كتاب الجنايات
القتل على أربعة أضرب: عمد، وشبه عمد، وخطأ، وما أُجري مجرى الخطأ [بالقصاص أو الدية 1].
فالعمد أن يقتله بما يغلب على الظن موته به عالماً بكونه آدمياً معصوماً.
وهو تسعة أقسام:
أحدها: أن يجرحه بما له مور في البدن من حديد أو غيره، مثل أن يجرحه بسكين أو يغرزه بمسلة [فيموت إِلا أن يغرزه بإِبرة أو شوكةٍ ونحوهما في غير مقتل فيموت 2] في الحال ففي كونه عمداً وجهان: فإِن بقي من ذلك ضَمِناً حتى مات، أو كان الغرز بها في مقتل كالفؤاد والخصيتين فهو عمد محض.
وإِن قطع سلعة من أجنبي بغير إِذنه فمات فعليه القود، وإِن قطعها حاكم من صغير، أو وليُّه، فمات فلا قود لأن [له فعل ذلك وقد فعله لمصلحته فأشبه ما لو ختنه 3].
الثاني: أن يضربه بمثقل كبير فوق عمود الفُسطاط أو بما يغلب على الظن أنه يموت 4 به: كاللت، والكوذين، والسندان أو حجر كبير، أو
الجزء: 1 - الصفحة: 397
يلقي عليه حائطاً أو سقفاً، أو يلقيه من شاهق أو يُعيد الضرب بصغير، أو يضربه في مقتل، أو في حال ضعف من مرض أو صغر أو كبر، أو حَرٍّ أو بردٍ أو نحوه.
الثالث: إِذا ألقاه في زبية أسد، أو أنهشه كلباً أو سبعاً أو حية، أو ألسعه عقرباً من القواتل أو نحو ذلك فقتله، [فيجب فيه القصاص 5].
الرابع: إِذا 6 ألقاه في ماء يغرقه، أو نار لا يمكن التخلص منهما: [إِما لكثرة الماء والنار، وإِما لعجزه عن التخلص لمرض أو ضعف أو صغر أو كونه في حفرة لا يقدر على الصعود منها 7].
الخامس: إِذا خنقه بحبل أو غيره، أو سَد فَمَه وأَنْفَه، أو عَصَر خصيتيه حتى مات.
السادس: إِذا (2) حبسه ومنعه الطعام أو الشراب حتى مات جوعاً أو عطشاً في مدة يموت في مثلها غالباً فعليه القود 8.
السابع: إِذا (2) سقاه سماً لا يعلم به أو خلط سمّاً بطعام فأطعمه، أو خلطه بطعامه فأكله وهو لا يعلم به فمات [فإِن علم آكله به وهو بالغ عاقل، أو خلطه 9] بطعام نفسه [فدخل إِنسان منزله 10] فأكله بغير إِذنه فلا ضمان عليه، فإِن ادّعى القاتل بالسم أنني لم أعلم أنه سم قاتل لم يقبل قولُهُ
الجزء: 1 - الصفحة: 398
في أحد الوجهين ويقبل في الآخر ويكون شبهة عمد 11. الثامن: أن يقتله بسحر يقتل غالباً [فيلزمه القود، لأنه قتله بما يقتل غالباً فأشبه قتله بالسكين 12]. التاسع: أن يشهدا على رجل بقتلٍ عمداً، أو زناً أو ردَّةٍ، فيقتل بذلك، ثم يرجعا ويقولا عمدنا قتله، أو يقول الحاكم علمت كذبهما وعمدت قتله، أو يقول ذلك الولي، فهذا كله وشبهه عمد محض موجب للقصاص إِذا كملت شروطه.
فصل وشبه العمد أن يقصد الجناية بما لا يقتل غالباً فيقتل [إِما لقصد العدوان عليه أو لقصد التأديب له فيسرف فيه 13]: كالضرب بالسوط والعصا والحجر الصغير، أو لكزه 14 بيده، أو يلقيه في ماء قليل، أو يقتله بسحر لا يقتل غالباً وسائر ما لا يقتل غالباً، أو يصيح بصبي أو معتوه وهما على سطح فيسقطان، أو يغتفل عاقلاً فيصيح به فيسقط ونحو ذلك [فهو شبه عمد إِذا قتل، لأنه قصد الضرب دون القتل، ويسمى خطأ العمد وعمد الخطأ لاجتماع العمد والخطأ فيه 15].
الجزء: 1 - الصفحة: 399
فصل
والخطأ على ضربين:
أحدهما: أن يرمي الصيد أو يفعل ما له فعله فَيَقْتُلُ إِنساناً فعليه الكفارة، والدية على العاقلة 16 بغير خلاف.
الضرب الثاني: أن يقتل في دار الحرب من يظنه حربياً ويكون مسلماً أو يرمي إِلى صف الكفار فيصيب مسلماً أو يتترس الكفار بمسلم ويخاف على المسلمين إِن لم يرمهم فيرميهم فيقتل المسلم، فهذا فيه الكفارة وفي وجوب الدية على العاقلة روايتان.
والذي أُجري مجرى الخطأ:
كالنائم ينقلب على إِنسان فيقتله.
أو يقتل بالسبب 17 مثل: أن يحفر بئراً أو ينصب سكيناً، أو حجراً، فيؤول إِلى إِتلاف إِنسان.
وعمد الصبي والمجنون.
فهذا كله لا قصاص فيه، والدية على العاقلة، وعليه الكفارة في ماله لأنه خطأ 18.
الجزء: 1 - الصفحة: 400
فصل
وتقتل الجماعة بالواحد، وعنه لا يقتلون والمذهب الأول 19. وإِن جرحه أحدهما جُرحاً والآخر مائة فهما سواء في القصاص والدية، (5) وإِن قطع أحدهما من الكوع، ثم قطعه الآخر من المرفق فهما قاتلان 20.
وإِن فعل أحدهما فعلًا لا تبقى معه الحياة كقطع حشوته أو مريئه أو ودجيه ثم ضرب عنقه آخر فالقاتل هو الأول ويعزر الثاني.
وإِن شق الأول بطنه أو قطع يده ثم ضرب الثاني عنقه، فالثاني هو القاتل وعلى الأول ضمان ما أتلف بالقصاص أو الدية.
وإِن رماه من شاهق فتلقاه آخر بسيف قدَّه فالقاتل هو الثاني.
وإِن رماه في لجة فتلقاه حوت فابتلعه فالقود على الرامي في أحد الوجهين.
وإِن أكره إِنساناً على القتل فقتل فالقصاص عليهما.
وإِن أمر من لا يميز أو مجنوناً أو عبده الذي لا يعلم أن القتل محرم بالقتل فقتل فالقصاص على الآمر.
وإِن أمر كبيراً عاقلًا عالماً بتحريم القتل به فقتل فالقصاص على القاتل.
وإِن أمر السلطان بقتل إِنسان بغير حق مَنْ يعلم ذلك فالقصاص على القاتل وإِن لم يعلم فعلى الآمر.
وإِن أمسك إِنساناً لآخر ليقتله فقتله قتل القاتل وحبس الممسك حتى يموت في إِحدى الروايتين والأخرى يقتل أيضاً.
الجزء: 1 - الصفحة: 401
وإِن كتَّف إِنساناً وطرحه في أرض مسبعة أو ذات حيات فقتلته فحكمه حكم الممسك.
فصل
وإِن اشترك في القتل اثنان لا يجب القصاص على أحدهما: كالأب وأجنبي في قتل الولد، والحر والعبد في قتل العبد، والخاطئ والعامد، ففي وجوب القصاص على الشريك روايتان: أظهرهما وجوبه على شريك الأب والعبد وسقوطه عن شريك الخاطئ، وفي شريك السبع وشريك نفسه وجهان.
ولو جرحه إِنسان عمداً فداوى جرحه بسم، أو خاطه في اللحم، أو فعل ذلك وليه أو الإِمام فمات، ففي وجوب القصاص على الجارح وجهان.
باب شروط (1) القَصَاص
وهي أربعة:
أحدها: أن يكون الجاني مكلَّفاً فأما الصبي والمجنون فلا قصاص عليهما، وفي السكران وشبهه روايتان: أصحهما وجوبه عليه.
الثاني 22: أن يكون المقتول معصوماً: فلا يجب القصاص بقتل حربي ولا مرتد ولا زان محصن وإِن كان القاتل ذمياً.
ولو قطع مسلم أو ذمي يد21
الجزء: 1 - الصفحة: 402
مرتد أو حربي فأسلم ثم مات، أو رمى حربياً فأسلم قبل أن يقع به السهم فلا شيء عليه، وإِن رمى مرتداً فأسلم قبل وقوع السهم به فلا قصاص عليه وفي الدية وجهان، وإِن قطع يد مسلم فارتد ومات فلا شيء على القاطع في أحد الوجهين، وفي الآخر يجب القصاص في الطرف أو نصف الدية، وإِن عاد إِلى الإِسلام ثم مات وجب القصاص في النفس في ظاهر كلامه، وقال القاضي إِن كان زمن الرِّدَّة مما تسري فيه الجناية فلا قصاص فيه.
فصل
الثالث 23 أن يكون المجني عليه مكافئاً للجاني، وهو أن يساويه في الدين والحرية أو الرق، فيقتل كل واحد من المسلم الحر أو العبد والذمي الحر أو العبد بمثله، ويقتل الذكر بالأنثى، والأنثى بالذكر في الصحيح عنه، وعنه يعطى الذكر نصف الدية إِذا قتل بالأنثى، وعنه لا يقتل العبد بالعبد إِلا أن تستوي قيمتهما ولا عمل عليه، ويقتل الكافر بالمسلم والعبد بالحر والمرتد بالذمي وإِن عاد إِلى الإِسلام نص عليه.
ولا يقتل مسلم بكافر ولا حر بعبد إِلا أن يقتله وهو مثله، أو يجرحه ثم يسلم القاتل أو الجارح، أو يعتق ويموت المجروح فإِنه يقتل به.
ولو جرح مسلم ذمياً أو حرٌ عبداً، ثم أسلم المجروح وعتق 24 ومات فلا قود وعليه دية حر مسلم في قول ابن حامد، وفي قول أبي بكر عليه في الذمي دية ذِّمي وفي العبد قيمته لسيده.
وإِن رمى مسلمٌ (1) ذمياً عبداً، فلم يقع به السهم حتى عتق وأسلم فلا قود، وعليه دية حر مسلم إِذا مات من الرمية، ذكره الخرقي، وقال أبو بكر
الجزء: 1 - الصفحة: 403
عليه القصاص و (1) لو قتل من يعرفه ذمياً عبداً فبان أنه قد أسلم وعتق فعليه القصاص، وإِن كان يعرفه مرتداً فكذلك، قاله أبو بكر، قال ويحتمل أن لا يلزمه إِلا الدية (2).
فصل
الرابع: أن لا يكون أباً للمقتول، فلا يقتل الوالد بولده وإِن سفل، والأب والأم في ذلك سواء، ويقتل الولد بكل واحدٍ منهما في أظهر الروايتين، ومتى ورث ولده القصاص أو شيئاً منه أو ورث القاتل شيئاً من دمه سقط القصاص:
فلو قتل امرأته وله منها ولد، أو قتل أخاها فورثته، ثم ماتت فورثها ولده، سقط عنه القصاص.
ولو قتل أباه أو أخاه فورثه أخواه ثم قتل أحدهما صاحبه سقط القصاص عن الأول لأنه ورث بعض دم نفسه.
ولو قتل أحد الابنين أباه، والآخر أمه، وهي زوجة الأب، سقط القصاص عن الأول لذلك وله أن يقتص من أخيه ويرثه.
فإِن قتل من لا يعرف وادعى كفره أو رقَّه، أو ضرب ملفوفاً فَقَدَّه وادعى أنه كان ميتاً وأنكر وليه، أو قتل رجلاً في داره وادعى أنه دخل يكابره على أهله وماله فقتله دفعاً عن نفسه وأنكر وليه، أو تجارح اثنان وادعى كل واحد منهما أنه جرحه دفعاً عن نفسه وجب القصاص، والقول قول المنكر.2526
الجزء: 1 - الصفحة: 404
باب استيفاء القصَاص
ويشترط له ثلاثة شروط:
أحدها: أن يكون مستحقه مكلفاً: فإِن كان صبياً أو مجنوناً لم يجز استيفاؤه، ويحبس القاتل حتى يبلغ الصبي ويعقل المجنون، إِلا أن يكون لهما أبي فهل له استيفاؤه لهما؟ على روايتين.
فإِن كانا محتاجين إِلى النفقة فهل لوليهما العفو على الدية؟ يحتمل وجهين.
وإِن قتلا قاتل أبيهما أو قطعا قاطعهما قهراً احتمل أن يسقط حقهما، واحتمل أن تجب لهما دية أبيهما في مال الجاني، وتجب دية الجاني على عاقلتهما، وإِن اقتصا ممن لا تحمل ديته العاقلة، سقط حقهما وجهاً واحداً.
فصل
الثاني: اتفاق جميع الأولياء على استيفائه، وليس لبعضهم استيفاؤه دون بعض، فإِن فعل فلا قصاص عليه، وعليه لشركائه حقهم من الدية، ويسقط عن الجاني في أحد الوجهين، وفي الآخر لهم ذلك في تركة الجاني، ويرجع ورثة الجاني على قاتله، وإِن عفا بعضهم سقط القصاص وإِن كان العافي زوجاً أو زوجة، وللباقي حقهم من الدية على الجاني، فإِن قتله الباقون عالمين بالعفو وسقوط القصاص به فعليهم القود، وإِلا فلا قود وعليهم ديته، سواء كان الجميع حاضرين أو بعضهم غائباً، وإِن كان بعضهم صغيراً أو منوناً فليس للبالغ العاقل الاستيفاء حتى يصيرا مكلفين في المشهور عنه، وعنه له 27 ذلك.
الجزء: 1 - الصفحة: 405
وكل من ورث المال ورث القصاص على قدر ميراثه من المال حتى الزوجين وذوي الأرحام 28، ومن لا وارث له وليه الإِمام: إِن شاء اقتص وإِن شاء عفى.
فصل
الثالث: أن يؤمن في الاستيفاء التعدي إِلى غير القاتل، فلو وجب القصاص على حامل، أو حملت بعد وجوبه، لم تقتل حتى تضع الولد وتسقيه اللبأ، ثم إِن وجد من يرضعه، وإِلا تركت حتى تفطمه ولا يقتص منها في الطرف حال حملها.
وحكم الحد في ذلك حكم القصاص.
فإِن ادعت الحمل احتمل أن يقبل منها فتحبس حتى يتبين أمرها، واحتمل أن لا يقبل إِلا ببينة.
وإِن اقتص من حامل وجب ضمان جنينها على قاتلها، وقال أبو الخطاب: يجب على السلطان الذي مكَّنهُ من ذلك.
فصل ولا يستوفى القصاص إِلا بحضرة السلطان، وعليه تفقد الآلة التي يستوفى بها القصاص، فإِن كانت كالَّة منعه الاستيفاء بها، وينظر في الولي إِن كان يحسن الاستيفاء ويقدر عليه أمكنه منه، وإِلا أمره بالتوكيل، وإِن احتاج إِلى أجرة فمن مال الجاني، والولي مخير بين الاستيفاء بنفسه إِن كان يحسن وبين التوكيل، وقيل ليس له أن يستوفي في الطرف بنفسه بحال، وإِن تشاح أولياء المقتول في الاستيفاء قدم أحدهم بالقرعة.
الجزء: 1 - الصفحة: 406
فصل
ولا يُستوفى القصاص في النفس إِلا بالسيف في إِحدى الروايتين، وفي الأخرى يُفْعل به كما فعل به (1): فلو قطع يده ثم قتله [فعل به ذلك، وإِن قتله (2)] بحجر أو غرّقه أو غير ذلك فعل به مثل فعله، وإِن قطع يده من مفصل أو غيره أو أَوْضحهُ فمات، فعل به كفعله فإِن مات وإِلا ضربت عنقه، وقال القاضي يقتل ولا يزاد على ذلك رواية واحدة، وإِن قتله بمحرم في نفسه كتجريع الخمر واللواط ونحوه قتل بالسيف رواية واحدة.
ولا تجوز الزيادة على ما أتى به رواية واحدة، ولا قطع شيء من أطرافه، فإِن فعل فلا قصاص فيه، وتجب فيه ديته سواء عفا عنه أو قتله.
فصل
وإِن قتل واحدٌ جماعةَ فَرَضُوا بقتله، قتل لهم، ولا شيء لهم سواه، وإِن تشاحوا فيمن يقتله منهم على الكمال، أقيد للول وللباقين دية قتيلهم، وإِن رضي الأول بالدية أعطيها وقتل للثاني.
وإِن قتل وقطع طرفاً قطع طرفه، ثم قتل لولي المقتول، وإِن قطع أيدي جماعة فحكمه حكم القتل.
باب العفو عن القصَاص
والواجب بقتل العبد أحد شيئين: القصاص أو الدية في ظاهر المذهب، والخيرة فيه إِلى الولي: فإِن شاء اقتص، وإِن شاء أخذ الدية، وإِن شاء عفا إِلى غير شيء، والعفو أفضل، فإِن اختار القصاص فله العفو2930
الجزء: 1 - الصفحة: 407
على الدية، وإِن اختار الدِّية سقط القصاص ولم يملك طلبه، وعنه أن الواجب القصاص عيناً وله العفو إِلى الدية وإِن سخط الجاني، فإِن عفا مطلقاً، وقلنا الواجب أحد شيئين، فله الدية، وإِن قلنا الواجب القصاص عيناً، فلا شيء له.
وإِن مات القاتل وجبت الدية في تركته، وإِذا قطع أُصْبُعاً عمداً فعفا عنه ثم سرى إِلى الكف أو النفس وكان العفو على مال فله تمام الدية، وإِن عفا على غير مال فلا شيء له على ظاهر كلامه، ويحتمل أن له تمام الدية، وإِن عفا مطلقاً انبنى على الروايتين في موجب العمد.
وإِن قال الجاني عفوت مطلقاً، أو عفوت عنها وعن سرايتها، قال بل عَفَوْتُ إِلى مال، أو عفوت عنها دون سرايتها فالقول قوله مع يمينه، وإِن قتل الجاني العافي فلوليه القصاص أو الدية كاملة، وقال القاضي: له القصاص أو تمام الدية.
وإِذا وكل رجلاً في القصاص ثم عفا ولم يعلم الوكيل حتى اقتص فلا شيء عليه، وهل يضمن العافي يحتمل وجهين، ويتخرج أن يضمن الوكيل ويرجع به على الموكل في أحد الوجهين لأنه غرَّه، والآخر لا يرجع به ويكون الواجب حالاًّ في ماله، وقال أبو الخطاب: يكون على عاقلته.
وإِذا عفا عن قاتله بعد الجرح صح، وإِن أبرأه من الدية أو وصَّى 31 له بها فهي وصية لقاتل هل تصح؟ على روايتين.
إِحداهما تصح ويعتبر من الثلث.
ويحتمل أن لا يصح عفوه عن المال، ولا وصيته به لقاتل ولا غيره، إِذا قلنا إِنه يَحْدُث على ملك الورثة.
الجزء: 1 - الصفحة: 408
وإِن أبرأ القاتل من الدية الواجبة على عاقلته أو العبد من جنايته التي يتعلق أرْشها (1) برقبته لم يصح، وإِن أبرأ العاقلة أو السيد صح.
وإِن وجب لعبد قصاص، أو تعزير، أو قذف، فله طلبه والعفو عنه، وليس ذلك للسيد إِلا أن يموت العبد.
باب ما يوجب القصَاص فيما دون النّفس
كل من أقيد بغيره في النفس أقيد به فيما دونها ومن لا فلا، ولا يجب إِلا بمثل الموجب في النفس وهو العبد المحض، وهو نوعان: أحدهما في الأطراف: فتؤخذ العين بالعين، والأنف بالأنف، والأذن بالأذن، والسن بالسن، والجفن بالجفن، والشفة بالشفة، واليد باليد، والرجل بالرجل، ويؤخذ كل واحد من الأصابع والكف والمرفق والذكر والأنثيين بمثله، وهل يجري في الإِلية والشفر على وجهين.
فصل
ويشترط للقصاص في الطرف ثلاثة شروط:
أحدها: الأمن من الحيف بأن يكون القطع من مفصل أو له حد ينتهي إِليه كما رنا لأنف وهو مَا لاَنَ منه، فإِن قطع القصبة، أو قطع من نصف الساعد أو الساق، فلا قصاص في أحد الوجهين، وفي الآخر يقتص من حد المارن، ومن الكوع والكعب، وهل يجب أَرش الباقي؟ على وجهين.
ويقتص من المنكب إِذا لم يخف جائفة، فإِذا أوضح إِنساناً فأذهب32
الجزء: 1 - الصفحة: 409
ضوء عينه، أو سمعه، أو شمه، فإِنه يُوضِحُهُ، فإِن ذهب ذلك وإِلا استعمل فيه ما يذهبه من غير أن يجني على حدقته أو إِذنه أو أنفه، فإِن لم يمكن إِلا بالجناية على هذه الأعضاء سقط.
الثاني (1): المماثلة في الموضع: فتؤخذ كل واحدة من اليمنى واليسرى والعليا والسفلى من الشفتين والأجفان بمثلها، والإِصبع والسن والأنملة بمثلها في الموضع والاسم، ولو قطع أنملة رجل العليا وَقَطَعَ الوسطى من تلك الإِصبع من آخر لم يكن له عليا فصاحب الوسطى مخير بين أخذ عَقْلِ أنملته وبين أن يصبر حتى يقطع العليا ثم يقتص من الوسطى، ولا يُؤخذ شيء من ذلك بما يخالفه، ولا تُؤْخذ أصلية بزائدة، ولا زائدة بأصلية، وإِن تراضيا عليه لم يجز، فإِن فعلا أو قطعها تعدياً، أو قال اخرج يمينك فأخرج يساره فقطعها أجزأت على كل حال وسقط القصاص قاله أبو بكر (2). وقال ابن حامد: إِن أخْرَجها دهشة أو ظناً أنها تجزئ فعلى القاطع دِيَتُها، وإِن كان مَنْ عليه القصاص مجنوناً فعلى القاطع القصاص وإِن كان عالماً بها أو أنها لا تجزئ، وإِن جهل أحدهما فعليه الدية، وإِن كان المقتص مجنوناً والآخر عاقلاً ذهبت هدراً.
فصل
الثالث 35: استواؤهما في الصحة والكمال: فلا تُؤْخذ صحيحة بشلاَّء، ولا كاملة الأصابع بناقصة، ولا عين صحيحة بقاتمة، ولا لسان ناطق بأخرس، ولا ذكر صحيح بأشل، ولا ذكر 36 فحل بذكر خصي ولا3334
الجزء: 1 - الصفحة: 410
عنين، ويحتمل أن يؤخذ بهما، إِلا مارن الأشم الصحيح يؤخذ بمارن الأخشم والمخزوم والمستحشف، وأذن السميع بأذن الأصم الشلاء في أحد الوجهين، ويؤخذ المعيب من ذلك كله بالصحيح وبمثله إِذا أمن من قطع الشلاء التلف، ولا يجب له مع القصاص أَرْش في أحد الوجهين، وفي الآخر له دية الأصابع الناقصة، ولا شيء له من أجل الشلل، واختار أبو الخطاب أن له أَرْشه.
وإِن اختلفا في شلل العضو وصحته فأيهما يقبل قوله؟ ففيه وجهان.
فصل
وإِن قطع: بعض لسانه، أو مارنه، أو شفته، أو حشفته، أو أذنه، أخذ بمثله، يقدر بالأجزاء كالنصف والثلث والربع، وإِن كسر بعض سنه برد من سن الجاني مثله إِذا أمن قلعها، ولا يقتص من السن حتى ييأس من عودها، فإِن اختلفا في ذلك رجع إِلى قول أهل الخبرة، فإِن مات قبل اليأس من عودها فعليه ديتها ولا قصاص فيها، وإِن اقتص من سن فعادت غرم سن الجاني، ثم إِن عادت سن الجاني رُدَّ ما أخذ، وإِن عادت سن المجني عليه قصيرة أو معيبة فعلى الجاني أرش نقصها.
فصل النوع الثاني 37 الجروح فيجب القصاص في كل جرح ينتهي إِلى عظم: كالمُوَضَّحَةِ، وجرح العضد والفخذ والساق والقدم، ولا يجب في غير ذلك من الشجاج والجروح كما دون المُوَضَّحِةِ 38 إِلا أن يكون أعظم من
الجزء: 1 - الصفحة: 411
المُوَضَّحَة، كالهاشِمَةِ، والمُنَقِّلَةِ، والمَأْمُومَةِ، فله أن يقتص مُوَضِّحَةً، ولا شيء له على قول أبي بكر، وقال ابن حامد: له ما بين دية موضحة ودية تلك الشَّجَّةِ: فيأخذ في الهَاشِمَةِ خمساً من الإِبل وفي المنقلةِ عشراً.
ويعتبر قدر الجرح بالمساحة: فلو أَوْضَحَ إِنساناً في بعض رَأْسِهِ مقدار ذلك البعض جميع رأس الشاج وزيادة كان له أن يوضحه في جميع رأسه، وفي الأرش للزائد وجهان.
فصل
وإِن اشترك الجماعة في قطع طرف، أو جرح موجب للقصاص وتساوت أفعالهم بمثل أن يضعوا الحديدة على يده ويتحاملوا عليها جميعاً حتى تبين فعلى جميعهم القصاص في إِحدى الروايتين، وإِن تفرقت أفعالهم أو قطع كل إِنسان من جانب فلا قصاص رِواية واحدة.
وسراية الجناية مضمونة بالقصاص أو الدية: فلو قطع إِصبعاً فتأكلت أخرى إِلى جانبها وسقطت من مفصل، أو تأكلت اليد وسقطت من الكوع وجب القصاص في ذلك، وإِن شل ففيه ديته دون القصاص.
وسراية القود غير مضمونة فلو قطع اليد قصاصاً فسرى إِلى النفس فلا شيء على القاطع.
ولا يقتص من الطرف إِلا بعد برئه، فإِن اقتص قبل ذلك بطل حقه من سراية جرحه، فلو سرى إِلى نفسه كان هدراً، وإِن سرى القصاص إِلى نفس الجاني كان هدراً أيضاً.
الجزء: 1 - الصفحة: 412