المقنع في فقه الإمام أحمد ت الأرناؤوطكتاب القَضَاء
أهل الأثرالأرشيف العلمي

وهو فرض كفاية.
قال أحمد رحمه الله تعالى: لا بُدَّ للناس من حاكم، أتذهب حقوق الناس؟ فيجب على الإِمام أن ينصب في كل إِقليم قاضياً، ويختار لذلك أفضل من يجد وأورعهم، ويأمرهم بتقوى الله، وإِيثار طاعته في سره وعلانيته، وتحري العدل، والاجتهاد في إِقامة الحق، وأن يستخلف في كل صقع أصلح من يقدر عليه لهم.
ويجب على من يصلح له إِذا طلب ولم يوجد غيره ممن يوثق به الدخول فيه، وعنه أنه سئل هل يأثم القاضي بالامتناع إِذا لم يوجد غيره [ممن يوثق به؟ 1] قال: لا يأثم، وهذا يدل على أنه ليس بواجب، فإِن وجد غيره كُرِه له طلبه بغير خلاف في المذهب، وإِن طُلِبَ فالأفضل له أن لا يجيب إِليه في ظاهر كلام أحمد، وقال ابن حامد: الأفضل الإِجابة إِليه إِذا أَمِنَ نفسه.
ولا تثبت ولاية القضاء إِلا بتولية الإِمام أو نائبه، ومن شرط صحتها: معرفة المولي كون المُوَلَّى على صفة تصلح للقضاء.
وتعيين 2 ما يُوَلِّيه الحكم فيه من الأعمال والبلدان.
ومشافهته بالولاية أو مكاتبته 3 بها.

الجزء: 1 - الصفحة: 474

وإِشهاد شاهدين على توليته.
وقال القاضي تثبت بالاستفاضة إِذا كان بلده قريباً تستفيض فيه أخبار بلد الإِمام، وهل تشترط عدالة المولى؟ على روايتين.
وألفاظ التولية الصريحة سبعة: وليتك الحكم.
وقلدتك.
واستنبتك.
واستخلفتك.
ورددت إِليك.
وفوضت إِليك.
وجعلت لك الحكم.
فإِذا وُجد لفظ منها والقبول من المُوَلّى انعقدت الولاية.
والكناية نحو: اعتمدت عليك.
أو عولت عليك 4. ووكلت إِليك.
وأسندت إِليك الحكم.
فلا ينعقد بها حتى يقترن بها قرينة نحو: فاحكم، أو فتولَّ ما عَوَّلْتُ عليك فيه وما أشبهه.

فصل وإِذا ثبتت الولاية وكانت عَامَّة استفاد بها النظر في عشرة أشياء: فصل الخصوات، واستيفاء الحق ممن هو عليه ودفعه إِلى ربه.
والنظر في أموال اليتامى والمجانين والسفهاء.
والحجر 5 على من يرى الحجر عليه لسفه أو فَلَس.
والنظر في الوقوف في عمله، بإِجرائها على شرط الواقف.
وتنفيذ الوصايا.
وتزويج النساء اللاتي لا ولي لهن.

الجزء: 1 - الصفحة: 475

وإِقامة الحدود.
وإقامة الجمعة.
والنظر في مصالح عمله بكف الأذى عن طريق المسلمين 6 وأفنيتهم.
وتصفح حال شهوده وأمنائه، والاستبدال بمن ثبت جرحه منهم.
فأما جباية الخراج وأخذ الصدقة فعلى وجهين.
وَلَهُ طلب الرزق لنفسه وأمنائه وخلفائه 7 مع الحاجة، فأما مع عدمها فعلى وجهين.

فصل ويجوز أن يوليه عموم النظر في عموم العمل، ويجوز أن يوليه خاصاً في أحدهما أو فيهما: فيوليه عموم النظر في بلد أو محلة خاصة فينفذ قضاؤه في أهله ومن طرأ إِليه، ويجعل إِليه الحكم في المداينات خاصة، أو في قدر من المال لا يتجاوزه، أو يفوض إِليه عقود الأنكحة دون غيرها، ويجوز أن يولي قاضيين أو أكثر في بلد واحد: يجعل إِلى كل واحد منهما 8 عملاً، فيجعل إِلى أحدهما الحكم بين الناس، وإِلى الآخر عقود الأنكحة دون غيرها 9، فإِن جعل إِليهما عملاً واحداً جاز.
وعند القاضي 10 لا يجوز.
وإِن مات المولِّي أو عُزِل المُوَلّى مع صلاحيته لم تبطل ولايته في أحد الوجهين، وتبطل في الآخر، وهل ينعزل قبل العلم بالعزل؟ على وجهين

الجزء: 1 - الصفحة: 476

بناءً على الوكيل، وإِذا قال المُوَلّي من نظر في الحكم في البلد الفلاني من فلان وفلان فهو خليفتي أو قد وليته لم تنعقد الولاية لمن ينظر، وإِن قال وليت فلاناً وفلاناً فمن نظر منهم فهو خليفتي انعقدت الولاية.

فصل ويشترط في القاضي عشر صفات: أن يكون: بالغاً، عاقلاً، ذكراً، حراً، مسلماً، عدلاً، سميعاً، بصيراً، متكلماً، مجتهداً.
وهل يشترط كونه كاتباً؟ على وجهين.
والمجتهد من يعرف من كتاب الله تعالى وسنة رسوله عليه السلام: الحقيقة والمجاز، والأمر والنهي، والمجمل والمبين، والمحكم والمتشابه، والخاص والعام، والمطلق والمقيد، والناسخ والمنسوخ، والمستثنى والمستثنى منه.
ويعرف من السنة: صحيحها من سقيمها، وتواترها من آحادها، ومرسلها ومتصلها، ومسندها ومنقطعها، مما له تعلق بالأحكام خاصة.
ويعرف ما أُجْمِع عليه مما اختلف فيه، والقياس وحدوده وشروطه وكيفية استنباطه، والعربية المتداولة بالحجاز والشام والعراق وما يواليهم، وكل ذلك مذكور في أصول الفقه وفروعه، فمن وقف عليه ورزق فهمه صلح للقضاء والفتيا وبالله التوفيق.

فصل وإِن تحاكم رجلان إِلى رجل يصلح للقضاء فَحَكَّماه بينهما فحكم، نفذ حُكْمه في المال، وينفذ في القصاص 11. والحد والنكاح واللعان في

الجزء: 1 - الصفحة: 477

ظاهر كلامه، ذكره أبو الخطاب، وقال القاضي: لا ينفذ إِلا في الأموال خاصة.

باب أدب القاضي

ينبغي أن يكون قوياً من غير عنف، ليناً من غير ضعف، حليماً ذا أناة وفطنة، بصيراً بأحكام الحُكَّامِ قبله.
وإِذا وُلِّي في غير بلده سأل عن من فيه من الفقهاء والفضلاء والعدول، وينفذ عند مسيره من يعلمهم يوم دخوله ليتلقوه، ويدخل البلد يوم الاثنين أو الخميس أو السبت لابساً أجمل ثيابه، فيأتي الجامع فيصلي فيه ركعتين ويجلس مستقبل القبلة، فإِذا اجتمع الناس أمر بعهده فقرئ عليهم، وأمر من ينادي من له حاجة فليحضر يوم كذا ثم يمضي إِلى منزله، وينفذ؛ فيتسلم ديوان الحكم من الذي كان قبله، ثم يخرج في اليوم الذي وعد بالجلوس فيه على أعدل أحواله: غير غضبان، ولا جائع، ولا شبعان، ولا حاقن، ولا مهموم بأمر يشغله عن الفهم، فيسلم على من يمر به، ثم يسلم على من في مجلسه، ويصلي تحية المسجد إِن كان في مسجد، ويجلس على بساط، ويستعين بالله ويتوكل عليه ويدعوه سراً أن يعصمه من الزلل ويوفقه للصواب ولما يرضيه من القول والعمل.
ويجعل مجلسه في مكان فسيح كالجامع والفضاء والدار الواسعة في وسط البلد إِن أمكن.
ولا يتخذ حاجباً ولا بواباً إِلا في غير مجلس الحكم إِن شاء.
ويعرض القصص فيبدأ بالأول فالأول، ولا يقدم السابق في أكثر من حكومة واحدة، فإِن حضروا دفعة واحدة وتشاحوا قدم أحدهم بالقرعة.
= (ينفذ في) وقال: في المال والقصاص والحد.
. . إلخ.

الجزء: 1 - الصفحة: 478

ويعدل بين الخصمين في لحظه ولفظه ومجلسه والدخول عليه، إِلا أن يكون أحدهما كافراً فيقدم المسلم عليه في الدخول، ويرفعه في الجلوس وقيل يسوي بينهما، ولا يسار أحدهما، ولا يلقنه حجة، ولا يعلمه كيف يدعي في أحد الوجهين، وفي الآخر يجوز له تحرير الدعوى له إِذا لم يحسن تحريرها، وله أن يشفع إِلى خصمه ليُنْظِرَهُ أو ليضَعَ عنه أو يزن 12 عنه.
وينبغي أن يحضر مجلسه الفقهاء من كل مذهب إِن أمكن ويشاورهم فيما يشكل عليه، فإِن اتضح له حكم وإِلا أَخَّرَهُ، ولا يقلد غيره وإِن كان أعلم منه، ولا يقضي وهو غضبان ولا حاقن ولا في شدة الجوع والعطش والهم والوجع والنعاس والبرد المؤلم والحر المزعج، فإِن خالف وحكم فوافق الحق نفذ حكمه، وقال القاضي لا ينفذ، وقيل إِن عرض ذلك بعد فهم الحكم جاز وإِلا فلا.
ولا يحل له أن يرتشي، ولا يقبل الهدية إِلا ممن كان يهدي إِليه قبل ولايته بشرط أن لا يكون له حكومة.
ويكره أن يتولى البيع والشراء بنفسه ويستحب أن يوكل في ذلك من لا يُعْرف أنه وكيله.
ويستحب له عيادة المرضى وشهود الجنائز ما لم يشغله عن الحكم، وله حضور الولائم فإِن كثرت تركها كلها ولم يجب بعضهم دون بعض.
ويوصي الوكلاء والأعوان على بابه بالرفق بالخصوم، وقلة الطمع، ويجتهد أن يكونوا شيوخاً أو كهولاً من أهل الدين والعفة والصيانة.
ويتخذ كاتباً مسلماً مكلفاً عدلاً حافظاً عالماً يجلسه بحيث يشاهد ما يكتبه، ويجعل القمطر مختوماً بين يديه.

الجزء: 1 - الصفحة: 479

ويستحب أن لا يحكم إِلا بحضرة الشهود، ولا يحكم لنفسه، ولا لمن لا تقبل شهادته له، ويحكم بينهم بعض خلفائه وقال أبو بكر يجوز ذلك.

فصل

وأول ما ينظر فيه أمر المحبسين، فيبعث ثقة إِلى الحبس فيكتب اسم كل محبوس ومن حبسه وفيم حبسه في رقعة منفردة، ثم يُنادى في البلد أن القاضي ينظر في أمر المحبسين غداً فمن له منهم خصم فليحضر، فإِذا كان الغد وحضر القاضي أحضر رقعة فقال هذه رقعة فلان ابن فلان فمن خصمة؟ فإِن حضر خصمه نظر بينهما، وإِن كان حبس في تهمة أو افتئات على القاضي قبله خلى سبيله.
وإِن لم يحضر له خصم وقال حبست ظلماً ولا حق علي ولا خصم لي نادى بذلك ثلاثاً فإِن حضر له خصم وإِلا أَحْلَفَه وخلّى سبيله.
ثم ينظر في أمر الأيتام والمجانين والوقوف.
ثم في حال القاضي قبله: فإِن كان ممن يصلح للقضاء لم ينقض من أحكامه إِلا ما خالف نص كتاب أو سنة أو إِجماعاً، وإِن كان ممن لا يصلح نقض أحكامه وإِن وافقت الصحيح، ويحتمل أن لا ينقض الصواب منها.
وإِن استعداه أحد على خصم له أحضره وعنه لا يحضره حتى يعلم أن لما ادعى أصلاً.
وإِن استعداه على القاضي قبله سأله عما يدعيه: فإِن قال لي عليه دين معاملة أو رشوة راسله، فإِن اعترف بذلك أمره بالخروج منه، وإِن أنكر وقال إِنما يريد تبذيلي فإِن عرف أن لما ادعاه أصلاً أحضره وإِلا فلا يحضره؟ على روايتين.
وإِن قال حكم علي بشهادة فاسقين فأنكر فالقول قوله بغير يمين.
وإِن قال الحاكم المعزول كنت حكمت في ولايتي لفلان على فلان بحق قُبِلَ قوله، ويحتمل أن لا يقبل قوله، وإِن ادعى على

الجزء: 1 - الصفحة: 480

امرأة غير برزة لم يحضرها وأمرها بالتوكيل وإِن وجبت عليها اليمين أرسل إِليها من يحلفها.
وإِذا ادعي على غائب عن البلد في موضع لا حاكم فيه كتب إِلى ثقات من أهل ذلك الموضع ليتوسطوا بينهما، فإِن لم يقبلوا قيل للخصم حقق ما تدعيه، ثم يحضره وإِن بعدت المسافة.

باب طريق الحكم وصفته

إِذا جلس إِليه خصمان فله أن يقول: من المدعي منكما، وله أن يسكت حتى يبتدئا، فإِن سبق أحدهما بالدعوى قدمه، وإِن ادعيا معاً قدم أحدهما بالقرعة فإِذا انقضت حكومته سمع دعوى الآخر، ثم يقول للخصم ما تقول فيما ادعاه، ويحتمل أن لا يملك سؤاله حتى يقول المدعي أسألُ سُؤَالَه عن ذلك، فإِن أقرَّ له لم يحكم حتى يطالبه المدعي بالحكم، وإِن أنكر مثل أن يقول المدعي: أقرضته ألفاً أو بعته.
فيقول: ما أقرضني ولا باعني، أو ما يستحق علي ما ادعاه ولا شيئاً منه، أو لا حق له علي صح الجواب، وللمدعي أن يقول لي بينة، فإِن لم يقل قال الحاكم ألك بينة؟ فإِن قال: لي بينة، أمره بإِحضارها فإِن أحضرها سمعها الحاكم وحكم بها إِذا سأله المدعي.
ولا خلاف في أنه يجوز له الحكم بالإِقرار والبينة في مجلسه إِذا سمعه معه شاهدان، فإِن لم يسمعه معه أحد أو سمعه معه شاهد واحد فله الحكم، به نص عليه، وقال القاضي: لا يحكم به وليس له الحكم بعلمه مما رآه وسمعه، نص عليه.
وهو اختيار الأصحاب.
وعنه ما يدل على جواز ذلك سواء كان في حَدٍّ أو غيره.
وإِن قال المدعي مالي بينة فالقول قول المنكر مع يمينه، فيعلمه أن له اليمين على خصمه وإِن سأل إِحْلاَفه أحلفه وخلى سبيله وإِن أحلفه أو

الجزء: 1 - الصفحة: 481

حلف هو من غير سؤال المدعي يعتد بيمينه 13، وإِن نكل قضى عليه بالنكول، نص عليه واختاره عامة شيوخنا، فيقول له: إِن حلفت وإِلا قضيت عليك ثلاثاً، فإِن لم يحلف قضى عليه إِذا سأل المدعي ذلك، وعند أبي الخطاب: تُرَدُّ اليمين على المدعي، وقال: قد صوبه أحمد.
وقال: ما هو ببعيد يحلف ويأخذ، فيقال للناكل: لك رد اليمين على المدعي فإِن ردَّها حلف المدعي وحكم له، وإِن نكل أيضاً صرفهما، فإِن عاد أحدهما فبذل اليمين لم يسمعها في ذلك حتى يحتكما في مجلس آخر.
وإِن قال المدعي: لي بينة بعد قوله ما لي بيِّنة لم تُسْمَعْ، ذكره الخرقي، ويحتمل أن تسمع.
وإِن قال ما أعلم لي بينة ثم قال قد علمت لي بينة سُمِعَتْ.
وإِن قال شاهدان: نحن نشهد لك، فقال: هذان بينتي سُمِعَتْ، وإِن قال: ما أريد أن تشهدا لي لم يكلف إِقامة البينة، وإِن قال لي بينة وأريد يمينه فإِن كانت غائبة فله إِحلافه، وإِن كانت حاضرة فهل له ذلك؟ على وجهين.
وإِن حلف المنكر ثم أحضر المدعي بينة حكم بها ولم تكن اليمين مزيلة للحق.
وإِن سكت المدعى عليه فلم يقر ولم ينكر قال له القاضي: إِن أجبت وإِلا جعلتك ناكلاً وقضيت عليك، وقيل يحبسه حتى يجيب، وإِن قال لي مخرج مما ادعاه لم يكن مجيباً، وإِن قال لي حساب أريد أن أنظر فيه 14 لم يلزم المدعي إِنظاره، وإِن قال قد قضيته أو أبرأني ولي بينة بالقضاء أو الإِبراء وسأل الإِنظار أنظر ثلاثاً، وللمدعي ملازمته فإِن عجز حلف المدعي على نفي ما ادعاه واستحق، فإِن ادعى عليه عيناً في يده فأقر بها لغيره جعل

الجزء: 1 - الصفحة: 482

الخصم فيها وهل يحلف المدَّعى عليه؟ على وجهين.
فإِن كان المقر له حاضراً مكلفاً سئل فإِن ادعاها لنفسه ولم تكن بينة حلف وأخذها، وإِن أقر بها للمدعي سلمت إِليه، وإِن قال ليست لي ولا أعلم لمن هي سلمت إلى المدعي في أحد الوجهين، وفي الآخر لا تسلم إِليه إِلا ببينة ويجعلها الحاكم عند أمين.
وإِن أقر بها الغائب أو صبي أو مجنون سقطت عنه الدعوى.
ثم إِن كان للمدعي بينة سلمت إِليه وهل يحلف؟ على وجهين.
وإِن لم يكن له بينة حلف المُدَّعى عليه أنه لا يلزمه تسلميها إِليه، وأُقرت في يده إِلا أن يقيم بينة أنها لمن سمى فلا يحلف.
وإِن أقر بها لمجهول قيل له إِما أن تعرفه أو نجعلك ناكلاً.

فصل

ولا تصح الدعوى إِلا محررة تحريراً يُعلَم بها المُدَّعى إِلا في الوصية والإِقرار فإِنها تجوز بالمجهول، فإِن كان المُدَّعى عيناً حاضرة عَيَّنها، وإِن كانت غائبة ذكر صفاتها إِن كانت تنضبط بها، والأولى ذكر قيمتها، وإِن كانت تالفة من ذوات الأمثال ذكر قدرها وجنسها وصفتها، وإِن ذكر قيمتها كان أولى، وإِن لم تنضبط بالصفات فلابد من ذكر قيمتها.
وإِن ادعى نكاحاً فلابد من ذكر المرأة بعينها إِن حضرت وإِلا ذكر اسمها ونسبها، وذكر شروط النكاح، وأنه تزوجها بولي مرشد وشاهدي عدل ورضاها في الصحيح من المذهب.
وإِن ادعى بيعاً أو عقداً سواه فهل يشترط ذكر شروطه؟ يحتمل وجهين.
وإِن ادعت المرأة نكاحاً على رجل، وادعت معه نفقة أو مهراً سمعت دعواها، وإِن لم تَدَّع سوى النكاح فهل تسمع دعواها؟ على وجهين.
وإِن ادعى قتل موروثه ذكر القاتل، وأنه انفرد به أو شارك غيره، وأنه قتله عمداً أو خطأ أو شبه عمد.
ويصفه، وإِن ادعى الإِرث ذكر سببه.

الجزء: 1 - الصفحة: 483

وإِن ادعى شيئاً محلى قوَّمه بغير جنس حليته: فإِن كان محلى بذهب وفضة قومه بما شاء منهما للحاجة.

فصل

ويعتبر في البينة العدالة ظاهراً وباطناً في اختيار أبي بكر والقاضي، وعنه تقبل شهادة كل مسلم لم تظهر منه ريبة، اختاره الخرقي، وإِن جهل إِسلامه رجع إِلى قوله والعمل على الأول.
وإِذا علم الحاكم عدالتهما عمل بعلمه وحكم بشهادتهما إِلا أن يرتاب بهما، فيفرقهما، ويسأل كل واحد: كيف تحملت؟ ومتى؟ وفي أي موضع؟ 15 وهل كنت وحدك أو أنت وصاحبك؟ فإِن اختلفا لم يقبلهما، وإِن اتفقا وعظهما وخوفهما، فإِن ثبتا حكم بهما إِذا سأله المدعي، فإِن جرحهما المشهود عليه كُلِّف البيِّنة بالجرح، فإِن سأل الإِنظار أُنظر ثلاثاً، وللمدعي ملازمته، فإِن لم يُقِمْ بينة حكم عليه، ولا يسمع الجرح إِلا مفسراً بما يقدح في العدالة إِما أن يراه أو يستفيض عنه.
وعنه أنه يكفي أن يشهد أنه فاسق وليس بعدل، وإِن شهد عنده فاسق يعرف حاله قال للمدعي زدني شهوداً، وإِن جهل حاله طالب المدعي بتزكيته، ويكفي في التزكية شاهدان يشهدان أنه عدلٌ مرضيٌّ ولا يحتاج أن يقول عليّ ولي.
وإِن عدَّله اثنان وجرحه اثنان فالجرح أولى، وإِن سأل المُدَّعِي حبس المشهود عليه حتى يزكى شُهُودَهُ، فهل يحبس؟ على وجهين.
وإِن أقام شاهدًا وسأله حَبْسَهُ حتى يقيم الآخر حَبَسَهُ إِن كان في المال، وإِن كان في غيره فعلى وجهين.
وإِن حاكم إِليه من لا يعرف لسانه ترجم له من يعرف لسانه ولا يقبل في

الجزء: 1 - الصفحة: 484

الترجمة والجرح والتعديل والتعريف والرسالة إِلا قول عدلين، وعنه يقبل قول واحد، ومن ثبتت عدالته مرة فهل يحتاج إِلى تجديد البحث عن عدالته مرة أخرى؟ على وجهين.

فصل

وإِن ادعى على غائب أو مستتر في البلد أو ميت أو صبي أو مجنون وله بينة سمعها الحاكم وحكم بها.
وهل يحلف المدعي أنه لم يبرأ إِليه منه ولا من شيء منه؟ على روايتين.
ثم إِذا قدم الغائب أو بلغ الصبي أو أفاق المجنون فهو على حجته.
وِإن كان الخصم في البلد غائباً عن المجلس لم تسمع البينة حتى يحضر فإِن امتنع عن الحضور سمعت البينة وحكم بها في إِحدى الروايتين، والأخرى لا تسمع حتى يحضر، فإِن أبى بعث إِلى صاحب الشرطة ليحضره فإِن تكرر منه الاستتار أقعد على بابه من يضيق عليه في دخوله وخروجه حتى يحضر.
وإِن ادعى أن أباه مات عنه وعن أخ له غائب، وله مال في يد فلان أو دين عليه، فأقر المُدَّعى عليه أو ثبتت ببينة، سُلِّم إِلى المدعي نصيبه وأخذ الحاكم نصيب الغائب فيحفظه له، ويحتمل أنه إِذا كان المال ديناً أن يترك نصيب الغائب في ذمة الغريم حتى يقدم.
وإِن ادعى إِنسان أن الحاكم حكم له بحق فصدقه قبل قول الحاكم وحده، وإِن لم يذكر الحاكم ذلك، فشهد عدلان أنه حكم له به قبل شهادتهما وأمضى القضاء، وكذلك إِن شهدا أن فلاناً وفلاناً شهدا عندك بكذا قبل شهادتهما، وإِن لم يشهد به أحد لكن إِن 16 وجده في قمطره في صحيفة تحت ختمه بخطه فهل ينفذه؟ على روايتين.
وكذلك الشاهد إِذا رأى خطه في كتاب بشهادة ولم يذكرها فهل له أن يشهد بها؟ على روايتين.

الجزء: 1 - الصفحة: 485

فصل

ومن كان له على إِنسان حق ولم يمكنه أخذه بالحاكم، وقدر له على مال لم يجز له أن يأخذ قدر حقه، نصَّ عليه، واختاره عامة شيوخنا، وذهب بعضهم من المُحْدثين إِلى جواز ذلك، فإِن قدر على جنس حقه أخذ قدر حقه وإِلا قومه وأخذ بقدر حقه متحريًا للعدل في ذلك لحديث هند: "خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف" (1). ولقوله عليه السلام: "الرَّهْنُ مركوبٌ ومحلوب" (2). وحكم الحاكم لا يزيل الشيء عن صفته في الباطن، وذكر ابن أبي موسى عنه رواية أنه يزيل العقود والفسوخ.

باب حكم (3) كتاب القاضي إِلى القاضي

يقبل كتاب القاضي إِلى القاضي في المال وما يقصد به المال: كالقرض والغصب، والبيع، والإِجارة، والرهن، والصلح، والوصية له، والجناية الموجبة للمال، ولا يقبل في حد لله تعالى، وهل يقبل فيما171819

الجزء: 1 - الصفحة: 486

عدا ذلك: مثل القصاص، والنكاح، والطلاق، والخلع، والعتق، والنسب، والكتابة، والتوكيل، والوصية إِليه؟ على روايتين.
فأما حد القذف فإِن قلنا هو لله تعالى فلا يقبل فيه، وإِن قلنا للآدمي فهو كالقصاص.
ويجوز كتاب القاضي فيما حكم به لينفذه في المسافة القريبة ومسافة القصر، ويجوز فيما ثبت عنده ليحكم به في المسافة البعيدة دون القريبة، ويجوز أن يكتب إِلى قاض معين، وإِلى من يصل إِليه كتابي هذا من قضاة المسلمين وحكامهم، ولا يقبل الكتاب إِلا أن يشهد به شاهدان يحضرهما القاضي الكاتب، فيقرأه عليهما، ثم يقول: أشهدكما أن هذا كتابي إِلى فلان ابن فلان ويدفعه إِليهما فإِذا وصلا إِلى المكتوب إِليه دفعا إِليه الكتاب وقالا: نشهد أن هذا كتاب فلان إِليك كتبه من عمله وأشهدنا عليه، والاحتياط أن يَشْهَدا عليه بما فيه ويختمه ولا يشترط ختمه.
وإِن كتب كتاباً وأدرجه وختمه وقال هذا كتابي إِلى فلان اشهدا علي بما فيه لم يصلح، لأن أحمد رحمه الله تعالى قال فيمن كتب وصية وختمها ثم اشهد على ما فيها: فلا حتى يعلمه ما فيها.
ويتخرج الجواز لقوله: إِذا وجدت وصية الرجل مكتوبة عند رأسه من غير أن يكون أشهد أو أعلم بها أحداً عند موته وعرف خطه وكان مشهوراً فإِنه ينفذ ما فيها، وعلى هذا إِذا عرف المكتوب إِليه أنه خط القاضي الكاتب وختمه جاز قبوله، والعمل على الأول.
فإِذا وصل الكتاب فأحضر المتكوب إِليه الخصم المحكوم عليه في الكتاب فقال: لسْتُ فلانَ ابن فلان فالقول قوله مع يمينه إلا أن تقوم به بينه، فإن ثبت أنه فلان ابن فلان ببينة أو إِقرار فقال المحكوم عليه: غيري لم يقبل منه إِلا ببينة تشهد أن في البلد من يساويه فيما سُمِّيَ وَوُصِفَ به فيتوقف الحكم حتى يعلم من المحكوم عليه منهما، وإِن تغيرت حال القاضي الكاتب بعزل أو موت لم يقدح في كتابه، وإِن تغيرت بفسق لم

الجزء: 1 - الصفحة: 487

يقدح فيما حكم به، وبطل فيما ثبت عنده ليحكم به، وإِذا تغيرت حال المكتوب إِليه فلمن قام مقامه قبول الكتاب والعمل به.

فصل

وإِذا حكم عليه فقال: اكتب لي إِلى الحاكم الكاتب أنك حكمت علي حتى لا يحكم علي ثانياً لم يلزمه ذلك، ولكنه يكتب له محضراً بالقضية، وكل من ثبت له عند حاكم حق أو ثبتت براءته: مثل أن أنكر وحلفه الحاكم فسأل الحاكم أن يكتب له محضراً بما جرى ليثبت حقه أو براءته لزمه إِجابته.
وإِن سال من ثبت محضره عند الحاكم أن يسجل له فعل ذلك وجعله نسختين نسخة يدفعها إِليه والأخرى يحبسها عنده، والورق من بيت المال فإِن لم يكن فمن مال المكتوب له.
وصفة المحضر: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ حضر القاضي فلان ابن فلان الفلاني قاضي عبد الله الإِمام على كذا وكذا، وإِن كان نائباً كتب: خليفة القاضي فلان قاضي عبد الله الإِمام في مجلس حكمه وقضائه بموضع كذا بموضع [مدعٍّ ذكر أنه فلان ابن فلان وأحضر معه مدعى عليه ذكر أنه فلان ابن فلان فادعى عليه كذا فأقر له أو فأنكر فقال القاضي للمدعي ألك بينة فقال نعم فأمره 20] فأحضرها وسأله سماعها ففعل أو فأنكر ولم يقم له بينة، وسأل إِحلافه فأحلفه وإِن نكل عن اليمين ذكر ذلك وأنه حكم عليه بنكُوله، وإِن رد اليمين فحلفه حكى ذلك، وسأله أن يكتب له محضراً بما جرى فأجابه إِليه في يوم كذا من شهر كذا من سنة كذا، ويُعْلِمُ في الإِقرار والإِحلاف، جرى الأمر على ذلك وفي البينة شهد عندي بذلك.

الجزء: 1 - الصفحة: 488

وأما السجل فهو لإِنفاذ ما ثبت عنده والحكم به، وصفته أن يكتب: هذا ما أشهد عليه القاضي فلان ابن فلان -ويذكر ما تقدم من حضره من الشهود- أشهدهم أنه ثبت عنده بشهادة فلان وفلان وقد عرفهما بما رأى معه قبول شهادتهما بمحضر من خَصْمَيْن يذكرهما إِن كانا معروفين وإِلا قال مدعٍ ومدعي عليه -جاز حضورهما: وسماع الدعوى من أحدهما على الآخر بمعرفة فلان ابن فلان، ويذكر المشهود عليه وإِقراره طوعاً 21 في صحة منه وسلامة 22 وجواز أمر بجميع ما سمى ووصف به في كتاب نسخته كذا -وينسخ الكتاب المثبت أو المحضر جميعه حرفاً بحرف- فإِذا فرغ منه قال: وإِن القاضي أمضاه وحكم به على ما هو الواجب عليه في مثله بعد أن سأله ذلك، وإِلا شهد به الخصم المدعي ويذكر اسمه ونسبه ولم يدفعه الخصم الحاضر معه بحجة، وجعل كل ذي حجة على حجته، وأشهد القاضي فُلاَنٌ على إِنفاذه وحكمه وإِمضائه من حضره من الشهود في مجلس حكمه في اليوم المؤرخ في أعلاه، وأمر بكتب هذا السجل نسختين متساويتين: نسخة منهما بجلد ديوان الحكم، ويدفع الأخرى إِلى من كتبها له، وكل واحد منهما حجة ووثيقة فيما أنفذه فيهما.
وهذا يذكر للخروج من الخلاف.
ولو قال: إِنه ثبت عنده بشهادة فلان وفلان ما في كتاب نسخته كذا ولم يذكر بمحضر من الخصمين ساغ ذلك لجواز القضاء على الغائب.
وما يجتمع عنده من المحاضر والسجلات في كل أسبوع أو شهر على قلتها وكثرتها يضم بعضها إِلى بعض ويكتب عليها محاضر وقت كذا في سنة كذا.

الجزء: 1 - الصفحة: 489

باب القِسْمَةِ

وقسمة الأملاك جائزة، وهي نوعان: قسمة تراضٍ وهي ما فيها ضرر أو رد عوض من أحدهما: كالدور الصغار والحمام والعضائد المتلاصقة اللاتي لا يمكن قسمة كل عين مفردة، والأرض التي في بعضها بئر أو بناء ونحوه لا يمكن قسمته بالإِجزاء والتعديل إِذا رضوا بقسمتها أعياناً بالقيمة جاز، وهذه جارية مجرى البيع في أنه لا يجبر عليها الممتنع منها، ولا يجوز فيها إِلا ما يجوز في البيع.
والضرر المانع من القسمة هو نقص القيمة بالقسم في ظاهر كلامه، أو لا ينتفعان به مقسوماً في ظاهر كلام الخرقي.
فإِن كان الضرر على أحدهما دون الآخر كرجلين: لأحدهما الثلثان وللآخر الثلث ينتفع صاحب الثلثين بقسمها ويتضرر الآخر فطلب من لا يتضرر القسم لم يجبر عليه الآخر وإِن طلبه الآخر أجبر الأول.
وقال القاضي: إِن طلبه الأول أجبر الآخر، وإِن طلبه المضرور لم يجبر الآخر.
وإِن كان بينهما عبيد أو بهائم أو ثياب ونحوها فطلب أحدهما قسمها أعياناً بالقيمة لم يجبر الآخر عليه وقال القاضي يجبر.
وإِن كان بينهما حائط لم يجبر الممتنع من قسمه، وإِن استهدم لم يجبر على قسم عرصته، وقال أصحابنا إِن طلب قسمه طولاً بحيث يكون له نصف الطول في كمال العرض أجبر الممتنع، وإِن طلب قسمه عرضاً وكانت تسع حائطين أجبر وإِلا فلا، وإِن كان بينهما دار لها علو وسفل فطلب أحدهما قسمها لأحدهما العلو وللآخر السفل، أو كان بينهما منافع لم يجبر الممتنع من قسمها وإِن تراضيا على قسمها كذلك أو على قسم المنافع بالمهايأة جاز، وإِن كان بينهما أرض ذات زروع، فطلب أحدهما قسمها دون الزرع قسمت، وإِن طلب قسمها مع الزرع أو قسم الزرع مفرداً

الجزء: 1 - الصفحة: 490

لم يجبر الآخر، وإِن تراضوا عليه والزرع قصيل أو قطن جاز، وإِن كان بذراً أو سنابل قد اشتد حبها فهل يجوز؟ على وجهين.
وقال القاضي يجوز في السنابل ولا يجوز في البذر.
وإِن كان بينهما نهر أو قناة أو عين ينبع ماؤها فالماء بينهما على ما اشْتَرَطَاهُ عند استخراج ذلك، وإِن اتفقا على قسمه بالمهايأة جاز، وإِن أراد قسم ذلك بنصب خشبة أو حجر مستوفى مصدم الماء، فيه ثقبان على قدر حق كل واحد منهما جاز، فإِن أراد أحدهما أن يسقي نصيبه أرضاً ليس لها رسم شرب من هذا النهر جاز، ويحتمل أن لا يجوز، ويجيء على أصلنا أن الماء لا يملك، وينتفع كل واحد منهما على قدر حاجته.

فصل

النوع الثاني قسمة الإِجبار: وهي ما لا ضرر فيها ولا رد عوض: كالأرض الواسعة، [والقرى، والبساتين، والدور الكبار، والدكاكين الواسعة 23] والمكيلات والموزونات، من جنس واحد سواء كانت مما مسته النار كالدبس وخل التمر، أو لم تمسه كخل العنب والأدهان والألبان، فإِذا طلب أحدهما قسمه وأبى الآخر أجبر عليه، وهذه القسمة إِفراز حق أحدهما من الآخر في ظاهر المذهب وليست بيعاً، فتجوز قسمة الوقف وإِذا كان نصف العقار طَلْقاً ونصفه وقفاً جازت قسمته.
وتجوز قسمة الثمار خرصاً، وقسمة ما يكال وزناً، وما يوزن كيلاً، والتفرق في قسمة ذلك قبل القبض، وإِذا حلف لا يبيع فقسم لم يحنث.
وحكي عن أبي عبد الله بن بطة 24 ما يدل أنها كالبيع فلا يجوز فيها ذلك،

الجزء: 1 - الصفحة: 491

وإِن كان بينهما أرض بعضها يسقى سيحاً، وبعضها بعلاً، أو في بعضها نخل وفي بعضها شجر، فطلب أحدهما قسم كل عين على حدة، وطلب الآخر قسمها أعياناً بالقيمة، قسمت كل عين على حدة إِذا أمكن.

فصل

ويجوز للشركاء أن ينصبوا قاسماً يقسم بينهم، وأن يسألوا الحاكم نصب قاسم يقسم بينهم.
ومِنْ شَرْطِ مَنْ يُنْصب أن يكون عدلاً عارفاً بالقسمة، فمتى عدلت السهام، وأخرجت القرعة لزمت القسمة، ويحتمل أن لا تلزم فيما فيه رد بخروج القرعة حتى يرضيا بذلك، وإِذا كان في القسمة تقويم لم يجز أقل من قاسمين وإِن خلت من تقويم أجزأ قاسم واحد، وإِذا سألوا الحاكم قسمة عقار لم يثبت عنده أنه لهم قسمه وذكر في كتاب القسمة أن قسمه بمجرد دعواهم، لا عن بينة شهدت لهم بملكهم، وإِن لم يتفقوا على طلب القسمة لم يقسمه.

فصل ويعدل القاسم السهام بالأجزاء إِن كانت متساوية، وبالقيمة إِن كانت مختلفة، وبالرد إِن كانت تقتضيه، ثم يقرع بينهم فمن خرج له سهم صار له، وكيف ما أقرع جاز إِلا أن الأحوط: أن يكتب اسم كل واحد من الشركاء في رقعة، ثم يدرجها في بنادق شمع أو طين متساوية القدر والوزن، وتطرح في حِجْر من لم يحضر ذلك، ويقال له أخرج بندقة على هذا السهم فمن خرج اسمه كان له، ثم الثاني كذلك، والسهم الباقي للثالث إِذا كانوا ثلاثة وسهامهم متساوية.
وإِن كتب اسم كل سهم في رقعة وقال أخرج بندقة باسم فلان وأخرج الثانية بإسم الثاني والثالثة للثالث جاز.

الجزء: 1 - الصفحة: 492

وإِن كانت السهام مختلفة كثلاثة: لأحدهم النصف، وللآخر الثلث، وللآخر السدس، فإِنه يجزئها ستة أجزاء ويخرج الأسماء على السهام لا غير: فيكتب باسم صاحب النصف ثلاثاً وباسم صاحب الثلث اثنتين وباسم صاحب السدس واحدة، ويخرج بندقة على السهم الأول فإِن خرج اسم صاحب النصف أخذه والثاني والثالث، وإِن خرج اسم صاحب الثلث أخذه والثاني، ثم يقرع بين الآخرين والباقي للثالث.

فصل

إِن ادعى بعضهم غلطاً فيما تقاسموه بأنفسهم وأشهدوا على تراضيهم به لم يلتفت إِليه، وإِن كان فيما قسمه قاسم الحاكم فعلى المدعي البينة وإِلا فالقول قول المنكر مع يمينه.
وإِن كان فيما قسمه قاسمهم الذي نصبوه وكان فيما اعتبرنا فيه الرضا بعد القرعة لم تسمع دعواه، وإِلا فهو كقاسم الحاكم، وإِن تقاسموا ثم استحق من حصة أحدهما شيء معين بطلت، وإِن كان شائعاً فيهما فهل تبطل القسمة؟ على وجهين.
وإِذا اقتسما دارين قسمة تراض فبنى أحدهما في نصيبه، ثم خرجت الدار مُسْتَحَقَّة ونُقِضَ بناؤه رجع بنصف قيمته على شريكه، وإِن خرج في نصيب أحدهما عيب فله فسخ القيمة.
وإِذا اقتسم الورثة العقار ثم ظهر على الميت دين: فإِن قلنا هي إِفراز حق لم تبطل القسمة، وإِن قلنا هي بيع انبنى على بيع التركة قبل قضاء الدين هل يجوز؟ على وجهين.
وإِن اقتسما فحصلت الطريق في نصيب أحدهما ولا منفذ للآخر بطلت القسمة.
ويجوز للأب والوصي قسم مال المولى عليه مع شريكه.

الجزء: 1 - الصفحة: 493

باب الدعاوى والبينات

المدعي من إِذا سكت تُرِك، والمنكر من إِذا سكت لم يُتْرَكْ.
ولا تصح الدعوى والإِنكار إِلا من جائز التصرف.
وإِذا تداعيا عيناً لم تخل من ثلاثة أقسام: أحدها: أن تكون في يد أحدهما [فهي له مع يمينه 25] أنها له لا حق للآخر فيها إِذا لم يكن بينة، ولو تنازعا دابة: أحدهما راكبها، أو له عليها حمل، والآخر آخذ بزمامها فهي للأول، وإِن تنازعا قميصاً أحدهما لابسه والآخر آخذ بكمه فهو للابسه، وإِن تنازع صاحب الدار والخياط الإِبرة والمقص فهما للخياط، وإِن تنازع هو والقرَّاب القربة فهي للقرَّاب، وإِن تنازعا عرصة فيها شجر أو بناء لأحدهما فهي له، وإِن تنازعا حائطاً معقوداً ببناء أحدهما وحده أو متصلاً 26 به اتصالاً لا يمكن إِحداثه: أو له عليه أزج فهو له، وإِن كان محلولاً من بنائهما أو معقوداً بهما فهو بينهما، ولا ترجح الدعوى بوضع خشب أحدهما عليه، ولا بوجوه الآجر والتزويق والتجصيص ومعاقد القمط في الخص.
وإِن تنازع صاحب العلو والسفل في سلم منصوب أو درجة، فهي لصاحب العلو إِلا أن يكون تحت الدرجة مسكن لصاحب السفل فيكون بينهما، وإِن تنازعا في السقف الذي بينهما فهو بينهما.
وإِن تنازع المؤجر والمستأجر في رف مقلوع، أو مصراع له شكل منصوب في الدار فهو لصاحبها، وإِلا فهو بينهما.
وإِن تنازعا داراً في يدهما فادعاها أحدهما وادعى الآخر نصفها جعلت بينهما نصفين واليمين على مدعي النصف.

الجزء: 1 - الصفحة: 494

وإِن تنازع الزوجان أو ورثتهما في قماش البيت: فما كان يصلح للرجل فهو للرجل، وما يصلح للنساء فهو للمرأة، وما يصلح لهما فهو بينهما.
وِإن اختلف صانعان في قماش دكان لهما، حكم بآلة كل صناعة لصاحبها في ظاهر كلام أحمد والخرقي رضي الله عنهما، وقال القاضي: إِن كانت أيديهما عليه من طريق الحكم فكذلك، وإِن كانت من طريق المشاهدة فهو بينهما على كل حال، وكل من قلنا هو له فهو مع يمينه إِذا لم تكن بينة، فإِن كان لأحدهما بينة حكم له بها، وإِن كان لكل واحد منهما بينة حكم بها للمدعي في ظاهر المذهب، وعنه إِن شهدت بينة المُدَّعى عليه أنها له نتجت في ملكه، أو قطيعة من الإِمام، قدمت بينته، وإِلا فهي للمدعي ببينته، وقال القاضي: فيهما إِذا لم يكن مع بينة الداخل ترجيح لم يحكم بها رواية واحدة.
وقال أبو الخطاب: فيه رواية أخرى: أنها مقدمة بكل حال فإن أقام الداخل بينة أنه اشتراها من الخارج، وأقام الخارج بينة أنه اشتراها (1) من الداخل فقال القاضي: تقدم بينة الداخل وقيل تقدم بينة الخارج.

فصل

القسم الثاني: أن تكون العين في يديهما: فيتحالفان وتقسم بينهما، وإِن تنازعا مسناة بين نهر أحدهما وأرض الآخر تحالفا وهي بينهما، وإِن تنازعا صبياً في يديهما فكذلك، وإِن كان مميزاً فقال إِني حر فهو حرٌ إِلا أن تقوم بينة برقه، ويحتمل أن يكون كالطفل: فإِن كان لأحدهما بينة حكم له27

الجزء: 1 - الصفحة: 495

بها، وإِن كان لكل واحد بينة قدم أسبقهما تاريخاً، فإِن وقتت إِحداهما وأطلقت الأخرى فهما سواء، ويحتمل تقديم المطلقة وإِن شهدت إِحداهما بالملك، والأخرى بالملك والنتاج أو سبب من أسباب الملك فهل تقدم بذلك؟ على وجهين.
ولا تقدم إِحداهما بكثرة العدد ولا اشتهار العدالة ولا الرجلان على الرجل والمرأتين، ويقدم الشاهدان على الشاهد واليمين في أحد الوجهين.
وإِذا تساوتا تعارضتا وقسمت العين بينهما بغير يمين.
وعنه أنهما يتحالفان كمن لا بينة لهما، وعنه أنه يقرع بينهما فمن قرع صاحبه حلف وأخذها، فإِن ادعى أحدهما أنه اشتراها من زيد لم تسمع البينة على ذلك حتى يقول وهي ملكه وتشهد البينة به، فإِن ادعى أحدهما أنه اشتراها من زيد وهي ملكه وادعى الآخر أنه اشتراها من عمرو وهي ملكه وأقاما بذلك بينتين تعارضتا، وإِن أقام أحدهما بينة أنها ملكه وأقام الآخر بينة أنه اشتراها منه أو وقفها عليه، أو أعتقه قدمت بَيِّنته، ولو أقام رجل بينة أن هذه الدار لأبي خلَّفها تركة، وأقامت امرأته بينة أن أباه أصدقها إِياها فهي للمرأة.

فصل

القسم الثالث: تداعيا عيناً في يد غيرهما فإِنه يقرع بينهما فمن خرجت له القرعة حلف وأخذها، فإِن كان المدعى عبداً فأقر لأحدهما لم يرجح بإِقراره، وإِن كان لأحدهما بينة حكم له بها، وإِن كان لكل واحد بينة تعارضتا والحكم على ما تقدم: فإِن أقر صاحب اليد لأحدهما لم ترجح بذلك، وإِن ادعاها صاحب اليد لنفسه فقال القاضي: يحلف لكل واحد منهما وهي له، وقال أبو بكر: بل يقرع بين المدعيين فتكون لمن تخرج له القرعة.
وإِن كان في يد رجل عبدٌ فادعى أنه اشتراه من زيد وادعى العبد أن زيداً

الجزء: 1 - الصفحة: 496

أَعْتَقَهُ وأقام كل واحد بينة، انبنى على بينة الداخل والخارج، وإِن كان العبد في يد زيد فالحكم فيه حكم ما إِذا ادعيا عيناً في يد غيرهما.
وإِن كان في يده عبد فادعى عليه رجلان كل واحد منهما أنه اشتراه مني بثمن سماه فصدقهما لزمه الثمن لكل واحد منهما، وإِن أنكرهما حَلَفَ لهما وبرئ، فإِن صدق أحدهما لزمه ما ادعاه وحلف للآخر، وإِن كان لأحدهما بينة فله الثمن ويحلف للآخر، وإِن أقام كل واحد منهما بينة فأمكن صدقهما لاختلاف تاريخهما، أو إِطلاقهما، أو إِطلاق إِحداهما وتاريخ الأخرى، عمل بهما وإِن اتفق تاريخهما تعارضتا والحكم على ما تقدم.
وإِن ادعى كل واحد منهما أنه باعني إِياه بألف وأقام بينة قدم أسبقهما تاريخاً، فإِن لم تسبق إِحداهما تعارضتا، وإِن قال أحدهما غصبني إِياه، وقال الآخر ملَّكَنِيه أو أقر لي به، وأقام كل واحد بينة فهو للمغصوب منه.
ولا يغرم للآخر شيئاً.

باب تعارض البينتين

إِذا قال لعبده متى قُتِلْتُ فأنت حر، فادعى العبد أنه قتل وأنكر الورثة فالقول قولهم 28 وإِن أقام كل واحد 29 منهم بينة بما ادعاه فهل تقدم بينة العبد فيعتق أو يتعارضان ويبقى على الرق؟ فيه وجهان.
وإِن قال: إِن مت في المحرم فسالمٌ حرٌّ، وإِن مت في صفر فغانمٌ حرٌّ، فأقام كل واحد منهما بينة بموجب عتقه قدمت بينة سالم، وإِن قال إِن مت في مرضي هذا فسالم حر، وإِن برئت فغانم حرٌّ وأقاما بينتين تعارضتا وبقيا على الرق، ذكره أصحابنا والقياس أن يعتق أحدهما

الجزء: 1 - الصفحة: 497

بالقرعة، ويحتمل أن يعتق غانم وحده لأن بينته تشهد بزيادة.
وإِن أتلف ثوباً فشهدت بينة أن قيمته عشرون، وشهدت أخرى أن قيمته ثلاثون لزمه أقل القيمتين.
ولو ماتت امرأة وابنها فقال زوجها: ماتت فورثناها، ثم مات ابني فورثته، وقال أخوها: مات ابنها فورثته، ثم ماتت فورثناها ولا بينة، حلف كل واحد على إِبطال دعوى صاحبه، وكان ميراث الابن لأبيه وميراث المرأة لأخيها وزوجها نصفين، وإِن أقام كل واحد منهما بينة بدعواه تعارضتا وسقطتا 30. وقياس مسائل الغرقى أن يجعل للأخ سدس مال الابن والباقي للزوج.
فصل إِذا شهدت بينة على ميت أنه وَصَّى بعتق سالم وهو ثلث ماله، وشهدت أخرى أنه وصى بعتق غانم وهو ثلث ماله أقرع بينهما، فمن تقع له القرعة عتق دون صاحبه، إِلا أن يُجيز الورثة.
وقال أبو بكر، وابن أبي موسى 31 : يعتق كل واحد نصفه بغير قرعة، وإِن شهدت بينة غانم أنه رجع عن عتق سالم، عتق غانم وحده سواء كانت بينته 32 وارِثة أو لم تكن، وإِن كانت قيمة غانم سدس المال وبينته أجنبية قبلت، وإِن كانت وارثة عتق العبدان.
وقال أبو بكر يحتمل أن يقرع بينهما: فإِن خرجت القرعة لسالم عتق وحده، وإِن خرجت لغانم عتق هو ونصف سالم، وإِن شهدت بينة أنه أعتق سالماً في مرضه، وشهدت الأخرى أنه وصى بعتق غانم وكل واحد

الجزء: 1 - الصفحة: 498

منهما ثلث المال، عتق سالم وحده، وإِن شهدت بينة غانم أنه أعتقه في مرضه أيضاً عتق أقدمهما تاريخاً، فإِن جهل السابق عتق أحدهما بالقرعة، فإِن كانت بينة أحدهما وارثة ولم تكذب الأجنبية فكذلك، وإِن قالت ما أعتق سالماً إِنما أعتق غانماً عتق غانم كله، وحكم سالم كحكمه لو لم يطعن في بينته في أنه يعتق إِن تقدم تاريخ عتقه أو خرجت له القرعة وإِلا فلا، وإِن كانت الوارثة فاسقة ولم تطعن في بينة سالم عتق سالم كله، [وينظر في غانم: فإِن كان تاريخ عتقه سابقاً أو خرجت القرعة له عتق كله، وإِن كان متأخراً أو خرجت القرعة لسالم لم يعتق منه شيء.
وقال القاضي (1)]: يعتق من غانم نصفه، وإِن كُذِّبت بينة سالم عتق العبدان.

فصل

إِذا مات رجل وخلَّف ولدين مسلماً وكافراً، فادعى كل واحد منهما أنه مات على دينه، فإن عرف أصل دينه فالقول قول من يدعيه، وإِن لم يعرف فالميراث للكافر لأن المسلم لا يقر ولده على الكفر في دار الإِسلام، وإِن لم يعترف المسلم أنه أخوه ولم تقم به بينة فالميراث بينهما، ويحتمل أن يكون للمسلم لأن حكم الميت حكم المسلمين في غسله والصلاة عليه.
وقال القاضي: القياس أن يقرع بينهما، ويحتمل أن يقف الأمر حتى يظهر أصل دينه، وإِن أقام كل واحد منهما بينة أنه مات على دينه تعارضتا، وإِن قال شاهدان نعرفه مسلماً، وقال شاهدان نعرفه كافراً، فالميراث للمسلم إِذا لم يؤرخ الشهود معرفتهم.
وإِن خَلَّف أبوين كافرين وابنين مسلمين فاختلفوا في دينه فالقول قول الأبوين ويحتمل أن القول قول الابنين، وإِن خَلَّف ابناً كافراً وأخاً وامرأةً33

الجزء: 1 - الصفحة: 499

مسلمين فاختلفوا في دينه فالقول قول الابن على قول الخرقي.
وقال القاضي يقرع بينهما، وقال أبو بكر: قياس المذهب أن تعطى المرأة الربع ويقسم الباقي بين الابن والأخ نصفين.
ولو مات مسلم وخلَّف ولدين مسلماً وكافراً فأسلم الكافر وقال أسلمت قبل موت أبي وقال أخوه بل بعده فلا ميراث له، فإِن قال أسلمت في المحرم ومات أبي في صفر، وقال أخوه بل مات في ذي الحجة فله الميراث مع أخيه.


الجزء: 1 - الصفحة: 500

فصول الكتاب · 46 فصل
جارٍ التحميل