كتاب الحج
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- أبو يعلى ابن الفراء
- الكتاب
- المسائل الفقهية من كتاب الروايتين والوجهين
- المؤلف
- القاضي أبو يعلى، محمد بن الحسين بن محمد بن خلف المعروف بـ ابن الفراء (المتوفى: 458هـ)
- المحقق
- د. عبد الكريم بن محمد اللاحم
- الناشر
- مكتبة المعارف، الرياض
- الطبعة
- الأولى (1405هـ - 1985م) أعده للشاملة/ فريق رابطة النساخ برعاية (مركز النخب العلمية) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
من أحرم بالحج عن غيره وهو لم يحج عن نفسه
:
1 - مسألة اختلف أصحابنا ـ رحمة الله عليهم ـ فيمن أحرم بالحج عن غيره وعليه وفرض الحج هل ينعقد الإحرام عن نفسه أم لا ينعقد أصلاً؟
فقال الخرقي: ينعقد عن نفسه، وهو أصح لما روي في بعض ألفاظ حديث شبرمة: هذه عنك.
ومعناه انعقدت عنك، وفي لفظ آخر: إن كنت حججت عن نفسك فلب عنه، وإلا فلب عن نفسك، فثبت أن الإحرام انعقد عنه، ولأن الحج لا يفتقر إلى تعيين النية بدليل أنه لو أطلق النية أو قيدها بالنفل انعقدت فرضاً كذلك إذا نواها عن غيره انصرفت إليه.
وقال أبو بكر في كتاب الخلاف لا تنعقد عنه ولا عن غيره، وحكى في ذلك رواية إسماعيل بن سعيد عن أحمد أنه قال: إذا أحرم بالضرورة عن غيره لم
يجزه عن نفسه ولا عن الذي حج عنه بنيته، لما روى في بعض ألفاظ حديث شبرمة: اجعلها عنك وظاهر هذا يقتضي الابتداء، ولأنه نوى بالحج عن غيره فلم ينعقد عن نفسه دليله إذا نوى بالحج عن غيره وكان قد حج عن نفسه ولأنه لم ينوِ بالحج عن نفسه، فهو كما لو لم ينوِ الحج.
وقال أبو حفص العكبري: ينعقد الإحرام عن المحجوج عنه ثم ينقلب الحج عن نفسه ذكره في شرح الخرقي.
وهو ظاهر الخبر، لأن النبي ـ صلى الله عليه وسلم قال له: اجعلها عن نفسك.
فظاهر هذا الابتداء، ولأنه لا يمتنع مثل هذا وهو إذا أحرم بالحج، لأنه يجوز فسخه إلى العمرة (ولا يختلف أصحابنا أنه لا ينعقد عن المحجوج عنه).
سقوط الحج عمن لا تكفيه نفقته لذهابه وإيابه
:
2 - مسألة: واختلفت فيمن وجد زاد وراحلة.
لذهابه ولم يفضل منه شيء لرجوعه، ونفقة عياله، هل يلزمه الحج أم لا ... ؟
نقل أبو داود، وصالح، وحنبل: يجب الحج على من وجد زاداً وراحلة، والسبيل هو الزاد والراحلة، وظاهر هذا أنه يجب عليه وإن لم يفضل منه شيء لما روي عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم أنه فسر السبيل بالزاد والراحلة، وهذا واجب لهما.
ونقل أبو طالب عنه: يجب عليه الحج إذا كان عنده ما يبلغه إلى مكة ويرجع ويخلف لأهله نفقة ما يكفيهم حتى يرجع.
وظاهر هذا: أنه لا يجب حتى يفضل عنه بقدر الرجوع والنفقة، ولأنه إذا لم يكن كذلك ضاع عياله بالغيبة، وقد روي عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم أنه قال: كفى بالمرء إثماً أن يضيع من يقوت ولأنه لو لم نعتبر نفقة رجوعه شق عليه مفارقة الأهل والعيال، لأنه يستوحش.
فلهذا اعتبر ذلك.
مسائل في محظورات الإحرام وكفارتها
تظلل المحرم تحت محمل ونحوه
:
3 - مسألة: واختلفت الرواية عن أحمد ـ رحمه الله ـ إذا ظلل المحرم المحمل على رأسه هل يجب عليه الفدية؟
فنقل جعفر بن محمد، وبكر بن محمد: عليه الفدية، لأن ذلك مما يقصد به الترفه في بدنه، فهو كما لو غطى رأسه بمنديل.
ونقل الفضل بن زياد، وعبد الله: أرجو أن لا يكون عليه كفارة، لأنه منفصل عنه فهو كما لو جلس تحت خيمة.
تداخل كفارة الطيب واللبس والحلق وتقليم الأظافر إذا وقعت دفعة
: 4 - مسألة: واختلفت إذا تطيب، ولبس وحلق وقلم الأظافر دفعة واحدة هل تجب كفارة واحدة أم لكل جنس منها كفارة؟ على روايتين نقلهما ابن منصور إحداهما: أن في كل واحد كفارة، وقد نقل ذلك إبراهيم بن هاني أيضاً لأنها أجناس فلم تتداخل كالحدود إذا اختلفت أجناسها واجتمعت، والرواية الثانية كفارة واحدة، لأن هذه الأجناس كفارتها واحدة، وهو التخيير بين
الصيام والنسك والصدقة فتداخلت كالجنس الواحد إذا توالى في وقت واحد، فإنه يتداخل، ولا تختلف الرواية أن هذه الأجناس لو تفرقت في أوقات أنه يجب لكل فعل كفارة.
تداخل فدية المحظور الواحد إذا تكرر قبل التكفير
:
5 - مسألة: واختلفت في الجنس الواحد إذا تفرق في دفعات وأوقات لم يكفر عن الأول هل عليه كفارة ثانية مثل أن تطيب في وقت وتطيب في وقت آخر أو لبس في وقت ثم لبس في وقت آخر، أو حلق في وقت، وحلق في وقت آخر؟ على روايتين.
نقل ابن القاسم: تتداخل وتجب كفارة واحدة ما لم يكفر عن الأول، لأنه استمتاع تكرر لم يتخلله تكفير فوجب أن لا تجب إلا كفارة واحدة كما لو كان كله دفعة واحدة في مجلس واحد.
ونقل الأثرم: إن كان السبب واحداً فكفارة واحدة، وإن كانا سببين فكفارتان مثل أن يلبس في وقت لمرض ويلبس في دفعة أخرى لذلك المرض أو يحلق دفعة ثانية لذلك المرض، فهذا كفارة واحدة وإن كان الثاني بسبب آخر غير الأول فكفارة ثانية سواء كفر عن الأول أو لم يكفر، لأن الكفارات كالحدود ـ قال ـ: الحدود كفارات لأهلها.
ثم ثبت أن الحدود إذا ترادفت، فإن كان سببها واحداً تداخلت.
وإن اختلفت أسبابها مثل الزنا والسرقة وشرب الخمر لم تتداخل كذلك هاهنا، ولا تختلف الرواية، وإن كل واحد من هذه الأجناس إذا توالى في وقت واحد أن فيه كفارة واحدة لأن الأصول فرقت بين الفعلة الواحدة والفعلتين، ألا ترى أنه لو حلف: لا أكلت اليوم إلا أكلة فأكل من برد الغداة إلى العشاء ولم يقطع كانت أكلة واحدة، ولو فرق لكان لكل أكلة حكم فحنث بالأولة دون الثانية.
تداخل فدية حلق الرأس والبدن إذا وقع دفعة واحدة
:
6 - مسألة: واختلفت إذا جمع في حلق الشعر بين الرأس والبدن دفعة واحدة، هل يجب فدية أو فديتان؟ فنقل أبو الحارث وعبد الله تجب فديتان: فدية للرأس، وفدية للبدن ـ وهو أصح ـ لأنهما في حكم الجنسين بدليل أن الرأس يتعلق النسك بأخذ شعره والبدن لا يتعلق النسك بأخذ شعره.
ونقل سندي الخواتيمي عنه: أن شعر الرأس واللحية والإبط سواء لا أعلم أحداً يفرق بينهما، فظاهر هذا أنه إذا جمع بينهما في الأخذ ففديه لأنه ترفه بجنس واحد في وقت واحد فهو كما لو جمع في اللبس بين الرأس والبدن أو جمع في الطيب بين الرأس والبدن في وقت واحد فإن فيه فدية رواية واحدة نقلها أبو طالب.
سقوط كفارة الطيب واللبس نسيانا
ً:
7 - مسألة: واختلفت إذا تطيب أو لبس ناسياً أو جاهلاً بتحريمه هل تجب عليه الكفارة؟
فنقل ابن منصور عليه الكفارة، لأنه معنى ينافيه الإحرام، فاستوى حكم عمده وسهوه كقتل الصيد والحلاق وتقليم الأظافر فإن الرواية لا تختلف في ذلك.
ونقل أبو طالب وابن القاسم: لا كفارة عليه، وهو اختيار الخرقي وهو أصح، لأنها عبادة تجب بإفسادها الكفارة، فوجب أن يكون فيما نهى عنه فيها ما يفرق بين عمده وسهوه كالصيام.
شم المحرم لما ينبت للطيب ولا يتخذ منه الطيب
:
8 - مسألة: واختلفت فيما ينبت للطيب ولا يتخذ منه الطيب كالريحان الفارسي والنرجس والمرزبحوش ونحوه فنقل جعفر بن محمد يشم الريحان لأنه لا يتخذ منه الطيب فوجب أن لا يكون طيباً كالشيخ والقيصوم.
ونقل أبو طالب لا يشم المحرم الريحان لأنه ينبت للطيب فوجب أن يكون طيباً كالورد والبنفسج.
إدهان المحرم بما لا طيب فيه
:
9 - مسألة: واختلفت هل يجوز للمحرم أن يدهن بدنه ورأسه بما لا طيب فيه كالزيت والشيرج والسمن والزبد.
فنقل الأثرم وأبو داود جواز ذلك، فظاهر هذا أنه لا فدية لأنه قد أجازه لما روى ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ادهن وهو محرم بزيت
غير مقتت.
قال أبو عبد الله المقتت: المطيب ولأنه دهن غير مطيب فلم يمنع ولم يجب به فدية كالسمن.
وقال أبو داود: لا يدهن وهو اختيار الخرقي.
وقال الخرقي: ولا يدهن بما فيه طيب، وما لا طيب فيه، فظاهر هذا المنع يقتضي وجوب الفدية، لأنه دهن يرجل الشعر ويحسن البدن فهو كدهن النبفسج والورد والبنفسج.
فدية حلق الثلاث شعرات
:
10 - مسألة: واختلفت: إذا حلق ثلاث شعرات هل يجب عليه دم؟
فنقل حنبل: فيها دم، لأنه حلق من الشعر الممنوع منه لحرمة الإحرام ما يقع عليه اسم الجمع المطلق فتعلقت به الفدية الكاملة كما لو حلق معظم رأسه، ولأن القليل لا يوجب الدم والكثير يوجب الدم، فلا بد من حد فاصل بينهما فيجب أن يكون الثلاث لأنها أول حد لكثرة، وآخر حد القلة.
ونقل المروذي: الدم كثير في ثلاث ولست أوقت فإذا نتف أكثر من ثلاث ففيه دم، وكذلك نقل ابن منصور.
فظاهر هذا أنه أوجب الدم فيما زاد على الثلاث ولو بشعره، وهو اختيار الخرقي، لأنه قال: من حلق أربع شعرات
فصاعداً ففيها الفدية وفي كل شعرة من الثلاث منه فأوجب القدية في أربع، لأنه حلق من رأسه أقل من أربع شعرات، فلم يلزمه دم، كما لو حلق شعرة أو شعرتين، ولأن القليل لا يوجب الدم، والكثير يوجبه الثلاث في حد القليل، قال الله تعالى: فقال تمتعوا في داركم ثلاثة أيام فجعلها في حيز القلة، وقال النبي ـ عليه السلام ـ: لا يقيم المهاجر بعد قضاء نسكه فوق ثلاث فجعل الكثير فيما زاد على ثلاث، وكذلك شرط الخيار منعه قوم فيما زاد على الثلاث وجعلوه في حد الكثرة، والثلاث في حد القلة، وكذلك استتابة المرتد ثلاثاً ولم ينظر زيادة عليها كذلك هاهنا يجب أن يجعل الكثير ما زاد على الثلاث من غير تحديد.
فدية حلق الشعرة الواحدة
:
11 - مسألة: واختلفت إذا حلق شعرة كم يجب فيها؟
فنقل مهنا: أن فيها مداً، ونقل الأثرم: إذا ترك حصاة واحدة تصدق بصدقة ونقل المروذي عنه: في حصاة دم وفيها ضعف.
ونقل أبو طالب: إذا ترك ليلة من ليالي منى يتصدق بدرهم أو بنصف درهم.
فنقل قوله في بعض المسائل إلى بعض فيتخرج في الشعرة، وفي الظفر الواحد، وفي الحصاة الواحدة، وفي ليلة من ليالي منى روايتان: إحداهما: يجب في الواحدة منه مد وفي الثلاث من ذلك دم.
والرواية الثانية: يجب في ذلك درهم أو نصف درهم، لأن كل شيء ضمن بمثله، فإذا تعذر مثله وجبت قيمته من غالب نقد البلد كمن أتلف على غيره ما له مثل فتعذر مثله فإن عليه فيمته من غالب نقد البلد، كذلك هاهنا قد تعذر إيجاب المثل فوجب أن يجب من غالب نقد البلد، والأولى أصح وهو اختيار الخرقي ـ رحمه الله ـ لأن للإطعام مدخلاً في هذه الكفارة مع الدم كما أن له (مع الدم في جزاء الصيد مدخلاً) مع الدم في جزاء الصيد ثم ثبت أنه إذا تعذر الدم في جزاء الصيد كان الطعام أولى من غيره لأنه إليه أقرب وبه أشبه كذلك هاهنا.
وكالة المحرم في عقد النكاح
:
12 - مسألة: واختلفت في المحرم هل يصح أن يكون وكيلاً في عقد النكاح .. ؟
فنقل عبد الله والكوسج: لا يتزوج ولا يزوج.
ونقل الميموني: إن نكح فالنكاح باطل، وإن زوج لم أفسخه، فظاهر هذا: أن النكاح في حقه باطل رواية واحدة، وفي حق غيره على روايتين: إحداهما: تبطل، وهو أصح، لأنه محرم عقد نكاحاً فلم يصح كما لو عقده لنفسه، والثانية: جواز العقد لأنه إنما منع من العقد لنفسه خوفاً أن تدعوه نفسه إلى الاجتماع معها والمباشرة لها، وهذا معدوم إذا كان وكيلاً لغيره، ولأنه لا يمتنع أن لا يصح أن يلي العقد لنفسه ويليه لغيره كما لو كان ولي امرأة فأراد العقد عليها لنفسه لم يصح ويصح لغيره.
رجعة المحرم
:
13 - مسألة: واختلفت في الرجعة هل تصح من المحرم.
فنقل عبد الله: لا بأس أن يراجع امرأته، لأنه نوع عقد لا يفتقر إلى الشهود فلم يفتقر إلى الإحلال كالبيع والشراء، ولأنها في مقام الزوجات.
ونقل أحمد بن أبي عبده والفضل بن زياد: لا يراجع المحرم امرأته فقيل له: فيخاف أن تبين منه، قال: وإن خاف، لأنه استباحة بضع مقصود في عينه فمنع المحرم منه كالنكاح والأولى أصح.
مسائل في الطواف
القراءة في الطواف
:
14 - مسألة: واختلفت في القراءة في الطواف.
فنقل الأثرم وأبو طالب القراءة في الطواف جائزة.
فظاهر هذا أنها غير مكروهة لقول النبي ـ صلى الله عليه وسلم الطواف بالبيت صلاة إلا أن الله أباح فيه النطق، فشبهه بالصلاة، واستثنى الكلام فقط.
ونقل الميموني عنه: لا يقرأ في الطواف.
فظاهر هذا أنه غير مستحب، لأنه موطن للدعاء فلم تستحب فيه القراءة، كما أن الركوع لما كان موطناً للتسبيح لم تجز القراءة فيه وكذلك السجود والتشهد.
طواف المحدث
:
15 - مسألة: واختلفت إذا طاف محدثاً.
فنقل أبو طالب: إن طاف محدثاً أو جنباً أعاد طوافه، وهو أصح، لأنها عبادة تفتقر إلى البيت، فكانت الطهارة فيها شرطاً كالصلاة، ونقل بكر بن محمد عن أبيه: إذا طاف بالبيت للزيارة أو الصدر وهو جنب أو على غير وضوء ناسياً أرجو أن يجزئه ويريق دماً، وإن كان بمكة أعاد الطواف، فظاهر هذا أن الطهارة غير شرط، ولكن ينوب عنها الدم لأنه ركن من أركان الحج، فلا يكون من شرط صحته الطهارة كالوقوف بعرفة، وإنما وجب عليه الدم لأن
الطهارة واجبة في الطواف فكان عليه الدم كترك واجب إلا أن هذا الوجوب ليس بشرط في صحة الطواف كما أن الرمي والمبيت بالمزدلفة واجب وليس بشرط.
فساد الطواف بالحدث
:
16 - مسألة: واختلفت إذا أحدث في أثناء الطواف، وقلنا: إن الطهارة شرط هل يبنى أم يبتدىء؟
فنقل حرب: يبتدىء وهو اختيار الخرقي.
ونقل حنبل عنه أنه ذكر قول عطاء: إذا يحدث عملاً غير الوضوء بنى ولم يستقبل الطواف، وإن أحدث عملاً غير الوضوء استقبل، فظاهر هذا أنه يبني.
والمسألة مبنية على اختلاف الروايات في الحدث في الصلاة، وقد ذكرنا في ذلك ثلاث روايات كذلك هاهنا.
الطواف راكبا
ً:
17 - مسألة: واختلف أصحابنا إذا طاف راكباً من غير علة هل يجزئه؟
فنقل حنبل عنه: لا يطوف راكباً، والنبي ـ صلى الله عليه وسلم إنما طاف راكباً ليراه الناس، فظاهر هذا المنع من جواز الطواف راكباً وهو اختيار الخرقي رحمه الله، لأنه قال: ومن طاف وسعى محمولاً لعله أجزأه فظاهر هذا أنه إذا كان لغير علة لم يجزئه، لأنها عبادة تخص بالبيت فلم يصح فعلها على الراحلة مع القدرة، دليله الصلاة، ولأن المشي هو نفس الطواف فإذا حل به مع القدرة عليه فلم يأت به.
وقال أبو بكر: يجوز الطواف راكباً وماشياً صحيحاً ومريضاً لأنه ركن من أركان الحج فصح فعله راكباً دليله الوقوف والسعي.
مسائل في السعي
حكم السعي في الحج
:
18 - مسألة: واختلفت في السعي: هل هو ركن من أركان الحج؟
فنقل الأثرم وابن منصور: من ترك السعي لم يجزئه حجة حتى يسعى فإن انصرف ولم يسع رجع فسعى، لأنه عبادة مبنية على تكرار المشي فأشبه الطواف ولأنه مشي يتكرر في بقعة من بقاع الحرم يتضمن رملاً ومشياً فأشبه الطواف.
ونقل أبو طالب: إذا ترك السعي بين الصفا والمروة عامداً أو ساهياً أرجو أن لا يكون عليه شيء.
ولا ينبغي له أن يتركه، فظاهر هذا أنه ليس بواجب فلا يجب تركه دم، وكذلك نقل الميموني: السعي بين الصفا والمروة تطوع، لأنه نسك لا يجوز أن يكون بانفراده مقصوداً بالإحرام فوجب أن يكون من توابع الإحرام كالوقوف بالمزدلفة، ولأنه نسك يتكرر لا يتعلق بالبيت فلم يكن ركناً أو نقول فكان من توابع الإحرام، دليله الرمي والمبيت بالمزدلفة.
اكتفاء القارن بطواف واحد وسعي واحد
:
19 - مسألة: واختلفت هل يجزي القارن طواف وسعي واحد .. ؟
فنقل صالح والفضل بن زياد وأحمد بن محمد البرني يجزيه وهو اختيار الحزقي وهو أصح لأنه يقتصر على تلبية واحدة وحلاق واحد فيجب أن يقتصر على طواف واحد كالمفرد.
ونقل إسحاق بن إبراهيم: إذا قرن طاف طوافين للحج والعمرة لهذا على حده ولهذا على حدة، وكذلك نقل أبو طالب فقال: ومن قرن لم يجزه طواف واحد لحجه وعمرته لأنهما نسكان فلم يجزهما أمر واحد.
نقل الأثرم ومحمد بن الحكم: أخشى أن لا يجزيه، فظاهر هذا وجوب طوافين وسعيين، لأنهما نسكان فوجب أن يجب لهما طوافان كما لو أفرد كل واحد منهما.
المبيت بالمزدلفة
:
20 - مسألة: واختلفت إذا ترك المبيت بالمزدلفة وليالي منى كلها هل يجب عليه لتركه دم؟
فنقل حنبل: أن من لم يبت ليلة بالمزدلفة وبمنى ليالي منى فعليه دم لأنه عمل مشروع بعد كمال التحلل فكان واجباً قياساً على الرمي وطواف الوداع.
ونقل أبو طالب وعبد الله فيمن لم يبت ليالي منى بمنى: لا دم عليه ويتصدق بشيء فيخرج في ليلة المزدلفة كذلك، لأن البيتوتة ليست نسكاً وإنما تراد للتأهب لغيرها وهو الرمي والخروج إلى عرفات ألا ترى أنها تسقط بالفراغ من هذه الأشياء؟ ولأنه ترك الكون بها من غير وقت الرمي فهو كما لو تركه نهاراً.
غسل حصى الجمار
:
21 - مسألة: واختلفت: هل يستحب غسل حصى الجمار؟
فنقل أبو طالب: يغسله، لأن ابن عمر فعل ذلك، ولأنه ربما كان عليه نجاسة.
ونقل حنبل عنه: ما علمنا أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم فعل ذلك فظاهر هذا أنه غير مستحب، لأنه لو كان مستحباً لفعله النبي، ولو فعله لنقل.
مسائل في الحلق
الحلق قبل النحر
: 22 - مسألة: واختلفت إذا حلق قبل أن ينحر عامداً هل يجب عليه دم؟
فنقل أبو طالب: فيمن حلق قبل أن ينحر أو نحر قبل أن يرمي أو زار البيت قبل أن يرمي فإن كان ناسياً فلا بأس، وإن كان عامداً فلا، إنما هذا على النسيان، فظاهر هذا أنه أوجب الترتيب في ذلك، لأنه فرق بين العمد والسهو، وإذا ثبت وجوب الترتيب فيه ثبت وجوب الدم بتركه، وقد صرح أبو بكر بوجوب الدم، في ذلك.
ونقل أحمد بن الحسين الترمذي فيمن قدم من نسكه شيئاً أو أخره: فإن كان جاهلاً أو ناسياً فلا شيء عليه، وإذا تعمد فهو أشد عندي، ومن قال لا شيء عليه إذا تعمد فقد قال بأكثر الأحاديث، فظاهر هذا أنه لم يوجب الترتيب في ذلك ولا أوجب الدم، وهكذا الخلاف فيه إذا حلق أو قصر قبل أن يرمي هل يجب عليه دم لأجل الحلاقة.
فنقل أبو مسعود عنه، وقد حكى له قول مالك: من حلق قبل أن يرمي فعليه الفدية، فقال أحمد: إن كان جاهلاً فلا شيء عليه، وإن كان عالماً فعليه دم.
فظاهر هذا وجوب الترتيب والدم جميعاً، ويتخرج رواية أخرى لا دم عليه بناء على ما تقدم إذا حلق قبل أن ينحر لا دم عليه على إحدى الروايتين كذلك هاهنا يتخرج على روايتين فإن قلنا لا دم عليه فوجهه ما روى عمرو بن العاص قال: وقف رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم يوم النحر بمنى عام حجة الوداع والناس يسألونه فأتاه رجل فقال: لم أشعر حتى حلقت قبل أن نحرت، فقال: (افعل ولا حرج)، فأتاه آخر فقال: لم أشعر حتى نحرت ثم رميت فقال: (افعل ولا حرج) فما سئل يومئذ عن شيء أو أخر إلا وقال: افعل ولا
حرج، فأخبر أنه لا حرج على من حلق قبل أن ينحر، ورفع الحرج ينفي وجوب الدم إذ لو كان الدم واجباً لما أخر البيان عند الحاجة، وإذا قلنا يجب الدم، وهو أصح فوجهه أن هذا ترتيب واجب يدل عليه قوله تعالى: فكُلوا مِنها وأطعِموا البائسَ الفقيرَ ثمَّ ليقضوا تَفَثَهُمْ.
فأمر بقضاء التفث، وهو الحلاق بعد الذبح، وحديث أنس ـ رضي الله عنه ـ أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم رمى ثم نحر ثم حلق وقال: خذوا عني مناسككم.
وإذا ثبت وجوب الترتيب بهذا فنقول: خالف فعل نسك في الحج فوجب بتركه دم كما لو ترك رمى الجمار والمبيت بمنى ونحو ذلك.
حكم الحلق في الحج
:
32 - مسألة: واختلفت في الحلاق هل هو نسك في الحج والعمرة أم إطلاق محظور كاللباس والطيب؟ على روايتين: إحداهما: أنه إطلاق من محظور، قال في رواية ابن منصور في الذي يصيب أهله في العمرة قبل أن يقصر الدم كثير، وقال أيضاً في رواية أبي داود في المعتمر إذا أطاف وسعى ولم يحلق ولم يقصر حتى أحرم بحجة: بئس ما صنع وليس عليه شيء فظاهر هذا أنه قد تحلل منها لأنه لم يوجب عليه الدم بوطئه قبل التحلل، وأجاز له الإحرام بالحج قبل ذلك ولم يجعله قارناً ولو كان نسكاً لأوجب الدم وكان قارناً، ووجه هذه الرواية أنه محظور في الإحرام فوجب أن يكون في وقته إطلاق محظور كالطيب واللباس وقتل الصيد/ والرواية الثانية: أنه نسك يثاب على قعله ويأثم بتركه، وهو الأصح نص عليه في مواضع فقال في رواية الميموني في المتمتع إذا دخل الحرم: حل له بدخوله كل شيء إلا النساء والطيب قبل أن يقصر أو يحلق فنص على أن التحلل لا يقع من العمرة إلا بعد الحلق والتقصير.
ونقل الميموني عنه أيضاً إذا جامع قبل أن يقصر، فقال ابن عباس: عليه دم وإنما يحل بالحلق أو التقصير، وقال في رواية أبي داود: من دخل بعمرة فلم يقصر حتى كان يوم التروية بهذا لم يحل بعد ويقصر ثم يهل بالحج.
وقال في رواية الأثرم في معتمر حل من عمرته وقصر فوقع على امرأته قبل أن يقصر فعليه دم.
يذبح شاة، ووجه هذه الرواية أنها عبادة لها تحليل وتحريم فوجب أن يقع التحليل منها بمعنى محظور عليه في خلال الإحرام، دليله الصلاة.
تأخير الحلق أو التقصير عن أيام التشريق
:
24 - مسألة: فإذا قلنا: إن الحلاق نسك فأخره عن أيام التشريق فهل يجب عليه بتأخيره دم؟ على روايتين: نقل صالح فيمن لم يحلق حتى مضت أيام منى فإن لم يجىء بدم فأرجو ألا يكون عليه شيء، وكذلك نقل أبو داود.
ونقل مهنا لفظين: أحدهما: مثل هذا، وأنه لا دم عليه والثاني يجب الدم فقال في امرأة حجت فلم تأخذ من شعرها حتى خرجت من مكة بعد أيام التشريق عليها دم، وهكذا الحكم فيه، إذا أخر الطواف عن أيام التشريق هل يجب بتأخيره دم؟ على روايتين مبنيتين على الحلاق إلا أن المنصوص عنه في رواية ابن القاسم أنه قال: لا بأس أن يؤخر طواف الإفاضة حتى يريد الانصراف، فظاهر هذا أنه لا دم عليه.
فإن قلنا: عليه دم فوجهه أنه نسك يجب فعله في الإحرام فوجب أن يكون مؤقتاً كالوقوف والرمي ولا فرق، وإذا ثبت توقيته وجب بالتأخير دم، وإذا قلنا: لا دم عليه وهو أصح فوجهه أنه فعله في وقت جوازه يجب بتأخيره إليه دم، دليله السعي إذا أخره.
ما يجب بالوطء قبل الطواف بعد التحلل الأول
:
25 - مسألة: واختلفت إذا وطىء بعد التحلل الأول وقبل الطواف.
فنقل بكر بن محمد وابن منصور والميموني: عليه شاة.
ونقل الميموني فيمن وطىء وقد بقي عليه شوط: الدم ولكن يأتي ببدته أرجو أن يجزئه، ووجه هذه الرواية ما روي عن ابن عباس ـ رضي الله عنه ـ أنه قال: من وطىء بعد التحلل فحجه تام وعليه بدنة، ولأنه وطء في
الإحرام قبل إباحة الوطء، فوجبت عليه بدنة، كما لو وطىء قبل رمي الجمرة، وإذا قلنا: تجب شاة، وهو أصح فوجهه أنه استمتاع لا يفسد الحج فلم يوجب البدنة دليله واللباس والطيب والحلاق وتقليم الأظافر.
وجوب كفارة الوطء على المرأة المطاوعة:
فنقل جعفر بن محمد ويعقوب بن بختان عليها بدنة كالرجل
26 - مسألة: إذا وطئها في الحج وهي مطاوعة هل يجب عليها بدنة؟
وقد نقل مهنا عنه في الصيام: لا كفارة عليها، فتخرج في الحج روايتان/ إحداهما: ألا كفارة عليها، والثانية عليها كفارة، والوجه لكل رواية ما تقدم في كتاب الصيام.
فإن أكرهها على الوطء، فنقل جعفر بن محمد ويعقوب بن بختان، لا كفارة عليها، لأنه لا يضاف الفعل إليها.
ونقل أبو طالب على كل واحد هدي أكرهها أو لم يكرهها، هكذا قال ابن عباس ـ رضي الله عنه ـ ولأنه ليس فيه أكثر من أنها معذورة، وهذا لا يسقط الكفارة كما لو وطىء ناسياً.
وطء المحرم ناسيا
ً: 27 - مسألة: فإن وطىء ناسياً، فنقل أبو طالب ثلاثة في الحج العمد والنسيان سواء: إذا أتى أهله وإذا أصاب صيداً، وإذا حلق رأسه.
فنقل الفضل بن زياد: يهريق دماً فظاهر هذا أنها شاة، لأنه إنزال بغير مباشرة فلم يجب عليه بدنة كما لو فكرة فأمنى، وقال الخرقي: عليه بدنة لأن هذا إنزال يؤثر في فساد الصوم فأوجب بدنة، دليله الإنزال بالاستمتاع، ومن أصلنا أنه لو كرر النظر فأنزل فسد صومه.
ترتيب جزاء الصيد
:
31 - مسألة: واختلفت في جزاء الصيد هل هو على الترتيب.
فنقل بكر بن محمد: هو بالخيار، في فدية الأذى، وليس هو بالخيار في قتل الصيد، فظاهر هذا أنه على الترتيب كدم المتعة والإحصار، فإن وجد المثل فيما له مثل أخرجه، وإن لم يجده أخرج بقيمته طعاماً فإن لم يجد صام عن كل مد يوماً وإن لم يكن له مثل قومه ونظركم يجىء به طعاماً فيخرجه فإن لم يجد صام عن كل مد يوماً.
ونقل ابن القاسم: هو على ما في القرآن، وكل شيء في القرآن أو في السنة فإنما هو على التخيير، فظاهر هذا أنه على التخيير كفدية الأذى، وهو اختيار الخرقي، وهو أصح، فإن قلنا: أنها على الترتيب فوجهه أنها نفس مضمونة بالكفارة فوجب أن يكون على الترتيب كالآدمي، وإذا قلنا: أنها على التخيير فوجهه أنها كفارة وجبت بإتلاف ما هو مضمون بحرمة الإحرام فوجب أن يكون على التخيير، أصله فدية الأذى، أو نقول: كفارة متعلقة بالإحرام فيها أجناس فكانت على التخيير، دليلة فدية الأذى.
كيفية التخيير في جزاء الصيد
: 32 - مسألة: فإذا قلنا إنها على التخيير على الرواية الصحيحة فقد اختلفت الرواية في كيفية التخيير على روايتين: إحداهما: أنه مخير بين إخراج
المثل من النعم، وبين أن يقوم المثل دراهم والدراهم طعاماً فيتصدق به، وبين أن يصوم عن كل مد يوماً هذا ظاهر كلام أحمد ـ رحمه الله ـ في رواية البغوي فقال: يكفر على ما في الآية، وكذلك الميموني نقل عنه: إن أعطى طعاماً جعله في أهل مكة، فإن أراد أن يصوم بدل الطعام صام.
والرواية الثانية: لا إطعام في جزاء الصيد وإنما هو مخير بين المثل والصيام فأما الإطعام فإنما ذكر في الآية لأجل الصيام.
قال في رواية الأثرم وقد سئل يطعم في جزاء الصيد؟ فقال: إذا جعل الإطعام ليعلم الصيام، فإن قلنا: بهذه الرواية وأنه لا مدخل للإطعام فيها فوجهه أنها نفس مضمونة بالكفارة فلا يكون للإطعام مدخل فيها، دليله الآدمي، وإذا قلنا: له مدخل فيها، وهو أصح فوجهه قوله تعالى: يحكم به ذو عدل منكم هدياً بالغ الكعبة أو كفارة طعام مساكين أو عدل ذلك صياماً قنص لعى الإطعام.
الصيام عن الإطعام في جزاء الصيد
:
33 - مسألة: واختلفت عن كم يصوم يوماً؟
فنقل حنبل وابن منصور: يصوم عن كل صاع بر يوماً.
ونقل الأثرم: يصوم في فدية الأذى عن كل مد يوماً وعن نصف صاع تمر أو شعير يوماً، وهو اختيار الخرقي وأبي بكر، ويمكن أن يحمل قوله عن كل نصف صاع يوماً على أن نصف الصاع من التمر والشعير لا من البر فتكون المسألة رواية واحدة فإن قلنا: عن كل نصف صاع يوماً فوجهه أن البر أحد أنواع الطعام المخرجة في جزاء الصيد فيجب أن يصام عن كل نصف صاع منه يوماً دليله التمر والشعير، وإن قلنا: يصوم عن كل مد يوماً فوجهه أن كل
كفارة كان الإطعام فيها في مقابلة الصيام فإن الصوم عن كل مد يوماً دليله كفارة الظهار والقبلة والوطء في رمضان.
وجوب الجزاء بقتل الصيد خطأ
:
34 - مسألة: واختلفت هل يجب الجزاء بقتل الصيد خطأ؟
فنقل عبد الله وأبو طالب وسندي عليه الجزاء، وهو حيوان مضمون بالكفارة فوجبت بقتله خطأ كالآدمي ولأن ضمانة ضمان الأموال بدليل أنه يختلف بالصغر والكبر كالبهائم، وضمان الأموال يجب في العمد والخطأ.
ونقل صالح: لا جزاء بقتله خطأ، لأنه محظور لحرمة الإحرام ففرق بين عمده وسهوه كاللباس والطيب، وعلى هذه الرواية إذا حلق شعره أو قص ظفره لا كفارة أيضاً لأن ضمان الصيد آكد وقد سقط بالخطأ فأولى أن يسقط ضمان الشعر.
تداخل جزاء الصيد إذا تكرر قبل التكفير
:
35 - مسألة: واختلفت إذا قتل صيداً فلم يكفر حتى قتل آخر.
فنقل حنبل روايتين: إحداهما: عليه جزاء واحد لقوله تعالى: ومن قتله منكم متعمداً فجزاء.
فعلق الجزاء بشرط (من)، والجزاء إذا علق بشرط (من) لم يتكرر بتكرر الشرط بل يقتضي فعل مرة واحدة كقوله:
من دخل داري فله درهم، فلو دخل ألف مرة لم يجب إلا درهم واحد والرواية الثانية عليه لكل صيد جزاء.
نقل ذلك ابن القاسم وسندي، وهو اختيار الخرقي وهو أصح لأنه إتلاف
مضمون ببدل على سبيل التعديل أشبه إتلاف الأموال بتكرار الضمان بتكرار الإتلاف، يبين صحة هذا أنه يختلف بالصغر والكبر، كما يختلف ضمان الأموال، ولأنه حيوان مضمون بالكفارة وإذا تكرر قتله تكررت الكفارة كالآدمي.
مسائل في فوات الحج والأحصار
ما يترتب على فوات الوقوف بعرفة
:
36 - مسألة: واختلفت إذا فاته الوقوف بعرفة بعذر من مرض أو ضل الطريق أو أخطأ العدد أو أبطأ سيره.
فنقل ابن القاسم: عليه القضاء وعليه دم، فظاهر هذا وجوب الأمرين، ونقل الميموني: إذا فاته الحج فليس عليه دم، ويأتي من قابل بما أهل به، فظاهر هذا أن عليه القضاء، ولا دم عليه.
ونقل أبو طالب: عليه الهدى والحج من قابل، ولكن إن كان قد حج الفريضة فليس عليه حج، فظاهر هذا أن القضاء لا يجب ولكن يهدي فإن قلنا: يقضي ويهدي، وهو أصح، فوجهه أنه لم يكمل نسكه بتفريط منه فلزمه القضاء والهدى كما لو أفسده، ولأنه قد جعل له التحلل من نسكه قبل الفراغ منه فلزمه الهدى كالمحصر، وإذا قلنا: يقضي ولا دم عليه فوجهه أن من فاته الحج يتحلل بطواف وسعي كما لو أحصر بتحلل بالهدى، فالهدي في حق المحصر من حيث أنه يتحلل به، كالطواف والسعي في حق الفائت ثم الحصر لا يجب عليه هدى آخر وقد تحلل بالهدى كذلك هذا لا يجب عليه هدى وقد تحلل بطواف وسعي، وقد روى الأسود قال: سألت عمر بن الخطاب رضي الله عنه ـ عمن يفوته الحج فقال: يحل بعمرة في هدى ويحج من قابل فلقيت زيد بن ثابت
بعد ثلاثين سنة، فقال لي مثل ما قال عمر ـ رضي الله عنه ـ، وإذا قلنا: لا قضاء، ولا كفارة، فوجهه: أنه يتحلل من إحرام لم يتخلله فساد فلم يلزمه القضاء، دليله لو أكمل أفعال الحج.
وكل من حل له الخروج من عبادة لم يلزمه القضاء بالتحلل منها، إذا دخل في الظهر يظن أن الشمس قد زالت ثم بان أنها لم تزل فخرج منها فلا قضاء عليه، ولا يلزم عليه المفسد لأنه لم يلزمه القضاء بالتحلل وإنما لزمه بالفساد.
ذبح هدي الإحصار قبل يوم النحر
:
37 - مسألة: واختلفت الرواية في هدي الإحصار هل يجوز ذبحه قبل يوم النحر؟
فنقل الميموني ـ رحمه الله ـ ينحره مكانه ويحل، وظاهر هذا جواز نحره في الحال، وهو قول الشافعي، لأنه دم وجب لارتكاب مباح فلم يختص ذبحه بيوم النحر كسائر الجنايات، ولا يلزم عليه دم التمتع والقرآن لأنه لاارتكاب مباح.
ونقل ابن منصور، وأبو الحارث: لا ينحر إلا يوم النحر، لأنه دم يقع به التحلل فاختص ذبحه بيوم النحر دليله: دم المتعة والقرآن.
الحلق والتقصير على المحصر
: 38 - مسألة: هل على المحصر حلق أو تقصير أم لا؟ قال في رواية الميموني
إذا حصره العدو فإن كان معه هدي نحره مكانه وحل.
وليس عليه شيء أكثر من هذا.
فظاهر هذا أنه ليس عليه حلق ولا تقصير.
وقال في رواية الكوسج في المحصر: يحل من كل شيء وينحر هديه ويحلق ويرجع، وليس عليه قضاء، فظاهر هذا أن عليه الحلق.
وجه الأولى: أن الحلق من توابع الإحرام فلم يكن نسكاً خارج الحرم كالرمي، ولا يلزم عليه الوقوف لأنه ليس من توابعه.
ووجه الثانية: ما روي أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه بالحديبية: قوموا فانحروا ثم احلقوا وكانوا محصرين، ولأنه مأمور بالذبح لأجل الإحلال.
فوجب أن يكون مأموراً بالحلق كما لو لم يحصر، ولأن أحمد قد نص على أن الحلاق في غير الحرم نسك.
فقال في رواية أبي داود ومهنا فيمن حلق خارج الحرم ما أعلم عليه شيئاً.
ولا بأس حلق في الحرم أو غير الحرم.
القضاء على المحصر في حج التطوع
:
39 - مسألة: واختلفت في المحصر في حجة التطوع هل يلزمه القضاء؟
فنقل ابن القاسم: ينحر الهدي ولا قضاء عليه، وهو أصح، لأنه تحلل من إحرام لم يتخلله ما يوجب القضاء فلم يلزمه القضاء، كما لو أكمل الأفعال، ولأن الهدى في حقه أقيم مقام بقية أفعال الحج وبدلاً عنها، بدليل أن يحل به كما يحل بإكمال الأفعال.
ونقل أبو طالب: عليه الحج من قابل، لأنه خروج من النسك قبل التمام فلزمه القضاء كالفائت.
مسائل في
الإحرام لدخول مكة
وتجاوز الميقات قبل الإحرام
الإحرام لدخول مكة:
40 - مسألة: واختلفت إذا أراد دخول الحرم غير مريد للنسك ولا خائف لقتال بل لحاجة لا تكرر مثل أن يدخل لتجارة أو زيارة أو رسالة هل يجوز بغير إحرام؟
فنقل أحمد بن القاسم وسندي الخواتيمي عنه: الجواز، وسئل إن لم يرد حجاً ولا عمرة هل يدخلها بغير إحرام؟
فقال: قد رخص للحطابين وللرعاة، وقد دخلها ابن عمر بغير إحرام لما رجع من بعض الطريق، فقيل له: يقولون: ابن عمر لم يبلغ الميقات، فمن أجل ذلك دخل بغير إحرام، فقال: الميقات وغيره سواء قد دخل مكة بغير إحرام فقيل له: والنبي ـ صلى الله عليه وسلم دخلها يوم الفتح بغير إحرام.
فقال ذاك من أجل الحرب، فظاهر هذا أنه لا يجب عليه دخولها بإحرام.
ونقل عبد الله: لا يدخلها أحد بغير إحرام، فظاهر هذا أنه يجب عليه الإحرام، ولا يجوز دخولها بغير إحرام، ووجه هذه الرواية أن كل من لا يتكرر دخوله إلى مكة إذا دخلها بغير قتال لزمه الإحرام كما لو دخلها مريداً للنسك، ولأنه لو نذر المشي إلى بيت الله الحرام أو نذر دخول مكة لزمه أن يدخلها بأحذ النسكين أما بحج أو عمرة، فلولا أنه نسك يختص بدخولها لما
وجب عليه غير ما نذره وهو الدخول فقط، وإذا قلنا لا يلزمه الإحرام، وهو اختيار الخرقي ـ رحمه الله ـ لأنه قال: وهذه المواقيت لأهلها ولمن مر عليها من غير أهلها ممن أراد حجاً أو عمرة لأنه غير مريد للنسك فلم يلزمه الإحرام كما لم تكرر دخوله بأن يكون حطاباً فإن الرواية لا تختلف أنه لا يلزمه الإحرام ولأنها قربة مفعول لحرمة المكان فلم تكن واجبة بالشرع كتحية المسجد.
الدم على من يقضي نسكاً فاسداً لإحرامة في الفاسد بعد الميقات:
41 مسألة: إذا جاوز الميقات غير محرم ثم أحرم بحجة أو عمرةٍ ثم جامع فيها فإن عليها القضاء فإن قضى فهل يسقط عنه الدم لترك الميقات؟.
فيه روايتان: إحداهما: لا يسقط نص عليه في رواية ابن منصور.
ونقل مهنا عنه إذا جاوز الميقات فأحرم بعمرة ثم أفسدها يرجع إلى الميقات فيحرم منه.
فقيل له: ولا يكون عليه شيء لتركه الميقات أول مرة، قال: لا.
وجه الأولى: أن كل دم لم يسقط عنه إذا لم يوجد القضاء لم يسقط عنه وإن وجد القضاء، دليله الدم الواجب باللباس والطيب، وقتل الصيد في الإحرام الفاسد.
ووجه الثانية: أن الدم قائم مقام النسك المتروك وهو الإحرام في الميقات فإذا قضى ذلك الإحرام من الميقات فقد فعل المتروك فسقط الدم ألا ترى أنه لو لم يفسد الإحرام ثم عاد إلى الميقات سقط عنه.
الدم على من جاوز الميقات غير أهل للنسك ثم صار أهلاً فأحرم دون الميقات:
42 - مسألة: واختلفت في الكافر إذا جاوز الميقات، وأسلم قبل فوات الحج فأحرم من موضعه ولم يرجع إلى الميقات هل عليه دم أم لا؟.
فنقل أبو طالب: إذا خشي الفوات أحرم من مكة وعليه دم.
ونقل حنبل عنه: أن عطاء يقول: في الذمي يسلم بمكة يخرج إلى الميقات.
قال أحمد: يحرم من مكة من موضع أسلم، فظاهر هذا أنه لم يوجب عليه دم لأنه لم يذكر الدم، فإن قلنا: لا دم عليه فوجهه: أنه حال مجاوزته الميقات لا يصح منه إحرام فلا يلزمه أحكام الدماء كالصبي والمجنون، وإذا قلنا: عليه دم، وهو اختيار أبي بكر، وهو أصح فوجهه: أنه جاوز الميقات مريداً للنسك وأحرم دونه فكان عليه دم كالمسلم بل هذا أولى، لأن المسلم جاوز مريداً ولم يفعل، وهذا جاوز الميقات، وفعل ولكن لم ينعقد.
تداخل جزاء الصيد والمحظورات للعمرة والحج بالقران
:
43 - مسألة: في القارن إذا قتل صيداً أو أتى محظوراً هل يجب عليه كفارة واحدة.
فنقل ابن القاسم وسندي عليه جزاء واحد، وكذلك نقل ابن منصور: إذا تطيب أو حلق شعراً فجزاء واحد، وتتخرج رواية أخرى: عليه جزاءان على الرواية التي تقول عليه طوافان وسعيان، ووجه هذه الرواية أنه أدخل النقص على إحرامين بقتل الصيد، فلزمه جزاءان كما لو أفرد بالحج والعمرة، وإذا قلنا: جزاء واحد، وهو أصح، فوجهه أنهما حرمتان يجب بهتك كل واحدة منهما جزاء، فإذا اجتمعا وجب لأجلهما جزاء.
كحرمة الحرم والإحرام.
ضمان الجراد في الإحرام
: 44 - مسألة: واختلفت في الجراد هل يضمنه المحرم؟ فنقل حنبل إذا أصاب المحرم الجراد تصدق عن كل جرادة بتمرة، وقال في موضع آخر في الجراد والسمك: لا بأس بأكلهما للمحرم ليس لهما ذكاة، فإن
قلنا: لا جزاء فيه، فوجهه ما روى النجاد بإسناده عن أبي هريرة قال كنا مع رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم في حج أو عمرة فاستقبلنا رجل من جراد، فجعلنا نضربهم بأياطنا وعصينا، فقتلناهن، فقلنا: ما نصنع ونحن محرمون، فسألنا رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم فقال: لا بأس بصيد البحر ولأن ذكاته ميتة فلا جزاء فيه، دليله السمك، وإذا قلنا يضمن بالجزاء فوجهه ما روي عن ابن عمر وابن عباس في الجراد قبضة من طعام، ولأنه صيد يؤكل يعيش جنسه في البر فأشبه الظباء، يبين صحة هذا أن المرجع في صيد البر والبحر إلى المشاهدة، فلما كان الجراد مأواه البر ورعيه وعيشته فيه ثبت أنه من صيده.
الجزاء في الثعلب
:
45 - مسألة: واختلفت في الثعلب هل يضمن بالجزاء.
فنقل حنبل: إنما جعلت الكفارة في الصيد المحلل أكله، فظاهر هذا أنه لا كفارة فيه، لأنه قد نص على تحريم أكله، وكل حيوان حرام أكله لم يضمن صيده بالجزاء كالسباع.
ونقل ابن القاسم وسندي الخواتيمي: إنما يقوم المثل ولا يقوم الصيد ولا يقوم ثعلب ولا حمار وحش فظاهر هذا أن الثعلب مضمون، ولكن القيمة لا تقع عليه.
وهذا أيضاً مبني على إباحة أكله فوجب أن يضمن كالغزال، وقد قال في رواية حنبل: إنما الجزاء في الصيد المحلل أكله.
وقال أبو بكر ـ رحمه الله ـ في كتاب الخلاف: وما لا يؤكل لا جزاء ولا فدية على أحد القولين، وفي الآخر يفدي الثعلب والسنور، وقد قال: في السنور الأهلي وغير الأهلي فيه حكومة في رواية ابن منصور، لأن أكثر ما فيه أنه غير مأكول، وهذا لا يمنع الجزاء كالسبع وهو المتولد بين الذئب والضبع فإن فيه الجزاء، والمذهب أنه لا جزاء في ذلك، لأنه متولد من بين ما لا يحل أكل شيء من لحم جنسه بحال، فلا جزاء فيه كالذئب والسبع.
ولا يلزم عليه السمع لأنه متولد من بين ما يحل أكل شيء من لحم جنسه وهو الضبع.
قتل القمل في الإحرام
:
46 - مسألة: واختلفت الرواية في المحرم هل يجوز له قتل القمل؟
فنقل مهنا روايتين: قال في إحداهما يقتل البرغوث، فقيل له: يقتل القملة؟ قال: لا.
وقال في موضع آخر، وقد سئل يقتل القملة؟ قال كل شيء من جسده فلا بأس بقتله إذا آذاه، وموضع الروايتين إذا ألقاها مما بين الشعر من رأسه أو بدنه أو لحمه، فأما أن ألقاها من ظاهر بدنه أو ثيابه، أو بدن محل أو محرم فهو جائز ولا شيء عليه رواية واحدة، فإن قلنا: أن ألقاها من بين بشعره وبدنه ولا فدية عليه فوجهه أنها من الإنسان وليس بصيد، ولو كانت صيداً فإنها لا تؤكل، ولا تولدت من مأكول فلم يمنع من إلقائها فهو كما لو ألقاها من ظاهر بدنه وإذا
قلنا ليس له ذلك ويفديها فلأنه ترفه بإلقائها، وأزال الأذى فهو كفدية الأذى.
موضع شعار الهدى
:
47 - مسألة: واختلفت هل يشعر الهدى في صفحته اليمنى أم اليسرى؟
فنقل ابن منصور: في صفحته اليمنى.
لما روى ابن عباس أن ـ النبي صلى الله عليه وسلم ـ أشعر بدنته من الجانب الأيمن.
ونقل حنبل: من الجانب الأيسر.
لما روى عن ابن عمر أنه أشعر بدنته من الشق الأيسر.
اشتراط المحرم لوجوب الحج على المرأة
:
48 - مسألة: واختلفت في المحرم هل هو من شرائط الوجوب أم من شرائط الأداء؟
فنقل عنه أبو داود في امرأة موسرة لم يكن لها محرم هل يجب الحج عليها؟ قال: لا، فظاهر هذا أنه من شرائط الوجوب.
ونقل محمد بن علي الجوزجاني في امرأة ليس لها ولي هل تعطي من يحج
عنها؟ فقال: إذا أيست تعطي من يحج عنها في حياتها، فظاهر هذا أنه قد أوجب عليها، وقوله تعطي من يحج عنها محمول على أنها قد صارت معضوبة، فإن قلنا هو من شرائط الوجوب، فوجهه أن عدم المحرم لما أسقط لزوم السعي والأداء بنفسها وما لها، دل على أنه من شرائط الوجوب وإذا قلنا: ليس بشرط في الوجوب فوجهه أنها حرة بالغة مسلمة واجدة للزاد والراحلة فلزمها فرض الحج وإن لم يلزمها السعي والأداء كالمعتدة، وعلى هاتين الروايتين تخليه الطريق وإمكان السير هل هو شرط في الوجوب أم في لزوم السعي؟ يتخرج على روايتين.
ذبح الكتابي الأضحية المسلم وهديه
:
49 - مسألة: واختلفت هل يجوز أن يذبح الأضحية والهدى كتابي؟
فنقل ابن منصور: أما اليهودي والنصراني فلا يذبح النسك.
ونقل حنبل لا بأس أن يذبح اليهودي والنصراني نسك المسلم فإن قلنا: لا يجوز فوجهه أن ما لم يجز أن يتقرب به الكافر عن نفسه لم يجز أن يفعله عن المسلم كالحج، وإذا قلنا: يجوز، وهو أصح فوجهه أن كل من كان من أهل الذكاه جاز أن يتولى ذبح الأضحية والهدي كالمسلم، ولأن القربة إنما تعتبر في الأضحية حال إيجابها ونذرها دون الذبح بالآلة، بدلالة أن من نذر أضحية ثم نسي فذبحها يظن أنها شاة لحم أجزأت عنه وإن كانت القربة منعدمة.
تأخير صيام التمتع والقرآن عن أيام الحج
: 50 - مسألة: إذا أخر المتمتع الصيام عن أيام الحج هل يلزمه مع القضاء دم لأجل التأخير أو أخر ذبح الهدى مع القدرة عليه عن وقته هل يلزمه دم آخر للتأخير فيه روايتان: إحداهما: عليه دم التأخير نص عليه في رواية أبي طالب: إذا لم يصم حتى
جاز أيام النحر صام إذا رجع وعليه دم، وكذلك نقل المروذي ويعقوب بن بختان: إذا لم يهدِ إلى قابل عليه هديان.
والثانية: لا دم عليه للتأخير نص عليه في الرواية ابن منصور في متمتع لم يذبح حتى رجع إلى أهله يبعث بالدم إذا كان ساهيا.
والعامد عليه دم واحد إلا أنه قد أساء.
والثالثة: التفرقة إن كان التأخير من عذر، وهو تعذر ما يشتريه أو ضيق نفقة فلا دم عليه، وإن كان لغير عذر فعليه دم نص عليه في رواية حرب.
في متمتع رجع إلى بلاده ولم يهد يجزئ عنه دم واحد إذا كان له عذر، وبعضهم يقول: عليه دمان، وهذا لم يكن له عذر، وجه الأولى ما احتج به أحمد من حيدث علي بن بذيمة عن مولى ابن عباس قال: تمتعت فنسيت أن أنحر، وأخرت هديي فمضت الأيام فقال ابن عباس: أهد هديين، ولأنه صوم مؤقت وجب على وجه البدل فجاز أن يجب بتأخيره جبران دليله قضاء رمضان، وإذا ثبت هذا في الصوم قسنا تأخير الهدي عليه بعلة أنه أحد موجبي المتعة.
فجاز أن يجب بتأخيره هدي كالصوم.
ووجه الثانية: أن هذا صوم يجب بتأخيره عن وقته قضاء فلم يجب بتأخيره فدية .. دليله شهر رمضان إذا أخره عن الشهر بمرض أو سفر.
ووجه الثالثة: أن للعذر تأثيرا في إسقاط الجبران بدليل أن اللابس والمتطيب ناسيا ومن قدم الحلاقة على الذبح أو على الرمي ناسيا فلا دم عليه؛ لأن النسيان عذر كذلك هاهنا.
تحلل المتمتع الذي ساق الهدي قبل يوم النحر: 51 - مسألة: المتمتع الذي ساق الهدي هل يحل قبل يوم النحر على روايات:
إحداها: لا يحل نص عليه في رواية حنبل فقال: إذا قدم في أشهر الحج وقد ساق الهدي لا يحل حتى ينحر والعشر آكد، إذا قدم في العشر لا يحل.
والثانية: يحل بقدر التقصير فقط، نص عليه في رواية أبي طالب عنه في الذي يعتمر قارنا أو متمتعا ومعه الهدي، يقصر من شعره، ولا يمس شاربه ولا لحيته، ولا أظافره كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم.
والثالثة: يحل من جميع الأشياء.
قال في رواية حرب ويوسف بن موسى فيمن قدم متمتعا وساق الهدي: فإن قدم في شوال نحر الهدي وحل، وعليه هدي آخر، وإذا قدم في العشر أقام على إحرامه ولم يحل إلا مقدار التقصير، وهذا يقتضي أن مسوق الهدي لا يمنع التحلل، وإنما يستحب له المقام على إحرامه إذا دخل في العشر؛ لأنه لا يطول تلبسه بالإحرام، وإذا دخل قبل العشر طال تلبسه فيؤدي إلى مواقعة المحظور.
وجه الأولى: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما فسخ الحج على أصحابه قال: من ساق الهدي فلا يحل، فجعل سوق الهدي علة في منع التحلل.
ووجه الثانية: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان قد ساق الهدي وقصر من رأسه ولأنه لا يمتنع أن يحل من بعض الأشياء كالمفرد يحل بالرمي مما عدا الوطء ودواعيه.
ووجه الثالثة: أنه متمتع أكمل أفعال عمرته فجاز له التحلل دليله إذا لم يسق للهدي.
المفاضلة بين مكة والمدينة:
52 - مسألة: واختلفت أيما أفضل المقام بمكة أم بالمدينة؟
فنقل أبو داود عنه أنه قال: المدينة لمن قوي عليها.
ونقل عبد الله عنه قال النبي صلى الله عليه وسلم لمكة: والله إنك لخير أرض الله وأحب البلاد إلى الله، ولولا أني أخرجت منك لما خرجت.
فإن قلنا: المدينة أفضل فوجهه ما روى أبو رافع قال: خطب مروان بمكة فذكر فضائلها ولم يذكر المدينة فلما نزل قلت له: أين ذكر المدينة؟ أشهد لسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: المدينة أفضل من مكة، وروى رافع بن خديج أن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: اللهم إنهم أخرجوني من أحب البقاع إلي، فأسكني أحب البقاع إليك، وقوله: أمرت بقرية تأكل القرى، يقولون يثرب وهي المدينة، ولا معنى لقوله تأكل القرى إلا لرجحان فضلها؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم مخلوق منها
وهو خير البشر، وتربته أفضل الترب، ولأن فرض الهجرة إليها يوجب كون المقام بها طاعة وقربة، والمقام بغيرها ذنبا ومعصية، فدل على فضلها، وإذا قلنا مكة أفضل، وهو الأصح فوجهه ما روى ابن عباس رضي الله عنه قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة ثم التفت إليها وقال: أنت أحب البلاد إلى الله وأنت أحب البلاد إلي، ولولا أن قومك أخرجوني منك ما خرجت.
وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: صلاة في المسجد الحرام تعدل مائة ألف صلاة، وصلاة في مسجدي هذا تعدل ألف صلاة.
وهذا نص في (أن) ثواب الأعمال في مكة أكثر من ذلك في المدينة ولأنها تختص بأن دخولها لا يجوز بغير إحرام، وأنها محل النسك والهدايا، ويضمن صيدها وشجرها بالجزاء، والمدينة بخلاف ذلك، فدل على فضلها.