المسائل الفقهية من كتاب الروايتين والوجهينكتاب
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب

عن هذه الطبعة
عَلَم
أبو يعلى ابن الفراء
الكتاب
المسائل الفقهية من كتاب الروايتين والوجهين
المؤلف
القاضي أبو يعلى، محمد بن الحسين بن محمد بن خلف المعروف بـ ابن الفراء (المتوفى: 458هـ)
المحقق
د. عبد الكريم بن محمد اللاحم
الناشر
مكتبة المعارف، الرياض
الطبعة
الأولى (1405هـ - 1985م) أعده للشاملة/ فريق رابطة النساخ برعاية (مركز النخب العلمية) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

آداب القاضي والشهادات والدعاوي والبينات

(كتاب أدب القضاء) والشهادات والدعاوي والبينات

بحث الحاكم عن عدالة الشهود

: 1 - مسألة إذا عرف الحاكم إسلام الشهود ولم يعلم عدالتهما ولا فسقهما فهل يبحث عن عدالتهما في الباطن أم لا؟ فنقل عبد الله وحنبل عن أحمد يروي عن إبراهيم: العدل ممن لم تظهر منه ريبة، وما يعجبني هذا حتى يستخبر فظاهر هذا أنه لا يحكم بشهادتهما حتى يبحث عن عدالتهما، سواء كان ذلك في حد أو قصاص أو غير ذلك من الحقوق.
ونقل ابن منصور: وجدت العدل في المسلمين من لم تظهر منه ريبة في المسلمين.
فظاهر هذا أن البحث ليس بشرط في قبول الشهادة سواء كان ذلك في حد أو قصاص أو مال، وهو اختيار أبي بكر والخرقي.
قال الخرقي: والعدل من لم تظهر منه ريبة.
وجه الأولى: وهي أصح، ما روي أن رجلاً ادعى عند عمر بن الخطاب على رجل حقاً، فأنكر المدعى عليه، فأتى بشاهدين، فقال لهما عمر: لست أعرفكما ولا يضركما أن لم أعرفكما، جيئاني بمن يعرفكما، فأتياه برجل، فقال له عمر: تعرفهما؟ فقال: نعم.
قال عمر: صحبتهما في السفر الذي يبين فيه جواهر الناس.

قال: لا.
قال: هل كنت جارهما؟ تعرف صباحهما ومساهما؟ قال: لا.
قال: عاملتهما بالدنانير والدراهم الذي يقطع بها الرحم؟ قال: لا.
قال عمر: يا ابن أخي لا تعرفهما جيئاني بمن يعرفكما فلم يقبل عمر ـ رضي الله عنه ـ عدالتهما في الظاهر حتى بحث عنهما، ولم ينكر أحد عليه ذلك.
ولأن العدالة شرط في الشهادة الحكم فيها فلم يجب الاقتصار في معرفته على الظاهر قياساً على الإسلام، ولأنه لم يعرف عدالتهما في الباطن فلم يجز الحكم بشهادتهما كما لو جرحهما الخصم.
ووجه الثانية: ما روي أن أعرابياً جاء إلى ـ النبي صلى الله عليه وسلم ـ قال: إني رأيت الهلال قال له: أتشهد أن لا إله إلا الله؟ قال: نعم.
قال: أتشهد أن محمداً رسول الله؟ قال: نعم.
قال: يا بلال، أذن في الناس أن صوموا.

فقبل شهادته ولم يسأل عن عدالته.
ولأن الأصل في الإنسان العدالة، والفسق طارىء على الأصل، فيجب أن يحكم بالأصل.
يدل عليه قوله تعالى: وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس ... .

وقوله وسطاً، يعني عدولاً.
هم وسط يرضى الأنام بحكمهم.
وروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن ـ النبي صلى الله عليه وسلم ـ قال: المسلمون عدول بعضهم على بعض إلا محدوداً في قذف.
وكتب عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ إلى أبي موسى الأشعري أن المسلمين عدول بعضهم على بعض إلا مجلوداً أو محدوداً.
وكل ما جاز أن يقبل فيه قول النساء لم تجب المسألة عن عدالة من يوجد منه القول ما لم يطعن فيه، دليله أخبار الديانات.

رد الشهادة بالصغيرة

: 2 - مسألة: هل ترد شهادته بفعل صغيرة من الصغائر وإن لم يتكرر منه مثل أن يكذب كذبة واحدة ونحو ذلك أم لا؟ فنقل أحمد بن أبي عبدة في الرجل يكذب، فقال: إن كثر كذبه لم يصل خلفه.
وكذلك نقل أبو الصقر عنه في الصلاة خلف آكل الربا، فقال: إن كان أكثر طعامه الربا لم يصل خلفه.

فظاهر هذا أنه لا تزول عدالته بفعل صغيرة، بل يعتبر غالب أمره، فإن كان غالب أمره الطاعات والمروءة قبلت شهادته وإن زل في صغيرة، وإن كان الغالب من أمره ارتكاب الصغائر وترك المروءة رُدت شهادته.
ونقل علي بن سعيد في الرجل يكذب بكذبه واحدة: لا يكون في موضع العدالة، الكذب شديد، وكذلك نقل ابن منصور أنه قال لأبي عبد الله: متى تترك الحديث؟ فقال: إذا كان الغالب عليه الخطأ.
قلت: الكذب من قليل أو كثير؟ قال: نعم.
فظاهر هذا أنه ترد شهادته بفعل صغيرة، وإن لم تتكرر منه، وهو اختيار الخرقي، لأنه قال: والعدل من لم تظهر منه ريبة.

وجه الأولى: وهي أصح، أن أحداً لا يمحص الطاعات، حتى لا يشوبها المعصية.
يدل عليه قوله تعالى: وعصى آدم ربه فغوى ... ولم يرد بقوله: غوى من الغيّ، وإنما أراد وضع الشيء في غير موضعه، وقال في قصة داود: إنما فتناه فاستغفر ربه وخرّ راكعاً وأناب ... فأخطأ وتاب الله عليه.
قال ـ النبي صلى الله عليه وسلم ـ: ما أحد إلا عصى أو هم بمعصية إلا يحيى بن زكريا فثبت أن ما سلمت الأنبياء من الخطأ أو المعاصي.
وإذا ثبت أن أحداً لا يتمخض له الطاعات ولا يسلم من الصغائر، فلو قلنا: لا يقبل إلا بشهادة من بمحض الطاعات ويترك المعصية أفضى أن لا تقبل شهادة أحد، فلهذا اعتبر في أمره الغالب.
ووجه الثانية: ما روى أبو بكر بن جعفر بإسناده عن يونس بن شيبة أن

النبي صلى الله عليه وسلم ـ رد شهادة رجل في كذبة، ولأنه لما ردت شهادته بفعل كبيرة وإن لم يتكرر منه كذلك الصغائر وكلما لو تكرر منه أوجب رد شهادته أوجب أن تكون رد شهادته بفعل مرة، دليله الكبائر.

إحضار الحاكم المدعى عليه بمجرد الدعوى

: 3 - مسألة: إذا استعدى رجل عند الحاكم على رجل لا يعلم بينهما معاملة فهل يحضره أم لا؟ نقل الأثرم عنه: أهل المدينة يقولون: لا يحلف إلا أن يعلم أنه كان بينهما معاملة، فقيل لأحمد: ظاهر الحديث أنه يحضره، وهو اختيار أبي بكر.
ونقل عبد الله في الرجل يجيء إلى القاضي فيقول: أعد عليَّ فلان.
فقال: إن استعدى على رجل يبيع ويشتري، مثله يعديه عليه، وإن كان رجلاً لا يبايع الناس فلا يعدى عليه.
وجه الأولى: قول ـ النبي صلى الله عليه وسلم ـ: البينة على المدعي واليمين على من أنكر.

ولم يفصل، ولأنه لم يثبت كذبه فيما يدعيه فوجب أن يعدي عليه، كما لو كان بينهما معاملة، ولأنه لو لم يحضره إلا بعد أن يعلم بينهما معاملة أفضى إلى إسقاط أكثر الحقوق، فإن أكثرها تجب بغير بينة، كالغصوب والجنايات، والسرقة والودائع.

ووجه الثانية: ما روي عن جماعة من السلف فروى حسين بن عبد الله بن ضمرة عن أبيه أن علي بن أبي طالب ـ رضي الله عنه ـ كان إذا جاءه الخصمان نظر، فإن كان بينهما مخالطة أو ملابسة استحلف المدعى عليه.
وإن لم يكن بينهما خلطة ولا ملابسة لم يستحلف.
وروي مالك عن حميد بن عبد الرحمن المؤذن، عن عمر بن عبد العزيز وهو قول السبعة الفقهاء من أهل المدينة، ولأن من ادعى على خليفة أو قاضي من قضاة المسلمين أنه يشتري منه بنفسه باقة نقل أو جبناً بدانق ونحوه، وحمله بيده بحضرة الناس، فإن العرف والظاهر يمنع من صحة دعواه، لأن فيها إضافة لسقوط المروءة إليه، وذلك مما يقدح في العدالة، وإذا كان ذلك وجب أن يعتبر بالعرف في ذلك، لأنه أصل يرجع إليه في الإحراز، والقبوض، والأثمان ونحو ذلك ما روي عن علي عليه السلام أنه قال: لا يعدى الحاكم على خصم إلا أن يعلم بينهما معاملة.

ولأن فيه استبذالاً لأهل المروءات والصيانات، ولأنه لا يشاء شاء أن يبتذل ذا صيانة إلا استعدى عليه وأحضر وإذا أفضى إلى هذا سقط في نفسه.

القضاء على الغائب

: 4 - مسألة: هل يجوز القضاء على الغائب، أم لا؟ نقل أبو طالب، وابن منصور: جواز ذلك، وهو اختيار الخرقي.
ونقل مهنا في رجل بيده عبد ذكر أنه وديعة عنده استودعه رجل، وأقام على ذلك البينة، فجاء رجل فزعم عبده أبق منه، وأقام البينة، فقال أحمد: اختلفوا في هذا، أهل المدينة يقولون: ينظر ولا يقضي على الغائب.
وشريح يقول: يقضي على الغائب، فقيل له: ما تقول أنت؟ قال: ينتظر به.
فظاهر هذا أنه لا يقضي على الغائب حتى يحضر، قال أبو بكر الخلال: قول أبي عبد الله ينتظر به، أحسبه قولاً أولاً.
قال: والذي أذهب إليه جواز القضاء على الغائب.

ووجه الأولى: ما روى أبو موسى الأشعري قال: كان إذا حضر عند رسول الله خصمان، فتواعدا الموعد فوفى أحدهما، ولم يفِ الآخر.
قضى للذي وفى، على الذي لم يفِ ومعلوم أنه لم يكن يقضي عليه بدعواه، فثبت أنه قضى ببينة وأيضاً حديث هند امرأة أبي سفيان، أتت ـ النبي صلى الله عليه وسلم ـ فقالت يا رسول الله، إن أبا سفيان رجل شحيح وأنه لا يعطيني ما يكفيني وولدي إلا ما آخذ منه أفيجوز لي ذلك؟ قال: خذي ما يكفي

وروي أن عمر ـ عليه السلام ـ صعد المنبر فقال: ألا إن الأسفيع أسيفع جهينة قد رضي من دينه وأمانته أن يقال: سائق الحجاج أو سابق الحاج وأدان معرضاً، فأصبح وقد دين به، فمن كان له عليه دين فليأت غداً فليقسم ماله بينهم بالحصص.
فظاهر أنه قضى بذلك عليه وقسم عليه ماله بين غرمائه، وهو غائب، لأنه كان معرضاً ولم يخالف أحد من الصحابة.
ولأن تعذر الوصول إلى إقرار الخصم سبب في جواز إقامة البينة عليه لفصل القضاء.
قياساً عليه إذا حضر مجلس الحكم، فادعى عليه الحق وسكت المدعى عليه فلم يجب.
ووجه الثانية: ما روي عن ـ النبي صلى الله عليه وسلم ـ أنه قال لعلي عليه السلام ـ حين وجهه إلى اليمن: لا تقض لأحد الخصمين حتى تسمع من الآخر كما سمعت من الأول، ولأنه قضاء بالبينة قبل سؤال الخصم عن الدعوى فلم يجر، دليله إذا

كان الخصم حاضراً في البلد، ولأن البينة حجة من جهة أحد الخصمين فوجب أنلا يقضي بها الحاكم مع غيبة خصمه، كاليمين لا تسمع من المدعى عليه مع غيبة المدعي.

الحقوق التي تثبت بشاهد وامرأتين أو يمين

: 5 - مسألة: فيما يثبت بشاهد وامرأتين وشاهد ويمين، روايتان:

إحداهما: كل ما لم يسقط بالشبهة، فعلى هذا النكاح ينعقد بشاهد وامرأتين، وما يتعلق به يثبت بشاهد وامرأتين، كالطلاق، والرجعة والعنة والفيئة وكذلك الرق وما يتعلق به من العتق، والولاء، وكذلك التوكيل، والوصية إليه، وقد نص على هذا في مواضع فقال في رواية حرب: إذا تزوج بشهادة نسوة لم يجز، فإن كان معهن رجل فهو أهون.
فظاهر هذا أنه ينعقد.
قال في رواية مهنا في عبد شهد له رجل واحد أن مولاه أعتقه: يعتق العبد بشاهد واحد، ويستحلف العبد أن مولاه أعتقه، فقد ثبت العتق بشاهد ويمين.
ونقل البرزاطي: الرجل يوكل وكيلاً على نفسه يشهد لا رجلاً وامرأتين، فقال: إن كانت الوكالة مطالبة بدين، فأما غير ذلك فلا.
فقد حكم بثبوت عقد الوكالة بشاهد وامرأتين، ونقل بكر بن محمد عنه في الوصية: لا تثبت حتى يشهد الوصي رجلين أو رجلاً، فظاهر هذا أنه أثبتها بشاهد واحد.
ونقل أحمد بن إبراهيم السكوني، عنه في الرجل يوصي بوصايا ولا يحضره إلا النساء: تجوز شهادة النساء، فظاهر هذا أنه أثبتها بشهادة النساء على الانفراد.
ووجه والرواية الثانية: أن الذي يثبت بشاهد وامرأتين وشاهد ويمين ما كان مالاً كالقرض، والغصب، أو كان المقصود منه المال كالبيع والصرف، والسلم والصلح، والإجارة، والرهن، والجناية التي توجب المال، فعلى هذا ما لم يكن مالاً ولا المقصود منه المال ويطلع عليه الرجال فلا يثبت بشاهد وامرأتين،

وشاهد ويمين كالنكاح والطلاق، والخلع، والرجعة، والتوكيل، والوصية، والعتق والنسب، والكتابة.
نص عليه في مواضع فقال في رواية حنبل: وقيل له: قال مالك: وإنما يكون اليمين في الأموال خاصة لا يقع في شيء من الحدود والنكاح، والطلاق، والعتاق.
قال: وأنا أرى ذلك.
ونقل المروذي وصالح: لا تجوز شهادة رجل ويمين الطالب في نكاح ولا طلاق ولا حد إنما ذلك في الحقوق.
ونقل حنبل: لا تجوز شهادة النساء في الطلاق والحدود، ولا تجوز شهادتين إلا فيما لا يراه الرجال.

ونقل حنبل أيضاً إذا تزوج بشهادة النساء استأنف النكاح.
وجه الأولى: في أنه ثبت النكاح وحقوقه والملك وحقوقه وعقد الوكالة، والوصية، بشهادة رجل وامرأتين، وشاهد ويمين، أن هذه الأشياء لا تسقط بالشبهة فتثبت بالشاهد والمرأتين والشاهد واليمين كالأموال، وما يقصد منه المال.

ووجه الثانية: وهي اختيار الخرقي وأبي بكر، وهي أصح، أن هذه الأشياء ليست بمال ولا يقصد منها المال، ويطلع عليها الرجال فلم يثبت بشاهد وامرأتين وشاهد ويمين، دليله الحدود والقصاص.

ما يثبت بشهادة امرأة واحدة

: 6 - مسألة: ما يثبت بشهادة النساء على الانفراد كالرضاع والولادة.
والعيوب تحت الثياب كالرتق والقرن والرص ونحو ذلك وفي الاستهلال لأجل الإرث وفي زوال البكارة في المغيبة، إذا ادعى الزوج وطأها، وفي العدة إذا ادعت انقضاءها لأقل الإمكان، هل يثبت بامرأة واحدة أم لا؟ قال أبو بكر: على روايتين: إحداهما: لا يقبل في ذلك إلا امرأتان فصاعداً، قال في رواية مهنا وقد

سُئل عن شهادة القابلة وحدها في استهلال الصبي، فقال: لا يجوز شهادتها وحدها.
ونقل كذلك حرب فقال: لا يجوز شهادة القابلة وحدها، إلا أن تكون امرأتين وكذلك ما لا يطلع عليه الرجال.
ونقل أبو طالب، وابن منصور، وإسماعيل بن سعيد: تثبت بشهادة واحدة في جميع ما تقبل فيه النسا بانفرادهن، وهو اختيار الخرقي وأبي بكر، وهو الصحيح.

وجه الأولى: أن هذه شهادة وكان من شرطها العدد كسائر الشهادات، وهذا تدخل عليه الشهادة على رؤية الهلال، ولأنه تثبت ولادة بشهادة فوجب أن يشترط فيه العدد كإثبات ولادة المطلقة البائن، إذا ادعت الولادة، ويجب أن يقال: إن شهادتها في إثبات الولادة مقبولة، وإنما تبطل في نسب الولد من الرجل لأن الأنساب لاتثبت بشهادة النساء وحدهن، وإذا كانت الشهادة بالولادة مع بقاء النكاح فالنسب لم يثبت بشهادتها، وإنما يثبت بالفراش.
ووجه الرواية الثانية: ما أسنده أبو بكر في كتاب الشافي عن ابن عمر قال: قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم: يجزي في الرضاعة شهادة امرأة واحدة.
وروى عن عقبة أن ـ النبي صلى الله عليه وسلم ـ أجاز شهادة القابلة، ولأن المرأة بها

ضرورة إلى امرأة واحدة لقبول الولد، وليس بها ضرورة إلى ما زاد عليها، كما لا ضرورة بها إلى الرجل، فكما لم تكن شهادة الرجل شرطاً في ثبوت الولادة، وكذلك شهادة الثانية، والثالثة والرابعة، ولأن الولادة معنى تثبت بقول النساء وحدهن، فجاز أن يثبت بقول امرأة واحدة كإخبار الديانات.

شهادة المميز

: 7 - مسألة: في الصبي إذا كان مميزاً تقبل شهادته أم لا؟ نقل حرب والميموني وابن منصور: لا تجوز شهادته حتى يحتلم أو يتم له خمس عشرة سنة، أو ينبت.
فظاهر هذا أنه منع على الإطلاق.
ونقل ابن ابراهيم: تجوز شهادة الصبي إذا كان ابن عشر سنين أو اثنتي عشرة سنة ـ فظاهر هذا جوازها على الإطلاق.
ونقل حنبل يجوز شهادة الصبيان فيما بينهم في الجراح، فإذا كان في المال يستأنى بهم إذا عقلوا.
فظاهرهذا إنَّما شهادتهم في الجراح إذا كانوا مجتمعين ولا يقبل في المال، وظاهر كلامه أنها تقبل سواء كانوا مجتمعين على الحالة التي كانوا تجارحوا عليها أو جاءوا بعد ما تفرقوا.
وجه الأولى: وهي صحيحة، قوله تعالى: واستشهدوا شهيدين من رجالكم والصبيان ليسوا برجال.

وقال تعالى: ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم قلبه فتوعد على كتمانها، والصبي لا يلحقه التوعد، ولأنها شهادة من غير مكلف فلا يصح كالمجنون.

ووجه الثانية: ما روى ابن أبي مليكة عن ابن عباس أنه كان يجيز شهادة الصبيان.
وروى الشعبي قال: كان صبيان يتعاومون السباحة في الفرات إذ غرق واحد منهم، فادعي أولياؤه على الأحياء من الصبيان، واختصموا إلى علي ـ عليه السلام ـ وهو أمير المؤمنين إذ ذاك، فشهد اثنان من الخمسة على الثلاثة منهم أنهم أغرقوه، وشهد اثنان من الخمسة على الاثنين أنهما أغرقاه، فحكم علي في ذلك بالدية أخماساً على الثلاثة ثلاثة أخماس الدية، وعلى الاثنين خمسا الدية.
ولأنه ممن يقبل خبره فقبلت شهادته كالبائع، أو لأنه يعقل الشهادة فهو كالبالغ.
ووجه الثانية: أن حفظ الدماء مندوب إليه، والصبيان يخلون في الأهواء فيخرج بعضهم بعضاً، فلو لم يقبل شهادة بعضهم على بعض لأهدرنا دماءهم، فدعت الحاجة إلى قبول ذلك، كما دعت الحاجة إلى قبول شهادة النساء، منفردات في الولادة لأنهن يخلون بها.

ويبين صحة هذا الاعتبار ما نقل بكر بن محمد عن أبيه عن أحمد ـ رضي الله عنه ـ في امرأة تشهد على ما لا يحضره الرجال من إثبات إهلال الصبي، وفي الحمام يدخله النساء فيكون بينهن جراحات، فقد قبل شهادة بعضهن على بعض في الجراحات في الحمام، لأنه موضع لا يحضره الرجال.

شهادة أهل الذمة بعضهم على بعض

: 8 - مسألة: هل يجوز شهادة أهل الذمة بعضهم على بعض أم لا؟ نقل الميموني، وأبو داود، والمروذي وحرب: لا يقبل.
ونقل حنبل: يقبل.
وقال أبو بكر الخلال وصاحبه: غلط حنبل فيما نقل، والمذهب أنها لا تقبل.
وقال شيخنا أبو عبد الله المسألة على روايتين:

وحكي عن أبي حفص البرمكي، أنه قال: يجوز شهادة بعضهم على بعض في الصبي إذا سبى المسلمون رجلين فادعيا أن كل واحد منهما أخ للآخر، فإن شهد لهما نفسان ممن يخرج معهما تقبل، وإن كانا ذميين.
ووجه الأولى: وهي الصحيحة قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوماً بجهالة.
فأمر بالتبين في إنباء الفاسق، والكافر من أفسق الفساق فوجب التوقف فيه.
وروى معاذ بن جبل قال: سمعت ـ النبي صلى الله عليه وسلم ـ يقول: لا يقبل شهادة أهل دين على غير أهل دينهم إلا المسلمين فإنهم عدول على أنفسهم وعلى غيرهم ولأنها شهادة من كافر فلا يقبل، دليله إذا شهد على المسلمين في غير الوصية.

ووجه الثانية: أن اليهود أتت ـ النبي صلى الله عليه وسلم ـ ومعهم رجل وامرأة، فقالوا: إنهما زنيا فرجمهما النبي رواه ابن عمر.
وفي خبر آخر فقال لهما ـ النبي صلى الله عليه وسلم ـ: إن شهد أربعة منكم رجمتهما.
وروى جابر أن ـ النبي صلى الله عليه وسلم ـ أجاز شهادة أهل الذمة بعضهم على بعض ولأنه عدل عند أهل دينه فثبتت شهادته كالمسلمين.

الاستحلاف على ما ليس بمال ولا يقصد منه المال من الحقوق

: 9 - مسألة: هل يستحلف في دعوى ما ليس بمال، ولا المقصود منه المال كالنكاح، وما يتعلق به من الطلاق والخلع، والرجعة، والفيئة والإيلاء، ودعوى الرق وما يتعلق به من الاستيلاء، والولاء، والنسب، والعتق، والكتابة، والجناية الموجبة للقود، حد القذف أم لا.

على روايتين: إحداهما: لا يستحلف في شيء من ذلك، قال في رواية ابن القاسم: لا أرى اليمين في النكاح، والطلاق، والحدود لازمة، لأنه إن نكل عن اليمين لم أقتله ولم أجده ولم أدفع المرأة إذا نكلت إلى الرجل، ولم أسمع عن مضي جواز الأيمان إلا في الأموال خاصة.
وكذلك نقل أبو طالب في رجل قيل له.: احلف أنك ما قتلت.
قال: لا أحلف، وجب عليه.
ونحو ذلك نقل الأثرم، وصالح، والمروذي، فظاهر هذا أنه لا يستحلف في شيء من ذلك.
ووجه الثانية: يحلف في جميع ذلك، قال في رواية أبي طالب في الرجل يسر بطلاق امرأته وينكر في العلانية، استحلفه؟ قال: نعم.
وكذلك نقل ابن منصور إذا ادعى عليه جرحاً حلف، وذكر حديث ابن عباس في امرأتين كانتا تخززان، فطعنت إحداهما الأخرى بالإشفا، فاستحلف ابن عباس المدعي عليها.
ونقل ابن منصور في رجل ادعى قبل رجل أنه قذفه، ولم يكن له بينة، أيحلف؟ قال: أي والله، لم لا يحلف؟ أليس ابن عباس قال في الحد: استحلفوها؟ حديث ابن أبي ملكية في امرأتين كانتا في بيت فإن نكل أقيم عليه الحد إلا القتل، فظاهر هذا أنه يستحلف في جميع ذلك.
قال أبو بكر: وعلى الروايتين جميعاً: لو نكل عن اليمين في هذه الأشياء لم يقضِ بالنكول ولا رددنا اليمين، وإنما يقصد باليمين على إحدى الروايتين الردع، والزجر، عساه يخاف منها فيقر.
قال أبو بكر وقوله: في رواية ابن منصور يقام عليه الحد إذا نكل، قول قديم، لأن ابن منصور سماعه قديم عن أحمد.

وجه الأولى: في أنه لا يستحلف في ذلك أن بذل هذه الأشياء لا يصح فلم يجب فيها اليمين قياساً على الحدود.
أو نقول ما ليس بمال ولا المقصود منه المال لا يجب فيه اليمين كالحدود ولا يلزم عليه القرض والغصب، لأنه مال ولا البيع والصرف والسلم والصلح، والإجارات، والجنايات التي توجب المال، والرهن لأن المقصود من ذلك المال.

ووجه الثانية: ما روي عن ـ النبي صلى الله عليه وسلم ـ أنه قال: اليمين على من أنكر.
وهذا عام، وكل حق ادعى عليه لزم المدعى عليه الإجابة فيه، فإذا لم يكن مع المدعي بينة لزم المدعى عليه اليمين كالأموال.

شهادة الوالد لولده والولد لوالده

: 10 - مسألة: اختلفت الرواية عن أحمد ـ رضي الله عنه ـ في شهادة الوالد لولده والولد لوالده.
فنقل المروذي، ومهنا، وحنبل: لا تقبل شهادة الوالد لولده، وإن سفل، وكذلك الوالدة، ولا الولد لوالده، وإن علا كالجد، ولا لوالدته وإن علت كالجدة.
وروى عنه بكر بن محمد: تجوز شهادة الابن لأبيه ولا تجوز شهادة الأب لابنه، لأن مال الابن لأبيه، ومال الأب فإنه لا يضاف إلى ابنه.
ونقل بكر بن محمد أيضاً: يجوز شهادة كل واحد منهما لصاحبه فيما لا يجز نفعاً إليه في الغالب، مثل أن يشهد له، بعقد نكاح، فإن الشاهد لا يستفيد بهذا نفعاً إلى نفسه أو يشهد له بحق، ومثله في الظاهر لا يحتاج أن يأخذ من ماله شيئاً بأن يكون كل واحد منهما غني عن صاحبه، فإذا شهد له علمنا أنه لا يأخذ منه شيئاً فيسلم منه.
وجه الأولى: ما روي عن الزهري عن عروة عن عائشة ـ رضي الله

عنها ـ أن ـ النبي صلى الله عليه وسلم ـ قال: لا تقبل شهادة الولد لوالده ولا شهادة الوالد لولده، ذكره الساجي.
وروى أبو الوليد في التخريج: حدثنا عن الزهري عن عروة عن عائشة أن ـ النبي صلى الله عليه وسلم ـ قال: لا تقبل شهادة خائن، ولا خائنة، ولا ظنين، في ولاية ولا في قرابة، ولأن ولده جزء منه.
قال تعالى: خلق من ماء دافق، يخرج من بين الصلب الترائب.
وقال: وجعلوا له من عباده جزءاً يعني ولداً.

وقال ـ النبي صلى الله عليه وسلم ـ في فاطمة ـ عليها السلام ـ: فاطمة بضعة مني يريبني ما يريبها.

وإذا كان بمنزلة نفسه لم تقبل شهادته له، كما لا تقبل شهادته لنفسه ومن أجاز شهادة الابن لأبيه قال: هذا المعنى معدوم في الابن، لأن الأب ليس ببعض من الابن، ولأن ماله لم يجعل كمال نفسه، وفي الأب ليس كذلك، لأن الولد بعضه وماله ينضاف إليه لقوله: ـ صلى الله عليه وسلم: أنت ومالك لأبيك.
فلهذا فرقنا بينهما، ومن أجاز شهادته فيما لا يجر نفعاً، قال: لأن التهمة منتفية في ذلك، فلهذا قبلت.
فأما شهادة كل واحد منهما على صاحبه هل تقبل أم لا؟ نقل بكر بن محمد: يجوز.
ونقل مهنا: لا يجوز.
وجه الأولى: وهو أصح أنه إنما لم تقبل شهادته لما يلحقه من التهمة في ذلك وهذا معدوم في الشهادة عليه، وهذا كما قلنا في شهادة العدو لعدوه: تقبل ولا تقبل شهادته عليه، لهذا المعنى.
ووجه الثانية: أن من يجر شهادته عليه، دليله الفاسق إذا شهد على غيره ولغيره.

تحريم الغناء

: 11 - مسألة: اختلف أصحابنا في الغناء.

فذهب أبو بكر الخلال، وأبو بكر صاحبه إلى أنه مباح، قال أبو بكر عبد العزيز: الغناء والنوح واحد ما لم يكن معه منكر، ولا فيه طعن، فهو مباح.
قال: وكان أبو بكر الخلال يحمل كراهة أحمد ـ رحمه الله ـ على الأفعال المذمومة لا على القول بعينه لأن صالح بن أحمد ـ رحمه الله ـ قال: اقتصدت ودعوت جماعة من أصحابنا ودعوت قوماً يقولون، فلما صلى أبي العتمة دخل ليعرف خبري، وكان معه درهم فدفعه إليَّ وخرج، فوقف بين الباب الذي بين الدارين وقال من كان عندي، فخرجت فإذا به، فقال من عندك؟ فقلت: فلان وفلان فقال: ارجع.
فقلت: أليس كنت تكره هذا؟ فقال: يا بني إنما قيل لي: إنهم يستعملون المنكر فكرهت ذلك فأما هذا فما أكرهه.
وذهب جماعة من أصحابنا إلى كراهية ذلك، وقد نص عليه في رواية عبد الله، فقال: الغناء ينبت النفاق في القلب، فلا يعجبني.

وجه قول أبي بكر، وصاحبه ما روى الزهري عن عروة عن عائشة ـ رضي الله عنها ـ قالت: كان عندي جاريتان تُغنيان فدخل أبو بكر فقال أمزمور في بيت ـ النبي صلى الله عليه وسلم ـ؟! فقال ـ النبي صلى الله عليه وسلم ـ دعهما فإنها أيام عيد وقال عمر ـ عليه السلام ـ الغناء زاد الراكب.
وكان لعثمان بن عفان جاريتان تغنيان من الليل، فإذا كان وقت السحر قال

أمسكا، فهذا وقت الاستغفار، ولأنه صوت بغير آلة فوجب أن يكون مباحاً كالحداء وتشيد الأعراب، وقد قال أحمد ـ رضي الله عنه ـ في رواية جعفر بن محمد، وقد سئل عن حديث عائشة ـ عليها السلام ـ: إن جواري يغنين، أيش هذا الغناء، قال: غناء الراكب، أتيناكم أتيناكم.
ووجه من قال: إنه مكروه، وهو أصح، قوله تعالى: فاجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول الزور ... . قال محمد بن الحنيفة: قول الزور: الغناء.
قال تعالى: ومن الناس من يشتري لهو الحديث.
وقال ابن مسعود: لهو الحديث الغناء.
وقال ابن عباس: الغناء وشر المغنيات.
فذم الله تعالى في الآيتين ذلك ثبت أنه ممنوع منه.
وروى القاسم عن أبي أمامة الباهلي أن ـ النبي صلى الله عليه وسلم ـ نهى عن بيع المغنيات وشرائهن والتجارة فيهن وأكل أثمانهن وثمنهن حرام وروى ابن مسعود عن ـ النبي صلى الله عليه وسلم ـ أنه قال: الغناء ينبت النفاق في القلب كما ينبت الماء

البقل، ولأنه صوت يلذ ويطرب فكان ممنوعاً منه كالأوتار والزمر.

شهادة المختبئ

: 12 - مسألة: اختلف الرواة في شهادة المختبىء، وهو أن يكون له على رجل حق يقر له به سراً ويجحده جهراً، وليس له به شاهد فيخبىء له شاهدين بحيث يشاهدانه ويسمعان إقراره وهو لا يشاهدهما، ثم يجاريه الحديث ويسوق الكلام حتى يقر له به سراً على عادته، ويسمع الشاهدان منه.
فنقل ابن منصور: يجوز شهادة المختبىء إذا كان عدلاً.
ونقل محمد بن الحكم: لا يجوز شهادة المختبئ.

واختار أبو بكر أنها لا تجوز، واختار الخرقي الجواز، وهكذا الخلاف فيه إذا شاهد رجلاً يقر بدين فسمعاه يقول لزيد عليَّ ألف درهم أو هذه الدار لزيد أو قتلت فلاناً أو أتلفت ثوباً فهل يصير شاهدين عليه بذلك وإن لم يقل لهما أشهد علي بذلك؟ فنقل أحمد بن سعيد في القوم يجتمعون بين يدي رجل، فيقر بعضهم لبعض بمعاملة كانت بينهم، ويقول بعضهم لبعض: قد دفعت إليك، ودار بينهم كلام وسمعه الرجل وسأل صاحبه الشهادة، فهل يجب عليه أن يشهد؟ قال: ما أراه واجباً عليه أن يشهد.
فظاهره ذا أنه لم يجعله شاهداً لأنه لو جعله أوجب عليه الشهادة.
ونقل أبو طالب: تجوز شهادة السمع إذا قال إذا سمعه قال لفلان عليَّ كذا وكذا فقد أقر عنده، فيقول: أقر عندي أن لفلان عليَّ جملة، وإذا قال: استقرضت من فلان، فلا يشهد، قد يكون استقرض ويقضيه، فإن قال: لفلان عليَّ وقد قضيته فلا تشهد لم يقر بشيء فظاهر هذا أنه جعله شاهداً لأنه قال: إذا سمعه يقول: لفلان عليَّ كذا، فقد أقر، يشهد بذلك، ولم تجز الشهادة إذا سمعه يقول اقترضت من فلان.
وفي هذا نظر لأنه لا فرق بين قوله لفلان عليَّ، وبين قوله اقترضت من فلان

في أن كل واحد منهما إخبار عما في الذمة، وأما قوله: له عليَّ وقضيته، فهذا لا يشهد به، لأنه ليس بإقرار صحيح، لأنه قرن به ما أسقط حكم الإقرار وهو القضاء، فهو كما لو سمعه يقول: له عليَّ مائة إلا خمسين فإنه لا يشهد، لأنه وصل به ما دفع بعض ذلك.
والوجه لمن منع شهادة المختبىء من الشهادة على من سمعه، يقر ولم يشهد على نفسه، ما روي عن ـ النبي صلى الله عليه وسلم ـ أنه قال: من حدث بحديث ثم التفت فهي أمانة.
قيل معناها أنها أمانة أن تذكر عنه الإلتفاتة حذر من قوله بها، ولأن شاهدي الفرع لو سمعا شاهدي الأصل يقولان: أشهدنا فلان على فلان بكذا، لم يصح لشاهدي الفرغ أن يشهدا بذلك حتى يقول لهما شاهدا الأصل: أشهد على شهادتنا أن فلاناً أشهدنا، كذلك هاهنا.

ووجه من قال: تجوز الشهادة احتج بما روي عن عمرو بن حريث أنه أجاز شهادة المختبىء، وقال: كذلك يفعل بالخائن أو الفاجر، ولأن الشاهد إنما يصير متحملاً للشهادة بأن يقع له العلم بما يشهد به وقد وقع فإنه شاهد المقر وسمع إقراره، وكذلك العقود والأفعال وكل هذا قد حصل له فيجب المقر وسمع إقراره، وكذلك العقود والأفعال وكل هذا قد حصل له فيجب أن تجوز شهادته، ومن قال بهذا فرق بين هذا وبين الشهادة على الشهادة بأن قول شاهد الأصل أشهد أن لفلان على فلان كذا تنقسم إلى حقيقة الشهادة على علم منه بذلك من غير شهادة، فلهذا لم يصر متحملاً من غير أن يقول: أشهد على شهادتي وليس كذلك أصل الحق، لأن من عليه الحق متى قال لفلان كذا وكذا فهو اختار عن واجب لأن على من حروف الوجوب فلا يحتمل غير الواجب، فلهذا صار شاهداً عليه به.

ما لا يثبت بالشهادة على الشهادة

: 13 - مسألة: هل يثبت النكاح وما يتعلق به من الرجعة والفيئة في الإيلاء والطلاق والخلع ودعوى الرق وما يتعلق به من الاستيلاء والولاء، والنسب والعتق والكتابة والقصاص بالشهادة على الشهادة أم لا؟ فنقل ابن منصور، وقيل له: قال سفيان: شهادة رجل مكان رجل في الطلاق جائز، قال أحمد: ما أحسن ما قال.
فظاهر هذا أنه يثبت بذلك وكذلك نقل المروذي قال: لا تجوز الشهادة على الشهادة في الحدود وتجوز في الحقوق فظاهر هذا جوازها في غير الحدود.
وقال أبو بكر: رواية ابن منصور نظر في الشهادة على الشهادة في الطلاق وظاهر هذا من قوله لا يجوز.
وقال شيخنا أبو عبد الله: لا يجوز في النكاح، فعلى قولهما ما لا يثبت بشاهد وامرأتين وشاهد ويمين لا تثبت بالشهادة على الشهادة.

وقد نص أحمد في رواية حرب فقال تجوز شهادة رجل على شهادة في الحقوق فأما في الدماء والحدود فلا، فقدمنع منها القصاص.
وظاهر كلام أحمد ـ رضي الله عنه ـ ما لا يسقط بالشبهة وهو الحدود والجنايات الموجبة للقصاص تثبت بالشهادة على الشهادة، دليله الحدود والقصاص.
ووجه قول أحمد: أن ما لا يسقط بالشبه يثبت بالشهادة على الشهادة دليله الأموال.

تعارض البينتين والعين بيد أحد الخصمين

: 1 - مسألة: هل يقدم صاحب اليد في النتاج أم لا؟ نقل أبو داود: تقدم بنية المدعي وإن كان المدعى عليه يدعي النتاج.
وكذلك نقل محمد بن الحكم عنه أنه ذكر مذهب أبي حنيفة في النتاج ولم يأخذ به.
فظاهر هذا أنه لم يقدم صاحب النتاج في ذلك، وهو اختيار الخرقي، وهو أصح.

ونقل الحسن بن ثواب في رجل أقام البينة أن هذه الدار له، وأقام الآخر البينة أنها قطيعة وهي في يده، فهي للذي أقام البينة أنها قطيعة، هذا بمنزلة الناتج إذا أقام البينة أنه نتجها، وأقام هذا البينة أنه نتجها فالذي هو في يده هو أحق بها.
فظاهر هذا أنه يقدم صاحب النتاج في ذلك.
وهذا الحكم فيه إذا أضاف الدعوى إلى سبب لا يتكرر مثل أن يدعي أن هذهالدار له ورثها عن أبيه أو يدعي أن هذ الثوب له نسجه في ملكه، وكان ذلك لا يتكرر نسجه، كالقطن فإن القطن لا يتكرر نسجه، وإنما يتكرر نسج الخز والصوف ونحوه، فهل تقدم دعواه بهذا أم لا؟ على روايتين: إحداهما: لا يقدم في النتاج، وقد نص على ذلك في رواية ابن مشيش في رجل في يده دار أقام البينة أنها له ورثها من أبيه، وأقام آخر البينة أنها له بالبينة بينة المدعي وليس بينة التي في يده الدار بشيء.
فظاهر هذا أنه لم يرجع بينته بهذا السبب.
والثانية: أنه يقدم دعواه بذلك كما قال في النتاج على رواية الحسن بن ثواب.

ولأنه ذكر فيها إذا أقام البينة أنها له قطيعة وهي في يده حكم له بها فقد قدم بينته بهذا السبب.
وجه الأولى: وهي الصحيحة، أنها بينة تضاف إليها يد فلم تعارض بينة الخارج دليله إذا لم يدع النتاج، ولأن رجلين لو تداعيا طعاماً في يد أحدهما فأقام كل واحد منهما أنه له زرعة في ملكه، فإن بينة الداخل لا تسمع في هذا الموضع.
وإن كان الزرع لا يتكرر وكذلك لو كانت بيد أحدهما سلعة أقام البينة أنها له صنع فيها صنعة لا تتكرر فلا يقدم بها، كذلك هاهنا.
ووجه الثانية: ما روى جابر أن رجلين اختصما إلى ـ النبي صلى الله عليه وسلم ـ في دابة

أو بعير، فأقام كل واحد منهما البينة أنها له نتجها، فقضى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم بها للذي هي في يديه.
ولأن الخارج إنما قدم على صاحب اليد لأن صاحب البينة يقيم البينة على معنى يشهد له الظاهر، وهذا معدوم في النتاج، لأن الظاهر لا يشهد لمن في يده الدابة أنها نتجت عنده، فالبينة تشهد على معنى زائد.
ولأن بينة صاحب اليد لا تفيد أكثر مما تفيده يده، وصاحب اليد في النتاج تفيد بينته أكثر من ذلك، لأنها تفيد وجود النتاج في يده ولا تفيد هذا المعنى فقبلت بينته، ومن قال بالأول أجاب عن الحديث بأن أحمد ـ رضي الله عنه ـ قال في رواية محمد بن الحكم: أصحاب أبي حنيفة يروون في النتاج حديثاً ضعيفاً، وإذا كان الحديث ضعيفاً لم يجب الأخذ به.

تعارض البينتين والعين بيد الخصمين

: 15 - مسألة: إذا تعارضت البينتان وليس لأحدهما يد أولهما جميعاً يد مثل أن يشهد شاهدان أنه باع العبد من زيد بألف مع الزوال وشهد آخران أنه باعه من عمرو بألف في ذلك الوقت أو شهد شاهدان أن هذا العبد لزيد وشهد آخران أنه لعمرو فهل يسقطان أم يقرع بينهما.

نقل صالح إذا تداعيا كيساً في يد غيرهما وأقاما البينة أسقطت البينتان جميعاً لأن كل واحدة منهما أكذبت صاحبتهما ويستهمان على اليمين.
فظاهر هذا أنهما يسقطان، وإذا أسقطتا كان الحكم فيه كما لو تداعيا شيئاً ولا بينة لواحد منهما، فإن كان في أيديهما فهوبينهما نصفين وإن كان في يد أحدهما فهو له، وإن كان في يد غيرهما فادعاه لنفسه لم يحكم له ببينته لأنه داخل وبينه الخارج مقدمة إن اعترف به لأحدهما لم يحكم له أيضاً، لأنه قد

اجتمع له يد بينة، وإن قال هو لأحدهما لا أعرفه عيناً سقطت البينتان وقرعنا بينهما، فمن خرجت عليه القرعة حلف أنها له وأعطي، وإنا عترف بها ثالث غائب كان الحكم في الغائب كالحكم منه لو كان حاضراً.
نقل الميموني أنه قيل له حديث سعيد بن المسيب: اختصم رجلان إلى ـ النبي صلى الله عليه وسلم ـ في أمر، فجاء كل واحد منهما بشاهدين، قال: فأسهم رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم بينهما.
فقال أبو عبد الله في هذا: يسهم بينهما إذا كان الشهداء عدولاً، قيل له: إن جاء أحدهما بشاهدي عدل والآخر بأكثر يقرع بينهما؟ قال نعم ـ لأن الشاهدين يقطع بهما.
فظهر هذا لم تسقط البينتان وأقرع بينهما فمن وقعت عليه القرعة حكم له ببينته.
وكذلك نقل عبد الله إذا تداعيا ألفاً في يد رجل وأقاما البينة أرى أن يقرع بينهما، أيهما أصابته القرعة فهي له.
فظاهر هذا الحكم بالقرعة بين البينتين، فعلى هذا إن كان في أيديهما أو في يد غيرهما فإنه يقرع بينهما فمن أصابته القرعة حكم له ببينته.
وجه الأولى: وهي أصح في المذهب أن هذه بينة لم تعين المشهود له بالملك فيجب أن يبطل كما لو شهد شاهدان أن هذه الدار لأحد هذين الرجلين لأنه لم يتعين بها المشهود له.

ولأن البينة حجة في الشرع، والبينتان إذا تعارضتا ولم يكن لأحدهما مزية على الآخر كان حظهما السقوط، كالنصين والقياسين إذا تعارضا.

ووجه الثانية: ما روى سعيد بن المسيب أن رجلين اختصما إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم في أمر، وجاء كل واحد منهما بشهود عدول على عدة واحدة، فأسهم رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم بينهما، وقال: اللهم أنت تقضي بينهما.

ولأن الحقوق إذا تساوت ولم يكن بعضها أولى من بعض قدمنا القرعة، كما لو أعتق عبيده في مرضه ولا مال له غيرهم، أو عدّل القاسم السهام بين الشريكين، فإنه يقرع بينهما.
وإذا حضر سفر فأراد السفر ببعض نسائه أقرع بينهن وغير ذلك من المواضع.
ومن قال بالأول أجاب عن الحديث بأنا لمنقول أنهما اختصما في أمر، وهذا يحتمل أن يكون ذلك الأمر قسمة عقار أو قرعة بين العبيد، وأجاب أيضاً عن الإقراع بين العبيد والقسمة والنساء بأنه ما وجب الحق لواحد بعينه، بل يبين بالقرعة من هو أحق، وإذا بان كان الحق له ظاهراً وباطناً فلا يقضي إلى أن يعدل بالحق إلى غير مستحقه، وهاهنا الحق واجب لأحدهما لا بعينه، وقد جهلنا عينه، فلو قرعنا فربما أفضى إلى أن يتحول الحق إلى غير مستحقه.

فصول الكتاب · 25 فصل · 457 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول المسائل الفقهية من كتاب الروايتين والوجهين · 457 صفحة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الحج
كتاب البيوع
كتاب الرهن، والتفليس والحجر، والصلح والحوالة، والضمانكتاب الشركة والمضاربة والوكالةكتاب الإقراركتاب الغصبكتاب الإجارةكتاب الوقف والعطيةكتاب الشفعة وإحياء المواتكتاب اللقطةكتاب الوصاياكتاب الوديعةكتاب الفرائض
كتاب النكاح
كتاب الجراح
كتاب الحدود
كتاب السيركتاب الصيد والذبائح والأطعمة والضحاياكتاب الأيمان والنذور والكفاراتكتابكتاب
جارٍ التحميل