كتاب الأيمان والنذور والكفارات
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- أبو يعلى ابن الفراء
- الكتاب
- المسائل الفقهية من كتاب الروايتين والوجهين
- المؤلف
- القاضي أبو يعلى، محمد بن الحسين بن محمد بن خلف المعروف بـ ابن الفراء (المتوفى: 458هـ)
- المحقق
- د. عبد الكريم بن محمد اللاحم
- الناشر
- مكتبة المعارف، الرياض
- الطبعة
- الأولى (1405هـ - 1985م) أعده للشاملة/ فريق رابطة النساخ برعاية (مركز النخب العلمية) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
كتاب الأيمان والنذور والكفارات
الكفارة بالحنث على من قال: هو كافر أو فاسق إن فعل كذا أو ترك كذا
:
1 - مسألة إذا قال: هو يهودي إن فعل كذا أو كافر أو بريء من الإسلام أو من الرسول إن فعل كذا، ففعل فحنث فهل يجب عليه الكفارة أم لا؟
نقل صالح وأبو طالب: عليه كفارة يمين.
ونقل حنبل عن مالك: أنه يقول في الرجل يقول: اكفر بالله أو أشرك بالله ثم يحنث: عليه كفارة ويستغفر الله.
قال أحمد: أحب إليَّ أن يكفر ويستغفر الله، فظاهر هذا أنه استحب الكفارة ولم يرها واجبة.
وجه الأولى: وهي المذهب ما روى أبو بكر بإسناده عن الزهري عن خارجه بن زيد عن زيد عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن الرجل يقول: هو يهودي، وهو نصراني، أو هو مجوسي، أو بريء من الإسلام في اليمين يحلف عليها فيحنث في هذه الأشياء، قال: عليه كفارة يمين لأن البراءة من الله أو الرسول توجب الكفر فجاز أن يصير به حالفاً وتجب الكفارة إذا حنثت دليله اسم الله تعالى ثم جاز أن يكون حالفاً باسم من أسمائه كذلك هاهنا.
ووجه الثانية: أنه وصف نفسه بالمعصية بفعله فلم يلزمه كفارة يمين كما لو قال: إن فعلت كذا فأنا زان، أو شارب خمر وفعله.
الكفارة باليمين الغموس
:
2 - مسألة: يمين الغموس هل يجب فيها الكفارة أم لا؟
نقل حرب وابن منصور وأبو طالب: لا كفارة فيها وهو أعظم من أن يكون فيه كفارة.
ونقل أبو العباس أحمد بن سعيد اللحياني عنه: إنما الكفارة فيمن يتعمد الحلف على الكذب أنه قال يكفرها.
قال: ولا أعلمه إلا وقد سمعته يقول أيضاً وقد روى في الذي يتعمد الحلف على الكذب أنه قال: يكفرها فظاهر هذا الكفارة فيها.
وجه الأولى: وهي المذنب أن يمين الغموس غير معقودة لأن الحنث يقارنها فمنع انعقادها وتقع مفحلة وإنما المعقودة هي التي يترقب فيها البراء والحنث ألا ترى أن قول الرجل لامرأته: إن دخلت الدار فأنت طالق، وقوله لعبده: إن كلمت زيداً أنت حر ليس بيمين معقودة لأن الحنث غير مترقب بل هو واقع في الحال، ويبين صحة هذا أن ما يطرأ على العقد لما يحله إذا قارنه منع انعقاده كالرضاع والردة في النكاح، وهلاك المبيع، وإذا لم تكن منعقدة لم تجب الكفارة لقوله تعالى: ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان فكفارته إطعام عشرة مساكين.
الآية فأوجب الكفارة في يمن منعقدة.
ولأنها يمين على الماضي فلم تتعلق بها كفارة دليله يمين اللغو وهو إذا قال: والله إن هذا زيد فبان له أنه عدو كان يظن أنه زيد فإنه لا كفارة عليه كذلك هاهنا.
ووجه الثانية: أنه خالف بين قوله وفعله في يمين مقصودة أشبه اليمين غير الغموس وكل معنى إذا طرأ على عقد صحيح أوجب الكفارة فإنه إذا قارنه أوجب الكفارة قياساً على الوطء في الحج ولأن أكثر ما فيه أنه معصية وهذا لا يمنع الكفارة كالظهار.
لغو اليمين
:
3 - مسألة: في صفة يمين اللغو التي لا كفارة فيها.
نقل عبد الله: اللغو عندي أن يحلف على اليمين يرى أنها كذلك فلا كفارة والرجل يحلف ولا يعقد قلبه على شيء فلا كفارة، فظاهر هذا أن لها صفتين إحداهما أن يقصد باليمين فعلاً ماضياً فبان بخلافه مثل أن يرى رجلاً يظنه زيداً فقال: والله إن هذا زيد فبان أنه عمرو أو رأى كوكباً فظنها لهلال فقال: والله لقد أهل الهلال فإذا هو كوكب فلا كفارة فيه.
والثاني: أن يسبق على لسانه ولا يعتقدها بقلبه كأنه أراد أن يقول بلى والله فسبق على لسانه: لا والله، أو أراد أن يقول: لا والله فسبق على لسانه بلى والله نحو ذلك، فهذا لغو اليمين ولا كفارة فيها.
ونقل حنبل أنه سئل عن اللغو في اليمين فقال: هو الرجل يحلف على الشيء فيقول: لا والله وبلى والله لا يريد عقد اليمين في كلام أو مراجعة كلام.
فإذا عقد على اليمين لزمته الكفارة، فظاهر هذا أنه إذا قصد على شيء ماضٍ باليمين يظن أنه كما حلف فبان بخلافه أنها يمين مكفرة وإنما اللغو ما لا يقصد اليمين فيه.
وجه الأولى: وهو اختيار الخرقي أنها يمين على ماض فأشبه قوله: والله، وبلى والله.
ووجه الثانية: أنه خالف بين قوله وفعله في يمين مقصودة فوجب أن لا تكون لغواً وتجب الكفارة، دليله اليمين المعقودة على المستقبل.
وروى عطاء قال دخلت أنا وعبيد الله بن عمير على عائشة ـ رضي الله عنها ـ وهي معتكفة فسألناها عن لغو اليمين قالت: قول الرجل لا والله، وبلى والله، ولا يقصد بقلبه ولأن اللغو في اللغة ما يلغى من الكلام ويكون
حشواً غير مقصود وإذا قصد اليمين على الماضي فهي يمين مقصودة، فلم تكن لغواً ومن نصر الأولى أجاب عن قول عائشة بما روى أبو صالح عن ابن عباس قال: اللغو في اليمين: قول القائل هذا والله فلان وليس بفلان وقوله يعارض قولها وقوله: إن اللغو ما يلغي ويكون حشواً ليس كذلك لأنه قد يكون عبارة عما لا يعتد به من الكلام ولا يتعلق به حكم قال الله تعالى: وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه وقال تعالى: لا يسمعون فيها لغواً ومعناه: لا يسمعون كلاماً هزلاً لا يعتد به.
تداخل الكفارات
:
4 - مسألة: إذا كرر اليمين على فعل شيء واحد وحنث فيه أو على أشياء مختلفة وحنث في جميعها، هل يجب كفارة واحدة أم لكل يمين كفارة؟ نقل ابن منصور فيمن قال: والله لا آكل هذا الطعام ولا ألبس هذا الثوب ولا أدخل هذه الدار، فكفارة واحدة في كل هذا، ونقل في الرجل أيضاً يحلف على أمور شتى مراراً في مجلس أو مجالس ما لم يكفر كفارة واحدة، فظاهر هذا أنه إن حنث في بعضها ثم كفر ثم حنث في الثاني فكفارة ثانية.
ونقل المروذي في امرأة قالت لزوجها: بوجه الله لا أعطيه كذا، ثم حلفت بوجه الله إن هي تركتك تدخل الدار وهي تريد إعطاءه قال أحمد تكفر كفارتين.
فظاهر هذا أن عليه في كل يمين كفارة سواء كفر عن بعضها أو لم يكفر.
وكذلك نقل إسحاق بن إبراهيم في الرجل يقول: ما لي في المساكين وعلى المشي قال: إذا عقد بها اليمين فعليه كفارتان، يروي فيه عن ابن عمر وزينب وحفصة.
قال أبو بكر: ما نقل المروذي قول أول لأحمد، والقول في ذلك أن كل
حالف لو حلف بالله أو بحقه من صفاته أو باسم من أسمائه أو بوجهه، أو بعمله، أو قدرته، وعزمه، وكلامه، وأسمائه الحسنى فعليه كفارة يمين إذا حنث فيها.
وقال الخرقي: اليمين المكفرة أن يحلف بالله أو باسم من أسمائه أو بآية من القرآن أو بصدقة ماله أو بالحج أو بالعهد أو بالخروج عن الإسلام، وذكر القصد بطوله ثم قال بعد ذلك: ولو حلف بهذه الأيمان كلها على شيء واحد فحنث لزمه كفارة واحدة.
فظاهر هذا أنه إذا حلف بها على أشياء مختلفة أن في كل واحد منها كفارة ولا يتداخل.
وجه الأولى: وهي الصحيحة، أن الكفارات تجري مجرى الحدود قال: ـ صلى الله عليه وسلم الحدود كفارات لأهلها ثم ثبت أنه لو زنى أو سرق ثم سرق ولم يحد فحد واحد كذلك في باب الكفارات يجب أن تتداخل.
ووجه الثانية: أنها أيمان حنث فيها فلم تتداخل كفاراتها، دليله إذا اختلفت كفاراتها مثل أن يحلف بالله بالظهار وينحر ولده، ويعتق عبده، فإنها لا تتداخل، وكذلك هاهنا، ولأنه حق في مال وحقوق الأموال لا تتداخل، والذي يدل على أنها أيمان أن الحنث يتكرر فيها فيجب أن تتكرر الكفارة.
ووجه ما قاله الخرقي: إذا كانت على شيء واحد فهي يمين واحدة وإنما عطف بعضها على بعض تأكيداً بدليل أن موجبها حنث واحد فهو كقوله: والله، الطالب الغالب والضار النافع، فإن في ذلك كفارة واحدة، ويفارق هذا إذا كانت على أشياء لأنها أيمان بدليل أن الحنث يتكرر فيها فلهذا أوجب لكل يمين كفارة.
الألفاظ التي ينعقد بها اليمين
:
5 - مسألة: إذا قال: أقسمت، أو قال: أقسم لا فعلت كذا وكذا، ونوى به اليمين، كان يميناً، وإن لم ينوِ به اليمين، فعلى روايتين.
نقل أبو طالب: القسم يمين، فإذا قال: أقسمت عليك فهو يمين إذا حنث وإن لم يقل بالله.
فظاهر هذا أنها يمين، فإن لم ينوِ بها اليمين، وهو اختيار الخرقي وأبي بكر.
ونقل حنبل: إذا قال: أقسم، ونيته اليمين، فكفارة يمين.
وإن قال: أقسم، ولم يكن له نية، فلا شيء عليه.
فظاهر هذا أنه إن نوى به اليمين كان يميناً، وإن لم ينوِ به اليمين فلم يكن يميناً.
ونقل المروذي: في القسم يمين، وفرق بين قوله: قسمت عليك، وبين: أقسمت عليك.
فظاهر هذا أنه فرق بين قوله: قسمت عليك، وبين: أقسمت، أو لم يصرح بالحكم في ذلك، يجب أن يكون قوله: قسمت ليس بيمين، وأقسمت يميناً.
ولا تختلف الرواية إذا قال: أقسم بالله، أو أقسمت بالله، فهو يمين نوى اليمين أو لم ينوِ به اليمين.
وجه الأولى: في أنه يمين وإن لم ينوِ به اليمين ما روى أن أبا بكر الصديق ـ رضي الله عنه ـ عبر رؤيا فقال له ـ النبي صلى الله عليه وسلم ـ أصبت بعضاً، وأخطأت بعضاً، فقال أبو بكر: أقسمت عليك يا رسول الله لتخبرني فقال ـ النبي صلى الله عليه وسلم ـ لا تقسم يا أبا بكر.
فوجه الدلالة أنه قال: أقسمت ولم يقل: أقسمت بالله وجعله النبي يميناً ونهاه عنه، وكذلك روى أن صفوان بن عبد الرحمن جاء بأبيه إلى ـ النبي صلى الله عليه وسلم ـ يوم الفتح فقال: يا رسول الله بايعه على الإسلام والهجرة، فقال ـ النبي عليه السلام ـ: لا هجرة، فقال العباس: أقسمت عليك يا رسول الله لتبايعنه، فبايعه ـ النبي صلى الله عليه وسلم ـ وقال: بررت عمي ولا هجرة.
فجعل قوله: أقسمت عليك يميناً وأخيراً أنه برَّ فيه فدل على أنه بمجرد يمين.
ولأن القسم لا يقع بغير الله وقوله أقسم كقوله: أقسم بالله، كالحج لما لم يقع لغير الله كان قوله: عليَّ حجة كقوله لله عليَّ حجة ولأن قوله: أقسمت، يقتضي مقسماً به وهو منهي عن القسم بغير الله وإن أطلق، فالظاهر أنه أراد به القسم بالله، فصار كما لو قال: أقسمت بالله.
ووجه الثانية: أنه لفظ عري عن ذكر الله واسمه وصفاته فلم يكن يميناً يكفر، كما لو قال: وحق أبي وحق الكعبة، ولأن الأيمان تتعلق بصريح اللفظة ولا تتعلق بالكتابة، وألا ترى أن الرجل إذا قال: والله لا كلمت زيداً، فقال الآخر: يميني في يمينك، لم ينعقد يمين الثاني لأنه كناية؟ كذلك هاهنا.
ووجه ما نقله المروذي أنه قال: أقسمت فقد أتى بحرف القسم وهو الألف قال الله تعالى: إذا أقسموا ليصرمنها مصبحين، يعني حلفوا، وليس كذلك إذا قال: قسمت لأنه لم يأتِ بحرف القسم.
وقال تعالى: نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ... ... يعني قسمه المال دون اليمين، وفارق هذا أقسمت فإن قال: أشهد لا فعلت كذا ولم ينوِ به اليمين فهل يكون يميناً؟
فنقل أبو طالب إذا قال: أشهد هو يمين ولعمري ليس بشيء، فظاهر هذا أنها يمين نوى بها اليمين أو لم ينوِ بها ويجب أن تخرج على روايتين مثل قوله أقسم لا فعلت كذا هل يكون يميناً بغير نية؟
على روايتين.
ولا تختلف الرواية أنه إذا قال: أشهد بالله أنه يمين نوى اليمين أو لم ينوِ.
فوجه من قال: أشهد يميناً وإن لم ينوِ به اليمين أنه قد ثبت له عرف الشرع يدل عليه قوله تعالى: إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون اتخذوا أيمانهم جنة .... فأخبر أنهم اتخذوا أقوالهم تشهد إنك لرسول الله جنة، وسماه يميناً، ولأنه من ألفاظ اليمين، ألا ترى أنه لو قال: أشهد، وأراد به اليمين، كان يميناً، فإذا أدرجه مخرج التأكيد للخبر كان يميناً، كقوله: أشهد بالله.
ووجه من قال: لا يكون يميناً: أن اللعان يمين، وقد ثبت أن ذكر الله شرط فيه حتى إذا تركه لم يحتسب به كذلك هاهنا ولأن قوله أشهد يحتمل أشهد بأمر الله، ويحتمل الوعد، ويحتمل غيره فلا يكون يميناً.
الحلف بالأمانة والعهد والميثاق
: 6 - مسألة: فإن قال: والعهد والميثاق والأمانة لا فعلت كذا، ولم ينوِ به اليمين فهل يكون يميناً؟
فنقل حرب عنه: إذا حلف بالأمانة فإن أراد أن يعقد اليمين فهو يمين، فإن قال: لا وأمانة الله فهو يمين قيل له: وإن لم يرد في الثاني فكأنه ذهب إلى أنه يمين إذا سمى الله تعالى، فظاهر هذا أنه إذا قال: وأمانة الله فهو يمين، نوى اليمين أو لم ينوه، وهذا لا يختلف المذهب فيه كما لو قال: أقسم بالله وأشهد بالله أنه يمين وإن لم ينوِ اليمين، وكذلك قوله وعهد الله، وميثاق الله، أنه يمين نوى اليمين أو لم ينوِه.
قال في رواية أبي طالب إذا قال: على عهد الله إن فعلت كذا وكذا، فقال: العهد شديد في عشر مواضع من كتاب الله بتقرب إلى الله بكل ما استطاع عائشة ـ عليها السلام ـ أعتقت أربعين رقبة، فظاهر هذا أنها يمين مغلظة، وإن لم ينوِ بها اليمين وكذلك قوله: ميثاق الله.
فأما إن قال: والعهد والميثاق والأمانة، فقد نص في الأمانة إن نوى بها
اليمين كانت يمينًا كذلك في العهد والميثاق ويخرج أن يكون يميناً وإن لم ينوِ بها كما قلنا في: أقسم وأشهد هل يكون يميناً وإن لم ينوِ اليمين؟ على روايتين، كذلك هاهنا.
فالدلالة على أنه إذا وصله بذكر الله وإن لم ينوِ اليمين أن العهد قد ثبت له عرف الشرع والاستعمال فروي أن عائشة ـ رضي الله عنها ـ حلفت بالعهد أن لا تكلم ابن الزبير فلما كلمته أعتقت أربعين رقبة، وكانت تقول بعد ذلك واعهداه ولأنه لفظ موضوع لليمين بدليل أنه إذا نوى به اليمين كان يميناً وإذا أخرجه مخرج التأكيد للخبر وجب أن يكون يميناً كقوله: والله ولأن الأمانة إذا أضيفت إلى الله صارت من صفات ذاته ألا ترى أنه لا يصح أن يوصف بضدها فيجب أن يكون يميناً كقوله: وقدرة الله، وجلاله، وعظمته.
وأما إذا أطلقت الأمانة والعهد والميثاق، فإن قلنا يكون يميناً فوجهه أنه يحتمل اليمين بدليل أنه إذا نوى به اليمين كان يميناً، فإذا أخرجه مخرج التأكيد للخبر كان يميناً كما لو قال والله لأفعلن كذا وكذا، وإذا قلنا لا يكون يميناً فوجهه أن الأمانة، والعهد، والميثاق، هي الفرائض فيحتمل قوله على العهد بمعنى على فرائضه، وكذلك قوله: والأمانة لا فعلت يحتمل وحقوقه عليَّ لا فعلت هذا ويبين صحة هذا قوله: ﴿إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال ...﴾.
وأراد الإيمان والشرائع وكذلك قال سعيد بن المسيب: الأمانة في هذا الموضع الفرائض وإذا كانت تحتمل لم يحكم بصحة اليمين بأمر محتمل.
من قال أعزم بالله وايم الله ولم ينوِ يميناً:
7 - مسألة: فإن قال: لعمري أو أعزم لم يكن يميناً نوى اليمين أو لم ينوه رواية واحدة، لأن هذا اللفظ لم يثبت له عرف الشرع، ولا عرف استعمال فإن قال: أعزم بالله ولعمر والله، وايم الله، ونوى به اليمين كان يميناً وإن لم ينوِ به اليمين فهل يكون يميناً أم لا؟
نقل حرب فيمن قال: لعمرو الله، فإن أراد اليمين فعليه الكفارة، فظاهر هذا أنه إذا لم يرد اليمين لم يكن يميناً، وبه قال أبو بكر.
وقال شيخنا أبو عبد الله: يكون يميناً، كما لو قال: أشهد بالله، وأقسم بالله أنه يميناً، وإن لم ينوِ اليمين، وهو قول الخرقي، لأنه قال: ولو قال: أعزم بالله فهو يمين، ولم تعتبر النية.
وجه من قال لا يكون يميناً لعدم النية قال لم يثبت له عرف الشرع فلم يكن بمطلقه يميناً كقوله لعمري وأعزم وقد قال أحمد ـ رضي الله عنه ـ في رواية أبي طالب أشهد يمين ولعمري ليس بشيء ولأن قوله لعمر والله يحتمل بقاء الله ويحتمل حق الله وعبادة الله.
ووجه من قال: يكون يميناً بعدم النية، قال: قد ثبت لذلك عرف الشرع واللغة، قال تعالى: لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون قيل: إنه أقسم الله به.
وقال الشاعر:
لعمري وما عمر عليَّ بهيّن ... عمرك اللَّه كيف يلتقيان؟
وقال آخر:
لعمري ما يدري الفتى كيف يقضي ... نوائب هذا الدهر أم كيف يحذر
ولأن العمر هو البقاء قال الشاعر:
أيها المنكح الثريا سهيلاً ... عمرك اللَّه كيف يلتقيان؟
وقال رجل للنبي ـ صلى الله عليه وسلم: من أنت عمرك الله؟ قال: امرؤ من قريش.
وإذا كان معناه البقاء فكأنه قال: وبقاء الله، ولو قال ذلك كان يميناً، كذلك إذا قال: لعمرو الله، ولأن قوله: أعزم بالله، يحتمل اليمين، فإذا أخرجه مخرج التأكيد للخير كان يميناً كقوله: والله، يبين صحة هذا قول عمر لعلي ـ عليهما السلام ـ في الدية: عزمت عليك لا تبرح حتى تقسمها على قومك.
سقوط الكفارة بالدين
:
8 - مسألة: إذا كان في يده قدر الكفارة وعليه دين بقدر ذلك فهل ينتقل إلى الصيام أم لا؟
ونقل عبد الله فيمن حلف بصدقه ما يملك وعليه دين أكثر مما يملك أعليه كفارة قال نعم يكفر عن يمينه إذا كان في يديه ما يفضل عن عياله يومه، فظاهر هذا أن الدين لا يسقطها.
ونقل الحسن بن محمد بن الحارث فيمن له مائة درهم وعليه مائة درهم دين يكفر قال: أحب إليَّ أن يكفر، فظاهر هذا أن ذلك مستحب وليس بواجب.
وجه الأولى: أن الكفارة لا يعتبر فيها قدر من المال فلم تسقط بالدين دليله صدقة الفطر، وقد نص على أن صدقة الفطر لا تسقط بالدين لأنه لا يعتبر فيها قدر من المال كذلك الكفارة.
ووجه الثانية: أن صدقة المال تسقط بالدين فيجب أيضاً أن تسقط الكفارة بالدين لأن كل واحد منهما حق الله تعالى.
تكفير العبد عن يمينه بإذن سيده
:
9 - مسألة: إذا حنث العبد في يمينه فأذن له سيده في أن يكفر بالمال فهل يجزيه ذلك أم لا؟
فذلك مبني على الروايتين في العبد: هل يملك إذا ملك؟ فإن قلنا: يملك، صح ذلك وأجزأ عنه، وإن قلنا لا يملك لم يصح ذلك ولم يجز عنه، وكان فرضه الصوم، فإن أذن له سيده أن يعتق عن كفارته رقبة، فإن قلنا لا يملك إذا ملك لم يصح عتقه، وإن قلنا: يملك فهل يجزيه أن يعتق؟
على روايتين:
نقل أبو طالب: ليس له أن يعتق وإن أن سيده لأنه ملك لمولاه.
ونقل حنبل: يعتق إذا أذن له سيده في العتق وهو اختيار أبي بكر.
وجه الأولى: أن العتق يقتضي الولاء والولاء يقتضي الولاية والإرث، وليس العبد من أهل الولاية ولا من أهل الإرث فبطل أن يصح له العتق.
ووجه الثانية: قول ـ النبي صلى الله عليه وسلم ـ الولاء لحمة كلحمة النسب وأجراهما مجرى واحداً ثم ثبت أن العبد يثبت له النسب وإن كان لا ولاية به ولا إرث، كذلك في الولاء مثله ولأنه تكفير بمال بإذنه فأجزأ عنه دليله التكفير والإطعام والكسوة، ولأن من جاز له أن يكفر عنه بالإطعام جاز أن يكفر عنه بالعتق، كالحر، ولأن العتق قد يصح منه وإن لم يثبت له به ولاية كالسائبة وكما قالوا في الكافر: يعتق عبداً مسلماً والمسلم يعتق عبداً كافراً يصح وإن لم يكن ولاية ولا إرث.
فإذا قلنا: يصح أن يعتق بإذن السيد فأذن له سيده بالعتق عن كفارته فأعتق نفسه هل يجزي عتق العبد لنفسه عن كفارته؟
فقال أبو بكر: يتخرج على قولين أحدهما: يجزيه لأن الإذن مطلق فهو عام فيه وفي غيره.
والثاني: لا يجزيه لأن المأمور لا يدخل تحت الأمر.
ألا ترى أنه لو أذن لعبده في بيع عبيده لم يدخل هو تحت هذا الإذن فلا يجوز بيع نفسه، وكذلك الوكيل مأذون في البيع من غيره ولا يدخل هو تحت هذا الإذن فلا يجوز أن يبتاع لنفسه.
فإن حنث وهو عبد فلم يكفر حتى عتق.
فقال الخرقي فرضه الصوم لا يجزيه غيره فإن كفر بغير الصوم بالعتق أو بالإطعام لم يجزه ولم أجد هذه اللفظة عن أحمد أنه لا يجزيه وإنما المنصوص عنه أنه يصوم لأنه هو الواجب عليه، ومعناه أنه لا يلزمه التكفير بالمال اعتباراً
بحالة الوجوب، ولم يقل: إنه إن أطعم لم يجزه ويجب أن يعتبر فيه ما يعتبر في الحر الأصلي فإن قلنا: الاعتبار في الكفارة بحالة الوجوب وحالة الوجوب كان فقيراً فيجزيه الصيام، وإن كفر بالعتاق، والإطعام أجزأه كالحر الفقير، إذا حنث ثم أيسر فكفر بالإطعام يجزيه.
وإن قلنا: يعتبر بأغلظ الأحوال اعتبر من حين العتق إلى حين الأداء فيلزمه الأغلظ فيه، ولا يعتبر من حين الوجوب إلى حين العتق، لأنه قبل العتق لا يملك، ولا يقال فيه بأغلظ الأحوال وأخفها
فعل بعض المحلوف على تركه أو كله داخلاً في غيره:
10 - مسألة: إذا حلف لا لبست ثوباً من غزل امرأتي فلبس ثوباً فيه من غزلها ومن غزل غيرها فهل يحنث أم لا؟
نقل مهنا: إذا قال لامرأته: أنت طالق إن لبست ثوباً من غزلك فلبس ثوباً فيه من غزلها أقل من الثلث، أخشى أن يكون قد حنث.
فظاهر هذا أنه يحنث.
ونقل أبو الحارث فيمن حلف لا يلبس من غزل امرأته فنسج ثوباً من غزلها وفيه من غزل غيرها لم يحنث فظاهر هذا أنه لا يحنث.
وكذلك الخلاف إذا حلف لا يأكل هذا الرغيف فأكل بعضه، أو لا يشرب ماء هذا الإناء فشرب بعضه هل يحنث؟
على روايتين: واختار الخرقي الحنث لأنه قال: ولو حلف لا يشرب ماء هذا الإناء فشرب بعضه حنث إلا أن يكون أراد أن لا يشربه كله وكذلك الخلاف فيه إذا حلف لا يدخل الدار فأدخل يده أو رجله أو رأسه فهل يحنث أم لا؟
على روايتين:
نقل أبو طالب إذا حلف لا يدخل الدار أو البيت فأدخل يده أو رجله أو رأسه فقد دخل، فظاهر هذا أنه يحنث وهو اختيار الخرقي.
ونقل حنبل وصالح فيمن حلف على امرأته لا تدخل بيت أخيها لم تطلق حتى تدخل كلها، الكل لا يكون بعضاً والبعض لا يكون كلا، فظاهر هذا أنه لا يحنث.
وجه من قال لا يحنث قال: لأن الأصول موضوعة على أن الحنث يتعلق بما به البر وقد ثبت أنه لو حلف ليدخل هذه الدار وليأكلن هذا الرغيف وليشربن هذا الماء فأدخل بعضه أو أكل أو شرب بعضه لم يبر.
كذلك في الحنث يجب أن لا يحنث إلا بوجود جميع ذلك ولأنه منع نفسه من شيء بيمينه فيجب أن لا يحنث ما لم يفعله وإذا فعل بعضه فما فعله
ووجه من قال يحنث أن اليمين إذا كانت على النفي فهي على حظر ومنع وإذا كانت على إثبات فهي إباحة والإباحة تفتقر إلى شرطين كما لو طلقها ثلاثاً لم تحل له إلا بعد زوج والدخول بها، والحظر يتعلق بفعل واحد وهو تحريم أمهات النساء يتعلق بعقد النكاح، كذلك هاهنا وجب أن تتعلق الإباحة بأمرين والحظر بأحدهما ولأن اليمين إذا كانت على النفي فهي على الحظر والمنع، والحظر والمنع يتناول العين وكل جزء من أجزائها فإذا قال: لا دخلت هذه الدار فقد منع نفسه وكل جزء منه من الدخول، وكذلك إذا قال: لا أكلت هذا الرغيف فقد منع نفسه منه ومن كل جزء منه، فإذا تناول البعض فقد تناول ما توجهت اليمين إليه فيجب أن يحنث والذي يبين صحة هذا قوله تعالى: إنما المشركون نجس فلا يقربوا ... . وقوله: لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم ... . وقوله: لا تدخلوا بيوتاً غير بيوتكم ... وقوله: ولا جنبا إلا عابري سبيل ... .
هذه الألفاظ كلها اقتضت المنع للجملة البعض كذلك هاهنا.
اقتضاء اليمين استمرار الترك للمحلوف على تركه
: 11 - مسألة: إذا حلف بالطلاق ليخرجن من بغداد فخرج ثم عاد فهل تسقط يمينه أم لا؟ فنقل إسماعيل بن سعيد لا شيء عليه، فظاهر هذا أنها سقطت بالخروج
الأول ونقل مثنى بن جامع في رجل قال لامرأته: أنت طالق إن لم نرحل عن الدار ولم ينوِ شيئاً هل يجوز له أن يرحل عنها ويعود بعد ذلك بيوم أو شهر فلم ير أن يرجع.
فظاهر هذا أنه لم تسقط اليمين بخروجه مرة ويمكن أن يحمل هذا على أنه حلف أن يرحل عنها أبداً لسبب يصبح يمينه وكان ذلك السبب موجوداً فإن يمينه لا تسقط لوجود السبب فأما إن لم يكن هناك سبب فإن يمينه تسقط لأنه غلق اليمين بشرط وهو الخروج وقد وجد الشرط فلم يعتبر فيه التكرار والدوام كما لو قال: إن خرجت من الدار فلك درهم أو إن كلمتك غداً فلك درهم، فإنه لا يقتضي التكرار وكذلك هاهنا.
الوقوع في الممنوع باليمين بلا اختيار
:
12 - مسألة: إذا قال لا فارقتك حتى أستوفي حقي منك فهرب منه الذي عليه الحق، فهل يحنث أم لا؟
نقل جعفر بن محمد بن شاكر في رجل حلف على غريم له أن لا يفارقه حتى يستوفي منه ماله فهو منه.
خلته يحنث فقد نص على أنه يحنث.
وقال الخرقي ولو قال والله لا فارقتك حتى أستوفي حقي منك فهرب لم يحنث، ولو قال: لا افترقنا فهرب منه حنث، فظاهر كلام الخرقي أنه لا يحنث، ولو قال: لا افترقتنا فهرب منه حنث، فظاهر كلام الخرقي أنه لا يحنث، وقد أومأ إليه أحمد في رواية مهنا في رجل قال لامرأته: إن تركت هذا الصبي يخرج من باب البيت فأنت عليَّ كظهر أمي فانفلت الصبي فخرج أو قامت تصلي فخرج فإن كان نوى أن لا يخرج الباب فخرج حنث وإن نوى أن لا تدعه فهي لم تدعه فلا يحنث.
ولا يختلف المذهب أنه إذا قال: والله لا افترقنا فهرب منه يحنث فعلى رواية جعفر بن محمد: اليمين تعلقت بفعل الحالف والمحلوف عليه وعلى قول الخرقي اليمين تعلقت بفعل الحالف وحده، فإذا فر المحلوف عليه لم يحنث لأن اليمين لم تتوجه عليه.
وجه ما نقله جعفر بن محمد أن معنى اليمين لا حصل بيننا فرقه أو أستوفي حقي، وقد وجد ذلك، فهو كما لو قال: لا افترقنا، فإنه إذا هرب منه حنث.
كذلك إذا قال: لا فارقتك.
ووجه ما نقله الخرقي أن اليمين تعلقت بفعل الحالف وحده، والحالف ما فارقه وإنما فارقه المحلوف عليه فلم يحنث، لأن الصفة ما وجدت، ويفارق هذا إذا قال لا افترقنا، لأن اليمين تعلقت بفعلهما جميعاً، فلهذا حنث.
فعل الممنوع باليمين على صفة غير الممنوعة
:
13 - مسألة: إذا حلف لا يأكل سويقاً بعينه فشربه أو لا يشربه فأكله فهل يحنث أم لا؟
نقل مهنا فيمن حلف: لا يشرب هذا النبيذ، فثرد فيه وأكله: لا يحنث فظاهر هذا أنه لا يحنث إذا أكل موضع الشرب أو شرب موضع الأكل.
وقال الخرقي إذا حلف لا يأكل سويقاً فشربه أو لا يشربه فأكله حنث إلا أن يكون له نية.
فظاهر هذا أنه يحنث وإن حالف الفعل اللفظ.
ولا يختلف المذهب أنه لو حلف لا يشرب سويقاً لا يعينه فأكل سويقاً أو حلف لا يأكل سويقاً فشربه: إنه لا يحنث.
وقد قال أحمد في رواية إبراهيم الحربي فيمن حلف: لا شرب شيئاً فمص قصب سكر ليس عليه شيء، وكذلك لو حلف: لا يأكل شيئا فمص قصب سكر لم يكن عليه شيء على ما يتعارف الناس أن الرجل لا يقول: أكلت قصب السكر.
وجه ما نقله مهنا في أنه لا يحنث أن الأفعال أجناس وأنواع كالأعيان يقال أكل وشرب وقعد وقام وذهب كل واحد من هذا نوع غير الآخر، وكذلك الأعيان تمر وطعام وأنواع معقلي وبرني، ثم ثبت أن الأعيان إذا تعلقت الأيمان بجنس أو بنوع لا يتعلق غيره كذلك في الأفعال مثله.
ووجدنا أن الأكل جنس والشرب جنس، فإذا تعلقت بجنس لم تتعلق بغيره.
ويبين صحة هذا لو كانت اليمين مطلقة لا على شيء بعينه، فقال: لا شربت سويقاً فأكل سويقاً لا يحنث لعدم الجنس المحلوف عليه كذلك إذا كانت معينة.
ووجه ما نقله الخرقي أن اليمين إذا تناولت شيئاً على صفة بعينها لم يعتبر وجود الصفة فيها حال تناولها.
ألا ترى أنه لو حلف: أكلت هذا التمر فعمل
منه خلاً أو دبساً فإنه يحنث بأكله وإن لم يكن على الصفة المحلوف عليها؟ فكان المعنى في ذلك أنه يتناول العين المحلوف عليها فهو كما لو تناولها على صفتها ويبين صحة هذا أنه لو حلف لا أكلت هذا الحمل فصار كبشاً أو لأكملت هذا الصبي فصار شيخاً ثم كلمه أو أكل ذلك الكبش فإنه يحنث كذلك هاهنا.
ويفارق هذا إذا كانت اليمين لا على شيء بعينه أنه لا يحنث بمخالفة الصفة ألا ترى أنه لو حلف لأكملت صبياً فكلم شيخاً، أو لا أكلت لحم حمل فأكل لحم كبش فإنه لا يحنث لعدم التعيين، كذلك هاهنا.
السلام على جماعة فيهم المحلوف على ترك تكليمه
: 14 - مسألة: إذا حلف لا كلمت فلاناً فسلم على جماعة وفلان فيهم ولم يقصده بالكلام ولا عزله بنيته عن غيره بل أطلق السلام من غير نية فهل يحنث أم لا؟ على روايتين:
نقل أبو طالب وابن منصور فيمن حلف لا يكلم رجلاً فمر به في جماعة فسلم عليهم فنواه بالسلام حنث وإن لم ينوه لم يحنث، فظاهر هذا أنه لم يحنث إذا لم يقصده بالنية ولا اشتثنا بالنية.
ونقل مهنا في رجل حلف أن لا يكلم فلاناً فدخل المسجد وفيه جماعة فقال سلام عليكم فأخرج رأسه في باب المسجد كان قد استتر به فقال وعليكم السلام حنث الحالف، فظاهر هذا أنه حنثه وإن لم يقصده بالنية لأن الظاهر أنه إذا لم يشاهد مع الجماعة فلم يقصده بالسلام.
وجه الأولى: أنه يحتمل دخوله في القوم ويحتمل غيره فلا يحنث بالشك.
ووجه الثانية: أنه يحتمل إذا أطلق السلام على الجماعة فقد سلم عليهم وعلى كل واحد منهم فحنث ولا يختلف المذهب أنه إذا قصده حنث لأنه قد كلم كل واحد منهم وهو أحدهم ولا يختلف أيضاً أنه إذا عزله بالنية ونوى غيره لم يحنث لأن النية معنى والقياس معنى فكما صح تخصيص العموم بالقياس صح تخصيصه بالنية.
إيقاع الضربات الواجبة باليمين مرة واحدة بآلة متعددة الأجزاء
:
15 - مسألة: إذا حلف ليضربن عبده عشرة فأخذ ضغثاً فيه عشرة شماريخ فضربه بها دفعة واحدة فهل يبرأ أم لا؟
وقال شيخنا أبو عبد الله يبرأ لأن أحمد قال في المريض إذا وجب عليه حد فضربه به بعثكال المنخل سقط الحد عنه.
وجه ما ذكره الخرقي أنه لو حلف ليضربه مائة أو مائة ضربة لم يبر، فكذلك إذا قال مائة سوط يجب ألا يبر، ولأن القصد تكرر الألم وهذا لا يحصل إذا ضربه دفعة واحدة فلا يوجد المقصود.
ووجه ما ذكره شيخنا قوله تعالى: وخذ بيدك ضغثاً فاضرب به ولا تحنث ... وهذه قصة أيوب ـ عليه السلام ـ كان قد حلف أن يضرب زوجته مائة فعلمه الله تعالى كيف البر فيه فقال: اضربها بالضغث ولأنه إنما حلف أن يوصل إلى بدنه ضرباً هو مائة وقد أوصل ما حلف عليه، فيجب أن يبر.
ثبوت حكم اليمين على من قال حلفت ولم يكن قد حلف
:
16 - مسألة: إذا قال قد حلفت بالله يميناً وحنثت فيها ولم يكن قد حلف لم يلزمه فيما بينه وبين الله تعالى شيء وهل يلزمه في الحكم إخراج الكفارة؟
على روايتين:
نقل الميموني فيمن حلف قال حلفت يميناً ولم يكن حلف عليه كفارة يمين وإن قال حلفت بالطلاق ولميكن حلف يلزمه.
فظاهر هذا أنه ألزمه الكفارة في الحكم.
ونقل بكر بن محمد عن أبيه عنه في الرجل يقول حلفت ولم يكن حلف ليس عليه يمين وهي كذبة، فظاهر هذا أنه لا يلزمه شيء.
قال أبو بكر إذا قال حلفت بالله ولم يكن حلف لا يلزمه حكم اليمين ولو قال حلفت بالطلاق طلقت.
وجه الأولى:
أن اليمين بالله يتعلق بها حق الآدمي وهم الفقراء فيجب أن لا يصدق في الحكم كما لو قال حلفت بالطلاق ولم يكن حلف لم يصدق في الحكم لتعلقه بحق آدمي.
ووجه الأولى: أن يتصدق لأن الكفارة ليست لإنسان بعينه وإنما هي حق لله فيجب أن يدين فيها.
والطلاق يتعلق بحق آدمي معين فلم يصدق عليه في الحكم، ومحصول المذهب في الطلاق إذا قال حلفت ولم يكن حلف أنه يلزمه حكم الطلاق في ظاهر الحكم، لأنه مقر بذلك ويدين فيما بينه وبين الله تعالى، كما يفعل إذا نوى خلاف الظاهر، فإنه لا يصدق في الحكم ويدين، كذلك هاهنا.
الفصل بين اليمين والاستثناء منه
:
17 - مسألة: إذا فصل بين الاستثناء وبين اليمين بالله تعالى هل يصح الاستثناء أم لا؟
نقل أبو طالب عنه: إذا حلف يميناً تكفر ثم استثنى بعد فهو جائز، قيل له: وإذا قال والله، وسكت قليلاً، ثم قال: إن شاء الله، فله استثناؤه، لا يكفر.
فظاهر هذا جواز الفصل بزمان يسير.
وكذلك نقل المروذي عنه: إذا كان بالقرب ولم يختلط كلامه بغيره.
ونقل أبو النضر وأبو طالب أيضاً ما يدل على أنه لا يصح إذا انفصل، وهو اختيار الخرقي، لأنه قال: إذا لم يكن بين اليمين والاستثناء فصل.
وجه الأولى: ما روى ابن عمر عن ـ النبي صلى الله عليه وسلم ـ قال: والله لأغزون قريشاً، والله لأغزون قريشاً، ثم سكت ساعة، ثم قال: إن شاء الله فلولا صحة الاستثناء لم
يذكره، ولأنه يرفع اليمين، فجاز أن يقع منفصلاً كالكفارة.
ووجه الثانية: أن الاستثناء إذا لم يتصل بالكلام سقط كقوله عشرة ثم قال بعد ساعة إلا خمسة أو قال أنت طالق ثم قال بعد ساعة إن دخلت الدار أو قال لا إله ثم قال بعد ساعة إلا الله فإنه يتصل بالأولى.
الفصل بين اليمين والاستثناء منه
:
17 - مسألة: إذا فصل بين الاستثناء وبين اليمين بالله تعالى هل يصح الاستثناء أم لا؟
نقل أبو طالب عنه: إذا حلف يميناً تكفر ثم استثنى بعد فهو جائز، قيل له: وإذا قال والله، وسكت قليلاً، ثم قال: إن شاء الله، فله استثناؤه، لا يكفر.
فظاهر هذا جواز الفصل بزمان يسير.
وكذلك نقل المروذي عنه: إذا كان بالقرب ولم يختلط كلامه بغيره.
ونقل أبو النضر وأبو طالب أيضاً ما يدل على أنه لا يصح إذا انفصل، وهو اختيار الخرقي، لأنه قال: إذا لم يكن بين اليمين والاستثناء فصل.
وجه الأولى: ما روى ابن عمر عن ـ النبي صلى الله عليه وسلم ـ قال: والله لأغزون قريشاً، والله لأغزون قريشاً، ثم سكت ساعة، ثم قال: إن شاء الله فلولا صحة الاستثناء لم يذكره، ولأنه يرفع اليمين، فجاز أن يقع منفصلاً كالكفارة.
ووجه الثانية: أن الاستثناء إذا لم يتصل بالكلام سقط كقوله عشرة ثم قال بعد ساعة إلا خمسة أو قال أنت طالق ثم قال بعد ساعة إن دخلت الدار أو قال لا إله ثم قال بعد ساعة إلا الله فإنه يتصل بالأولى.
ما يجب على من نذر أن يمشي إلى بيت الله الحرام فركب مع القدرة
:
18 - مسألة: إذا أنذر أن يمشي إلى بيت الله الحرام فركب مع القدرة على المشي، فقد أساء، وعليه الكفارة، وفي مقدارها روايتان
نقل المروذي: عليه كفارة يمين واحتج بحديث أخت عقبة.
ونقل الأثرم فيمن نذر أن يمشي إلى أن يصيبه ما أصاب أخت عقبة فيركب ويهدي فظاهر هذا أنه عليه دماً.
وجه الأولى: وهي أصح ما روى عقبة بن عامر الجهني قال قلت يا رسول الله، إن أختي نذرت أن تمشي حافية غير مختمرة قال مرها فلتختمر ولتركب ولتصم ثلاثة أيام وفي حديث آخر ولتكفر عن يمينها وروى عتبة بن
عامر أن ـ النبي صلى الله عليه وسلم ـ قال كفارة النذر كفارة يمين ولأنه خالف نذره فكان عليه كفارة يمين دليله لو نذر أن يصوم يوماً بعينه فلم يصمه.
ووجه الثانية: ما روى في حديث أخت عقبة أنه أمرها أن تركب وتهدي هدياً ولأنه إذا ترك فقد ترفه ومن ترفه فعليه الفدية كاللباس والطيب.
التتابع في صوم النذر المطلق
:
19 - مسألة: إذا نذر صيام شهر وأطلق فهل يجب عليه صومه متتابعاً أما لا؟ على روايتين نقل مهنا في رجل نذر أن يصوم شهرا ولم يقل متتابعا ولا متفرقاً فالمتتابع أعجب إليَّ فظاهر هذا أنه مستحب فيه التتابع ولا يجب وهو اختيار أبي بكر.
ونقل محمد بن الحكم في رجل قال لله على أن أصوم عشرة أيام يصومها متتابعة وإذا قال شهراً فهو متتابع وإذا قال ثلاثين يوماً فله أن يفرق إذا قال ثلاثين يوماً فظاهر هذا أنه أوجب التتابع إذا نذر شهراً أو أياماً دون الشهر.
وإن كان ذكر ثلاثين لم يجب التتابع.
وجه الأولى: أن إطلاق العقد يفيد إيجاد العدد على أي وجه كان لأنه يقال لمن صام شهراً متتابعاً وشهراً متفرقاً قد صام شهراً، فإذا كان الاسم ينطلق عليه يجب أن يجزيه.
ووجه الثانية: أنه لزمه صيام شهر بالنذر فإذا لم يشترط فيه التفريق وجب فيه التتابع كما لو نذر شهراً بعينه ولأن النذر محمول على الفرض وصوم رمضان وكفارة القتل والظهار والوطء يجب متتابعاً كذلك هاهنا.
فأما قوله إذا نذر صوم ثلاثين يوماً لم يجب التتابع ففيه نظر فإنه لا فرق بين (أن) ينذر ثلاثين يوماً وبين أن ينذر عشرة أيام، وقد نص في صيام العشرة أن تكون متتابعة.
كذلك في صيام الثلاثين وعلى أنه قد قيل إن إطلاق الشهر يقتضي ما بين الهلالين وليس كذلك الأيام، لأن إطلاقها لا يقتضي الموالاة.
ألا ترى أنه لو قال جئتك أسبوعاً لم يعقل منه إلا التتابع، ولو قال: جئتك سبعة أيام لم يعقل منه التتابع؟ كذلك في الشهر مثله، وهذا التعليل يقتضي إسقاط التتابع في الأيام في الثلاثين وفيما دونها.
الإفطار أثناء صيام الشهر المنذور
:
20 - مسألة: فإن نذر صيام شهر بعينه فأفطر بغير عذر، فهل يبني أم يبتدىء شهراً؟ فنقل صالح فيمن نذر صوم شهر بعينه فأفطر عامداً: أتم الشهر وقضى الذي أفطر وكفر كفارة يمين.
فظاهر هذا أنه يبني.
ونقل محمد بن يحيى المتطبب فيمن نذر أن يصوم رجب فصام بعضه ثم أفطر يكفر ويأتي بشهر غيره، وظاهر هذا أنه يبتدىء، وهو اختيار الخرقي.
وجه الأولى: أن متابعة العبادة إذا كان من ناحية الوقت لم يجب الاستئناف بالإفساد كصيام رمضان.
ووجه الثانية: أنه صوم يجب بشرط التتابع، فإذا تركه بغير عذر بطل، دليله إذا كانت المتابعة من ناحية الشرط، فقال: لله عليَّ أن أصوم شهراً متتابعاً، فإنه يبطل بالفطر فيه، كذلك هاهنا.
انعقاد النذر المعلق على قدوم شخص
: 21 - مسألة: إذا نذر أن يصوم يوم يقدم فلان انعقد نذره.
ذكر أبو بكر في كتاب الاعتكاف من كتاب الخلاف، وحكى صحته عن أحمد ـ رضي الله عنه ـ في مواضع، لأن علق النذر فيه صوم التطوع فانعقد نذره فيه كما لو أصبح صائماً متطوعاً، ثم قال: إن قدم عليَّ فلان اليوم فلله عليَّ
أن أصوم بقية يومي فإنه يلزمه كذلك هاهنا.
فإن قدم أول من رمضان فهل عليه القضاء أم لا ... ؟
موافقة نذر الصوم المعلق بشرط لصوم واجب:
نقل جعفر بن محمد في النذر إذا وافق رمضان: يصوم رمضان ثم يقضي النذر، فظاهر هذا أنه عليه القضاء، وهو اختيار أبي بكر.
وقال الخرقي: إذا نذر صيام شهر من يوم يقدم فلان فقدم أول يوم من شهر رمضان: أجزأه صيامه لرمضان ونذره، فظاهر هذا أنه لا يلزمه القضاء وما وجدنا ما قاله عن أحمد وفيه ضعف، فوجهه مع ضعفه أنه وافق نذره زماناً يستحق صومه فلم يلزمه القضاء.
دليله لو نذر أن يصوم شهر رمضان أو نذر أن يصوم يوم يقدم فلان أبداً فقدم يوم اثنين فإن الأثانين التي توافق شهر رمضان لا تدخل تحت نذره.
رواية واحدة ـ نص عليه أحمد ـ رضي الله عنه ـ في رواية المروذي فقال إذا نذر أن يصوم كل اثنين وخميس فوافق رمضان يجزيه لصومه ونذره كذلك هاهنا.
وجه الأولى: وأنه يلزمه القضاء أن رمضان يتكرر على مر السنين فلا يكاد يتفق رمضان يوم قدومه فإذا كان مما يمكنه الوفاء به غالباً أنه قد نذره.
ويفارق هذا إذا نذر أن يصوم يوم يقدم فلان أبداً فقدم يوم الاثنين، أن نذره لا ينعقد في أثانين شهر رمضان لأن رمضان لا ينفك عن الأثانين فيه فلهذا لم ينعقد نذره فيه.
موافقة نذر الصوم ليوم لا يصح صومه: فإن قدم يوم فطر أو أضحى انعقد نذره وعليه القضاء في قول الخرقي وغيره من أصحابنا.
قال الخرقي: فإن قدم يوم فطر أوأضحى لم يصمه وصام يوماً مكانه وكفر كفارة يمين ويلزمه على هذا القول إذا وافق رمضان أن ينعقد نذره ويلزمه القضاء أيضاً.
وقد أومأ أحمد إلى هذا أيضاً في رواية أحمد بن سعيد فيمن نذر أن يصوم شهراً فوافق يوم عيد منه، قال: يفطر ويكفر كفارة يمين، فقيل له: فنذر أن يصوم أياماً مسماة فوافق يوم عيد، فقال: يكفر ويعيد صيامه.
فقد حكم بصحة النذر، وأوجب عليه القضاء لموافقة يوم العيد، ومعنى قوله: نذر أن يصوم شهراً فوافق يوم عيد وأن ينذر أن يصوم شهراً عند قدومه زيد أو عند قدوم ماله أو عند شفاء مريضه فوافق ذلك الشهر يوماً من أيام العيد، وكذلك قوله إذا نذر صيام أيام مسماة، فوافق يوم عيد.
معنى قوله: مسماة، يعني مسماة العدد، وكان قد علق نذره بشرط واحد في أيام فيها يوم عيد فإنه ينعقد ويكون عليه القضاء.
والوجه فيه ما ذكرنا أن يوم العيد يتكرر على مر السنين، فلا يكاد يتفق يوم العيد يوم قدومه، فإذا كان مما يمكنه الوفاء به غالباً انعقد نذره.
وجود شرط صوم النذر أثناء النهار:
فإن قدم فلان في يوم قد أكل فيه فهل يلزمه القضاء أم لا؟
على روايتين:
إحداهما: لا يلزمه، نص عليه في رواية محمد بن يحيى المتطبب فيمن نذر أن قدم فلان أن يصوم ذلك اليوم لقدم فلان وقد أكل: ليس عليه شيء، لأنه اليوم معدوم.
الثانية: عليه القضاء، نص عليها فيه إذا قدم في يوم فطر أو أضحى أنه يقضي.
وجه الأولى: أن الناذر عند وجود الشرط يصير كالمتكلم بالجواب عند وجود الشرط، ألا ترى أنه لو قال: إن ملكت هذا الثوب فلله على أن أتصدق به فملكه صار عند وجود الملك كأنه قال: لله عليَّ أن أصوم هذا اليوم وقد كان أكل فيه فلا يلزمه.
ووجه الثانية: أنه لو علق الإيجاب بوقت بعينه، فقال: لله عليَّ أن أصوم يوم الخميس فأفطر في ذلك اليوم لزمه القضاء، كذلك إذا علقه بشرط، لأن كل واحد منهما متعلق بزمان مستقبل.
الكفارة على من صادف صيام نذره صياماً واجباً أو محرماً:
فإذا ثبت أن نذره ينعقد في رمضان وفي يوم العيد وأنه يلزمه القضاء فهل يلزمه مع القضاء كفارة يمين؟ فالحكم فيه وفيمن نذر أن يصوم كل اثنين وخميس فوافق ذلك اليوم فطراً أو أضحى فإن النذر ينعقد ويلزمه القضاء لأن يوم العيد يتكرر على مر السنين فلا يكاد يتفق يوم الاثنين والخميس وهل عليه الكفارة مع القضاء.
على روايتين:
نقل حنبل قال: حدثنا أبو عبد الله عن روح قال: حدثنا أشعث عن الحسن في رجل جعل على نفسه صوم الاثنين والخميس، فوافق ذلك يوم الفطر أو يوم أضحى، قال: يفطر ويصوم يوماً مكانه، ولا شيء عليه.
قال حنبل: سمعت أبا عبد الله يقول: أذهب إلى قول الحسن يفطر يوم العيدين ولا يصومهما، ويقض مكانه ولا شيء عليه، فظاهر هذا لا كفارة عليه.
قال أبو حفص بن المسلم في هذا روايتان:
إحداهما: ما روى حنبل لا يصوم يوم العيد ويصوم يوماً مكانه ولا كفارة عليه.
وروى أبو طالب والأثرم وصالح والمروذي: القضاء والكفارة، وهو اختيار الخرقي، لأنه قال فإن وافق قدومه يوم أفطر أو أضحى لم يصمه وصام يوماً مكانه وكفر كفارة يمين وكذلك قال في رواية أحمد بن سعيد إذا نذر صيام شهر أو صيام أيام معلومة فوافق يوم العيد يصوم يكفر.
وجه الأولى: في إسقاط الكفارة أنه إذا صام في غير اليوم الذي عينه فقد أخر الصوم عن وقت أدائه، وهذا لا يوجب الكفارة، دليله صوم رمضان إذا أخره عن وقت أدائه فإنه لا كفارة عليه.
ويفارق هذا إذا أخر القضاء حتى دخل رمضان آخر أنه يجب الكفارة لأن الكفارة هناك وجبت لتأخير القضاء لأن وقته مخصوص بزمان وهو ما بين رمضانين، وقضاء النذر وقته غير محصور بوقت فلم يجب بتأخره كفارة.
ووجه الثانية: في إيجاب الكفارة ما روي عن ـ النبي صلى الله عليه وسلم ـ: النذر
حلف وكفارته كفارة يمين وقوله كفارة النذر كفارة يمين فقد شبهه باليمين وحكم اليمين في مسألتنا الكفارة.
وروى عقبة بن عامر قال يا رسول الله، إن أختي نذرت أن تمشي حافية غير مختمرة.
قال: مرها فلتختمر ولتركب ولتصم ثلاثة أيام
وروي: ولتكفر عن يمينها، ولأنه صوم واجب فجاز أن يجب بجنسه القضاء والكفارة، دليله صوم رمضان يجب فيه القضاء والكفارة إذا أخره حتى دخل رمضان آخر كذلك النذر.
وهكذا الحكم فيه إذا نذر صيام شهر متتابع بعينه فأفطر فيه لغير عذر فإنه يقضي، وهل يكفر أم لا؟
يتخرج على الروايتين
وكذلك لو نذر صيام شهر متتابع ولم يسمه فمرض في بعضه فإذا عوفي أتمه.
وهل يكفر؟ يتخرج على الروايتين:
واختار الخرقي في ذلك: القضاء والكفارة، والوجه ما تقدم.
صوم يوم العيد بالنذر
:
22 - مسألة: إذا نذر أن يصوم يوم العيد هل ينعقد نذره أم لا؟
نقل حنبل عنه فيمن نذر أن يصوم يوم النحر: لا يصوم ويكفر عن يمينه فظاهر هذا أنه لم يحكم بصحة النذر وجعل موجبه كفارة.
ونقل أبو طالب فيمن نذر أن يصوم شوال فصام إلا يوم الفطر: يصوم يوماً مكان يوم الفطر ويكفر كفارة يمين، فظاهر هذا أنه حكم بصحة النذر لأنه ألزمه القضاء.
وجه الأولى: وهي أصح، أنه زمان يتحق الفطر، فلم ينعقد فيه النذر كزمان الليل أو زمان الحيض.
ووجه الثانية: أنه يوم من جنس الأيام فلا ينافي صحة النذر كسائر الأيام، ولا يلزم عليه الليل، لقولنا جنس الأيام، ولا الحيض لأن فيه فطراً.
من نذر أن يحج ولم يكن حج الفرض
:
23 - مسألة: فإننذر أن يحج في هذا العام وعليه حجة الفرض في ذمته، ووجدت فيه شرائط الوجوب، فهل ينعقد نذره أم لا؟
نقل ابن منصور فيمن نذر أن يحج ولم يحج حجة الفرض: يبدأ بفرض الله ثم يقضي ما أوجب على نفسه، فظاهر هذا أنه انعقد نذره وألزمه الحجة المنذورة بعد المفروضة.
ونقل أبو طالب: إذا نذر أن يحج ولم يكن حج حجة الإسلام فيحج ويجزيه عنها، فظاهر هذا أنه لم ينعقد نذره لأنه لم يلزمه القضاء.
وجه الأولى: أن العبادتين إذا اجتمعتا بسببين مختلفين لم تسقط إحداهما بالأخرى كما لو نذر أن يصلي وعليه صلاة مفروضة، ولأنه لو نذر أن يحج حجتين فإن ذلك لا يوجب إسقاط إحداهما للأخرى، كذلك هاهنا.
ووجه الثانية: أنه إذا قال: لله عليَّ أن أحج وعليه حجة الفرض، فإنه يحتمل أن يكون قصد الإخبار بأن عليه حجة مفروضة، فيجب أن يحمل على ذلك كما لو مات وعليه حجة الفرض ووصى أن يخرج من ماله حجة فإنه تحمل وصيته على الحجة المفروضة.
وهذا التعليل إنما يختص إذا قال: لله عليَّ أن أحج، ولم يصرح بذكر النذر فأما إن قال: لله عليَّ نذر لم يجىء هذا التعليل ولكن يكون وجهه أن هذا زمان مستحق متعين لحجة الفرض فوجب أن يمنع من صحة النذر بحجة أخرى كما لو نذر صوم رمضان فإنه لا يصح لاستحقاقه، ولأن الحجة المفروضة قد تمنع من حجة أخرى وجبت بنسب آخر.
ألا ترى أن الصبي والعبد إذا أحرما بالحج وأفسدا قبل الوقوف ثم أعتق العبد وبلغ الصبي فإنهما يمضيان في حجهما الفاسد وعليهما الحج المفروض ولا قضاء عليها للحجة التي أفسداها، ولو لم يبلغ الصبي ولم يعتق العبد كان عليهما
القضاء، ولأنه لم يتوجه عليهما فرض الحج، فلما توجه الفرض سقط القضاء كذلك هاهنا لما توجه الفرض جاز أن يمنع وجوب الفرض.
القدر المجزىء في نذر الصلاة المطلق
:
24 - مسألة: إذا نذر أن يصلي فهل يجزيه ركعة؟
نقل إسماعيل بن سعيد: يجزيه ركعة، واحتج بأن الوتر ركعة؟
وقال الخرقي: ومن نذر أن يصلي فأقل الصلاة ركعتان.
وجه الأولى: أن الركعة شرعية، وهي الوتر، فجاز أن يحمل النذر عليه.
ووجه الثانية: أن النذور محمولة على أصولها، ولم يفرض في الفرض صلاة أقل من ركعتين، ولأنها عبادة تلزم بالنذر فوجب أن يلزم بالإيجاب حسب ما ثبت في الفرض كالحج، ويفارق هذا الوتر لأنها نافلة والنذر واجب فكان حمله على أصله في الفرض أولى.
كفارة نذر قتل المعصوم
:
25 - مسألة: إذا نذر ذبح ولده أو ذبح نفسه أي شيء يجب في ذلك؟
نقل أبو منصور فيمن نذر أن ينحر نفسه: يفدي بنفسه إذا حنث بذبح شاة.
ونقل حنبل: إذا نذر ذبح أولاده وله ثلاثة يذبح عن كل واحد منهم كبشاً، فظاهر هذا أنه يلزمه بموجب النذر ذبح كبش، وكذلك إذا نذر ذبح أجنبي فإنه موجبة ذبح كبش.
قال أبو طالب: قرأت على أحمد: حدثنا ابن نمير عن حجاج عن عطاء عن ابن عباس في الذي يقول: أنا أنحر فلاناً، فقال: عليه كبش، ذبح إبراهيم كبشاً.
فظاهر هذا أنه أخذ بالحديث فتخرج من هذا أنه إذا نذر ذبح آدمي أن موجبة كبش.
وينقل المروذي كلاماً يقتضي أن موجبه كفارة يمين، فقال في امرأة حلفت بنحر ولدها: اختلفوا فيها، فقال قوم: تهريق دماً، فقيل له: ليس شيء أكثر من هذا، تطعم عشرة مساكين، فإن لم تقدر تطعم صامت ثلاثة أيام متتابعة يجزى عنها.
فظاهر هذا أنه جعل موجبه كفارة يمين، وقد ذكر الخرقي في ذلك روايتين:
وجه الأولى: في أن موجبه كبش، وهي أصح، أن إبراهيم ـ عليه السلام ـ لزمه ذبح ولده ثم كان موجباً كبشاً وشرائع من قبل نبينا هو لنا ما لم يثبت نسخها.
وقد ذكر صاحب التاريخ وغيره أنه نذر أن ينحر أول ولد يولد له، فأمره الله تعالى بأن يعزم على الوفاء بنذره ثم فداه بذبح عظيم.
والفداء ما قام مقام الشيء.
وعن ابن عباس أن من نذر أن ينحر ولده فعليه شاة.
والصحابي إذا قال قولاً مخالفاً للقياس فإنه يحمل على أنه قال توفيقاً، وكل ما كان موجبه في شريعة من كان قبل نبينا شاة كان موجبه في شريعة نبينا، دليله إذا قال: لله أن أذبح شاة.
ووجه الثانية: قول ـ النبي صلى الله عليه وسلم ـ: لا نذر في معصية الله وكفارته كفارة يمين، فجعل موجب نذر المعصية كفارة يمين، ومن قال: موجبه كبش فلم
يجعل موجبه كفارة يمين، ولأنه نذر معصية فكان كفارته كفارة يمين، دليله لو قال: لله عليَّ أن أشرب الخمر أو أقتل النفس، فإن موجب ذلك كفارة يمين لا يختلف المذهب فيه كذلك هاهنا.
نذر الصوم لمن لا يقدر عليه
:
2 - مسألة: فإن نذر أن يصوم وهو شيخ كبير لا يطيق الصيام أي شيء يلزمه؟
نقل الفضل بن زياد: يطعم ويكفر، فظاهر هذا أنه يجتمع عليه الإطعام عن كل يوم مد وكفارة يمين.
ونقل المروذي في الشيخ الكبير إذا لم يطق صوم النذر: يكفر ويعود إلى نذره، فظاهر هذا أنه لم يوجب الإطعام.
قال أبو بكر: قوله: يعود إلى نذره، يعني إذا أطلق.
وجه الأولى: وهي أصح، أنه صوم واجب عجز عنه لكبر، فكان عليه من كل يوم إطعام مسكين دليله صوم رمضان إذا عجز عنه لكبر، والدلالة على وجوب الكفارة ما تقدم من حديث أخت عقبة وقوله ـ عليه السلام ـ كفارة النذر كفارة يمين.
ووجه الثانية: وأنه يجزى فيه الكفارة أن الكفارة إنما وجبت لتركه
الفعل، فلو قلنا: يجب المد عن كل يوم مع الكفارة أوجبنا في ذلك كفارتين، وهذا لا يجوز.
صيام الأشهر المنذورة متتابعة
:
1 - مسألة: إذا نذر أو حلف أن يصوم ثلاثة أشهر متتابعة، فتلبس بالصوم مع رؤية الهلال، فإنه يصوم ذلك بالأهلة، فإن تلبس به في بعض الشهر فإنه يكمل الشهر الأول بالعدد وما بعده من الشهور، على روايتين:
إحداهما: يصومها بالأهلة.
والأخرى: يصومها بالعدد أيضاً، أومأ إليه في رواية صالح: إذا قال: لله أن أصوم شهرين متتابعين، فإن اعترض الأيام صام ستين يوماً، وإن ابتدأ الشهر فصام شهرين متتابعين فكان تسعة وخمسين أجزأه.
فقد نص على أنه إذا ابتدأ في أثناء الشهر أكمل الشهرين بالعدد ولم يعتبر الثاني بالهلال.
الرواية الثانية: يعتبر ما بعد الأول بالهلال، قال في رواية أبي طالب فيمن كان عليه صيام سنة أو أقل: فإن كان صام في النصف من الشهر صام بقية الشهر والشهر الذي بعده على التمام والنقصان وتم أيامه الأولى ثلاثين يوماً، فقد نص عليه أنه يعمل على الأهلة فيما بعده، وكذلك الحكم في مدة العدد والأجل في الإيلاء والإجارات.
وجه الرواية الأولى: في اعتبار سائر الشهور بالأيام إذا كان الدخول في الصيام في بعض الشهر، أنه لما لم يكن ابتداء المدة بالهلال وجب استيفاء الشهر الأول بالأيام ثلاثين يوماً، فيكون انقضاؤه في بعض الشهر الذي يليه ثم كذلك حكم سائر الشهور، ولا يجوز أن يجبر هذا الشهر من آخر الشهور ويجعل ما بينهما من الشهور بالأهلة، لأن الشهور سبيلها أن تكون أيامها متصلة متوالية فوجب استيفاء شهر كامل ثلاثين يوماً من أول المدة أياماً متوالية متصلة.
ووجه الرواية الثانية: في اعتبار ما بعد الشهر الأول بالأهلة وهو الصحيح وهو قول مالك والشافعي وإحدى الروايتين عن أبي حنيفة قوله ـ صلى الله عليه وسلم: صوموا
لرؤيته وأفطروا لرؤيته ... فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين.
فأمر بالاعتبار بالهلال في الصوم مع وجوده، ونقلنا إلى الأيام عند عدمه فدل على أن الاعتبار بالهلال ولأنه قد استقبل الشهر الذي يليه بالهلال فوجب أن يكون انتهاؤه بالهلال كما لو ابتدأ العدة بالهلال.
ولأن الله تعالى قال: فسيحوا في الأرض أربعة أشهر ... واتفق أهل النقل أنها كانت عشراً من ذي الحجة والمحرم وصفر وشهر ربيع الأول وعشرين من شهر ربيع الآخر فاعتبر الهلال فيما يأتي من الشهور دون العدد، فوجب مثله في نظائره.
نذر الصدقة فيما لا يملك
: 28 - مسألة: إذا نذر أن يتصدق بمال غيره هل ينعقد نذره أم لا؟ نقل عبد الله ومحمد بن الحكم لا نذر فيما لا يملك ابن آدم، على حديث أبي المهلب عن عمران بن حصين قال ـ النبي صلى الله عليه وسلم ـ: لا نذر فيما لا يملك ابن آم فظاهر هذا أنه نذر غير منعقد.
ونقل حنبل فيمن قال: علام فلان حر، ومال فلان في المساكين: عليه كفارة يمين.
قال أبو بكر: مسألة تخرج على اليمين.
وجه الأولى: وهي أصح، ما احتج به أحمد ـ رحمه الله ـ من حديث عمران قال ـ النبي صلى الله عليه وسلم ـ: لا نذر فيما لا يملك ابن آدم ـ فنفى صحة النذر على الإطلاق ولأنه عقد في ملك الغير إذن فلم يصح، كما لو باع ملك غيره بغير إذنه.
ووجه الثانية: قول ـ النبي صلى الله عليه وسلم ـ: كفارة النذر كفارة يمين، ولو حلف أن يتصدق بمال غيره منع منه وكان عليه الكفارة، كذلك إذا نذر أن يتصدق به ولأن أكثر ما فيه أنه معصية لا يمكنه الوفاء بما نذر وهذا لا يمنع من انعقاده وإيجاب الكفارة كما لو نذر فعل معصية.