المسائل الفقهية من كتاب الروايتين والوجهينكتاب الوديعة
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الوديعة

عن هذه الطبعة
عَلَم
أبو يعلى ابن الفراء
الكتاب
المسائل الفقهية من كتاب الروايتين والوجهين
المؤلف
القاضي أبو يعلى، محمد بن الحسين بن محمد بن خلف المعروف بـ ابن الفراء (المتوفى: 458هـ)
المحقق
د. عبد الكريم بن محمد اللاحم
الناشر
مكتبة المعارف، الرياض
الطبعة
الأولى (1405هـ - 1985م) أعده للشاملة/ فريق رابطة النساخ برعاية (مركز النخب العلمية) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

وقسم الفيء والغنيمة

في ضمان الوديعة

ضمان الوديعة إذا تلفت من حرز مثلها من بين متاع المودع:

1 - مسألة اختلفت الرواية عن أحمد ـ رحمه الله ـ في الوديعة إذا تلفت من حرز مثلها من بين متاع المودع، فنقل الأثرم وإبراهيم بن الحارث وبكر بن محمد: لا ضمان عليه ونقل حنبل وابن منصور: عليه الضمان، ولا تختلف الرواية أنها إن ضاعت مع متاعه فلا ضمان عليه.
وجه الأولى: وهي الصحيحة، ما روى عمر بن شعيب عن أبيه عن جده أن ـ النبي صلى الله عليه وسلم ـ قال: ليس على المستودع ضمان ولأنها وديعة تلفت من حرز مثلها فلم يضمنها كما لو تلفت مع متاعه.
ووجه الثانية: ما روى أنس ـ رضي الله عنه ـ أنه أودع وديعة ـ فهلكت فرافع إلى عمر فقال له عمر: هل هلك معها من مالك شيء؟ فقال: لا، قال

أغرمها.
ولأنه إذا ادعى ضياعها من بين متاعه كان متهماً لأن الغالب أن الحرز إذا أهتك أخذ جميع ما فيه.

ضمان الوديعة إذا تلفت وقد خلطت بمال المودع

: 2 - مسألة: فإن خلط الوديعة بملكه وكانت تتميز مثل أن كانت صحاحاً فخلطها في غلة، فنقل أبو طالب: لا ضمان عليه.
ونقل ابن منصور وصالح: إذا استودع بيضاً فخلطها في سود فهلكت فعليه الضمان.
فظاهر هذا أنه ضمنه مع التمييز ويمكن أن يحمل هذا على أن البيض اسودت بعد والخلط فلم تتميز فلهذا ضمنه وإن حملنا الكلام على ظاهره فوجهه أنه خلط الوديعة بغيرها فكان عليه الضمان كما لو كان لا يتميز، وإذا قلنا: لا ضمان عليه وهو الصحيح فوجهه: أن الضمان يتعلق بخلط لا يتميز به ألا ترى أن المودع لو ترك ثوباً فوق الوديعة لم يضمن؟ كذلك ها هنا.

تخميس الفيء والعشور والخراج وأموال من لا وارث له من الكفار:

3 - مسألة: في مال الفيء وهو ما أخذ من الكفار بحق الكفر بغير قتال وهو ما تركوه وهربوا فزعاً وخوفاً وما أخذ منهم من العشور إذا دخلوا تجاراً وأموال الخراج وما صولحوا عليه ومن مات منهم ولا وارث له ـ هل يخمس ذلك أم لا ... ؟ فنقل أبو طالب عنه في مراكب حملتها الريح من بلاد الروم هي لمن أخذها، ولا تخمس إنما تخمس الغنيمة، فقد صرح بالقول فيها أنها لا تخمس،

وقال الخرقي في مختصره: مال الفيء مخموس، وبه قال أبو حفص العكبري من أصحابنا وزاد فقال إذا أراد الإمام قسم مال الفيء جزأه خمسة أجزاء بالسوية ثم أقرع عليه بقرعه.
يكتب سهم رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم في رقعة وكل سهم في رقعة فإذا وقع بهم الرسول على جزء قسمه على خمسة، فإن قلنا: لا يخمس، فوجهه أنه مال أخذ بغير قتال ولا إيجاف البخيل فلم يخمس كسائر الأموال المأخوذة (منهم من المباحات وغيرها) وإن قلنا: تخمس فوجهه قوله تعالى: ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله والرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل وهذه الآية نزلت في بني النضير فتحها رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم صلحاً على أن لهم كل صفراء وبيضاء وما تحمله الركاب وما تركوه فهو له، فحملوا ذلك، وتركوا الأرض، فقسمها رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم على خمسة وعشرين سهماً.

وروى البراء بن عازب.
قال: لقيت خالي ومعه راية فقلت: إلى أين فقال: بعثني رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم إلى رجل عرس بامرأة أبيه أضرب عنقه وأخمس ماله، فقد خمس مال المرتد ولأنه مال أخذ من المشرك بحق الكفر فيجب أن يخمس دليله ما أخذ بقتال، وكالركاز.

ومن قال بالأولى: أجاب عن الآية بأن المراد خمس الغنيمة بدليل قوله في سياقها: كيلا يكون دولة بين الأغنياء منكم وإنما يكون هذا في الأراضي التي هربوا عنها حال القتال وأما حديث البراء فيحتمل أن يكون المعرس بامرأة أبيه قد تحيز إلى فئة وقاتل وحارب فصار ماله غنيمة، وأما مال الغنيمة فذلك مأخوذ بالقتال وهذا بغير قتال وكذلك الركاز لأنه أخذ بالقهر لأن الكفار هربوا عن الديار وتركوها فهو مأخوذ بالقهر فلهذا خمس.
واحتج أبو حفص العكبري على القرعة بما روى نافع عن ابن عمر قال: رأيت المغانم تجزأ خمسة أجزاء ثم يسهم عليه فما صار لرسول الله ـ صلى الله عليه وسلم فهو له ـ لا

يختار ـ وروى مالك بن عبد الله قال: قال عمر: من ها هنا من أهل الشام.
قال: قلت: أنا.
قال: أبلغ معاوية أن إذا غنمتم غنيمة تجزأ خمسة أسهم فاكتب على سهم منها: لله ثم أقرع حيث ما وقع فليأخذه.

وروى عاصم بن كليب قال: علي عليَّ مال من أصفهان فجزأه سبعة أجزاء فوجد فيه رغيفاً فكسره سبع كسر ثم جعل على كل جزء كسرة ثم دعا أمراء الأجناد فأقرع بينهم أيهم يعطيه أولاً.

مسائل في السلب

استحقاق القاتل للسلب بغير شرط الإمام

: 4 - مسألة: هل يستحق القاتل السلب بغير شرط الإمام، فنقل الأثرم وإبراهيم بن الحارث: هو له وإن لم يأذن فيه، وهو اختيار الخرقي ـ رحمه الله ـ ونقل حرب: ليس له ذلك إلا أن يكون قتاله بإذن الإمام وهو اختيار أبي بكر الخلال.
وجه الأولى: ما روى أنس بن مالك ـ رضي الله عنه ـ أن ـ النبي صلى الله عليه وسلم ـ قال يوم خيبر: من قتل كافراً فله سلبه.

وهذا القول من ـ النبي صلى الله عليه وسلم ـ ابتداء شرع منه وبيان ما يستحق به السلب ولأنه ذو سهم غرر بنفسه بقتل كافر ممتنع حال القتال فوجب أن يستحق سلبه أصله إذا شرط الإمام.
ووجه الثانية: أنه مال يستحق بالتحريض على القتال فوجب أن يفتقر استحقاقه إلى شرط الإمام أصله النقل.

دخول الدابة في السلب

: 5 - مسألة: في الدابة، هل هي من جملة السلب .... ؟ فنقل الميموني وأبو النضر العجلي: أنها من السلب وهو اختيار الخرقي، ونقل الفضل بن زياد وإسحاق بن إبراهيم: ليست من السلب.
وجه الأولى: أنها تراد جنة للقتال فهي كالسلاح.
ووجه الثانية: أنها ليست بلباس فلم يكن من السلب كالرحل والنفقة التي في وسطه، فإن قلنا: إنها من السلب فهل يفترق الحال بين راكبها أو قائدها؟ فنقل أبو طالب: إذا أخذ العنان بيده فهو سلب.
ونقل ابن منصور وصالح والأثرم: لا يكون الفرس له إلا أن يكون العلج راكباً.
قال أبو بكر الخلال: ما رواه أبو طالب قول قديم والذي اعتمد عليه ما رواه الجماعة وأن إن كان راكباً على الفرس فهو من السلب وإن كان على وجه الأرض وعنان الدابة في يده لم يكن من السلب.
فمن ذهب إلى رواية أبي طالب فوجهه أن الفرس يراد جنة للقتال فلا فرق بين أن يكون راكباً أو قائداً كما أن السلاح يراد جنة

للقتال فلا فرق بين أن يقتله وهو لابسه وبين أن يكون الدرع والجوشن بيده في أنه يستحقه.
ومن قال: لا يكون من السلب فوجهه أن القتل حصل وهو نازل عن فرسه فلم يكن من السلب كما لو كان غلامه يقوده خلفه.

الإسهام للكافر إذا غزا مع المسلمين

: 6 - مسألة: في الكافر إذا غزا مع المسلمين هل يسهم له ... ؟ فنقل أبو طالب وابن إبراهيم وابن منصور: يسهم له وهو اختيار الخرقي وأبي بكر الخلال وصاحبه، ونقل أبو الحارث لا يسهم له ولك يرضخ له.

وجه الأولى: وهي الصحيحة ما روي عن ـ النبي صلى الله عليه وسلم ـ أنه قال: الغنيمة لمن شهد الوقعة وهذا عموم ولأنه حر بالغ ذكر حضر الوقعة فأشبه المسلم ولأن كفره نقص في دينه فلم يحرمه السهم كفساق المسلمين.
ووجه الثانية: ما روى ابن عباس أن ـ النبي صلى الله عليه وسلم ـ استعان بيهود من بني قينقاع فرضخ لهم ولم يسهم لهم ولأنه ليس من أهل الجهاد ولأنه لا يصفو قلبه مع أهل دين الله تعالى فيجب أن لا يسهم له.

مقدار سهم الفرس الهجين والبرذون

: 7 - مسألة: هل يسهم للهجين والبرذون سهمان أم سهم ... ؟ فنقل أبو طالب وإسحاق بن إبراهيم وأبو الحارث ويوسف بن موسى وأبو داود وبكر بن محمد: يسهم له سهم وهو اختيار الخرقي وأبي بكر ونقل اسماعيل بن سعيد والفضل بن عبد الصمد له اختيارأبي بكر الخلال.
وجه الأولى: وهي الصحيحة ما روى أحمد قال: حدثنا زيد بن الحباب: حدثني معاوية عن أبي قيس عن مكحول أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم أعطى الفرس العربي وأعطى الهجين سهماً.
وروى أحمد عن حماد الخياط عن معاوية بن صالح عن أبي بشر عن مكحول أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم قال يوم خيبر: عربوا العربي وهجنوا الهجين للعربي سهمان وللهجين سهم وروى سليمان بن موسى أن أبا موسى الأشعري لما فتح العراق كتب إلى عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ: إنا وجدنا بالعراق خيلاً عراض الدكا فما يرى أمير المؤمنين في سهامها ... ؟ فكتب إليه عمر: تلك البراذين فما قارب العتاق منها فاجعل له سهماً واحداً والغ ما سوى ذلك ولأنه لا يلحق العربي في الجري والسرعة فلم يسهم له سهمان، دليلة الآدمي، ولأنه حيوان يستحق من الغنيمة فلم يستوفِ الاستحقاق جميع أجناسه دليله الآدمي لا يساوي بين المرأة والعبد والحر كذلك الفرس.

ووجه الثانية: أنه حيوان يسهم له فيجب أن يسهم الجميع أجناسه على حد واحد كالآدمي الحر يستوي فيه المريض والصحيح والعربي والعجمي ولأن العربي أحد وأسرع وأطوع والبرذون أشد وأكد وأصبر فما في العربي من

الحدة والسرعة يقابله ما في البرذون من الصبر والشدة فتساويا إذا كان كل واحد منهما يكر ويفر.

الإسهام للأجير والتاجر إذا حضر الوقعة

: 8 - مسألة: في الأجير إذا حضر الوقعة والتاجر هل يسهم له فنقل أبو داود وأبو طالب يسهم للتاجر والبيطار والحداد وهو اختيار أبي بكر الخلال وأبي بكر عبد العزيز، ونقل صالح وابن منصور وأبو طالب: لا يسهم للأجير إذا غزا ولكن أن يحمل هذا على الأجير الذي يستأجره الإمام للجهاد فلا يسهم له ويعطوا الأجرة وقد يصح الاستئجار على الجهاد لأهل الذمة وإن حملنا الكلام على ظاهره فمن ذهب إلى أنه لا يسهم لهم يقول: لأنه مستحق المنفعة أشبه العبد ولأنه ما حضر للجهاد وإنما حضر للخدمة وطلب الأجرة والتجارة وطلب الربح فيجب أن لا يسهم له يبين صحة هذا وأنه ليس بمجاهد قول ـ النبي صلى الله عليه وسلم ـ: إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرىء ما نوى فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه ومن ذهب إلى أنه يسهم له وهو الصحيح فوجهه أن السهم يستحقه بالحضور وقد حضر الوقعة مع كونه من أهل المنفعة وقد فعل فيجب أن يستحق السهم ولأنه حضر الوقعة مع كونه

من أهل الجهاد أشبه غير الأجير وغير التاجر ولأنها عبادة من شرط وجوبها الزاد والراحلة فوجب أن يكون الأجير وغيره فيها سواء كالحج ويفارق هذا العبد لأنه مع سيده لم يسهم له.

تفضيل الذكور على الإناث في خمس الخمس

: 9 - مسألة: في خمس الخمس الذي لبني هاشم وبني المطلب هل يفضل فيه الذكور على الإناث أم هم فيه سواء ... ؟ قال الخرقي: للذكر مثل حظ الأنثيين، وقال الشيخ أبو عبد الله ظاهر: كلام أحمد ـ رحمه الله ـ أنهم سواء لأنه قال في رواية الميموني وأحمد بن سعيد: سهم ذوي القربى لبني هاشم وبني عبد المطلب خاصة ولم يحكم بالتفضيل.
وجه ما قاله الخرقي وهو الصحيح: أنه مال مستحق بالقرابة شرعاً فوجب أن يفضل فيه الذكر على الأنثى كميراث الأخوة والأخوات من الأب والأم وهذا ظاهر على أصلنا وأن السهم مستحق باسم القرابة.
ووجه الثانية: أنه سهم من الخمس فلا يجب فيه تفضيل الذكر على الأنثى دليله سهم اليتامى والمساكين.

مسائل في مصارف الزكاة وتشمل

:

دفع الزكاة إلى صنف واحد من أهلها

: 1 - مسألة: هل يجوز وضع الزكاة في أحد الأصناف أم لا ... ؟ فنقل أبو طالب: إذا وضعها في صنف واحد أجزأه أومأ إليه أيضا في

رواية الأثرم وإبراهيم بن الحارث: ويعجبني أن يقسم في كل صنف على ظاهر القرآن وهذا على طريق الاختيار وهو اختيار الخرقي.
وقال في رواية ابن القاسم: أرى أن يعطي أهل السهمان كلهم لا يحرم منهم واحد، وهو اختيار أبي بكر ويمكن أن يحمل هذا الكلام على طريق الاختيار فتكون المسألة رواية واحدة في الأجزاء وإن حمل الكلام على ظاهره.
فوجه من قال: لا يجوز وضعها في صنف واحد أنه مال مضاف إلى أقوام موصوفين شرعا فلم يجز تخصيص بعضهم به مع وجود غيرهم كخمس الغنائم فإنه لا يجوز أن يقتصر على بعضهم رواية واحدة كذلك في باب الزكاة والدلالة على أنه يجزئ وضعها في صنف واحد قوله تعالى: ﴿وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم﴾ وقول النبي صلى الله عليه وسلم: (أمرت أن آخذ الصدقة من أغنيائكم فأردها في فقرائكم).
وهذا يقتضي جواز دفعها فيهم ولأنها صدقة لغير أعيان فجاز صرفها إلى صنف واحد كالكفارات.
وإذا قال: إن شفى الله مريضي فمالي صدقة.
ومن قال بهذا أجاب عن خمس الغنيمة بأن سبب الاستحقاق فيه يختلف فبعض الأصناف يأخذه بالقرابة فيستوي فيه الغني والفقير وهم بنو هاشم وبنو المطلب وبعضهم يأخذه مع الحاجة والفقر وهم اليتامى والمساكين وابن

السبيل، وبعضهم للمصالح وهو سهم الرسول صلى الله عليه وسلم وليس كذلك الزكاة لأن سبب استحقاقها متفق وهو الحاجة لأنها إنما يأخذها لحاجة إليها كالفقراء والمساكين والغارمين وابن السبيل أو لحاجتنا إليهم وهو العاملون عليه والمؤلفة قلوبهم وفي سبيل الله فلهذا جاز الاقتصار على صنف واحد.

تأخير إخراج الزكاة لدفعها إلى الأقارب بالتدريج: 2 - مسألة: هل يجوز تأخير الزكاة ليخرجها إلى أقاربه الذين يجوز له دفع الزكاة إليهم فيدفعها إليهم وقتا بعد وقت .. ؟ فنقل أبو طالب: لا بأس أن يعطي قرابته المحتاجين كل شهر عشرة دراهم من الزكاة.
ونقل الفضل بن زياد: لا يجوز أن يجري عليهم في كل شهر.
قال أبو بكر: مسألة الفضل على أنه لا يجوز حبسها إذا جاء وقتها فأما إذا أخرجها على وجه السلف فلا بأس بذلك فكأنه حمل المسألة على اختلاف حالين: فالذي نقله أبو طالب على أنه سلف الزكاة وجعلها نفقة لأقاربه، والموضع الذي منع على أنها قد وجبت فلا يجوز تأخيرها وإن حملنا الكلام على ظاهره فوجه ما نقله أبو طالب أن هذا التأخير في حكم التقديم؛ لأنه على الإخراج أولا فأولا، وإنما يمتنع من التأخير رأسا.
ووجه ما نقله الفضل: أن وجوب الزكاة على الفور؛ لأن وجوبها معلق بشرط وهو وجود النصاب والحول فإذا وجد الشرط تعلق الحكم به كالطلاق المعلق بشرط وكالحج عند وجود الزاد والراحلة، وإذا كان الوجوب على الفور لم يجز التأخير مع القدرة على إمكان الإخراج.

دفع الزكاة إلى المؤلفة قلوبهم في حال عز الإسلام

: 3 - مسألة: هل يجوز أن يتألف المشركون في وقتنا هذا على الإسلام بدفع الزكاة إليهم ... ؟ فنقل أبو طالب وإبراهيم بن الحارث: جواز ذلك وهو اختيار الخرقي وأبي بكر ونقل حنبل لا يجوز، وأن حكمهم قد انقطع اليوم.
وجه الأولى: أن المؤلفة من أحد الأصناف فكان حكمهم باقياً بعد ـ النبي صلى الله عليه وسلم ـ دليله الفقراء والمساكين والعاملون ولأن المعنى الذي كان (الرسول ـ صلى الله عليه وسلم) يعطيهم (من أجله) قبل وفاته موجود بعد وفاته فيجب أن يعطيهم.
ووجه الثانية: أن عمر وعثمان وعلياً ما كانوا يعطون المؤلفة شيئاً ولأن الله تعالى قد أعز الإسلام عن أن يتألف له من يكف شره من المشركين أو يرجى إسلامه منهم.

دفع الزكاة إلى المكاتب:

4 - مسألة: هل يجوز أن يدفع الزكاة إلى المكاتب ... ؟ فنقل الأثرم: لا يجوز.
ونقل المروذي وغيره: الجواز وهو أصح.
وجه الأولى: أنه ناقص بالرق فلم يجز دفع الزكاة إليه كالعبد.
ووجه الثانية: قوله تعالى: وفي الرقاب.
ولأن المكاتب غارم بسبب مباح فجاز الدفع إليه دليله الحر الغارم.

إعتاق الرقاب من الزكاة

: 5 - مسألة: هل يجوز أن يعتق من زكاته رقبة كاملة ... ؟ فنقل الميموني: وابن منصور: جواز ذلك وهو اختيار الخرقي، ونقل المروذي وصالح: كنت أذهب إلى أن يعتق ثم إنني جبنت عنه.
فظاهر هذا أنه رجع عن قوله بجواز العتق ولكن أصحابنا حملوا المسألة على روايتين.
فإن قلنا: يجوز أن يعتق منها فوجهه أنه صرف الزكاة في حرية الرقاب فأشبه إلى دفعها إلى المكاتب.
وإذا قلنا: لا يجوز أن يعتق منها وهو أصح فوجهه أنهم صنف من أهل الصدقات فوجب أن يكونوا على صفة يصح صرف الصدقة إليهم كسائر الأصناف.
فإذا قلنا: يعتق منها رقبة كاملة فهل يعقل عنها رب المال؟ فنقل الميموني: يعقل عنه.
ونقل أحمد بن هاشم: جنايته في رقبته، وهو رجل من المسلمين ولا تختلف الرواية أن ولاءه لا يكون لسيده بل يصرف في الرقاب.
وحكى أبو بكر عن أبي بكر الخلال أنه قال: جنايته في رقبته لا يعقل عنه السيد لأنه لا يرث من ولائه شيئاً.

وما رواه الميموني عنه فهو قول قديم، وقال أبو بكر بن جعفر: الذي أقول به ما رواه الميموني، وأن معتقه يعقل عنه وإن لم يرثه ولا يمتنع مثل هذا لأن من أعتق سائبه فلا ولاء له عليه ويعقل عنه كذلك الحكم في عبد له بنتان اشترت إحداهما أباها عتق عليها وتنفرد بالولاء فيما زاد على الفرض والعقل عليهما جميعاً وإنما لم يرثه السيد بالولاء لأن عتقه مستحق عليه فلا نعمة له عليه يستحق بها الولاء ولأنه أخرجه عما استحق عليه، فلم يثبت له حق على المستحق الذي هو العبد، دليله إذا دفع الزكاة إلى الفقير فإنه لا يثبت له حق على المستحق وهو الفقير كذلك ها هنا.

دخول الحج في السبيل الذي تصرف الزكاة فيه

: 6 - مسألة: هل الحج من السبيل فيجوز صرف الزكاة فيه ... ؟ فنقل حنبل وصالح وإسحاق بن إبراهيم: لا يعطى في الحج.
ونقل الميموني وعبد الله والمروذي يعطى في الحج والعمرة وهو اختيار الخرقي.
وجه الأولى: أن كل صنف (من أهل الصدقة يأخذها إما لحاجتهم إليها كالفقراء والمساكين وابن السبيل أو لحاجتنا إليهم كالعاملين والمؤلفة قلوبهم كذلك هذا الصنف) فوجب أن يكون بهذه الصفة وهذا إنما يكون في المجاهدين فإن الصدقة تدفع إليهم فيدفعون الكفار عنا فأما إذا دفع في الحج فإنه لا يكون دفعاً إلى من يحتاج إلينا ولا (إلى) من نحتاج إليه.
ووجه الثانية: وهي أصح ما روي أن رجلاً وقف ناقة في سبيل الله (فأرادت امرأته أن تحج فقال لها رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم: اركبيها فقالت: إنما وقفها زوجي في سبيل الله) وروي عن أم عطية قالت: يا رسول الله نذرت أن أجعل ناقتي في سبيل الله فقال: اجعليها في الحج ـ ولأن الحج سفر يتعلق وجوبه بالمال فجاز أن يكون من السبيل أو فجاز صرف الصدقة إليه كالجهاد.

شراء عدة الجهاد من الزكاة:

7 - مسألة: هل يجوز أن يشتري الكراع والسلاح من الزكاة ويصرفه إلى الجهاد ... ؟ فنقل بكر بن محمد وهارون بن عبد الله: يعطى ثمن الفرس ولا يتولى هو

شراءه.
ونقل محمد بن الحكم يجعل من زكاة ماله في السيف والفرس والرمح وإن اشترى به أرجو أن يجزيه، قال أبو بكر: دفع الدراهم أمكن على مذهبه لأنه لا يرى دفع العروض في الزكاة.
وجه الأولى: أن سبيل الله أحد الجهات التي ينصرف إليها الزكاة فلم يجز صرف القيمة فيها، دليله الفقراء والمساكين ولأنه أخرج القيمة في الزكاة فلم يجز دليله ما ذكرناه ويمكن أن يحمل ما قاله في رواية محمد بن الحكم على أن الإمام يتولى صرف الزكاة في الفرس والرمح لأن الفرض قد سقط عن صاحبها بالدفع إليه فأما أن يكون رب المال هو الفاعل لذلك فلا.

دفع زكاة المرأة إلى زوجها

: 8 - مسألة: هل يجوز للمرأة دفع زكاتها إلى زوجها؟ فنقل أبو طالب، وابن مشيش: لا يجوز، ونقل صالح وأبو الحارث: الجواز ولا تختلف الرواية في الزوج أنه لا يجوز دفع زكاته إلى زوجته.
وجه الأولى: أن بينهما زوجية فمنعت من دفع الزكاة: دليله الزوج إذا أراد أن يدفع زكاته إليها فإنه لا يجوز كذلك هي هاهنا.
ولأنه لما لم يجز له أن يعطيها لم يجز لها أن تعطيه كالابن مع أمه.
ووجه الثانية: أن الزوجية سبب لا تجب به النفقة عليها بحال فلم تحرم دفع صدقتها إليه كالنسب المتباعد ويفارق هذا الزوج أنه لا يجوز له دفع الزكاة إليها لأنه تجب نفقتها عليه فهي غنية به فلهذا لم يجز دفع صدقته إليها.

ضمان الزكاة إذا دفعت إلى من ظاهره الفقر فبان غنيا

ً: 9 - مسألة: إذا دفع الزكاة إلى من ظاهره الفقر فبان غنياً.

فنقل أبو طالب ومهنا: لا ضمان عليه، ونقل المروذي: يضمنها.
ولا تختلف الرواية أنه إذا بان عبداً أو كافراً أو من ذوي القربى أنه يضمنها ولا تجزئه.
وجه الأولى: وهي الصحيحة أن الغني طريقه الظن والاجتهاد لأن من الناس من يكون غنياً في الظاهر فقيراً في الباطن، ومنهم من يكون غنياً في الباطن فقيراً في الظاهر فإذا تبين له خلاف ما ظنه حال الدفع فقد انتقل من اجتهاد إلى اجتهاد فلا يفسخ الاجتهاد الأول كالحالم إذا لاح له اجتهاد بعد ما قضى بالاجتهاد ويفارق هذا إذا دفع إلى عبد أو كافر أو مناسب أو هاشمي أنه لا يجزيه لأنه انتقل من اجتهاد إلى قطع ويقين لأن الكفر طريقه القطع واليقين ولهذا يقتل عليه وكذلك الزوجية مثله ولهذا يتعلق بها إباحة الوطأ، وكذلك ملك اليمين يتعلق بها إباحة الوطأ، وكذلك النسب، ولهذا إذا نفى الولد لا عن أو أحد فلهذا فسخ الاجتهاد الأول، وهذه الرواية أشبه بالمذهب ولهذا إذا بان له الخطأ في القبلة لا يعيد.
ووجه الثانية: أنه دفع الزكاة إلى غير مستحقها فلم يجز، دليله الأم والأب والهاشمي، ولأنه حق لآدمي يضمن مع العبد جاز أن يضمن مع الخطأ كما لو كانت عنده وديعة فدفعها إلى غير صاحبها.

فصول الكتاب · 25 فصل · 457 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول المسائل الفقهية من كتاب الروايتين والوجهين · 457 صفحة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الحج
كتاب البيوع
كتاب الرهن، والتفليس والحجر، والصلح والحوالة، والضمانكتاب الشركة والمضاربة والوكالةكتاب الإقراركتاب الغصبكتاب الإجارةكتاب الوقف والعطيةكتاب الشفعة وإحياء المواتكتاب اللقطةكتاب الوصاياكتاب الوديعةكتاب الفرائض
كتاب النكاح
كتاب الجراح
كتاب الحدود
كتاب السيركتاب الصيد والذبائح والأطعمة والضحاياكتاب الأيمان والنذور والكفاراتكتابكتاب
جارٍ التحميل