المقنع في فقه الإمام أحمد ت الأرناؤوطكتاب البيع
أهل الأثرالأرشيف العلمي

وهو: مبادلة المال بالمال لغرض التملك.
وله صورتان: إِحداهما الإِيجاب والقبول، فيقول البائع: بعتك أو ملكتك ونحوهما، ويقول المشتري: ابتعت أو قبلت أو ما في معناهما، فإِن تقدم القبول الإِيجاب جاز في إِحدى الروايتين، وإِن تراخى القبول عن الإِيجاب صح ما دام في المجلس ولم يتشاغلا بما يقطعه وإِلا فلا.
والثانية المعاطاة مثل أن يقول أعطني بهذا الدينار خبزاً فيعطيه ما يرضيه، أو يقول البائع خذ هذا بدرهم فيأخذه.
وقال القاضي: لا يصح هذا إِلا في الشيء اليسير.

فصل ولا يصح إِلا بشروط سبعة: أحدها: التراضي به، وهو أن يأتيا به اختياراً، فإِن كان أحدهما مكرهاً لم يصح إِلا أن يكره بحق كالذي يكرهه الحاكم على بيع ماله لوفاء دينه.

فصل الثاني: أن يكون العاقد جائز التصرف، وهو المكلف الرشيد، إِلا الصبي المميز والسفيه فإِنه يصح تصرفهما بإِذن وليهما في إِحدى الروايتين 1، ولا يصح بغير إِذنه إِلا في الشيء اليسير.

الجزء: 1 - الصفحة: 151

فصل الثالث: أن يكون المبيع مالًا، وهو ما فيه منفعة مباحة لغير ضرورة 2، فيجوز: بيع البغل، والحمار، ودود القز وبزره، والنحل منفرداً وفي كواراته، ويجوز بيع الهر والفيل وسباع البهائم التي تصلح للصيد في إِحدى الروايتين إِلا الكلب اختارها الخرقي، والأخرى لا يجوز اختارها أبو بكر.
ويجوز بيع العبد المرتد والمريض، وفي بيع الجاني والقاتل في المحاربة ولبن الآدميات وجهان، وفي جواز بيع المصحف وكراهة شرائه وإِبداله روايتان.
ولا يجوز بيع الحشرات والميتة ولا شيء منها ولا سباع البهائم التي لا تصلح للصيد ولا الكلب ولا السرجين النجس, ولا الأدهان النجسة، وعنه يجوز بيعها لكافر يعلم نجاستها، وفي جواز الاستصباح بها روايتان، ويُخَرَّج على ذلك جواز بيعها.

فصل الرابع: أن يكون مملوكاً له أو مأذوناً له في بيعه، فإِن باع مُلْكَ غيره بغير إِذنه أو اشترى بعين ماله شيئاً بغير إِذنه لم يصح، وعنه يصح ويقف على إِجازة المالك، وإِن اشترى له في ذمته بغير إِذنه صح، فإِن أجازه من اشترى له ملكه وإِلا لزم من اشتراه، ولا يجوز أن يبيع ما لا يملكه ليمضي ويشتريه ويسلمه، ولا يصح بيع ما فتح عنوة ولم يقسم: كأرض الشام والعراق ومصر ونحوها إِلا المساكن وأرضاً من العراق فتحت صلحاً وهي

الجزء: 1 - الصفحة: 152

الحيرة وألليس وبانقيا وأرض بني صلوبا، لأن عمر رضي الله عنه وقفها على المسلمين وأقرها في أيدي أربابها بالخراج الذي ضربه أجرة لها في كل عام ولم يقدر مدتها لعموم المصلحة فيها، وتجوز إِجارتها، وعن أحمد رحمه الله تعالى أنه كره بيعها وأجاز شراءها، ولا يجوز بيع رباع مكة ولا إِجارتها، وعنه يجوز ذلك، ولا يجوز بيع كل ماء عد كمياه العيون ونقع البئر ولا ما في المعادن الجارية كالملح والقار والنفط ولا ما ينبت في أرضه من الكلأ والشوك، ومن أخذ منه شيئاً ملكه إِلا أنه لا يجوز له دخول ملك غيره بغير إِذنه، وعنه يجوز بيع ذلك.
فصل الخامس: أن يكون مقدوراً على تسليمه، فلا يجوز بيع الآبق، ولا الشارد، ولا الطير في الهواء، ولا السمك في الماء، ولا المغصوب إِلا من غاصبه أو من يقدر عليه 3.

فصل السادس: أن يكون معلوماً برؤية أو صفة تحصل بها معرفته، فإِن اشترى ما لم يَرَه ولم يوصف له أو رآه ولم يعلم ما هو أو ذكر له من صفته ما لا يكفي في السَّلم لم يصح البيع، وعنه يصح وللمشتري خيار الرؤية، وإِن ذكر له من صفته ما يكفي في السَّلم أو رآه ثم عقد بعد ذلك بزمن لا يتغير فيه ظاهراً صح في أصح الروايتين، ثم إِن وجده لم يتغير فلا خيار له، وإِن وجده متغيراً فله الفسخ، والقول في ذلك قول المشتري مع يمينه.

الجزء: 1 - الصفحة: 153

ولا يجوز بيع الحمل في البطن، واللبن في الضرع، والمسك في الفأر، والنوى في التمر، ولا الصوف على الظهر، وعنه يجوز بشرط جزه في الحال.
ولا يجوز بيع الملامسة: وهو أن يقول: بعتك ثوبي هذا على أنك متى لمسته فهو عليك بكذا، أو يقول أي ثوب لمسته فهو لك بكذا.
ولا بيع المنابذة، وهو أن يقول: أي ثوب نبذته إِلي فهو علي بكذا.
ولا بيع الحصاة، وهو أن يقول: ارم هذه الحصاة فعلى أي ثوب وقعت فهو لك بكذا، أو يقول: بعتك من هذه الأرض بقدر ما تبلغ هذه الحصاة إِذا رميتها بكذا.
ولا يجوز أن يبيع عبداً من عبيده، ولا شاة من قطيع، ولا شجرة من بستان، ولا هؤلاء العبيد إِلا واحداً غير معين، ولا هذا القطيع إِلا شاة، وإِن استثنى معيناً من ذلك جاز، وإِن باعه قفيزاً من هذه الصبرة صح، وإِن باعه الصبرة إِلا قفيزاً أو ثمرة الشجر إِلا صاعاً لم يصح، وعنه يصح.
وإِن باعه أرضاً إِلا جريباً أو جريباً من أرض يعلمان جربانها صح، وكان مشاعاً فيها، وإِلا لم يصح.
(2) وإِن باعه حيواناً مأكولاً إِلا رأسه وجلده وأطرافه صح، وإِن استثنى حمله أو شحمه 4 لم يصح، ويصح بيع ما مأكوله في جوفه وبيع الباقلاء والجوز واللوز في قشريه والحب المشتد في سنبله.

فصل السابع: أن يكون الثمن معلوماً، فإِن باعه السلعة برقمها أو بألف ذهباً وفضة أو بما ينقطع به السعر، أو بما باع به فلان.
أو بدينار مطلق وفي البلد نقود لم يصح، وإِن كان فيه نقد واحد انصرف إِليه، وإِن قال بعتك

الجزء: 1 - الصفحة: 154

بعشرة صحاحاً، أو إِحدى عشرة مكسرة، أو بعشرة نقداً أو عشرين نسيئة لم يصح، ويحتمل أن يصح.
وإِن باعه الصبرة كل قفيز بدرهم والقطيع كل شاة بدرهم والثوب كل ذراع بدرهم صح.
وإِن باعه من الصبرة كل قفيز بدرهم لم يصح، وإِن باعه بمائة درهم إِلا ديناراً لم يصح ذكره القاضي، ويجيء على قول الخرقي أنه يصح.

فصل في تفريق الصَّفْقَة وهو أن يجمع بين ما يجوز بيعه وما لا يجوز بيعه، وله ثلاث صور: إِحداها: باع معلوماً ومجهولاً فلا يصح.
الثانية: باع مشاعاً بينه وبين غيره كعبد مشترك بينهما أو ما ينقسم عليه الثمن بالأجزاء: كقفيزين متساويين لهما فيصح في نصيبه بقسطه في الصحيح من المذهب، وللمشتري الخيار إِذا لم يكن عالماً.
الثالثة: باع عبده وعبد غيره بغير إِذنه أو عبداً وحراً أو خلاً وخمراً ففيه روايتان: أولاهما لا يصح، والأخرى يصح في عبده وفي الخل بقسطه، وإِن باع عبده وعبد غيره بإِذنه بثمن واحد فهل يصح؟ على وجهين، وإِن جمع بين بيع وإِجارة وصرف صح فيهما، ويقسط العوض عليهما في أحد الوجهين، وإِن جمع بين كتابة وبيع فكاتب عبده وباعه شيئاً صفقة واحدة بطل البيع وفي الكتابة وجهان.

فصل ولا يصح البيع ممن تلزمه الجمعة بعد ندائها، ويصح النكاح وسائر العقود في أصح الوجهين.

الجزء: 1 - الصفحة: 155

ولا يصح بيع العصير لمن يتخذه خمراً، ولا بيع السلاح في الفتنة، ولا لأهل الحرب ويحتمل أن يصح مع التحريم.
ولا يصح بيع عبد مسلم لكافر إِلا أن يكون ممن يعتق عليه فيصح في إِحدى الروايتين.
وإِن أسلم عبد الذمي أجبر على إِزالة ملكه عنه وليس له كتابته، وقال القاضي: له ذلك.
ولا يجوز بيع الرجل على بيع أخيه وهو أن يقول لمن اشترى سلعة بعشرة أنا أعطيك مثلها بتسعة، ولا شراؤه على شراء أخيه وهو أن يقول لمن بَاعَ سلعة بتسعة عندي فيها عشرة ليفسخ البيع (ويعقد معه) 5، فإِن فعل فهل يصح البيع؟ على وجهين.
وفي بيع الحاضر للبادي روايتان: إِحداهما يصح، والأخرى لا يصح بخمسة شروط: أن يحضر البادي لبيع سلعته، بسعر يومها، جاهلاً بسعرها، ويقصده الحاضر، وبالناس حاجة إِليها 6، فإِن اختل شرط منها صح البيع، وأما شراؤه له فيصح رواية واحدة.
ومن باع سلعة: بنسيئة لم يجز أن يشتريها بأقل مما باعها نقداً إِلا أن تكون قد تغيرت صفتها.
وإِن اشتراها أبوه أو ابنه جاز.
وإِن باع ما يجري فيه الربا نسيئة ثم اشترى منه بثمنه قبل قبضه من جنسه أو ما لا يجوز بيعه به نسيئة لم يجز.

الجزء: 1 - الصفحة: 156

باب الشُّروط في البيع

وهي ضربان: صحيح وهو ثلاثة أنواع: أحدها شرط مقتضى البيع، كالتقابض وحلول الثمن ونحوه فلا يؤثر فيه.
والثاني شرط من مصلحة العقد، كاشتراط صفة في الثمن: كتأجيله، أو الرهن، أو الضمين به، أو صفة في المبيع نحو كون العبد كاتباً أو خصياً أو صانعاً أو مسلماً، والأمة بكراً والدابة هملاجة، والفهد صيوداً فيصح، فإِن وفى به وإِلا فلصاحبه الفسخ، وإِن شرطها ثيباً كافرة فبانت بكراً مسلمة فلا فسخ له، ويحتمل أن له الفسخ لأن له فيه قصداً، وإِن شرط الطائر مصوتاً أو أنه يجيء من مسافة معلومة صح، وقال القاضي: لا يصح.
الثالث أن يشترط البائع نفعاً معلوماً في المبيع كسكنى الدار شهراً وحملان البعير إِلى موضع معلوم، أو يشترط المشتري نفع البائع في المبيع كحمل الحطب وتكسيره وخياطة الثوب وتفصيله فيصح، وذكر الخرقي في جز الرطبة إِن شرطه على البائع لم يصح فيخرج ههنا مثله، وإِن جمع بين شرطين لم يصح.

فصل

الضرب الثاني فاسد وهو ثلاثة أنواع: أحدها أن يشترط أحدهما على صاحبه عقداً آخر كسلف أو قرض أو بيع أو إِجارة أو صرف للثمن أو غيره فهذا يبطل البيع، ويحتمل أن يبطل الشرط وحده.

الجزء: 1 - الصفحة: 157

الثاني شرط ما ينافي مقتضى (1) البيع نحو أن يشترط أن لا خسارة عليه أو متى نفق المبيع وإِلا رده أو أن لا يبيع ولا يهب ولا يعتق، أو إِن أعتق فالولاء له أو يشترط أن يفعل ذلك فهو باطل في نفسه.
وهل يبطل البيع؟ على روايتين، إِلا إِذا شرط العتق ففي صحته روايتان: إِحداهما يصح ويجبر عليه إِن أباه، وعنه فيمن باع جارية وشرط على المشتري إِن باعها فهو أحق بها بالثمن أن البيع جائز، ومعناه والله أعلم أنه جائز مع فساد الشرط.
وإِن شرط رهناً فاسداً ونحوه فهل يبطل؟ على وجهين.
الثالث أن يشترط شرطاً يعلق البيع كقوله بعتك إِن جئتني بكذا أو إِن رضي فلان، أو يقول المرتهن إِن جئتك بحقك في محله وإِلا فالرهن لك فلا يصح البيع، إِلا بيع العربون وهو أن يشتري شيئاً ويعطي البائع درهماً ويقول إِن أخذته وإِلا فالدرهم لك فقال أحمد رضي الله عنه يصح لأن عمر رضي الله عنه فعله، وعند أبي الخطاب لا يصح، وإِن قال بعتك على أن تنقدني الثمن إِلى ثلاث وإِلا فلا بيع بيننا فالبيع صحيح نص عليه، وإِن باعه وشرط البراءة من كل عيب لم يبرأ، وعنه يبرأ إِلا أن يكون البائع علم العيب فكتمه.

فصل

وإِن باعه داراً على أنها عشرة أذرع فبانت أحد عشر فالبيع باطل، وعنه أنه صحيح والزائد للبائع ولكل واحد منهما الفسخ فإِن اتفقا على إِمضائه جاز وإِن بانت تسعة فهو باطل، وعنه أنه صحيح والنقص على البائع وللمشتري الخيار بين الفسخ وأخذ المبيع بقسطه من الثمن، فإِن اتفقا على تعويضه عنه جاز.7

الجزء: 1 - الصفحة: 158

باب الخَيَار في البيع

وهو على سبعة أقسام: أحدها خيار المجلس: ويثبت في البيع، والصلح بمعناه، والإِجارة، ويثبت في الصرف، والسَّلم، وعنه لا يثبت فيهما، ولا يثبت في سائر العقود إِلا في المساقاة والحوالة والسبق في أحد الوجهين.
ولكل واحد من المتبايعين الخيار ما لم يتفرقا بأبدانهما إِلا أن يتبايعا على أن لا خيار بينهما أو يسقطا الخيار بعده فيسقط في إِحدى الروايتين، وإِن أسقطه أحدهما بقي خيار صاحبه.

فصل

الثاني خيار الشرط: وهو أن يشترطا في العقد خيار مدة معلومة فيثبت فيها وإِن طالت، ولا يجوز مجهولًا في ظاهر المذهب، وعنه يجوز، وهما على خيارهما إِلى أن يقطعاه أو تنتهي مدته، ولا يثبت إِلا في البيع والصلح بمعناه، والإِجارة في الذمة أو على مدة لا تلي العقد، وإِن شرطاه إِلى الغد لم يدخل في المدة، وعنه يدخل، وإِن شرطاه مدة فابتداؤها من حين العقد، ويحتمل أن يكون من حين التفرق.
وإِن شرط الخيار لغيره جاز وكان توكيلاً له فيه، وإِن شرط الخيار لأحدهما دون صاحبه جاز لمن له الخيار الفسخ من غير حضور صاحبه ولا رضاه، وإِن مضت المدة ولم يفسخا بطل خيارهما، وينتقل الملك إِلى المشتري بالعقد نفسه 8 في أظهر الروايتين، فما حصل من كسب أو نماء

الجزء: 1 - الصفحة: 159

من

فصل

فهو له أمضيا العقد أو فسخاه، وليس لواحد منهما التصرف في المبيع في مدة الخيار إِلا بما يحصل به تجربة المبيع، وإِن تصرفا ببيع أو هبة ونحوهما لم ينفذ تصرفهما ويكون تصرف البائع فسخاً للبيع، وتصرف المشتري إِسقاطاً لخياره في أحد الوجهين، وفي الآخر البيع والخيار بحالهما، وإِن استخدم المبيع لم يبطل خياره في أصح الروايتين، وكذلك إِن قبلته الجارية، ويحتمل أن يبطل إِن لم يمنعها، وإِن أعتقه المشتري نفذ عتقه وبطل خيارهما، وكذلك إِن تلف المبيع، وعنه لا يبطل خيار البائع وله الفسخ والرجوع بالقيمة.
وحكم الوقف حكم البيع في أحد 9 الوجهين، وفي الآخر حكمه حكم العتق.
وإِن وطئ المشتري الجارية فأحبلها صارت أم ولده وولده حر ثابت النسب، وإِن وطئها البائع فكذلك إِن قلنا البيع ينفسخ بوطئه، وإِن قلنا لا ينفسخ فعليه المهر وولده رقيق إِلا إِذا قلنا الملك له، ولا حد فيه على كل حال، وقال أصحابنا عليه الحد إِذا علم زوال ملكه وإِن البيع لا ينفسخ بالوطء وهو المنصوص، ومن مات منهما بطل خياره ولم يورث، ويتخرج أن يورث كالأجل 10.

فصل الثالث خيار الغبن ويثبت في ثلاث صور: إِحداها: إِذا تلقى الركبان فاشترى منهم وباع لهم فلهم الخيار إِذا = أو العين أو الذات وجب أن يأتي التوكيد بعد المؤكد وفيه ضمير يعود على المؤكد.

الجزء: 1 - الصفحة: 160

هبطوا السوق وعلموا أنهم قد غبنوا غبناً يخرج عن العادة.
والثانية: في النجش وهو أن يزيد في السلعة من لا يريد شراءها ليغر المشتري فله الخيار إِذا غبن.
والثالثة: المسترسل إِذا غبن الغبن المذكور، وعنه أن النجش وتلقي الركبان باطلان.

فصل

الرابع خيار التدليس: بما يزيد به الثمن كتصرية اللبن في الضرع، وتحمير وجه الجارية، وتسويد شعرها، وتجعيده، وجمع ماء الرحى وإِرساله عند عرضها، فهذا يثبت للمشتري خيار الرد، ويرد مع المصراة عوض اللبن صاعاً من تمر فإِن لم يجد التمر فقيمته في موضعه سواء كانت ناقة أو بقرة أو شاة، فإِن كان اللبن بحاله لم يتغير رده وأجزأه ويحتمل أن لا يجزئه إِلا التمر، ومتى علم التصرية (بعد العقد) 11 فله الرد، وقال القاضي ليس له ردها إِلا بعد ثلاث، وإِن صار لبنها عادة لم يكن له الرد في قياس قوله، وإِذا اشترى أمة متزوجة فطلقها الزوج لم يملك الرد، وإِن كانت التصرية في غير بهيمة الأنعام فلا رد له في أحد الوجهين، وفي الآخر له الرد ولا يلزمه بدل اللبن.
ولا يحل للبائع تدليس سلعته، ولا كتمان عيبها، فإِن فعل فالبيع صحيح.
وقال أبو بكر إِن دلس العيب فالبيع باطل، قيل له فما تقول في التصرية فلم يذكر جواباً.

الجزء: 1 - الصفحة: 161

فصل

الخامس خيار العيب: وهو النقص كالمرض وذهاب جارحة أو سن أو زيادتها ونحو ذلك، وعيوب الرقيق من فعله كالزنا والسرقة والإِباق والبول في الفراش إِذا كان من مميز، فمن اشترى معيباً لم يعلم عيبه فله الخيار بين الرد والإِمساك مع الأرش: وهو قسط ما بين قيمة الصحيح والمعيب من الثمن، وما كسب فهو للمشتري وكذلك نماؤه المنفصل، وعنه لا يرده إِلا مع نمائه، ووطء الثيب لا يمنع الرد، وعنه يمنع.
وإِن وطئ البكر أو تعيبت عنده فله الأرش، وعنه أنه مخير بين الأرش وبين رده وأرش العيب الحادث عنده ويأخذ الثمن، قال الخرقي: إِلا أن يكون البائع دلس العيب فيلزمه رد الثمن كاملاً، وقال القاضي: ولو تلف المبيع عنده ثم علم أن البائع دلّس العيب رجع بالثمن كله نص عليه في رواية حنبل، ويحتمل أن يلزمه عوض العين إِذا تلفت وأرش البكر إِذا وطئها لقوله عليه الصلاة والسلام: "الخراج بالضمان" 12، وكما يجب عوض لبن المصراة على المشتري.
وإِن أعتق العبد أو تلف المبيع رجع بأرشه، وكذلك إِن باعه غير عالم بعيبه، نص عليه، وكذلك إِن وهبه.
وإِن فعله عالماً بعيبه فلا شيء له، وذكر أبو الخطاب رواية أخرى فيمن باعه ليس له شيء إِلا أن يرد عليه المبيع فيكون له حينئذ الرد أو الأرش، وإِن باع بعضه فله أرش الباقي، وفي أرش المبيع الروايتان.
وقال الخرقي: له رد ملكه منه بقسطه من الثمن وأرش العيب بقدر ملكه فيه، وإِن صبغه أو نسجه فله الأرش، وعنه له الرد ويكون شريكاً بصبغه ونسجه، وإِن اشترى ما مأكوله في جوفه 13

الجزء: 1 - الصفحة: 162

فكسره فوجده فاسداً فإِن لم يكن له مكسورًا قيمة كبيض الدجاج رجع بالثمن كله، وإِن كان له مكسوراً قيمة كبيض النعام وجوز الهند فله أرشه، وعنه أنه يخير بين أرشه وبين رده ورد ما نقصه وأخذ الثمن، وعنه ليس له رد ولا أرش في ذلك كله.
ومن علم العيب فأخَّر الرد لم يبطل خياره إِلا أن يوجد منه ما يدل على الرضاء من التصرف ونحوه، وعنه أنه على الفور ولا يفتقر الرد إِلى رضاء ولا قضاء ولا حضور صاحبه، وإِن اشترى اثنان شيئاً وشرطا الخيار أو وجداه معيباً فرضي أحدهما فللآخر الفسغ في نصيبه، وعنه ليس له ذلك.
وإِن اشترى واحد معيبين صفقة واحدة فليس له إِلا ردهما أو إِمساكهما، وإِن تلف أحدهما فله رد الباقي بقسطه، والقول في قيمة التالف قوله مع يمينه، وإِن كان أحدهما معيباً فله رده بقسطه 14، وعنه لا يجوز له إِلا ردهما أو إِمساكهما، وإِن كان المبيع مما ينقصه التفريق: كمصراعي باب: وزوجي خف، أو [ممن يحرم التفريق بينهما 15] كجارية وولدها فليس له رد أحدهما، وإِن اختلفا في العيب هل كان عند البائع أو حدث عند المشتري ففي أيهما يقبل قوله؟ روايتان.
إِلا أن لا يحتمل إِلا قول أحدهما فالقول قوله بغير يمين، ومن باع عبداً تلزمه عقوبة من قصاص أو غيره يعلم المشتري ذلك فلا شيء له، وإِن علم بعد البيع 16 فله الرد أو الأَرْشُ، فإِن لم يعلم حتى قتل فله الأَرْشُ، وإِن كانت الجناية موجبة للمال والسيد معسر قدم حق المجني عليه وللمشتري الخيار، وإِن كان السيد موسراً تعلق الأرْشُ بذمته والبيع لازم.

الجزء: 1 - الصفحة: 163

فصل

السادس خيار يثبت في التولية والشركة والمرابحة والمواضعة: ولابد في جميعها من معرفة المشتري رأس المال.
ومعنى التولية البيع برأس المال [فيقول: وليتكه أو بعتكه برأس ماله 17]، أو بما اشتريته، أو برقمه.
والشركة بيع بعضه بقسطه من الثمن، ويصح بقوله: أشركتك في نصفه أو ثلثه.
والمرابحة: أن يبيعه بربح فيقول رأس مالي فيه مئة بعتكه بها وربح عشرة أو على أن أربح في كل عشرة درهماً.
والمواضعة: أن يقول بعتكه بها ووضيعة درهم من كل عشرة فيلزم المشتري تسعون درهماً، وإِن قال ووضيعة درهم لكل عشرة لزمه تسعون وعشرة أجزاء من أحد عشر جزءاً من درهم.
ومتى اشتراه بثمن مؤجل أو ممن لا تقبل شهادته له أو بأكثر من ثمنه حيلة، أو باع بعض الصفقة بقسطها من الثمن ولم يبين ذلك للمشتري في تخبيره بالثمن فللمشتري الخيار بين الرد والإِمساك وما 18 يزاد في الثمن أو يحط منه في مدة الخيار أو يؤخذ أَرْشاً لعيب أو جناية عليه يلحق برأس المال ويخبر به، وإِن جنى ففداه المشتري أو زِيد في الثمن أو حُطَّ منه بعد لزومه لم يلحق به، وإِن اشترى ثوباً بعشرة وقَصَرَه بعشرة أخبر به على وجهه، وإِن قال تحصل ذلك علي بعشرين فهل يجوز؟ على وجهين.
وإِن عمل فيه بنفسه عملاً يساوي عشرة لم يجز ذلك وجهاً واحداً، وإِن

الجزء: 1 - الصفحة: 164

اشتراه بعشرة ثم باعه بخمسة عشر ثم اشتراه بعشرة أخبر بذلك على وجهه، وإِن قال اشتريته بعشرة جاز؛ وقال أصحابنا يحط الربح من الثمن الثاني ويخبر أنه اشتراه بخمسة.

فصل

السابع خيار يثبت لاختلاف المتبايعين، ومتى اختلفا في قدر الثمن تحالفا: فيبدأ بيمين البائع فيحلف ما بعته بكذا وإِنما بعتكه 19 بكذا ثم يحلف المشتري ما اشتريته بكذا وإِنما اشتريته بكذا، فإِن نكل أحدهما لزمه ما قال صاحبه، وإِن تحالفا فرضي أحدهما بقول صاحبه أقر العقد وإِلا فلكل واحد منهما الفسخ، وإِن كانت السلعة تالفة رجعا إِلى قيمة مثلها، فإِن اختلفا في صفتها فالقول قول المشتري، وعنه لا يتحالفان إِذا كانت تالفة والقول قول المشتري مع يمينه، وإِن ماتا فورثتهما بمنزلتهما.
ومتى فسخ المظلوم منهما انفسخ العقد ظاهراً وباطناً، وإِن فسخ الظالم لم ينفسخ في حقه باطناً وعليه إِثم الغاصب.
وِإن اختلفا في صفة الثمن تحالفا إِلا أن يكون للبلد نقد معلوم فيرجع إِليه.
وإِن اختلفا في أجل أو شرط فالقول قول من ينفيه، وعنه يتحالفان، إِلا أن يكون شرطاً فاسداً فالقول قول من ينفيه، فإِن قال بعتني هذين قال بل أحدهما [فالقول قول البائع 20]، فإِن قال بعتني هذا قال بل هذا حلف كل واحد على ما أنكره ولم يثبت بيع واحد منهما.
وإِن قال البائع لا أسلم المبيع حتى أقبض ثمنه، قال المشتري لا أسلمه حتى أقبض المبيع، والثمن عين، جعل بينهما عدل يقبض منهما

الجزء: 1 - الصفحة: 165

ويسلم إِليهما، وإِن كان ديناً أجبر البائع على التسليم ثم يجبر المشتري على تسليم الثمن إِن كان حاضراً مَعَهُ (1)، وإِن كان غائباً بعيداً أو المشتري معسراً فللبائع الفسخ، وإِن كان في البلد حجر على المشتري في ماله كله حتى يسلمه، وإِن كان غائباً عن البلد قريباً احتمل أن يثبت للبائع الفسخ واحتمل أن يحجر على المشتري ويثبت الخيار للخلف في الصفة وتَغَيُّر ما تقدمت رؤيته وقد ذكرناه.

فصل

ومن اشترى مكيلًا أو موزوناً لم يجز بيعه حتى يقبضه، وإِن تلف قبل قبضه فهو من مال البائع إِلا أن يتلفه آدمي فيخير المشتري بين الفسخ وبين إِمضائه 22 ومطالبة متلفه بمثله 23، وعنه في الصبرة المتعينة أنه يجوز بيعها قبل قبضها، فإِن تلفت فهي من مال المشتري، وما عدا المكيل والموزون يجوز التصرف فيه قبل قبضه وإن تلف فهو من مال المشتري وذكر أبو الخطاب فيه رواية أخرى أنه كالكيل والموزون.
في ذلك.
ويحصل القبض فيما بيع بالكيل والوزن بكيله ووزنه، وفي الصبرة وفيما ينقل بالنقل، وفيما يتناول بالتناول، وفيما عدا ذلك بالتخلية، وعنه إِن قبض جميع الأشياء بالتخلية مع التمييز.
والإِقالة فسخ يجوز في المبيع قبل قبضه، ولا يستحق بها شفعة، ولا يجوز إِلا بمثل الثمن، وعنه أنها بيع فلا يثبت فيها ذلك إِلا بمثل الثمن في أحد الوجهين.21

الجزء: 1 - الصفحة: 166

باب الرِّبَا والصَّرْف

وهو نوعان: ربا الفضل، وربا النسيئة.
فأما ربا الفضل فيحرم في الجنس الواحد من كل مكيل أو موزون وإِن كان يسيراً كتمرة بتمرتين وحبة بحبتين، وعنه لا يحرم إِلا في الجنس الواحد من الذهب والفضة وكل مطعوم، وعنه لا يحرم إِلا في ذلك إِذا كان مكيلًا أو موزوناً.
ولا يباع ما أصله الكيل بشيء من جنسه وزناً، ولا ما أصله الوزن كيلًا، فإِن اختلف الجنس جاز بيع بعضه ببعض كيلًا ووزناً وجزافاً.
والجنس ما له اسم خاص يشمل أنواعاً كالذهب والفضة والبر والشعير والتمر والملح، وفروع الأجناس أجناس: كالأدقة والأخباز والأدهان، واللحم أجناس باختلاف أصوله، وعنه جنس واحد وكذلك اللبن، وعنه في اللحم أنه أربعة أجناس: لحم الأنعام.
ولحم الوحش.
ولحم الطير.
ولحم دواب الماء.
واللحم والشحم والإِلية 24 والكبد أجناس.
ولا يجوز بيع لحم بحيوان من جنسه، وفي بيعه بغير جنسه وجهان.
ولا يجوز بيع حب بدقيقه ولا سويقه في أصح الروايتين، ولا يجوز بيع نيئه بمطبوخه ولا أصله بعصيره ولا خالصه بمشوبه ولا رطبه بيابسه،

الجزء: 1 - الصفحة: 167

ويجوز بيع دقيقه بدقيقه إِذا استويا في النعومة ومطبوخه بمطبوخه وخبزه بخبزه إِذا استويا في النشاف وعصيره بعصيره ورطبه برطبه.
ولا يجوز بيع المحاقلة: وهو بيع الحب في سنبله بجنسه، وفي بيعه بغير جنسه وجهان.
ولا المزابنة وهي بيع الرطب في رؤوس النخل بالتمر، إِلا في العرايا وهي بيع الرطب في رؤوس النخل خرصاً بمثله من التمر كيلاً فيما دون خمسة أوسق لمن به حاجة إِلى أكل الرطب ولا ثمن معه.
ويعطيه من التمر مثل ما يؤَول إِليه ما في النخل عند الجفاف، وعنه يعطيه مثل رطبه، ولا يجوز في سائر الثمار في أحد الوجهين.
ولا يجوز بيع جنس فيه الربا بعضه ببعض، ومع أحدهما أو معهما من غير جنسهما كمد عجوة ودرهم بمدين أو بدرهمين أو بمد ودرهم، وعنه يجوز بشرط أن يكون المفرد أكثر من الذي معه غيره، أو يكون مع كل واحد منهما من غير جنسه، وإِن باع نوعي جنس بنوع واحد منه كدينار قراضة وصحيح بصحيحين جاز أومأ إِليه أحمد وذكره أبو بكر، وعند القاضي هي كالتي قبلها.
ولا يجوز بيع تمر منزوع النوى بما نواه فيه، وفي بيع النوى بتمر فيه النوى، واللبن بشاة ذات لبن، والصوف بنعجة عليها صوف روايتان.
والمرجع في الكيل والوزن إِلى عرف أهل الحجاز في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وما لا عرف له به ففيه وجهان: أحدهما يعتبر عرفه في موضعه.
والآخر يرد إِلى أقرب الأشياء شبهاً بِهِ بالحجاز.

الجزء: 1 - الصفحة: 168

فصل

وأما ربا النسيئة فكل شيئين ليس أحدهما ثمناً عِلَّة رِبا الفضل فيهما واحدة كالمكيل بالمكيل والموزون بالموزون لا يجوز النسأ فيهما، وإِن تفرقا قبل التقابض بطل العقد، وإِن باع مكيلاً بموزون جاز التفرق قبل القبض، وفي النسأ روايتان.
وما لا يدخله ربا الفضل كالثياب والحيوان يجوز النسأ فيهما وعنه لا يجوز في الجنس الواحد كالحيوان بالحيوان ويجوز في الجنسين كالثياب بالحيوان، ولا يجوز بيع الكالئ بالكالئ وهو بيع الدين بالدين.

فصل ومتى افترق المتصارفان قبل التقابض، أو افترقا عن مجلس السلم قبل قبض رأس ماله بطل العقد، وإِن قبض البعض ثم افترقا بطل في الجميع في أحد الوجهين، وفي الآخر يبطل فيما لم يقبض، وإِن تقابضا ثم افترقا فوجد أحدهما ما قبضه رديئاً فرده بطل العقد في إِحدى الروايتين، والأخرى إِن قبض عوضه في مجلس الرد لم يبطل، وإِن رد بعضه وقلنا يبطل في المردود فهل يبطل في غيره؟ على وجهين.
والدراهم والدنانير تتعين بالتعيين في العقد، في أظهر الروايتين فلا يجوز إِبدالها، وإِن وجدها معيبة خير بين الإِمساك والفسخ، ويتخرج أن يمسك ويطالب بالأرْش، وإِن خرجت مغصوبة بطل العقد.
والأخرى لا تتعين ولا يثبت فيها ذلك.
ويحرم الربا بين المسلم والحربي وبين المسلمين في دار الحرب كما يحرم بين المسلمين في دار الإِسلام.

الجزء: 1 - الصفحة: 169

باب بيع الأصول والثمار

ومن باع داراً تناول البيع أرضها وبناءها وما يتصل بها لمصلحتها كالسلاليم والرفوف المسمرة والأبواب المنصوبة والخوابي المدفونة والرحى المنصوبة، ولا يدخل ما هو مودع فيها من الكنز والأحجار المدفونة، ولا المن

فصل

منها كالحبل والدلو والبكرة والقفل والفرش، إِلا ما كان من مصالحها كالمفتاح، وحجر الرحى الفوقاني فعلى وجهين.
وإِن باع أرضاً بحقوقها دخل غراسها وبناؤها في البيع، وإِن لم يقل "بحقوقها" فعلى وجهين، وِإن كان فيها زرع يجز مرة بعد أخرى كالرطبة والبقول أو تكرر ثمرته كالقثاء والباذنجان فالأصول للمشتري والجزة الظاهرة واللقطة الأولى 25 الظاهرة من القثاء والباذنجان للبائع إِلا أن يشترطه المبتاع، وإِن كان فيها زرع لا يحصد إِلا مرة كالبر والشعير فهو للبائع مُبْقَىً إِلى الحصاد إِلا أن يشترطه المبتاع.

فصل ومن باء نخلاً مؤبراً وهو ما تشقق طلعه فالثمر للبائع متروكاً في رؤوس النخل إِلى الجذاذ إِلا أن يشترطه المبتاع، وكذلك الشجر إِذا كان فيه ثَمَر 26 باد: كالعنب والتين والتوت والرمان والجوز، وما ظهر من نوره كالمشمش والتفاح والسفرجل واللوز، وما خرج من أكمامه كالورد والقطن وما قبل ذلك فهو للمشتري، والورق للمشتري بكل حال، ويحتمل في ورق التوت المقصود أخذه أنه إِن تفتح فهو للبائع وإِن كان حباً

الجزء: 1 - الصفحة: 170

فهو للمشتري، وإِن ظهر بعض الثمرة فهو للبائع وما لم يظهر فهو للمشتري، وقال ابن حامد: الكل للبائع.
وإِن احتاج الزرع أو الثمرة إِلى سقي لم يلزم المشتري ولم يملك منع البائع منه.

فصل

ولا يجوز بيع الثمرة قبل بدو صلاحها ولا الزرع قبل اشتداد حبه إِلا بشرط القطع في الحال، ولا بيع الرطبة والبقول إِلا بشرط جزه، ولا القثاء ونحوه إِلا لقطة لقطة إِلا أن يبيع أصله، والحصاد واللقاط على المشتري فإِن باعه مطلقاً أو بشرط التبقية لم يصح، وإِن اشترط القطع ثم تركه حتى بدا صلاح الثمرة أو طالت الجزة أو حدثت ثمرة أخرى فلم تتميز أو اشترى عرية ليأكلها رطباً فأثمرت بطل البيع، وعنه لا يبطل ويشتركان في الزيادة، وعنه يتصدقان بها.
وإِذا بدا صلاح في الثمرة واشتد الحب جاز بيعه مطلقاً وبشرط التبقية، وللمشتري تبقيته إِلى الحصاد والجذاذ، ويلزم البائع سقيه إِن احتاج إِلى 27 ذلك، وإِن تضرر الأصل، وإِن تلفت بجائحة من السماء رجع على البائع، وعنه إِن أتلفت الثلث فصاعداً ضمنه البائع وإِلا فلا، وإِن أتلفه آدمي خُيِّر المشتري بين الفسخ والإِمضاء ومطالبة المتلف، وصلاح بعض ثمرة الشجرة صلاح لجميعها وهل يكون صلاحاً لسائر 28 النوع الذي في البستان؟ على روايتين.
وبدو الصلاح في ثمر النخل أن يحمر أو يصفر، وفي العنب أن يتموه، وفي سائر الثمر أن يبدو فيه النضج ويطيب أكله.

الجزء: 1 - الصفحة: 171

فصل

ومن باع عبداً له مال فماله للبائع إِلا أن يشترطه المبتاع، فإِن كان قصده المال اشترط علمه وسائر شروط المبيع.
وإِن لم يكن قصده المال لم يشترط.
فإِن كان عليه ثياب فقال أحمد رحمه الله تعالى ما كان للجمال فهو للبائع وما كان للبس المعتاد فهو للمشتري.

باب السَّلَم

وهو نوع من البيع يصح بألفاظه 29 وبلفظ السَّلم والسَّلف.
ولا يصح إِلا بشروط سبعة: أحدها: أن يكون فيما يمكن ضبط صفاته كالمكيل والموزون والمذروع.
فأما المعدود والمختلف كالحيوان والفواكه والبقول والجلود والرؤوس ونحوها ففيه روايتان.
وفي الأواني المختلفة الرؤوس والأوساط كالقماقم والأسطال الضيقة الرؤوس وما يجمع أخلاطاً متميزة كالثياب المنسوجة من نوعين وجهان، ولا يصح فيما لا ينضبط كالجواهر كلها والحوامل من الحيوان والمغشوش من الأثمان وغيرها وما يجمع أخلاطاً غير متميزة كالغالية والند والمعاجين، ويصح فيما يترك فيه شيء غير مقصود لمصلحته كالجبن والعجين وخل التمر والسكنجبين ونحوها.

فصل الشرط الثاني: أن يصفه بما يختلف به الثمن ظاهراً فيذكر جنسه ونوعه وقدره وبلده وحداثته وقدمه وجودته ورداءته، وما لا يختلف به الثمن لا يحتاج إِلى ذكره.

الجزء: 1 - الصفحة: 172

فإِن شرط الأجود لم يصح، وإِن شرط الأردأ فعلى وجهين، وإِذا جاءه بدون ما وصف (له) 30 أو نوع آخر فله أخذه ولا يلزمه وإِن جاءه بجنس آخر لم يجز له أخذه، وإِن جاءه بأجود منه من نوعه لزمه قبوله، فإِن قال خذه وزدني درهماً لم يجز، وإِن جاءه بزيادة في القدر فقال ذلك صح.

فصل

الثالث: أن يذكر قدره بالكيل في المكيل، والوزن في الموزون، والذرع في المذروع، فإِن أسلم في المكيل وزناً وفي الموزون كيلًا لم يصح، [وعنه يصح 31]. ولابد أن يكون المكيال معلوماً، فإِن شرط مِكْيالًا بعينه أو صنجة بعينها غير معلومة لم يصح، وفي المعدود المختلف غير الحيوان روايتان: إِحداهما يسلم فيه عدداً.
والأخرى وزناً.
وقيل يسلم في الجوز والبيض عدداً وفي الفواكه والبقول وزناً.

فصل الرابع: أن يشرط أجلًا معلوماً له وقع في الثمن: كالشهر ونحوه، فإِن اسلم حالًا أو إِلى أجل قريب كاليوم ونحوه لم يصح إِلا أن يسلم في شيء يأخذ منه كل يوم أجزاء معلومة فيصح، وإِن أسلم في جنس إِلى أجلين أو في جنسين إِلى أجل صح، ولابد أن يكون الأجل مُقَدَّراً بزمن معلوم فإِن

الجزء: 1 - الصفحة: 173

أسلم إِلى الحصاد أو الجذاذ أو شرط الخيار إِليه فعلى روايتين، وإِذا جاءه بالسَّلم قبل محله ولا ضرر في قبضه لزمه قبضه وإِلا فلا.

فصل

الخامس: أن يكون المُسَلَّم فيه عَامُّ الوجودِ في محلِّه، فإِن كان لا يوجد فيه أو لا يوجد إِلا نادراً: كالسَّلم في العنب والرطب إِلى غير وقته لم يصح، وإِن أسلم في ثمرة بستان بعينه أو قرية صغيرة لم يصح، وإِن اسلم إِلى محل يوجد فيه عامّاً فانقطع خُيِّر بين الصبر وبين الفسخ والرجوع برأس ماله أو عوضه إِن كان معدوماً في أحد الوجهين، وفي الآخر ينفسخ بالمتعذر نفسه 32.

فصل السادس: أن يقبض رأس المال في مجلس العقد، وهل يشترط كونه معلوم الصفة والقدر كالمسلم فيه؟ على وجهين.
وإِن أسلم ثمناً واحداً في جنسين لم يجز حتى يبين كل جنس.

فصل السابع: أن يسلم في الذمة، فإِن أسلم في عين لم يصح.
ولا يشترط ذكر مكان الإِيفاء إِلا أن يكون موضع العقد لا يمكن الوفاء فيه كالبرية فيشترط ذكره ويكون الوفاء في مكان العقد، فإِن شرط الوفاء فيه كان تأكيداً، وإِن شرطه في غيره صح، وعنه لا يصح، ولا يصح بيع المُسَلَّم فيه قبل قبضه ولا هبته ولا أخذ غيره مكانه ولا الحوالة به، ويجوز بيع

الجزء: 1 - الصفحة: 174

الدَّين المستقر لمن هو في ذمته بشرط، أن يقبض عوضه في المجلس، ولا يجوز لغيره.
وتجوز الإِقالة في السَّلَم، وتجوز في بعضه في إِحدى الروايتين إِذا قبض رأس مال السلم أو عوضه في مجلس الإِقالة، وإِن انفسخ العقد بإقَالَةٍ أو غيرها لم يجز أن يأخذ عن الثمن عوضاً من غير جنسه، وإِن كان لرجل سَلَمٌ وعليه سَلَمٌ (1) من جنسه فقال لغريمه اقبض سلمي لنفسك ففعل لم يصح قبضه لنفسه، وهل يقع قبضه للآمر؟ على وجهين.
وإِن قال اقبضه لي ثم اقبضه لنفسك صح، وإِن قال أنا أقبضه لنفسي وخذه بالكيل الذي تشاهده، فهل يجوز؟ على روايتين.
وإِن اكتاله ثم تركه في المكيال وسلمه إِلى غريمه فقبضه صح القبض لهما، وإِن قبض المُسَلَّم فيه جُزَافاً فالقول قوله في قدره، وإِن قبضه كيلاً أو وزناً ثم ادعى غلطاً لم يقبل قوله في أحد الوجهين، وهل يجوز الرهن والكفيل بالمسلم فيه؟ على روايتين.

باب القَرْض

وهو من المرافق المندوب إِليها، ويصح في كل عين يجوز بيعها إِلا بني آدم، والجواهر ونحوها مما لا يصح السلم فيه في أحد الوجهين فيهما، ويثبت الملك فيه بالقبض فلا يملك المقرض استرجاعه، وله طلب بدله، فإِن رده المقترض عليه لزمه قبوله ما لم يتعيب أو يكن فلوساً أو مكسرة فيحرمها السلطان فتكون له القيمة وقت القرض، ويجب رد المثل في المكيل والموزون، والقيمة في الجواهر ونحوها، وفيما سوى ذلك وجهان، ويثبت العوض في الذمة حالاً وإِن أجَّلَهُ، ويجوز شرط33

الجزء: 1 - الصفحة: 175

الرهن والضمين فيه ولا يجوز شرط ما يجر نفعاً نحو أن يسكنه داره أو يقضيه خيراً منه أو في بلد آخر.
ويحتمل جواز هذا الشرط.
وإِن فعله بغير شرط أو قضى خيراً (2)، أو أهدى له هدية بعد الوفاء، جاز لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - استسلف بكراً فرد خيراً منه (1) وقال: "خيركم أحسنكم قضاء" (2) وإِن فعله قبل الوفاء لم يجز إلا أن تكون العادة جارية بينهما به قبل القرض.
وإِذا أقرضه أثماناً فطالبه بها ببلد آخر لزمته، وإِن أقرضه غيرها لم تلزمه فإِن طالبه بالقيمة لزمه أداؤها.

باب الرَّهْنِ

وهو وثيقة بالحق لازم في حق الراهن، جائز في حق المرتهن، يجوز عقده مع الحق وبعده، ولا يجوز قبله إِلا عند أبي الخطاب.
ويصح رهن كل عين يجوز بيعها إِلا المكاتب إِذا قلنا استدامة القبض شرط لم يجز رهنه.
ويجوز رهن ما يسرع إِليه الفساد بدين مؤجل ويباع ويجعل ثمنه رهناً.
ويجوز رهن المشاع، ثم إِن رضي الشريك والمرتهن بكونه في يد أحدهما أو غيرهما جاز وإِن اختلفا جعله الحاكم في يد أمين أمانة أو بأجرة.
ويجوز رهن المبيع غير المكيل والموزون قبل قبضه إِلا على ثمنه في أحد الوجهين.
وما لا يجوز بيعه لا يجوز رهنه إِلا الثمرة قبل بدو صلاحها من غير شرط القطع في أحد الوجهين.
ولا يجوز رهن العبد المسلم لكافر إِلا عند أبي الخطاب إِذا شرطا كونه في يد مسلم.3435

الجزء: 1 - الصفحة: 176

ولا يلزم الرهن إِلا بالقبض واستدامته شرط في اللزوم فإِن أخرجه المرتهن باختياره إِلى الراهن زال لزومه، فإِن رده إِليه عاد اللزوم، ولو رهنه عصيراً فتخمر زال لزومه، فإِن تخلل عاد لزومه بحكم العقد السابق.
وعنه أن القبض واستدامته في المتعين ليس بشرط، فمتى امتنع الراهن من تقبيضه أُجبر عليه.
وتَصَرُّف الراهن في الرهن لا يصح إِلا العتق فإِنه ينفذ ويؤخذ منه قيمته 36 رهناً مكانه ويحتمل أن لا ينفذ عتق المعسر.
وقال القاضي: له تزويج الأمة، ويمنع الزوج وطأها، ومهرها رهن معها، والأول أصح.
وإِن وطئ الجارية فأولدها خرجت من الرهن وأخذت منه قيمتها فجعلت رهناً وإِن أذن المرتهن له في بيع الرهن أو هبته ونحو ذلك ففعل صح وبطل الرهن، إِلا أن يأذن له في بيعه بشرط أن يجعل ثمنه رهناً أو يعجل دينه من ثمنه.
ونماء الرهن وكسبه وأَرْش الجناية عليه من الرهن ومؤنته على الراهن، وكفنه إِن مات وأجرة مخزنه إِن كان مخزوناً، وهو أمانة في يد المرتهن إِن تلف بغير تعد منه فلا شيء عليه ولا يسقط بهلاكه شيء من دينه.
وِإن تلف بعضه فباقيه رهن بجميع الدين ولا ينفك شيء من الرهن حتى يقضي جميع الدين.
وِإن رهنه عند رجلين فوفى أحدهما انفك في نصيبه.
وإِن رهنه رجلان شيئاً فوفاه أحدهما انفك في نصيبه.
وإِذا حل الدين وامتنع من وفائه: فإِن كان الراهن أذن للمرتهن أو للعدل في بيعه باعه وَوَفَّى الدين، وإِلا رفع الأمر إِلى الحاكم فيجبره على وفاء الدين أو بيع الرهن، فإِن لم يفعل باعه الحاكم وقضى دينه.

الجزء: 1 - الصفحة: 177

فصل

وإِذا شرط في الرهن جعله على يد عدل صح وقام قبضه مقام قبض المرتهن.
وإِن شرط جعله في يد اثنين لم يكن لأحدهما الانفراد بحفظه وليس للراهن ولا للمرتهن إِذا لم يتفقا ولا للحاكم نقله عن يد العدل إِلا أن تتغير حاله وله رده عليهما، ولا يملك رده إِلى أحدهما، فإِن فعل فعليه رده إِلى يده فإِن لم يفعل ضمن حق الآخر، وإِن أذنا له في البيع لم يبع إِلا بنقد البلد، فإِن كان فيه نقود باع بجنس الدين، فإِن لم يكن فيها جنس الدين باع بما يرى أنه أصلح.
وإِن قبض الثمن فتلف في يده فهو من ضمان الراهن وإِن استحق المبيع رجع المشتري على الراهن، وإِن ادعى دفع الثمن إِلى المرتهن فأنكر ولم يكن قضاه ببينة ضمن.
وعنه لا يضمن إِلا أن يكون أُمِرَ بالإشْهاد فلم يفعل، وهكذا الحكم في الوكيل، وإِن شرط أن يبيعه المرتهن أو العدل صح، وإِن عزلهما صح عزله، ويحتمل أن لا يصح، وإِن شرط أن لا يبيعه عند الحلول أو إِن جاءه بحقه وإِلا فالرهن له لم يصح الشرط، وفي صحة الرهن روايتان.

فصل إِذا اختلفا في قدر الدين أو الرهن أو رده، أو قال أقبضتك عصيراً قال بل خمراً فالقول قول الراهن، وإِن أقر الراهن أنه أعتق العبد قبل رهنه عتق وأُخِذَتْ منه قيمته رهناً (مَكَانَهُ) 37، وإِن أقر أنه كان جنى أو أنه باعه أو غصبه، قُبِل على نفسه ولم يقبل على المرتهن إِلا أن يصدقه.

الجزء: 1 - الصفحة: 178

فصل

وإِذا كان الرهن مركوباً أو محلوباً فللمرتهن أن يركب ويحلب بقدر نفقته متحرياً للعدل في ذلك، وإِن أنفق على الرهن بغير إِذن الراهن مع إِمكانه فهو متبرع، وإِن عجز عن استئذانه ولم يستأذن الحاكم فعلى روايتين وكذلك الحكم في الوديعة وفي نفقة الجِمال إِذا هرب الجمّال وتركها في يد المكتري، وإِن انهدمت الدار فعمرها المرتهن بغير إِذن الراهن لم يرجع به رواية واحدة.

فصل وإِذا جنى الرهن جناية موجبة للمال تعلق أَرْشها برقبته، ولسيده فداؤه بالأقل من قيمته، أو أرش جنايته، أو بيعه في الجناية، أو يسلمه إِلى ولي الجناية فيملكه، وعنه إِن اختار فداءه لزمه جميع الأرْش فإِن فداه فهو رهن بحاله، وإِن سلمه بطل الرهن، فإِن لم يستغرق الأرْش قيمته بيع منه يقدره وباقيه رهن، وقيل يباع جميعه ويكون باقي ثمنه رهناً، وإِن اختار المرتهن فداءه ففداه بإِذن الراهن رجع به، وإِن فداه بغير إِذنه فهل يرجع به؟ على روايتين.
وإِن جنى عليه جناية موجبة للقصاص فلسيده القصاص، فإِن اقتص فعليه قيمة أقلها قيمة تجعل مكانه، وكذلك إِن جنى على سيده فاقتص منه هو أو ورثته، وِإن عفا السيد على مَال [أو كانت موجبة للمال فما قبض منه جعل مكانه، فإِن عفا السيد عن المال 38] صح في حقه ولم يصح في حق المرتهن، فإِذا انفك الرهن رد إِلى الجاني، وقال أبو الخطاب: يصح وعليه قيمته.

الجزء: 1 - الصفحة: 179

وإِن وطئ المرتهن الجارية من غير شبهة فعليه الحد والمهر وولده رقيق، وإِن وطئها بإِذن الراهن وادعى الجهالة وكان مثله يجهل ذلك فلا حد عليه ولا مهر وولده حر لا تلزمه قيمته.

باب الضمان

وهو ضم ذمة الضامن إِلى ذمة المضمون عنه في التزام الحق، ولصاحب الحق مطالبة من شاء منهما في الحياة والموت، فإِن برئت ذمة المضمون عنه برئ الضامن، وإِن برئ الضامن أو أقر ببراءته لم يبرأ المضمون عنه، ولو ضمن ذمي لذمي عن ذمي خمراً فأسلم المضمون له أو المضمون عنه برئ هو والضامن معاً.
ولا يصح إِلا من جائز التصرف، ولا يصح من مجنون ولا صبي ولا سفيه، ولا من عبد بغير إِذن سيده، ويحتمل أن يصح ويتبع به بعد العتق، وإِن ضمن بإِذن سيده صح، وهل يتعلق برقبته أو ذمة سيده؟ على روايتين.
ولا يصح إِلا برضاء الضامن، ولا يعتبر رضاء المضمون له ولا المضمون عنه، ولا معرفة الضامن لهما، ولا كون الحق معلوماً ولا واجباً إِذا كان مآله إِلى الوجوب، فلو قال ضمنت لك ما على فلان أو ما تداينه به صح.
ويصح ضمان دين الضامن ودين الميت المفلس وغيره، ولا تبرأ ذمته قبل القضاء في أصح الروايتين، ويصح ضمان عهدة المبيع عن البائع للمشتري وعن المشتري للبائع، ولا يصح ضمان دين الكتابة في أصح الروايتين، ولا يصح ضمان الأمانات كالوديعة ونحوها إِلا أن يضمن التعدي فيها، وأما الأعيان المضمونة كالغُصُوب العواري والمقبوض على وجه السوم فيصح ضمانها، وإِن قضى الضامن الدين متبرعاً لم يرجع

الجزء: 1 - الصفحة: 180

بشيء، وإِن نوى الرجوع وكان الضمان والقضاء بغير إِذن المضمون عنه فهل يرجع؟ على روايتين.
وإِن أذن في أحدهما فله الرجوع بأقل الأمرين مما قضى أو قدر الدين، وإِن أنكر المضمون له القضاء وحلف لم يرجع الضامن على المضمون عنه سواء صدَّقه أو كذَّبه، وإِن اعترف بالقضاء وأنكر المضمون عنه لم يُسمع إِنكاره، وإِن قضى المؤجل قبل أجله لم يرجع حتى يحل، [وإِن مات المضمون عنه أو الضامن فهل يحل الدَّيْنُ عليه؟ على روايتين.
وأيهما حل عليه (1)] لم يحل على الآخر.
ويصح ضمان الحالّ مؤجَّلًا وإِن ضمن المؤجل حَالًا لم يلزمه قبل أجله في أصح الوجهين.

فصل في الكَفَالة

وهي التزام إِحضار المكفول به، وتصح ببدن من عليه دين وبالأعيان المضمونة، ولا تصح ببدن من عليه حد أو قصاص ولا بغير معين كأحد هذين.
وِإن كفل بجزء شائع من إِنسان أو عضو، أو كفل بإِنسان على أنه جاء به وإِلا فهو كفيل بآخر أو ضامن ما عليه صح في أحد الوجهين.
ولا يصح إِلا برضاء الكفيل، وفي رضاء المكفول به وجهان، ومتى أحضر المكفول به وسلمه برئ إِلا أن يحضره قبل الأجل وفي قبضه ضرر.
وإِن مات المكفول به أو تلفت العين بفعل الله تعالى أو سلَّم نفسه برئ الكفيل.
وإِن تعذر إِحضاره مع بقائه لزم الكفيل الدين أو عوض العين.39

الجزء: 1 - الصفحة: 181

وإِن غاب أُمْهِلَ الكفيل بقدر ما يمضي فيحضره، فإِن تعذر إِحضاره ضمن ما عليه، وإِذا طالب الكفيل المكفول به بالحضور معه لزمه ذلك إِن كانت الكفالة بإِذنه، أو طالبه صاحب الحق بإِحضاره وإِلا فلا، وإِذا كفل اثنان برجل فسلَّمه أحدهما لم يبرأ الآخر، وإِن كفل واحد لاثنين فأبرأه أحدهما لم يبرأ من الآخر.

باب الحَوَالة

والحوالة تنقل الحق من ذمة المحيل إِلى ذمة المحال عليه فلا يملك المحتال الرجوع عليه بحال.
ولا تصح إِلا بثلاثة شروط: أحدها: أن يحيل على دين مستقر، فإِن أحال على مال الكتابة أو السَّلَم أو الصداق قبل الدخول لم يصح، وإِن أحال المكاتب سيده أو الزوج امرأته صح.
والثاني: اتفاق الدينين في الجنس والصفة والحلول والتأجيل.
والثالث: أن يحيل برضائه ولا يعتبر رضاء المحال عليه ولا رضاء المحتال إِن كان المحال عليه مَلِيئاً، وإِن ظنه مَلِيئاً فبانَ مفلساً ولم يكن رضي بالحوالة رجع عليه وإِلا فلا، ويحتمل أن يرجع.
وإِذا أحال المشتري البائع بالثمن، أو أحال البائع عليه به فبان البيع باطلًا فالحوالة باطلة، وإِن فسخ البيع بعيب أو إِقالة لم تبطل الحوالة.
وللبائع أن يحيل المشتري على من أحاله المشتري عليه في الصورة الأولى، وللمشتري أن يحيل المحتال عليه على البائع في الثانية، ويحتمل أن يبطل إِن لم يكن قبضها، وإِذا قال: أحلتك.
قال: بل وكلتني.
أو قال وكلتك.
قال: بل أحلتني فالقول قول مدعي الوكالة، وإِن اتفقا على أنه قال أحلتك وادعى أحدهما أنه أريد بها الوكالة وأنكر الآخر ففي أيهما

الجزء: 1 - الصفحة: 182

يقبل قوله؟ وجهان.
فإِن قال أحلتك بدينك فالقول قول مدعي الحوالة وجهاً واحداً.

باب الصُّلْح

الصلح في الأموال قسمان أحدهما: صلح على الإِقرار.
وهو نوعان: أحدهما الصلح على جنس الحق، مثل أن يقر له بدين فيضع عنه بعضه أو بعين فيهب له بعضها ويأخذ الباقي فيصح إِن لم يكن بشرط، مثل أن يقول: على أن تعطيني الباقي أو يمنعه حقه بدونه، ولا يصح ذلك ممن لا يملك التبرع كالمكاتب والمأذون له وولي اليتيم إِلا في حال الإِنكار وعدم البينة.
ولو صالح عن المؤجل ببعضه حالًا لم يصح، وإِن وضع بعض الحالّ وأجل باقيه صح الإِسقاط دون التأجيل.
وإِن صالح عن الحق بأكثر منه من جنسه: مثل أن يصالح عن دية الخطأ، أو عن قيمة متلف بأكثر منها من جنسها لم يصح، وإِن صالحه بعرض قيمته أكثر منها صح فيهما.
وإِن صالحه عن بيت على أن يسكنه سنة أو يبني له فوقه غرفة لم يصح، وإِن قال أقر لي بديني وأعطيك منه مئة ففعل صح الإِقرار ولم يصح الصلح.
فإِن صالح إِنساناً ليقر له بالعبودية أو امرأة لتقر له بالزوجية لم يصح، وإِن دفع المدعى عليه العبودية إِلى المدعي مالًا صلحاً عن دعواه صح.
النوع الثاني أن يصالح عن الحق بغير جنسه فهو معاوضة، فإِن كان بأثمان عن أثمان فهو صرف، وإِن كان بغير الأثمان فهو بيع، وإِن كان

الجزء: 1 - الصفحة: 183

بمنفعة كسكنى دار فهو إِجارة تبطل بتلف المال كسائر الإِجارات، وإِن صالحت المرأة بتزويج نفسها صح، فإِن كان الصلح عن عيب في مبيعها فبان أنه ليس بِعَيْبٍ رجعت بأَرْشِهِ لَا بِمَهْرِها، فإِن صالح عما في الذمة بشيء في الذمة لم يجز التفرق قبل القبض لأنه بيع دين بدين، ويصح الصلح عن المجهول بمعلوم إِذا كان مما لا يمكن معرفته للحاجة.
القسم الثاني: أن يدعي عليه عيناً أو ديناً فينكره ثم يصالحه على مال فيصح، ويكون بيعاً في حق المدعي حتى إِن وجد بما أخذه عيباً فله رده وفسخ الصلح، وإِن كان شقصاً مشفوعاً ثبتت فيه الشفعة ويكون إِبراء في حق الآخر فلا يرد ما صالح عنه بعيب ولا يؤخذ بشفعة، ومتى كان أحدهما عالماً بكذب نفسه فالصلح باطل في حقه وما أخذه حرام عليه، وإِن صالح عن المُنْكِرِ أجنبي بغير إِذنه صح ولم يرجع عليه في أصح الوجهين، وإِن صالح الأجنبي لنفسه لتكون المطالبة له غير معترف بصحة الدعوى أو معترفاً بها عالماً بعجزه عن استنقاذها (1) لم يصح، وإِن ظن القدرة عليه صح، ثم إِن عجز عن ذلك فهو مخير بين فسخ الصلح وبين إِمضائه.

فصل

يصح الصلح عن القصاص بديات وبكل ما يثبت مهراً، ولو صالح سارقاً ليطلقه، أو شاهداً ليكتم شهادته، أو شفيعاً عن شفعته، أو مقذوفاً عن حده، لم يصح الصلح، وتسقط الشفعة، وفي الحد وجهان.
وِإن صالحه على أن يجري على أرضه أو سطحه ماء معلوماً صح، ويجوز أن يشتري ممراً في دار وموضعاً في حائطه يفتحه باباً وبقعة يحفرها40

الجزء: 1 - الصفحة: 184

بئراً وعلو بيت يبني عليه بنياناً موصوفاً، فإِن كان البيت غير مبني لم يجز في أحد الوجهين، وفي الآخر يجوز إِذا وصف العلو والسفل، وإِن حصل في هوائه أغصان شجرة غيره فطالبه بإِزالتها لزمه، فإِن أبى فله قطعها، فإِن صالحه عن ذلك بعوض لم يجز، وإِن اتفقا على أن الثمرة له أو بينهما جاز ولم يلزم.
ولا يجوز أن يشرع إِلى طريق نافذ جَنَاحاً ولا ساباطاً ولا دُكَّاناً ولا أن يفعل ذلك في ملك إِنسان ولا درب غير نافذ إِلا بإِذن أهله، فإِن صالح عن ذلك بعوض جاز في أحد الوجهين، وإِذا كان ظهر داره في درب غير نافذ ففتح فيه لغير الاستطراق جاز ويحتمل أن لا يجوز، فإِن فتحه للاستطراق لم يجز إِلا بإِذنهم في أحد الوجهين، وإِن صالحهم جاز، ولو أن بابه في آخر الدرب ملك نقله إِلى أوله ولم يملك نقله إِلى داخل منه في أحد الوجهين.
وليس له أن يفتح في حائط جاره ولا في الحائط المشترك روزنة ولا طاقاً إِلا بإِذن صاحبه، وليس له وضع خشبة عليه إِلا عند الضرورة بأن لا يمكنه التسقيف إِلا به، وعنه ليس له وضع خشبة على جدار المسجد، وهذا تنبيه على أنه لا يضع على جدار جاره.
وإِن كان بينهما حائط فانْهَدَمَ فطالب أحدهما صاحبه 41 ببنائه معه أجبر عليه، وعنه لا يجبر لكن ليس له منعه من بنائه، فإِن بناه بآلته فهو بينهما، وإِن بناه بآلة من عنده فهو له وليس للآخر الانتفاع به، فإِن طلب ذلك خُيِّرَ الباني بين أخذ نصف قيمته منه وبين أخذ آلته.
وإِن كان بينهما نهر أو بئر أو دولاب أو ناعورة أو قناة واحتاج إِلى عمارة ففي إِجبار الممتنع روايتان، وليس لأحدهما منع صاحبه من عمارته فإِذا عمره فالماء بينهما على الشركة.

الجزء: 1 - الصفحة: 185

فصول الكتاب · 46 فصل
جارٍ التحميل