كتاب الشَّهَادَات
تَحَمُّلُ الشهادة وأداؤها فرض على الكفاية إِذا قام بها من يكفي سقط عن الباقين، وإِن لم يقم بها من يكفي تعينت على من وجد، قال الخرقي: ومن لزمته الشهادة فعليه أن يقوم بها على القريب والبعيد لا يسعه التخلف عن إِقامتها وهو قادر على ذلك، ولا يجوز لمن تعيَّنت عليه أخذ الأجرة عليها ولا يجوز ذلك لمن لم تتعين عليه في أصح الوجهين.
ومن كانت عنده شهادة في حد لله أبيح له إِقامتها ولم يستحب، وللحاكم أن يُعَرِّض له بالوقوف عنها في أحد الوجهين، ومن كانت عنده شهادة لآدمي يعلمها لم يقمها حتى يسأله فإِن لم يعلمها استحب له إِعلامه بها، وله إِقامتها قبل ذلك.
ولا يجوز أن يشهد إِلا بما يعلمه برؤية أو سماع.
والرؤية تختص بالأفعال: كالقتل، والغصب، والسرقة، وشرب الخمر، والرضاع، والولادة، وغيرها، والسماع على ضربين:
سماع من المشهود عليه نحو: الإِقرار، والعقود، والطلاق، والعتاق.
وسماع من جهة الاستفاضة فيما يتعذر علمه في الغالب إِلا بذلك: كالنسب، والموت، والملك، والنكاح، والخلع والوقف ومصرفه، والعتق، والولاء، والولاية، والعزل، وما أشبه ذلك.
ولا تقبل الاستفاضة إِلا من عدد يقع العلم بخبرهم في ظاهر كلام أحمد والخرقي رضي الله عنهما.
وقال القاضي تسمع من عدلين فصاعداً.
الجزء: 1 - الصفحة: 501
وإِن سمع إِنساناً يقر بنسب أب أو ابن فصدَّقه المقر له، جاز أن يشهد به، وإِن كذبه لم يشهد، وإِن سكت جاز أن يشهد، ويحتمل أن لا يشهد حتى يتكرر.
وإِن رأى شيئاً في يد إِنسان يتصرف فيه تصرف المُلَّاك: من النقض، والبناء، والإِجارة، والإِعارة ونحوها، جاز أن يشهد بالملك له، ويحتمل أن لا يشهد إِلا باليد والتصرف.
فصل
ومن شهد بالنكاح فلابد من ذكر شروطه، وأنه تزوجها بولي مرشد وشاهدي عدل ورضاها.
وإِن شهد بالرضاع فلابد من ذكر عدد الرضعات، وأنه شرب من ثديها أو من لبن حلب منه.
وإِن شهد بالقتل احتاج أن يقول ضربه بالسيف أو جرحه فقتله أو مات من ذلك، وإِن قال جرحه فمات لم يحكم به.
وإِن شهد بالزنا فلابد أن يذكر: بمن زنا؟ وأين زنا؟ وكيف زنا؟ وأنه رأى ذكره في فرجها، ومن أصحابنا من قال لا يحتاج إِلى ذكر المزني بها ولا ذكر المكان.
ومن شهد 1 بالسرقة فلابد من ذكر المسروق منه، والنصاب والحرز وصفة السرقة.
وإِن شهد بالقذف ذكر المقذوف وصفة القذف.
وإِن شهد أنَّ هذا العبد ابن أمة فلان لم يحكم له به حتى يقولا ولدته في
الجزء: 1 - الصفحة: 502
ملكه، وإِن شهدا أنَّه اشتراها من فلان، أو وقفها عليه، أو أعتقها، لم يحكم له بها حتى يقولا وهي في ملكه.
وإِن شهد أن هذا الغزل من قطنه أو الطير من بيضته والدقيق من حنطته حكم له بها.
وإِذا مات رجل فادعى آخر أنَّه وارثه، فشهد له شاهدان أنه وارثه لا يعلمان له وارثاً سواه سلم المال إِليه سواء كانا من أهل الخبرة الباطنة أو لم يكونا، وإِن قالا لا نعلم له وارثاً غيره في هذا البلد احتمل أن يسلم المال إِليه واحتمل أن لا يسلم إِليه حتى يستكشف القاضي عن خبره في البلدان التي سافر إِليها.
وتجوز شهادة المستخفي، ومن سمع رجلًا يقر بحق، أو يُشْهِد شاهداً بحق، أو سمع الحاكم يحكم، أو يشهد على حكمه وإِنفاذه في إِحدى الروايتين، ولا يجوز في الأخرى حتى يشهده على ذلك.
فصل
وإِن شهد أحدهما أنه غصبه ثوباً أحمر وشهد آخر أنه غصبه ثوباً أبيض، أو شهد أحدهما أنه غصبه اليوم، وشهد الآخر أنه غصبه أمس لم تكمل البينة، وكذلك كل شهادة على الفعل إِذا اختلفا في الوقت لم تكمل البينة.
وإِن شهد أحدهما أنه أقر له بألف أمس، وشهد آخر أنه أقر له بألف اليوم، أو شهد أحدهما أنه باعه داره أمس، وشهد آخر أنَّه باعه إِياها اليوم كملت البينة وثبت البيع والإِقرار، وكذلك كل شهادة على القول إِلا النكاح: إِذا شهد أحدهما أنه تزوجها أمس، وشهد الآخر أنه تزوجها اليوم لم تكمل البينة، وكذلك القذف وقال أبو بكر يثبت القذف.
وإِن شهد شاهد أنه أقر له بألف، وشهد آخر أنه أقر له بألفين ثبت ألفٌ
الجزء: 1 - الصفحة: 503
ويحلف على الآخر مع شاهده إِن أحب [وإِن شهد أحدهما أن له عليه ألفاً وشهد آخر أن له عليه ألفين فهل تكمل البينة على ألف على وجهين (1)]، وإِن شهد أحدهما أن له عليه ألفاً من قرض، وشهد آخر أن له عليه ألفاً من ثمن مبيع لم تكمل البينة.
وإِن شهد شاهدان أن له عليه ألفاً، وقال أحدهما قضاه بعضه بطلت شهادته نص عليه، وإِن شهدا أنه أقرضه ألفاً ثم قال أحدهما قضاه نصفه صحت شهادتهما، وإِذا كانت له بينة بألف فقال أريد أن تشهدا لي بخمس مائة لم يجز وعند أبي الخطاب يجوز.
باب شروط من تقبل شهادته
وهي ستة:
أحدها البلوغ: فلا تقبل شهادة الصبيان وعنه تقبل ممن هو في حال أهل العدالة، وعنه لا تقبل إِلا في الجراح إِذا شهدوا قبل الافتراق على الحال 3 التي تجارحوا عليها.
الثاني العقل: فلا تقبل شهادة معتوه ولا مجنون إِلا من يخنق في الأحيان إِذا شهد في إِفاقته.
الثالث الكلام: فلا تقبل شهادة الأخرس ويحتمل أن تقبل فيما طريقه الرؤية إِذا فُهِمَتْ إِشارته.
الرابع الإِسلام: فلا تقبل شهادة كافر إِلا أهل الكتاب في الوصية في السفر إِذا لم يوجد غيرهم وحضر الموصي الموت فتقبل شهادتهم ويحلفهم2
الجزء: 1 - الصفحة: 504
الحاكم بعد العصر: لا نشتري به ثمناً ولو كان ذا قربى ولا نكتم شهادة الله وإِنها لوصية الرجل، فإِن عثر على أنهما استحقا إِثماً قام آخران من أولياء الموصي فحلفا بالله لشهادتنا أحق من شهادتهما ولقد خانا وكتما ويقضي لهم.
وعنه أن شهادة بعض أهل الذمة تقبل على بعض والأول المذهب.
الخامس أن يكون ممن يحفظ: فلا تقبل شهادة مُغَفَّل ولا معروف بكثرة الغلط والنسيان.
فصل
السادس العدالة: وهي استواء أحواله في دينه، واعتدال أقواله وأفعاله، وقيل العدل من لم تظهر منه ريبة، ويعتبر لها شيئان:
الصلاح في الدين وهو أداء الفرائض، واجتناب المحارم: وهو أن لا يرتكب كبيرة ولا يدمن على صغيرة، وقيل أن لا يظهر منه إِلا الخير.
ولا تقبل شهادة فاسق سواء كان فسقه من جهة الأفعال أو الاعتقاد، ويتخرج على قبول شهادة أهل الذمة قبول شهادة الفاسق من جهة الاعتقاد، المتدين به إِذا لم يتدين بالشهادة لموافقه على مخالفه.
وأما من فعل شيئاً من الفروع المختلف فيها: فتزوج بغير ولي، أو شرب من النبيذ ما لا يسكره، أو أخر الحج الواجب مع إِمكانه ونحوه متأولاً، فلا ترد شهادته، وإِن فعله معتقداً تحريمه، رُدَّت شهادته ويُحْتَمَل أن لا ترد.
الثاني استعمال المروءة: وهو فعل ما يجمله ويزينه، وترك ما يدنِّسه ويَشِينه، فلا تقبل شهادة المصافع، والمتمسخر، والمغني، والرقاص، واللاعب بالشطرنج والنرد، والحمام، والذي يتغذى في السوق، ويمد رجليه في مجمع الناس، ويحدث بمباضعة أهله وأمته 4، ويدخل الحَمَّام
الجزء: 1 - الصفحة: 505
بغير مئزر ونحو ذلك، فأما الشين في الصناعة: كالحجام، والحائك، والنخَّال، والنفاط، والقمَّام، والزبَّال، والمشعوذ، والدباغ والحارس، والقرَّاد، والكبَّاش، فهل تقبل شهادتهم إِذا حسنت طرائقهم؟ على روايتين.
فصل
ومتى زالت الموانع منهم: فبلغ الصبي، وعقل المجنون، وأسلم الكافر، أو تاب الفاسق، قبلت شهادتهم بمجرد ذلك، ولا يعتبر إِصلاح العمل، وعنه يعتبر في التائب إِصلاح العمل سنة، ولا تقبل شهادة القاذف حتى يتوب، وتوبته أن يكذب نفسه، وقيل: إِن علم صدق نفسه فتوبته أن يقول: قد ندمت على ما قلت ولا أعود إِلى مثله وأنا تائب إِلى الله منه.
فصل
ولا يعتبر في الشهادة الحرية، بل تجوز شهادة العبد في كل شيء إِلا في الحدود والقصاص على إِحدى الروايتين، وتقبل شهادة الأَمَةِ فيما تجوز فيه شهادة النساء، وتجوز شهادة الأصم على ما يراه وعلى المسموعات التي كانت قبل صممه، وتجوز شهادة الأعمى في المسموعات إِذا تيقن الصوت وبالاستفاضة، وتجوز في المرئيات التي تحملها قبل العمى إِذا عرف الفاعل باسمه ونسبه وَمَا يتميز به، فإِن لم يعرفه إِلا بعينه فقال القاضي تقبل شهادته أيضاً ويصفه للحاكم بما يتميز به، ويحتمل أن لا تجوز لأن هذا مما لا ينضبط غالباً، وإِن شهد عند الحاكم ثم عمي قبلت شهادته وجهاً واحداً.
وشهادة ولد الزنا جائزة في الزنا = الأمة والمرأة دائماً.
الجزء: 1 - الصفحة: 506
وغيره، وتقبل شهادة الإِنسان على فعل نفسه: كالمرضعة على الرضاع، والقاسم على القسمة، والحاكم على حكمه بعد العزل، وتقبل شهادة البدوي على القروي والقروي على البدوي، وعنه في شهادة البدوي على القروي أخشى أن لا تقبل، فيحتمل وجهين.
باب موانع الشهادة
ويمنع قبول الشهادة خمسة أشياء:
أحدها قرابة الولادة: فلا تقبل شهادة والد لولده وإِن سفل، ولا ولد لوالده وإِن علا في أصح الروايات.
وعنه تقبل فيما لا يجر به نفعاً غالباً: نحو أن يشهد أحدهما لصاحبه بعقد نكاح أو قذف، وعنه تقبل شهادة الولد لوالده ولا تقبل شهادة الوالد لولده، وتقبل شهادة بعضهم على بعض في أصح الروايتين، ولا تقبل شهادة أحد الزوجين لصاحبه في إِحدى الروايتين، ولا تقبل شهادة السيد لعبده ولا العبد لسيده، وتقبل شهادة الأخ لأخيه، وسائر الأقارب، والصديق لصديقه، والمولي لعتيقه.
فصل
الثاني أن يجر إِلى نفسه نفعاً بشهادته: كشهادة السيد لمكاتبه، والوارث لموروثه بالجرح قبل الاندمال، والوصي للميت والوكيل لموكله بما هو وكيل فيه، والشريك لشريكه، والغرماء للمفلس بالمال، وأحد الشفيعين بعفو الآخر عن شفعته.
فصل الثالث أن يدفع عن نفسه ضرراً: كشهادة العاقلة بجرح شهود قتل الخطأ، والغرماء بجرح شهود الدين على المفلس، والسيد بجرح من
الجزء: 1 - الصفحة: 507
شهد على مكاتبه أو عبده بدين (1)، والوصي بجرح الشاهد على الأيتام، والشريك بجرح الشاهد على شريكه وسائر من لا تقبل شهادته لإِنسان إِذا شهد بجرح الشاهد عليه.
فصل
الرابع العداوة: كشهادة المقذوف على قاذفه، والمقطوع عليه الطريق على قاطعه، والزوج بالزنا على امرأته.
فصل الخامس أن يشهد الفاسق بشهادة فترد ثم يتوب فيعيدها فإِنها لا تقبل للتهمة: ولو لم يشهد بها عند الحاكم حتى صار عدلاً قبلت، ولو شهد كافر أو صبي أو عبد فردت شهادتهم ثم أعادوها بعد زوال الكفر والرق والصِّبى قبلت، وإِن شهد لمكاتبه أو لموروثه بجرح قبل برئه فردت، ثم أعادها بعد عتق المكاتب وبُرْءِ الجرح، ففي ردها وجهان، وإِن شهد الشفيع بعفو شريكه في الشفعة عنها فردت، ثم عفا الشاهد عن شفعته وأعاد تلك الشهادة لم تقبل، ذكره القاضي، ويحتمل أن تقبل.
باب أقسام المشهود به
والمشهود به ينقسم خمسة أقسام:
أحدها: الزنا وما يوجب حده فلا تقبل فيه إِلا شهادة أربعة رجال أحرار.
وهل يثبت الإِقرار بالزنا بشاهدين أو لا يثبت إِلا بأربعة؟ على روايتين.5
الجزء: 1 - الصفحة: 508
الثاني: القصاص وسائر الحدود فلا يقبل فيه إِلا رجلان حران.
الثالث: ما ليس بمال ولا يقصد به المال، ويطلع عليه الرجال في غالب الأحوال، غير الحدود والقصاص: كالطلاق، والنسب، والولاء، والوكالة في غير المال، والوصية إِليه، وما أشبه ذلك، فلا يقبل فيه إِلا رجلان.
وعنه في النكاح والرجعة والعتق، أنه يقبل فيه شهادة رجل وامرأتين.
وعنه في العتق، أنه يقبل فيه شاهد ويمين المدعي، وقال القاضي النكاح وحقوقه من الطلاق والخلع والرجعة لا يثبت إِلا بشاهدين رواية واحدة، والوكالة والوصية والكتابة ونحوها تخرج على روايتين، قال أحمد رضي الله عنه (1) في الرجل يوكل وكيلاً ويُشْهِد على نفسه رجلاً وامرأتين إِن كانت في المطالبة بدين، فأما غير ذلك فلا.
الرابع: المال وما يقصد به المال: كالبيع، والقرض، والرهن، والوصية له، وجناية الخطأ، فيقبل فيه شهادة رجل وامرأتين، وشاهد ويمين المدعي، وهل يقبل في جناية العمد الموجبة للمال دون القصاص: كالهاشمة، والمنقَّلة، شهادة رجل وامرأتين؟ على روايتين.
الخامس: ما لا يطلعُ عليه الرجال: كعيوب النساء تحت الثياب، والرضاع، والاستهلال، والبكارة، والثيوبة، والحيض ونحوه، فيقبل فيه شهادة امرأة واحدة، وعنه لا يقبل فيه أقل من امرأتين، وإِن شهد به الرجال كان أولى بثبوته.
فصل
وإِذا شهد بقتل العمد رجل وامرأتان لم يثبت قصاص ولا دية، وإِن شهدوا بالسرقة ثبت المال دون القطع، وإِن ادعى رجل الخُلُع قُبِل فيه رجل6
الجزء: 1 - الصفحة: 509
وامرأتان، وإِن ادعته المرأة لم يقبل فيه إِلا رجلان، وإِذا شهد رجلٌ وامرأتان لرجل بجارية أنها أم ولده وولدها منه قضي له بالجارية أم ولد، وهل تثبت حرية الولد ونسبه من مدعيه؟ على روايتين.
باب الشهادة على الشهادة والرجوع عن الشهادة
تقبل الشهادة على الشهادة فيما يقبل فيه كتاب القاضي، وترد فيما يرد فيه ولا تقبل إِلا أن تتعذر شهادة شهود الأصل: بموت أو مرض، أو غَيْبة إِلى مسافة القصر، وقيل لا تقبل إِلا بعد موتهم، ولا يجوز لشاهد الفرع أن يشهد إِلا أن يسترعيه شاهد الأصل فيقول: اشهَدْ على شهادتي أني أشهد أن فلان ابن فلان، وقد عرفته بعينه واسمه ونسبه، أقر عندي وأشهدني على نفسه طوعاً بكذا، أو شهدت عليه، أو أقر عندي بكذا، فإِن سمعه يقول: أشهد على فلان بكذا، لم يجز أن يشهد إِلا أن يسمعه، يشهد عند الحاكم، أو يشهد بحق يعزوه إِلى سبب: من بيع أو إِجارة أو فرض فهل يشهد به؟ على وجهين.
وتثبت شهادة شاهدي الأصل بشهادة شاهدين يشهدان عليهما سواء شهدا على كل واحد منهما، أو شهد على كل واحد منهما شاهد من شهود الفرع، وقال أبو عبد الله بن بطة 7: لا تثبت حتى يشهد أربعة: على كل شاهد أصل شاهداً فرع، ولا مدخل للنساء في شهادة الفرع.
وعنه لهن مدخل: فيشهد رجلان على رجل وامرأتين، أو رجل وامرأتان على رجل وامرأتين.
وقال القاضي لا تجوز شهادة رجلين على رجل وامرأتين، نص عليه أحمد رحمه الله 8. قال أبو الخطاب: وفي هذه الرواية سهو من ناقلها.
الجزء: 1 - الصفحة: 510
ولا يجوز للحاكم أن يحكم بشهادة شاهدي الفرع حتى يثبت عنده عدالتهما وعدالة شاهدي الأصل، وإِن شهدا عنده فلم يحكم حتى حضر شهود الأصل وقف الحكم على سماع شهادتهم، وإِن حدث منهم ما يمنع قبول الشهادة لم يجز الحكم، وإِن حكم بشهادتهما ثم رجع شهود الفرع لزمهم الضمان، وإِن رجع شهود الأصل لم يضمنوا، ويحتمل أن يضمنوا.
فصل
ومتى رجع شهود المال بعد الحكم لزمهم الضمان ولم يُنْقَض الحكم سواء ما قبل القبض وبعده، وسواء كان المال قائماً أو تالفاً، وإِن رجع شهود العتق غرموا القيمة، وإِن رجع شهود الطلاق قبل الدخول غُرِّموا نصف المسمى، وإِن كان بعده لم يغرموا شيئاً.
وإِن رجع شهود القصاص أو الحد قبل الاستيفاء لم يستوف، وإِن كان بعده وقالوا: أخطأنا فعليهم دية ما تلف ويتقسط الغُرْمُ على عددهم، فإِن رجع أحدهم وحده غُرِّم بقسطه.
وإِذا شهد عليه ستة بالزنا فرجم ثم رجع منهم اثنان غرما ثلث الدية، وإِن رجع الكل لزمتهم الدية أسداساً، [وإِن شهد أربعة بالزنا وشهد اثنان بالإِحصان فرجم ثم رجع الجميع لزمتهم الدية أسداساً في أحد الوجهين، وفي الآخر على شهود الزنا النصف وعلى شهود الإِحصان النصف، وإِن شهدا أربعة بالزنا وشهد اثنان منهم بالإِحصان ثلثا الدية على الوجه الأول، وعلى الثاني يلزمهم ثلاثة أرباعها 9]، وإِن حكم بشاهد ويمين فرجع
الجزء: 1 - الصفحة: 511
الشاهد غرم المال كله، ويتخرج أن يغرم النصف.
وإِن بان بعد الحكم أن الشاهدين كانا كافرين أو فاسقين نقض الحكم ويرجع بالمال أو ببدله على المحكوم له، وإِن كان المحكوم به إِتلافاً فالضمان على المزكين، فإِن لم يكن ثم تزكية فعلى الحاكم.
وعنه لا ينقض إِذا كانا فاسقين وإِن شهدوا عند الحاكم بحق ثم ماتوا حكم بشهادتهم إِذا ثبتت عدالتهم.
وإِذا علم الحاكم بشاهد الزور عزَّره وطاف به في المواضع التي يشتهر فيها فيقال: إِنا وجدنا هذا شاهد زور فاجتنبوه.
ولا تقبل الشهادة إِلا بلفظ الشهادة، فإِن قال أعلم أو أُحِقُّ لم يحكم به.
باب اليمين في الدعاوى
وهي مشروعة في حق المنكر في كل حقٍّ لآدمي.
قال أبو بكر: إِلا في النكاح والطلاق.
وقال أبو الخطاب: إِلا في تسعة أشياء: النكاح، والرجعة، والطلاق، والرق، والولاء، والاستيلاد، والنسب، والقذف، والقصاص.
وقال القاضي: في الطلاق والقصاص والقذف روايتان، وسائر الستة لا يستحلف فيها رواية واحدة، وقال الخرقي لا يُحَلَّفُ في القصاص ولا المرأة إِذا أنكرت النكاح، وتُحَلَّفُ إِذا ادعت انقضاء عدتها، وإِذا أنكر المولى مضي أربعة الأشهر حلف.
وإِذا أقام العبد شاهداً بعتقه حلف معه.
ولا يستحلف في حقوق الله تعالى: كالحدود، والعبادات ونحوها 10، ويجوز الحكم في المال وما يقصد به المال بشاهد ويمين
الجزء: 1 - الصفحة: 512
المدعي ولا تقبل فيه شهادة امرأتين ويمين، ويحتمل أن تقبل، [وهل يثبت العتق بشاهد ويمين؟ على روايتين (1)].
ولا يقبل في النكاح والرجعة وسائر ما لا يستحلف فيه شاهد ويمين.
ومن حلف على فعل نفسه أو دعوى عليه حلف على البت، ومن حلف على فعل غيره أو دعوى عليه في الإِثبات حلف على البت، وإِن حلف على النفي حلف على نفي علمه.
ومن توجهت عليه يمين لجماعة فقال: أحلف يميناً واحدة لهم فرضوا جاز، وإِن أبوا حلف لكل واحد يميناً.
فصل
واليمين المشروعة هي اليمين بالله تعالى اسمه، وإِن رأى الحاكم تغليظها بلفظ أو زمن أو مكان جاز.
ففي اللفظ يقول: والله الذي لا إِله إِلا هو، عالم الغيب والشهادة الرحمن الرحيم، الطالب الغالب، الضار النافع، الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور.
واليهودي يقول: والله الذي أنزل التوراة على موسى، وفلق له البحر، ونجاه من فرعون وملئه.
والنصراني يقول: والله الذي أنزل الإِنجيل على عيسى، وجعله يحيى الموتى، ويبرئ الأكمه والأبرص.
والمجوسي يقول: والله الذي خلقني وصورني ورزقني.
والزمان يحلفه بعد العصر أو بين الأذانين.
والمكان يحلفه بمكة بين الركن والمقام، وفي الصخرة ببيت11
الجزء: 1 - الصفحة: 513
المقدس، وفي سائر البلدان عند المنبر، ويحلف أهل الذمة في المواضع التي يعظمونها.
ولا تغلظ اليمين إِلا فيما له خطر: كالجنايات، والعتاق، والطلاق، وما تجب فيه الزكاة من المال، وقيل ما يقطع به السارق، وإِن رأى الحاكم تَرْكَ التغليظ فتركه كان مصيباً.
الجزء: 1 - الصفحة: 514