كتاب الإجارة
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- أبو يعلى ابن الفراء
- الكتاب
- المسائل الفقهية من كتاب الروايتين والوجهين
- المؤلف
- القاضي أبو يعلى، محمد بن الحسين بن محمد بن خلف المعروف بـ ابن الفراء (المتوفى: 458هـ)
- المحقق
- د. عبد الكريم بن محمد اللاحم
- الناشر
- مكتبة المعارف، الرياض
- الطبعة
- الأولى (1405هـ - 1985م) أعده للشاملة/ فريق رابطة النساخ برعاية (مركز النخب العلمية) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
إجارة الدار مشاهرة كل شهر بكذا
:
1 - مسألة إذا قال: أجرتك داري هذه كل شهر بدراهم معلومة هل تصح الإيجارة أم لا؟
فنقل ابن منصور في الرجل يؤاجر داره بعشرة دارهم كل شهر: لا بأس به، فظاهر هذا أن الإجارة صحيحة، ومعنى هذا أنها صحيحة في الشهر الأول، وهي مراعاة فيما بعده من الشهور فلكل واحد منهما فسخ الإجارة عند رأس الشهر فإن لم يفسخ حتى مضى من الشهر (الثاني) يوم أو يومان لواحد منهما أن يفسخ، وهو اختيار الخرقي، وقال أبو بكر: الإجارة باطلة، لأن أحمد قال: في رواية أبي الحارث والمروذي في الرجل يكتري لمدة غزاته لا يصح.
وجه الرواية الأولى: أن الشهر (الأول) معلوم لأنه عقيب العقد، وقد ذكر له قسطاً من العوض معلوماً، والشهور لا تختلف فيجب أن يصح العقد على الشهر الأول كما لو قال الشهر الأول بعشرة، وما بعده من الشهور بحساب ذلك، ولا يشبه هذا إذا (قال) بعتك هذه الثياب التي في الجراب كل ثوب بعشرة أنه لا يصح البيع في شيء من الثياب لأنها تختلف والشهور لا تختلف.
ووجه الرواية الثانية: أن العقد إذا وقع على جملة مجهولة بطل فيها وفي أبعاضها كلها، وإن كانت أبعاضها معلومة، كما لو قال: أجرتك هذه الدار وداراً أخرى بعشرة، أوقال بعتك هذا الثوب وثوباً آخر بعشرة فإن العقد باطل في الجميع، ومن نصر الأول أجاب عن هذه بأنه يبطل به إذا قال: أجرتك هذه الدار الشهر الأول بعشرة وما بعده من الشهور فبحسابه فإنه يبطل فيما بعده ويصح فيه وعلى أن الدار والثياب تختلف فلهذا يبطل العقد في الجميع، والشهور لا تختلف فلهذا لم يبطل في الجميع.
كرى الأرض بجزء مما يخرج منها
:
2 - مسألة: هل يجوز كرى الأرض بالثلث والربع مما تخرج أم لا؟
نقل الحسن بن ثواب، وأحمد بن أصرم، وأبو بكر بن صدقة، وإسحاق بن هانىء وأبو طالب، وأحمد بن هشام، وحرب، وأبو النصر، وعبد الله الميموني: جواز ذلك قال أبو حفص: وقد روي عن أبي عبد الله الكراهية في رواية ابن منصور، وقد سئل عن كرى الأرض بالطعام قال: هو المحاقلة، ولا بأس بكراها بالدراهم والدنانير.
وجه الأولى: ما روى البخاري قال: قال قيس بن سالم عن أبي جعفر: ما بالمدينة أهل بيت هجرة إلا يزرعون على الثلث والربع وروي عن سعد بن مالك، وابن مسعود أنهما كانا يعطيان أرضهما بالثلث والربع، ولأن المزارعة صنف من الإجارة وقد جارت بالثلث والربع كذلك المساقاة والمضاربة، وكذلك الإجارة.
وجه الثانية: ما روى رافع بن خديج قال: كنا نحاقل بالأرض على عهد رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم فنكرتها بالثلث والربع والطعام المسمى ـ فجاءنا ذات يوم رجل من عمومتي فقال: نهانا رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم أن نحاقل بالأرض فنكريها على الثلث والربع والطعام المسمى، وأمر رب الأرض أن يزرعها أو يزرعها ولأن هذه أجرة مجهولة لأنه لايعلم قدر ما تخرج الأرض فلهذا لم يصح.
إجارة بكيل معلوم من جنس ما يخرج منها
:
3 - مسألة: فإن أجر أرضه بكيل معلوم من جنس ما تخرج الأرض هل يجوز أم لا؟
نقل الحسن بن ثواب عنه: الكراهية، وقال أبو حفص: ونقل عبد الله الرخصة، في رواية أبي النصر.
وجه الأولى: ما تقدم من حديث رافع بن خديج أن ـ النبي صلى الله عليه وسلم ـ نهى أن يحاقل الأرض بالثلث والربع وطعام مسمى.
ونهى عن إجارتها بطعام مسمى.
ووجه الثانية: وهي أصح ما تقدم من إجماع الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ وأنهم كانوا يكرون بالثلث والربع، ولأن كل ما جازت إجارته بغير المطعوم جازت بالمطعوم كالدور والبدن.
تسليم العين المؤجرة قبل تمام المدة وأثره في مقدار الأجرة
:
4 - مسألة: إذا استأجر دار مدة بعينها فسكن بعض المدة وانتقل عنها باختياره.
فنقل أبو طالب: يلزمه جميع الكرى للمدة، قال أبو بكر: وقد نقل ذلك الأثرم وإبراهيم بن الحارث، وانفرد أبو الحارث عنه، فقال: عليه بقدر ما ترك من الشهر، وعندي أن هذا محمول على أنه انتقل لعذر منعه من السكنى فأما أن ينتقل باختياره فإن جميع الأجرة تلزمه، لأن أصلنا أن جميع الأجرة قد ملكت عليه بعقد الإجارة، ولأن الإجارة عقد لازم لا يملك فسخه.
دعوى مستأجر العبد أنه أبق أو مرض أثناء المدة
:
5 - مسألة: فإن استأجر عبداً مدة بعينها وتسلمه ثم ادعى المستأجر أن العبد أبق في هذه المدة وأنه لم ينتفع به.
فنقل ابن منصور القول قول المستأجر في ذلك فإن ادعى أنه مرض في هذه المدة لم يقبل قوله تحى يقيم البينة على ذلك، فظاهر هذا أنه قد فرق بين الأباق والمرض فجعل القول قول المستأجر في الأباق، وجعل القول قول المؤجر في عدم المرض.
ونقل حنبل أنه لا يقبل قوله في ذلك، ويكون القول قول السيد إلا أن يقيم المستأجر بينة بإباقه.
ووجه هذه الرواية: أن التسليم قد حصل في الظاهر، والأجرة قد ملكها المؤجر بالعقد، والمستأجر يدعي زوال ملكه عنها فيجب أن لا يقبل قوله إلا ببينة ويكون القول قول المؤجر لأنه تشهد له سلامة العقد/ ووجه الرواية الأولى: أنه قد استحق المستأجر التسليم للمنفعة المعقود عليها والمؤجر يدعي تسليمها منه والأصل عدم ذلك فكان القول قول المستأجر لأنه منكر، وإنما فرق بين الأباق وبين المرض، لأن الأباق لا يمكنه إقامة البينة عليه فكان القول قوله، والمرض يمكن إقامة البينة عليه فإذا لم يقمها لم يقبل قوله، وأصل
هذا ادعى المبتاع عيباً في المبيع أنه كان موجوداً قبل العقد هل يقبل قوله أم لا؟ على روايتين كذلك ها هنا.
استئجار الأجير والظئر بطعامه وكسوته
:
6 - مسألة: فإن استأجر أجيراً للخدمة أو ظئراً للرضاع جعل أجرته طعامه وكسوته.
فنقل حنبل وابن منصور أكرهه ولا يعجبني، لأنه مجهول.
ونقل أبو داود وأحمد بن سعيد لا بأس به، وهو جائز على حديث أبي هريرة، وهو اختيار الخرقي.
ووجه الأولى: أن الإطعام والكسوة يختلف، وقد يقل ويكثر فإذا كان كذلك حصلت الأجرة مجهولة، وجهالة الأجرة تبطل عقد الإجارة كما لو قال: استأجرته على طعام، أو دراهم.
ووجه الثانية: أن هذا الإطلاق في الإطعام والكسوة ينصرف إلى الإطعام المجزي في الكفارة، وهو مد من البر والكسوة التي تجزي في الكفارة، وهو ما تجزي الصلاة فيه، وإذا كان إطلاقه يحمل على هذا صار كأنه منطوق به فخرج عن أن يكون مجهولاً، وليس يمتنع رد المطلق من كلام الآدميين على ما يقتضيه عرف الشرع، ألا ترى أنه لو وصى أن يصرف ثلثه في الرقاب صرف في المكانتين، ولو نذر أن ينحر بهيمة حمل على موجبه في الشرع وهو الجذع من الضأن والثني من المعز، ولو باع بدراهم، وأطلق حمل على نقد البلد، كذلك ها هنا جاز أن يحمل مطلقه على ما يقدر في الشرع في الكفارة ويحصل كالمنطوق به.
فصل
فإذا قلنا: إن الإجارة صحيحة، فاختلف في مقدار النفقة، ففيه روايتان:
إحداهما: أنها مقدرة بما يجزى في الكفارة من المد، وما تجزي الصلاة فيه نص على ذلك في رواية أحمد بن سعيد.
فقال: إذا اختلفا في الإطعام حكم فيه بالمد، وكذلك نقل أبو الصقر.
والثانية: أنها غير مقدرة، وهو بها أشبه من الكفارة، لأنها معاوضة في عقد الإجارة، ولأنها إذا كانت أجره الظئر فهي نفقة تلزم الزوج.
ضمان الأجير المشترك لما يتلف في يده
:
7 - مسألة: هل يضمن الأجير ما تلف في يده بغير قوله؟
فنقل ابن منصور: لا ضمان عليه، سواء كان مما لا يستطاع الامتناع منه كالحريق والغرق، والموت، أو كان مما يستطاع كاللصوص ونحوه.
ونقل أبو طالب: إن كان هلاكه بما لا يستطاع الامتناع منه فلا ضمان عليه، وإن كان مما يستطاع ضمن.
ونقل مهنا عنه فيمن دفع إلى القصار ثوباً يقصره ثم ذهب الثوب مقصوراً: فعليه قيمة الثوب خاماً، فظاهر هذا أنه يضمن سواء كان هلاكه بما يستطاع
أو بما لا يستطاع لعموم قول ـ النبي صلى الله عليه وسلم ـ على اليد ما أخذت حتى تؤدي.
ولأنه لو تلف في يده بفعل من جهته من غير تعد لزمه الضمان فكان ذلك القبض مضموناً عليه كالمقبوض على وجه السوم.
والأولى أصح، وهو اختيار الخرقي ـ رحمه الله ـ ووجهها أنه قبضه على وجه الإجارة فأشبه الأجير الخاص، ولأنه قبض الشيء لمنفعته ومنفعة غيره أشبه المضارب، والعامل في المساقاة، ولأنه لو كان مضموناً عليه لما انتلف هلاكه في يده بما لا يستطاع الامتناع به، وما يستطاع كسائر المغصوبات، فلما اتفقنا على أنه لو هلك الشيء في يد الأجير بما لا يستطاع الامتناع منه (كالحريق واللصوص لم يضمن كذلك إذا هلك بما يستطاع الامتناع منه) كالأجير الخاص والمودع.
ووجه الرواية الثانية: أن القياس يقتضي نفي الضمان لما ذكرنا لكن تركناه لأن غالب أحوال الصناع أنهم خونة، فإذا كان الهلاك بأمر ظاهر وادعوا ذلك، فالظاهر معهم كالبنية، وإذا لم يكن بأمر ظاهر لحقتهم التهمة، فلم يصدقوا ولأن علياً ضمن الصناع، وهو محمول على ما ذكرنا.
إجارة المسلم نفسه من الذمي ليخدمه
:
8 - مسألة: في إجارة المسلم نفسه من ذمي ليخدمه.
فنقل أحمد بن سعيد: لا بأس أن يؤاجر نفسه من الذمي فظاهر هذا الجواز.
ونقل الأثرم: إذا أجر نفسه في خدمته لم يجز، وإن كان في عمل شيء جاز.
ووجه هذه الرواية أن في إجارته نفسه منه للخدمة إذلالاً وصغاراً فيجب أن لا يصح العقد على هذا الوجه كما قلنا في بيع العبد المسلم من الكافر لا يصح لهذه العلة، وكما قلنا في نكاح الكافر لمسلمة لا يصح لهذه العلة كذلك ها هنا، وإذا قلنا يصح فوجهه ما روى عن علي ـ رضي الله عنه ـ أنه أجر نفسه من يهودي لينضح نخلاً له، ولأنه نوع إجارة فصحت مع الذمي كالإجارة في الذمة، ولأنه عقد لا يقتضي التأييد فصح مع الذمي، دليله عقد المضاربة، ويمكن أن تحمل المسألة على اختلاف حالين فالموضع الذي قال يصح الاستئجار إذا كانت الإجارة في الذمة، وهو أن يستأجر ليحصل له عملاً فإنه لا ذلة فيه ولا صغار والموضع الذي قال: لا يجوز إذا كانت الإجارة على العين وهو أن يستأجره ليخدمه بنفسه.
تأجير المستأجر ما استأجره لغيره
:
9 - مسألة: هل يجوز أن يؤاجر ما استأجره (لغيره) فيه ثلاث روايات:
إحداها: لا يجوز بحال نص عليه في رواية حنبل فيمن استأجر غلاماً فأجره من غيره بغير إذن سيده فتلف ضمنه.
ونقل عنه لفظ آخر: إن تلف بسبب العمل ضمن، وإن تلف بغير سبب العمل لم يضمن، فظاهره أنه لا يجوز له أن يؤاجره من غيره، لأنه علق عليه الضمان.
والثانية: يجوز إجارته في مثل عمله بمثل الأجرة وبزيادة عليها، نص عليه في رواية صالح وأبي الحارث والفضل في الرجل يستأجر الدار فيؤجرها بأكثر من أجرتها من أهل صناعته: أرجو ألا يكون به بأس.
والثالثة: إن كان قد أحدث فيها عمارة أو عملاً جاز أن يكريها بزيادة على ذلك، وإن لم يحدث فيها عملاً لم يجز كراؤها بزيادة على ذلك، نص عليه في رواية حنبل وحرب وابن إبراهيم.
وجه الأولى: أن النافع ليست من ضمانه بدليل أنها لو انهدمت الدار ارجع بالأجرة فلم يجز التصرف فيها كالمبيع قبل القبض.
ووجه الثانية: أن المنافع في حكم المقبوض بدليل جواز التصرف فيها بالهبة والعارية، وبدليل أنه لو لم ينتفع بها حتى انقضت المدة كانت من ضمانه فهي كالمبيع بعد القبض، فيجوز التصرف فيه، كيف شاء بزيادة ونقصان.
ووجه الثالثة: أن المنافع غير مقبوضة لأنها معدومة، والربح فيما لم يضمن غير جائز، وليس كذلك إذا كان قد أحدث فيها عملا؛ لأن الزيادة في مقابلة العمل، فلهذا جاز.
تأجير المستأجر من استأجره لغيره:
10 - مسألة: فإن استأجر أجيرا ليعمل له عملا فهل يجوز أن يؤجره لغيره أم لا؟
نقل جعفر بن محمد أنه قال: الأجير أشد من الدار لا يقول: إنما أجرتك نفسي لرضائي بك فلا أرضى بفلان، فظاهر هذا المنع.
ونقل حنبل فيمن استأجر غلاما خياطا: يجوز أن يؤجره من غيره فظاهر هذا الجواز قياسا على إجارة الحوانيت.