عمر أن ـ النبي صلى الله عليه وسلم ـ قطع سارقاً في مجن قيمته ثلاثة دراهم فقوم المجن بالدراهم فدل على أنها هي الأصل.
وروى في خبر آخر: لا قطع في ثمر ولا كثر حتى يؤويه الجرين فإذا آواه الجرين فالقطع فيما بلغ قيمته المجن.
ولأن الذهب لو كان أصلاً لكان الأشياء المسروقة مقومة به كما كانت مقومة بالدراهم ولا يختلف المذهب أن العروض لا

تقوم بالذهب وإنما تقوم بالدراهم دل على أنها ليست بأصل ألا ترى أنها لما كانت أصلاً في قيم المتلفات قوم به؟

اختلاف الحرز باختلاف المحروز:

29 - مسألة: هل يختلف الحرز باختلاف المحروز؟ فذكر أبو بكر في كتاب الخلاف ما يدل على أن الموضع إذا كان حرزاً لشيء فهو حرز لسائر الأشياء ولا يكون الموضع حرزاً لشيء لأن ما كان حرزاً لنوع من الأموال كان حرزاً لغيره من الأموال دليله وراء الإقفال والإغلاق.
وقال شيخنا: الإحراز يختلف باختلاف المحروز في النقل والخضروات، في دكاكين البقالين من وراء شريحة تغلق وحرز الذهب والجوهر والفضة والثياب الأماكن الحريزة في الدور وتحت الإغلاق الوثيقة فمن جعل الجوهر في دكان البقل تحت شريحة فقد ضيع وهو أصح لأن الحرز ورد مطلقاً ولا حد له في اللغة ولا في الشرع فيجب أن يرجع فيه إلى عرف الناس وعاداتهم كالتفرق والقبض وأقل الحيض وأكثره وأقل الحمل وأكثره وفي العادة أن الإحراز يختلف باختلاف المحرز.

القطع في السرقة من الحمام والخان والحوانيت المأذون في دخولها إذا كان عليها حافظ

: 30 - مسألة: إذا سرق من الحمام أو الخان أو الحوانيت المأذون في دخولها وهناك حافظ فهل يقطع أم لا؟ فقال في رواية ابن منصور: لا يقطع سارق الحمام إلا أن يكون على المتاع آخر قاعد مثلما صنع بصفوان فقد نص على القطع.
وقال في رواية حنبل: ليس على سارق الحمام قطع وكذلك نقل الميموني، فقال: إذا كان الشيء مشتركاً يدخل فيه مثل الحمام والخيمة فلا قطع فقد أطلق القول بأن لا قطع.
وجه الأولى: أنه لو كان المتاع في المسجد أو في صحراء أو عليه حافظ فإنه يقطع سارقه بلا خلاف كذلك الحمام والخان.

ووجه الثانية: أن الإذن قد وجد من المالك في الدخول فخرج الشيء عن أن يكون محرزاً من المأذون له ألا ترى من أن أذن لرجل في دخول داره لا قطع عليه لأجل الإذن ولهذا قال أحمد في رواية جعفر بن محمد في الرجل يدخل الضيف بيته فيسرق: لا قطع عليه، كذلك هاهنا، ويفارق هذا المسجد والصحراء لأنه لم يحصل الإذن في ذلك من جهة آدمي فلهذا وجب القطع.

القطع بسرقة الكلأ المحوز

: 31 - مسألة: هل يقطع بسرقة الكلأ المحاز؟ قال أبو بكر: لا يقطع.
وقال أبو إسحاق: يقطع وهو أصح.
وجه قول أبي بكر أن الكلأ مما ورد الشرع باشتراك الناس فيه فهو كالماء.
ووجه قول أبي إسحاق أنه يتمول في العادة فهو كالخشب.

قطع السارق بعد الثانية

: 32 - مسألة: إذا سرق في الدفعة الثالثة هل يقطع أم لا؟ نقلأبو الحارث والمرودي لا يقطع وهو اختيار الخرقي وأبي بكر ونقل الميموني: قطع عمر ـ رضي الله عنه ـ بعد يد ورجل وإليه أذهب.
وجه الأولى: قوله تعالى: والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما فأضاف اليد إليهما بلفظ الجمع فدل على أن المراد به يد واحدة كما قال الله تعالى: إن تتوبا إلى الله فقط صغت قلوبكما.
فأضاف القلب إلى الاثنين بلفظ الجمع ثم كان لكل واحد منهما قلب واحد وكذلك قول العرب: قطعت رؤوسهما وبعجت بطونهما وضربت ظهورهما فيضيف الشيء الواحد إلى الإثنين بلفظ الجمع ولأن في قطع اليدين إبطال منفعة البطش في حق الله فوجب أن لا يجوز قياساً على الدفعة الثانية ولهذا أشار علي كرَّم الله وجهه بقوله: إني

لأستحي من الله أن لا أدع له يداً يبطش بها.
وكل عضو لا يقطع في المرة الثانية لا يقطع في المرة الثالثة كالأنف والأذن.

ووجه الثانية: ما روى أبو هريرة أن ـ النبي صلى الله عليه وسلم ـ قال في السارق: اقطعوا يده ثم إن سرق فاقطعوا رجله ثم إن سرق فاقطعوا يده ثم إن سرق فاقطعوا رجله.
ولأن كل يد قطعت قصاصاً قطعت بالسرقة كاليمنى وكل عضو في أطرافه مقدر قطع بالسرقة كالرجل اليسرى.

تكرر السرقة قبل القطع

: 33 - مسألة: إذا تكررت منه السرقة ولم يقطع فهل يقطع لكل مرة؟ نقل مهنا عنه إذا سرق مرة ثم سرق مرة أخرى ولم يقطع ثم أتى به الإمام: يقطع يداً واحدة.
فظاهر هذا أنه يقطع مرة واحدة.
ونقل صالح عنه فيمن سرق من جماعة شيئاً: فإن جاؤوا متفرقين قطع لكل واحد منهم وإذا جاؤوا جميعاً قطع لهم قطع.
وجه الأولى: ـ وهي أصح ـ واختاره أبو بكر أنها حدود الله تعالى ترادفت فتداخلت كحد الزنا والشرب.
قال أبو بكر: ولأنه وطىء في شهر رمضان مراراً في يوم واحد أو أيام متفرقة عليه كفارة واحدة، فإن كفر عاد من يومه أو من الغد فوطىء عليه كفارة أخرى كذلك هاهنا.
ووجه الثانية: أنه حد يتعلق بحق آدمي فإذا تعلق بجماعة اعتبر اجتماعهم وانفرادهم في المطالبة دليله حد القذف وقد اختلفت الرواية في حد القذف إذا ثبت لجماعة على روايتين: إحداهما حد واحد والثانية: إن جاؤوا بحد واحد وإن جاؤوا متفرقين فحدود كذلك هاهنا.

قطع العضو الأشل في السرقة

: 34 - مسألة: في أشل سرق هل تقطع يده الشلاء أم رجله اليسرى؟

نقل ابن منصور: تقطع يده الشلاء إذا كانت قائمة.
ونقل إبراهيم الحربي وأبو النصر: تقطع رجله اليسرى.
وجه الأولى: وهي اختيار أبي بكر، أن محل القطع موجود فيجب أن يقطع كما لو كانت سالمة.
ووجه الثانية: أنه لا منفعة فيها ولا جمال ولا أرش فيها مقدر فلم يقطع كما لو كانت معدومة.

سرقة أحد الزوجين من مال الآخر

: 35 - مسألة: إذا سرق كل واحد من الزوجين من مال صاحبه هل عليه القطع أم لا؟ نقل صالح: لا قطع وهو اختيار الخرقي وأبي بكر.
ونقل حنبل: يقطع وهكذا الخلاف إذا سرق عبد كل واحد منهما من مال مولى الآخر.
وجه الأولى: ما روي أن رجلاً جاء إلى عمر بعبده وقد سرق مرآة زوجته فقال: أرسله فليس عليه قطع خادمكم سرق متاعكم.
ولأن بينهما سبباً لا يسقط الميراث بوجه فوجب أن لا يقطع بسرقته كالولد والوالد ولأن كل واحد منهما له شبهة في مال صاحبه أما هي فإنها تستحق زيادة في النفقة وأما هو فيزيد في قيمة بضعها الذي هو ملكه.
ووجه الثانية: أنه استباح أحد المنفعتين بعقد فوجب أن لا يسقط به حكم القطع كما لو استأجر امرأة فسرقت من متاعه فعليها القطع.

اعتبار الجيب حرزاً لما فيه:

36 - مسألة: في جيب الإنسان وكمه هل هو حرز لما فيه؟

فنقل حنبل عنه في الذي يأخذ من كم الإنسان وجيبه ويطر: لا يقطع، هو بمنزلة المختلس.
فظاهر هذا أنه لا قطع في ذلك.
ونقل ابن منصور عنه في الطراز: إذا كان يطر سراً يقطع وإن اختلس لم يقطع.
فظاهر هذا أنه أوجب القطع في ذلك لأن الطرار هو الذي يأخذ من الجيب والكم.
ووجه الأولى: أن العادة جرت أن من أراد أن يحرز ما في كمه قبض على كمه بيده وزر جيبه ولم يرسله فإذا خالف العادة في ذلك لم يكن حرزاً فعلى هذا يكون الجيب والكم حرزاً إذا قبض على كمه وزر جيبه وإن أرسله لم يكن حرزاً.
ووجه الثانية: أن جيب الإنسان حرز لما يوضع فيه في العادة، ألا ترى أن من فعل هذا لا يقال: ضيع ماله ولا فرط فيه بل يقال: حفظ واحتاط فيه وكذلك إذا جعل في كمه فيجب أن يكون حرزاً.

ووجه ما قاله أبو بكر أن القطع حق لله تعالى فلا يفتقر في إقامته إلى مطالبة آدمي كالزنا وشرب الخمر وعكسه حد القذف لما كان حقاً لآدمي افتقر إلى مطالبة ولأن أحمد قال في العبد: إذا أقر على نفسه بالسرقة بمال في يده لزيد فأنكر السيد ذلك فادعى أن المال الذي في يده ملك له أنه يقطع ويكون المال للسيد فلو كان إقامة الحد يفتقر إلى مطالبة بالعين المسروقة وجب أن لا يقام عليه الحد هاهنا لأنه لا مطالب بالسرقة.

القتل والصلب بالقتل وأخذ المال

: 38 - مسألة: إذا قتل وأخذ المال هل يقطع يده مع القتل أم يقتل ويصلب؟ نقل عبد الله: يقتل ويصلب ولا تقطع يده.
ونقل حرب: تقطع ويقتل.
وجه الأولى: ـ وهي الصحيحة ـ قوله تعالى: أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف.
قال ابن عباس: أن يصلبوا إن قتلوا وأخذوا المال فقد فسر الآية بذلك فمن زاد على هذا فقد ترك الآية.
ولأن الله تعالى أوجب الصلب ولا يخلو إما أن يجب الصلب بالقتل أو بأخذ المال أو بهما فبطل أن يكون وجوبه بالقتل لأنه خلاف الإجماع وبطل أيضاً أن يكون وجوبه بأخذ المال لأنه خلاف الإجماع أيضاً، ثبت أن يكون الصلب بالقتل وأخذ المال معاً وإذا ثبت وجوبه لم يجز تركه إلى القطع.
ووجه الثانية: أنه لو انفرد بأخذ المال قطع ولو انفرد بالقتل قتل فإذا جمع بينهما وجب أن يستوفى منه كما لو زنا وسرق فإنه يستوفى منه الحدان معاً كذلك هاهنا.

الأواني التي يكره الانتباذ بها

: 39 - مسألة: هل يكره الانتباذ في الأوعية غير الأدم.

فنقل بكر بن محمد وصالح وابن منصور: يكره في الظروف المزفتة والنقير والحنتم والدبا فهذه نهى عنها ونهي أن ينتبذ في المزاد المجبوبة والسقاء المقطوع العتق حتى يكون عنقه منه، ظاهر هذا كراهية ذلك.
ونقل حنبل: قد أذن ـ النبي صلى الله عليه وسلم ـ أن ينتبذ في الظروف بعد ما كان نهى ولا بأس أن ينتبذ في الأوعية كلها إذا لم يكن مسكراً والسقاء أحب إليَّ لأنه لا اختلاف فيه ولم يجىء فيه نهي، فظاهر هذا أن ذلك غير مكروه.
وجه الأولى: ما روي عن ـ النبي صلى الله عليه وسلم ـ أنه نهى عن الدبا والحنتم والنقير والمزفت وقال: انتبذوا في الأدم فإنها توكا وتغلق فنهى عن هذه الأوعية.
فالدبا من القرع متى قطع رأسها بقيت كالجود ينتبذ فيها، والحنتم الجرة الصغيرة والنقير خشبة تنقر وتخرط كالبرنية والمزفت ما قير بالزقت كل هذا نهى عنه لأجل الظروف وأنها يكون في الأرض فتسارع إليه الشدة كما كره أن ينتبذ الخليطين لأنه يسارع إليه الشدة.
ووجه الثانية: أن النهي عن ذلك ورد ثم نسخه ما روى محارب بن دثار عن

يزيد عن أبيه أن ـ النبي صلى الله عليه وسلم ـ قال: نهيتكم عن ثلاث وأنا آمركم بهن نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فإن زيارتها تذكركم الآخرة ونهيتكم عن الأشربة أن تشربوا إلا في الظروف الأدم فاشربوا في كل وعاء غير أن لا تشربوا مسكراً ونهيتكم عن لحوم الأضاحي أن تأكلوها بعد ثلاث فكلوا واستمتعوا، فالنبي ـ عليه السلام ـ نهى عن التنبيذ في هذه الأوعية ثم أذن فيه فدل على جوازه.

حد شرب الخمر

: 40 - مسألة: اختلفت الرواية في حد شرب الخمر على روايتين: نقلهما حنبل: إحداهما: أنه ثمانون وهي اختيار الخرقي.
والثانية: أنه أربعون وهي اختيار أبي بكر.
وجه الأولى: ما روى بقية بن وهب عن محمد بن علي عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم ـ جلد شارب الخمر جريدتين نحو أربعين.

وإذا كان أربعين بجريدتين ضعفين ثبت أنه ثمانون ولأن الأربعين حد

العبد وهو حد القذف فلم يكن حد الحر، كالخمسين، لما كان حد العبد في حد الزنا لم يكن حدا للحر.
ووجه الثانية: ما روى حصين بن المنذر أبوساسان الرقاشي قال شهدت عثمان بن عفان وقد أتى بالوليد بن عقبة فشهد عليه حمران ورجل آخر شهد أحدهما أنه شربها وشهد الآخر أن تقيأها.
فقال عثمان: ما تقيأها حتى شربها، فقال لعلي: أقم عليه الحد، فقال علي للحسن: أقم عليه الحد، فقال الحسن: يتولى حارها من يتولى قارها.
فقال علي لعبد الله بن جعفر أقك عليه الحد، فجلده عبد الله بن جعفر وعلي يعد، فلما بلغ أربعين قال: حسبك، جلد رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم أربعين، وجلد أبو بكر أربعين، وجلد عمر ثمانين، وكلاهما سنة، وهذا أحب إليّ، يعني الأربعين، فقد أخبر أن ـ النبي صلى الله عليه وسلم ـ اقتصر على الأربعين.
ولأن الحدود يترتب باختلاف الإجرام فحد الزنا يغلظ لأنه هتك بالزنا حرمتين حرمته وحرمتها، وربما أفسد النسب، وحد القذف أدون لأنه هتك به حرمة آدمي فكان ثمانين وحد الخمر هتك حرمة واحدة في حق الله تعالى وحد فكان أخف من غيره فكان أربعين.

ضمان من مات بسبب الزيادة على الحد

: 41 - مسألة: إذا جلد الإمام زيادة على الحد إما في حد الشرب أو غيره من الحدود فمات فهو مضمون وهل يجب كمال الدية أم نصفها؟ قال أبو بكر في كتاب الخلاف على قولين أحدهما يجب كمال الدية فهو قياس المذهب فإن أحمد قد نص في الإجارات إذا جاوز بالدابة الموضع المستأجر إليه أو زاد على حملها فتلفت فعليه كمال القيمة.

والثاني: عليه نصف الدية لأنه مات ممن فعل مضمون وغير مضمون لم تجب فيه كمال الدية كما لو جرح نفسه وجرح غيره أو جرح وهو مرتد فأسلم ثم جرح وهو مسلم فإنه لا تجب كمال الدية، كذلك هاهنا.

وإذا قلنا: تجب كمال الدية لأن الفعل المحظور إذا انضاف إلى فعل مباح تعلق الضمان بالمحظور ولم يقابل المباح شيء من ذلك كما قلنا في رجل ألقى حجراً في سفينة فيها متاع كثير فغرقت السفينة بإلقائه الحجر ومثله لا يغرق السفينة به فإنه لا خلاف أن الضمان يجب على ملقي الحجر ولا يقال: إن الضمان يتقسط فسقط بقدر ما قابل المتاع.
كذلك هاهنا.

خطأ الإمام

: 42 - مسألة: في خطأ الإمام هل يكون في بيت المال أم على عاقلته؟ مثل أن يكون الجلد ثمانين فيخطىء فيجلد أحدا وثمانين فيموت المحدود أو تكون الزانية حاملا فيجلدها أو يرجمها فيموت ما في بطنها وهو لا يعلم أو يذكر امرأة عنده بسوء فينفذ إليها فتسقط ذا بطنها فزعاً منه فتخرج الجنين ميتاً أو يحكم في القتل بشهادة فاسقين أو كافرين أو عبدين أو يحكم باجتهاده ثم تبين أنه خالف النص.
(نص) عليه في رواية ابن منصور: إذا أخطأ الإمام في قتل أو جرح فعلى بيت المال، واحتج بحديث علي ـ رضي الله عنه ـ في حد الخمر.
ونقل أبو النصر فيمن شهد عليه أنه زنا فلم يسأل القاضي عن إحصانه حتى رجمه فالدية في بيت المال.
والرواية الثانية: يكون على عاقلته، نقلها ابن منصور في موضع آخر.
واحتج بقصة عمر ـ رضي الله عنه ـ التي أنفذ إليها فأجهضت ذا بطنها

فصول الكتاب · 25 فصل · 457 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول المسائل الفقهية من كتاب الروايتين والوجهين · 457 صفحة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الحج
كتاب البيوع
كتاب الرهن، والتفليس والحجر، والصلح والحوالة، والضمانكتاب الشركة والمضاربة والوكالةكتاب الإقراركتاب الغصبكتاب الإجارةكتاب الوقف والعطيةكتاب الشفعة وإحياء المواتكتاب اللقطةكتاب الوصاياكتاب الوديعةكتاب الفرائض
كتاب النكاح
كتاب الجراح
كتاب الحدود
توبة الساحرسقوط حد الزنا بالتوبةتوبة الزنديقالباغي إذا لم يكن له منعةضمان ما يتلفه أهل البغي على أهل العدلانتقاض أمان أهل الذمة بمساعدة أهل البغياسترقاق أولاد المرتد الذين يولدون حال ردتهالحكم بإسلام الكافر الأصلي إذا شهد أن محمداً رسول الله:الإتيان بالشهادتين دون قصد الإسلامقبول توبة المرتد إذا تكررت ردتهتغريب الزانية بلا محرمحد اللوطيعقوبة إتيان البهيمةعقوبة واطىء ذات الرحمثبوت حد القذف على شهود الزنا إذا لم يكمل النصاب أو ردت شهادة بعضهمما يلزم شهود الإحصان عندما يرجعون مع الشهود على الزنا عن الشهادةإقامة السيد الحد على مماليكهاختلاف الشهود في الحال التي وقعت عليها الجنايةإقامة الحدود على الكفارعقوبة واطئ الميتةعقوبة وطء أمة الزوجةقذف الميتحد قاذف الكتابيتعزيز قاذف الكافرمسائل في القطع في السرقةاعتبار الذهب أصلاً في نصاب السرقة:القطع في السرقة من الحمام والخان والحوانيت المأذون في دخولها إذا كان عليها حافظالقطع بسرقة الكلأ المحوزقطع السارق بعد الثانيةتكرر السرقة قبل القطعقطع العضو الأشل في السرقةسرقة أحد الزوجين من مال الآخراعتبار الجيب حرزاً لما فيه:القتل والصلب بالقتل وأخذ المالالأواني التي يكره الانتباذ بهاحد شرب الخمرضمان من مات بسبب الزيادة على الحدخطأ الإمام
كتاب السيركتاب الصيد والذبائح والأطعمة والضحاياكتاب الأيمان والنذور والكفاراتكتابكتاب
جارٍ التحميل