كتاب الرَّضَاع
يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب.
وإِذا حملت المرأة من رجل يثبت منه نسب ولدها فَثَابَ لها لبن فأرضعت به طفلاً صار ولداً لهما؛ في تحريم النكاح، وإِباحة النظر، والخلوة، وثبوت المحرمية، وأولاده وإِن سفلوا أولادُ ولدِهِما، وصارا أبويه، وآباؤهما أجداده وجداته، وإِخوة المرأة وأخواتها أخواله وخالاته، وإِخوة الرجل وأخواته أعمامه وعماته.
وتنتشر حرمة الرضاع من المُرْتَضِع إِلى أولاده وأولاد أولاده وإِن سفلوا، فيصيرون أولاداً لهما، ولا تنتشر إِلى من في درجته من إِخوته وأخواته، ولا إِلى 1 من هو أعلى منه من آبائه وأمهاته وأعمامه وعماته وأخواله وخالاته، فلا تحرم المُرْضَعَةُ على أبي المرتضع ولا أخيه، ولا تحرم أم المرتضع ولا أخته على أبيه من الرضاع ولا أخيه.
وإِن أرضعت بلبن ولدها من الزنا طفلًا صار ولداً لها وحَرُمَ على الزاني تحريم المصاهرة، ولم تثبت حرمة الرَّضاع في حقه في ظاهر قول الخرقي، وقال أبو بكر تثبت، قال أبو الخطاب وكذلك الولد المنفي باللعان، ويحتمل أن لا يثبت حكم الرضاع في حق الملاعن بحال لأنه ليس بلبنه حقيقة ولا حكماً.
وإِن وطئ رجلان امرأة بشبهة، فأتت بولد، فأرضعت بلبنه طفلًا صار
الجزء: 1 - الصفحة: 384
ابناً لمن ثبت نسب المولود منه، وإِن ألحق بهما كان المرتضع ابناً لهما، وإِن لم يلحق بواحد منهما ثبت التحريم بالرضاع في حقهما.
وإِن ثاب لامرأة لبن من غير حمل تقدم لم ينشر الحرمة، نص عليه في لبن البكر، وعنه ينشرها، ذكرها ابن أبي موسى، والظاهر أنه قول ابن حامد.
ولا ينشر الحرمة غير لبن المرأة: فلو ارتضع طفلان من رجل أو بهيمة أو خنثى مشكل لم ينشر الحرمة، وقال ابن حامد يوقف أمر الخنثى حتى يتبين أمره.
فصل
ولا تثبت الحرمة بالرضاع إِلا بشرطين:
أحدهما: أن يرتضع في العامين فلو ارتضع بعدهما بلحظة لم يثبت 2.
الثاني: أن يرتضع خمس رضعات في ظاهر المذهب، وعنه ثلاث يُحَرِّمْن، وعنه واحدة؛ فمتى 3 أخذ الثدي فامتص منه ثم تركه، أو قطع عليه فهي رضعة، فمتى عاد فهي رضعة أخرى، بعد ما بينهما أو قرب، وسواء تركه شبعاً أو لأمرٍ يلهيه، أو لانتقاله من ثدي إِلى غيره، أو من امرأة إِلى غيرها.
وقال ابن حامد إِن لم يقطع باختياره فهما رضعة إِلا أن يطول الفصل بينهما.
والسعوط والوجور كالرضاع في إِحدى الروايتين.
ويحرم لبن الميتة واللبن المشوب، ذكره الخرقي، وقال أبو بكر
الجزء: 1 - الصفحة: 385
لا يثبت التحريم بهما، وقال ابن حامد إِن غلب اللبن يحرم وإِلا فلا.
والحقنة لا تنشر الحرمة 4 نص عليه، وقال ابن حامد تنشرها.
فصل
وإِذا تزوج كبيرة ولم يدخل بها وثلاث صغائر، فأرضعت الكبيرة إِحداهُنَّ في الحولين، حرمت الكبيرة على التأبيد، وثبت نكاح الصغرى، وعنه ينفسخ نكاحها.
وإِن أرضعت اثنتين منفردتين انفسخ نكاحهما على الرواية الأولى، وعلى الثانية ينفسخ نكاح الأولى ويثبت نكاح الثانية.
وإِن أرضعت الثلاث متفرقات انفسخ نكاح الأوليين، وثبت نكاح الثالثة على الرواية الأولى، وعلى الثانية ينفسخ نكاح الجميع، فإِن أرضعت إِحداهن منفردة واثنتين بعد ذلك، انفسخ نكاح الجميع على الروايتين، وله أن يتزوج من شاء من الأصاغر، وإِن كان دخل بالكبرى حرم الكل عليه على الأبد.
وكل امرأة تحرم ابنتها عليه كأمه وجدته وأخته وربيبته إِذا أرضعت طفلة حرمتها عليه، وفسخت نكاحها منه إِن كانت زوجته.
فصل وكل من أفسد نكاح امرأة برضاع قبل الدخول فإِن الزوج يرجع عليه بنصف مهرها الذي يلزمه لها، وإِن أفسدت نكاح نفسها سقط مهرها، وإِن كان بعد الدخول وجب لها مهرها ولم يرجع به على أحد، وذكر القاضي: أَنه يرجع به أيضاً، ورواه عن أحمد رضي الله عنه، ولو أفسدت نكاح نفسها لم يسقط مهرها بغير خلاف في المذهب؛ فإِذا
الجزء: 1 - الصفحة: 386
أرضعت امرأته الكبرى الصغرى فانفسخ نكاحهما، فعليه نصف مهر الصغرى، يرجع به على الكبرى، ولا مهر للكبرى إِن كان لم يدخل بها، وإِن كان دخل بها فعليه صداقها، وإِن كانت الصغرى هي التي دبت إِلى الكبرى وهي نائمة فارتضعت منها فلا مهر لها ويرجع عليها بنصف مهر الكبرى إِن كان لم يدخل بها، أو بجميعه إِن كان دخل بها على قول القاضي، وعلى ما اخترناه لا يرجع بعد الدخول بشيء.
ولو كان لرجل خمس أمهات أولاد، لهن لبن منه، فأرضعن امرأة له صغرى، كلُّ واحدة منهن رضعة حرمت عليه في أحد الوجهين، ولم تحرم أمهات الأولاد.
ولو كان له ثلاث نسوة لهن لبن منه، فأرضعن امرأة له صغرى كل واحدة رضعتين لم تحرم المرضعات وهل تحرم الصغرى؟ على وجهين، أصحهما تحرم، وعليه نصف مهرها، يرجع به عليهن على قدر رضاعهن، يقسم بينهن أخماساً، فإِن كان لرجل ثلاث بنات امرأة لهن لبن فأرضعن ثلاث نسوة له صغاراً حرمت الكبرى، وإِن كان دخل بها حَرُم الصِّغار أيضاً، وإِن لم يدخل بها فهل ينفسخ نكاح من كمل رضاعها أو لا؟ على روايتين.
وإِن أرضعن واحدة كل واحدة منهن رضعتين، فهل تحرم الكبرى بذلك؟ على وجهين.
فصل
إِذا طلق امرأته ولها منه لبن، فتزوجت بصبي فأرضعته بلبنه، انفسخ نكاحها منه، وحرمت عليه، وعلى الأول أبداً 5 لأنها صارت من حلائل أبنائه، ولو تزوجت الصبي أولًا، ثم فسخت نكاحه لعيب، ثم تزوجت كبيراً فصار لها منه لبن فأرضعت به الصبي حرمت عليهما على الأبد.
الجزء: 1 - الصفحة: 387
فصل
وإِذا شك في الرضاع أو عدده بنى على اليقين، وإِن شهد به امرأة مرضية ثبت بشهادتها، وعنه أنها إِن كانت مرضية استحلفت فإِن كانت كاذبة لم يحل الحول حتى يبيض ثدياها، وذهب في ذلك إِلى قول ابن عباس رضي الله عنهما.
وإِذا تزوج امرأة ثم قال قبل الدخول: هي أختي من الرضاع انفسخ النكاح، فإِن صدقته فلا مهر، وإِن أكذبته فلها نصف المهر، وإِن قال ذلك بعد الدخول انفسخ النكاح ولها المهر بكل حال، وإِن كانت هي التي قالت هو أخي من الرضاع وأكذبها فهي زوجته في الحكم، ولو قال الزوج هي ابنتي من الرضاع وهي في سنه أو أكبر منه لم تحرم 6 لتحققنا كدبه.
ولو تزوج رجلٌ 7 امرأة لها لَبَنٌ مِنْ زوج قبله فحملت منه ولم يزد لبنها فهو للأول، وإِن زاد لبنها فأرضعت به طفلًا صار ابناً لهما، وإِن انقطع لبن الأول ثم ثاب بحملها من الثاني فكذلك عند أبي بكر، وعند أبي الخطاب رضي الله تعالى عنه هو ابن الثاني وحده.
الجزء: 1 - الصفحة: 388