كتاب
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- أبو يعلى ابن الفراء
- الكتاب
- المسائل الفقهية من كتاب الروايتين والوجهين
- المؤلف
- القاضي أبو يعلى، محمد بن الحسين بن محمد بن خلف المعروف بـ ابن الفراء (المتوفى: 458هـ)
- المحقق
- د. عبد الكريم بن محمد اللاحم
- الناشر
- مكتبة المعارف، الرياض
- الطبعة
- الأولى (1405هـ - 1985م) أعده للشاملة/ فريق رابطة النساخ برعاية (مركز النخب العلمية) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
العتق والمدبر والمكاتب وأم الولد
كتاب العتق والمدبر والمكاتب وأم الولد
سراية العتق في مرض الموت بقدر الثلث
:
1 - مسألة إذا أعتق شقصاً من عبيد في مرض موته، وكان الشقص أقل من الثلث، فهل يقوم عليه تمام الثلث أم لا؟
على روايتين نقلهما الخرقي في مختصره: إحداهما: لا يقوم عليه، وقد نص على ذلك في رواية ابن منصور وبكر بن محمد.
والثانية: يقوم عليه تمام الثلث.
ووجه هذه الرواية أن تصرف المريض في ثلث ماله كتصرف الصحيح في كل ماله، بدليل أنه ينفذ عتقه وعطاياه وهباته من جميع الثلث، ثم الصحيح يقوم عليه نصيب شريكه، فإن كان يستغرق كل ماله كذلك المريض، ويجب أن يقوم عليه نصيب شريكه وإن كان يستغرق كل ثلثه، لأن العتق بالسراية كالعتق بالمباشرة، بدليل أنه لو أعتق بعض عبد عتق كله كما لو أعتق كل عبده، وإذا كان كذلك ثم ثبت أنه لو باشر العتق استوفى الثلث كذلك بالسراية.
وجه الأولى: أن العطية في المرض تجري مجرى الوصية بدليل أنها معتبرة من الثلث، وقد ثبت على إحدى الروايتين أنه لو دبر شقصاً له في عبد وكان الشقص عن الثلث لم يقوم عليه، كذلك هاهنا.
فإن وصى بعتق شقص له من عبد أو دبر شقصاً له من عبد ومات فهل يقوم عليه تمام الثلث أم لا؟
نقل الخرقي في ذلك روايتين.
إحداهما: يقوم عليه كما لو كان العتق منجزاً في المرض للمعنى الذي ذكرنا، وهو أن ثلثه بعد موته أجرى مجرى جميع مال حال حياته، ثم ثبت أنه لو أعتق في الصحة قوم عليه كذلك بعد الموت.
والثانية: لا يقوم عليه كما لم يقوم عليه إذا كان العتق في المرض وجب أن يكون الصحيح من الروايتين أنه إذا أعتق في مرضه قوم، وإذا وصى لم يقوم لأنه إذا مات زال ملكه عن ماله إلا القدر الذي استثناه هذا الشقص بالوصية والقدر الذي استثناه هذا الشقص، فكأنه أعتقه قبل وفاته ولا ملك له سواه، ولأن ما يستثنيه بالوصية بمنزلة كل ثلثه في مرضه، ثم ثبت أن قدر الثلث ينفذ عتقه فيه في مرضه ولا يزيد عليه كذلك فيما لو استثناه بالوصية ولا يزيد عليه.
سراية العتق إلى ذي الرحم بإرث جزء منه
: 2 - مسألة: إذا ملك سهماً بالميراث ممن يعتق عليه، فهل يقوم عليه إذا كان موسراً أم لا؟
نقل المروذي في رجل تزوج أمة فأولدها وله بنين من غيرها، ثم اشتراها بعد ومات عنها: عتقت في حصة أولادها، وأعطوا أولئك نصيبهم منها، فإن لم يدع شيئاً إلا هذه الأمة لزم هؤلاء سهمهم ويوفون أولئك، فظاهر هذا أنه يقوم عليه، لأنه قال: إذا ترك شيئاً غيرها عتق جميعها على أولادها ولزمهم قيمة حصة شركائهم، فإنما قال ذلك لأنه قد كمل عتقها على أولادها، وإن لم يكن له مال غيرها، ومعناه لم يكن لأولاده منها مال فإنها تباع ويوفون بقية الأولاد، ومعناه يباع منها قدر حصصهم، لأنه قد عتق منها قدر حصص أولادها.
وقال الخرقي: لا يقوم عليه ذلك.
وجه ما نقله المروذي أن الميراث أحد جهات الملك فيجب أن تقوم عليه به كما لو ملكه باختياره بالشراء والهبة.
ووجه ما قاله الخرقي: أن القدر الذي عتق عليه لم يقصد به إدخال
الضرر على شريكه، ومتى عتق بعضه بغير قصد مالكه إلى الضرر لم يقوم عليه، كما لو أوصى بعتق بعض عبد فإنما يعتق بعضه بعد وفاته ولا يقوم على الوارث ما بقي منه من الرق لأنه لا صنع له في عتق قد عتق منه كذلك هاهنا.
قول السيد لعبده: لا سبيل لي عليك
:
3 - مسألة: إذا قال لعبده لا سبيل لي عليك فهل ذلك كتابة في العتق يعتبر نيته فيه أم هو صريح؟ نقل مهنا عنه في رجل قال لعبده: لا ملك لي عليك، أو قال: لا رق لي عليك، أخاف أن يكون قد عتق، ولا يسأل عن نيته هذا قد تكلم، فإن قال: لا سبيل عليك فهو أهون.
فظاهر هذا أنه لم يجعل ذلك صريحاً، لأنه فرق بينه وبين قوله: لا ملك ولا رق.
ونقل أبو طالب في رجل كتب في وصيته فلانة خادمتي لا سبيل لكم عليها وليس لي فيها شيء، فقال: إذا ألم يكن له عليها سبيل فهي حرة وليس لهم عليها شيء.
فظاهر هذا أنه جعله صريحاً، وهكذا الحكم فيه إذا قال: لا سلطان لي عليك.
وجه الأولى: أن نفي السبيل والسلطان يتضمن خروجه عن ملكه، لأن بقاء الملك يثبت السبيل والسلطان، وإذا لم يوجد من جهته سبب يزيل الملك غير هذا اللفظ يجب أن يكون صريحاً، كما لو قال: لا ملك لي عليك ولا رق لي عليك فإنه صريح، رواية واحدة، لأن نفي الملك والرق يتضمن خروجه عن ملكه ورقه ولم يوجد من جهته سبب يزيل الملك غير هذا اللفظ فكان صريحاً كذلك هاهنا.
ووجه الثانية: أن قوله: لا سبيل لي عليك، معناه: لا طاعة لي عليك، وأنت تعصيني وتخالفني فيما يجب لي عليك، فلم يكن صريحاً، كما قلنا في الطلاق: إذا قال لها لا سبيل لي عليك ولا سلطان، فإنه كناية وليس بصريح، كذلك هاهنا.
تأخير الشرط والصفة المعلق عليه الطلاق أو العتق
:
4 - مسألة: إذا قدم لفظ الطلاق والعتاق على الشرط والصفة وقال: أنت حر، أو أنت طالق إن دخلت الدار، أو كلمت زيداً، أو أكلت خبزاً ونحو ذلك.
لم يعتق حتى توجد الصفة، في أصح الروايتين.
نقلهما ابن منصور: من قال: أنت حر إلى أن يقدم فلان أو حتى يقدم فلان أو يجيء فلان، وإلى سنة وإلى رأس الشهر واحد، إنما يريد إذا جاء رأس الشهر وجاءت السنة.
وإذا قال: أنت طالق إذا جاء الهلال إنما يطلق إذا جاء رأس الهلال.
وفيه رواية أخرى: يقع العتق والطلاق، ولو قدم الصفة لم يقع إلا بوجودها.
نقل إسحاق بن إبراهيم في مسائل العتق، إذا قال: إن برئت من مرضي هذا فغلامي حر، فإذا برىء فغلامه حر، وإذا قال: غلامي حر إن برئت من مرضي هذا، فالغلام حر برأ أو لم يبرأ.
وجه الأولى: أنه عتق وطلاق حصل معه شرط فلم يقع قبل وجود شرطه كما لو أخره، ولأن الكلام متعلق بآخره يدل عليه الاستثناء، فإنه لو قال: أنت طالق ثلاثاً إلا واحدة، أو قال له: عليَّ عشرة إلا درهم، فإنه يصح الاستثناء ولا يلزمه جميع ما يلفظ به لتعلق الكلام بما بعده، كذلك هاهنا.
ووجه الثانية: أن لفظ الطلاق يقضي الإيقاع إذا انفرد، وإذا عقبه بما يمنع الإيقاع لم يصح، كما لو عقبه باستثناء جملته بأن قال: أنت حر ولست بحر، أو أنت طالق ثلاثاً إلا ثلاثاً ومعلوم أنه لو أفرد اللفظ وقع، فإذا أعقبه بالشرط منع الإيقاع في الحال في الحال لينظر ما يكون في الثاني من إيقاع أو عدمه، وهذا القائل يلزمه على هذا إذا قال: أنت حر إن شئت أو شاء فلان، أنه يعتق، وإنما لا يقع إذا قدم المشيئة، ولأنه لا يمتنع أن لا يقع إذا تقدم الشرط ويقع إذا تأخر عنه، كما لو قال: له عليَّ ألف من ثمن مبيع فأنكر المقر له البيع لزمته الألف، ولو قال ابتعت منه هذا الثوب بألف فأنكر المقر له لم تلزم الألف، والمذهب هو الأول، ويفارق هذا الاستثناء إذا رفع الجملة لأنه يؤدي إلى إزالة اللفظ والرجوع فيه.
تعليق العتق على عوض ورفض العبد لذلك
:
5 - مسألة: فإن قال أنت حر على ألف فلم يقبل العبد ذلك، لم يقع العتق في إحدى الروايتين.
وهذا ظاهر ما نقله ابن منصور عنه إذا قال لعبده: أنت حر على أن تخدمني كذا وكذا فهو جائز، وللعبد أن يشتري خدمته من سيده بالدراهم، وفيه رواية أخرى: يقع العتق قبل العبد أو لم يقبل، نص عليه في رواية مهنا وحنبل إذا قال لعبده: قد أعتقتك على ألف، فقال العبد: لا أرضى، يعتق العبد ولا يكون عليه شيء، لأنه قد وجب عليه حين قال: قد أعتقتك، ولا تختلف الرواية إذا قال أنت حر وعليك ألف أنه يعتق ولا شيء عليه.
وجه الأولى: أن عليَّ للشرط، فإذا لم يوجد الشرط يجب أن لا يقع كما لو قال: إن أعطيتني ألفاً فأنت حر فإنه لا يعتق ما لم يعطه، نص عليه في رواية حنبل، كذلك هاهنا.
ويفارق هذا قوله: وعليك ألف، لأن هذا كلام مستأنف عطفه عليه، فهو كقوله: أنت حر وأنت قائم.
ووجه الثانية: ما تقدم، وأن هذا لفظ إيقاع، فإذا وصله بما يرفعه يجب أن لا يصح، كما لو عقبه باستثناء يرفع جملته، وهذا القائل يلزم على هذا الخلع، وهو إذا قال لها: خلعتك على ألف إنها تطلق وإن لم تقبل، وإنما يلزم العوض إذا تقدم منه بذل العرض كما إذا تقدمت الصفة على العتق أن يقول لها: إذا جئتيني بألف فأنت طالق، فيكون طلاقاً بعوض، والصحيح هو الأول.
دخول الشقص من العبيد بلفظ عبيدي أو مماليكي أحرار
:
6 - مسألة: فإن قال: رقيقي أو مماليكي أحرار وله أشقاص في عبيد، مثل إن كان له نصف عشرة أعبد مشاعاً فهل يعتقون أم لا؟
نقل مهنا في رجل قال: كل مملوك لي حر، وله مماليك بينه وبين رجل فقال: إن كان نوى الذي بينه وبين الرجل، وإلا فلا.
فظاهر هذا أنهم لا يعتقون بمطلق اللفظ.
وجه ما نقله مهنا أن الإطلاق ينصرف إلى رقبة كاملة، بدليل أنه لو قال والله لأعتقن مملوكاً، أو قال: لله عليَّ نذر أن أعتق مملوكاً، فأعتق شقصاً له في عبد لم يجزه ولم يبر حتى يعتق رقبة كاملة فيجب أن يحمل الإطلاق من مسألتنا على ذلك.
وعلى ظاهر ما نقل مهنا لا فرق بين أن يكون الأشقاص بمجموعها تكون رقبة أو أقل من رقبة أنه لا يعتق عليه، لما ذكره من أن إطلاق الاسم ينصرف إلى رقبة كاملة، ويفارق هذا إذا أعتق نصفي عبدين في كفارته أنه يجزيه، لأن ذلك حق ثابت في الذمة، وهذا يتعلق بالاسم.
وجه ما قاله الخرقي أن من كان له نصف عشرة أعبد فله خمسة في التحقيق فيجب أن يعتقوا كما لو كانوا خمسة أعبد كملاً.
عتق المدبر من الثلث
:
7 - مسألة: هل يعتق المدبر بموت السيد من صلب المال أم من الثلث؟
نقل المروذي وصالح وحرب: من الثلث.
ونقل حنبل: يعتق من جميع المال ولا يورث ولا يباع.
وقال أبو بكر: ما رواه حنبل قول أول، ووجهها مع ضعفها أنه استحق العتاق بموت المولى فلم يجز بيعه كأم الولد.
ووجه الثانية: ما روى ابن عمر أن ـ النبي صلى الله عليه وسلم ـ قال: المدبر من الثلث ولأنها عطية تتنجز بالموت فوجب أن يكون من الثلث كالوصية.
بيع المدبر
:
8 - مسألة: هل يجوز بيع المدبر على الإطلاق أم يجوز عند الحاجة إليه وهو إذا كان دين؟
فنقل الميموني قال: قلت له: من باعه من غير حاجة إليه على التأويل، فما رأيت أبا عبد الله ينكر ذلك ولا يدفعه.
فظاهر هذا جواز بيعه على الإطلاق.
وكذلك نقل أبو طالب: التدبير أصله الوصية، والوصية منا لثث، فله أن يغير الوصية ما كان حياً فظاهر هذا جواز التصرف على الإطلاق.
ونقل عبد الله وحنبل: أرى بيع المدبر في الدين إذا كان فقيراً لا يملك شيئاً، لأن ـ النبي صلى الله عليه وسلم ـ باع المدبر حين علم أن صاحبه لا يملك شيئاً غيره.
فظاهر هذا أنه لا يجوز بيعه مع عدم الحاجة.
وجه الأولى: وهي أصح، أنها عطية تتنجز بالموت معتبرة من الثلث، فكان له الرجوع مع الحاجة وغيرها كالوصية، ولأنه عتق بصفة صدر عن قول فلم يمنع البيع مع الحاجة وغيرها، كما لو قال: إن دخلت الدار فأنت حر.
ووجه الثانية: وهي ظاهر كلام الخرقي، أن القياس يمنع جواز بيع المدبر لأنه استحق العتاق بموت المولى فمنع من بيعه كأم الولد، ولكن تركنا القياس فيه عند الحاجة لما روى جابر بن عبد الله أن رجلاً من الأنصار يقال له: أبو مذكور، أعتق غلاماً له يقال له يعقوب عن دبر ولم يكن له مال غيره، فدعا به رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم فقال: من يشتريه؟ فاشتراه نعيم بن عبد الله النحام بثمانمائة درهم فدفعها إليه، وقال: إذا كان أحدكم فقيراً فليبدأ بنفسه، فإن كان فيها فضل فعلى عياله، فإن كان فيها فضل فعلى ذي قرابته أو قال ذي رحمه، فإن كان فضلاً فههنا وههنا.
فأجاز ـ النبي صلى الله عليه وسلم ـ بيعه في المدبر، فتركنا القياس
في ذلك الموضع للخبر، وبقي ما عداه على موجب القياس.
فأما المدبرة فهل يجوز بيعها في الموضع الذي يجوز بيع المدبر أم لا؟
نقل أبو الحارث وعبد الله: ما اجترىء على بيع المدبرة، لأنه فرج يوطأ فظاهر هذا المنع.
ونقل أبو طالب: المدبرة في كل حال أمة أفترى يطأها بلا ملك وقد باع ـ النبي صلى الله عليه وسلم ـ مدبراً، وباعت عائشة ـ رضي الله عنها ـ خادمتها حين سحرتها.
فظاهر هذا جواز بيعها، وقد صرح بهذا في رواية ابن منصور فقال: يبيع المدبرة من حاجة وغيرها.
وجه الأولى: أن بيعها يتضمن إباحة فرجها، وقد اختلف الفقهاء في جواز بيع المدبرة، فلو أجزنا بيعها أبحنا فرجها بأمر مختلف فيه، فدخلته شبهة، فكان
الاحتياط منع البيع، ولهذا المعنى قال أحمد ـ رحمه الله ـ يقع الطلاق في النكاح الفاسد لاختلاف الفقهاء في صحة العقد، فغلب الخطر فيه، كذلك هاهنا.
ويفارق هذا المدبر، لأنه لا يتضمن إباحة الفرج.
ووجه الثانية: وهي أصح ما روي أن عائشة ـ رضي الله عنها ـ باعت مدبرة لها سحرتها فدل على جواز ذلك، ولأن عتقها مستحق بالتدبير فلم يمنع البيع دليله المدبر وكما لم يمنع بيع الذكر منه لم يمنع بيع الأنثى منه، دليله بيع المعتق نصفه.
الرجوع في التدبير
:
9 - مسألة: فإن أراد الرجوع في التدبير يقول: لا يزيل الملك، مثل أن يقول: رجعت في التدبير أو رفعته أو أزلته أو أبطلته، فهل له ذلك أم لا؟ على روايتين:
نقلهما الخرقي، أجودهما: ليس له ذلك فعلى هذا يكون التدبير عتقاً بصفة.
والثانية: له ذلك، فعلى هذا يكون وصية، وقد أومأ إليه في رواية ابن منصور.
وجه الأولى: أنه عتق يقع بوجود صفة أن لا يكون له الرجوع فيه قولاً كقوله إذا دخلت الدار فأنت جر.
ووجه الثانية: أنها عطية تتنجز بالموت، فكان له الرجوع فيها قولاً كالوصية ولأنه لو كان عتقاً بصفة لوجب أن يبطل بالموت، كقوله لعبده: إن دخلت الدار فأنت حر، فلما لم يبطل علم أنه ليس بعتق بصفة.
تعليق العتق بمدة الموت
: 10 - مسألة: إذا قال لعبده: أنت حر بعد موتي بشهر، لم يكن مدبراً لأن التدبير أن يعلق عتق عبده بوفاته، وهاهنا علق عتق العبد بصفة زائدة بعد الوفاة، فإذا لم يكن مدبراً فهل يعتق بالموت ومضي المدة أم لا؟.
نقل مهنا: إذا قال لعبده: أنت حر بعد موتي بشهر، لا يكون مدبراً، وهو عبد للورثة.
فظاهر هذا أنه حكم ببطلان الصفة، وهو ختيار أبي بكر.
ونقل ابن منصور إذا قال لعبده: أنت حر بعد موتي بشهر يكون من الثلث.
فظاهر هذا أنه لم يبطل الصفة، ويكون عتقه معلقاً بصفتين: الموت، ومضي المدة.
وجه الأولى: وهو اختيار أبي بكر، أنه علق عتقه بالموت وبصفة توجه بعده فلم يصح، كما لو قال: إن دخلت الدار فأنت حر بعد موتي، ومات السيد قبل دخولها ثم دخلها بعد موته فإنه لا يعتق ولا حكم لوجود الصفة، كذلك هاهنا.
ووجه الثانية: أن الصفة عقدت بعد الموت بشرط ذكره في حال حياته فوجب أن يصح، كما لو قال: إذا مت وزادت قيمتك على مؤونة دفني فأنت حر فإنه يصح، كذلك هاهنا، ويفارق هذا إذا قال: إن دخلت الدار فأنت حر بعد موتي لأن الصفة عقدت في حال الحياة، فإذا مات العاقد لها بطلت الصفة فلم يقع العتق.
ولد المدبرة من غير سيدها بعد التدبير
:
11 - مسألة: إذا دبر أمته وهي حامل فأنت بولد من زوج أو زنا فهو مملوك وهل يكون بمنزلتها يعتق بالموت أم لا؟ نقل حرب والميموني: أنه بمنزلتها، فقال في رواية الميموني: ما كان من ولد المدبرة قبل أن يدبرها لم يتبعها إنما يتبعها ما كان بعد ما دبرت، أو كانت حاملاً فوضعت يتبعها.
فظاهر هذا أنه يتبعها ويعتق بالموت.
ونقل حنبل: ولد المدبرة إذا لم يشرط يكون للمولى عبداً.
فظاهر هذا أنه لا يتبعها ولا يعتق بالموت.
وجه الأولى: وهو المذهب ما روي عن عثمان وابن عمر وجابر أن ولدها بمنزلتها يعتق بعتقها ولأن الأم تعتق بموت سيدها فوجب أن يتبعها ولدها في حكمها كأم الولد.
ووجه الثانية: أن عتقها معلق بصفة، فوجب أن لا يعتق ولدها بعتقها دليله إذا قال لها: إن دخلت الدار فأنت حرة، فدخلتها أنها تعتق، ولا يعتق ولدها ولأنها عطية معتبرة من الثلث فلم يتبع الولد الأم كالوصية.
عدم بطلان التدبير بقتل السيد
: 12 - مسألة: المدبر إذا قتل سيده هل يبطل التدبير؟ فيه روايتيان:
نقل صالح قال: سئل الأوزاعي عن المدبر يكون مع سيده في السرية، يقتل سيده أو يموت، يعتق ويعطى سهمه.
قال: إذا شهد الوقعة بعد موت سيده، وللسيد من المال بقدر ما يخرج من ثلثه فهو حر ويسهم له، وظاهر هذا أنه لا يبطل التدبير.
ونقل عنه أنه يبطل ولا يعتق، وهو اختيار الخرقي، وأصل الروايتين في الوصية للقاتل هل تصح؟ على روايتين: كذلك التدبير، لأنه وصية.
تزوج المكاتب دون إذن سيده
:
13 - مسألة: نقل أبو الحارث ويعقوب بن بختان ومهنا: لا يتزوج المكاتب إلا بإذن سيده فطاهر هذا المنع ونقل ابراهيم الحربي لا بأس أن يتزوج إذا اشترى نفسه بل المكاتبة لا تتزوج لأنه لا يؤمن أن ترجع الى الرق وهي مشغولة الفرج.
فظاهر هذا جواز ذلك للمكاتب لأنه علل في ذلك بأنه قد اشترى نفسه ومنع منه في الأمة ونظير ذلك اختلاف الرواية عنه في بيع المدبر أجاز ذلك في المدبر ومنع ذلك في المدبرة.
وإذا قلنا: لا يجوز ذلك في حق المكاتب والمكاتبة، فوجهه ما روى عن ـ النبي صلى الله عليه وسلم ـ قال: أيما عبد نكح بغير إذن مولاه فهو عاهر والمكاتب عبد ما بقي عليه درهم ولأن على السيد فيه ضرراً لأنه يصرف كسبه إلى نفقة زوجته، وإن عجز ورق عاد إليه قنا وله زوجة فتقل قيمته، والأمة ترجع إليه مشغولة الرحم فلا يمكنه وطؤها.
وإذا قلنا بالرواية الثانية، وإنه يجوز ذلك للمكاتب، فوجهه أنه عقد معاوضة فملكه المكاتب، دليله البيع والإجارة، وإلا يلزم عليه الهبة لأنه ليس بمعاوضة، وإنما هو تبرع وهذا القائل يجيب عن الخبر بأنه محمول على العبد القن ويجيب عن قوله على السيد ضرر، لأنه يصرف كسبه
في نفقة زوجته فلا يصح، لأن العبد القن إذا طلب الزوجية أجبر سيده على تزويجه أو بيعه، وإن كان عليه فيه ضرر كذلك في المكاتب، وكذلك تزويجه يؤثر في قيمته، وقد أجبرنا السيد عليه، فأما الأمة فإنما منعت من ذلك لأن هذا العقد مختلف فيه فمنع منه احتياطاً، لأنه يتضمن إباحة فرجها.
ضمان الحر لمال الكتابة
:
14 - مسألة: هل يصح ضمان الحر مال الكتابة أم لا؟
فنقل حرب: أنه يصح.
ونقل مهنا وابن منصور: لا يصح.
وجه الأولى: أنه عوض في عقد معاوضة فصح ضمانه دليله الثمن في البيع.
ووجه الثانية: وهي أصح، أنه مال ليس بلازم ولا يفضي إلى اللزوم فلم يصح، كما لو قال لزوجته: إن أعطيتني ألفاً فأنت طالق فسدده عنها رجل لم يصح ولا يلزم عليه الدين المستتر وأرش الجنايات لأن ذلك لازم ولا يلزم عليه إذا ضمن الثمن في مدة الخيار لأنه يفضي إلى اللزوم، ولأن الضامن فرع للمضمون بدليل أن المضمون عنه إذا برىء عن الدين برىء هو الضامن ولو أبرىء الضامن وحده برئت ذمته وحده.
فإذا لم يكن مال الأصل: لازماً فبأن لا يكون لازماً للضامن أولى، فإن ضمن مكاتب آخر مال الكتابة فالمنصوص عنه أنه باطل ويجب أن يكون في المكاتب، رواية واحدة، أنه يبطل ضمانه، وفي الحر روايتان لأن الحر أوسع تصرفاً وأنفذ أمراً من المكاتب، فجاز أن يضمن والمكاتب لا يتصرف في المال بالصدقة والقرض إلا بإذن، فلم يصح ضمانه.
عتق المكاتب بملك مال الكتابة
:
15 - مسألة: إذا حصل في يد المكاتب وفاء بمال الكتابة فهل يعتق بملك الوفاء أم لا؟
نقل الخرقي في ذلك روايتين: إحداهما: لا يعتق، وقد نص عليه أحمد في رواية الميموني فقال: المكاتب عبد ما بقي عليه درهم، قيل: وإن كان موسراً قال وإن كان موسراً والثانية: يعتق.
وجه الأولى: وهي الصحيحة ما روى عمرو بن شعيب عن أبي عن جده أن
النبي صلى الله عليه وسلم ـ قال: المكاتب عبد ما بقي عليه درهم ولأنه عتق بأداء مال فوجب أن لا يعتق بملك ذلك المال حتى يؤديه، دليله لو قال: إن أعطيتني ألفاً فأنت حر، فملك ألفاً فإنه لا يعتق، كذلك هناهنا.
ووجه الثانية: حديث أم سلمة أن ـ النبي صلى الله عليه وسلم ـ قال لها: إذا كان عند مكاتب إحداكن وفاء فلتحتجب منه وفي لفظ آخر فالقين الحجاب.
فلولا أنه قد عتق بذلك لم يأمرهن بضرب الحجاب، ولأنه مالك لوفاء مال الكتابة فوجب أن يعتق قياساً عليه إذا أرى.
فإذا قلنا: إنه لا يعتق بملك الوفاء حتى يؤدي فمات المكاتب وفي يده وفاء.
فهل تبطل الكتابة أم لا؟
بطلان عقد الكتابة بموت العبد قبل الوفاء ولو كان يملك وفاء:
نقل الخرقي روايتين: إحداهما: تبطل، نص عليه في رواية أبي الحارث وبكر ابن محمد، وابن منصور فقال: إذا مات المكاتب وترك الوفاء بمال الكتابة وله ورثة أحرار فماله لسيده، لأنه مات وهو عبد وماله لسيده.
فعلى هذه الرواية يكون جميع المال لسيده.
والثانية: لا يبطل، فعلى هذه الرواية يؤدي عنه بعد وفاته، ويعتق بآخر جزء من آخر حياته، وما فضل فهو لورثة المكاتب، فإن لم يكن مناسباً كان لسيده بالولاء.
ولا تختلف الرواية أنه لم يخلف وفاء أن الكتابة تبطل ويكون المال للسيد، وكذلك لا تختلف أنه إذا مات السيد لم تبطل الكتابة، ويكون العبد على كتابته.
وجه الأولى: وهي الصحيحة، أنه عتق معلق بشرط مطلق، فوجب أن ينقطع بالموت كقوله: إذا أديت إليَّ ألفاً فأنت حر، وإن دخلت الدار فأنت حر، وقولنا: مطلق احتراز منه إذا قال: إن دخلت الدار بعد موتي فأنت حر، ولأنه مات قبل أن يؤدي مال الكتابة فوجب أن ينفسخ بموته، كما لو لم يخلف وفاء، ولأن البدل في الكتابة في مقابلة رقبة المكاتب، بدليل أنه لو أعتق في كتابة فاسدة كان عليه قيمة الرقبة، فإذا كان البدل في مقابلة الرقبة كانت رقبته في يديه بمنزلة المبيع في يد البائع، والبيع يبطل بتلف المبيع في يد البائع كذلك هاهنا.
ووجه الثانية: أنها معاوضة لا تنفسخ بموت أحد المتعاقدين وهو السيد فلم ينفسخ بموت الآخر كالبيع، ولأن مال الكتابة معلق بذمته فوجب أن يتعلق
بتركته كدين الحر، ولأنه موت أحد المكاتبين فلا تبطل الكتابة كما لو مات السيد.
تقديم سداد الدين في ترك المكاتب على دين الكتابة:
فإن قلنا: إن الكتابة تبطل بموت المكاتب فإذا مات وعليه ديون وضاق المال عن مال الكتابة وقضاء الدين، فهل يقدم الدين أو يأخذ السيد بالحصة؟
على روايتين:
نقل أحمد بن القاسم وحنبل والمروذي والأثرم: أن الدين مقدم.
ونقل أبو الحارث: أن السيد كأحد الغرماء يأخذ بالحصص.
وجه الأولى: أنه مكاتب ضاق ماله عن الكتابة والدين، فوجب أن يقدم الدين، دليله حال الحياة، فإنه يقدم في حال الحياة، رواية واحدة، كذلك بعد الموت، ولأن مال الكتابة جائز، بدليل أنه لا يجبر على أدائه، ولا يصح ضمانه والدين ثابت مستقر في ذمته، بدليل أنه يجبر على أدائه، ويصح ضمانه، وإذا كان الدين أثبت وآكد قدمنا القوي على الضعيف.
ووجه الثانية: أن السيد غريم بمال الكتابة، فيجب أن يحاص الغرماء في ديونهم قياساً على غيره من الغرماء، ومن قال بهذا فرق بين حالة الحياة وحال الموت، فقال: في تقديم الدين في حال الحياة حفظ للدين ولحق السيد فأما إذا قدمنا الدين وفضل شيء كان للسيد، وإن لم يفضل رجع السيد عن مال الكتابة إلى رقبة العبد، وليس كذلك إذا مات المكاتب، لأن السيد، لا يرجع إلى مال الكتابة، ولا إلى رقبة العبد، فلهذا ضرب معهم بالحصص، فإن اجتمع عليه أرش الجناية ومال الكتابة، فهل يقدم صاحب الأرش أو يكون السيد بالحصص؟
قال أبو بكر: على قولين، ويجب أن يكون الحكم في الأرض كالحكم في الدين على ما ذكرنا.
تعجيل مال الكتابة قبل محله
: 16 - مسألة: إذا عجل المكاتب مال الكتابة قبل محله، وكان مما لا يخشى
فساده ولا موته في حفظه كالرصاص والحديد والنحاس والأثمان، وكان البلد مأموناً حين التعجل، فهل عليه قبوله أم لا؟
فنقل حرب وابن منصور والأثرم: قد زاده خيراً، وفيه حديث عثمان وضعها في بيت المال وخلى سبيله بأخذه ويعتق، فظاهر هذا أن عليه قبوله، فإن فعل وإلا قبضه الإمام وجعله في بيت المال ويحكم بعتق العبد.
قال أبو بكر: وفيه رواية أخرى: لا يلزمه قبوله ذلك إلا عند نجومه، نقلها بكر بن محمد وحنبل، قال أبو بكر: لأنه قد يعجز فيرد رقيقاً، ولأنه عجل مال الكتابة قبل محله فلا يلزمه قبوله، دليله لو كان مما يخاف عليه الفساد.
ووجه الأولى: وهي أصح، ما روى سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبيه أن امرأة اشترته من سوق ذي المجاز، وقدمت به مكة، وكاتبته على أربعين ألفاً فأدى عامة المال، ثم أتاها فقالت: لا والله حتى يؤديه سنة بعد سنة وشهراً بعد شهر، فخرج به ـ يعني بالمال ـ إلى عثمان ـ رضي الله عنه ـ فأخبره بذلك، فقال له: ضعه في بيت المال، وقال لها: قد عتق أبو سعيد، فإن اخترت أخذه شهراً بعد شهراً أو سنة بعد سنة فافعلي، وإن شئت أخذت المال.
ولأن الأجل حق لمن عليه الدين على من له الدين، فإذا قدمه من غير ضرر يلحق من له الدين فقد رضي بإسقاط حقه من غير ضرر على غيره، فكان ذلك له.
بيع المكاتب
: 17 - مسألة: هل يجوز بيع رقبة المكاتب؟ نقل أبو داود والأثرم وإبراهيم بن الحارث وحنبل والميموني وابن مشيش
جواز ذلك، ويكون عند المشتري مكاتباً، وإذا أدى إليه عتق.
وقال في رواية أبي طالب وقد سئل هل يطأ مكاتبته؟
فقال: لا يطأها، لأنها ما اكتسبت كان لها، ولأنه لا يقدر أن يبيعها، ولا يهبها، فظاهر هذا أنه لا يصح بيعها ولا هبتها.
وجه الأولى: وهي الصحيحة، ما روى أبو داود بإسناده أن بريرة جاءت عائشة ـ رضي الله عنها ـ تستعينها في كتابتها، ولم تكن قضت من كتابتها شيئاً، فقالت لها عائشة: ارجعي إلى أهلك، فإن أحبوا أن أقضي عنك كتابتك ويكون ولاؤك لي فعلت.
فذكرت ذلك بريرة لأهلها فأبوا، وقالوا: إن شاءت أن تحتسب عليك فلتفعل ويكون ولاؤك لنا.
فذكرت ذلك لرسول الله ـ صلى الله عليه وسلم، فقال لها رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم: (ابتاعي واعتقي)، فإنما الولاء لمن أعتق، ثم قام رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم، فقال: ما بال أناس يشترطون شروطاً ليست في كتاب الله، فمن شرط شرطاً ليس في كتاب الله فليس له وإن شرط مائة شرط، شرط الله أحق.
فقد أجاز ـ النبي صلى الله عليه وسلم ـ بيع المكاتب.
وفي الخبر ما يدل (على) أن عقد الكتابة كان باقياً، وأنها لم تعجز، لأنه روي أنها جاءت تستعين بها في كتابتها، ولو كان عقد الكتابة قد انفسخ لم يكن للاستعانة فائدة، ولأن عائشة ـ رضي الله عنها ـ قالت لها: ارجعي إلى أهلك، فإن أحبوا أن أقضي عنك كتابتك ويكون ولاؤك لي، فأثبت أن الكتابة باقية، وأنها تقضي عنها مال الكتابة ولأنه عتق بصفة صدر عن قول، فلم يمنع البيع كالتدبير،
وكما لو قال: إن دخلت الدار فأنت حر، وإن أعطيتني ألفاً فأنت حر.
ولأن أكثر ما في البيع أنه نقل الملك إلى مالك (آخر)، وهذا جائز في حق المكاتب، كالموت ينقل الملك في رقبة المكاتب عن السيد إلى ورثته، كذلك البيع.
ووجه الثانية: أن الكتابة عقد يمنع من رجوع أرش الجناية عليه إليه، فمنع من البيع كعقد البيع، ولأن ملكه ناقص، بدليل أنه لا يملك التصرف في منفعته بالاستخدام والإجارة ونحو ذلك، والبيع إنما يصح ممن ملكه تام.
تعجيز المكاتب
: 18 - مسألة: هل يملك السيد تعجيز المكاتب بالعجز عن أول نجم أم لا؟
فنقل أبو طالب: إذا عجز عن نجم أو نجمين، وقال: عجزت، فهو عبد، فظاهر هذا أنه بالعجز عن نجم واحد يعجز.
ونقل ابن منصور: من الناس من يقول:
إذا جاء نجم فلم يؤد فهو عاجز، ومنهم من يقول: نجمان، ونجمان أحب إليَّ، فظاهر هذا أنه لم يعجزه بنجم واحد، وهو اختيار أبي بكر والخرقي.
وجه الأولى: ما روي عن ـ النبي صلى الله عليه وسلم ـ أنه قال: (المكاتب عبد ما بقي عليه درهم ولأنه عاجز عن شيء من مال الكتابة عند محله فملك السيد تعجيزه، كما لو عجز عن نجمين.
ووجه الثانية: ما روى الشعبي عن الحارث عن علي ـ عليه السلام ـ أنه قال: إذا تتابع على المكاتب نجمان، فدخل في السنة الثانية، فلم يؤد نجومه رد في الرق وروى قتادة عن جلاس بن عمر أن علي بن أبي طالب قال: إذا
عجز المكاتب يستسعى سنتين ولأنه يتحقق عجزه بأول نجم، لأنه يجوز أن يكون له مال غائب، أو دين في ذمة إنسان، فيتأخر القضاء في هذا النجم ويقضي في الثاني، فإذا عجز في الثاني تحقق ذلك، فملك الفسخ، ولم يملك في الأول لأنه غير متحقق، ولأنه متى لم يحل النجم الثاني فهو وقت لأداء النجم الأول، بدليل أنه لم يحل الثاني فهو وقت النجم الأول فلا أن يعجز ووقت الأداء باق، فإذا جاء محل النجم الثاني فلم يؤد تحققنا عجزه بانقضاء وقت النجم الأول.
ملك السيد لمال الزكاة الذي بيد المكاتب إذا عجز عن الأداء
:
19 - مسألة: إذا عجز المكاتب عن وفاء مال الكتابة وفي يده مال من الزكاة فهل يكون للسيد أخذه أم يصرف في الرقاب؟
ونقل المروذي وابن منصور: هو للسيد.
ونقل حنبل: يجعل في المكاتبين.
وقال أبو بكر: يرد على من تصدق به.
وجه الأولى: أنه حال أخذه كان له أخذه، فإذا عجز عن الوفاء يجب أن يكون لسيده، دليله لو أخذه على وجه الهبة وصدقة التطوع.
ووجه الثانية: أنه إنما دفع إليه ليقع له به العتق وما وقع، فهو كما لو دفع إلى الغارم ليقضي دينه، والغازي ليغزو فلم يفعلا ذلك، فإنه يلزمهما الرد، كذلك هاهنا، ويمكن أن يحمل ما نقله المروذي وابن منصور على أنه لم يوجد الزكاة بعينها وإنما وجد بدلها وربحها فحكم بها للسيد.
مسائل العدة
:
انقضاء العدة بإلقاء ما فيه خلق إنسان
: 20 - مسألة: إذا ألقت جسداً ليس فيه تخطيط ولا تصوير بحال، غير أن أهل الخبرة من القوابل ذكروا أنه مبتدأ خلقه بشر، فإنه لو بقي تخطيط وتصوير، فهل تصير به أم ولد، وتنقضي به العدة، ويضمن بالغرة والكفارة أم لا؟
نقل يوسف بن موسى عنه في الأمة إذا ألقت مضغة أو علقة: تعتق وإن لم يتم أربعة أشهر بعد أن يرى خلقه ويعلم أنه ولد، فظاهر هذا أنه يحكم فيه بهذه الأحكام إذا علم ولد، وإن لم يتم له أربعة أشهر، وكذلك نقل مهنا: إذا ألقت مضغة أو علقة أعجب إليَّ أن تكون حرة لا يكون في النفس منه شيء، ظاهرهذا الحكم بذلك.
نقل حنبل: إذا أسقطت أم الولد فإن كان خلقه تاماً عتقت وانقضت به العدة إذا دخل في الخلق الرابع ينفخ فيه الروح، فظاهر هذا أنه لم يحكم فيه بهذه الأحكام وكذلك نقل الميموني بعتق الأمة إذا تبين وجهه أو يده أو شيء من خلقه، فظاهر هذا أنه اعتبر ما تبين فيه الخلق وقد تبين ذلك لأقل من أربعة أشهر.
ونقل إبراهيم بن الحارث في الأمة إذا ألقت ما تمسه القوابل فيعلمون أنه لحم ولا يتبين خلقه، فأما في العدة فتحتاط بأخرى وتحتاط بالعتق، فظاهر هذا أنه يحكم بكونها أم ولد بذلك ولا يحكم بانقضاء العدة.
وجه الأولى: في أنه يتعلق به هذه الأحكام، أنه إذا كان مبتدأ خلقة بشر كان كالذي ظهر فيه تصوير وتخطيط.
ووجه الثانية: في أنه لا يتعلق به شيء من هذه الأحكام، أنه إنما يثبت أم الولد حرمة بالولد، والولد ما ثبت له حرمة، فكيف تصير أم ولد؟
ووجه الثالثة: في أنها تعتبر لأم ولد ولا تنقضي العدة، أن في ذلك احتياطاً لأن فيه تغليباً للحرية، واحتياطاً في بقاء العدة، وقد روي عنه أنه لا تثبت هذه الأحكام حتى تمضي أربعة أشهر، فقال في رواية أبي طالب: إذا تم خلقه في الشهر الرابع تعتق الأمة وتنقضي العدة، وكذلك (نقل) حنبل وأبو الحارث: يغسل السقط ويصلى عليه بعد أربعة أشهر، وتنقضي العدة، وتعتق الأمة إذا دخل في الخلق الرابع، والوجه فيه أن ما دون الأربعة لا يغسل ولا يصلى عليه، فلم تعتق ولا تعتد، دليله إذا تبين خلقه.
نفقة أم ولد النصراني إذا أسلمت
:
21 - مسألة: إذا أسلمت أم ولد النصراني فإن نفقتها في كسبها، فإن فضل كان لسيدها، وإن عجز عن نفقتها فهل على السيد إتمامها أم لا؟
قال أبو بكر: على روايتين:
إحداهما: التمام على سيدها، وهو ظاهر ما نقله ابن منصور، فقال: إذا أسلمت أم ولد النصراني منع من غشيانها ونفقتها عليه، وهو اختيار أبي بكر.
والثاني: لا يلزم السيد تمام نفقتها في هذه الحال بها إذا مات عنها وفي تلك الحال نفقتها في كسبها على نفسها.
وجه الأولى: وهي أصح، أن منع الوطء، منها بسبب هي طائعة فيه، فلا يسقط النفقة كالحيض والمرض.
ووجه الثانية: أنه ممنوع من استمتاعها بسبب من جهتها، فهو كالزوجة إذا نشزت، ولأن زوجة الوثني لو أسلمت قبل الدخول لم يكن لها شيء من الصداق لأن الفرقة جاءت من جهتها، كذلك هاهنا.
استسعاء أم ولد الذمي ءذا أسلمت
:
22 - مسألة: إذا أسلمت أم ولد النصراني، هل تستسعى في قيمتها حتى تؤدي وتعتق أم لا؟
نقل ابن منصور والميموني: لا تستسعى.
نقل مهنا: تستسعى.
قيل له: من يستسعيها؟
قال: سيدها.
قال أبو بكر: أظن أن أبا عبد الله أطلق ذلك لمهنا على وجه المناظرة للوقت لا غيره.
وجه الأولى: وهي الصحيحة، أن الاستسعاء عتق بعوض، فلم يجبر العبد عليه، دليله الكتابة، ولأن حق السيد هاهنا متعجل، فلا تجبر على تأخيره، ولأن الاستسعاء إزالة ملك بعوض مؤجل، ففيه ضرر به.
ووجه الثانية: أنها مسلمة، فلا يجوز أن تقر في ملك ذمي، كالأمة التي ليست أم ولد إذا أسلمت، فإنها تباع عليه، كذلك هاهنا.
حد قاذف أم الولد
:
23 - مسألة: هل يجب الحد على قاذف أم الولد أم تعزير؟
فنقل أبو طالب.
على قاذفها الحد، واحتج بحديث ابن عمر أنه قال: عليه الحد.
ونقل الميموني: أن ابن عمر يقول: عليه الحد، وأنا أجترىء على ذلك إنما هي أمة وأحكامها أحكام الإماء.
وجه الأولى: ما روي عن ابن عمر أنه قال: عليه الحد، ولأن في قذفها قدحاً في نسب ولدها، ولأن سبب الحرية مستقر فيها، ولهذا لا يجوز العقد على رقبتها، فهي كالحرة.
ووجه الثانية: وهي الصحيحة، أنها ناقصة بالرق، ولهذا لا يجوز شهادتها ويملك السيد إكتابها واستخدامها وإجبارها على النكاح، فلم يحد قاذفها كالمدبرة.
مسائل متفرقة
حلق الرأس لغير حج ولا عمرة
:
1 - مسألة اختلفت الرواية في حلق الرأس بغير رحج ولا عمرة، هل يكره أم لا؟ نقل المروذي والفضل بن زياد: كراهية ذلك.
ونقل حنبل: جوازه.
وجه الأولى: ما روي في حديث أبي موسى وابن عمر أن ـ النبي صلى الله عليه وسلم ـ قال: ليس منا من حلق، ولأن ـ النبي ـ عليه السلام ـ ذكر قوماً دمهم فقال: سيماهم التحليق وعن عمر ـ عليه السلام ـ قال لضبيع: لو وجدتك محلوقاً لضربت الذي فيه عيناك، وعن ابن عباس قال: الذي يحلق في المصر
حليق الشيطان، وعن معمر أنه كان يكره الحلق من غير الحج والعمرة، وإنما فرقا بين الحج والعمرة وبين المحل، لما روي عن ـ النبي صلى الله عليه وسلم ـ قال: اللهم اغفر للحالقين ثلاثاً، وقال في الرابعة: والمقصرين ولأنا كرهناه في غير الإحرام لأنه تشبه بالأعاجم، وحلقه عند التحليل من إحرامه ليس فيه تشبه به.
ووجه الثانية: أنالناس عصراً بعد عصر يحلقون ولم يظهر عليهم نكير.
ولأن في ترك الحلق مشقة.
التداوي بالكي وقطع العروق
:
2 - مسألة: واختلفت الرواية في التداوي بالكي وقطع العروق.
فنقل حنبل عنه، وقد سأله عن الكي، قال: الأعراب تفعله قد كوي ـ النبي صلى الله عليه وسلم ـ، وقد فعله أصحاب ـ النبي صلى الله عليه وسلم ـ.
فظاهر هذا جواز ذلك، وقد احتج فيه بفعل ـ النبي صلى الله عليه
وسلم ـ، وكذلك نقل الأثرم عنه قال: قطع عمران بن حصين عرق النساء.
ونقل الأثرم وجعفر بن محمد: كراهية الكي.
قال أبو بكر الخلال: روى هذه المسألة عن أبي عبد الله ستة أو أربعة ذكروا عنه التوقف والميل إلى الكراهية وحنبل ويعقوب قالا عنه السهولة فيه، وأرجو أن لا يكون به بأس.
وجه الجواز ما احتج به أحمد ـ رضي الله عنه ـ أن ـ النبي صلى الله عليه وسلم ـ كوى سعداً، وروى جرير قال: عزم على عمر ـ عليه السلام ـ لأكتوين ولأن هذا ضرب من التداوي يؤمن معه التلف فهو الفصد وبط الجراح ونحو.
ووجه الكراهة ما روي عن ـ النبي صلى الله عليه وسلم ـ أنه قال وقد ذكر قوماً من أمته يدخلون الجنة بغير حساب، فسئل عنهم، فقال: هم الذين لا يكترون ولا يسرقون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون.
فوصفهم بذلك، فلولا أن تركه أولى من فعله ما مدحهم.
ولأنه قدر ربما يخالف منه التلف، فكره ذلك.
التكني بكنية ـ النبي صلى الله عليه وسلم ـ
:
3 - مسألة: هل يكره أن يكتنى بكنية النبي ـ عليه السلام ـ: أم لا نقل علي بن سعيد وقد سأله عن حديث النبي تسموا باسمي ولا تكنوا بكنيتي، هو أن يجمع بين اسمه وكنيته أو ينفرد بأحدهما فقال أكثر الحديث: تسموا باسمي ولا تكنوا بكنيتي، فظاهر هذا جواز الاسم ومنع الكنية، وكذلك نقل حنبل وصالح الكراهية للكنية.
ونقل ابن منصور، وقد سأله: أيكره أن يسمى الرجل بأبي القاسم أو بأبي عيسى؟ قال عمر: يكره أبا عيسى، فإذا لم يك اسمه محمداً فهو أهون، فظاهر هذا أنه كره الجمع بين اسم النبي وكنيته، ولا يكره أن يفرد أحدهما عن الآخر.
وجه الأولى: ما روى جابر وأبو هريرة عن ـ النبي صلى الله عليه وسلم ـ قال: كان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم بالبقيع، فنادى رجل رجلاً: يا أبا القاسم، فالتفت إليه رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم، فقال: إني لمأعنك، فقال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم: تسموا باسمي ولا تكتنوا بكنيتي.
ووجه الثانية: ما روت عائشة ـ رضي الله عنها ـ قالت: جاءت امرأة إلى ـ النبي صلى الله عليه وسلم ـ فقالت: يا رسول الله، إني ولدت غلاماً فسميته محمداً وكنيته بأبي القاسم، فذكر لي أنك تكره ذلك، فقال: ما الذي أحل اسمي وحرم كنيتي، أو ما الذي حرم كنيتي وأحل اسمي؟ وروى محمد بن الحنفية قال علي: يا رسول الله، إن ولد لي بعدك ولد أسميه باسمك وأكنيه بكنيتك؟ قال: نعم.
لبس الحرير والذهب لمن ل يبلغ من الذكور
:
4 - مسألة: هل يحرم لبس الحرير والذهب على من لم يبلغ من الذكور أم لا؟
نقل صالح عنه، وقد سئل عن لبس الذهب والفضة للصغار الذكور، فقال: لا يلبسون، إنما هو للإناث، قال ـ النبي صلى الله عليه وسلم ـ: أجل لأناث أمتي وحرم على ذكورها، فظاهر هذا التحريم.
وقد نقل نحو ذلك محمد بن يحيى الكمال وحرب والأثرم والفضل.
ونقل يعقوب بن بختان أنه سئل عن بيع الحرير والديباج، فقال: إذا لبس النساء والصبيان فجائز، فإذا كان الرجال فلا.
فظاهر هذا الجواز.
وجه الأولى: عموم قول ـ النبي صلى الله عليه وسلم ـ في الحرير والذهب هذان حرام على ذكور أمتي حلال لإناثها وهذا يشمل الصغير والكبير، ولأن ما كان محرماً بعد البلوغ كان محرماً قبله، دليله شرب الخمر والوطء المحرم وغير ذلك من المحرمات.
ووجه الثانية: أن الصبي غير مكلف، فيجب أن لا يحرم عليه ذلك، ويفارق هذا شرب الخمر والزنا ونحو ذلك، لأن يسير ذلك لا يباح ويسير هذا يباح في حق الرجل وفي الحرب، لأن جنس ذلك لا يباح بحال وجنس هذا يباح في حق النساء، فهو أسهل من ذلك، ولأنه ليس مباحاً للنساء فأبيح للصبيان كالخز والمصمت.
سترة العورة في الخلوة
:
5 - مسألة: هل يجب عليه أن يستر عورته في حال الخلوة إذا لم يكن بحضرة أحد؟ على روايتين:
قال في رواية أبي داود: هل يغتسل في النهر بغير إزار؟ فقال: أستحب أن لا يدخل الماء إلا بمئزر، فإن لم يره أحد فأرجو فظاهر هذا أنه لا يجب.
ونقل جعفر بن محمد: لا يعجبني أن يغتسل في النهر إلا مستتراً، لأن للماء سكاناً.
فظاهر هذا وجوبه.
وجه الأولى: أنه إنما وجب بحضرة غيره لئلا يهتك حرمته بكشفها، وهذا معدوم هاهنا، ولأنه لا معنى لتغطيتها في الخلوة، لأن الله تعالى وملائكته لا يخفى عليه شيء ولا تستر عنه الأشياء.
ووجه الثانية: قول ـ النبي صلى الله عليه وسلم ـ:
الله أولى أن يستحى منه.
وروى مجاهد قال: خرج رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم في الظهيرة، فرأى رجلاً يغتسل في الصحراء، فقال: يا أيها الناس، اتقوا ربكم وأكرموا الكرام الكاتبين، إذا تجرد أحدكم فليستتر بحدم حائط أو ببعير.
ضرب الدف عند وليمة النكاح
:
6 - مسألة: لا تختلف الرواية أنه يجوز ضرب الدف عند وليمة النكاح إذا لم يقترن به الغناء، واختلف هل يجوز ضربه لغير ذلك؟
فنقل يعقوب بن بختان عنه: لا بأس بضرب الدف في الزفاف ما لم يكن غناء ولم ير بكسره بأساً عند الميت، كذلك نقل مهنا أن أبا عبد الله ذكر له أن أبا بكر المروذي جاء ليغسل ميتاً فرأى دفاً فكسره فتبسم ولم ير بكسره بأساً في مثل الميت، فظاهر هذا أنه لا يجوز ضربه لذلك، ويجوز كسره في تلكالحال.
ونقل ابن منصور عنه وقد سئل عن الذي يلعب به الصبيان، فقال: لا يعجبني كسره في تلك الحال.
ونقل أيضاً جعفر بن محمد لا بأس بكسر الطنبور والطبل والعود، فأما الدف فلا يعرض له.
وجه الأولى: ما روي أن أصحاب عبد الله كانوا يرون الجواري في الطريق معهم الدفوف فيخرقونها، ولأنها آلة تلهي وتطرب فأشبه الطبل والطنبور.
ووجه الثانية: أن هذه الآلة لها وجه في الإباحة، بدليل قول ـ النبي صلى الله عليه وسلم ـ: فصل ما بين الحلال والحرام الدف، فلم يجز إتلافها، ولأن امرأة من الأنصار قالت للنبي ـ عليه السلام ـ نذرت أن أضرب على رأسك بالدف فقال: أوفي بنذرك.
وروى أنس بن مالك قال: مر ـ النبي صلى الله عليه وسلم ـ بجواري من بني النجار وهن يضربن بدف لهن، ويقلن: نحن جواري من بني النجار وحبذا محمد من جار فقال: الله يعلم أني أحبكن.
إنكار المنكر المغطى على من علم به
: 7 - مسألة: إذا علم مع غيره منكراً مثل آلة لهو كالطنبور والطبل والمسكر ونحو ذلك، وكان مغطى عن أعين الناس وقدر على إنكاره فهل يلزمه إنكاره أم لا؟ على روايتين: نقل إسحاق وعبد الله والمروذي ويوسف بن موسى وأحمد بن الحسين: لا يعرض له ولا يكسره إذا كان مغطى.
ونقل إسحاق ومحمد بن أبي حرب: يكسره وينكره وإن كان مغطى.
وجه الأولى: أنه لا يمتنع أن يسقط بالستر، كما قلنا في أهل الذة إذا ستروا الخمر عنا مع العلم بها لم يتعرض لها ولو أظهروها لأنكرناها وأرقناها، كذلك هاهنا.
ووجه الثانية: أننا قد تحققنا المنكر، فيجب إزالته كما لو كان ظاهراً، وعلى هذا لو علم أن في داره منكراً أنه يهجم عليه فيزيله.
ضرب الدفوف عند عقد النكاح والزفاف
:
8 - مسألة: يجوز عمل الدفوف واللعب بها في الوليمة للأملاك والزفاف بغير غناء فإن لعب به في غير ذلك لم يجز، لكنه يجوز إتلافها وتخريقها في إحدى الروايتين، نص عليه في رواية إسحاق بن إبراهيم وقد سأله عن الدف يلعب به الصبيان؛ لا يعجبني كسره، وكذلك قال في رواية جعفر بن محمد: لا بأس بكسر الطنبور والعود والطبل، وأما الدف فلا يعرض له، وقد كرهه أصحاب عبد الله، ولم يذهب إليه.
وفيه رواية أخرى: يجوز إتلافه فيما عدا ذلك، نص عليه في رواية ابن منصور: أكره بيع الدفوف وذهب إلى حديث إبراهيم كان من أصحاب عبد الله يستقبلون الجواري في الطرق معهن الدفوف يخرقونها، وكذلك ذكر له المروذي أنه جاء ليغسل ميتاً فرأى دفاً فكسره، فتبسم ولم ير بأساً بكسره في مثل الميت وكذلك نقل يعقوب بن بختان، وقد سئل عن كسر الدف عن الميت، فلم ير بكسره بأساً.
وجه الأولى: أن للدف وجهاً في الإباحة وهو للأملاك والزفاف، هكذا نص عليه أحمد ـ رضي الله عنه ـ في رواية المروذي، وقد سأله عن الدف في الإملاك أو بناء بلا غناء فلم يكره ذلك.
وقد دل عليه قول ـ النبي صلى الله عليه وسلم ـ: أعلنوا النكاح واضربوا عليه بالدف.
وإذا كان له وجه في الإباحة لم يجز إتلافه
كالأوتار تصلح للطنبور وتصلح للقس فلا يجوز إتلافها، وكذلك القضيب يصلح للضرب المكروه ويصلح لغيره، وكذلك السدادي ثم لا يجوز إتلاف ذلك.
وقد روى أبو بكر الخلال بإسناده عن أنس قال: مر ـ النبي صلى الله عليه وسلم ـ بجواري من بني النجار وهم يضربون بالدف لهم، ويقلن: نحن جوار من بني النجار وحبذاً محمداً من جار، فقال: الله يعلم أني أحبكن.
وروى ابن عباس قال: مر ـ النبي صلى الله عليه وسلم ـ بحسان وقد رش فناء أطنامه ومعه أصحابه سماطين يعني جانبين وجارية يقال لها شيرين ومعها مزهر، وهي تختلف من بين السماطين تغني، فلما مر بهم ـ النبي صلى الله عليه وسلم ـ لم يأمرهم ولم ينههم، فانتهى إليها وهي تقول في غنائها: هل عليَّ ويحكما إذا لهوت من حرج؟ فتبسم ـ النبي صلى الله عليه وسلم ـ فقال: لا حرج إن شاء الله وأخبار غيرها تركناها.
ووجه الثانية: ما احتج به أحمد ـ رضي الله عنه ـ في رواية الحسن بن حسان يروي عن الحسن قال: ليس الدفوف من أمر المسملين في شيء، وأصحاب عبد الله كانوا يشققونها، وحكاه في رواية إسحاق، قال إبراهيم: كنا نتبع الأزقة نخرق الدفوف.
وفي رواية يعقوب: كان أصحاب عبد الله يأخذون الدفوف من الصبيان في الأزقة فيخرقونها.
نقط المصحف وتعشيره
: 9 - مسألة: هل يكره نقط المصحف وتعشيره أم لا؟ فيه ثلاث روايات: إحداها: الكراهة، رواه صالج وبكر بن محمد، وقد سئل عن قول ابن مسعود جردوا القرآن، قال: يقول لا يعشر ولا ينقط كرهوا أن يكون فيه شيء غيره، فظاهر هذا الكراهة.
ونقل ابن منصور عنه: لا بأس أن يعشر المصحف وينقط.
ونقل حرب ويعقوب بن بختان: يكره العشور ونحو ذلك إلا النقط فإن فيه منفعة.
وجه الأولى: ما روى ابن مسعود أنه قال: جردوا القرآن، وقد فسره أحمد على أنه مجرد عن النقط والعشور، ولأن هذا لم يفعل في وقت الصحابة، ففعله محدث فلم يجز.
ووجه الثالثة: أن في ذلك عوناً في ضبط القرآن، ولأن الصحابة وإن لم تفعل ذلك فلم تنه عنه، وقد وجد ذلك بعدهم عصراً بعد عصر من غير نكير من أحد، فدل على جوازه.
ووجه الثانية: أن النقط مما تدعو الحاجة إليه لبيان الحروف، وليس كذلك العشور، لأنه يمكن معرفتها من غير المصحف من كتاب آخر، فلم يجز أن يخلط بالمصحف غيره مما ليس بقرآن.
بيع المصحف:
10 - مسألة: لا تختلف الرواية أنه يكره بيع مصحف بثمن أو بعرض واختلفت في بيعه بمصحف مثله.
قنقل الأثرم أن أحمد سئل عن المصحف يدرس فيعاوض به مصحف فقال المعاوضة أسهل.
قالوا: لا نأخذ لكتاب الله ثمناً، وإنما أعطى مصحفاً وآخذ آخر.
ونقل الحسين بن محمد بن الحارث عن أحمد أنه سئل عن معاوضته بغير المصحف، فقال: العوض بيع.
فظاهر هذا المنع.
وجه الأولى: أنه إنما منع من بيعه بعوض أو بثمن لما فيه من أخذ العوض على القرآن، وقد وردت الأخبار بالنهي عن ذلك بقوله ـ صلى الله عليه وسلم: لا تأكلوا به.
وقوله: من أخذ على القرآن أجراً فقد تعجل أجره في الدنيا، وقوله
لأبي بن كعب: إن أحببت أن يقوسك بقوس من نار فخذها، وهذا معدوم في معاوضته بمصحف مثله.
ووجه الثانية: أن المعاوضة بيع في الحقيقة، ولهذا لو حلف لا باع فعاوض حنث، وإذا كان بيعاً يجب أن يمنع منه كما منع بعوض.
حمل المحدث للمصحف وتصفحه وتقليبه
:
11 - مسألة: لا يختلف المذهب أنه يجوز حمل المصحف بالعلاقة والغلاف وكذلك لا تختلف الرواية أنه يجوز التصفيح بالعود، واختلفت في جواز تقليب الورق بكمه، فروى عنه أبو طالب أنه قال: (يقلب) الورقة بعود أو بشيء، قيل له: فبكمه؟ قال: لا، هو يمسه.
وكذلك نقل إبراهيم بن الحارث عنه وقد سئل هل يدخل يده في كمه ويتصفحه وبينه الثوب، فقال: أما أنا فيعجبني أن يتصفحه بشيء.
فظاهر هذا المنع.
وروى إسحاق بن إبراهيم والحسن بن ثواب: لا بأس أن يقلب الورق ويتصفحه بعود أو بطرف كمه.
فظاهر هذ الجواز وهو أصح لأن الكم لا يتبع المصحف في البيع فجاز أن يحول بينه وبين المصحف كالعود والعلاقة والغلاف ويفارق الجلد لأنه يتبع المصحف في البيع فهو منه، فلهذا لم يجز أن يحول بينه وبينه.
ووجه الرواية الأولى: مع ضعفها أنه تصفح الورقة بكمه فكأنه باشره بيده
وإن لم تكن مباشرة، فوجب أن يكره لقرب مجاورة اليد له، كما يقول في مصافحة المرأة.
حمل المحدث لما فيه شيء من القرآن
:
12 - مسألة: هل يجوز أن يحمل درهماً عليه: قل هو الله أحد، أو يحمل كتب الحديث والفقه وفيها آية من كتاب الله، وهو محدث أم لا؟
فنقل أبو طالب عنه أنه سئل عن الرجل يكتب الحديث والحاجة فيكتب: بسم الله الرحمن الرحيم، فقال بعضهم: قد كرهه، وكأنه يكرهه.
ونقل أيضاً المروذي؛ لا يمس الدرهم إلا طاهر، لأن فيه: قل هو الله أحد، وكذلك نقل أبو الحارث في الجنب يأخذ الدراهم في يده: لا يعجبني، فإن كانت في صرة فلا بأس به.
فظاهر هذا المنع.
ونقل بكر بن محمد عنه في كراريس العلماء وفي الكتاب آية أنه شديد ولكنه كأنه بعض القرآن.
وروى أيضاً أبو طالب في موضع في الجنب: إن لم يمس الدرهم هو أجود، وإن مس فأرجو أن ليس عليه شيء.
وكذلك روى ابن منصور عنه إذا مس الدرهم الأبيض على غير وضوء: أرجو أن لا يكون بمنزلة المصحف، فإن توقى فهو أحب إليَّ، فظاهر هذا الجواز.
وجه الأولى: وهو أصح أنه محدث مباشر يحمل آية من القرآن فأكثر فمنع منه، دليله كراس من المصحف.
ووجه الثانية: أن في الامتناع من حمل ذلك عظم المشقة، لأن الحاجة تعم ذلك في حال الحدث، فيجب أن يعفى عنه كما عفى عن استقبال القبلة واستدبارها في الحديث في البنيان.