المقنع في فقه الإمام أحمد ت الأرناؤوطكتاب الحدود
أهل الأثرالأرشيف العلمي

لا يجب الحد إِلا على بالغ عاقل عالم بالتحريم، ولا يجوز أن يقيم الحد إِلا الإِمام أو نائبه، إِلا السيد فإن له إِقامة الحد بالجلد خاصة على رقيقه القن.
وهل له القتل في الرِّدة والقطع في السَّرقة؟ على روايتين.
ولا يملك إِقامته على: مكاتبه، ولا على من بعضه حر، ولا أمته المزوجة، فإِن كان السيد فاسقاً أو امرأة، فله إِقامته في ظاهر كلامه، ويحتمل أن لا يملكه ولا يملكه المكاتب، ويحتمل أن يملكه، وسواء ثبت ببينة أو إِقرار، وإِن ثبت بعلمه فله إِقامته نص عليه، ويحتمل أن لا يملكه كالإِمام.
ولا يقيم الإمام الحد بعلمه ولا يقيم الحدود في المساجد.
ويضرب الرجل في الحد قائماً بسوط لا جديد ولا خلق، ولا يمد، ولا يربط، ولا يجرد، بل يكون عليه القميص والقميصان ولا يبالغ في ضربه بحيث يشق الجلد، ويفرق الضرب على أعضائه إِلا الرأس والوجه والفرج وموضع المقتل، والمرأة كذلك، إِلا أنها تضرب جالسة، ويشد عليها ثيابها وتمسك يداها لئلا تنكشف.
والجلد في الزنا أشد الجلد، ثم جلد القذف، ثم الشرب، ثم التعزير.
وإِن رأى الإمام الضرب في حد الخمر بالجريد والنعال فله ذلك.
وقال أصحابنا ولا يؤخر الحد للمرض؛ فإِن كان جُلِدَ، أو خشي عليه من السوط، أقيم بأطراف الثياب والعثكول، ويحتمل أن يؤخر في المرض المرجو زواله.
وإِذا مات المحدود في الجلد فالحق قتله، وإِن زاد سوطاً

الجزء: 1 - الصفحة: 431

أو أكثر فتلف ضمنه، وهل يضمن جميعه أو نصف الدية؟ على وجهين.
وإِذا كان الحد رجماً لم يحفر له رجلاً كان أو امرأةً في أحد الوجهين، وفي الآخر: إِن ثبت على المرأة بإِقرارها لم يحفر لها 1، وإِن ثبت ببينة حفر لها إِلى الصدر، ويستحب أن يبدأ الشهود بالرجم، وإِن ثبت بالإِقرار استحب أن يبدأ الإِمام، ومتى رجع المقر بالحد عن إِقراره قبل منه، وإِن رجع في أثناء الحد لم يتمم، وإِن رجم ببينة فهرب لم يترك، وإِن كان بإِقرار ترك.

فصل وإِن اجتمعت حدود لله فيها قتل استوفى وسقط سائرها، وإِن لم يكن فيها قتل: فإِن كانت من جنس مثل أن زنى أو سرَقَ أو شرِب مراراً أجزأ حد واحد، وإِن كانت من أجناس استوفيت كلها.
ويبدأ بالأخف فالأخف.
وأما حقوق الآدميين فتستوفى كلها، سواء كان فيها قتل أو لم يكن، ويبدأ بغير القتل، وإِن اجتمعت مع حدود الله تعالى بدئ بها: فإِذا زنى وشرب وقذف وقطع يداً قطعت يده أولاً، ثم حد للقذف ثم للشرب ثم للزنى، ولا يستوفى حد حتى يبرأ من الذي قبله.

فصل ومن قتل أو أتى حداً خارج الحرم ثم لجأ إِليه لم يستوف منه فيه، ولكن لا يبايع ولا يشارى حتى يخرج فيقام عليه، وإِن فعل ذلك في الحرم استوفى منه فيه، وإِن أتى حداً في الغزو لم يستوف منه في أرض العدو حتى يرجع إِلى دار الإسلام فيقام عليه.

الجزء: 1 - الصفحة: 432

باب حَدُّ الزِّنا

إِذا زنى الحر المحصن فحده الرجم حتى يموت.
وهل يجلد قبل الرجم؟ على روايتين.
والمحصن من وطئ امرأته في قبلها في نكاح صحيح وهما بالغان عاقلان حران، فإِن اختل شرط من ذلك في أحدهما فلا إِحصان لواحدٍ منهما.
ولا يثبت الإِحصان بالوطء بملك اليمين، ولا في نكاح فاسدٍ، ويثبت الإِحصان للذميين، وهل تحصن الذمية مسلماً؟ على روايتين.
ولو كان لرجل ولد من امرأته فقال ما وطئتها لم يثبت إِحصانه.
وإِن زنى الحر غير المحصن جلد مائة جلدة، وغرب عاماً إِلى مسافة القصر، وعنه أن المرأة تنفى إِلى دون مسافة القصر ويخرج معها محرمها، فإِن أراد أجرة بذلت من مالها، فإِن تعذر فمن بيت المال، فإن أبى الخروج معها استؤجرت امرأة ثقة، فإِن تعذر نفيت بغير محرم، ويحتمل أن يقسط النفي.
وإِن كان الزاني رقيقاً فحده خمسون جلدة بكل حال.
ولا يغرب، وإِن كان نصفه حراً فحده خمس وسبعون جلدة وتغريب نصف عام، ويحتمل ألا يغرب.
وحد اللوطي كحد الزاني سواء، وعنه حده الرجم بكل حال.
ومن أتى بهيمة فعليه حد اللوطي عند القاضي، واختار الخرقي وأبو بكر أنه يعزر وتقتل البهيمة، وكره أحمد رضي الله عنه أكل لحمها، وهل تحرم؟ على وجهين.

الجزء: 1 - الصفحة: 433

فصل

ولا يجب الحد إِلا بشروط ثلاثة: أحدها: أن يطأ في الفرج سواء كان قبلاً أو دبراً، وأقل ذلك تغييب الحشفة في الفرج فإن وطئ دون الفرج، أو أتت المرأة المرأة فلا حد عليهما.

فصل الثاني: انتفاء الشبهة: فإِن وطئ جارية ولده، أو جارية له فيها شرك، أو لولده، أو وجد امرأة على فراشه ظنها امرأته أو جاريته، أو دعا الضرير امرأته أو جاريته فأجابه غيرها فوطئها، أو وطئ في نكاح مختلف في صحته، أو وطئ امرأته في دبرها أو حيضها أو نفاسها، أو لم يعلم بالتحريم 2 لحداثة عهده بالإِسلام، أو نشوئه ببادية بعيدة، أو أكره على الزنا فلا حد فيه، وقال أصحابنا إِن أكره الرجل فزنى حُدَّ، وإِن وطئ ميتة أو ملك أمَّه أو أخته من الرضاع فوطئها فهل يحد أو يعزر؟ على وجهين.
وإِن وطئ في نكاح مجمع على بطلانه: كنكاح المزوجة، والمعتدة، والخامسة وذوات المحارم من النسب والرضاع، أو استأجر امرأة للزنا أو لغيره وزنى بها، أو زنى بامرأة له عليها القصاص، أو بصغيرة، أو مجنونة، أو بامرأة ثم تزوجها، أو بأمة ثم اشتراها، أو أمكنت العاقلة من نفسها مجنوناً أو صغيراً فوطئها فعليهم الحد.

الجزء: 1 - الصفحة: 434

فصل

الثالث: أن يثبت الزنا.
ولا يثبت إِلا بشيئين: أحدهما: أن يُقِرَّ أربع مرات في مجلس أو مجالس، وهو بالغ عاقل، ويصرح بذكر حقيقة الوطء ولا ينزع عن إِقراره حتى يتم الحد.
الثاني أن يشهد عليه أربعة رجال أحرار عدول، يصفون الزنا، ويجيئون في مجلس واحد سواء جاؤا متفرقين أو مجتمعين؛ فإِن جاء بعضهم بعد أن قام الحاكِمُ، أو شهد ثلاثة وامتنع الرابع من الشهادة أو لم يكملها فهم قذفة وعليهم الحد، وإِن كانوا فُسَّاقاً أو عمياناً أو بعضهم فعليهم الحد، وعنه لا حد عليهم، وإِن كان أحدهم زوجاً حد الثلاثة ولاعن الزوج إِن شاء.
وإِن شهد اثنان أنه زنى بها في بيت أو بلد، واثنان أنه زنى بها في بيت أو بلد آخر، فهم قذفة وعليهم الحد، وعنه يحد المشهود عليه، وهو بعيد، وإِن شهد أنه زنى بها في زاوية بيت وشهد الآخران أنه زنى بها في زاويته الأخرى، أو شهدا أنه زنى بها في قميص أبيض وشهد الآخران أنه زنى بها في قميص أحمر كملت شهادتهم، ويحتمل أن لا تكمل كالتي قبلها.
وإِن شهدا أنه زنى بها مطاوعة وشهد الآخران أنه زنى بها مكرهة لم تكمل شهادتهم وهل يُحَدُّ الجميع أو شاهدا المطاوعة؟ على وجهين.
وعند أبي الخطاب يحد الزاني المشهود عليه دون المرأة والشهود.
وإِن شهد أربعة فرجع أحدهم قبل الحد فلا شيء على الراجع ويحد الثلاثة، وإِن كان رجوعه بعد الحد فلا حد على الثلاثة ويغرم الراجع ربع ما أتلفوه.

الجزء: 1 - الصفحة: 435

وإِن شهد أربعة بالزنا بامرأة فشهد ثقات من النساء أنها عذراء فلا حد عليها ولا على الشهود، نص عليه.
وإن شهد أربعة على رجل أنه زنى بامرأة فشهد أربعة آخرون على الشهود أنهم هم الزناة بها لم يحد المشهود عليه، وهل يحد الشهود الأولون حد الزنا؛ على روايتين.
وإِن حملت امرأة لا زوج لها ولا سيد لم تحد بذلك بمجرده.

باب القذف

3 وهو الرمي بالزنا، ومن قذف محصناً فعليه جلد ثمانين جلدة إِن كان القاذف حراً، وأربعين إِن كان عبداً.
[وهل حد القذف حق لله تعالى أو للآدمي؟ على روايتين 4]. وقذف غير المحصن يوجب التعزير.
والمحصن هو الحر المسلم العاقل العفيف الذي يجامع مثله وهل يشترط البلوغ؟ على روايتين.
وإِن قال زنيت وأنت صغيرة وفسره بصغرٍ عن تسع سنين لم يحد وإِلا خرج على الروايتين.
وإِن قال لحرة مسلمة زنيت وأنت نصرانية أو أمة، ولم تكن كذلك، فعليه الحد، وإِن كانت كذلك وقالت أردت قذفي في الحال فأنكرها فعلى وجهين.
ومن قذف محصناً فزال إِحصانه قبل إِقامة الحد لم يسقط الحد عن القاذف.

الجزء: 1 - الصفحة: 436

فصل

والقذف محرم إِلا في موضعين: أحدهما: أن يرى امرأته 5 تزني في طهر لم يصبها فيه فيعتزلها وتأتي بولد يمكن أن يكون من الزاني، فيجب عليه قذفها ونفي ولدها.
والثاني: أن لا تأتي بولد يجب نفيه، أو استفاض زناها في الناس، أو أخبره به ثقة، ورأى رجلاً يعرف بالفجور يدخل إِليها فيباح قذفها ولا يجب، وإِن أتت بولد يخالف لونه لونهما لم يبح نفيه بذلك، وقال أبو الخطاب ظاهر كلامه إِباحته.

فصل وألفاظ القذف 6 تنقسم إِلى صريح وكناية: فالصريح قوله: يا زاني، يا عاهر زنى فرجك ونحوه مما لا يحتمل غير القذف فلا يقبل قوله بما يحيله.
وإِن قال يا لوطي، يا معفوج فهو صريح.
وقال الخرقي إِذا قال: أردت أنك من قوم لوط، فلا حد عليه وهو بعيد، وإِن قال أردت أنك تعمل عمل قوم لوط غير إِتيان الرِّجال احتمل وجهين، وإِن قال لست بولد فلان فقد قذف أمه وإِن قال لست بولدي فعلى وجهين، وإِن قال أنت أزنى الناس أو أزنى من فلانة، أو قال لرجل يا زانية أو لامرأة يا زاني، أو قال زنت يداك ورجلاك فهو صريح في القذف في قول أبي بكر، وليس بصريح عند ابن حامد.

الجزء: 1 - الصفحة: 437

وإِن قال زنأت في الجبل مهموزاً فهو صريح عند أبي بكر، وقال ابن حامد: إِن كان يعرف العربية لم يكن صريحاً.
وإِن لم يقل في الجبل فهل هو صريح أو كالتي قبلها؟ على وجهين.
والكناية نحو قوله لامرأته: قد فضحتيه، وغطيت أو نكست رأسه، وجعلت له قروناً، وعلقت عليه أولاداً من غيره، وأفسدت فراشه، أو يقول لمن يخاصمه: يا حلال ابن الحلال ما يعرفك الناس بالزنا والفجور 7 يا عفيف، أو يا فاجرة، يا قحبة، يا خبيثة، أو يقول لعربي: يا نبطي يا فارسي يا رومي، أو يسمع رجلاً يقذف رجلاً فيقول صدقت، أو أخبرني فلان أنك زنيت وكذَّبه الآخر فهذا كناية، إِن فسره بما يحتمله غير القذف قُبل قوله في أحد الوجهين، وفي الآخر جميعه صريح.
وإِن قذف أهل بلدة أو جماعة لا يتصور الزنا من جميعهم عزر ولم يحد، وإِن قال لرجل اقذفني فقذفه فهل يحد؟ على وجهين، وإِن قال لامرأته يا زانية قالت بك زنيت لم تكن قاذفة ويسقط عنه الحد بتصديقها.
وإِذا قذفت المرأة لم يكن لولدها المطالبة إِذا كانت الأم في الحياة، وإِن قذفت وهي ميتة مسلمة كانت أو كافرة، حرة أو أمة، حُدَّ القاذف إِذا طالب الابن، وكان حراً مسلماً، ذكره الخرقي، وقال أبو بكر لا يجب الحد بقذف ميتة.
وإِن مات المقذوف سقط الحد، ومن قذف أم النبي - صلى الله عليه وسلم - قتل، مسلماً كان أو كافراً.
وإِن قذف الجماعة بكلمة واحدة فحدٌّ واحدٌ إِذا طالبوا أو واحدٌ منهم، وعنه إِن طالبوا متفرقين حد لكلٍّ واحدٍ حداً [وإِن قذفهم

الجزء: 1 - الصفحة: 438

بكلمات حُدَّ لكل واحد حداً، وإِن حُدَّ للقذف فأعاده لم يُعَد عليه الحد] (1).

باب حَدّ المسكر

9 كل شراب أسكر كثيره فقليله حرام من أي شيء كان، ويسمى خمراً ولا يحل شربه للذة ولا للتداوي، ولا لعطش، ولا غيره، إِلا أن يضطر إِليه لدفع لقمةٍ غص بها فيجوز.
ومن شربه مختاراً عالماً أن كثيره يسكر قليلاً كان أو كثيراً فعليه الحد ثمانون جلدة، وعنه أربعون إِن كان حراً، والرقيق على النصف من ذلك، إِلا الذمي فإِنه لا يُحَدُّ بشربه في الصحيح من المذهب، وهل يجب الحد بوجود الرائحة؟ على روايتين.
والعصير إِذا أتت عليه ثلاثة أيام حَرُمَ، إِلا أن يُغْلى قبل ذلك فيحرم نص عليه، وعند أبي الخطاب 10 أن هذا محمول على عصير يتخمر في ثلاث غالباً.
ولا يكره أن يترك في الماء تمراً أو زبيباً ونحوه ليأخذ ملوحته ما لم يشتد أو يأتي عليه ثلاث.
ولا يكره الانتباذ في الدُّباء والحنتم والنقير والمزفت، وعنه يكره، ويكره الخليطان، وهو: أن ينتبذ شيئين كالتمر والزبيب ولا بأس بالفُقَّاع.8

الجزء: 1 - الصفحة: 439

باب التّعزير

وهو التأديب.
وهو واجب في كل معصية لا حد فيها ولا كفارة؛ كالاستمتاع الذي لا يوجب الحد، وإِتيان المرأة المرأة، وسرقة ما لا يوجب القطع، والجناية على الناس بما لا قصاص فيه، والقذف بغير الزنا ونحوه.
ومن وطئ أمة امرأته فعليه الحد، إِلا أن تكون أحلتها له فيجلد مائة، وهل يلحقه نسب ولدها؟ على روايتين.
ولا يسقط الحد بالإِباحة في غير هذا الموضع.
ولا يزاد في التعزير على عشر جلدات في غير هذا الموضع، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لا يجلد أحد فوق عشر جلدات إِلا في حد من حدود الله" (1). وعنه ما كان سببه الوطء كوطء جاريته المشتركة والمزوجة ونحوه، ضرب مائة ويسقط عنه النفي، وكذلك يتخرج فيمن أتى بهيمة، وغير الوطء لا يبلغ به أدنى الحدود، ومن استمنى بيده لغير حاجة عُزِّر، وإِن فعله خوفاً من الزنا فلا شيء عليه.

باب القطع في السرقة

ولا يجب إِلا بسبعة أشياء: أحدها: السرقة: وهي أخذ المال على جهة الاختفاء.
ولا قطع على منتهب، ولا مختلس، ولا غاصب، ولا خائن، ولا جاحد وديعة ولا عارية، [وعنه يقطع جاحد العارية أيضاً 12]، ويقطع الطرار وهو الذي يبط الجيب وغيره ويأخذ منه، وعنه لا يقطع.11

الجزء: 1 - الصفحة: 440

فصل

الثاني: أن يكون المسروق مالًا محترماً، سواء كان مما يسرع إِليه الفساد كالفاكهة، والبطيخ أو لا، وسواء كان ثميناً كالمتاع والذهب، أو غير ثمين كالخشب والقصب.
ويقطع بسرقة العبد الصغير ولا يقطع بسرقة حُرٍّ وإِن كان صغيراً، وعنه أنه يقطع بسرقة الصغير، فإِن قلنا لا يقطع فسَرَقَهُ وعليه حلي فهل يقطع؟ على وجهين.
ولا يقطع بسرقة مصحف، وعند أبي الخطاب يقطع، ويقطع بسرقة سائر كتب العلم.
ولا يقطع بسرقة آلة لهو، ولا محرم كالخمر، وإِن سرق آنية فيها الخمر أو صليباً أو صنم ذهب لم يقطع، وعند أبي الخطاب يقطع.

فصل الثالث: أن يسرق نصاباً وهو ثلاثة دراهم، أو قيمة ذلك من الذهب والعروض، وعنه أنه ثلاثة دراهم أو ربع دينار، أو ما يبلغ قيمة أحدهما من غيرهما، وعنه لا تُقَوَّم العَرُوض إِلا بالدراهم، وإِذا سرق نصاباً ثم نقصت قيمته، أو ملكه ببيع أو هبة أو غيرها لم يسقط القطع.
وإِن دخل الحرز فذبح شاة قيمتها نصاب فنقصت عن النصاب ثم أخرجها لم يقطع.
وإِن سَرَقَ فَرْدَ خُفٍّ قيمته منفرداً درهمان وقيمته مع الآخر أربعة لم يقطع.
وإِن اشترك جماعة في سرقة نصاب قطعوا سواء أخرجوه جملة أو أخرج كل واحد جزءاً.

الجزء: 1 - الصفحة: 441

وإِن هتك اثنان حرزاً ودخلاه فأخرج أحدهما نصاباً وحده، أو دخل أحدهما فقدمه إِلى باب النقب، وأدخل الآخر يده فأخرجَهُ قُطِعا، وإِن رماه الداخل إِلى خارج وأخذه الآخر فالقطع على الداخل وحده، وإِن نقب أحدهما ودخل الآخر فأخرجه فلا قطع عليهما، ويحتمل أن يقطعا إِلا أن ينقب أحدهما ويذهب فيأتي الآخر من غير علم فيسرق فلا قطع.

فصل

الرابع: أن يخرجه من الحرز، فإِن سرق من غير حرز أو دخل الحرز فأتلفه فيه فلا قطع عليه.
وإِن ابتلع جوهراً أو ذهباً وخرج به، أو نقب ودخل فترك المتاع على بهيمة فخرجت به، أو في ماء جار فأخرجه، أو قال لصغير أو معتوه ادخل فأخرجه ففعل فعليه القطع.
وحرز المال ما جرت العادة بحفظه فيه، ويختلف باختلاف الأموال والبلدان وعدل السلطان وجوره وقوته وضعفه: فحرز الأثمان والجواهر والقماش في الدور والدكاكين في العمران، وراء الأبواب والأغلاق الوثيقة، وحرز البقل والباقلا ونحوه وقدوره وراء الشرايج إِذا كان في السوق حارس، وحرز الحطب والخشب الحظائر، وحرز المواشي الصِّير، وحرزها في المرعى بالراعي ونظره إِليها، وحرز حمولة الإِبل بتقطيرها وقائدها وسائقها إِذا كان يراها، وحرز الثياب في الحمام بالحافظ، وحرز الكفن في القبر على الميت؛ فلو نبش قبراً وأخذ الكفن قطع، وحرز الباب تركيبه في موضعه، فلو سرق رتاج الكعبة أو باب مسجد أو تأزيره قطع، ولا يقطع بسرقة ستائرها، وقال القاضي: يقطع بسرقة المخيطة عليها، وإِن سرق قناديل المسجد أو حصره فعلى وجهين.

الجزء: 1 - الصفحة: 442

وإِن نام إِنسان على ردائه في المسجد فسرق سارق قُطِع، وإِن مال رأسه عنه لم يقطع بسرقته.
وإِن سرق من السوق غزلاً وثمَّ حافظ قُطِع، وإِلا فلا.
ومن سرق من النخل والشجر من غير حرز فلا قطع عليه ويضمن عوضهما مرتين، وقال أبو بكر: ما كان حرزاً لمال فهو حرز لمال آخر.

فصل

الخامس: انتفاء الشبهة فلا يقطع بالسرقة من مال ابنه وإِن سفل، ولا الولد من مال أبيه وإِن علا، والأب والأم في هذا سواء، ولا العبد 13 بالسرقة من مال سيده، ولا مسلم بالسرقة من بيت المال ولا من مال له فيه شركة، أو لأحد ممَّن لا يقطع بالسرقة منه، ومن سرق من الغنيمة ممن له فيها حق أو لِوَلَدِهِ 14 أو لسيده لم يقطع، وهل يقطع أحد الزوجين بالسرقة من مال الآخر المحرز عنه؟ على روايتين.
ويقطع سائر الأقارب بالسرقة من مال أقاربهم، ويقطع المسلم بالسرقة من مال الذمي والمستأمن، ويقطعان بسرقة ماله.
ومن سرق عيناً وادعى أنها ملكه لم يقطع، وعنه يقطع، وعنه لا يقطع إِلا أن يكون معروفاً بالسرقة.
وإِذا سرق المسروق منه مال السارق، أو المغصوب منه مال الغاصب من الحرز الذي فيه العين المسروقة أو المغصوبة لم يقطع، وإِن سرق من غير ذلك الحرز، أو سرق من مال من له عليه دين قطع إِلا أن يعجز عن أخذه فيسرق قدر حقه فلا يقطع، وقال القاضي يقطع.

الجزء: 1 - الصفحة: 443

ومن قطع بسرقة عين ثم عاد فسرقها قطع.
ومن أجَّر داره أو أعارها ثم سرق منها مال المستعير أو المستأجر قطع.

فصل

السادس: ثبوت السرقة بشهادة عدلين، أو إِقرار مرتين.
ولا ينزع عن إِقراره حتى يقطع.
السابع: مطالبة المسروق منه بماله.
وقال أبو بكر: ليس ذلك بشرط.

فصل وإِذا وجب القطع قطعت يده اليمنى من مفصل الكف وحسمت، وهو أن تغمس في زيت مغلي، فإِن عاد قطعت رجله اليسرى من مفصل الكعب وحسمت، فإِن عاد حبس ولم يقطع، وعنه أنه تقطع يده اليسرى في الثالثة والرجل اليمنى في الرابعة.
ومن سرق وليس له يد يمنى قطعت رجله اليسرى وإن سرق وله يمنى فذهبت سقط القطع، وإِن ذهبت يده اليسرى لم تقطع اليمنى على الرواية الأولى، وتقطع على الأخرى، وإِن وجب قطع يمناه فقطع القاطع يسراه عمداً فعليه القود، إِن قطعها خطأ فعليه ديتها، وفي قطع يمين السارق وجهان.
ويجتمع القطع والضمان فيرد العين المسروقة إِلى مالكها، وإِن كانت تالفة غرم قيمتها وقطع، وهل يجب الزيت الذي يحسم به من بيت المال أو من مال السارق؟ على وجهين.

الجزء: 1 - الصفحة: 444

باب حدّ المحاربين

وهم قطاع الطريق، وهم الذين يعرضون للناس بالسلاح في الصحراء فيغصبونهم المال مجاهرة، فأما من يأخذه سرقة فليس بمحارب.
وإِن فعلوا ذلك في البنيان 15 لم يكونوا محاربين في قول الخرقي، وقال أبو بكر حكمهم في المصر والصحراء واحد.
وإِذا قدر عليهم فمن كان منهم قد قَتَل من يكافئه وأخذ المال قتل حتماً وصلب حتى يشتهر، وقال أبو بكر: يصلب قدر ما يقع عليه اسم الصلب، وعن أحمد أنه يقطع من ذلك.
وإِن قتل من لا يكافئه فهل يقتل؟ على روايتين.
وإِن جنى جناية توجب القصاص فيما دون النفس فهل يتحتم استيفاؤه؟ على وجهين، وحكم الرِّدْءِ حكم المباشر.
ومن قتل ولم يأخذ المال قتل، وهل يصلب؟ على روايتين.
ومن أخذ المال ولم يقتل قطعت يده اليمنى ورجله اليسرى في مقام واحد وحُسِمَتَا وخلي، ولا يقطع منهم إِلا من أخذ ما يُقطع السّارق في مثله، وإِن كانت يمينه مقطوعة أو مستحقة في قصاص أو شلاء قطعت رجله اليسرى، وهل تقطع يسرى يديه؟ ينبني على الروايتين في قطع يسرى السارق في المرة الثالثة.
ومن لم يقتل ولا أخذ المال، نُفي وشُرد ولا يترك يأوي إِلى بلد، وعنه أن نفيه تعزيره بما يردعه.
ومن تاب منهم قبل القدرة عليه سقطت عنه حدود الله من الصلب

الجزء: 1 - الصفحة: 445

والقطع والنفي وانحتام القتل، وأخذ بحقوق الآدميين: من الأنفس، والجراح، والأموال، إِلا أن يُعفى له عنها.
ومن وجب عليه حد لله سوى ذلك فتاب قبل إِقامته لم يسقط، وعنه أنه يسقط بمجرد التوبة قبل إِصلاح العمل، ومن مات وعليه حد سقط عنه.

فصل

ومن أُريدت نفسه، أو حرمته، أو ماله، فله الدفع عن ذلك بأسهل ما يعلم دفعه به، فإِن لم يحصل إِلا بالقتل فله ذلك ولا شيء عليه، وإِن قُتِل كان شهيداً، وهل يجب عليه الدفع عن نفسه؟ على روايتين.
وسواء كان الصائل آدمياً أو بهيمة، وإِذا دخل رجل منزله متلصصاً أو صائلاً فحكمه حكم ما ذكرنا.
وإِن عضَّ إِنسانٌ إِنساناً فانتزع يده من فيه فسقطت ثناياه ذهبت هدراً.
وإِن نظر في بيته من خصاص الباب أو نحوه، فَخَذَفَ عينه ففقأها فلا شيء عليه.

باب قتال أهل البغي

وهم القوم الذين يخرجون على الإمام بتأويل سائغ، ولهم منعة وشوكة، وعلى الإِمام أن يراسلهم، ويسألهم ما ينقمون منه، ويزيل ما يذكرونه من مظلمة، ويكشف ما يدعونه من شبهة، فإِن فاؤوا وإِلا قاتلهم، وعلى رعيته معونته على حربهم، فإِن استنظروه مدة رجاء رجوعهم فيها أنظرهم، وإِن ظن أنها مكيدة لم ينظرهم وقاتلهم.
ولا يقاتلهم بما يعم إِتلافه كالمنجنيق والنار إِلا لضرورة، ولا يستعين في حربهم بكافر، وهل يجوز أن يستعين عليهم بسلاحهم وكراعهم؟ على

الجزء: 1 - الصفحة: 446

وجهين.
ولا يتبع لهم مُدْبِرٌ، ولا يُجْهِزُ لهم على جريح، ولا يغنم لهم مال، ولا تسبى لهم ذرية، ومن أسر من رجالهم حبس حتى تنقضي الحرب ثم يرسل.
وِإن أسر صبي أو امرأة فهل يفعل به ذلك أو يخلى في الحال؟ يحتمل وجهين.
وإِذا انقضى الحرب فمن وجد منهم ماله في يد إِنسان أخذه، ولا يضمن أهل العدل ما أتلفوا عليهم حال الحرب من نفس أو مال، وهل يلزم 16 البغاة ما أتلفوه على أهل العدل في الحرب؟ على روايتين.
ومن أتلف في غير حال الحرب شيئاً ضمنه، وما أخذوا في حال امتناعهم من زكاة أو خراج أو جزية لم يعد عليهم ولا على صاحبه، ومن ادعى دفع زكاته إِليهم قبل بغير يمين، وإِن ادعى ذمي دفع جزيته إِليهم لم يقبل إِلا ببينة، وإِن ادعى إِنسان دفع خراجه إِليهم فهل يقبل بغير بينة؟ على وجهين.
وتجوز شهادتهم، ولا يُنقض من حكم حاكمهم إِلا ما يُنقض من حكم غيره.
وإِن استعانوا بأهل الذمة فأعانوهم انتقض عهدهم، إِلا أن يدّعوا أنهم ظنوا أنه يجب عليهم معونة من استعان بهم من المسلمين ونحو ذلك فلا ينتقض عهدهم ويغرمون ما أتلفوه من نفس ومال.
وإِن استعانوا بأهل الحرب وآمنوهم لم يصح أمانهم وأبيح قتلهم.
وإِن أظهر قوم رأي الخوارج ولم يجتمعوا لحرب لم يتعرض لهم، فإِن سَبُّوا الإمام عزرهم، وإِن جنوا جناية أو أتوا حداً أقامه عليهم، وإِن اقتتلت طائفتان لعصبية أو طلب رئاسة فهما ظالمتان، وتضمن كل واحدة ما أتلفت على الأخرى.

الجزء: 1 - الصفحة: 447

باب حكم المرتد

وهو الذي يَكْفُرُ بعد إِسلامه.
فمن أشرك بالله أو جحد ربوبيته أو وحدانيته أو صفة من صفاته، أو اتخذ لله صاحبة أو ولداً، أو جحد نبياً أو كتاباً من كتب الله تعالى أو شيئاً منه، أو سبَّ الله تعالى أو رسوله كُفِّر.
ومن جحد وجوب العبادات الخمس أو شيئاً منها، أو أحل الزنا أو الخمر أو شيئاً من المحرمات الظاهرة المجمع عليها لجهل عُرِّف ذلك، وإِن كان ممن لا يجهل ذلك كُفِّرَ.
وإِن ترك شيئاً من العبادات الخمس تهاوناً لم يُكَفَّرْ، وعنه 17 يُكَفَّرُ إِلا الحج لا يكفر بتأخيره بحال.
فمن ارتد عن الإسلام من الرجال والنساء وهو بالغ عاقل دعى إِليه ثلاثة أيام وضيق عليه، فإِن لم يتب قتل، وعنه لا تجب استتابته بل تستحب ويجوز قتله في الحال.
ويقتل بالسيف، ولا يقتله إِلا الإمام أو نائبه فإِن قتله غيره بغير إِذنه أساء وعزر ولا ضمان عليه سواء قتله قبل الاستتابة أو بعدها.
وإِن عقل الصبي الإِسلام صَحَّ إِسلامه وردته، وعنه يصح إِسلامه دون ردته، وعنه لا يصح شيء منهما حتى يبلغ، والمذهب الأول، وإِن أسلم ثم قال لم أدر ما قلت لم يلتفت إِلى قوله وأجبر على الإِسلام ولا يقتل حتى يبلغ ويجاوز ثلاثة أيام من وقت بلوغه، فإِن ثبت على كفره قتل.

الجزء: 1 - الصفحة: 448

ومن ارتد وهو سكران لم يقتل حتى يصحو وتتم له ثلاثة أيام من وقت ردته، فإِن مات في سكره مات كافراً.
وعنه لا تصح ردته وهل تقبل توبة الزنديق ومن تكررت ردته أو من سب الله تعالى أو رسوله والساحر؟ على روايتين: إِحداهما لا تقبل توبته ويقتل بكل حال.
والأخرى تقبل توبته كغيره.
وتوبة المرتد إِسلامه، وهو: أن يشهد أن لا إِله إِلا الله وأن محمداً عبده ورسوله إِلا أن تكون ردَّته بإِنكار فرض أو إِحلال محرم أو جحد نبي أو كتاب، أو إِلى دين من يعتقد أن محمداً بعث إِلى العرب خاصة فلا يصح إِسلامه حتى يقر بما جحده ويشهد أن محمداً بعث إِلى العالمين أو يقول أنا بريء من كل دين يخالف دين الإِسلام.
وإِذا مات المرتد فأقام وارثه بينة أنه صلى بعد الردة حكم بإِسلامه.
ولا يبطل إِحصان المسلم بردته ولا عبادته التي فعلها في إِسلامه إِذا عاد إِلى الإِسلام.

فصل

ومن ارتد لم يُزلْ ملكه بل يكون ملكه موقوفاً، وتصرفاته موقوفة، فإِن أسلم ثبت ملكه وتصرفاته وإِلا بطلت، وتُقضى ديونه وأُروش جناياته وينفق عليه وعلى من تلزمه مؤنته وما أتلف من شيء ضمنه، ويتخرج في الجماعة الممتنعة أن لا تضمن ما أتلفته، وقال أبو بكر: يزول ملكه بردته ولا يصح تصرفه، وإِن أسلم رد إِليه تمليكاً مستأنفاً.
وإِذا أسلم فهل يلزمه قضاء ما ترك من العبادات؟ على روايتين.
وإِذا ارتد الزوجان ولحقا بدار الحرب ثم قدر عليهما لم يجز استرقاقهما ولا

الجزء: 1 - الصفحة: 449

استرقاق أولادهما الذين ولدوا في دار الإِسلام، ومن لم يسلم منهم قتل ويجوز استرقاق من ولد بعد الردة، وهل يُقَرُّون على كفرهم؟ على روايتين.

فصل

والساحر الذي يركب المكنسة وتسير به في الهواء ونحوه يُكَفَّرُ ويُقْتَلُ، فأما الذي يسحر بالأدوية والتدخين وسقي شيء يضر، فلا يُكَفَّرُ ولا يُقتل ولكن يعزر ويقتص منه إِن فعل ما يوجب القصاص، فأما الذي يعزم على الجن، ويزعم أنه يجمعها فتطيعه فلا يكفر ولا يقتل، وذكره أبو الخطاب في السحرة الذين يقتلون.


الجزء: 1 - الصفحة: 450

فصول الكتاب · 46 فصل
جارٍ التحميل