كتاب الجراح
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- أبو يعلى ابن الفراء
- الكتاب
- المسائل الفقهية من كتاب الروايتين والوجهين
- المؤلف
- القاضي أبو يعلى، محمد بن الحسين بن محمد بن خلف المعروف بـ ابن الفراء (المتوفى: 458هـ)
- المحقق
- د. عبد الكريم بن محمد اللاحم
- الناشر
- مكتبة المعارف، الرياض
- الطبعة
- الأولى (1405هـ - 1985م) أعده للشاملة/ فريق رابطة النساخ برعاية (مركز النخب العلمية) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
تكرر تحمل السيد لجناية أم ولده
:
40 - مسألة: إذا جنت أم الولد فغرم السيد القيمة ثم جنت بعدها ثانياً فهل عليه ضمان ثان.
قال أبو بكر في كتاب الخلاف فيها روايتان: إحدهما: عليه الضمان كلما جنت ولو ألف مرة نقلها ابن منصور وهو اختيار الخرقي وأبي بكر.
والثانية: لا يجب على السيد أكثر من قيمتها نقلها حنبل ـ رحمه الله ـ فقال ليس على سيدها شيء حتى تعتق فتؤخذ بجنايتها.
وجه الأولى: ـ وهي الصحيحة ـ أنه لو كان له عبد قن فجنى واختار أن يفديه فداه وإن جنى ثانياً واختار ذلك فداه لأن الذي غرم به أولاً وجد ثانياً كذلك أم الولد المعنى فيه أنه مانع من بيعها عن جنايتها فكان عليه أرش ذلك كما لو اختار أن يفدي العبد القن ولأنه إذا ضمن قيمتها الأول فرغت الرقبة من الجناية وإن قتلت الثاني ثبتت الجناية الثانية في رقبتها واستحقت بها وقد صار المولى مانعاً لها بالاستيلاد المتقدم فيضمن قيمته أخرى للثاني كأنها لم تقتل غيره.
ووجه الثانية: أنه عطل محل أرش الجناية دفعه بسبب واحد فلم يكن عليه أكثر من قيمة ما عطله كما لو جنى عبده مراراً فتعلق له أرش برقبته ثم قتله لم يجب عليه إلا قيمة ما أتلفه كذلك هاهنا.
ما تحمله العاقلة من الدية
: 41 - مسألة: إذا رمى أربعة فصاعداً بالمنجنيق فرجع الحجر على واحد منهم على غيرهم فقتله، فالكفارة في مال كل واحد منهم وأما الدية، فقال
أبو بكر: فيهما روايتان: أحداهما: يلزم كل واحد في ماله بقدر حصته، نقل ذلك المروذي وإسحاق بن إبراهيم وهو اختيار الخرقي: ونقل يعقوب بن بختان في قوم رموا بالمنجنيق فرجع فقتل رجلاً من المسلمين: فالدية على عواقلهم والكفارة في أموالهم فقد أطلق القول أنها على العاقلة وهذا محتمل أن يكونوا ثلاثة فما دون فيلزم كل واحد بقسط جنايته الثلث فصاعداً فتحمله العاقلة ويحتمل أن يكونوا أكثر من ذلك فجعل الدية على العاقلة.
وجه الأولى: ـ وهي الصحيحة ـ أنهم إذا كانوا أربعة فصاعداً لزم بجناية كل واحد أقل من الثلث والعاقلة لا تحمل ما دون الثلث رواية واحدة فيجب أن يكون في أموالهم.
ووجه الثانية: أن هذه جناية لو انفرد بها الواحد حملتها العاقلة فإذا اشترك فيها جماعة حملته العاقلة دليله لو كانوا ثلاثة ولا يلزم عليه الاشتراك في الموضحة والهاشمة لأن تلك انفرد بها الواحد لم تحملها العاقلة جملة كذلك الاشتراك.
دخول الأب والابن في العاقلة
:
42 - مسألة: في الأب والابن هل يدخلان في جملة العاقلة في تحمل الدية؟
على روايتين: نقل حرب: العاقلة ما عدا الوالدين والمولودين وهو اختيار الخرقي.
ونقل أبو طالب والفضل بن عبد الصمد: يدخلان في التحمل وهو اختيار أبي بكر وهو ظاهر كلامه.
وجه الأولى: ما روى أحمد بإسناده عن أبي رمثة قال: أتيت ـ النبي صلى الله عليه وسلم ـ مع أبي فقال هذا ابنك فقلت: نعم فداك أبي وأمي قال: لا يجني عليك ولا تجني عليه ولم يرد به نفس الجناية لأن من المحال أن يقول: لا تجرحه ولا
يجرحك ثبت أنه أراد الأرش وأنه لا يتحمل عنك ولا تتحمل عنه.
وروى ابن مسعود عن ـ النبي صلى الله عليه وسلم ـ قال: لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض ولا يؤخذ الرجل بجريرة ابنه ولا الابن بجريرة أبيه.
ولأنها قرابة لا يستحق بها النفقة مع اختلاف الدين فوجب أن لا يتحمل العقل بها كأبي الأم.
ووجه الثانية: أن العاقلة تحمل العقل نصرة للعاقل والأب أحق بنصرته من غيره ولأنها عصبة فوجب أن تحمل الدية كالأخوة ثم هذا أولى لأن تعصيب الأب أقوى من تعصيب الأخوة لأنه يسقطهم في الميراث ثم ثبت أن الأخ يعقل فإن يعقل الأب أولى ولأن تحمل العقل على سبيل المواساة والأب في مواساة ابنه أولى وأحرى.
تحمل العاقلة لديه الجاني على نفسه خطأ
: 43 - مسألة: إذا جنى على نفسه جناية خطأ مثل أن ضرب رجلاً بسيف فرجع السيف عليه أو رمى طائراً فعاد السهم عليه فهل هذا يكون هدراً أم تكون فيه الدية على العاقلة؟
على روايتين: أحدهما: على عاقلته إن كان حياً وهو أن يقطع يد نفسه ولورثته إن كان ميتاً.
نقل ذلك أبو طالب وابن منصور وهو أصح.
والثانية: أنها هدراً أومأ إليه في رواية حرب وقيل له: من قتل نفسه هل يؤدي من بيت المال فقال لا.
وكيف يؤدي إذا قتل نفسه؟
ووجه هذه الرواية أنها جناية على نفسه فوجب أن يكون هدراً كما لو كان عمداً وكل جناية ولو كانت عمداً كانت هدراً فإذا كانت خطأ وجب أن تكون هدراً كالجناية على المرتد.
وجه الأولى: ما روي أن رجلاً كان راكباً على دابة ومعه خشبة فضربها فطارت شظية منها ففقأت عينه فذكر ذلك لعمر فقال: يده يد واحد من المسلمين وجعل ديته على قومه وفي بعضها: فقضى عمر بدية عينه على عاقلته وقال: يد من أيدي المسلمين فإن كان هذا منتشراً في الصحابة فهو إجماع وإن لم يكن منتشراً فهو مخالف للقياس والصحابي إذا قال قولاً يخالف القياس فإنه يقوله توفيقاً عن ـ النبي صلى الله عليه وسلم ـ فكأن ـ النبي صلى الله عليه وسلم ـ قضى بذلك ولأن الدية مال يجب بجناية الغير عليه فجاز أن يجب بجنايته على نفسه كالكفارة.
القتل بالسبب
:
44 - مسألة: إذا حفر بئراً في طريق المسلمين بغير إذن الإمام طلباً للثواب ومنفعة المسلمين فوقع فيها إنسان فهل يضمن أم لا؟
على روايتين: إحداهما: لا ضمان عليه نص عليه في رواية ابراهيم بن هاني ويعقوب بن بختان فقال: إلا أن تكون بئراً أحدثها لمصلحة المسلمين كماء المطر فأرجو أن لا يكون عليه الضمان.
والثانية: يضمن أومأ إليه في رواية الحسن بن ثواب فيمن حفر بئراً فإن كان مما أخذه السلطان لم يضمن فظاهر هذا أنه إن لم يأخذه به السلطان فعليه الضمان.
وجه الأولى: أنه قصد منفعة المسلمين بحفره على وجه لا يضربهم فلم يكن عليه الضمان كما لو كان بإذن الإمام.
ووجه الثانية: أنه افتيات على الإمام بحفرها فكان كما لو كان حفرها لنفسه وكذلك الحكم فيمن بنى مسجداً في طريق المسلمين: إن كان ضيقاً ضمن وإن كان واسعاً بإذن الإمام فلا ضمان وإن كان بغير إذنه فهل يضمن؟ على روايتين، وكذلك الحكم فيمن فرش البواري في المسجد وبنى فيه حائطاً أو سقف فيه سقفاً أو علق فيه قنديلاً فوقع على إنسان فمات أو تعثر بالبارية فوقع فمات فإن كان بإذن الإمام فلا ضمان وإن كان بغير إذنه يخرج على الروايتين، ويمكن أن يقال في بواري المسجد: لا ضمان وجهاً واحداً لأنه من تمام مصلحته.
تغيّر الضمان بتغيير صفة المجني عليه فيما بين الجناية واستقرار الضمان:
45 - مسألة: إذا ضرب بطن نصرانية ثم أسلمت ثم ألقت جنيناً ميتاً فكان الضرب وهي نصرانية والإسقاط وهي وجنينها مسلمان أو ضرب بطن أمة ثم أعتقت ثم ألقت الجنين فكان الضرب وهو مملوك والإسقاط وهو حر فأيش الواجب؟ اختلف أصحابنا فقال أبو بكر في كتاب الخلاف فيه عشر قيمة أمه قال: لأن الجناية وقعت به وهو عبد ولا ينتقل الحكم إلى غير ذلك مثل لو قطع يدي عبد ثم أعتق ثم اندمل حال الحرية فإن فيه قيمته اعتباراً بحال الجناية كذلك هاهنا ولأنه لو ضرب بطن حربية ثم أسلمت ثم أسقطت سقط الضمان ولم يعتبر الاستقرار كذلك هاهنا.
وقال شيخنا أبو عبد الله: الواجب فيه غرة عبد أو أمه قيمته خمسون ديناراً إلا أن الحنابلة إذا وقعت مضمونة ثم سرت إلى النفس كان اعتبار الدية بحال الاستقرار كما لو قطع يدي عبد ثم أعتق ثم سرى إلى نفسه ففيه دية حر كذلك لو قطع يدي ذمي ثم أسلم ثم سرى إلى نفسه ففيه دية مسلم اعتباراً بحال الاستقرار كذلك هاهنا فقد أومأ أحمد إلى ما قاله الشيخ أبو عبد الله في رواية
حرب وقيل له: رجل أعتق ما في بطن أمه فأعتقت فأسقطت جنيناً قال: فيه دية مملوك قال أحمد: لا يجب العتق إلا بالولادة وهو عبد حتى يعلم أنه حي أو ميت.
قيل له: إذا ضربها فأسقطت حياً ثم مات قال هذا حر عليه دية حر كاملة.
فقد نص على أن العتق ينفذ في الولد وأنها وضعته حياً ثم مات من الجناية ففيه دية حر اعتباراً بالجناية حال الاستقرار وهذا موجود فيه إذا جنى عليه ثم أعتقت ثم أسقت يجب أن يكون فيه غرة اعتباراً بحال الاستقرار لأنه لو كان الاعتبار بحال الجناية كما قال أبو بكر لم يحكم فيه بدية حر لأن وقت الجناية عليه كان عبداً.
ضمان جنين الأمة إذا سقط من الجناية عليها ميتا
ً:
46 - مسألة: في جنين الأمة إذا أسقط من الضربة ميتاً هل يضمن بعشر قيمة أمه أو بنصف العشر؟
فنقل صالح وابن منصور أنه يضمن بعشر قيمتها.
ونقل حرب يضمن بنصف عشر قيمة أمه.
وجه الأولى: ـ وهي الصحيحة ـ أنه جنين ميت بالجناية فوجب فيه عشر بدل أمه دليله جنين الحرة ولا يختلف المذهب في أن الواجب فيه عشر دية أمه وهو خمس من الإبل لأن ديتها خمسون نصف دية الرجل أو ستمائة درهم عشر ستة آلاف كذلك في جنين الأمة يجب أن يعتبر قيمة أمه يبين صحة هذا أنه إنما قدرت دية الجنين لأنها دية نفس ولم يجز إيجابها دية كاملة لأنا نجهل حياته حين الضرب فاعتبرنا أدنى مقدر ورد الشرع في الجنايات وهو أرش الموضحة خمس من الإبل نصف عشر دية الرجل وعشر دية المرأة وهذا المعنى موجود في جنين الأمة فيجب أن يتساويا في المقدار.
ووجه الثانية: أن الحر والمملوك إذا اشتركا فيما هو مقدر كان المملوك على النصف من الحر يدل على ذلك أن المملوك تعتد شهرين وخمس ليال من الوفاة وبشهر ونصف من الطلاق وبقرء ونصف إذا كانت من ذوات الإقراء ولكن
القرء الواحد لا يتبعض فكمل وكذلك عدد الطلاق وهو على النصف وكذلك عدد المنكوحات كذلك هاهنا.
ضمان جنين البهيمة إذا سقط ميتاً بالجناية على أمه:
47 - مسألة: في جنين البهيمة إذا سقط بالضربة ميتاً هل يضمن بعشر قيمة أمه أو بما نقصت الأم؟
فالمنصوص عن أحمد ـ رحمه الله ـ في رواية ابن منصور: أنه يجب فيه نقص يعني ما نقصت أمه بالإسقاط لأنها جناية على بهيمة وكان فيها ما نقصر كما لو جرحها.
وقال أبو بكر: فيه عشر قيمة أمه لأنه جنين مضمون بالقيمة فضمن بعشر قيمة أمه دليله جنين الأمة.
إذا مات العبد القاتل عمداً أو قتل بغير إذن ولي الدم:
48 - مسألة: في عبد قتل صبياً أو رجلاً عمداً فقام رجل فاقتص من العبد بغير إذن ولي الدم فهل يملك ولي المقتول المطالبة لسيد العبد بالقيمة أم قد سقط ذلك بقتله؟
على روايتين: نقل مهنا: قد سقط ذلك بقتل العبد.
ونقل حرب لم يسقط حقه وهو اختيار أبي بكر.
وجه الأولى: أن محل الجناية هو ربة العبد ففات المحل بقتله فسقط الضمان كما لو مات حتف أنفه.
ووجه الثانية: أن لبدل هذه الجناية محل هو قيمة هذا العبد المقتول لأن السيد يرجع على قالته بقيمته وإذا كان لبدل الجناية محلاً، وقد فات بغير اختيار من له الحق وجب أن يرجع إلى البدل كالحر إذا قتل عمداً ومات وخلف تركة فإن الحق لا يسقط بموته لأن لبدل الجناية محلاً هو التركة.
ويفارق
هذا لو مات العبد لأنه ليس لبدل الجناية محل يرجع إليه فهو كالحر المعسر إذا قتل ثم مات فإنه لا يرجع على ورثته كذلك هاهنا.
دخول أيمان غير المسلم في القسامة إذا كان حال الجناية مسلما
ً:
49 - مسألة: إذا قتل ولد الرجل وهناك لوث فارتد والده قبل أن يقسم ثم أراد أن يقسم في حال الردة منعه الإمام من ذلك لأن من أقدم على الردة أقدم على اليمين الكاذبة، فلو خالف وأقسم فهل تقع القسامة موقعها؟
قال أبو بكر في كتاب الخلاف: لا يقسم ويكون موقوفاً لأنه ليس من أهل القسامة لإقدامه على اليمين الكاذبة.
وعندي أنها تقع موقعها لأن القسامة من أنواع الاكتساب والمرتد لا يمنع من اكتساب المال في مهلة الاستتابة.
حلف أولياء الدم في القسامة إذا كان أحدهم صغيراً أو غائباً:
50 - مسألة: إذا قتل رجل وهناك لوث وخلف ابنين كبيراً وصغيراً أو كبيرين أحدهما غائب فللكبير أن يحلف قبل بلوغ الصغير وللحاضر أن يحلف قبل قدوم الغائب ويثبت له الحق من الدية وهل يثبت له الحق بأقل من خمسين يميناً؟ ذكر أبو بكر في كتاب الخلاف كلاماً يدل على أنه لا يثبت بأقل من خمسين يميناً.
وجهه أن الخمسين في القسامة كاليمين الواحدة في الأموال ثم ثبت لو أنه ادعى مالاً أقسم يميناً واحدة وجب أن يقسم هاهنا خمسين يميناً.
وقال الشيخ أبو عبد الله: يحلف الكبير والحاضر بقدر قسطه من القسامة وهو خمس وعشرون يميناً إذا كان يستحق نصف الدية ولا يجب عليه جميع القسامة لأن أيمان القسامة تجري مجرى البينة في إثبات الحق وقد أثبت أنهما لو كانا حاضرين وثبت لهما حق بشاهد واحد كان لهما أن يحلفا جميعاً مع الشاهد
فيحلف كل واحد يمنياً ولو كان أحدهما غائباً فأقام الحاضر شاهداً كان له أن يحلف معه يميناً واحدة ويستحق بقدر حصته ولا يلزمه أن يحلف عن نفسه وعن أخيه كذلك هاهنا.
القسامة من غير دية بين المدعى عليهم وأولياء الدم
:
51 - مسألة: إذا ادعى قتيل على أهل محلة من محال البلاد الكبار التي يطرقها غير أهلها مثل الكرخ والقطيعة ونهر الدجداج وباب الشعير، وباب الهجرة وباب الشام وما جرى هذا المجرى فهل يكون لوثاً ويثبت القسامة؟.
فنقل مهنا كلاماً يدل على أنه لا يكون لوثاً ولا قسامة ويكون القول قول المدعى عليهم فقال: إذا وجد قتيلاً في الطواف أو في الزحام أو في مسجد الجامع فقال: من كان بينه وبينه عداوة وأخذ به أو ادعوا على رجل بعينه فإن لم يعرف له قاتل فدمه هدر.
ونقل عبد الله كلاماً يدل على القسامة فقال: يروى عن علي أن الدية على الجماعة الذين وجد فيهم المقتول وإليه أذهب.
فقال أبو بكر: القياس فيما روى مهنا والرواية الأخرى يحتمل القول على أنه لم يكن له مخالف في الصحابة فإن كان له مخالف فالقول ما قاله مهنا ولا معنى للقسامة.
وقد نقل ابن منصور كلاماً يدل على ما نقله عبد الله: إذا وجد قتيل بين قريتين فهو قسامة ومن ذهب إلى ظاهر ما نقله عبد الله وابن منصور فوجهه أن رجلاً جاء إلى ـ النبي صلى الله عليه وسلم ـ فقال إن أخي قتل بين قريتين فقال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم: يحلف منهم خمسون رجلاً ولك مائة من الإبل.
وروى الشعبي قال: وجد قتيل بين
وادعة وحيوان حيين من أحياء همدان فبعث عمر بن الخطاب بمن قاس ما بينهما فضمن أقربهما فاستحلف منهم خمسين بالله ما قتلناه وما علمنا قاتلاً ثم ضمنهم الدية.
ولأن ـ النبي صلى الله عليه وسلم ـ قضى بالقسامة على أهل خيبر وهي بلد من البلاد كذلك في غيرها من المحال والبلاد.
ووجه ما نقله مهنا ـ وهو الصحيح ـ أن المحال التي يخلطها غير أهلها ويطرقها المجتاز يجوز أن يكون القاتل من أهل المحلة ويجوز أن يكون غيره فلم يجز الحكم بأمر مجوز ولا يشهد له الظاهر ويفارق هذا خيبر لأن خيبر دار يهود محضة لا يخالطهم غيرهم فكان بين الأنصار وبين اليهود عداوة ظاهرة وهذا معدوم في مسألتنا، وأما الخبر المروي عن ـ النبي صلى الله عليه وسلم ـ فلا يصح الاحتجاج به على المذهب لأن فيه أنه حلفهم وغرمهم ولا يختلف المذهب أنه لا يجتمع اليمين والغرامة.
تحمل بيت المال دية من لا عاقلة له إذا قتل في زحام
: 52 - مسألة: فيمن قتل ولا عاقلة له هل يكون دية المقتول في بيت المال ... ؟
فنقل أبو طالب: لا يكون في بيت المال ويكون دمه هدراً.
ونقل حنبل عنه فيمن وجد قتيلاً في زحام الناس في دخول البيت أو في يوم الجمعة أو في الطواف: أن ديته في بيت المال.
ونقل مهنا عنه: التفرقة إن مات في زحام البيت فدمه هدر وإن مات في زحام الجمعة فهي في بيت المال.
وجه الأولى: في أنها تسقط أن القياس يمنع من تحمل الدية لأنها جناية منه لكن تركنا القياس في العاقلة للإجماع وبقي ما عداه على موجب القياس ولأنه لا نسب بينهم ولا ولاء فلم يتحمل ديته كآحاد المسلمين.
ووجه الثانية: ـ وهي اختيار الخرقي ـ ما روي في حديث الأسود بن يزيد أنه قتل في زحام البيت فسأل عمر علياً فأشار أن تجعل ديته من بيت المال وفي حديث سهل بن مذكور: أن الناس ازدحموا يوم الجمعة فتفرقوا عن قتيل: فجعل علي ـ رضي الله عنه ـ ديته من بيت المال ولأن ماله يتنقل إلى بيت المال بعد موته فجاز أن يعلقوا عنه.
ووجه ما نقله مهنا من الفرق بين زحام البيت وزحام الجمعة أن الزحام في الحج إنما يحصل بالحركات الموجودة في حالة الطواف والسعي وتلك المناسك مأمور بها على هذا الوجه فعلى هذا لم يضمن ما حصل منها لأنه مأمور به وليس كذلك الصلاة لأن الزحام إنما يحصل بالسعي إليها وذلك غير مأمور به وإنما المأمور به الصلاة والزحام لا يحصل بأفعالها فما يحصل منها من الإتلاف يجب أن يكون مضموناً عليه.
وجوب الدية على من قتل مسلماً في دار الحرب يظنه كافراً:
53 - مسألة: إذا قتل المسلم في دار الحرب يظنه كافراً فبان مسلماً فهل يجب بقتله الدية أم لا .. ؟ على روايتين: نقل ابن ابراهيم عنه في رجل أسلم وكتم إيمانه ففيه دية وكفارة قيل له فإن كان من أهل العهد فقتله رجل خطأ قال: دية مسلمة إلى أهله وعتق رقبة فظاهر هذا أنه أوجب الدية.
ونقل المروذي وأبو طالب: إذا أصاب مسلماً في دار الحرب وهو لا يعرفه كان عليه الرقبة ولا دية عليه وذكر الآية فظاهر هذا أنه لا دية في ذلك ولا فرق بين أن يكون من أهل الدار كان هو أسلم فيها ولم يخرج منها إلينا أو خرج ولكن عاد بتجارة أو سبب أو لم يكن من أهل الدار ولكن كان متنقلاً إليها بتجارة أو بسبب آخر وسواء كان أسيراً أو مطلقاً واقفاً في الصف أو غير واقف، فالحكم في جميع ذلك واحد وفيه الروايتان فإن قلنا فيه الدية فوجهه عموم قوله تعالى: ومن قتل مؤمناً خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله.
وهذا عام ولأنه مسلم قتل خطأ فكان فيه الدية كما لو كان في دار الإسلام أو نقول: إنها إحدى الدارين أشبه دار الإسلام وإذا قلنا: لا دية وهي اختيار الخرقي ـ وهو أصح ـ فوجهه قوله تعالى: فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة.
فأوجب في المقتول في دار الحرب تحرير رقبة: فالظاهر أن جميع الموجب بقتله تلك الرقبة يبين صحة هذا أن الله تعالى غاير بين المسلم يقتل في دار الإسلام وبين المسلم يقتل في دار الحرب فلو كان الحكم سواء لما كان تغاير بينهما ولأن الرمي إلى دار الحرب مباح من غير اتقاء ولهذا المعنى يجوز بيات العدو
ورميهم بالمنجنيق وإذا كانت الرمية مباحة من غير اتقاء لم تكن مضمونة كرمي المرتد والحربي ويفارق هذا الرمي في دار الإسلام لأنه مباح بشرط الاتقاء فلهذا كان مضموناً ولأنه لو وجبت عليه الدية بقتل المسلم أدى ذلك إلى ترك الرمي جملة وتعطيل الجهاد.
تعدد الكفارة بتعدد القاتلين
: 45 - مسألة: إذا اشترك الجماعة في القتل هل يلزم كل واحد منهم كفارة أم تجب كفارة واحدة بينهم ... ؟ على روايتين:
نقل مهنا على كل واحد كفارة وهو اختيار الخرقي وأبي بكر لأن كفارة القتل لا تتبعض فهي كالقتل وقد ثبت أن الجماعة إذا اشتركوا في القتل استوفى من كل واحد قصاص كامل كذلك الكفارة ومعنى وقولنا: لا يتبعض أنه لا يجب بعض كفارة لأنه متى لم يجد إلا نصف رقبة لم يلزمه إخراجها.
ونقل حنبل والميموني: عليهم كفارة لأنه مال يجب بالقتل فإذا اشترك الجماعة فيه وجب على جماعتهم شيء واحد دليله الدية ولأنها كفارة تتعلق بالقتل فإذا اشترك الجماعة فيها فتسقط عليهم دليله جزاء الصيد.
الكفارة بقتل العمد
:
55 - مسألة: قتل العمد هل تجب به الكفارة .. ؟
نقل صالح عنه فيمن قتل عمداً هل عليه الكفارة فقال: يروى عن ابن عباس: ليس له كفارة ولا توبة.
فظاهر هذا أنه لا كفارة فيه.
ونقل ابن منصور عنه في المرأة إذا تعمدت إسقاط ولدها: فيه الكفارة.
وجه الأولى: وهي اختيار أبي بكر وشيخنا أنه فعل يوجب القتل فلم تجب به الكفارة ودليله الزاني المحصن ولا يلزم عليه إذا زنى في شهر رمضان وهو محصن لأن الموجب للكفارة هتك حرمة الشهر بدون الفعل الموجب للقتل ولأن الكفارة حق مال فوجب أن لا تجب مع القود كالدية.
ووجه الثانية: وهو اختيار الخرقي ما روي عن عمر أنه قال: يا رسول الله
إني وأدت في الجاهلية، فقال: أعتق عن كل موؤودة رقبة، وهذا قتل عمد، ولأنه أتلف نفساً مضمونة فوجب أن تلزم الكفارة قياساً على الخطأ ولأنه دخل في قتله خطأ وجبت فيه كفارة فإذا قتله عمداً وجبت به كفارة قياساً على قتل الصيد.
الإطعام في كفارة القتل
: 56 - مسألة: هل للإطعام مدخل في كفارة القتل .. ؟
قال الشيخ أبو عبد الله: فيها روايتان: إحداهما: له مدخل وقد أومأ إليه في رواية الميموني وقد سأله: هل يطعم في كفارة اليمين والظهار وقتل النفس خطأ ووطء أهله في رمضان غير أهل الإسلام .. ؟
فقال: لا يطعم في هذه غير أهل الإسلام ولا في شيء من الواجبات.
فظاهر هذا أن كفارة القتل فيها إطعام، وظاهر كلام الخرقي أنه لا إطعام في ذلك لأنه ذكر العتق والصيام ولم يذكر الإطعام وهو اختيار شيخنا.
وجه من قال فيها إطعام أنه صوم مقدر بشهرين فوجب أن يكون بدله الإطعام، كصوم الظهار، والجماع.
ووجه من قال: لا إطعام قوله تعالى: فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين توبة من الله فأوجب الرقبة ونقل إلى الصيام عند العجز ولم يذكر شيئاً آخر فثبت أن جميع ما يجب هذان ولأنها كفارة تجب لأجل إتلاف نفس فوجب أن يكون آخره الصيام دليله قتل الصيد ولا يلزم عليه كفارة الظهار والوطء لأنه ليس بإتلاف.
شهادة النساء على إثبات القتل الموجب للمال
: 57 - مسألة: في الجناية إذا كانت موجبة للمال كعمد الخطأ والمأمومة والجائفة، وقتل الصبي، والمعتوه، وقتل المسلم الكافر، وقتل الحر العبد،
والوالد للولد، وقتل الخطأ المحض، هل يثبت هذه بشهادة رجل وامرأتين .. ؟
اختلف أصحابنا فقال الخرقي: يثبت وقال أبو بكر: لا يثبت إلا برجلين.
وجه ما نقله الخرقي ـ وهو أصح الوجهين ـ إنها شهادة على مال أشبه سائر الأموال.
ووجه قول أبي بكر: أنه إثبات قبل وخرج بشهادته النساء فلم يصح كالعمد المحض.
اختلاف الجاني وولي الدم في حياة المجني عليه حال الجناية
: 58 - مسألة: إذا ضرب رجلاً ملفوفاً في كساء فقده نصفين ثم اختلف الجاني وولي المجني عليه فقال الجاني كان ميتاً حال ما ضربته وقال الولي: كان حياً فقتله.
فقال أبو بكر في كتاب الخلاف: القول قول المجني عليه لأن الحياة متحققة والجاني يدعي ما هو مشكوك وهو زوال الحياة والشك إذا طرأ على اليقين قدم عليه كما تقول فيمن تظهر ثم شك هل أحدث أملا .. ؟ فإنه يبنى على طهارته ويقينه كذلك هاهنا.
ومن أصحابنا من قال القول قول الجاني لأن أحمد ـ رحمه الله ـ قال: لا يجزىء عتق الآبق في كفارة فلم تعتبر أصل الحياة لأن ما يدعى الجاني ممكن وما يدعى الولي أيضاً ممكن فإذا أمكن قول كل واحد منهما فالأصل براءة ذمة الجاني كرجل جنى عليه رجل ومضت عليه مدة يمكن أن يكون قد اندمل ثم مات، فإن القول قول الجاني، وإن كان لم يدع كل واحد منهما ممكناً لأن الأصل براءة ذمته وكذلك هاهنا.