كتاب الأَيمان
واليمين التي تجب بها الكفارة هي اليمين بالله تعالى أو صفة من صفاته.
وأسماء الله تعالى قسمان:
أحدهما ما لا يسمى به غيره نحو: والله والقديم الأزلي، والأول الذي ليس قبله شيء، والآخر الذي ليس بعده شيء وخالق الخلق، ورازق العالمين، فهذا القسم به يمين بكل حال.
والثاني ما يسمى به غيره وإِطلاقه ينصرف إِلى الله سبحانه: كالرحمن والرحيم والعظيم والقادر والرب والمولى والرزاق 1 ونحوه، فهذا إِن نوى بالقسم به اسم الله أو أطلق فهو يمين، وإِن نوى غيره فليس بيمين.
وأما ما لا يعد من أسمائه سبحانه وتعالى كالشيء والموجود فإِن لم ينو به الله تعالى لم يكن يميناً، وإِن نواه كان يميناً وقال القاضي 2: لا يكون 3 يميناً أيضاً.
وإِن قال وحق الله، وعهد الله، وايم الله، وأمانة الله، وميثاقه،
الجزء: 1 - الصفحة: 460
وقدرته، وعظمته، وكبريائه، وجلاله، وعزته، ونحو ذلك فهو يمين، وإِن قال والعهد والميثاق وسائر ذلك ولم يضفه إِلى الله تعالى لم يكن يميناً إِلا أن ينوي به صفة الله تعالئ، وعنه يكون يميناً.
وإِن قال لعمر الله كان يميناً، وقال أبو بكر: لا يكون يميناً إِلا أن ينوي.
وإِن حلف بكلام الله أو بالمصحف أو بالقرآن فهو يمين فيها كفارة واحدة وعنه، عليه بكل آية كفارة.
وإِن قال أحلف بالله أو أشهد بالله، أو أقسم بالله، أو أعزم بالله، كان يميناً، وإِن لم يذكر اسم الله لم يكن يميناً إِلا أن ينوي، وعنه يكون يميناً.
فصل
وحروف القسم: الباء والواو والتاء في اسم الله تعالى خاصة، ويجوز القسم بغير حرف القسم فيقول: اللهَ لأفعلن بالجر والنصب: فإِن قال: الله لأفعلن مرفوعاً كان يميناً إِلا أن يكون من أهل العربية ولا ينوي اليمين.
ويكره الحلف بغير الله تعالى ويحتمل أن يكون محرماً، ولا تجب الكفارة باليمين به، سواء أضافه إِلى الله تعالى مثل قوله: ومعلوم الله، وخلقه، ورزقه، وبيته، أو لم يضفه مثل: والكعبة، وأبي، قال أصحابنا تجب الكفارة بالحلف برسول الله - صلى الله عليه وسلم - خاصة.
فصل ويشترط لوجوب الكفارة ثلاثة شروط: أحدها: أن تكون اليمين منعقدة، وهي التي يمكن فيها البر والحنث، وذلك الحلف على مستقبل ممكن، فأما اليمين على الماضي فليست منعقدة، وهي نوعان:
الجزء: 1 - الصفحة: 461
يمين الغموس، وهي التي يحلف بها عالماً بكذبه، وعنه فيها الكفارة، ومثلها الحلف على مستحيل كقتل الميت وإِحيائه وشرب ماء الكوز ولا ماء فيه.
الثاني لغو اليمين: وهي أن يحلف على شيء يظنه فيبين بخلافه فلا كفارة فيها.
فصل الثاني 4: أن يحلف مختاراً: فإِن حلف مكرهاً لم تنعقد يمينه، وإِن سبقت اليمين على لسانه من غير قصد إِليها كقوله: لا والله، وبلى والله، في عرض حديثه فلا كفارة عليه.
فصل
الثالث 5: الحنث في يمينه بأن يفعل ما حلف على تركه أو يترك ما حلف على فعله مختاراً ذاكراً، وإِن فعله مكرهاً أو ناسياً فلا كفارة عليه وعنه على الناسي كفارة.
وإِن حلف فقال إِن شاء الله لم يحنث فعل أو ترك إِذا كان متصلًا باليمين، وإِذا حلف ليفعلن شيئاً ونوى وقتاً بعينه تقيد به وإِن لم ينو لم يحنث حتى ييئس من فعله إِما بتلف المحلوف عليه أو موت الحالف ونحو ذلك.
وإِذا حلف على يمين فرأى غيرها خيراً منها استحب له الحنث والتكفير.
الجزء: 1 - الصفحة: 462
ولا يستحب تكرار الحلف، وإِن دعي إِلى الحلف عند الحاكم وهو محق استحب له افتداء يمينه فإِن حلف فلا بأس.
فصل
وإِن حرَّم أمته أو شيئاً من الحلال لم يحرم وعليه كفارة يمين إِن فعله، ويحتمل إِن يحرم تحريماً تزيله الكفارة.
وإِن قال هو يهودي، أو كافر، أو برئ من الله تعالى أو الإِسلام أو القرآن أو النبي عليه السلام إِن فعل ذلك، فقد فعل محرماً وعليه كفارة إِن فعل في إِحدى الروايتين.
وإِن قال: أنا أستحل الزنا أو نحوه فعلى وجهين، وإِن قال عصيت الله، أو أنا أعصي الله في كل ما أمرني به، أو محوت المصحف إِن فعلت كذا؛ فلا كفارة فيه، وإِن قال عبد فلان حر لأفعلن فليس بشيء، وعنه عليه كفارة إِن حنث.
وإِن قال: أيمان البيعة تلزمني فهي يمين رتبها الحجاج تشتمل على اليمين بالله تعالى والطلاق والعتاق وصدقة المال، فإِن كان الحالف يعرفها ونواها انعقدت يمينه بما فيها، وإِلا فلا شيء عليه، ويحتمل أن لا تنعقد بحال إِلا في الطلاق والعتاق، وإِن قال علي نذر أو يمين إِن فعلت كذا وفعله، فقال أصحابنا عليه كفارة يمين.
فصل
في كفارة اليمين
وهي تجمع تخييراً أو ترتيباً فيخير فيها بين ثلاثة أشياء:
إِطعام عشرة مساكين أو كسوتهم أو تحرير رقبة.
والكسوة للرجل ثوب يجزئه أن يصلي فيه وللمرأة درع وخمار، فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام
الجزء: 1 - الصفحة: 463
متتابعة إِن شاء قبل الحنث وإِن شاء بعده، ولا يجوز تقديمها على اليمين.
ومن كرر أيماناً قبل التكفير فعليه كفارة واحدة، وعنه لكل يمين كفارة، والظاهر أنها إِن كانت على فعل واحد فكفارة واحدة، وإِن كانت على أفعال فعليه لكل يمين كفارة، وإِن كانت الأيمان مختلفة الكفارة: كالظهار واليمين بالله تعالى فلكل يمين كفارتها.
وكفارة العبد الصيام وليس لسيده منعه منه.
ومن نصفه حر فحكمه في الكفارة حكم الأحرار.
باب جامع الأيمان
ويرجع في الأيمان إِلى النية، فإِن لم يكن فيها نية رجع إِلى سبب اليمين وما هيَّجها: فإِذا حلف لَيَقْضِيَنَّه حقه غداً فقضاه قبله لم يحنث إِذا قصد أن لا يتجاوزه أو كان السبب يقتضيه، وإِن حلف لا يبيع ثوبه إِلا بمائه فباعه بأكثر لم يحنث وإِن باعه بأقل حنث، وإِن حلف لا يدخل داراً ونوى اليوم لم يحنث بالدخول في غيره.
وإِن دعي إِلى غداء فحلف لا يتغدى اختصت يمينه به إِذا قصد، وإِن حلف لا يشرب له الماء من العطش يقصد قطع المِنَّةِ حنث بأكل خبزه واستعارة دابته وكل ما فيه المنة.
وإِن حلف لا يلبس ثوباً من غزلها يقصد قطع مِنَّتِها فباعه واشترى بثمنه ثوباً فلبسه حنث وكذلك إِن انتفع بثمنه.
وإِن حلف لا يأوي معها في دار يريد جفاءها ولم يكن لدار سبب هيج يمينه فأوى معها في غيرها حنث، وإِن حلف لعامل لا يخرج إِلا بإِذنه فعزل، أو على زوجته فطلقها، أو على عبده فأعتقه ونحوه، يريد ما دام كذلك انحلت يمينه، وإِن لم تكن له نية انحلت أيضاً، ذكره القاضي لأن الحال تصرف اليمين إِليه، وذكر في موضع آخر: أن السبب إِذا كان يقتضي التعميم عممناها به، وإِن اقتضى الخصوص مثل: من نذر
الجزء: 1 - الصفحة: 464
لا يدخل بلداً لظلم رآه فيه فزال الظلم فقال أحمد النذر يُوَفَّى به، والأول أولى لأن السبب يدل على إِرادته فصار كالمنوي سواء، وإِن حلف لا رأيت منكراً إِلا رفعته إِلى فلان القاضي فعزل انحلت يمينه إِن نوى ما دام قاضياً، وإِن لم ينو احتمل وجهين.
فصل
فإِن عدم ذلك رجع إِلى التعيين: فإِذا حلف لا يدخل دار فلان هذه فدخلها وقد صارت فضاءً أو حماماً، أو مسجداً، أو باعها فلان، أو لا لبِسْتُ هذا القميص فجعله سراويل أو رداء أو عمامة ولبسه، أو لا كلمت هذا الصبي فصار شيخاً، أو امرأة فلان، أو صديقة فلاناً، أو غلامه سعداً: فطلقت الزوجة، وزالت الصداقة، وعتق العبد فكلمهم، أو لا أكلت لحم هذا الحمل فصار كبشاً، أو لا أكلت هذا الرطب فصار تمراً أو دبساً أو خلًا، أو لا أكلت هذا اللبن فتغير وعمل منه شيء فأكله، حنث في ذلك كله ويحتمل أن لا يحنث.
فصل
فإِن عُدم ذلك رجعنا إِلى ما يتناوله الاسم.
والأسماء تنقسم ثلاثة أقسام:
شرعية.
وحقيقية.
وعرفية.
فأما الشرعية: فهي أسماء لها موضوع في الشرع وموضوع في اللغة كالصلاة والصوم والزكاة والحج ونحوه، واليمين المطلقة تنصرف إِلى
الجزء: 1 - الصفحة: 465
الموضوع الشرعي وتتناول الصحيح منه؛ فإِذا حلف لا يبيع فباع بيعاً فاسداً، أو لا ينكح فنكح نكاحاً فاسداً لم يحنث إِلا أن يضيف اليمين إِلى شيء لا يتصور فيه الصحة مثل: أن يحلف لا يبيع الخمر أو الحر فيحنث بصورة البيع، وذكر القاضي فيمن قال لامرأته: إِن سرقت مني شيئاً وبعتنيه فأنت طالق ففعلت لم تطلق والأول أولى.
وإِن حلف لا يصوم لم يحنث حتى يصوم يوماً، وإِن حلف لا يصلي لم يحنث حتى يصلي ركعة، وقال القاضي إِن حلف لا صليت صلاة لم يحنث حتى يفرغ مما يقع عليه اسم الصلاة، وإِن حلف لا يصلي حنث بالتكبير.
وإِن حلف لا يهب زيداً شيئاً ولا يوصي له، ولا يتصدق عليه، ففعل ولم يقبل زيد حنث، وإِن حلف لا يتصدق عليه فوهبه لم يحنث، وإِن حلف لا يهبه فتصدق عليه حنث، وقال أبو الخطاب لا يحنث وإِن أعاره لم يحنث إِلا عند أبي الخطاب، وإِن وقف عليه حنث، وإِن وصّى له لم يحنث، وإِن باعه وحاباه حنث، ويحتمل أن لا يحنث.
فصل
القسم الثاني الأسماء الحقيقية: إِذا حلف لا يأكل اللحم فأكل الشحم أو المخ أو الكبد أو الطحال أو القلب أو الكرش أو المصران أو الإِلية والدماغ والقانصة لم يحنث، وإِن أكل المرق لم يحنث وقد قال أحمد: لا يعجبني، قال أبو الخطاب: هذا على سبيل الورع وإِن حلف لا يأكل الشحم فأكل شحم الظهر حنث، وإِن حلف لا يأكل لبناً فأكل زبداً أو سمناً أو كشكاً أو مصلاً أو جبناً لم يحنث، وإِن حلف على الزبد والسمن فأكل لبناً لم يحنث.
وإِن حلف على الفاكهة فأكل من ثمر الشجر كالجوز 6 واللوز والتمر
الجزء: 1 - الصفحة: 466
والرمان حنث، وإِن أكل البطيخ حنث، ويحتمل أن لا يحنث، ولا يحنث بأكل القثاء والخيار، وإِن حلف لا يأكل رطباً فأكل مذنباً حنث، وإِن أكل تمراً أو بُسْراً، أو حلف لا يأكل تمراً فأكل رطباً 7 أو دبساً أو ناطفاً لم يحنث، وإِن حلف لا يأكل أدماً حنث بأكل الشواء والبيض والجبن والملح والزيتون واللبن وسائر ما يصطبغ به، وفي التمر وجهان.
وإِن حلف لا يلبس شيئاً فلبس ثوباً أو درعاً أو جوشناً أو خفاً أو نعلاً حنث، وإِن حلف لا يلبس حلياً فلبس حلية ذهب أو فضة أو جوهر حنث، وإِن لبس عقيقاً أو سَبَجاً لم يحنث، وإِن لبس الدراهم والدنانير في مرسلة فعلى وجهين.
وإِن حلف لا يركب دابة فلان ولا يلبس ثوبه ولا يدخل داره فركب دابة عبده ولبس ثوبه ودخل داره أو فعل ذلك فيما استأجره فلان حنث.
وإِن ركب دابة استعارها لم يحنث، وإِن حلف لا يركب دابة عبده فركب دابة جعلت برسمه حنث.
وإِن حلف لا يدخل داراً فدخل سطحها، حنث وإن دخل طاق الباب احتمل وجهين.
وإِن حلف لا يكلم إِنساناً حنث بكلام كل إِنسان، وِإن زجره فقال تنح أو اسكت حنث، وإِن حلف لا يبتديه بكلام فتكلما معاً حنث، وإِن حلف لا يكلمه حيناً فذلك ستة أشهر، نص عليه، وإِن قال زمناً أو دهراً أو بعيداً أو ملياً أو الزمان، رجع إِلى أقل ما يتناوله اللفظ، وإِن قال عمراً احتمل ذلك واحتمل 8 أن يكون أربعين 9 عاماً.
وقال القاضي هذه الألفاظ
الجزء: 1 - الصفحة: 467
كلها مثل الحين إِلا بعيداً وملياً فإِنه على أكثر من شهر، وإِن قال الأبد والدهر فذلك على الزمان كله.
والحُقْبُ ثمانون سنة، والشهور اثنا عشر شهراً عند القاضي، وعند أبي الخطاب ثلاثة كالأشهر والأيام ثلاثة، وإِن حلف لا يدخل باب هذه الدار فحول فدخله حنث، وإِن حلف لا يكلمه إِلى حين الحصاد انتهت يمينه بأوله، ويحتمل أن يتناول جميع مدته، وإِن حلف لا مال له، وله مال غير زكوي، أو دين على الناس حنث، وإِذا حلف لا يفعل شيئاً فوكل من يفعله حنث إِلا أن ينوي.
فصل
فأما الأسماء العرفية: فهي أسماء اشتهر مجازها حتى غلب على الحقيقة: كالرواية والظعينة والدابة والغائط والعذرة ونحوها، فتتعلق اليمين بالعرف دون الحقيقة، وإِن حلف على وطء امرأة تعلقت يمينه بجماعها، وإِن حلف على وطء دار تعلقت بدخولها راكباً أو ماشياً أو حافياً أو منتعلاً.
وإِن حلف لا يشم الريحان فشم الورد والبنفسج والياسمين أو لا يشم الورد والبنفسج فشم دهنهما أو ماء الورد، فالقياس أنه لا يحنث، وقال بعض أصحابنا يحنث.
وإِن حلف لا يأكل لحماً فأكل سمكاً حنث عند الخرقي.
ولم يحنث عند ابن أبي موسى، وإِن حلف لا يأكل راساً ولا بيضاً حنث بأكل رؤوس الطيور والسمك وبيض السمك والجراد عند القاضي، وعند أبي الخطاب لا يحنث إِلا بأكل رأس جرت العادة بأكله منفرداً، أو بيض يزايل بائضه حال الحياة.
وإِن حلف لا يدخل بيتاً فدخل مسجداً أو حماماً أو بيت شَعْرِ أو أُدْمٍ، أو لا يركب فركب سفينة، حنث عند أصحابنا ويحتمل أن لا يحنث، وإِن
الجزء: 1 - الصفحة: 468
حلف لا يتكلم فقرأ أو سبح أو ذكر الله تعالى لم يحنث، وإِن دق عليه إِنسان فقال: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ﴾ [الحجر: 46].
يقصد تنبيهه، لَمْ يحنث وإِن حلف لا يضرب امرأته فخنقها أو نتف شعرها أو عضها حنث، وإِن حلف ليضربنه مائة سوط فجمعها فضربه بها ضربة واحدة لم يبرَّ في يمينه.
فصل
وإِن حلف لا يأكل شيئاً فأكله مستهلكاً في غيره مثل: أن لا يأكل لبناً فأكل زبداً، أو لا يأكل سمناً فأكل خبيصاً فيه سمن لا يظهر طعمه، أو لا يأكل بيضاً فأكل ناطفاً، أو لا يأكل شحماً فأكل اللحم الأحمر، أو لا يأكل شعيراً فأكل حنطة فيها حبات شعير لم يحنث، وإِن ظهر طعم السمن أو طعم شيء من المحلوف عليه حنث، وقال الخرقي: يحنث بأكل اللحم الأحمر وحده، وقال غيره: يحنث بأكل حنطة فيها حبات شعير.
فصل وإِن حلف لا يأكل سويقاً فشربه، أو لا يشربه فأكله، فقال الخرقي: يحنث، وقال أحمد فيمن حلف لا يشرب نبيذاً فثرد فيه وأكله لا يحنث، فيخرج في كل ما حلف لا يأكله فشربه أو لا يشربه فأكله وجهان، وقال القاضي: إِن عيَّن المحلوف عليه حنث، وإِن لم يعينه لم يحنث، وإِن حلف لا يطعمه حنث بأكله وشربه، وإِن ذاقه ولم يبتلعه لم يحنث، وإِن حلف لا يأكل مائعاً فأكله بالخبز حنث.
فصل وإِن حلف لا يتزوج ولا يتطهر ولا يتطيب فاستدام ذلك لم يحنث، وِإن حلف لا يركب ولا يلبس فاستدام ذلك حنث، وإِن حلف لا يدخل
الجزء: 1 - الصفحة: 469
داراً هو داخلها فأقام فيها حنث عند القاضي، ولم يحنث عند أبي الخطاب، وإِن حلف لا يدخل على فلان بيتاً فدخل فلان عليه فأقام معه فعلى الوجهين، وإِن حلف لا يسكن داراً ولا يساكن فلاناً وهو مساكنه فلم يخرج في الحال حنث، إِلا أن يقيم لنقل متاعه أو يخشى على نفسه الخروج فيقيم إِلى أن يمكنه، فإِن خرج دون متاعه وأهله حنث إِلا أن يودع متاعه أو يعيره وتأبى امرأته الخروج معه ولا يمكنه إِكراهها فيخرج وحده فلا يحنث، وإِن حلف لا يساكن فلاناً فبنيا بينهما حائطاً وهما متساكنان حنث، وإِن كان في الدار حجرتان كل حجرة تختص ببنائها ومرافقها (1) فسكن كل واحد حجرة لم يحنث.
وإِن حلف ليخرجن من هذه البلدة فخرج وحده دون أهله بَرَّ، وإِن حلف ليخرجن من الدار فخرج دون أهله لم يبر، وإِن حلف ليخرجن من هذه البلدة (2) أو ليرحلن عن هذه الدار ففعل، فهل له العود إِليها؟ على روايتين.
فصل
إِذا حلف لا يدخل داراً فحمل فأُدْخِلَها ويمكنه الامتناع فلم يمتنع، أو حلف لا يستخدم رَجُلاً فخدمه وهو ساكت، فقال القاضي: يحنث، ويحتمل أن لا يحنث.
وإِن حلف ليشربن الماء، أو ليضربن غلامه غداً، فتلف المحلوف عليه قبل الغد حنث عند الخرقي، ويحتمل أن لا يحنث، وإِن مات الحالف لم يحنث.
وإِن حلف ليقضينه حقه فأبرأه فهل يحنث؟ على وجهين.
وإِن مات1011
الجزء: 1 - الصفحة: 470
المستحق فقضى ورثته لم يحنث، وقال القاضي: يحنث، وإِن باعه بحقه عَرَضاً لم يحنث عند ابن حامد، وحنث عند القاضي، وإِن حلف ليقضينه حقه عند رأس الهلال فقضاه عند غروب الشمس في أول الشهر برَّ.
وإِن حلف لا فارقته حتى أستوفي حقي فهرب منه حنث، نص عليه، وقال الخرقي لا يحنث، وإِن فَلَّسه الحاكم فحكم عليه بفراقه خرج على الروايتين، وإِن حلف لا افترقنا فهرب منه حنث (1)، وقدر الفراق ما عده الناس فراقاً، كفرقة البيع والله أعلم (2).
باب النذر
وهو أن يُلْزِم نفسه لله تعالى شيئاً.
ولا يصح إِلا من مكلف مسلماً كان أو كافراً، ولا يصح إِلا بالقول، فإِن نواه من غير قول لم يصح، ولا يصح في مُحالٍ ولا واجبٍ: فلو قال لله عليّ صوم أمس، أو صوم رمضان لم ينعقد.
والنذر المنعقد على خمسة أقسام:
أحدها النذر المطلق: وهو أن يقول: لله عليّ نذر.
فيجب به كفارة يمين.
الثاني نذر اللَّجاج والغضب: وهو ما يقصد به المنع من شيءٍ غَيْرَه 14، أو الحمل عليه، كقوله إِن كلمتك فلله علي الحج، أو صوم سنة، أو عتق عبدي، أو الصدقة بمالي [فهذا يمين يتخير بين فعله والتكفير 15].1213
الجزء: 1 - الصفحة: 471
الثالث نذر المباح كقوله: لله عليّ أن ألبس ثوبي، أو أركب دابتي، فهذا كاليمين يتخير بين فعله وبين كفارة اليمين، فإِن نذر مكروهاً كالطلاق استُحِبَّ أن يكفر ولا يفعله.
الرابع نذر المعصية: كشرب الخمر، وصوم يوم الحيض ويوم النحر، فلا يجوز الوفاء به ويكفر، إِلا أن ينذر نحر ولده ففيه روايتان: إِحداهما أنه كذلك.
والثانية يلزمه ذبح كبش.
ويحتمل أن لا ينعقد النذر المباح ولا المعصية ولا يجب به كفارة، ولهذا قال أصحابنا لو نذر الصلاة أو الاعتكاف في مكان معين فله فعله في غيره ولا كفارة عليه.
ولو نذر الصدقة بكل ماله فله الصدقة بثلثه ولا كفارة عليه، وإِن نذر الصدقة بألف لزمه جميعه وعنه يجزئه ثلثه.
فصل
الخامس نذر التبرر: كنذر الصلاة والصيام والصدقة والاعتكاف والحج والعمرة ونحوها من القُرَب.
على وجه التقرُّب سواء نذره مطلقاً أو علقه بشرط يرجوه، فقال: إِن شفى الله مريضي، أو سلَّم الله مالي فلله علي كذا فمتى وجد شرطه انعقد نذره ولزمه فعله.
وإِن نذر صوم سنة لم يدخل في نذره رمضان ويوما العيدين، وفي أيام التشريق روايتان، وعنه ما يدل على أنه يقضي يومي العيدين وأيام التشريق، وإِذا نذر صوم يوم الخميس فوافق يوم عيد أو حيض، أفطر وقضى وكفر، وعنه يكفر من غير قضاء، ونُقل عنه ما يدل على أنه إِن صام يوم العيد صح صومه، وإِن وافق أيام التشريق فهل يصومه؟ على روايتين.
وإِذا نذر صوم يوم يَقْدُم فلان فقدم ليلاً فلا شيء عليه، وإِن قدم نهاراً فعنه ما يدل على أنه لا ينعقد نذره، ولا يلزمه إِلا إِتمام صيام ذلك اليوم إِن
الجزء: 1 - الصفحة: 472
لم يكن أفطر، وعنه أنه يقضي ويكفر سواء قدم وهو مفطر أو صائم، وإِن وافق قدومه يوماً من رمضان فقال الخرقي: يجزئه صيامه لرمضان ونذره، وقال غيره: عليه القضاء، وفي الكفارة روايتان.
وإِن وافق يوم نذره وهو مجنون فلا قضاء عليه ولا كفارة.
وإِن نذر صوم شهر معين فلم يصمه لغير عذر فعليه القضاء وكفارة يمين، وإِن لم يصمه لعذر فعليه القضاء، وفي الكفارة روايتان، وإِن صام قبله لم يجزئه، وإِن أفطر في بعضه لغير عذر لزمه استئنافه ويكفر، ويحتمل أن يتم باقيه ويقضي ويكفر.
وإِذا نذر صوم شهر لزمه التتابع، وإِن نذر صيام أيام معدودة لم يلزمه التتابع إِلا أن يشترطه.
وإِن نذر صياماً مُتتابعاً فأفطر لمرض أو حيض قضى لا غير، وإِن أفطر لغير عذر لزمه الاستئناف، وإِن أفطر لسفر أو ما يبيح الفطر فعلى وجهين.
وإِن نذر صياماً فعجز عنه لكبر أو مرض لا يرجى برؤه أطعم عنه لكل يوم مسكيناً، ويحتمل أن يكفر ولا شيء عليه.
وِإن نذر المشي إِلى بيت الله الحرام أو موضع من الحرم لم يجزئه إِلا أن يمشي في حج أو عمرة، فإِن ترك المشي لعجز أو غيره فعليه كفارة يمين، وعنه عليه دم، وإِن نذر الركوب فمشى ففيه الروايتان، وإِن نذر رقبة فهي التي تجزئ عن الواجب، إِلا أن ينوي رقبة بعينها، وإِن نذر الطواف على أربع طاف طوافين نص عليه 16.
الجزء: 1 - الصفحة: 473