كتاب المناسك
يجب الحج والعمرة في العمر 1 مرة واحدة بخمسة شروط:
الإِسلام.
والعقل: فلا يجب على كافر ولا مجنون ولا يصح منهما.
والبلوغُ.
والحرية.
فلا يجب على صبي ولا على 2 عبد ويصح منهما, ولا يجزئهما إِن بلغ الصبي أو عتق العبد إِلا أن يبلغ ويعتق في الحج قبل الخروج من عرفة.
وفي العمرة قبل طوافها فيجزئهما، ويحرم الصبي المميز بإِذن وليه وغير المميز يحرم عنه وليه ويفعل عنه ما يعجز عنه من عمله.
ونفقة الحج وكفاراته في مال وليه، وعنه في مال الصبي.
وليس للعبد الإِحرام إِلا بإِذن سيده، ولا للمرأة الإِحرام نفلًا إِلا بإِذن زوجها، فإِن فعلا فلهما تحليلهما ويكونان كالمحصر، وإِن أحرما بإِذن لم يجز تحليلهما, وليس للزوج منع امرأته من حج الفرض ولا تحليلها إِن أحرمت به.
الجزء: 1 - الصفحة: 109
فصل
الشرط الخامس: الاستطاعة، وهو أن يملك زاداً وراحلة صالحة لمثله بآلتها الصالحة لمثله أو ما يقدر به على تحصيل ذلك فاضلًا عما يحتاج إِليه من مسكن وخادم وقضاء دينه ومؤنته ومؤنة عياله على الدوام، ولا يصير مستطيعاً ببذل غيره بحال، فمن كملت له هذه الشروط وجب عليه الحج على الفور، فإِن عجز عن السعي [إِليه لكبر أو مرض لا يرجى برؤه لزمه أن يقيم من يحج عنه ويعتمر من بلده، وقد أجزأ عنه وإِن عوفي.
ومن أمكنه السعي إِليه لزمه ذلك إِذا كان في وقت المسير ووجد طريقاً آمناً لا خفارة فيه يوجد فيه الماء والعلف على المعتاد، وعنه أن إِمكان المسير وتخلية الطريق من شرائط الوجوب.
وقال ابن حامد إِن كانت الخفارة لا تجحف مسألة لزمه بذلها.
ومن وجب عليه الحج فتوفي قبله أُخْرج عنه من جميع ماله حجة وعمرة، فإِن ضاق ماله عن ذلك أو كان عليه دَين أخذ للحج بحصته وحج به من حيث يبلغ 3].
فصل
[ويشترط لوجوب الحج على المرأة وجود محرمها وهو زوجها أو من تحرم عليه على التأييد بنسب أو سبب مباح إِذا كان بالغاً عاقلًا، وعنه أن المَحْرَم من شرائط لزوم الأداء، وإِن مات المحرم في الطريق مضت في حجها ولم تصر محصرة، ولا يجوز لمن يحج عن نفسه أن يحج عن غيره، ولا نذره ولا نافلة، فإِن فعل انصرف إِلى حجة الإِسلام، وعنه يقع ما نواه.
وهل يجوز لمن يقدر على الحج بنفسه أن يستنيب في حج التطوع؟ على روايتين 4].
الجزء: 1 - الصفحة: 110
باب المواقيت
وميقات أهل المدينة من ذي الحليفة، وأهل الشام ومصر والمغرب الجحفة، وأهل اليمن يلملم وأهل نجد قرن، وأهل المشرق ذات عرق.
وهذه المواقيت لأهلها ولمن مر عليها من غيرهم ومن منزله دون الميقات فميقاته من موضعه.
وأهل مكة إِذا أرادوا العمرة فمن الحل، ومن أراد الحج فمن مكة.
ومن لم يكن طريقه (3) على ميقات فإِذا حاذى أقرب المواقيت إِليه أحرم.
ولا يجوز لمن أراد دخول مكة تجاوز الميقات بغير إِحرام إِلا لقتال مباح أو حاجة متكررة كالحطاب ونحوه، ثم إِن بدا له النسك أحرم من موضعه (2)، ومن جاوزه مريداً للنسك رجع فأحرم منه، فإِن أحرم من موضعه 5 فعليه دم وإِن رجع إِلى الميقات، والاختيار أن لا يحرم قبل ميقاته.
ولا يحرم بالحج قبل أشهره فإِن فعل فهو محرم.
وأشهر الحج شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة 6.
الجزء: 1 - الصفحة: 111
باب الإِحرام
يستحب لمن أراد الإِحرام أن يغتسل ويتنظف ويتطيب ويلبس ثوبين أبيضين نظيفين وإِزاراً ورداءً ويتجرد عن المخيط ويصلي ركعتين ويحرم عقيبهما، وينوي الإِحرام بنسك معين، ولا ينعقد إِلا بالنية ويشترط فيقول:
"اللهم إِني أريد النسك الفلاني فيسره لي وتقبله مني.
فإِن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني".
وهو مخير بين التمتع والإِفراد والقران، وأفضلها التمتع ثم الإِفراد.
وعنه إِن ساق الهدي فالقران أفضل ثم التمتع.
وصفة التمتع أن يحرم بالعمرة في أشهر الحج ويفرغ منها ثم يحرم بالحج من مكة أو من قريب منها في عامه.
والإِفراد أن يحرم بالحج منفرداً.
والقران أن يحرم بهما جميعاً، أو يحرم بالعمرة ثم يدخل عليها الحج.
ولو أحرم بالحج ثم أدخل عليه العمرة لم يصح إِحرامه بها.
ويجب على المتمتع والقارن دم نسك إِذا لم يكونا من حاضري المسجد الحرام وهم أهل مكة، ومن كان منها دون مسافة القصر.
ومن كان قارناً أو مفرداً أحببنا له أن يفسخ بطواف وسعي ويجعلها عمرة لأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أصحابه بذلك، إِلا أن يكون قد ساق معه هدياً فيكون على إِحرامه.
وإِن 7 ساق المتمتع هدياً لم يكن له أن يحل.
والمرأة إِذا دخلت متمتعة فحاضت فخشيت فوات الحج أحرمت بالحج وصارت قارنة.
الجزء: 1 - الصفحة: 112
ومن أحرم مطلقاً صحَّ وله صرفه إِلى ما شاء، وإِن أحرم بمثل ما أحرم به فلان انعقد إِحرامه بمثله، وإِن أحرم بحجتين أو عمرتين انعقد بإِحداهما، وإِن أحرم بنسك ونسيه جعله عمرة.
وقال القاضي يصرفه إِلى أيهما شاء.
وإِن أحرم عن رجلين وقع عن نفسه، وإِن أحرم عن أحدهما لا بعينه وقع عن أحدهما (2)، وقال أبو الخطاب له صرفه إِلى أيهما شاء (1). وإِذا استوى على راحلته لبى تلبية رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:
"لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك.
إِن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك".
والتلبية سنة، ويستحب رفع الصوت بها والإِكثار منها والدعاء بعدها.
ويلبي إِذا على نشزاً، أو هبط وادياً، وفي دبر الصلوات المكتوبات وإِقبال الليل والنهار، وإِذا التقت الرفاق.
ولا ترفع المرأة صوتها إِلا بقدر ما تسمع رفيقتها.
باب محظورات الإِحرام
وهي تسع:
الأول: حلق الشعر.
الثاني: تقليم الأظفار: فمن حلق أو قلم ثلاثة فعليه دم.
وعنه لا يجب إِلا في أربعة 9 فصاعداً.
وفيما دون ذلك في كل واحد مد من طعام، وعنه قبضة، وعنه درهم.8
الجزء: 1 - الصفحة: 113
وإِن حلق رأسه بإِذنه فالفدية عليه، وإِن كان مكرهاً أو نائماً فالفدية على الحالق، وإِن حلق محرم رأس حلال فلا فدية عليه.
وقطع الشعر ونتفه كحلقه، وشعر الرأس والبدن واحد، وعنه لكل واحد حكم مفرد.
وإِن خرج في عينه شعر فقلعه، أو نزل شعره فغطى عينيه فقصه، أو انكسر ظفره فقصه، أو قلع جلداً عليه شعر فلا فدية عليه.
فصل
الثالث: تغطية الرأس: فمتى غطاه بعمامة، أو خرقة، أو قرطاس فيه دواء أو غيره، أو عصبه، أو طينه بطين أو حناء أو غيره فعليه الفدية، وإِن استظل بالمحمل ففيه روايتان، وإِن حمل على رأسه شيئاً أو نصب حياله ثوباً أو استظل بخيمة أو شجرة أو بيت فلا شيء عليه.
وفي تغطية الوجه روايتان.
فصل
الرابع: لبس المخيط والخفين: إِلا أن لا يجد إِزاراً فليلبس السراويل 10، أو نعلين فليلبس الخفين ولا يقطعهما ولا فدية عليه.
ولا يعقد عليه منطقة ولا رداء ولا غيره إِلا إِزاره وهميانه الذي فيه نفقته إِذا لم يثبت إِلا بالعقد.
وإِن طرح على كتفيه قباء فعليه الفدية، وقال الخرقي لا فدية عليه إِلا أن يدخل يديه في كميه، ويتقلد بالسيف عند الضرورة.
الجزء: 1 - الصفحة: 114
فصل
الخامس: الطيب: فيحرم عليه [تطييب بدنه أو ثيابه، وشم الأدهان المطيبة والادّهان بها، وشمّ المسك والكافور والعنبر والزعفران والورس والتبخر بالعود ونحوه، وأكل ما فيه طيب يظهر طعمه أو ريحه، وإِن مس من الطيب ما لا يعلق بيده فلا فدية عليه، وله ثم العود والفواكه والشيح والخزامى، وفي شم الريحان والنرجس والورد والبنفسج والبرم ونحوها والادّهان بدهن غير مطيب في رأسه روايتان.
وإِن جلس عند العطار أو في موضع ليشم الطيب فشمه فعليه الفدية وإِلا فلا 11].
فصل
السادس: قتل صيد البر واصطياده: وهو ما كان وحشياً مأكولاً أو متولداً منه ومن غيره، فمن أتلفه أو تلف في يده أو أتلف جزءاً منه فعليه جزاؤه، ويضمن ما دل عليه أو أشار إِليه، أو أعان على ذبحه، أو كان له أثر في ذبحه مثل أن يعيره سكيناً، إِلا أن يكون القاتل محرماً فيكون جزاؤه بينهما.
ويحرم عليه الأكل من ذلك كله، وأكل ما صيد لأجله ولا يحرم عليه الأكل من غير ذلك.
وإِن أتلف بيض صيد أو نقله إِلى موضع آخر ففسد فعليه ضمانه بقيمته.
ولا يملك الصيد بغير الإِرث وقيل لا يملكه به أيضاً.
وإِن أمسك صيداً حتى تحلل ثم تلف أو ذبحه ضمنه وكان ميتة، وقال أبو الخطاب له أكله.
الجزء: 1 - الصفحة: 115
وإِن أحرم وفي يده صيد، أو دخل الحرم بصيد لزمه إِزالة يده المشاهدة دون الحكمية عنه فإِن لم يفعل فتلف ضمنه.
وإِن أرسله إِنسان من يده قهراً فلا ضمان على المرسل.
وإِن قتل صيداً صائلاً عليه دفعاً عن نفسه أو بتخليصه من سبع أو شبكة ليطلقه لم يضمنه، وقيل يضمنه فيهما.
ولا تأثير للحرم ولا للإِحرام في تحريم حيوان إِنسي ولا محرم الأكل إِلا القمل على المحرم 12 في رواية.
وأي شيء تصدق به كان خيراً منه.
ولا يحرم صيد البحر على المحرم، وفي إِباحته في الحرم روايتان.
ويضمن الجراد بقيمته، فإِن انفرش في طريقه فقتله بالمشي عليه ففي الجزاء وجهان.
وعنه لا ضمان في الجراد.
ومن اضْطُر إِلى أكل الصيد أو احتاج إِلى شيء من هذه المحظورات فله فعله وعليه الفداء.
فصل
السابع: عقد النكاح: لا يصح منه.
وفي الرجعة روايتان.
ولا فدية عليه في شيء منهما.
فصل الثامن: الجماع في الفرج قبلًا كان أو دبراً من آدميٍ أو غيره: فمتى فعل ذلك قبل التحلل الأول فسد نسكه عامداً كان أو ناسياً، وعليهما المضي في فاسده والقضاء على الفور من حيث أحرما أولاً، ونفقة المرأة
الجزء: 1 - الصفحة: 116
في القضاء عليها إِن طاوعت، وإِن أكرهت فعلى الزوج، ويتفرقان في القضاء من الموضع الذي أصابها فيه إِلى أن يحلا.
وهل هو واجب أو مستحب؟ على وجهين.
وإِن جامع بعد التحلل الأول لم يفسد حجه ويمضي إِلى التنعيم فيحرم ليطوف وهو محرم.
وهل تلزمه بدنة أو شاة؟ على روايتين.
فصل
التاسع: المباشرة فيما دون الفرج لشهوة: فإِن فعل فأنزل فعليه بدنة، وهل يفسد نسكه؟ على روايتين، وإِن لم ينزل لم يفسد.
فصل والمرأة إِحرامها في وجهها، ويحرم عليها ما يحرم على الرجل إِلا في اللباس وتظليل المحمل، ولا تلبس القفازين والخلخال ونحوه، ولا تكتحل بالإِثمد، ويجوز لبس المعصفر والكحلي والخضاب بالحناء والنظر في المرآة لهما جميعاً.
باب الفِدْيَة
وهي على ثلاثة أضرب:
أحدها: ما هو على التخيير، وهو نوعان:
أحدهما: يخير فيه بين صيام ثلاثة أيام أو إِطعام ستة مساكين لكل مسكين مد بر أو نصف صاع تمر أو شعير أو ذبح شاة، وهي فدية حلق الرأس وتقليم الأظفار وتغطية الرأس واللبس والطيب.
وعنه يجب الدم إِلا أن يفعله لعذر فيخير.
الجزء: 1 - الصفحة: 117
الثاني: جزاء الصيد يخير فيه بين المثل أو تقويمه بدراهم يشتري بها طعاماً فيطعم كل مسكين مداً أو يصوم عن كل مد يوماً، وإِن كان مما لا مثل له خير بين الإِطعام والصيام.
وعنه أن جزاء الصيد على الترتيب: فيجب المثل، فإِن لم يجده لزمه الإِطعام، فإِن لم يجده صام.
فصل
الضرب الثاني على الترتيب، وهو ثلاثة أنواع:
أحدها دم المتعة والقران، فيجب الهدي فإِن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج، والأفضل أن يكون آخرها يوم عرفة وسبعة إِذا رجع إِلى أهله، فإِن صامها قبل ذلك أجزأه، فإِن لم يصم قبل يوم النحر صام أيام منى.
وعنه لا يصومها 13، ويصوم بعد ذلك عشرة أيام وعليه دم.
وعنه إِن ترك الصوم لعذر لم يلزمه إِلا قضاؤه، وإِن تركه لغير عذر فعليه مع فِعْلِهِ دم، وقال أبو الخطاب إِن أخَّر الهدي والصوم لعذر لم يلزمه إِلا قضاؤه، وِإن أخَّر الهدي لغير عذر فهل يلزمه دم آخر؟ على روايتين.
قال وعندي أنه لا يلزمه مع الصوم دم بحال، ولا يجب التتابع في الصيام، ومتى وجب عليه الصوم فشرع فيه ثم قدر على الهدي لم يلزمه الانتقال إِليه إِلا أن يشاء، وإِن وجب ولم يشرع فهل يلزمه الانتقال إِليه؟ على روايتين.
الجزء: 1 - الصفحة: 118
النوع الثاني المحصر يلزمه الهدي، فإِن لم يجد صام عشرة أيام ثم حل.
النوع الثالث فدية الوطء تجب به بدنة، فإِن لم يجدها صام عشرة أيام ثلاثة في الحج وسبعة إِذا رجع كدم المتعة لقضاء الصحابة (رضي الله عنهم) (1) به.
وقال القاضي إِن لم يجد البدنة أخرج بقرة، فإِن لم يجد فسبعاً من الغنم فإِن لم يجد أخرج بقيمتها طعاماً، فإِن لم يجد صام عن كل مد يوماً، وظاهر كلام الخرقي أنه مخير في هذه الخمسة فبأيها كفر أجزأه.
ويجب بالوطء في الفرج بدنة إِن كان في الحج وشاة إِن كان في العمرة.
ويجب على المرأة مثل ذلك إِن كانت مطاوعة، وإِن كانت مكرهة فلا فدية عليها، وقيل يلزمها كفارة يتحملها الزوج عنها.
فصل
الضرب الثالث: الدماء الواجبة للفوات أو لترك واجب أو للمباشرة 15 في غير الفرج، فما أوجب منه بدنة فحكمها حكم البدنة الواجبة بالوطء في الفرج، وما عداه فقال القاضي: ما وجب لترك واجب ملحق بدم المتعة، وما وجب للمباشرة ملحق بفدية الأذى.
ومتى أنزل بالمباشرة دون الفرج فعليه بدنة، وإِن لم ينزل فعليه شاة.
وعنه بدنة.
وِإن كرر النظر فأنزل أو استمنى فعليه دم، هل هو بدنة أو شاة؟ على روايتين.
وإِن مذى بذلك فعليه شاة، وإِن فكر فأنزل فلا فدية عليه.14
الجزء: 1 - الصفحة: 119
فصل
ومن كرر محظوراً من جنس، مثل أن حلق ثم حلق أو وطئ ثم وطئ 16 قبل التكفير عن الأول فكفارة واحدة، [وإِن كفر عن الأول لزمته 17] للثاني كفارة، وإِن قتل صيداً بعد صيد فعليه جزاؤهما.
وعنه عليه جزاء واحد.
وإِن فعل محظوراً من أجناس فعليه لكل واحد فداء، وعنه عليه فدية واحدة.
وإِن حلق أو قلم أو وطئ أو قتل صيداً عامداً أو مخطئاً فعليه الكفارة، وعنه في الصيد لا كفارة إِلا في العمد، ويخرّج في الحلق مثله.
وإِن لبس أو تطيب أو غطى رأسه ناسياً فلا كفارة فيه، وعنه عليه الكفارة، ومن رفض إِحرامه ثم فعل محظوراً فعليه فداؤه.
ومن تطيب قبل إِحرامه في بدنه فله استدامة ذلك في إِحرامه، وليس له لبس ثوب مطيب، وإِن أحرم وعليه قميص خلعه ولم يشقه، فإِن استدام لبسه فعليه الفدية، وإِن لبس ثوباً كان مطيباً وانقطع ريح الطيب منه وكان بحيث إِذا رش فيه ماء فاح ريحه فعليه الفدية.
فصل
وكل هدي أو إِطعام فهو لمساكين الحرم [إِن قدر على إِيصاله إِليهم 18]، إِلا فدية الأذى واللبس ونحوهما إِذا وجد سببهما في الحل فيفرقها حيث وجد سببها.
ودم الإِحصار يخرجه حيث أُحْصِر، وأما الصيام فيجزئه بكل مكان.
وكل دم ذكرناه يجزئه فيه شاة أو سبع بدنة، ومن وجبت عليه بدنة أجزأته بقرة.
الجزء: 1 - الصفحة: 120
باب جزاء الصيد
وهو ضربان:
أحدهما: (له) مثل من النَّعَم فيجب فيه مثله.
وهو نوعان:
أحدهما قضت فيه الصحابة رضي الله عنهم ففيه ما قضت: ففي النعامة بدنة، وفي حمار الوحش وبقرته والأيل والثيتل والوعل بقرة، وفي الضبع كبش، وفي الغزال والثعلب عنز، وفي الوبر والضب جدي، وفي اليربوع جفرة لها أربعة أشهر، وفي الأرنب عناق، وفي الحمام وهو كل ما عب وهدر شاة، وقال الكسائي (1): كل مطوق حمام.
النوع الثاني ما لم تقض فيه الصحابة رضي الله عنهم فيرجع فيه إِلى قول عدلين من أهل الخبرة، ويجوز أن يكون القاتل أحدهما، ويجب في كل واحد من الكبير والصغير, والصحيح والمعيب مثله، إِلا الماخض تُفْدى بقيمة مثلها.
وقال أبو الخطاب يجب فيها مثلها، ويجوز فداء أعور من عين بأعور من أخرى، وفداء الذكر بالأنثى، وفي فدائها به وجهان.
فصل
الضرب الثاني: ما لا مثل له وهو سائر الطير ففيه قيمته 20، إِلا ما كان أكبر من الحمام فهل يجب فيه قيمته أو شاة؟ على وجهين.
ومن19
الجزء: 1 - الصفحة: 121
أتلف جزءاً من صيد ففيه ما نقص من قيمته أو قيمة مثله إِن كان مثلياً، وإِن نَفَّر صيداً فتلف بشيء ضمنه، وإِن جرحه فغاب ولم يعلم خبره فعليه ما نقصه.
وكذلك إِن وجده ميتاً ولم يعلم موته بجنايته.
وإِن اندمل غير ممتنع فعليه جزاء جميعه.
وإِن نتف ريشه فعاد فلا شيء عليه.
وقيل عليه قيمة الريش.
وكل ما قتل صيداً حكم عليه.
وإِن اشترك جماعة في قتل صيد فعليهم جزاء واحد.
وعنه على كل واحد جزاء.
وعنه إِن كفروا بالمال فكفارة واحدة، وإِن كفروا بالصيام فعلى كل واحد كفارة (1).
باب صيد الحَرَم ونباته
وهو حرام على الحلال والمحرم، فمن أتلف من صيده شيئاً فعليه ما على المحرم في مثله، وإِن رمى الحلال من الحل صيداً في الحرم، أو أرسل كلبه عليه، أو قتل صيداً على غصن في الحرم أصله في الحل، أو أمسك طائراً في الحل فهلك فراخه في الحرم ضمن في أصح الروايتين، وإِن قتل في (2) الحرم صيداً في الحل بسهمه أو كلبه أو صيداً على غصن في الحل أصله في الحرم أو أمسك حمامة في الحرم فهلك فراخها في الحل لم يضمن في أصح الروايتين، وإِن أرسل كلبه من الحل على صيد في الحل فقتل صيداً في الحرم فعلى وجهين، وإِن فعل ذلك بسهمه ضمنه.
فصل
ويحرم قلع شجر الحرم وحشيشه، إِلا اليابس والإِذخر وما زرعه الآدمي، وفي جواز الرعي وجهان، ومن قلعه ضَمِنَ الشجرة الكبيرة2122
الجزء: 1 - الصفحة: 122
ببقرة، والصغيرة بشاة، والحشيش بقيمته، والغصن بما نقص، فإِن استخلف سقط الضمان في أحد الوجهين، ومن قطع غصناً في الحل أصله في الحرم ضمنه فإِن قطعه في الحرم وأصله في الحل لم يضمنه في أحد الوجهين.
فصل
ويحرم صيد المدينة وشجرها وحشيشها، إِلا ما تدعو الحاجة إِليه من شجرها للرحل والعارضة والقائمة ونحوها من حشيشها للعلف، ومن أدخل إِليها صيداً فله إِمساكه وذبحه، ولا جزاء في صيد المدينة، وعنه جزاؤه سلب القاتل لمن أخذه.
وحد حرمها ما بين ثور إِلى عير، وجعل النبي - صلى الله عليه وسلم - حول المدينة اثني عشر ميلاً حمى.
باب ذكر الحجّ ودخول مكة
يستحب أن يدخل مكة من أعلاها من ثنية كداء، ثم يدخل المسجد من باب بني شيبة، فإِذا رأى البيت رفع يديه وكبر وقال:
"اللهم أنت السلام ومنك السلام حَيِّنا ربَّنا بالسلام.
اللهم زد هذا البيت تعظيماً وتشريفاً وتكريماً ومهابة وبرّاً، وزد من عظَّمه وشرَّفه ممن حجه واعتمره تعظيماُ وتشريفاُ وتكريماُ ومهابة وبراُ.
الحمد لله رب العالمين كثيراُ كما هو أهله وكما ينبغي لكرم وجهه وعز جلاله، والحمد لله الذي بلغني بيته ورآني لذلك أهلًا، والحمد لله على كل حال.
اللهم إِنك دعوت إِلى حج بيتك الحرام، وقد جئتك لذلك.
اللهم تقبل مني واعفُ عني وأصلح لي شأني كله لا إِله إِلا أنت" يرفع بذلك صوته.
ثم يبتدئ بطواف العمرة إِن كان معتمراً أو طواف القدوم إِن كان مفرداً
الجزء: 1 - الصفحة: 123
أو قارناً، ويضطبع بردائه فيجعل وسطه تحت عاتقه الأيمن وطرفيه على عاتقه الأيسر، ثم يبتدئ من الحجر الأسود فيحاذيه بجميع بدنه ثم يستلمه ويقبله، وإِن شاء استلمه وقَبَّل يده، وإِن شاء أشار إِليه ويقول:
"بسم الله والله أكبر إِيماناً بك وتصديقاً بكتابك ووفاء بعهدك واتباعاً لسنة نبيك محمد - صلى الله عليه وسلم - " كلما استلمه.
ثم يأخذ على يمينه ويجعل البيت على يساره، فإِذا أتى على الركن اليماني استلمه وقبل يده.
ويطوف سبعاً يرمل في الثلاثة الأول منها، وهو إِسراع المشي مع تقارب الخطا، ولا يثب وثباً، ويمشي أربعاً، وكلما حاذى الحجر والركن اليماني استلمهما أو أشار إِليهما، ويقول كما حاذى الحجر:
"الله أكبر ولا إِله إِلا الله".
وبين الركنين:
"ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار".
وفي سائر الطواف:
"اللهم اجعله حجاً مبروراً وسعياً مشكوراً وذنباً مغفوراً، رب اغفر وارحم وتجاوز عما تعلم وأنت الأعز الأكرم" ويدعو بما أحب.
وليس على النساء ولا أهل مكة رمل ولا اضطباع، وليس في غير هذا الطواف رمل ولا اضطباع.
ومن طاف راكباً أو محمولًا أجزأه.
وعنه لا يجزئه إِلا لِعُذْرٍ، ولا يجزئ عن الحامل، وإِن طاف منكساً، أو على جدار الحِجْر، أو شاذروان الكعبة، أو ترك شيئاً من الطواف وإِن قل أو لم ينْوِه لم يجزئه،
الجزء: 1 - الصفحة: 124
وإِن طاف محدثاً أو نجساً أو عرياناً لم يجزئه.
وعنه يجزئه ويجبره بدم.
وإِن أحدث في بعض طوافه أو قطعه بفصل طويل ابتدأه، وإِن كان يسيراً أو أقيمت الصلاة أو حضرت جنازة صلى وبنى.
ويتخرج أن الموالاة سنة.
ثم يصلي ركعتين والأفضل أن يكون خلف المقام يقرأ فيهما ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ بعد "الفاتحة" ثم يعود إِلى الركن فيستلمه، ثم يخرج إِلى الصفا من بابه.
ويسعى سبعاً يبدأ بالصفا فيرقى عليه حتى يرى البيت فيستقبله ويكبر ثلاثاً ويقول:
"الحمد لله على ما هدانا.
لا إِله إِلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو حي لا يموت، بيده الخير وهو على كل شيء قدير.
لا إِله إِلا الله وحده لا شريك له، صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده.
لا إِله إِلا الله ولا نعبد إِلا إِياه مخلصين له الدين وله كره الكافرون" ثم يلبي ويدعو بما أحب.
ثم ينزل من الصفا ويمشي حتى يأتي العلم فيسعى سعياً شديداً إِلى العلم، ثم يمشي حتى يأتي المروة فيفعل عليها مثل ما فعل على الصفا، ثم ينزل فيمشي في موضع مشيه ويسعى في موضع سعيه يفعل ذلك سبعاً، يحتسب بالذهاب سعية وبالرجوع سعية، يفتتح بالصفا ويختم بالمروة.
وإِن بدأ بالمروة لم يحتسب بذلك الشرط، ويستحب أن يسعى طاهراً مستتراً متوالياً.
وعنه أن ذلك من شرائطه.
والمرأة لا ترقى ولا ترمل، فإِذا فرغ من السعي، فإِن كان معتمراً قصَّر من شعره وتحلل، إِلا أن يكون المتمتع قد ساق هدياً فلا يحل حتى يحج، ومن كان متمتعاً قطع التلبية إِذا وصل البيت.
الجزء: 1 - الصفحة: 125
باب صفة الحج
ّ
يستحب للمتمتع الذي حل وغيره من المحلين بمكة الإِحرام بالحج يوم التروية وهو الثامن من ذي الحجة من مكة، ومن حيث أحرم [من الحرم 23] جاز.
ثم يخرج إِلى منى فيصلي بها الظهر ويبيت بها، فإِذا طلعت الشمس سار إِلى عرفة فأقام بنمرة حتى تزول الشمس، ثم يخطب الإِمام خطبة يعلمهم فيها الوقوف ووقته والدفع منه والمبيت بمزدلفة، ثم ينزل فيصلي بهم الظهر والعصر يجمع بينهما بأذان وإِقامتين، ثم يروح إِلى الموقف.
وعرفة كلها موقف إِلا بطن عُرْنَةَ وهي 24 من الجبل المشرف على عرنة إِلى 25 الجبال المقابلة له إِلى ما يلي حوائط بني عامر، ويستحب أن يقف عند الصخرات وجبل الرحمة راكباً، وقيل الراجل أفضل، ويكثر من الدعاء ومن قوله:
"لا إِله إِلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت وهو حي لا يموت بيده الخير 26 وهو على كل شيء قدير.
اللهم اجعل في قلبي نوراً، وفي بصري نوراً، وفي سمعي نوراً، ويسر لي أمري".
ووقت الوقوف من طلوع الفجر يوم عرفة إِلى طلوع الفجر يوم النحر، فمن حَصَّل بعرفة في شيء من هذا الوقت وهو عاقل (فقد) 27 تَمَّ حجه، ومن فاته ذلك فاته الحج.
ومن وقف بها نهاراً ودفع قبل غروب الشمس فعليه دم، وإِن وافاها ليلاً فوقف بها فلا دم عليه.
الجزء: 1 - الصفحة: 126
ثم يدفع بعد غروب الشمس إِلى مزدلفة وعليه السكينة والوقار 28، فإِذا وجد فجوة أسرع، فإِذا وصل مزدلفة صلى المغرب والعشاء قبل حط الرحال، فإِن صلى المغرب في الطريق ترك السنة وأجزأه، ومن فاتته الصلاة مع الإِمام بمزدلفة أو بعرفة جمع وحده، ثم يبيت بها، فإِن دفع قبل نصف الليل فعليه دم، وإِن دفع بعده فلا شيء عليه، وإِن جاء بعد الفجر فعليه دم.
وحدُّ المزدلفة ما بين المأزمين ووادي محسر، فإِذا أصبح بها صلى الصبح بغلس 29، ثم يأتي المشعر الحرام فيرقى عليه أو يقف عنده ويحمد الله تعالى ويكبره ويدعو فيقول:
"اللهم كما وقفتنا فيه وأريتنا إِياه فوفقنا لذكرك كما هديتنا واغفر لنا وارحمنا كما وعدتنا بقولك وقولك الحق: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ (198) ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: 198 - 199]. إِلى أن يسفر".
ثم يدفع قبل طلوع الشمس، فإِذا بلغ محسراً أسرع قدر رمية حجر.
ثم يأخذ حصى الجمار من طريقه أو من مزدلفة ومن حيث أخذه جاز، ويكون أكبر من الحمص ودون البندق وعدده سبعون حصاة.
فإِذا وصل منى وحدُّها: من وادي محسر إِلى العقبة بدأ بجمرة العقبة فرماها بسبع حصيات واحدة بعد واحدة.
ويكبر مع كل حصاة.
ويرفع يده حتى يرى بياض إِبطيه.
ولا يقف عندها.
ويقطع التلبية مع ابتداء الرمي.
فإِن رمى بذهب أو فضة أو غير الحصا أو حجر رُمي به لم يجزئه.
الجزء: 1 - الصفحة: 127
ويرمي بعد طلوع الشمس فإِن رمى بعد نصف الليل أجزأه.
ثم ينحر هدياً إِنكان معه.
ويحلق أو يقصر من جميع شعره، وعنه يجزئه بعضه كالمسح.
والمرأة تقصر من شعرها قدر الأنملة.
ثم قد حل له كل شيء إِلا النساء.
وعنه إِلا الوطء في الفرج.
والحلق والتقصير نسك إِن أخَّره عن أيام منى فهل يلزمه دم؟ على روايتين.
وعنه أنه إِطلاق من محظور لا شيء في تركه.
ويحصل التحلل بالرمي وحده، فإِن قدم الحلق على الرمي أو النحر جاهلاً أو ناسياً فلا شيء عليه، وإِن كان عالماً فهل عليه دم؟ على روايتين.
ثم يخطب الإِمام خطبة يعلمهم فيها النحر والإِفاضة والرمي، ثم يفيض إِلى مكة ويطوف للزيارة، ويُعَيِّنه بالنية وهو الطواف الواجب الذي به تمام الحج، وأول وقته بعد نصف الليل من ليلة النحر، والأفضل فعله يوم النحر، فإِن آخره عنه وعن أيام منى جاز، ثم يسعى بين الصفا والمروة إِن كان متمتعاً أو لم يكن سعى مع طواف القدوم، فإن كان قد سعى لم يسع، ثم قد حل له كل شيء.
ثم يأتي زمزم فيشرب منها لما أحب ويتضلع منه ويقول:
"بسم الله، اللهم اجعله لنا علماً نافعاً، ورزقاً واسعاً، ورِيّاً وشِبَعاً وشفاء من كل داء.
واغسل به قلبي، واملأه من خشيتك (وحكمتك) (1) ".
فصل
ثم يرجع إِلى منى ولا يبيت بمكة ليالي منى، ويرمي الجمرات بها في أيام التشريق بعد الزوال كل جمرة بسبع حصيات [واحدة بعد واحدة 31]،30
الجزء: 1 - الصفحة: 128
ويبدأ بالجمرة الأولى وهي أبعدهن من مكة وتلى مسجد الخيف فيجعلها عن يساره ويرميها بسبع، ثم يتقدم قليلًا فيقف يدعو الله ويطيل، ثم يأتي الوُسْطى فيجعلها عن يمينه ويرميها بسبع ويقف عندها فيدعو، ثم يرمي جمرة العقبة بسبع ويجعلها عن يمينه ويستبطن الوادي ولا يقف عندها، ويستقبل القبلة في الجمرات كلها.
والترتيب شرط في الرمي، وفي عدد الحصى روايتان إِحداهما سبع والأخرى يجزئه خمس، فإِن أحل بحصاة واجبة من الأولى لم يصح رمي الثانية فإِن لم يعلم من أي الجمار تركه بنى على اليقين.
وإِن أخَّر الرمي كله فرماه في آخر أيام التشريق جاز، ويرتبه بنيته، وإِن أخَّره عن أيام التشريق أو ترك المبيت بمنى في لياليها فعليه دم، وفي حصاة أو ليلة واحدة ما في حلق شعره، وليس على أهل سقاية الحاج والرعاء مبيت بمنى، فإِن غربت الشمس وهم بمنى لزم الرعاء المبيت دون أهل السقاية.
ويخطب الإِمام في اليوم الثاني من أيام التشريق خطبة يعلمهم فيها حكم التعجيل والتأخير وتوديعهم، فمن أحب أن يتعجل في يومين خرج قبل غروب الشمس، فإِن غربت وهو بمنى لزمه المبيت والرمي من الغد.
فإِذا أتى مكة لم يخرج حتى يودع البيت بالطواف، فإِذا فرغ من جميع أموره، فإِن ودع ثم اشتغل في تجارة أو أقام أعاد الوداع، [ومن أخَّر طواف الزيارة فطافه عند الخروج أجزأه عن طواف الوداع 32]، فإِن خرج قبل الوداع رجع إِليه، فإِن لم يمكنه فعليه دم، إِلا الحائض والنفساء لا وداع عليهما، وإِذا فرغ من الوداع وقف في الملتزم بين الركن والباب فقال:
الجزء: 1 - الصفحة: 129
"اللهم هذا بيتك، وأنا عبدك وابن عبدك وابن أمتك، حملتني على ما سخرت لي من خلقك، وسيرتني في بلادك، حتى بلغتني بنعمتك إِلى بيتك، وأعنتني على أداء نسكي.
فإِن كنت رضيت عني فازدد عني رضاً، وإِلا فمن الآن قبل أن تنأى عن بيتك داري، فإذا أوان انصرافي إِن أذنت لي، غير مستبدل بك ولا بيتك، ولا راغب عنك ولا عن بيتك.
اللهم فأصحبني العافية في بدني، والصحة في جسمي، والعصمة في ديني، وأحسن منقلبي، وارزقني طاعتك ما أبقيتني، واجمع لي بين خيري الدنيا والآخرة، إِنك على كل شيء قدير" ويدعو بما أحب ويصلي على النبي - صلى الله عليه وسلم -، إِلا أن المرأة إِذا كانت حائضاً لم تدخل المسجد بل وقفت على بابه فدعت بذلك (1).
فإِذا فرغ من الحج استحب له زيارة قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - وقبر صاحبيه رضي الله عنهما.
فصل في صفة العُمْرَة
من كان في الحرم خرج إِلى الحل فأحرم منه (2، والأفضل أن يحرم من التنعيم 34، فإِن أحرم من الحرم لم يجز وينعقد وعليه دم، ثم يطوف ويسعى، ثم يحلق أو يقصر، ثم قد حل له.
وهل يحل قبل الحلق والتقصير؟ على روايتين 35. وتجزئ عمرة القارن، والعمرة من التنعيم عن عمرة الإِسلام في أصح الروايتين.33
الجزء: 1 - الصفحة: 130
فصل
أركان الحج:
الوقوف بعرفة.
وطواف الزيارة.
وعنه أنها أربعة: الوقوف.
والإِحرام.
والطواف.
والسعي.
وعنه أنها ثلاثة وأن السعي سنة، واختار القاضي أنه واجب وليس بركن.
وواجباته سبعة: الإِحرام من الميقات.
والوقوف بعرفة إِلى الليل.
والمبيت بمزدلفة إِلى بعد نصف الليل.
والمبيت بمنى.
والرمي.
والحلق.
وطواف الوداع.
وما عدا هذا سنن.
وأركان العمرة: الطواف.
وفي الإِحرام والسعي روايتان.
وواجباتها: الحلق في إِحدى الروايتين.
فمن ترك ركناً لم يتم نسكه إِلا به.
ومن ترك واجباً فعليه دم.
ومن ترك سنة فلا شيء عليه.
باب الفوات الإِحصار
ومن طلع عليه الفجر يوم النحر ولم يقف بعرفة فقد فاته الحج.
ويتحلل بطوافٍ وسعي.
وعنه أنه ينقلب إِحرامه لعمرة ولا قضاء عليه إِلا أن يكون فرضاٍ.
وعنه عليه القضاء.
وهل يلزمه هدي؟ على روايتين:
إِحداهما عليه هدي يذبحه في حجة القضاء إِن قلنا عليه قضاء.
وإِلا ذبحه في عامه.
وإِن أخطأ الناس فوقفوا في غير يوم عرفة أجزأهم، وإِن أخطأ بعضهم فقد فاته الحج.
الجزء: 1 - الصفحة: 131
ومن أحرم فحصره عدو ولم يكن له طريق إِلى الحج ذبح هدياً في موضعه وحل، فإِن لم يجد هدياً (1) صام عشرة أيام ثم حل، ولو نوى التحلل قبل ذلك لم يحل، وفي وجوب القضاء على المحصر روايتان.
فإِن صد عن عرفة دون البيت تحلل بعمرة ولا شيء عليه.
ومن أحصر بمرض أو ذهاب نفقة لم يكن له التحلل، فإِن فاته الحج تحلل بعمرة.
ويحتمل أنه يجوز له التحلل كمن حصره العدو.
ومن شرط في ابتداء إِحرامه أن محلي حيث حبستني فله التحلل بجميع ذلك ولا شيء عليه.
باب الهدي والأضاحي
والأفضل فيهما الإِبل ثم البقر ثم الغنم.
والذكر والأنثى سواء.
ولا يجزئ إِلا الجذع من الضأن وهو ما له ستة أشهر والثنى مما سواه.
وثنى الإِبل ما كمل له خمس سنين: ومن البقر ما له سنتان ومن المعز ما له سنة.
وتجزئ الشاة عن واحد البدنة والبقرة عن سبعة، سواء أراد جميعهم القربة أو بعضهم والباقون اللحم.
ولا يجزئ فيهما العوراء البين عورها -وهي التي انخسفت عينها-، ولا العجفاء التي لا تنقي -وهي الهزيلة التي لا منع فيها- والعرجاء البين ظَلَعُها فلا 37 تقدر على المشي مع الغنم، والمريضة البين مرضها، والعضباء وهي التي ذهب أكثر أذنها أو قرنها، وتكره المعيبة الأذن بخرق36
الجزء: 1 - الصفحة: 132
أو شق أو قطع لأقل من النصف وتجزئ الجماء والبتراء والخصي.
وقال ابن حامد: لا تجزئ الجماء.
والسنة نحو الإِبل قائمة معقولة يدها اليسرى، فيطعنها بالحربة في الوهدة التي بين أصل العنق والصدر.
وتذبح البقر والغنم.
ويقول عند ذلك:
بسم الله والله أكبر اللهم هذا منك ولك.
ولا يستحب أن يذبحها غير مسلم، فإِن ذبحها بيده كان أفضل، فإِن لم يفعل استحب له 38 أن يشهدها.
ووقت الذبح يوم العيد بعد الصلاة أو قدرها إِلى آخر يومين من أيام التشريق ولا يجزئ في ليلتهما في قول الخرقي، وقال غيره يجزئ، فإِن فات الوقت ذبح الواجب قضاء وسقط التطوع.
ويتعين الهدي بقوله هذا هدي أو تقليده وإِشعاره مع النية.
والأضحية بقوله هذه أضحية، ولو نوى حال الشراء لم يتعين بذلك، وإِذا تعينت لم يجز بيعها ولا هبتها إِلا أن يبدلها بخير منها.
وقال أبو الخطاب لا يجوز أيضاً، وله ركوبها عند الحاجة ما لم يضر بها.
وإِن ولدت ذبح ولدها معها.
ولا يشرب من لبنها إِلا ما فضل عن ولدها.
ويجز صوفها ووبرها ويتصدق به إِن كان أنفع لها.
ولا يعطى الجازر بأجرته شيئاً منها.
وله أن ينتفع بجلدها وجلها ولا يبيعه ولا شيئاً منها.
وإِن ذبحها فسرقت فلا شيء عليه فيها، وإِن ذبحها ذابح في وقتها بغير إِذن أجزأت ولا ضمان على ذابحها.
وِإن أتلفها أجنبي فعليه قيمتها، وإِن أتلفها صاحبها ضمنها بأكثر الأمرين من مثلها أو قيمتها فإِن ضمنها بمثلها وأخرج فضل القيمة جاز، ويشتري به شاة أو سبع بدنة، فإِن لم يبلغ
الجزء: 1 - الصفحة: 133
اشترى به لحماً فتصدق به أو يتصدق بالفضل.
وإِن تلفت بغير تفريطه لم يضمنها.
وإِن عطب الهدي في الطريق نحوه بموضعه وصبغ نعله التي في عنقه في دمه وضرب بها صفحته ليعرفه الفقراء فيأخذوه ولا يأكل منه هو ولا أحد من رفقته.
وإِن تعيبت ذبحها وأجزأته إِلا أن تكون واجبة في ذمته قبل التعيين كالفدية والمنذور في الذمة فإِن عليه بدله.
وهل له استرجاع هذا العاطب والمعيب؟ على روايتين.
وكذلك إِن ضلت فذبح بدلها ثم وجدها.
فصل
سوق الهدي مسنون لا يجب إِلا بالنذر.
ويستحب أن يقفه بعرفة ويجمع فيه الحل والحرم ولا يجب ذلك.
ويسن إِشعار البدنة فيشق صفحة سنامها حتى يسيل الدم ويقلدها ويقلد الغنم النعل وآذان القرب والعرى.
وإِذا نذر هدياً مطلقاً فأقل ما يجزئه شاة أو سبع بدنة، وإِن نذر بدنة أجزأته بقرة فإِن عين بنذره أجزأه ما عينه صغيراً كان 39 أو كبيراً من الحيوان وغيره، وعليه إِيصاله إِلى فقراء الحرم إِلا أن يعيّنه لموضع سواه.
ويستحب أن يأكل من هديه.
ولا يأكل من واجب إِلا من دم المتعة والقران.
فصل
والأضحية سنة مؤكدة.
ولا تجب إِلا بالنذر.
وذبحها أفضل من الصدقة بثمنها.
والسنة: أن يأكل ثلثها، ويهدي ثلثها ويتصدق بثلثها، فإِن أكل أكثر جاز وإِن أكلها كلها ضمن أقل ما يجزئ في الصدقة منها.
الجزء: 1 - الصفحة: 134
ومن أراد أن يضحي ودخل العَشْر فلا يأخذ من شعره وبشرته شيئاً.
وهل ذلك حرام؟ على وجهين.
فصل
والعقيقة سنة مؤكدة، والمشروع أن يذبح عن الغلام شاتين وعن الجارية شاة يوم سابعه، ويحلق رأسه ويتصدق بوزنه وَرِقاً، فإِن فات 40 ففي أربع عشرة، فإِن فات ففي إِحدى وعشرين 41، وينزعها أعضاء ولا يكسر عظمها، وحكمها حكم الأضحية.
ولا تسن القرعة وهي ذبح أول ولد الناقة، ولا العتيرة وهي ذبيحة رجب.
الجزء: 1 - الصفحة: 135