كتاب الجنائز
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- أبو يعلى ابن الفراء
- الكتاب
- المسائل الفقهية من كتاب الروايتين والوجهين
- المؤلف
- القاضي أبو يعلى، محمد بن الحسين بن محمد بن خلف المعروف بـ ابن الفراء (المتوفى: 458هـ)
- المحقق
- د. عبد الكريم بن محمد اللاحم
- الناشر
- مكتبة المعارف، الرياض
- الطبعة
- الأولى (1405هـ - 1985م) أعده للشاملة/ فريق رابطة النساخ برعاية (مركز النخب العلمية) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
مسائل في عيادة المريض
عيادة أهل الذمة:
ـ مسألة واختلفت هل يكره للمسلم عيادة اليهودي والنصراني؟
فنقل جعفر بن محمد: كراهية ذلك.
وقال: لا، ولا كرامة لما روي عن ـ النبي صلى الله عليه وسلم ـ أنه قال: لا تبدأهم بالسلام.
ونقل أبو منصور الأصبهاني جواز ذلك لما روى أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم ـ عاد يهودياً ونصرانياً فقال: كيف أنت يا يهودي، كيف أنت يا نصراني؟
وروى أنس أن النبي كان إذا عاد رجلاً على غير دين الإسلام لم يجلس عنده.
فأما تعزية الذمي فإنه يخرج على روايتين كالعيادة.
مسائل في تغسيل الميت
تغسيل المرأة من فوق الثياب إذا لم يوجد امرأة تغسلها
:
2 - مسألة: واختلفت في المرأة إذا ماتت مع الرجال وليس هناك امرأة أو مات الرجل مع النساء وليس هناك رجل.
فنقل حرب: ييمم وهو أصح.
لأن الغسل إذا تعذر أقيم التيمم مقامه كالحي.
ونقل حنبل لفظين: أحدهما مثل هذا.
والثاني: تغسل من فوق ثوب، لأن الغسل واجب، وإنما سقط ها هنا لأجل ما فيه من النظر إلى الصورة، فإذا غسلت في ثيابها فليس فيه إظهار لصورتها.
تغسيل الخنثى من فوق الثياب
:
3 - مسألة: واختلفت في الخنثى.
فنقل محمد بن عبده: أنه ييمم، لأنه يحتمل أن يكون ذكراً، فلا يغسله النساء، ويحتمل أن يكون أنثى، فلا يغسله الرجال.
ونقل أحمد بن العباس بن أشرس أنه يغسله الرجال ويصلون عليه.
ومعناه أنه يغسل من فوق ثوب كما قلنا في الرجل إذا مات بين النساء، والمرأة بين الرجال.
تغسيل الرجل لزوجته
:
4 - مسألة: واختلفت في الرجل هل يغسل زوجته.
فنقل حنبل: جواز ذلك، لأن كل فرقة حصلت بالوفاة لم تحرم الغسل، كما
لو مات الزوج، وكل شخص حل له غسل شخص حل لذلك الشخص غسله كالأخوين والأختين.
وتوقف عنه في رواية صالح وعبد الله والأثرم، وهو ظاهر كلام الخرقي ـ رحمه الله ـ لأن له أن يتزوج أختها وأربعاً سواها فوجب أن يمنع من غسلها كالأجنبية.
عدم نجاسة الآدمي بالموت
:
5 - مسألة: واختلفت هل ينجس الآدمي بالموت؟
فنقل صالح وأبو الحارث ما يدل على نجاسته فقال: الآدمي إذا مات في الماء فهو نجس ينزح.
وسأله المروذي عن الماء الذي ينتضح من غسل الميت فيصيب الثوب أو الخف يرى أن يغسل قال: نعم، لأنه حيوان لا يؤكل لحمه بعد الموت فحكم بنجاسته كسائر الحيوانات غير السمك والجراد ونقل جعفر بن محمد ما يدل على طهارته فقال: سألته عن الميت يغسل في البيت فيدخل الماء الحفيرة ينجس البيت؟ قال: لا، ولكن يرش عليه فلو كان نجساً لحكم بنجاسة الماء.
وقال في رواية مهنا: يصلي في الثوب الذي نشف فيه الميت ولو كان نجساً لم يطهر بالغسل، فإذا لم يطهر وجب أن ينجس الثوب الذي نشف فيه ويمنع من الصلاة فيه.
وهو أصح لما روي عن النبي أنه قال: لا تنجسوا موتاكم فإن المسلم لا ينجس حياً ولا ميتاً.
ولأنه شرع غسله، فلو كان نجساً لم يطهر بالغسل.
عدم نجاسة أعضاء الآدمي بانفصالها عنه حال الحياة
:
6 - مسألة: واختلفت أيضاً في الأعضاء إذا انفصلت عنه في حال الحياة هل هي نجسة أم لا؟
فنقل المروذي في الرجل ينقلع ضرسه ثم يرده إلى موضعه فيمكث أياماً فيصلي فيه ثم ينقلع فقال: كان الشافعي يقول: يعيد لأنه صلى في ميتة وأما بعد ما قال.
بل لو أخذ سن شاة فوضعه لم يكن به بأس وذهب إلى أن يعيد ما صلى.
وكذلك نقل إسحاق بن إبراهيم، وهو أصح، لأنه ما شرع غسله فكان نجساً.
ونقل الأثرم عنه في الرجل يقتص منه من أذن أو أنف فيأخذ المقتص منه فيعيد، بحرارته فيثبت هل تكون ميتة؟ فقال: أرجو أن لا يكون به بأس.
وكذلك نقل صالح فيمن قطع عضواً من أعضائه فأعاده مكانه فلا بأس.
فقيل له يعيد سنه؟ قال: أما سن نفسه فلا بأس، وهذا يدل على الطهارة لأنه بعض من الجملة فلما كانت الجملة طاهرة كانت أبعاضها طاهرة.
مسائل في الصلاة على الجنازة وحملها
ما يوضع على الميت في قبره
:
7 - مسألة: واختلفت هل الأفضل أن يجعل على الميت في قبره القصب أم اللبن؟
فنقل الميموني عنه وقد سئل: أيما أحب إليك اللبن أو القصب؟ فقال: اللبن.
لما روى عن سعيد أنه قال: اصنعوا بي كما صنع برسول الله، انصبوا على اللبن وهيلوا على التراب.
ونقل عبد الله بن محمد الفقيه: القصب أحب إليَّ، لأن النبي وضع على قبره طن قصب: وروي عن الشعبي قال: جعل على لحد النبي طن قصب.
وقال عمرو بن شرحبيل: اطرحوا على قبري طناً من قصب فإنني رأيت المهاجرين يستحبونه على ما سواه.
الصلاة على شهيد المعركة
:
8 - مسألة: واختلفت في الصلاة على شهيد المعركة.
فنقل صالح: لا يصلى عليه، وهو اختيار الخرقي، لأنه لا يغسل مع إمكان الغسل.
فلم يصل عليه كالسقط.
ونقل إسحاق بن هانىء: إذا قتل في المعركة لا يغسل ويصلى عليه، لأن الامتناع من الصلاة يكون لانقطاع الموالاة ووجوب البراءة كالكافر، والشهادة تؤكد الموالاة فلم يمنع من الصلاة.
الصلاة على شهيد غير المعركة
:
9 - مسألة: واختلفت في شهيد غير المعركة مثل الذي يقتله للصوص ومن قتل ظلماً دون ماله ونفسه عمداً.
فنقل صالح وأبو الحارث: أنه كشهيد المعركة لا يغسل، وهل يصلى عليه؟ على روايتين: لأنه قتل بغير حق، ولا وجب عليه غسل في حال الحيال أشبه شهيد المعركة.
ونقل أبو طالب: أنه كسائر الأموات يغسل ويصلى عليه، لأنه مات في غير معركة المشركين أشبه سائر الأموات.
الصلاة على العادل إذا قتله الباغي:
وأما العادل إذا قتله الباغي فهو يغسل ويصلى عليه يخرج على روايتين:
إحداهما: لا يغسل، لأنه قاتل عن الدين فهو كما لو قتل في معركة المشركين وهو اختيار أبي بكر.
والثانية: يغسل ويصلى عليه، لأنه قتل في معركة المسلمين فهو الباغي إذا قتل.
تغسيل أبعاض الميت والصلاة عليها
:
10 - مسألة: واختلفت في أبعاض الميت هل تغسل.
ويصلى عليها كالجملة أم تدفن؟ على روايتين.
فنقل عبد الله وصالح وأبو الحارث في الميت يوجد منه يد أو رجل: تغسل ويكفن ويحنط ويصلى عليه لأنه بعض من الجملة لا يزال.
عنها في حال السلامة انفصل عنها بعد وجوب الصلاة عليها فوجب غسله والصلاة عليه كما لو وجد الأكثر أو نقول: اليد تضمن بالدية فجاز إفرادها بالصلاة كالجملة.
ونقل أبو منصور: لا يصلى على الجوارح.
قال أبو بكر: قد خالف ابن منصور أصحابه المتقدمين والمتأخرين والعمل على ما رواه الجماعة.
ويجب أن يكون ما نقله محمول على أن الموجود قليل أقل من النصف، فأما إن كان كثيراً، فإنه يغسل ويصلى عليه رواية واحدة.
ووجه ما نقله ابن منصور أنه أقل من أكثره فلم تجب الصلاة عليه كما لو قطعت يده بقصاص أو سرقة وكالشعر وقلامة الأظافر.
سقوط الغسل للميت بالحرق إذا خيف تلاشيه بالغسل
: 11 - مسألة: واختلفت في المحترق إذا مات حتف أنفه وخيف عليه إن غسل أن يتلاشى هل يصلى عليه من غير غسل؟
فنقل أبو طالب: يكفن ويصلي عليه من غير غسل، لأنه إذا كان على هذه الصفة كان الغسل مثله له، وقد نهى النبي عن المثلة.
ونقل ابن منصور: ييمم ويصلى عليه، لأن الغسل إذا تعذر أقيم التيمم مقامه اعتباراً بحالة الحي، وهذه الرواية أصح.
ويمكن أن يحمل قوله لا يغسل إذا لم يمكن أن ييمم أيضاً.
فإن أمكن ذلك فإنه ييمم.
صفة التربيع في حمل الجنازة
:
12 - مسألة: واختلفت في صفة التربيع.
فنقل أحمد: أنه يبدأ بالرأس، ويختم بالرجل.
لأن ما يلي رأس الميت حال كمال، ولهذا مشى أمامها، ويقف مما يلي رأس الرجل في الصلاة فتجب البداية به في الحالين لما فيه من الكمال، ويختم بالرجل لما فيه من النقصان.
ونقل بكر بن محمد: إن بدأ بالرأس وختم بالرأس فلا بأس فظاهر هذا أنه مخير، لأن القصد حمل الميت، وهذا المعنى يحصل إذا بدأ بالرأس.
تقديم الزوج على الأب وابن في الصلاة على زوجته
:
12 - مسألة: واختلفت في الزوج هل (له) ولاية في الصلاة على زوجته؟
فنقل محمد بن الحكم: إذا ماتت ولها زوج وأخ فالزوج أولى من الأخ أذهب إلى حديث أبي بكر لما روي عن ابن عباس وابن وأبي بكرة أنه أحق بغسلها والصلاة عليها.
ولأنه ذكر لا يسقط إرثه منها بحال أشبه الأب
والابن ولأن السلطان مقدم على العصبات.
ونقل حنبل: إذا حضر الأب والأخ والزوج، فالأب والأخ أولى من الزوج.
فإن لم يكن إلا الزوج فهو أولى، وذلك لأن الصلاة على الميت طريقها الولاية.
ألا ترى أنه لا مدخل للنساء فيها لأنهن لسن من أهل الولاية، والزوج لا مدخل له في الولايات.
تقديم جنازة الصبي إلى الإمام على جنازة المرأة حال الصلاة
:
14 - مسألة: واختلفت إذا اجتمعت جنازة صبي وامرأة هل يقدم الصبي مما يلي الإمام أم المرأة؟ فنقل صالح وأبو الحارث: إذا اجتمع رجل وصبي وامرأة، فالرجل مما يلي الإمام والصبي خلفه والمرأة خلفهما.
فقدم الصبي على المرأة لأنه إجماع الصحابة.
روى عمار بن ياسر قال: شهدت جنازة أم كلثوم ابنة علي بن أبي طالب كرم الله وجهه وابنها فوضع الغلام مما يلي الإمام والمرأة خلفه وفي الناس عبد الله بن عباس والحسن والحسين وابن عمر، وأبو هريرة وثلاثون نفساً من الصحابة.
ولأنه لما كان الصبي يتقدم من الإمام والمرأة تتأخر وراءه كذلك في باب الجنازة مثله.
ونقل أن المرأة مقدمة على الصبي
وهو اختيار الخرقي، لأن المرأة يتبعها في الإسلام، فيجب أن تتقدم على الصبي في الصلاة والدفن كالرجل.
تقديم جنازة الصبي الحر إلى الإمام على جنازة المملوك حال الصلاة
:
15 - مسألة: واختلفت إذا اجتمع صبي ومملوك أيهما يقدم؟
نقل صالح: إذا اجتمع جنازة صبي ومملوك، فالمملوك يلي الإمام والصبي يلي المملوك، لأن المملوك ذكر مكلف فقدم على الصبي كالحر.
ونقل أبو الحارث: إدا اجتمع جنازة صبي ورجل حر ومملوك فالرجل يلي الإمام، والصبي يلي الرجل، والعبد يلي الصبي.
فأخر المملوك وقدم الصبي، لأن الصبي من جنس أهل الكمال، وهم الأحرار، فكان مقدماً على العبد.
ولا تختلف الرواية أن الحر البالغ مقدم على العبد لما فيه من الكمال.
ونقل أبو الحارث عنه: فإن صلى على حر وعبد يصير أكبرهما مما يلي الإمام قال أبو بكر: أخطأ أبو الحارث ولم يضبط، والعمل على ما رواه الباقون يعني من تقدمة الحر.
متابعة الإمام فيما زاد على الأربع في التكبير على الجنازة
:
16 - مسألة: واختلفت إذا كبر الإمام زيادة على الأربع هل يتبعه المأموم؟
على ثلاث روايات:
نقل حرب: لا يتبعه، لأن كل تكبيرة قائمة مقام ركعة، وقد ثبت أن التكبير المشروع أربع، فإذا زاد على ذلك لم يتبعه، كما لو زاد ركعة في صلاة الفرض.
ونقل الأثرم: يتبعه في خمس ولا يتبعه فيما زاد على ذلك، لأن الأخبار مختلفة في ذلك: فروي أن ـ النبي صلى الله عليه وسلم ـ كبر على زيد بن أرقم خمساً، وروى
أنه كبر على النجاشي وعلى سكينة أربعاً.
وإذا اختلفت الأخبار جاز الأخذ بالأكثر.
دليله تكبيرات العيد.
ونقل ابن منصور: لا يزاد على سبع، وظاهر هذا أنه يتبعه إلى سبع ولا يتبعه فيما زاد عليه، وكذلك نقل أبو حفص الدينوري: إذا كبر الإمام سبعاً لا يسبح به وهو اختيار الخرقي، وهو أصح لما
روى الزبير بن العوام قال: صلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم على حمزة فكبر سبع تكبيرات.
وروى عبد الله بن يزيد أن علياً كبر على أبي قتادة سبعاً.
وعن بكر بن عبد الله قال: لا ينقص من ثلاث ولا يزاد على سبع.
قال أبو حفص: ولأن السبع قد جعلت حداً في مواضع منها في غسل الولوغ، وغسل الميت إذا انتقض وتكبير العيدين في الركعة الأولى، وخلق السموات والأرض والأيام والبحار سبع.
الاستفتاح في صلاة الجنازة
:
17 - مسألة: واختلفت هل يستفتح في صلاة الجنازة فنقل أحمد بن الحسين وحسان: يستفتح، ويستعيذ، لأن محله موجود وهو افتتاح فكان مشروعاً، ألا ترى أن القراءة لما كان محلها موجوداً وهو القيام لم تسقط.
ونقل أحمد بن علي الوراق، وأحمد بن واصل وقد سئل هل يقول سبحانك اللهم وبحمدك؟ فقال: ما سمعت أن أحداً قال هذا لأن هذه الصلاة مبناها على التخفيف ألا ترى
أنه يسقط فيها قراءة السورة بعد الفاتحة والتشهد.
وأما الاستعاذة فإنها تخرج على روايتين أيضاً كالاستفتاح.
الدعاء بعد التكبيرة الرابعة في صلاة الجنازة
:
18 - مسألة: إذا كبر الرابعة هل يدعو بعدها أم لا؟
فنقل أبو داود أنه يدعو بعد الرابعة ثم يسلم لما روى إبراهيم الحربي قال: رأيت عبد الله بن أوفى وكان من أصحاب النبي ـ صلى الله عليه وسلم وماتت ابنة له فكبر عليها أربعاً ثم قام بعد ذلك قدر ما بين التكبيرتين يدعو ثم قال: هكذا كان رسول الله يصنع على الجنازة.
وفي لفظ آخر: كبر عليها أربعاً وسكت حتى ظننا أنه سيكبر الخامسة حتى قال من خلفه: سبحان الله ثم انصرف.
فقال: لعلكم ظننتم أني أكبر الخامسة قالوا: نعم.
قال: إني رأيت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم فعل مثل ذلك الذي فعلت.
وروى أن علياً كبر على ابن المكفف أربعاً ثم قام هنيهة يدعو ثم سلم ولم يكبر الخامسة.
ونقل حرب: إذا كبر الرابعة وقف قليلاً ثم يسلم ولا يقول شيئاً.
ولأن العبادة إذا توالى فيها التكبير، فإنما يكون الذكر بين كل تكبيرتين، ولا يكون عقب الأخيرة كصلاة العيد إنما يتخلل الذكر بين التكبيرتين، فأما السابعة فلا ذكر بعدها، وإنما يتشاغل بالقراءة كذلك هاهنا يجب أن يتشاغل بالسلام.
انتظار المسبوق في صلاة الجنازة ليدخل مع الإمام في تكبيرة لم يسبق بها
: 19 - مسألة: واختلفت إذا أدرك الإمام في أثناء صلاة الجنازة هل ينتظر تكبيرة ليدخل معه أم يكبر في الحال؟
نقل بكر بن محمد عن أبيه: أنه ينتظر حتى يكبر الإمام ولا يكبر لأن كل تكبيرة منها قائمة مقام ركعة، ولو فاتت ركعة لم يجز أن يقضيها إلا بعد الفراغ، كذلك إذا فاتته تكبيرة مع الإمام.
يجب أن لا يقضيها إلا بعد الفراغ.
ونقل الأثرم عنه ـ وقد سئل هل يدخل بتكبير أم يقف حتى يكبر الإمام؟ فسهل فيهما جميعاً، فظاهر هذا أنه مخير في ذلك، وليس أحدهما أولى من الآخر لأن التكبيرة الأولى افتتاح الصلاة فله أن يفعلها في أي وقت أدرك الإمام في الصلاة كما تقول في سائر الصلوات.
مسائل في زيارة القبور والقراءة عليها
زيارة النساء للقبور
:
20 - مسألة: واختلفت هل يكره للنساء زيارة القبور؟ فنقل إسحاق بن إبراهيم: لا تخرج المرأة إلى المقابر ولا غيرها لما روي عن ابن عباس أن النبي قال: لعن الله زائرات القبور.
وروى ابن عمر أن ـ النبي صلى الله عليه وسلم ـ نظر إلى فاطمة وقد أقبلت فقال: ما أخرجك من بيتك؟ فقالت: أتيت أهل هذا الميت فترحمت إليهم ميتهم.
فقال رسول الله عليه السلام: لعلك بلغت معهم الكدى، فقالت: معاذ الله، فقال: لو بلغت معهم الكدى ما رأيتِ الجنة حتى يراها أبو أمك أو أبو أبيك.
ونقل: محمد بن الحسن بن هارون وقد سئل عن المرأة تزور القبر قال: أرجو أن لا يكون به بأس لما روى عبد الله بن أبي مليكة أن عائشة ـ رضي الله عنها ـ أقبلت يوماً من المقابر فقلت: يا أم المؤمنين من أين أقبلت؟ قالت: من قبر أخي عبد الرحمن.
فقلت لها: أليس قد نهى رسول الله عن زيارة القبور؟ قالت: نعم.
قد نهى عنها ثم أمر بزيارتها.
القراءة في المقبرة
:
21 - مسألة: واختلفت في كراهة القراءة في المقبرة.
فنقل المروذي القراءة عند القبر بدعة، وإن نذر أن يقرأ كفر عن يمينه، ولم يقرأ لما روى أبو هريرة عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم أنه قال: لا تجعلوا بيوتكم مقابر، فإن الشيطان ليفر من البيت يقرأ فيه البقرة فلولا أن المقبرة لا يقرأ فيها لم يشبه البيت الذي لا يقرأ فيه بالمقبرة.
ولأن المقبرة مدفن النجاسة فكره القراءة فيها كالحش، ولأنه ركن يفعل في كل ركعة فكره في المقبرة كالسجود.
ونقل محمد بن أحمد المروذي عنه: إذا دخلتم المقابر فاقرأوا فيها فاتحة الكتاب والمعوذتين، وقل هو الله أحد، واجعلوا ثواب ذلك لأهل المقابر فإنه يصل إليهم.
وظاهر هذا جواز القراءة من غير كراهة.
قال أبو بكر: نقل أبو بكر المروذي وأبو داواد ومهنا وحنبل وأبو طالب وابن بدينا وإسحاق بن إبراهيم وغيرهم: أن القراءة لا تجوز عند القبر.
وبعضهم يروي أنها بدعة، وعلى هذا كان مذهبه، ورجع أبو عبد الله رجوعاً أبان عن نفسه فقال: يقرأ، وقال أبو حفص بن مسلم العكبري ـ وقد روي عن أبي عبد الله بضع عشرة نفساً كلهم يقول بدعة ومحدث فأكرهه، وبهذه الرواية أقول: وقد روى عنه موسى بن علي الحذَّاء رخصة، ولعله قول قديم.
وأبو بكر يغلب الجواز، وأبو حفص يغلب الحظر، والأشبه ما قاله أبو بكر، وأنه جائز لما روى أنس بن مالك ـ رضي الله عنه ـ قال: قال رسول الله: من دخل المقابر فقرأ سورة يس خفف عنهم يومئذ وكان له بعدد ما فيها حسنات.
وروت عائشة عن أبي بكر قال: قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم: من زار قبر والديه أو أحدهما فقرأ عنده أو عندهما يس غفر له.
وروى عطاء بن أبي رباح المكي قال: سمعت ابن عمر يقول: سمعت النبي ـ صلى الله عليه وسلم يقول: إذا مات أحدكم فلا تحبسوه وأسرعوا به إلى قبره، وليقرأ عند رأسه بفاتحة البقرة وعند رجليه بخاتمة البقرة.
وقد روى أبو بكر بن صدقة قال: سمعت عثمان بن أحمد الموصلي قال: كان أحمد بن حنبل ـ رضي الله عنه ـ ومعه محمد بن قدامة الجوهري في جنازة فلما دفن الميت جلس رجل ضرير يقرأ عند القبر فقال له أحمد: يا هذا إن القراءة عند القبر بدعة، فلما خرجنا من المقابر قال محمد بن قدامة يا أبا عبد الله ما تقول في مبشر الحلبي؟ قال: ثقة.
قال: كتبت عنه؟ قال: نعم.
قال: فأخبرني مبشر عن عبد الرحمن بن العلاء عن أبيه أنه وصى إذا دفن بأن يقرأ عند رأسه بفاتحة البقرة وخاتمتها، وقال: سمعت ابن عمر يوصي بذلك.
فقال له أحمد: فارجع فقل للرجل يقرأ.
الصلاة على الجنازة في المقبرة
:
22 - مسألة: واختلفت.
هل تكره الصلاة على الجنازة في المقبرة؟
فنقل حنبل وأبو الحارث.
جواز ذلك، لأن المقبرة محل للصلاة على الميت، فلهذا يجبر الصلاة على القبر.
ونقل المروذي عنه وقد سئل هل يصلي عليها وهي في المقبرة عند اللحد؟ فقال: لا يعجبني، يخرج من المقابر ويصلي عليها لما روى عاصم الأحوال عن أنس قال: كانوا يكرهون الصلاة على الجنازة بين القبور ولأنها صلاة يمكن فعلها في غير المقبرة فكره فعلها فيها كسائر الصلوات.
وضع اليدين على القبر
: 23 - مسألة: واختلفت في وضع اليد على القبر على روايتين: قال محمد بن حبيب البزار: كنت مع أبي عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل في جنازة فأخذ يدي وقمنا ناحية فلما فرغ الناس وانقضى الدفن جاء إلى القبر وأخذ بيدي
وجلس ووضع يده على القبر، وقال: اللهم إنك قلت في كتابك: فأما إن كانَ مِنَ المُقرَّبينَ فروحٌ وريْحانٌ وجنةُ نعيمٍ، وأما إن كانَ من أصحابِ اليمينِ فسلامٌ لكَ من أصحاب اليمين.
وأما إن كان من المُكذبين الضّالينَ فنُزْلٌ منْ حَميمٍ وتَصليةُ جحيمٍ.
إلى آخر السورة.
اللهم إنا نشهد أن هذا فلان ابن فلان ما كذب بك، ولقد كان يؤمن بك وبرسولك اللهم فاقبل شهادتنا له، ودعا وانصرف.
وظاهر هذا يدل على وضع اليد على القبر وعلى الجلوس.
ونقل الأثرم: قلت لأبي عبد الله: قبر النبي ـ صلى الله عليه وسلم يمس ويتمسح به؟ فقال: ما أعرف هذا.
قلت له: فالمنبر قال: أما المنبر فنعم قد جاء فيه.
قيل لأبي عبد الله: إنهم يلصقون بطونهم بجدار القبر.
وقيل له رأيت من أهل العلم من أهل المدينة لا يمسون ويقومون ناحية فيسلمون.
قال أبو عبد الله ـ رحمه الله ـ نعم، وهكذا كان ابن عمر يفعل.
وهذه الرواية تدل على أنه ليس بسنة وضع اليد على القبر.
وجه الرواية الأولى: أن الزيارة للميت جارية مجرى زيارة الحي، ولهذا يستحب أن يسلم على الميت عند قبره كما أنه يستحب أن يسلم على الحي ويستحب مصافحة الحي فجاز أن يستحب مس قبره، لأنه في معنى المصافحة.
ووجه الثانية: إنما طريقة القربة تقف على التوقيف ولهذا قال عمر ـ رضي الله عنه ـ في الحجر: لولا أني رأيت رسول الله يقبلك لما قبلتك وليس في هذا توقيف.
تغسيل الميت واتباع الجنازة مع وجود المنكر
: 24 - مسألة: واختلفت هل تتبع الجنازة ومعها المنكر من النوح وغيره أو يغسل الميت وعنده المنكر؟
فنقل أبو الحارث عنه في الرجل يدعى ليغسل الميت وعنده النوح فقال: يدخل فيغسله وينهاهم، وكذلك نقل الفضل بن زياد وقد سئل عن الرجل يتبع الجنازة فيرى ما ينكر يتبعها ولا يترك حقاً لباطل، لأن اتباعها حق وطاعة والمنكر الذي معها منكر وباطل فلا يجوز ترك الحق للباطل فهو كما لو كان في طريقه إلى الجمعة والجماعة منكر فإن ذلك لا يمنعه من قصدها.
ونقل المروذي عنه: إذا جاء يغسل الميت فيسمع صوت طبل فلا يدخل إلا أن يكسره صغيراً كان أو كبيراً.
وظاهر هذا: أنه يترك الغسل لأجل المنكر إذا لم يقدر على إزالته لقوله تعالى: ﴿وقدْ نزلَ عليكُمْ في الكتاب أن إذا سمعتُم آياتِ الله يُكفرُ بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخُوضوا في حديثٍ غيره﴾.
وظاهر الآية يقتضي المباعدة عنهم، ولما روى نافع قال: سمع ابن عمر مزماراً فوضع إصبعيه في أذنيه ونأى عن الطريق، وقال: يا نافع، هل تسمع شيئاً؟ فقلت: لا، قال: فرفع إصبعيه من أذنيه وقال: كنت مع النبي ـ صلى الله عليه وسلم فسمع مثل هذا، فصنع مثل هذا.
وأيضاً ما روى ابن عمر أن رسول الله نهى أن نتبع جنازة فيها رنة.
ولأنه إذا لم يبعد عنهم ربما ساكنته نفسه واعتاد سماعه.
تغطية وجه من مات محرما
ً:
25 - مسألة: واختلفت في المحرم إذا مات هل يغطى وجهه؟
فنقل ابن مشيش: يغطى وجهه ولا يغطى رأسه.
ونقل إسماعيل بن سعيد الشالنجي: لا يغطى رأسه ولا وجهه.
وعندي أن هذه الرواية سهو من إسماعيل، لأن مذهبه لا يختلف أن إحرام الرجل في رأسه، وأنه يجوز له تغطية وجهه.
إعادة تغسيل الميت إذا انتقض
:
26 - مسألة: واختلفت إذا انتقض الميت بعد أن يوضع في أكفانه.
فنقل ابن منصور: إن كان شيئاً قليلاً رفع إلا أن يكثر فيظهر على الكفن فيعاد عليه الغسل.
قال أبو بكر الخلال: قد روى الجماعة عنه أنه إذا جعل في أكفانه قبل السبع وبعضهم قال: إذا وضع في أكفانه ولم يذكر عدداً، وقال بعضهم إذا وضع في الأكفان بعد السبع فإنه يحمل ولا يعاد عليه الغسل.
وما نقله الكوسج فقد خالفه عليه أصحابه، وأرجو أن يكون قد رجع عنه والمذهب لا يختلف أنه إذا فرغ من غسله وخرج منه شيء قبل أن يوضع في أكفانه لا أنه يعاد عليه الغسل، لأن الغسل يراد لتكميل حال الميت فيعاد حتى يكون آخر ما يفعل به غسلاً كاملاً، وأما إذا اخرج منه بعد الوضع في أكفانه فالذي نقل ابن منصور أنه يعاد أيضاً إذا فحش وكثر قياساً عليه إذا خرج قبل أن يوضع في أكفانه.
والذي نقل الجماعة أنه لا يعاد، لأن المشقة تعظم في ذلك.
فلهذا لم يعد.