كتاب السير
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- أبو يعلى ابن الفراء
- الكتاب
- المسائل الفقهية من كتاب الروايتين والوجهين
- المؤلف
- القاضي أبو يعلى، محمد بن الحسين بن محمد بن خلف المعروف بـ ابن الفراء (المتوفى: 458هـ)
- المحقق
- د. عبد الكريم بن محمد اللاحم
- الناشر
- مكتبة المعارف، الرياض
- الطبعة
- الأولى (1405هـ - 1985م) أعده للشاملة/ فريق رابطة النساخ برعاية (مركز النخب العلمية) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
الغزو بغير إذن الإمام
:
1 - مسألة ويكره لطائفة قليلة أن تغزو بغير إذن الإمام لأنه أعرف بالطرقات وأوقات الحرب، ومكان الحرب، وخلاف غيره لاهتمامه بذلك فإن كان بإذنه أرشدهم وهداهم إلى ما هو أصوب فإذا تركوا الأصوب كره لهم ولأنه إذا كان بإذنه كان ردءاً لهم وعلى خبرتهم حتى إذا احتاجوا إلى مدد بادر به إليهم وإذا لم يكن بإذنه لم يعلم بهم فربما نالهم ما لا طاقة لهم به فهلكوا فإن خالفوا وخرجوا فهل يحرم عليهم تلك الغنيمة أم لا؟.
نقل محمد بن يحيى الكحال: من غزا بغير إذن الإمام لم يكن له في الغنيمة حق.
فظاهر هذا أحرمه الغنيمة.
ونقل يعقوب بن بختان في رجل غزا وحده وغنم: يؤخذ منه الخمس وما بقي فهو له.
ونقل مهنا فيمن دخل أرض العدو وحده غنم غنيمة قال: ليس عليه فيها خمس فظاهر هذا أنه لا يحرم عليه.
إلا أن يعقوب نقل أنه يخمس ومهنا نقل أن جميعه له.
وجه الأولى: أنا قد ذكرنا ما في ذلك من الغرر بهم والخطر فجاز أن يحرموا هذه الغنيمة ليكون منعاً لهم عن مثل ذلك كما حرم القاتل الميراث.
ووجه الثانية: أن أكثر ما فيه التغرير بالنفس فيما فيه لقاء العدو، وهذا لا يحرم، بدليل ما روي عن ـ النبي صلى الله عليه وسلم ـ أن رجلاً قال: يا رسول الله، أرأيت، لو
انغمست في المشركين فقتلت صابراً محتسباً فلي الجنة قال نعم فانغمس وبعث رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم عمرو بن أمية الضمري ورجلاً آخر إلى مكة ليقتلا أبا سفيان فغدر بهما فانصرفا وبعث عبد الله بن أنيس إلى رجل فقتله وقال: من لكعب بن الأشرف فقد أذى الله ورسوله قال محمد بن مسلمة: أنا، فمضى فقتله.
وبعث جماعة إلى أبي الحقيق اليهودي إلى خيبر فقتلوه.
وكل هذا تعزير وقد أجازه.
فإذا قلنا: إنهم لا يحرمون تلك الغنيمة فهل تكون مخموسة أم يكون جميعها لمن غنمها؟ على روايتين:
نقل يعقوب بن بختان فيمن غزا وحده: بخمس وله ما بقي.
ونقل مهنا: ليس عليه فيها خمس.
وجه الأولى: وهو عموم قوله تعالى: واعلموا أنما غنمتم من شيء فإن لله خمسة وللرسول ولذي القربى ..
وهذه غنيمة ولأنه مال استحق بالقهر فوجب أن يخمس دليله لو كان بإذن الإمام وطائفة لها منعه ولا يدخل عليه السلب لأنه استحق بالقتل لا بالقهر بدليل أنه لو سلبه قهراً ولم يقتله لم يستحق السلب.
ووجه الثانية: أن ما أخذ من دار الحرب على طريق التلصص ولم يقصد به اعزاز الدين وغلبه المشركين فهو له كما لو أخذ بهبة أو شرب ويفارق هذا إذا كان بإذن الإمام فطائفة لها منعة إن ذلك يقصد به اعزاز الدين وغلبه المشركين.
رد الطعام إلى المغنم
: 2 - مسألة: إذا دخل جيش المسلمين إلى دار الحرب فأصابوا طعاماً كان لهم أكله فإن خرج إلى دار الإسلام ومعه بقية من ذلك الطعام فهل عليه رده إلى المغنم إذا كان يسيراً أم لا؟
على روايتين: نقل ابن إبراهيم يحل له أكله ما لم يبلغ المأمن فإذا بلغ المأمن طرحه في المقسم: فظاهر هذا أن عليه رده.
ونقل أبو طالب في الطبخة والطبختين من اللحم والعليق والعليقتين من الشعير يدخله طرسوس: لا بأس به إذا كان قليلاً.
فظاهر هذا أنه لا يلزمه رده ولا يختلف الرواية أنه إذا كان كثيراً لزمه رده.
وجه الأولى: وهو اختيار أبي بكر الخلال أنه إنما كان أحق به في دار الحرب لموضع الحاجة الداعية إليه والضرورة الموجبة لذلك وقد زال هذا بدخوله دار الإسلام فوجب أن يرد في المغانم.
ووجه الثانية: أنه كل مال كان به في دار الحرب كذلك في دار الإسلام دليله السلب.
استعمال السلاح أو الفرس من الغنيمة في القتال
:
3 - مسألة: إذا كان به حاجة إلى القتال بشيء من سلاح الغنيمة جاز له أن يأخذ ويقاتل فإذا رده إلى المقسم وهل يجوز له أن يجاهد على فرس من خيل الفيء عند الحاجة إليها؟
ففيه روايتان: نقل الأثرم وإبراهيم بن الحارث في الرجل يأخذ الفرس في الغزو فيقاتل عليها العدو فقال: إذا كان عند الضرورة ويخاف على نفسه فلا بأس ولا يركبه في غير ذلك.
فظاهر هذا جواز ذلك.
ونقل المروذي عنه: لا يأخذ الدابة من المغنم ليقاتل عليها إذا نفق فرسه ولكن إن أخذ السيف فلا بأس وكذلك كل شيء من السلاح.
ووجه الأولى: أن الفرس جنة للقتال كما أن السلاح جنة للقتال ثم قد جاز له أخذ السلاح كذلك الفرس.
ووجه الثانية: أن الفرس في الغالب أنه يعطب بالقتال عليه ففي أخذه تغرير به.
ويفارق هذا السلاح لأن الغالب منه السلامة وليس في أخذه تغرير به فلهذا فرق بينهما.
استرقاق العرب من أهل الكتاب
: 4 - مسألة: هل يجوز استرقاق مشركي العرب من أهل الكتاب أم لا؟
نقل بكر بن محمد عن أبيه عنه وقد سئل عن قول عمر: ليس على عربي ملك، قال: لا أذهب إلى هذا قد سبى ـ النبي صلى الله عليه وسلم ـ العرب في غير
حديث، وأبو بكر سبى بني ناجية حين ارتدوا، فظاهر هذا جواز استرقاقهم.
ونقل ابن منصور أنه سئل عن قول عمر في العربي يتزوج الأمة فولدت لا يسترقون يفديهم.
قال: لا أقول في العرب شيئاً فقد اختلفوا فيه.
فقد توقف عن ذلك فيحتمل الجواز.
قال شيخنا أبو عبد الله: في ذلك روايتان:
إحداهما: جواز استرقاقهم لأنه مقيم على الكفر الأصلي فإذا كان من أهل الكتاب جاز استرقاقهم كالعجمي.
ووجه الثانية: ما روي عن عمر أنه قال: لا يجري على عربي ملك.
فأما من لا كتاب له من العرب والعجم جميعاً ممن يعبد الأصنام والشمس والقمر ونحو ذلك فهل يجوز استرقاقهم أم لا؟
فقال أبو القاسم والخرقي في مختصره.
إنما يكون له استرقاقهم إذا كانوا من أهل الكتاب أو مجوساً فأما ما سوى هؤلاء من العدو فلا يقبل من بالغي رجالهم إلا الإسلام أو السيف أو الفداء.
فقد صرح أنه لا يجوز استرقاقهم وقد أطلق القول في رواية بكر بن محمد فقال: قد سبى ـ النبي صلى الله عليه وسلم ـ العرب وأبو
بكر سبى بني ناجية، فالوجه في أنهم لا يسترقون أنه نوع كفر لا يقر عليه بالجزية فلم يجز استرقاقه كالردة.
ولأنه ضرب من الصفار يقتضي البقاء على الكفر فلم يثبت في حق من لا كتاب له ولا شبهة كتاب كالجزية.
ووجه من أجاز، قال: كافر مقيم الكفر الأصلي فجاز استرقاقه كأهل الكتاب وكل من جاز استرقاق نسائه جاز استرقاق رجاله دليله أهل الكتاب.
أمان الصبي المميز
: 5 - مسألة: في الصبي إذا كان يعقل ويميز هل يصح أمانة أم لا؟ نقل الميموني عنه: أمان الصبي جائز، فظاهر هذا جوازه.
ونقل حنبل وابن منصور عنه: الصبي لا يعقل.
فظاهر هذا أنه لا يصح أمانة.
قال شيخنا أبو عبد الله: المسألة على روايتين:
وقال أبو بكر الخلال: إن كان ابن سبع سنين وعقل التخيير بين أبويه فأمانه جائز، وإن كان دون ذلك فليس له أمان.
فكأنه حمل المسألة على اختلاف حالين فالموضع الذي قال: لا يصح أمانه إذا لم يكن مميزاً والموضع الذي قال: يصح أمانه إذا كان مميزاً.
وجه الأولى: أنه يعقل الأمان فجاز أمانه كالبالغ ولأنها حالة فيها إسلامه فصح أمانه دليله حال البلوغ.
ووجه الثانية: قوله ـ عليه السلام ـ رفع القلم عن الصبي حتى يحتلم ولأنه غير مكلف فلم يصح أمانه كالمجنون والطفل.
التباس من أعطى الأمان بغيره
: 6 - مسألة: إذا نزل الإمام بحصن فأعطى رجلاً الحصن أماناً ليفتح الحصن
فلما فتحه ادعى كل واحد منهم أن الأمان له وأشكل عليه عينه لم يجز قتل واحد منهم لأن هذه شبهة لأن كل واحد منهم يحتمل أن يكون ما يدعيه حقاً.
وكذا يجري في رجل أبيح دمه بالردة أو غيرها فاختلط برجال ولم يعرف عينه فإن القتل يسقط عن جميعهم، فإذا لم يقتل واحد فهل يخرج واحد منهم بالقرعة ويسترق بقيتهم.
قال أبو بكر: من أصحابها من قال: يقرع بينهم فيميز الحر منهم وهو صاحب الأمان من غيره ويسترق من لم يقع عليه القرعة كما لو أعتق عبداً من عبيده لا يعينه فإنه من جماعتهم بالقرعة كذلك هاهنا.
قال: وظاهر كلام أحمد أنه لا يسترق واحد منهم، لأنه قال في رواية أبي طالب وأبي داود وإسحاق بن إبراهيم في قوم في حصن: استأمن عشرة وترك عشرة.
فيقولون لنا الأمان: فيؤمنون كلهم ولا يقتل واحد منهم بل هم على أصل الجزية، فلا معنى لاستعمال القرعة في ذلك.
ادعاء الأسير للأمان:
7 - مسألة: في رجل من المسلمين جاء معه بأسير من الكفار وادعى الكافر أنه أمنه وأنكر المسلم هل يكون القول قول الأسير أم قول المسلم؟
على ثلاث روايات:
نقل المروذي عنه في رجل جاء بأسير فقال: استرقوه فقال العلج: أعطاني الأمان: فله الأمان، فظاهر هذا القول قول الأسير لأنه يحتمل صدقه ويحتمل كذبه فكان شبهة في ذلك فلهذا قبل قوله.
ونقل محمد بن يحيى الكحال ويعقوب بن بختان في الأسير يخرج من بلاد الروم ومعه علج فقال العلج: إنما خرجت به، وقال الأسير: إنما خرجت به ففي رواية الكحال الأولى أن يقبل قول المسلم، وفي رواية يعقوب إذا كان الرجل صالحاً لم يقبل قول العلج، فظاهر هذا القول المسلم، لأنه وإن كان يحتمل ما قاله الأسير فالأصل الإباحة لدمه ورقه فلا يسقط بالشك.
ونقل بكر بن محمد عن أبيه عنه إذا لم يكن ثم دلالة تدل على ما قال
الرومي فالقول قول المسلم، فظاهر هذا إن كان ظاهر الحال يدل عل صدق الأسير وهو أن يكون به قوة ومعه سلاح وبه جلد فالقول قوله لأن الظاهر يحتمل ما قاله.
وإلا لم يقدر عليه ويطاوعه إلى الأسر إلا بأمان، وإن كان بخلاف ذلك بأن يكون بلا سلاح فالقول قول المسلم لأن الظاهر أنه أخذه قهراً.
قال أبو بكر: وبما روى المروذي أقول، لأنه شرف للمسلمين ويمنع من رجوعه إلى دار الحرب إذا كان يخشى منه لشدة بأسه، قال ولو قال قائل: ويفدي نفسه لكان جائزاً على مذهبه.
عقوبة الغال من الغنيمة
:
8 - مسألة: إذا غل من الغنيمة فهل يحرم السهم أم لا؟
نقل الأثرم وإبراهيم بن الحارث: قد قالوا: يحرم سهمه من الغنيمة ويضرب.
فظاهر هذا أنه لم ينكر ذلك.
ونقل ابن منصور عنه: يحرق رحله قيل له فيحرم نصيبه من المغنم؟ فلم يعرفه، فظاهر هذا أنه لم يأخذ ذلك.
وجه الأولى: أنه سرق من مال له فيه شبهة فلم يحرم حقه منه دليله لو سرق من مال من له عليه دين وكأحد الورثة إذا سرق من التركة وأحد الشريكين إذا سرق من مال الشركة ولأن ـ النبي صلى الله عليه وسلم ـ قال يحرق رحله.
ولم يقل يحرم سهمه فدل على أن جملة ما يعاقب به تحريق الرحل.
ووجه الثانية: أنه تعجل حقه قبل وقته فيجب أن يحرمه دليله القاتل
يحرم الميراث لهذه العلة.
قال أبو بكر: وقد روي في بعض الحديث: ويحرم سهمه.
وإن صح الحديث فالحكم له وإلا فلا يحرم سهمه.
أموال المسلمين التي يستولي عليها الكفار ثم تسترد منهم
:
9 - مسألة: إذا ظهر أهل الحرب على المسلمين وسبوا أموالهم وحازوها إلى دار الحرب ملكوها بالقهر والإحازة فإن ظهر عليها المسلمون بعد ذلك فمن وجد عين ماله قبل القسمة فهو له ومن وجده بعد القسمة فهل يكون أحق به بالقيمة أم لا حق له فيه؟.
على روايتين: نقل أبو طالب وأحمد بن القاسم وسندي: ما أحرزه العدو من المسلمين وأخذه المسلمون فأدركه صاحب المال قيل أن يقسم فهو أحق به وإذا قسموا فلا شيء له، فظاهر هذا أنه لا حق له فيه بحال لا بالقيمة ولا بعيرها.
ونقل إسحاق بن إبراهيم في العبد يأبق والفرس يشرد فيصير في بلاد الروم فيؤخذ: فإنه يصير إلى المولى ما لم يقسم فإذا قسم فهو أحق به بالثمن.
فظاهر هذا أن الرجوع فيه بالقيمة.
وقد نقل الخرقي الروايتين.
وجه الأولى: ما روى سالم بن عبد الله بن أن عمر عن أبيه أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم قال من أدرك ماله قبل أن يقسم فهو أحق به وإن أدركه بعد قسم فليس له شيء.
وهذا يمنع الرجوع بالقيمة وغيرها ولأنه ما زال ملكه عنه فلم يكن أحق به بالثمن كما لو أسلم الكافر وهو معه وفي يده وكما لو زال ملكه عنه بيع أو هبة فإنه لا يكون أحق بالثمن.
ووجه الثانية: ما روى ابن عباس قال: جاء رجل إلى ـ النبي صلى الله عليه وسلم ـ فقال: يا رسول الله إني وجدت بعيراً لي في المغنم فقال: اذهب فإن وجدته فخذه وإن
وجدته وقد قسم أنت أحق به بالثمن إذا أردت.
وهذا نص.
وأنه لا يمتنع أن يكون مملوكاً لغيره ويكون أحق به، ألا ترى أن الوالد يرجع فيما وهب لولده وإن كان الموهب له قد ملكه وكذلك الشفيع يأخذ الشقص المبيع ولا يمنع ذلك من حصول الملك للمشتري.
رد أم الولد إلى سيدها إذا أصابها المسلمون بعد أن استولى عليها الكفار
:
10 - مسألة: فإن قهروا أم الولد فهل يملكونها بالقهر؟
نقل بكر بن محمد عن أبيه عنه في أم الولد إذا كانت لرجل سباها العدو ثم أصابها المسلمون فقسمت ثم عرفها سيدها: فعلى السيد أن يفديها بالثمن الذي اشتراها به فظاهر هذا أنها قد ملكت عليه لأنه ألزمه القيمة لمن حصلت في يده.
ونقل المروذي وعبد الكريم بن الهيثم في أم الولد يظهر عليها العدو ثم يظهر عليها المسلمون ترد إلى مولاها قسمت أو لم تقسم فظاهر هذا أنها لا تملك لأنه حكم بردها ولم يعتبر القيمة.
وجه الأولى: أنها تضمن بالقيمة فملكت بالقهر دليله الدبر وعكسه رقبة المسلم لما لم تضمن بالقيمة لم تملك بالقهر.
ووجه الثانية: أنها لا تملك بالبيع فلا تملك بالقهر دليله رقاب المسلمين.
رد العبد إلى سيده إذا أبق إلى بلاد الكفار ثم ظفر به المسلمون
:
11 - مسألة: فإن أبق العبد ودخل في دار الحرب وأخذه المشركون فهل يملكونه أم لا؟.
على روايتين: نقل إسحاق بن إبراهيم في العبد يأبق والفرس يشرد فيصير في بلاد الروم فيؤخذان فقال أحمد: كل هذا يصير إلى المولى ما لم يقسم فإذا قسم فهو أحق به بالثمن فظاهر هذا أنهم ملكوا ذلك.
ونقل الفضل بن زياد في عبد أبق فلحق بالعدو: ويرد إلى مولاه، وهو ملك لسيده.
فظاهر هذا أنهم لم يملكوه، لأنه حكم به لسيده ولم يعتبر قيمة.
وجه الأولى: أنه مضمون بالقيمة حصل في يد أهل الحرب في دار الحرب فملكه دليله لو حصل في أيديهم بالقهر والغلبة.
ووجه الثانية: أنه إذا أبق وحصل في دار الحرب حصل في يد نفسه بدليل أنه لا يجوز بيعه وإذا لم يجز بيعه لم يملكوه على المسلمين كأم الولد وكرقاب المسلمين.
فتح مكة عنوة
:
12 - مسألة: اختلفت الرواية في مكة هل فتحت صلحاً أم عنوة؟
فنقل حنبل والميموني: أنه كره أجارة بيوت مكة لأنها فتحت عنوة دخلها ـ النبي صلى الله عليه وسلم ـ بالسيف وعمر يقول: لا تمنعوا نازلاً بليل أو نهار.
فلم يجعل لهم ملكاً دون الناس.
فظاهر هذا أنها فتحت عنوة.
وقال أبو إسحاق بن شاقلا ومحمد بن إسحاق المقري: قال أحمد بن محمد بن مسلم وسعيد بن محمد الرفا قال: سألت أبا عبد الله عن فتح مكة قال دخلت صلحاً قلت: وأي شيء في ذلك حديث الزهري وهل ترك لنا عقيل من ربع.
وقال أبو بكر عبد العزيز: حدثنا أحمد بن محمد بن هارون قال: حدثني حرب قال: سمعت أحمد يقول: أرض العشر هو الرجل يسلم بنفسه من غير قتال وفي يده الأرض فهو عشر مثل المدينة ومكة.
قال أبو إسحاق: والمسألة على روايتين:
إحداهما: أنها فتحها رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ صلحاً ومعناه أن ـ النبي صلى الله عليه وسلم ـ
عقد لهم أماناً بشرط في غداة يوم الفتح فوجد الشرط فصاروا به آمنين على دمائهم وأموالهم.
والرواية الثانية: فتحها عنوة بالسيف ثم أمنهم بعد حصول الفتح.
وجه الأولى: وأنها فتحت عنوة وهي أصح ما روى الربيع بن أنس عن أبي العالية عن أبيّ بن كعب قال: لما كان يوم أحد قتل من الأنصار أربعة وستون، ومن المهاجرين ومثل بهم.
فقال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: لئن كان لنا مثل هذا لنربين عليهم.
فلما كان يوم فتح مكة دخلها رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ عنوة فقال رجل لا يعرف: لا قريش بعد اليوم قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: الأسود والأبيض آمن إلا مقيس بن صبابة وابن خطل وقينتين فأنزل الله تعالى: وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين.
فقال النبي ـ عليه السلام ـ: نصبر ولا نعاقب.
فمن الخبر أدلة: أحدها قوله: دخلها رسول الله عنوة.
والثاني: قول القائل: لا قريش بعد اليوم، والثالث قوله: الأسود والأبيض آمن إلا فلان وفلان، فلو كان صلحاً لدخل مقيس ومن ذكر معه في الصلح، ولم يجز قتلهم، والرابع: قوله: نصبر ولا نعاقب.
وروى ابن عباس أن ـ النبي صلى الله عليه وسلم ـ قال أصحابه يوم الفتح: أترون أوباش
قريش احصدوهم حصداً وأمر إحدى يديه على الأخرى حتى ظنوا أن السيف لا يرفع عنهم وأنه بعث خالد بن الوليد على المجنبة اليمنى والزبير على اليسرى وأن خالداً قتل من أسفل مكة سبع عشرة نفساً حتى انهزموا فقال قائلهم: إنك لو شهدت يوم الخندمة ... إذ فر صفوان وفر عكرمة فلو كان هناك صلح كيف كان يخفى على خالد بن الوليد وعلى صفوان وعكرمة ورؤساء قريش.
وروي أنه لما دخل مكة صعد إلى باب الكعبة وأخذ بعضادتي الباب وقال: الحمد لله الذي صدق وعده ونصر عبده وأعز جنده وهزم الأحزاب وحده ثم التفت إلى قريش وهم حواليه، فقال لهم: ما تقولون؟ فقالوا: نقول: أخ كريم وابن أخ كريم قد ملكت فاصنع ما شئت.
قال ـ عليه السلام ـ: أقول ما قال أخي يوسف ـ عليه السلام ـ لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين أنتم الطلقاء.
فلو كان بينهم صلح لم يقولوا: ملكت فاصنع ما شئت ولم يكن النبي يقول: أنتم الطلقاء لأنهم طلقاء قبل وجود هذا القول فلا يصيرون طلقاء بقوله.
ألا ترى أنه لما دخل مكة في عمرة القضاء عن صلح لم يكن أهل مكة طلقاء ولم يقل لهم ذلك وهذا خبر مستفيض لأن الصحابة كانت تسمي الذين أطلقهم رسول الله ذلك اليوم الطلقاء مثل سهيل بن عمرو ومعاوية وكانوا يسمون
أولادهم الطلقاء ولهذا قال عمر ـ رضي الله عنه ـ: إن هذا الأمر يعني الخلافة لا يصلح للطلقاء ولا لأنباء الطلقاء.
ووجه الثانية: ما روى ابن عباس: قال: لما نزل رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ من الظهران قال العباس: قلت: والله لئن دخول رسول الله مكة عنوة قبل أن يستأمنوه أنه لهلاك قريش فجلست على بغلة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقلت لعليّ: أجد ذا حاجة فيأتي مكة فيخبرهم بمكان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ليخرجوا إليه فيستأمنوه فإني لأسير إذ سمعت كلام أبي سفيان وبديل بن ورقاء فقلت: يا أبا حنظلة فعرف صوتي فقال أبو الفضل قلت: نعم، قال: مالك فداك أبي وأمي، قلت: هذا رسول الله في الناس قال: فما الحيلة فركب خلفي ورجع صاحبه فلما أصبح غدوت به على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم، قلت: يا رسول الله إن أبا سفيان رجل يحب الفخر فاجعل له شيئا، قال: نعم، من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن، قال: فتفرق الناس إلى دورهم وإلى المسجد، وفي لفظ آخر: أن العباس قال أبي سفيان: التجئ التجئ إلى قومك فدخل أبو سفيان مكة فصرخ فقال: قد أتاكم محمد بما لا قبل لكم به، قالوا: فما الحيلة، قال: من دخل داري فهو آمن، قالوا: ما تغني دارك، قال: ومن أغلق بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن، فتفرق الناس إلى بيوتهم وإلى المسجد.
فوجه الدلالة أن النبي صلى الله عليه وسلم علق لهم الأمان بشرط بمر الظهران على سبعة فراسخ من مكة.
ووجد الشرط وهذا يدل على دخولها صلحا.
ومن نصر الرواية الأولى أجاب عن هذا الحديث بأن هذا لا يدل على الصلح لأن هذا ليس بصلح، وأنه أمان معلق بشرط ولم يثبت وجود الشرط
والذي روي أنهم ألقوا السلاح وتفرقوا لم يثبت أنهم فعلوا ذلك قبل دخول النبي صلى الله عليه وسلم مكة ويجوز أن يكونوا فعلوا ذلك بعد دخولها قهرا، يبين صحة هذا ما ذكرنا من حديث أبي ومن حديث ابن عباس وما فعله خالد، فلو كانوا قد ألقوا السلاح وقبلوا الأمان قبل دخول النبي عليه السلام كيف كان يأمر أصحابه بقتلهم بعد دخولها؟
التفرقة بين السبي:
13 - مسألة: هل تجوز التفرقة بين السبي بعد البلوغ أم لا؟
نقل الأثرم وابن القاسم: الصغير والكبير والذكر والأنثى سواء أدركوا أو لم يدركوا.
ونقل مهنا عنه: لا يفرق بينهم حتى يبلغوا.
وجه الأولى: وهي أظهر في المذهب ما روى [أبو] أيوب الأنصاري أن النبي عليه السلام قال: (من فرق بين والدة وبين ولدها فرق الله بينه وبين أحبته يوم القيامة).
وهذا عام فيه قبل البلوغ وبعده، ولأن بينهما رحما محرما فمنع من التفرقة كحالة الصغر، ولأن منع التفرقة لأجل الرحم المحرم فاستوى فيه بحالة الصغر والكبر كالعتق بالرحم المحرم ووجوب النفقة.
ووجه الثانية: أنه إنما لم يفرق بينهما قبل البلوغ لما يفقده كل واحد منهما من صاحبه فإذا بلغ سكنت أنفسهما لفراقه وكان مالك نفسه في الشفقة عليهما فهو كما قلنا في حق الحضانة ثابت في حال الصغر لهذا المعنى فيزول بالبلوغ.
إلحاق الطفل المسبى مع أحد أبويه لأحدهما في الدين
:
14 - مسألة: إذا سبى الطفل أبويه مع أبيه أو أمه هل يتبع السابي أم لا؟.
نقل الجماعة منهم صالح والميموني وابن إبراهيم: إذا سبى مع أحد أبويه فهو مسلم.
فظاهر هذا أنه تابع للسابي في الدين.
ونقل ابن منصور عنه: إذا لم يكن مع أبويه فهو مسلم قيل له: فلا يجبر على الإسلام إذا كان مع أبويه أو أحدهما قال: نعم.
فظاهر هذا أنه تابع لأحد أبويه في الدين ولا يتبع السابي.
قال أبو بكر: ما رواه الكوسج قول أول والعمل على ما رواه الجماعة أنه مسلم.
وجه الأولى: ما روي عن ـ النبي صلى الله عليه وسلم ـ أنه قال: كل مولود يولد على الفطرة وأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه فجعله في الدين تبعاً لهم جميعاً دليله أنه لا يكون تابعاً لأحدهما ولأنه لم يسب مع أبويه فكان على دين سابيه دليله لو سبى منفرداً عنهما.
ووجه ما نقله ابن منصور أن السابي يجري مجرى دار الإسلام ثم إن لقيطاً لو وجد في دار الإسلام وعرف أحد أبويه كان على دين أبيه ولم نحكم بإسلامه كما لو وجد معهما كذلك السابي إذا كان معه أحد أبويه يجب أن يكون على دين من سبى من أبويه.
إلحاق المسبى وحده في الدين لسابيه
:
15 - مسألة: فإن سبى وحده فهل يكون على دين السابي؟
نقل المروذي وابن إبراهيم ويعقوب بن بختان وأبو داود: أنه تابع للسابي في الدين.
ونقل علي بن سعيد في السرية في أرض العدو يأخذون صبياناً صغاراً قال: قد نهى ـ النبي صلى الله عليه وسلم ـ عن قتل الولدان وإن كان معهم غنم يسبونه وإن لم يكن معهم غنم فلا أعلم له وجهاً إلا أن يدفع إلى بعض الحصون من الروم.
فظاهر هذا أنه لم يحكم بإسلامه لأنه لو حكم بإسلامه لم يجز إلحاقه بدار الحرب.
قال أبو بكر: العمل على ما رواه الجماعة لا يدفع إليهم لأنه مسلم وقد صرح به في رواية المروذي في الرضيع وليس معهم من يرضعه قال: لا يترك يطعم ويسقى فإن مات مات.
وجه ما نقله علي بن سعيد أن سبى من دار الحرب فلم يتبع السابي في الدين دليله لو سبى مع أبويه.
ووجه ما نقله الجماعة أن الطفل يعتبر في الدين بغيره لا بنفسه فلما لم يكن هناك من يعتبر دينه به غير السابي اعتبرناه به كما قلنا فيمن وجد لقيطاً في دار الإسلام وأنه في الدين تابع للدار كذلك السابي والسابي يجري مجرى الدار في هذا الحكم.
الحكم بإسلام أولاد الذمي إذا مات عنهم صغارا
ً:
16 - مسألة: إذا مات الذمي عن صغار هل نحكم بإسلامهم أم لا؟
إذا مات الأبوان أو أحدهما هل يحكم بإسلام الطفل أم لا؟
فقال أبو بكر في كتاب الشافي: روى سبعة عن أبي عبد الله منهم حنبل: إذا مات أحد أبويه هو مسلم ما لم يبلغ، وخالفهم إسحاق بن منصور فقال: إذا مات أحد أبوبه فهو على دين الآخر قال: وبالأول أقول وبه قال أبو بكر الخلال والخرقي ووجهه أن ـ النبي صلى الله عليه وسلم ـ قال: يهودانه وينصرانه ويمجسانه فجعله في الدين تبعاً لهما دليلنا أنه بعد موتهما لا يتبعهما في الدين ولأن انفرد أحد الأبوين بالكفر يوجب الحكم بإسلام الطفل دليله إسلام أحدهما أو نقل: عدم كفر الأبوين يوجب إسلام الطفل دليله لو أسلما.
ووجه الثانية: أنه لم يحكم بإسلامه بنفسه ولا بمن هو تابع له فلم يحكم بإسلامه كما لو لم يموتا ولأن الموت معنى يسقط التكليف فلم يوجب الحكم بالإسلام كالمجنون.
توريث أولاد الذمي منه إذا مات عنهم صغاراً فحكم بإسلامهم بموته:
17 - فصل: وإذا حكمنا بإسلامه بموت أحدهما فهل يرث من حكمنا بإسلامه بموته؟
نقل أبو طالب في يهودي مات أبواه وهو صغير: فهو مسلم ويرثهما ونقل محمد بن يحيى الكحال جعفر بن محمد في يهودي مات وله زوجة حامل فأسلمت بعده: فما في بطنها مسلم ولا يرث أباه، فظاهر هذا أنه لا يرث لأن الموت يوجب أن يرث مسلم من كافر وهذا لا يجوز، ومن قال: يرث وهو اختيار الخرقي فوجهه أن الإسلام إذا طرأ بعد الموت لم يمنع الإرث كما إذا كان بالغاً وأسلم عقيب موت أبيه الكافر فإنه يرث ولأن الإسلام المتعلق بموت مورثه يجب أن لا يمنع من الإرث فيكون بمنزلة الحادث بعده يفصل كما أن الحرية المتعلقة بموت مورثه لا يوجب الإرث ويكون بمنزلة الحرية الحادثة بعده بفصل
وهو إذا قال لعبده: إذا مات أبوك فأنت حر فمات أبوه عتق ولا يرثه كما إذا مات ثم أعتقه عقيبه كذلك في الإسلام المتعلق بالموت يجب أن يكون بمثابة الحادث بعده في أنه لا يمنع.
بيع أرض الخراج وإجارتها
:
17 - مسألة: لا يجوز بيع أرض الخراج وهي كل أرض فتحت عنوة ووقفها الفاتح على جماعة المسلمين وهل يجوز إجارتها لمن هي في يده.
على روايتين: نقل الأثرم وأبو داود: إذا استأجر من أرض السواد شيئا ممن هي في يديه فجائز يكون فيها مثلهم فظاهر هذا جواز ذلك ونقل اسحاق بن ابراهيم في الرجل يستأجر أرضا من السواد قال: يزارع رجلاً أحب إليَّ من أن يستأجرها، فظاهر هذا المنع.
قال أبو بكر: وبهذا أقول.
وجه الأولى: ـ وهي الصحيحة ـ أن الخراج المأخوذ ممن هي في يديه على وجه الأجرة عوضاً عن كونها في يديه ومن استأجر شيئاً فله أن يؤجره بمثل ما استأجره وزيادة ونقصان كذلك هاهنا.
ووجه الثانية: أنها أرض فتحت عنوة فلم يجز إجارتها دليله رباع مكة لا يجوز إجارتها رواية واحدة نص عليه في رواية حنبل وأبي طالب وأكد القول في ذلك في رواية أبي طالب فقال: لا تكرى بيوتها ومن كان له فضل لا يمنعن.
وقد دل على ذلك الأصل قوله تعالى: سواء العكف فيه والباد.
فذكر المسجد الحرام والمراد به الحرم وجعل الناس فيه سواء فلو جازت إجارته لكان بعض الناس أخص به من بعض.
وروى مجاهد عن ابن عمر عن ـ النبي صلى الله عليه وسلم ـ قال: لا يحل بيع بيوت مكة ولا إجارتها.
وروى سعيد بن المسيب قال كانت رباع مكة تدعى بالسوائب من احتاج إليها سكن ومن استغنى اسكن.
وقف الإمام للأرض المفتوحة عنوة بغير إذن الغانمين
:
19 - مسألة: هل يجوز للإمام أن يقف الأرض المفتوحة عنوة ويسقط حق الغانمين فيها بغير إذنهم أم لا؟
نقل عبد الله عنه أنه قال: كل أرض تؤخذ عنوة فهي لمن قاتل عليها بمنزلة الأموال، فظاهر هذا أنه لا يجوز له ذلك، لأنه جعلها بمنزلة الأموال.
ونقل عبد الله في موضع آخر: إن وقفها من فتحها على المسلمين كما وقف عمر السواد فهي على ما فعل الفاتح لها، إذا كان من أئمة الهدى، فظاهر هذا أن له القسمة وله الوقف بغير إذنهم وهو الصحيح في المذهب.
وجه الأولى: أنه مال مغنوم فلم يجز صرفه إلى غير الغانمين دليله ما ينقل.
ووجه الثانية: ما روى أن عمر ـ رضي الله عنه ـ لما فتح السواد استشار الصحابة في أمرها فأشار علي وعبد الرحمن بأن لا يقسمها وطلب الزبير وعمار وبلال القسمة فحاجهم عمر وقال: وجدت آية تفصل بيني وبينكم قال الله تعالى: ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول
ولذي القربى} ... إلى قوله تعالى: ﴿كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم ...﴾ ثم قال: للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم ثم قال: والذين تبوأوا الدار والإيمان يعني الأنصار ثم قال: والذين جاؤوا من بعدهم فأثبت فيها حقاً لهؤلاء فلو قسمتها بينكم صارت دولة بين الأغنياء وبينكم وجاء آخر الناس ولا شيء لهم فيجب أن يثبت فيها حق يستوي فيه أول الأمة وآخرها.
فرأى أن يقفها ويضرب الخراج على من تكون في يده ولأن ما جاز للإمام أن يثبت فيه إذا صاروا ذمة جاز أن يترك قسمته بين الغانمين إذا ظهر عليه دليله رقاب الأسارى.
بيع البنيان المتصل بأرض الخراج
:
30 - مسألة: بيع البنيان المتصل بأرض الخراج من السقوف والحيطان الحادث فيها هل يجوز أفراده بالبيع دون الأرض؟
فنقل بكر بن محمد عن أبيه: أكره أن تباع الدار من أرض السوداء إلا أن يباع البناء.
ونقل يعقوب بن بختان في الرجل يقول أبيعك النقض ولا أبيعك رقبة الأرض فإن هذا خداع.
وجه الأولى: وهي أصح أن هذا البنيان مملوك لصاحبه أحدثه في أرض الخراج فيجب أن لا يمنع من بيعه كما لو غرس فيها غراساً أو وقف أرضاً وبنى فيها بناء أن له بيع ذلك.
ووجه الثانية: أن المسألة محمولة على أن البناء وجد في أرض الخراج ولم يعلم هل كان موجوداً قبل الوقف أم حدث فيمنع من بيعه لأنه لا يتحقق ملكه فأما إن كان معلوماً فإنه يجوز بيعه رواية واحدة.
وجوب الخراج في الأرض العامرة وإن لم تزرع:
21 - مسألة: ويجب الخراج في الأرض العامرة التي ينالها الماء، وإن لم يزرعها لأنه ترك الانتفاع بها باختياره، وأما الأرض العامرة التي لا ينالها الماء فهل يجب الخراج عنها.
على روايتين:
قال في رواية أبي الحارث: يجب على أرض السواد على العامر إذا ناله الماء.
فظاهر هذا إنه إذا لم ينله الماء فلا يجب عليها.
ونقل الميموني وإبراهيم بن هاني: يمسح العامرة والجبال وإن لم ينله الماء ماء السماء يناله.
ووجه الأولى: وهي اختيار أبي بكر أنها إذا لم ينلها الماء فلا منفعة فيها فيجب أن يسقط الخراج عنها كالمساكن والدور وحريم القرية ولأن عمر ـ رضي الله عنه ـ إنما أوجب الخراج في الخارج لأنه أوجب في جريب الجنطة قفيزاً ودرهمين وفي جريب الشعير قفيزاً ودرهماً وجريب الكرم عشرة دراهم.
فدل على أن الحق يتعلق بالخارج ولأن هذه الأرض في أيدي أهلها على طريق الأجرة فالمستأجر يلزمه التمكين من الانتفاع بها ولا منفعة هناك فيجب أن لا تلزمه الأجرة.
ووجه الثانية: ما روى أبو عون الثقفي أن عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ جعل على كل جريب عامر وغامر درهماً وقفيزاً.
وروى الشعبي قال: بعث عمر ـ رضي الله عنه ـ عثمان بن حنيف فقسم كل جريب يبلغه الماء عمله صاحبه أو لم يعمله درهماً ومختوماً بالحجازي ولأنه إنما وجب الخراج بتسليم الأرض إليهم وثبوت أيديهم عليها وقد ثبت أيديهم على هذا الغامر.
بدليل أنه ليس لأحد الانتفاع به دون من لم يثبت يده عليه فيجب أن يلزمهم الخراج ولأنه قد حصل لهم الانتفاع بها بماء الأمطار والسيول، وإن لم يحصل الانتفاع بماء الآبار، والعيون، فعلى هذه الرواية يجب أن يقال: إن الخراج أقل ما يجب وهو قفيز ودرهم.
وفاء الأسير المسلم بما بشرطه الكفار من الفداء أو الرجوع إليهم:
22 - مسألة: إذا أخلى الأسير منا وشرطوا عليه الفداء أو الرجوع إليهم فهل يلزمه الوفاء بهذا الشرط أم لا؟
فنقل أبو داود وأحمد بن الحسين الترمذي في الأسير في أيدي العدو في أرضهم: يحلف ويعاهد أن يخرج إلى المسلمين ثم يعود إليهم.
قال: يفي لهم ويرجع إليهم لحديث حذيفة.
فظاهره هذا أنه يلزمه الوفاء بذلك الشرط.
قال الخرقي: وإذا أخلى الأسير منا وحلف أن يبعث إليهم بشيء بعينه أو يعود إليهم فلم يقدر عليه لم يرجع إليهم.
فظاهر هذا أنه إن لم يقدر على الشرط
لم يلزمه الوفاء به ولا الرجوع إليهم لأن دار الحرب دار هجرة وقد أنقذه الله منها فلا ينبغي له أن يعود إليها كما لو خرجت امرأة وشرطت الرجوع إليهم فإنه لا يلزمها هذا الشرط ولا يجوز لها الرجوع كذلك في حق الرجل.
ووجه ما نقله أبو داود وأحمد بن الحسين ما روي أن ـ النبي صلى الله عليه وسلم ـ صالح أهل الحديبية على أن يرد من جاءه منهم بعد الصلح مسلماً فجاءه أبو جندل فرده إلى أبيه وجاءه أبو بصير فرده وذلك لأن ـ النبي صلى الله عليه وسلم ـ كان قد شرط على نفسه ذلك لهم ـ ولأن في رد الفداء مصلحة للأسرى وفي منعه مفسدة عليهم لأنه لا يطلق بعده غيره.
بطلان البيع باستيلاء الكفار على المبيع
:
23 - مسألة: إذا تبايع نفسان في دار الحرب وتقابضا ثم غلب المشركون على المبيع فأخذوه هل يكون من مال البائع أم المبتاع؟
فنقل عبد الله ويعقوب بن بختان، وأبو الحارث، والحسن بن البزار: إذا اشترى السبي أو الحربي في بلاد الروم، وصار في ملكه ثم غلبه عليه العدو وجب عليه في ماله فإن مات المشتري بعد ما غلب عليه العدو يرجع عليه بالثمن في ماله.
فظاهر هذا أنه يتلف من مال المبتاع.
ونقل أبو طالب عنه: إذا اشترى الغنيمة في أرض العدو ثم غلبوا عليها لا يؤخذ منهم الثمن لأنه لم يسلم لهم ما اشتروه.
فظاهر هذا أنه من ضمان البائع وهو اختيار الخرقي.
وجه الأولى: وهي أصح أن القبض قد حصل فما طرأ بعد ذلك من التلف يجب أن يكون من ضمان المبتاع كدار الإسلام تبين صحة هذا أنه يملك
التصرف فيه بالبيع والشركة والهبة ونحو ذلك لوجود القبض.
ووجه الثانية: أنه إذا كان الحال حالة الخوف فالقبض غير حاصل ألا ترى أنه لو ابتاع من رجل متاعاً في دار الإسلام وسلمه إليه في موضع فيه الغيارون وقطاع الطريق لم يكن ذلك قبضاً صحيحاً ويتلف من مال البائع كذلك هاهنا.
التفضيل من الغنيمة لبعض الغانمين
:
24 - مسألة: هل يجوز للأمير أن يفضل بعض الغانمين من الغنيمة إذا رأى فيه شجاعة ونكاية في العدو.
فنقل أبو طالب في أمير الجيش إذا أمر لرجل من الركاضة أو طليعة أو ردءا برأس من السبي، هل لهم أن يرجعوا فيما أمر له به إذا لم تطب أنفسهم؟
قال: لا بأس بذلك، يعني يدفعه إليه إذا كان أنفع لهم وكان فيه تحريض يعني على القتال.
فظاهر هذا الجواز.
ونقل إبراهيم بن الحارث، وقد سئل هل يعطي الأمير من المغنم لقوم دون فوم في بلاد الروم؟
فقال ينبغي أن يسوي بينهم ولا يخص قوماً.
فظاهر هذا المنع.
وكذلك نقل أبو داود عنه في رجل أخذ عشرة رؤوس فنادى الإمام: من جاء بعشرة فله شيء فجاء بهم فليس (له) من هذا النفل شيء.
وجه الأولى: أن ـ النبي صلى الله عليه وسلم ـ أعطى من غنائم حنين صناديد العرب عطايا نحو الأقرع بن حابس وعيينة بن حصن والزبرقان بن بدر عطايا لا تتسع سهمه من الغنيمة وخمس الخمس لها لأنه أعطى كل واحد منهم كثيراً ولم يكن يعطيهم ذلك من الخمس لأن ذلك للفقراء وكان هؤلاء أغنياء علم أنه أعطاهم من مال الغنيمة ولأن في هذا مصلحة للمسلمين ونكاية في العدو وهو أنه يحرضه بذلك على القتال ولهذا المعنى خصصنا الفارس بزيادة في السهم لأجل تأثيره في العدو كذلك خصصنا القاتل بالسلب لأجل تأثيره، وكذلك هاهنا.
ووجه الثانية: ما روى ابن المبارك قال خالد الحذا، عن عبد الله بن سفيان، عن رجل من بلعنبر ذكر قصة قال: قلنا يا رسول الله ما تقول في هذا المال؟ قال: خمسه لله تعالى وأربعة أخماسه للجيش.
قال: قلت: هل أحد أحق به من أحد؟
قال: لو انتزعت سهماً من جنبك، لم تكن أحق به من أخيك المسلم ولأن حقوقهم متساوية فيها، فلم يجز أن يخص بعضهم منها.
القصر والفطر للقتال
:
25 - مسألة: إذا حاصر العدو أهل بلد وعزموا على قتاله أو قصدوا عدواً على مسافة لا يقصر فيها الصلاة هل يباح لهم القصر والفطر في رمضان أم لا؟
نقل الأثرم في القوم يخرجون إلى النفير ومسافة سفرهم أقل من يوم فلقوا العدو في رمضان هل يفطرون ليتقووا على عدوهم؟
قال: لا يفطرون، ولا يقصرون: قيل له: يضعفون عن قتال العدو.
قال: كيف يفطرون في الخصر؟ فظاهر هذا المنع.
ونقل حنبل: إذا جاءهم العدو في منازلهم في رمضان فإن أجهدوا أفطروا، فظاهر هذا الجواز.
وجه الأولى: أن الله تعالى علق جواز القصر والفطر بشرطين: المرض.
والسفر وليس هاهنا واحد منهما.
ووجه الثانية: أن السفر إنما أباح الفطر لما يلحق فيه من المشقة وهذا المعنى موجود في مسألتنا ولأن الخوف لما أثر في الصلاة في الحضر وهو يصلي بهم صلاة خائف جاز أن يؤثر في الصوم وفي القصر كالسفر.
الفرار من الحرق إلى الغرق
: 26 - مسألة: إذا كان الجهاد في البحر والتقى الزحفان فرمى المشركون
مراكب المسلمين بالنار، فأحرقتها، هل يصبر من فيها على الهلاك أم يجوز له أن يلقي نفسه في البحر، وإن كان فيه الهلاك؟
فنقل أبو داود في الغزو في البحر إذا رمى الروم مركباً من مراكب المسلمين بالنار واشتعلت فيها هل يرمي نفسه في الماء؟
فقال: كيف شاء صنع.
فظاهر هذا الجواز.
ونقل مهنا عنه في الرجل في البحر فترمى سفينته بالنفط والنار، فيطرح نفسه فيه البحر فيموت، قال: أكرهه، فظاهر هذا المنع.
(وجه الجواز) ما روى عبد الله بن عمر أن ـ النبي صلى الله عليه وسلم ـ قال:
من فر من حرق إلى غرق فهو شهيد ... رواه الحسن بن دوما ولأن هلاكه بالماء أيسر منه بالنار وهو مضطر في هذه الحال فله أن يختار أيسر الميتتين عليه: ألا ترى أنه لو أكره فقيل له لنعذبنك بالنار أو لتقتلن نفسك بالماء، كان في سعة من إلقاء نفسه في الماء؟
قال أبو بكر ينظر إلى الأغلب في السلامة فيستعمله على طريق الاجتهاد ومعناه أن كان الأغلب أن يلقي نفسه في البحر فيسلم فعل وإن كان الأغلب في نفسه أن يصبر صبر فأما أن اعتدلا وكان في كل واحد منهما الهلاك، فظاهر كلام أحمد يقتضي روايتين: إحداهما: يجوز له أن يلقي نفسه في الهلاك.
الثانية: لا يجوز له ذلك لأنه لا يتحقق هلاكه بالمشركين، لجواز أن يحصل الظفر بهم فيؤدي إلى أن يحصل قاتل نفسه فلهذا لم يجز.
وقال أيضاً في رواية بكر بن محمد وأبي طالب: إذا حصل أسيراً في المشركين، فقدموه يضربوا عنقه، فهل يعطيهم سيفه لأنه أمضى؟
قال: لا.
قيل له فإنه يعذبه قال: يعلم الله أن يخلصه أو يعيش من ذلك الضرب.
ووجه الأولى: وأنه يجوز أن الظاهر والغالب قد أجرى في الأصول مجرى
المتحقق كالزكاة، والطهارة ونحو ذلك، وذلك أنه لو وجد شاة مذبوحة كان له الأكل اعتباراً بالظاهر، وأنها مذكاة، وإن لم يتحقق ذلك، وكذلك لو وجد جاز له أن يتطهر منه على الظاهر وإن لم يتحقق ذلك، كذلك هاهنا.
فيمن تؤخذ منهم الجزية
:
27 - مسألة: فيمن يجوز أخذ الجزية منه.
فنقل الحسن بن ثواب من سبى من أهل الأديان من العرب والعجم فالعرب أن أسلموا وإلا فالسيف وأولئك أن أسلموا وإلا فالجزية، فظاهر هذا أن الجزية تؤخذ من الكل إلا من عبدة الأوثان من العرب فقط.
وقال الخرقي: ولا نقبل الجزية إلا من يهودي أو نصراني، أو مجوسي وكانوا مقيمين على ما عوهدوا عليه ومن سواهم بالإسلام أو السيف، فظاهر هذا أن من له كتاب أو شبهة كتاب تؤخذ منه الجزية سواء كان من العرب أو العجم وسواء كان من قريش أو من غيرها، ولا تؤخذ من غيرهم.
وجه الأولى: ما روى الزهري أن ـ النبي صلى الله عليه وسلم ـ صالح أهل الأديان على الجزية إلا من كان منهم من العرب ولأنه أعجمي مقيم على دين لم يعتقد سواه، فجاز إقراره ببذل الجزية، دليله إذا كان من أهل الكتاب ولأن الجزية لو كانت متعلقة بالكتاب لما جاز أخذها من المجوسي لأنه لا كتاب لهم.
ووجه الثانية: وهو الصحيح أنها طائفة من المشركين ليس لها كتاب ولا شبهة كتاب فلم يجز إقرارهم على دينهم ببذل الجزية دليله عبدة الأوثان من العرب ولأن أخذ الجزية حكم يتعلق بالكفر فاستوى فيه حكم العرب والعجم كالقتل وتحريم المناكحة والاسترقاق وأن هذه الأحكام يستوي فيها العرب والعجم.
قدر الجزية:
28 - مسألة: في قدر الجزية ثلاث روايات:
نقل صالح وابن منصور وإبراهيم بن هانىء وأبو الحارث: أكثر ما يؤخذ من أهل الذمة ثمانية وأربعون والوسط أربعة وعشرون، والفقير اثنا عشر، فظاهر هذا أنها مقدرة الأقل والأكثر فيجب على الموسر ثمانية وأربعون درهماً، وعلى المتوسط أربعة وعشرون وعلى المتجمل اثنا عشر درهماً.
ونقل الأثرم: الجزية على ما يطيقون يزاد وينقص على قدر طاقتهم، وما يرى الإمام، فظاهر هذا أنها غير مقدرة الأقل والأكثر وهو إلى اجتهاد الإمام.
ونقل يعقوب بن بختان: لا يجوز للإمام أن ينقص من ذلك وله أن يزيد.
فظاهر هذا أنها مقدرة الأقل وغير مقدرة الأكثر فيجوز للإمام أن يزيد على ما قدره عمر ـ رضي الله عنه ـ ولا يجوز أن ينقص منه، وهذا اختيار أبي بكر.
وفائدة الخلاف أنا إذا قلنا: هي مقدرة الأقل والأكثر فمتى بذلها أهل الذمة لزم الإمام قبوله، وحرم عليه قتالهم، وإذا قلنا: ليست مقدرة أو مقدرة الأول لم يحرم عليه القتال.
وجه الأولى: وهي الصحيحة وهي اختيار الخرقي وأنها مقدرة الأل والأكثر ما روى أن عمر ـ رضي الله عنه ـ لما مضى إلى الشام ضرب الجزية على أهل الكتاب، على الغني ثمانية وأربعون درهماً، وعلى المتوسط أربعة وعشرون درهماً وعلى المتجمل اثنا عشر درهماً ولأنه حق مال يجب بوجود المال في كل حول مرة فيجب أن يختلف بقلة المال وكثرته كالزكاة، ولا يلزم عليه زكاة الفطر لأنها لا تجب بوجود المال، لأنها تجب عندنا على من يملك قوت يومه وليلته.
ووجه الثانية: في أنها غير مقدرة الأول والأكثر أن المال المأخوذ من المشرك على الأمان ضربان: هدنة وجزية فلما كان المأخوذ هدنة إلى اجتهاد الحكم كذلك المأخوذ جزية.
ووجه الثالثة: في أنها محدودة الأقل أن في النقصان من ذلك أضراراً ببيت المال وفي الزيادة حظاً للمسلمين إذا كان فيه رأي وصلاح ويبين صحة هذا أن الخراج جزية وقد زاد عمر ـ رضي الله عنه ـ على ما كان قدره عليهم.
روي أن عثمان بن حنيف دخل عليه يسأله في الزيادة فقال له: الله لئن زدت لا يشق ذلك عليهم قال: نعم.
قال: فافعل.
تحمل السيد الكافر جزية عبدة
:
29 - مسألة: هل يجب على السيد إذا كان كافراً تحمل الجزية عن عبده الكافر؟
فقال في رواية عبد الله: العبد ليس عليه جزية، والمكاتب عبد ما بقي عليه درهم، فظاهر هذا أنه لا يتحملها عنه.
وقال حنبل: والذمي يؤدي عنه، وعن مملوكه خراج جماجمهم إذا كانوا عبيداً أخذ منهم جميعاً الجزية.
وكذلك نقل ابن منصور وقد سأله ما معنى قول عمر: لا تشتروا رفيق أهل الذمة.
قال: لأنهم خراج يؤدي بعضهم عن بعض فإذا صاروا إلى المسلمين انقطع عنهم ذلك، فظاهر هذا أنه يتحمل.
وجه الأولى: ما روي عن ـ النبي صلى الله عليه وسلم ـ أنه قال: لا جزية على العبيد
ولأنه مال فهو كالبهيمة، ولأنه محقون الدم بمعنى لو وقع في الأسر لم يكن الإمام مخيراً فيه بين القتل والمن ولأنه خلص بالرق فلم يجب عليه الجزية كما لو كان سيده مسلماً.
ووجه الثانية: وهي اختيار الخرقي، ما احتج به أحمد من قول عمر: (لا تشتروا رقيق أهل الذمة فإنهم أهل خراج يبيع بعضهم بعضاً) وفسره بأن معناه يؤدي بعضهم عن بعض، ولأن الجزية حق في مال يجب أداؤه عن الرقية، فجاز أن يدخله التحمل، دليله صدقة الفطر، ولأنه ذكر مكلف فجاز أن تتعلق الجزية بجنسه، دليله الحر.
الجزية على العبد بعد عتقه
: 30 - مسألة: إذا أعتق العبد الكافر وصار حراً فهل تجب عليه الجزية إذا كان من أهل الجزية بعد حلول الحلول إذا أراد المقام في دار الإسلام أم لا؟ نقل بكر بن محمد عن أبيه في النصراني إذا أعتق: ليس عليه جزية لأن ذمته ذمة مولاه.
ونقل ابن منصور وأبو طالب: عليه الجزية إلا أن في رواية ابن منصور إذا كان سيده نصرانياً فعليه الجزية وفي رواية أبي طالب إذا كان سيده مسلماً فعليه الجزية.
وجه الأولى: وفيها ضعف أنه بعد العتق على حكم الرق في استحقاق الولاء عليه فجاز أن يسقط عنه الجزية كالعبد القن.
ووجه الثانية: وهو اختيار الخرقي وأبي بكر أنه حر محقون الدم على التابيد فلا يقر في دارنا بغير جزية دليله الحر الأصلي وفيه احتراز من المرأة والصبي والشيخ الفاني.
سقوط الجزية بالموت
:
31 - مسألة: لا يختلف المذهب أن الإسلام يسقط الجزية الواجبة وأما الموت فهل يسقطها أم لا؟
فقال شيخنا أبو عبد الله لا يسقطها لأنه دين وجب في حال الحياة فلا يسقط بالموت كالدين.
وعندي أنها تسقط كالإسلام، وهو قياس المذهب، لأنا نقول: إن إسلام أحد الأبوين يوجب إسلام الطفل، وموت أحد الأبوين يوجب إسلام الطفل أيضاً، والمعنى فيه أن الموت يقطع الصغار فأسقط الجزية كالإسلام، ولأنه معنى يوجب إسلام الطفل، فأسقط الجزية كالإسلام.
تجديد معابد أهل الكتاب
:
32 - مسألة: في الكنائس: إذا انهدم جميع بنيان البيعة، فهل لهم تجديدها على ما كانت عليه؟
نقل عبد الله ما انهدم فلهم أن يبنوها فظاهر هذا جواز عمارتها، وتجديدها سواء انهدم جميعها أو بعضها.
ونقل حنبل وأبو طالب، وكل ما فتحه المسلمون عنوة فليس لأهل الذمة أن يحدثوا فيها كنيسة ولا بيعة، وإن كان لهم في المدينة شيء فأرادوا رميه رموه، فإن انهدمت الكنيسة والبيعة بأسرها لم يبدلوها غيرها.
فظاهره هذا جواز رم ما تشعث منها ولا يجوز تجديدها إذا رخبت جميعها.
ومن أصحابنا من يمنع رم ما تشعث منها بكل حال قال: لأن عمر ـ رضي الله عنه ـ كان في كتابه إلى أهل الشام أن لا تجددوا ما خرب منها وقد نص عليه في رواية عبد الله فقال: ما انهدم فليس لهم أن يبنوها.
فوجه من قال: يجوز تجديدها بعد خرابها وهذا خلاف ما حدثنا، أنا نقرهم
فيها فلو منعوا من تجديد ما خرب ورم ما تشعث بطلت رأساً لأن البناء لا يبقى على الدوام فإذا كان فيه إبطال ما بذل لهم سقط.
ووجه من قال: لا يجوز تجديد جميعها أنه إذا خرب جميعها تعطلت منفعتها فلو قلنا: يجددونها، كان في حكم ابتدائها وإنشائها، وليس كذلك رم ما تشعث منها فإن المنفعة بها قائمة فلهذا جاز، وحدثني أبو بكر بن أحمد بن علي ثابت الخطيب بإسناده عن عمر بن الخطاب يقول: قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم: لا تبنى كنيسة في الإسلام ولا يجدد ما خرب منها.
انتقاض عهد الذمي المخالفة الشروط
: 33 - مسألة: إذا ترك أهل الذمة شيئاً من الشروط المأخوذة عليهم مما يجب عليهم تركه ولا يعود فعله بضرر المسلمين بل فيه إظهار منكر في دار الإسلام كأحداث البيع والكنائس ورفع الأصوات بقراءة كتبهم وضرب النواقيس وإطالة البنيان وإظهار الخمر والخنزير وما كان في معناه من ترك التشبه بالمسلمين في لبسهم وركوبهم وكناهم وشعورهم فهل ترك هذه الأشياء يوجب نقص عهد الذمة أم لا؟
قال الخرقي: ومن نقص العهد بمخالفة ما صولحوا عليه حل ذمة وماله.
فظاهر هذا أن ترك ذلك يوجب نقض العهد على ظاهر حديث عمر ـ رضي الله عنه ـ وإن ذلك في شروطه وشرط عليهم أن من خالف شيئاً من ذلك حل ماله ودمه، ولأنه ترك ما شرط عليهم في عقد الذمة، فنقض العهد كما لو فعل ما يعود بضرر المسلمين، كالاجتماع على قتل المسلمين، والزنا بمسلمة، أو إصابتها باسم النكاح، أو يفتن مسلماً عن دينه، أو قطع عليه الطريق أو آوى
للمشركين عيناً أو أعان على المسلمين بدلالة أو قتل مسلماً أو ذكر الله تعالى ورسوله وكتابه بسوء فإن هذه تنقض العهد، وعندي أن ما لا ضرر على المسلمين بتركه لا ينقض العهد به شرطاً أو لم يشرط، لأنه لا ضرر على المسلمين في مال، ولا فيه منافاة الأمان، ولأنه أظهر ما يعتقد، ديناً ومذهباً ويفارق هذا غيره لأن على المسلمين فيه ضرراً وفيه ما ينافي الأمان فلهذا نقض العهد.
منع الذمي من دخول المساجد
:
34 - مسألة: لا يجوز لأهل الذمة دخول المسجد الحرام.
رواية واحدة.
ونقل ذلك ابن منصور لقوله تعالى: فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا فأما غيره من المساجد هل يجوز لهم دخولها أم لا؟
نقل أبو طالب في اليهودي والنصراني والمجوسي: لا يدخلون المسجد لا ينبعي لهم أن يدخلوها، فظاهر هذا المنع.
ونقل الأثرم عنه وقد سئل: هل يترك أهل الذمة يدخلون المسجد؟
قال: ينبغي أن يتوقى ذلك قيل له: فإن رأى رجل منا ذمياً أيخرجه؟
قال: قد روي في هذا حديث وفد ثقيق أتوا ـ النبي صلى الله عليه وسلم ـ فأنزلهم المسجد وعمر كرهه فظاهر هذا جواز ذلك لأنه احتج بالحديث.
ووجه من منع احتج بأنه بيت الله تعالى فمنعوا منه كالمسجد الحرام.
ووجه من أجاز ذلك احتج بأن وفد ثقيف قدموا على ـ النبي صلى الله عليه وسلم ـ فأنزلهم المسجد فدل على جوازه.
سقوط العشر عن جارية الذمي بدعوى حريتها
: 35 - مسألة: إذا مر الذمي بعشار المسلمين ومعه جارية فادعى أنها ذات
رحم منه وأنها ليست بملك له فهل يقبل قوله في ذلك ويسقط عنه العشر على روايتين:
نقل يعقوب بن بختان: لا يقبل منه لأنه متهم في ذلك لأن ذلك شيء ممكن إقامة البينة عليه فهو كما لو ادعى أن عليه ديناً فإنه لا يقبل منه، نص عليه أحمد كذلك هاهنا.
ونقل أبو الحارث: يقبل ذلك منه لأنه يحتمل ما قاله والأصل في الناس الحرية حتى يقوم دليل الرق.
أكل ذبائح نصارى بني تغلب ونكاح نسائهم
:
36 - مسألة: في نصارى بني تغلب هل تنكح نساؤهم أو تؤكل ذبائحهم أم لا؟ نقل ابن منصور وإبراهيم بن الحارث والأثرم: إباحة ذبائحهم ومناكحتهم.
وذكر الخرقي في مختصره روايتين: أحدهما: مثل هذا والثانية: لا يباح.
وجه الإباحة: أنهم دخلوا في دين أهل الكتاب يقرون عليه بالجزية فكانت ذبائحهم ومناكحتهم مباحة فهو كما لو دخلوا في دينهم قبل النسخ وقبل التبديل، وقد روي عن ابن عباس أنه رخص في ذبائحهم.
ووجه المنع: أنهم كانوا عبدة الأوثان، فانتقلوا إلى دين أهل الكتاب، ولم يعلم هل انتقلوا إلى دين المبدلين أو غيرهم، والأصل الحظر فغلب الحظر، على هذه الرواية، حكمهم حكم المجوس.
تحول الكتابي إلى ملة أخرى غير الإسلام
:
37 - مسألة: إذا تنقل من يهودية إلى نصرانية أو من نصرانية إلى يهودية فهل يقر على ذلك أم لا؟
نقل عنه حنبل في يهودي تنصر أو نصراني تهود: لا يقبل.
وكذلك نقل مهنا في نصراني أو يهودي ارتد عن دينه هل يقتل؟
قال: هؤلاء يعطون الخراج، لا يقال لهم شيء.
فظاهر هذا أنه يقر على ذلك ولا يكلف الإسلام ولا الدين الذي كان عليه لأن الدين الثاني في معنى الدين الذي صالحناه عليه ولأنه من أهل الكتاب يقر عليه.
قال أبو بكر: فيه وجه آخر لا يقبل منه إلا دين حق وهو الإسلام أو القتل لأن الدين الذي انتقل إليه باطل، قد كان مقراً ببطلانه والدين الذي كان عليه قد أقر الآن بطلانه فلم يبق دين باطل إلا وقد أقر ببطلانه، فوجب أن لا يقبل منه إلا دين حق وهو الإسلام.
فإن انتقل من يهودية أو نصرانية إلى مجوسية لم يقر عليه وقبل منه دينه الذي كان عليه ـ نص عليه أحمد ـ رضي الله عنه ـ في رواية إسماعيل بن سعيد، في نصراني أو يهودي، تمجس: يردون إلى دينهم لأنه نقص في الإسلام لأن لنا أن نأكل ذبائحهم وننكح نساءهم، لأنه انتقل إلى دين لا يباح أكل ذبيحته ونكاح نسائه، قلا يقر عليه كما لو انتقل إلى عبدة الأوثان والشمس والقمر.
فإن انتقل من مجوسية إلى نصرانية أو يهودية فإنه يقر عليه.
نص في رواية مهنا في مجوسي تنصر: فلا قتل عليه لأنه انتقل إلى دين هو أكمل من دينه أشبه إذا انتقل إلى الإسلام، ومعنى الكمال أن له كتاب ولا كتاب للمجوسي.
قال أبو بكر: وفيه وجه آخر لا يقر على ذلك لأنه انتقل إلى دين باطل فهو كما لو انتقل إلى عبدة الأوثان.
حكم ثمن المبيع المحرم إذا أسلم الذمي قبل قبضه
: 38 - مسألة: إذا تبايع أهل الذمة الخمر ثم أسلموا قبل قبض الثمن فهل يقضي للبائع بالثمن أم لا؟ نقل ابن منصور في مجوسي باع مجوسياً خمراً ثم أسلما يأخذ بالثمن قد وجب له الثمن يوم باعه وأما الخنزير فلا يأخذ الثمن.
وكذلك نقل أبو داود عنه في اليهودي والنصراني إذا احتكموا إلى إمام المسلمين في الخسر والخنازير: ما يعجبني أن يحكم عليهم فإن اختصموا في أثمانها
حكم بينهم فإن مات ذمي وله دين ثمن خمر فأسلم ابنه يأخذ الدين، وظاهر هذا أنها مال ويقضي بالثمن.
ونقل ابن منصور أيضاً وأبو طالب في نصراني أو يهودي أسلف في خمر ثم أسلم الذي أسلفه وأما الآخر فلم يسلم: فلا شيء له، ولا يأخذ للخمر ثمناً.
وظاهر هذا المنع.
وجه الأولى: حديث عمر: ولوهم بيعها، وخذوا العشر من أثمانها.
وهذا يقضتي أنها مال لهم يصح بيعها ونقد ثمنها.
ووجه الثانية: وهي أصح أنها ليست مالاً في حقنا ولا يصح بيعها في حقنا فلم تكن مالاً لهم ولم يصح بيعهم لها، كالخنزير، فإن أحمد قد نص عليه كالميتة والدم.
(كتاب الصيد والذبائح)