كتاب الدِّيِّات
كل من أتلف إِنساناً أو جزءاً منه بمباشرة أو سبب فعليه ديته، فإِن كان عمداً محضاً فهي في مال الجاني حالّة، وإِن كان شبه عمد أو خطأ أو ما أُجْرِي مجراه فعلى عاقلته.
ولو ألقى على إِنسان أفعى، أو القاه عليها فقتلته، أو طلب إِنساناً بسيف مجرد فهرب فوقع في شيء تلف به، بصيراً كان أو ضريراً، أو حفر بئراً في فنائه أو وضع حجراً أو صب ماءً في طريق، أوْ بالت فيها دابته ويده عليها، أو رمى قشر بطيخ فيها فتلف به إِنسان وجبت عليه ديته، وإِن حفر بئراً ووضع آخر حجراً فعثر به إِنسان فوقع في البئر فالضمان على واضع الحجر.
وإِن غصب صغيراً فنهشته حية أو أصابته صَاعِقَةٌ ففيه الدية وإِن مات بمرض فعلى وجهين.
وِإن اصطدم نفسان فماتا فعلى عاقلة كل واحد منهما دية الآخر، وإِن كانا راكبين فماتت الدابتان فعلى كل واحد منهما قيمة دابة الآخر، وإِن كان أحدهما يسير والآخر واقفاً فعلى السائر ضمان الواقف ودابته، إِلا أن يكون في طريق ضيق 1 قاعداً أو واقفاً فلا ضمان فيه، وعليه ضمان ما تلف به.
وإن أركب صبيين لا ولاية له عليهما فاصطدما فماتا فعلى عاقلته ديتهما.
الجزء: 1 - الصفحة: 413
وإِن رمى ثلاثة بمنجنيق فقتل الحجر إِنساناً فعلى عاقلة كل واحد منهم ثلث ديته، وإِن قتل أحدهم ففيه ثلاثة أوجه:
أحدها: يلغى فعل نفسه وعلى عاقلة صاحبيه ثلثا الدية.
والثاني: عليهما كمال الدية.
والثالث: على عاقلته ثلث الدية لورثته وثلثاها على عاقلة الآخرين، وإِن كانوا أكثر من ثلاثة فالدية حالّة في أموالهم.
وإِن جنى إِنسان على نفسه أو طرفه خطأ فلا دية له، وعنه على عاقلته ديته لورثته، ودية طرفه لنفسه.
وإِن نزل رجل بئراً فخر عليه آخر فمات الأول من سقطته فعلى عاقلته ديته، وإِن سقط ثالث فمات الثاني به فعلى عاقلته ديته، وإِن مات الأول من سقطتهما فديته على عاقلتهما، وإِن كان الأول جذب الثاني، وجذب الثاني الثالث، فلا شيء على الثالث، وديته على الثاني في أحد الوجهين، وفي الثاني على الأول والثاني نصفين، ودية الثاني على الأول، وإِن كان الأول هلك من وقعة الثالث احتمل أن يكون ضمانه على الثاني، واحتمل أن يكون نصفها على الثاني، وفي نصفها الآخر وجهان.
وإِن خر رجل في زبية أسد فجذب آخر، وجذب الثاني ثالثاً، وجذب الثالث رابعاً فقتلهم الأسد، فالقياس: أن دم الأول هدر وعلى عاقلته دية الثاني، وعلى عاقلة الثاني دية الثالث، وعلى عاقلة الثالث دية الرابع.
وفيه وجه آخر: أن دية الثالث على عاقلة الأول، والثاني نصفين، ودية الرابع على عاقلة الثلاثة أثلاثاً، وروي عن علي رضي الله عنه أنه قضى للأول بربع الدية، وللثاني بثلثها، وللثالث بنصفها، وللرابع بكمالها على من حضرهم، ثم رفع إِلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فأجاز قضاءه، فذهب أحمد إِليه توقيفاً.
الجزء: 1 - الصفحة: 414
ومن اضطر إِلى طعام إِنسان أو شرابه وليس به مثل ضرورته فمنعه حتى مات ضمنه، نص عليه، وخرج عليه أبو الخطاب: كل من أمكنه إِنجاء إِنسان من هلكة فلم يفعل وليس ذلك مِثْلُهُ.
ومن أفزع إِنساناً فأحدث بغائط فعليه ثلث ديته وعنه لا شيء عليه.
فصل
ومن أدب ولده أو امرأته في النشوز، أو المعلم صَبِيَّهُ، أو السلطان رعيته ولم يسرف، فأفضى إِلى تلفه لم يضمنه، ويتخرج وجوب الضمان على ما قاله فيما إِذا أرسل السلطان إِلى امرأة ليحضرها فأجهضت جنينها، أو ماتت، فعلى عاقلته الدية.
وإِن سلم ولده إِلى السابح ليعلمه فغرق لم يضمنه، [ويحتمل أن تضمنه العاقلة، وإِن أمر كبيرٌ (1) عاقلاً ينزل بئراً أو يصعد شجرة فهلك لم يضمنه (2)] إِلا أن يكون الآمر السلطان فهل يضمنه؟ على وجهين، وإِن وضع جرة على سطح فرمتها الريح على إِنسان فتلف لم يضمنه.
باب مقادير دِيَّات النَّفْس
دية الحر المسلم: مائة من الإِبل، أو مائتا بقرة، أو ألفا شاة، أو ألف مثقال مِنَ الذهب 4 أو اثنا عشر ألف درهم.
فهذه الخمسُ أصولٌ في الدية، إِذا أحضر مَنْ عليه الدية شيئاً منها لزمه قبوله.
وفي الحلل روايتان:23
الجزء: 1 - الصفحة: 415
إِحداهما ليست أصلاً في الدية.
وفي الأخرى أنها أصل، وقدرها مائتا حلة من حلل اليمن كل حلة بردان.
وعنه أن الإِبل هي الأصل خاصة وهذه أبدال عنها، فإِن قدر على الإِبل وإِلا انتقل إِليها، فإِن كان القتل عمداً أو شبه عمد وجبت أرباعاً: خمس وعشرون بنت مخاض، وخمس وعشرون بنت لبون، وخمس وعشرون حقة، وخمس وعشرون جذعة، وعنه أنها: ثلاثون حقة، وثلاثون جذعة، وأربعون خلفة في بطونها أولادها.
وهل يعتبر كونها ثنايا؟ على وجهين، وإِن كان خطأ وجبت أخماساً: عشرون بنت مخاض، وعشرون ابن مخاض، وعشرون بنت لبون، وعشرون حقة، وعشرون جذعة.
ويؤخذ في البقر النصف مسنات، والنصف أتبعة، وفي الغنم النصف ثنايا، والنصف أجذعة ولا تعتبر القيمة في شيء من ذلك أن يكون سليماً من العيوب، وقال أبو الخطاب: يعتبر أن يكون قيمة كل بعير مائة وعشرين درهماً، فظاهر هذا أنه يعتبر في الأصول كلها أن تبلغ دية من الأثمان والأول أولى.
ويُؤخذ من الحلل المتعارف: فإِن تنازعا فيها جعلت قيمة كل واحدة ستين درهماً.
فصل
ودية المرأة نصف دية الرجل ويساوي جراحها جراحه إِلى ثلث الدية، فإِذا زادت صارت على النصف، ودية الخنثى المشكل نصف دية ذكر ونصف دية أنثى، وكذلك أرْش جراحه.
الجزء: 1 - الصفحة: 416
فصل
ودية الكتابي نصف دية المسلم، وعنه ثلث ديته، وكذلك جراحهم ونساؤهم على النصف من دياتهم، ودية المجوسي والوثني ثمانمائة درهم، ومن لم تبلغه الدعوة فلا ضمان فيه، وعند أبي الخطاب: إِن كان ذا دين ففيه دية أهل دينه وإِلا فلا شيء فيه.
فصل ودية العبد والأمة قيمتهما بالغة ما بلغت، وعنه لا يبلغ بها دية الحر، وفي جراحه إِن لم يكن مقدراً من الحر ما نقصه، وإِن كان مقدراً في الحر فهو مقدر في العبد من قيمته: ففي يده نصف قيمته، وفي موضحته نصف عشر قيمته سواء 5 نقصته الجناية أقل من ذلك أو أكثر، وعنه أنه يضمن بما نقص، اختاره الخلال، ومن نصفه حر ففيه نصف دية حر ونصف قيمته، وهكذا في جراحه، وإِذا قطع خصيتي عبد أو أنفه أو أذنيه لزمته قيمته للسيد ولم يزل ملكه عنه، وإِن قطع ذكره ثم خصاه لزمته قيمته لقطع الذكر، وقيمة مقطوع الذكر، وملك سيده باق عليه.
فصل
ودية الجنين الحر المسلم إِذا سقط ميتاً غرة عبد أو أمة قيمتها خمس من الإِبل موروثة عنه كأنه سقط حياً، ذكراً كان أو أنثى.
ولا يقبل في الغرة خنثى ولا معيب ولا من له دون سبع سنين، وإِن كان الجنين مملوكاً ففيه
الجزء: 1 - الصفحة: 417
عشر قيمة أمه ذكراً كان أو أنثى، وإِن ضرب بطن أمة فعتقت ثم أسقطت الجنين ففيه غرة، وإِن كان الجنين محكوماً بكفره ففيه عشر دية أُمِّهِ، وإِن كان أحد أبويه كتابياً والآخر مجوسياً اعتبر أكثرهما دية، وإِن سقط الجنين حياً ثم مات ففيه دية حر إِن كان حراً أو قيمته إِن كان مملوكاً إِذا كان سقوطه لوقت يعيش في مثله، وهو أن تضعه لستة أشهر فصاعداً، وإِلا فحكمه حكم الميت، وإِن اختلفا في حياته ولا بينة ففي أيهما يقدم قوله؟ وجهان.
فصل
وذكر أصحابنا أن القتل تغلظ ديته: بالحَرَمِ، والإِحرَامِ، والأشهر الحُرُمُ، والرَّحِمِ المُحَرَّمِ، فيزاد لكل واحد ثلث الدية، فإِذا اجتمع الحرمات الأربع وجب ديتان وثلث.
وظاهر كلام الخرقي أنها لا تغلظ بذلك وهو ظاهر الآية والأخبار، وإِن قتل المسلم كافراً عمداً أضعفت الدية لإِزالة القود كما حكم عثمان بن عفان رضي الله عنه.
فصل
وإِذا جنى العبد خطأ فسيده بالخيار بين فدائه بالأقل من قيمته، أو أَرْش جنايته، أو تسليمه ليباع في الجناية، وعنه إِن أبى تسليمه فعليه فداؤه بأَرْش الجناية كله، فإِن سلمه وأبى ولي الجناية قبوله وقال بعه أنت فهل يلزمه ذلك؟ على روايتين.
وإِن جنى عمداً فعفا الولي عن القصاص على رقبته فهل يملكه بغير رضا السيد؟ على روايتين.
وإِن جنى على اثنين خطأ اشتركا فيه بالحصص، فإِن عفا أحدهما أو مات المجني عليه فعفا بعض ورثته فهل يتعلق حق الباقين بجميع العبد أو بحصتهم منه؟ على وجهين.
وإِن جرح حراً فعفا عنه ثم مات من الجراحة ولا مال له، وقيمة العبد
الجزء: 1 - الصفحة: 418
عشر ديته واختار السيد فداءه وقلنا يفديه بقيمته، صح العفو في ثلثه، وإِن قلنا يفديه بالدية، صح العفو في خمسة أسداسه وللورثة سدسه، لأن العفو صح في شيء من قيمته وله بزيادة الفداء تسعة أشياء، بقي للورثة ألف إِلا عشرة أشياء تعدل شيئين، اجبرْ وقابلْ يخرج الشيء نصف سدس الدية، وللورثة شيئان فتعدل السدس والله أعلم (1).
باب دِيات الأعضاء ومنافعها
ومن أتلف ما في الإِنسان منه شيء واحد ففيه الدَّيَةُ، وهو:
الذكر، والأنف، واللسان الناطق، ولسان الصبي الذي يحركه بالبكاء.
وما فيه منه شيئان ففيهما الدية وفي أحدهما نصفها:
كالعينين، والأذنيني، والشفتين، واللحيين، وثديي المرأة، وثندوتي الرجل، واليدين، والرجلين، والإِليتين، والأنثيين، وأسكتي المرأة.
وعنه في الشفة السفلى ثلثا الدية وفي العليا ثلثها، وفي المنخرين ثلثا الدية وفي الحاجز ثلثها، وعنه في المنخرين الدية وفي الحاجز حكومة، وفي الأجفان الأربعة الدية، وفي كل واحد ربعها، وفي أصابع اليدين الدية، وفي أصابع الرجلين الدية، وفي كل أصبع عشرها، وفي كل أنملة ثلث عقلها إِلا الإِبهام فإِنها مفصلان ففي كل مفصل نصف عقلها، وفي الظفر خمس دية الإِصبع، وفي كل سن خمس من الإِبل إِذا قلعت ممن قد ثغر، والأضراس والأنياب كالأسنان، ويحتمل أن يجب في جميعها دية واحدة.6
الجزء: 1 - الصفحة: 419
وتجب دية اليد والرجل في قطعهما من الكوع والكعب، فإِن قطعهما من فوق ذلك لم يزد على الدية في ظاهر كلامه، وقال القاضي: في الزائد حكومة.
وفي مارن الأنف، وحشفة الذكر، وحلمتي الثديين، وكسر ظاهر السن، دية العضو كاملة، ويحتمل أن يلزم من استوعب الأنف جدعاً دية وحكومة في القصبة، وفي قطع بعض المارن، والأذن، والحلمة واللسان، والشفة، والحشفة، والأنملة، والسن، وشق الحشفة طولاً، بالحساب من ديته يُقَدَّرُ بالأجزاء.
وفي شلل العضو، أو ذهاب نفعه، والجناية على الشفتين بحيث لا ينطبقان على الأسنان، وتسويد السن والظفر بحيث لا يزول ديته، وعنه في تسويد السن ثلث ديتهاو وقال أبو بكر: فيها حكومة.
وفي العضو الأشل: من اليد والرجل: والذكر، والثدي، ولسان الأخرس، والعين القائمة، وشحمة الأذن، وذكر الخصي، والعنين، والسن السوداء، والثدي دون حلمته، والذكر دون حشفته، وقصبة الأنف، واليد، والأصبع الزائدتين حكومة، وعنه ثلث ديته، وعنه في ذكر الخصي والعنين كمال ديته، فلو قطع الأنثيين والذكر معاً، أو الذكر ثم الأنثيين لزمه ديتان، ولو قطع الأنثيين ثم قطع الذكر وجبت دية الأنثيين، وفي الذكر روايتان:
إِحداهما: دية.
والأخرى حكومة أو ثلث الدية.
وإِن أشَلَّ الأنف أو الأذن أو عوجهما ففيه حكومة، وفي قطع الأشل منهما كمال ديته.
وتجب الدية في أنف الأخشم والمخزوم وأذني الأصم، وإِن قطع أنفه
الجزء: 1 - الصفحة: 420
فذهب شمه، أو أذنيه فذهب سمعه، وجبت ديتان.
وسائر الأعضاء إِذا أذهبها بنفعها لم تجب إِلا دية واحدة.
فصل في دية المنافع
وفي كل حاسة دية كاملة، وهي:
السمع، والبصر، والشم، والذوق.
وكذلك تجب في الكلام والعقل، والمشي، والأكل والنكاح، وتجب في الحدب والصَّعَر وهو أن يضربه فيصير الوجه في جانب، وفي تسويد الوجه إِذا لم يزل، وإِذا لم يستمسك الغائط أو البول، ففي كل واحد من ذلك دية كاملة.
وفي نقص شيء من ذلك إِن علم بقدره: مثل نقص العقل بأن يجن يوماً ويفيق يوماً، أو ذهاب بصر إِحدى العينين، أو سمع إِحدى الأذنين.
وفي بعض الكلام بالحساب: يقسم على ثمانية وعشرين حرفاً، ويحتمل أن يقسم على الحروف التي للسان فيها عمل دون الشفوية: كالباء، والفاء، والميم.
وإِن لم يعلم قدره مثل أن صار مدهوشاً، أو نقص سمعه، أو بصره، أو شمه، أو حصل تمتمة أو عجلة، أو نقص مشيه، أو انحنى قليلاً، أو تقلست شفته بعض التقليس، أو تحركت سنه، أو ذهب اللبن من ثدي المرأة، ونحو ذلك، ففيه حكومة.
وإِن قطع بعض اللسان فذهب بعض الكلام، اعتبر أكثرهما: فلو ذهب ربع اللسان ونصف الكلام، أو ربع الكلام ونصف اللسان، وجب نصف الدية، فإِن قطع ربع اللسان فذهب نصف الكلام، ثم قطع آخر بقيته فعلى الأول نصف الدية وعلى الثاني نصفها، ويحتمل أن يجب عليه نصف الدية وحكومة لربع اللسان، وإِن قطع لسانه فذهب نطقه وذوقه لم يجب إِلا دية، وإِن ذهبا مع بقاء اللسان ففيه ديتان.
الجزء: 1 - الصفحة: 421
وإِن كسر صلبه فذهب مشيه ونكاحه ففيه ديتان، ويحتمل أن تجب دية واحدة.
وإِن اختلفا في نقص بصره أو سمعه فالقول قول المجني عليه، وإِذا اختلفا في ذهاب بصره أُرِيَ أهلَ الخبرة وقُرِّبَ الشيء إِلى عينه في وقت غفلته.
وإِن اختلفا في ذهاب سمعه أو شمه أو ذوقه: صيح به في أوقات غفلته، وتتبع بالرائحة المنتنة، وأطعم الأشياء المرة، فإِن فزع مما يدنو من بصره، أو انزعج للصوت، أو عبس للرائحة أو الطعم المر، سقطت دعواه، وإِلا فالقول قوله مع يمينه.
فصل
ولا تجب دية الجُرح حتى يندمل، ولا تجب دية سن ولا ظفر ولا منفعة حتى يُيْئَسَ من عودها، ولو قُلِع سِنٌ كبير أو ظفرٌ ثم نبت، أو رده فالتحم، أو ذهب سمعه أو بصره أو شمه أو ذوقه أو عقله ثم عاد سقطت ديته، وإِن كان قد أخذها ردها، وإِن عاد ناقصاً أو عادت السن أو الظفر قصيراً أو متغيراً فعليه أَرْشُ نقصه، [وعنه في قلع الظفر إِذا نبت على صفته خمسة دنانير، وإِن نبت أسود ففيه عشرة] 7 [وإِن قلع سن صغير ويئس من عودها وجبت ديتها، وقال القاضي فيها حكومة].
(2)
وإِن مات المجني عليه فادعى الجاني عود ما أذهبه فأنكره الولي، فالقول قول الولي.
وإِن جنى على سنه اثنان واختلفا فالقول قول المجني عليه في قدر ما أتلف كل واحد منهما.
الجزء: 1 - الصفحة: 422
فصل
وفي كل واحد من الشعور الأربعة الدية.
وهي:
شعر الرأس.
واللحية.
والحاجبين.
وأهداب العينين.
وفي كل حاجب نصفها، وفي كل هدب ربعها.
وفي بعض ذلك بقسطه من الدية، وإِنما تجب ديته إِذا أزاله على وجه لا يعود فإِن عاد سقطت الدية.
وإِن أبقى من لحيته ما لا جمال فيه: احتمل أن يلزمه بقسطه، واحتمل أن يلزمه كمال الدية.
وإِن قلع الجفن بهدبه لم تجب إِلا دية الجفن.
وإِن قلع اللحيين بما عليهما من الأسنان فعليه ديتهما ودية الأسنان.
وإِن قطع كفاً بأصابعه لم يجب إِلا دية الأصابع، وإِن قطع كفاً عليه بعض الأصابعِ دَخَلَ ما حاذى الأصابع في ديتها، وعليه أَرْشُ باقي الكف، وإِن قطع أَنْمُلةٍ بظفرها فليس عليه إِلا ديتها.
فصل وفي عين الأعور دية كاملة، نص عليه، وإِن قلع الأعور عين صحيح [مماثلة لعينه الصحيحة 8] عمداً فعليه دية كاملة ولا قصاص، ويحتمل
الجزء: 1 - الصفحة: 423
أن تُقْلَعَ عينه ويعطى نصف الدية، وإِن قلعها خطأ فعليه نصف الدية، وإِن قلع عيني صحيح عمداً خُيِّر بين قلع عينه ولا شيء له غيرها، وبين الدية.
وفي يد الأقطع نصف الدية وكذلك في رجله، وعنه فيها دية كاملة.
باب الشجاج وكسر العظام
الشجة اسم لجرح الرأس والوجه خاصة وهي عشر: خمس لا مقدر فيها:
- أولها الحارصة التي تحرص الجلد أي تشقه قليلاً ولا تدميه.
ثم البازلة: التي يسيل منها الدم.
ثم الباضعة: التي تبضع اللحم.
ثم المتلاحمة التي أخذت في اللحم.
ثم السمحاق التي بينها وبين العظم قشرة رقيقة.
فهذه الخمس فيها حكومة في ظاهر المذهب، وعنه في البازلة بعير، وفي الباضعة بعيران، وفي المتلاحمة ثلاثة، وفي السمحاق أربعة.
فصل
وخمس فيها مقدر:
أولها المُوَضِحَةُ التي توضح العظم أي: تبرزه ففيها خمسة أبعرة، وعنه في موضحة الوجه عشرة، والأول المذهب، فإِن عمت الرأس ونزلت إِلى الوجه، فهل هي موضحة أو موضحتان؟ على وجهين.
وإِن أوضحه مُوضِحَتَيْن بينهما حاجز فعليه عشرة، فإِن خُرق ما بينهما
الجزء: 1 - الصفحة: 424
أو ذهب بالسراية صارا موضحة واحدة، وإِن خرقه المجني عليه أو أجنبي فهي ثَلاثُ مَوَاضِح، وإِن اختلفا فيمن خرقه فالقول قول المجني عليه، ومثله لو قطع ثلاث أصابع امرأة فعليه ثلاثون من الإِبل، فإِن قطع الرابعة عاد إِلى عشرين، فإِن اختلفا في قاطعها فالقول قول المجني عليه.
وإِن خرق ما بين الموضحتين في الباطن فهل هي موضحة أو موضحتان؟ على وجهين.
وإِن شج جميع رأسه سمحاقاً إِلا موضعاً منه أوضحه فعليه أرْش موضحة.
ثم الهاشمة وهي التي توضح العظم وتهشمه ففيها عشر من الإِبل، فإِن ضربه بمثقل فهشمه من غير أن يوضحه ففيه حكومة، وقيل يلزمه خمس من الإِبل.
ثم المنقلة وهي التي توضح العظم وتهشم وتُنْقل عظامها، ففيها خمس عشرة من الإِبل.
ثم المأمومة وهي التي تصل إِلى جلدة الدماغ وتسمى أم الدماغ، وتسمى المأمومة آمة، ففيها ثلث الدية.
ثم الدامغة وهي التي تخرق الجلدة ففيها ما في المأمومة.
فصل
وفي الجَائِفَةِ ثلث الدية، وهي التي تصل إِلى باطن الجوف من بطن أو ظهر أو صدر أو نحر، فإِن خرقه من جانب فخرج من جانب آخر فهي جائفتان، وإِن طعنه في خده فوصل إِلى فمه ففيه حكومة، ويحتمل أن تكون جائفة، فإِن جرحه في وركه فوصِل الجُرْحُ إلى جوفه أو أوضحه فوصل الجرح إِلى قفاه، فعليه دية جَائِفةٍ ومُوضَحَةٍ وحكومة لجرح القفاء
الجزء: 1 - الصفحة: 425
والورك، وإِن أجافه ووسع آخر الجرح فهي جائفتان.
وإِن وسَّع ظاهره دون باطنه، أو باطنه دون ظاهره فعليه حكومة، وإِن التحمت الجائفة ففتحها آخر فهي جائفة أخرى.
فصل
وفي الضَّلْع بعير، وفي التَّرقُوتَيْن بعيران، وفي كل واحد من الذراع والزند والفخذ والعضد والساق بعيران، وما عدا ما ذكرنا من الجروح وكسر العظام مثل: خرزة الصلب، والعصعص، ففيه حكومة.
والحكومة إِن يقوم المجني عليه كأنه عبد لا جناية به ثم يقوم وهي به قد برأت فما نقص من القيمة فله مثله من الدية، فإِن كان قيمته وهو صحيح عشرين، وقيمته وبه الجناية تسعة عشر، ففيه نصف عشر ديته، إِلا أن تكون الحكومة في شيء فيه مقدر، فلا يبلغ به أرش المقدر، فإِذا كانت في الشجاج التي دون المُوضِّحةِ لم يبلغ بها أرْش المُوضِّحَةِ، وإِن كانت في أُصْبُع لم يبلغ بها دية الأُصْبُعِ، وإِن كانت في أنملة لم يبلغ بها ديتها، وإِن كانت مما لا تنقص شيئاً بعد الاندمال قومت حال جريان الدم: فإِن لم تنقص شيئاً بحال أو زادته حسناً فلا شيء فيها.
والله أعلم.
باب العاقلة وما تحمله
عاقلة الإِنسان عَصَبَاتُهُ كلهم قريبهم وبعيدهم من النسب والولاء، إِلا عمودي النسبة: آباؤه وأبناؤه.
وعنه أنهم من العاقلة أيضاً.
وليس على فقير، ولا صبي، ولا زائل العقل، ولا امرأة، ولا خنثى مشكل، ولا رقيق، ولا مخالف لدين الجاني حمل شيء، وعنه أن الفقير يحمل من العقل، ويحمل الغائب كما يحمل الحاضر.
الجزء: 1 - الصفحة: 426
وخطأ الإمام والحاكم في أحكامه في بيت المال، وعنه على عاقلته.
وهل يتعاقل أهل الذمة؟ على روايتين.
ولا يعقل ذمي عن حربي، ولا حربي عن ذمي.
ومن لا عاقلة له أو لم تكن له عاقلة تحمل الجميع: فالدية أو باقيها عليه إِن كان ذمياً، وإِن كان مسلماً أخذ من بيت المال فإِن لم يمكن فلا شيء على القاتل، ويحتمل أن تجب في مال القاتل وهو أولى، كما قالوا في المرتد يجب أرْش خطئه في ماله، ولو رمى وهو مسلم فلم يصب السهم حتى ارتد كان عليه في ماله ولو رمى الكافر سهماً ثم أسلم، ثم قتل السهم إِنساناً فديته في ماله، ولو جنى ابن المعتقة ثم انجر ولاؤه، ثم سرت جنايته، فأرْش الجناية في ماله لتعذر حمل العاقلة فكذا هذا.
فصل
ولا تحمل العاقلة: عمداً، ولا عبداً، ولا صلحاً، ولا اعترافاً، ولا ما دون ثلث الدية، ويكون ذلك في مال الجاني حَالاً، إِلَّا غرة الجنين إِذا مات مع أمه فإِن العاقلة تحملها مع دية أمه وإِن ماتا منفردين لم تحملها العاقلة لنقصها عن الثلث، وتحمل جناية الخطأ على الحر إِذا بلغت الثلث، قال أبو بكر: ولا تحمل شبه العبد ويكون في مال القاتل في ثلاث سنين، وقال الخرقي تحمله العاقلة.
وما يحمله كل واحد من العاقلة غير مقدر لكن يرجع فيه إِلى اجتهاد الحاكم: فيحمل كل إِنسان منهم ما يسهل ولا يشق، وقال أبو بكر: يجعل على الموسر نصف دينار، وعلى المتوسط ربعاً، وهل يتكرر ذلك في الأحوال الثلاثة أو لا؟ على وجهين.
ويبدأ بالأقرب فالأقرب فمتى اتسعت أموال الأقربين لها لم
الجزء: 1 - الصفحة: 427
يتجاوزهم، وإِلا انتقل إِلى من يليهم فإِن تساوى جماعة في القرب وزع القدر الذي يلزمهم بينهم.
فصل
وما تحمله العاقلة يجب مؤجلاً في ثلاث سنين: في كل سنة ثلثه إِن كان دية كاملة، وإِن كان الواجب ثلث الدية كأرْش الجائفة وجب في رأس الحول، [وإِن كان نصفها كدية اليد، وجب في رأس الحول (1)] الأول الثلث، وباقيه في رأس الحول الثاني، وإِن كان دية امرأة أو كتابي فكذلك، ويحتمل أن يقسم في ثلاث سنين، وإِن كان أكثر من دية: كما لو جنى عليه فأذهب سمعه وبصره، لم يزد في كل حول على الثلث.
وابتداء الحول في الجرح من حين الاندمال، وفي القتل من حين الموت، وقال القاضي: إِن لم يسر الجرح إِلى شيء فحوله من حين القطع.
ومن مات من العاقلة قبل الحول أو افتقر سقط ما عليه، وإِن مات بعد الحول لم يسقط ما عليه.
وعَمْدُ الصبي والمجنون خطأ تحمله العاقلة، وعنه في الصبي العاقل أن عمده في ماله.
باب كَفَّارة القتل
من قتل نفساً مُحَرَّمَةً خطأ، أو ما أُجري مجراه أو شارك فيها، أو ضرب بطن امرأة فألقت جنيناً ميتاً أو حياً ثم مات، فعليه الكفارة مسلماً كان المقتول أو كافراً، حراً أو عبداً، وسواء كان القاتل كبيراً عاقلاً أو صبياً أو مجنوناً حراً أو عبداً.9
الجزء: 1 - الصفحة: 428
ويكفر العبد بالصيام وعنه أن على المشتركين كفارة واحدة.
وأما القتل المباح كالقصاص والحد وقتل الباغي والصائل فلا كفارة فيه، وفي قتل العمد روايتان:
- إِحداهما لا كفارة فيه اختارها أبو بكر والقاضي.
- والأخرى فيه الكفارة.
باب القسامة
وهي الأيمان المكررة في دعوى القتل.
ولا تثبت إِلا بشروط أربعة:
أحدها: دعوى القتل، ذكراً كان المقتول أو أنثى، حراً أو عبداً، مسلماً أو ذمياً، فأما الجراح فلا قسامة فيه.
الثاني: اللوث: وهو العداوة الظاهرة كنحو ما كان بين الأنصار وأهل خيبر، وكما بين القبائل التي يطلب بعضها بعضاً بثأر في ظاهر المذهب، وعنه ما يدل على أنه ما يغلب على الظن صحة الدعوى: كتفرق جماعة عن قتيل، ووجود قتيل عند من معه سيف ملطخ بدم، وشهادة جماعة ممن لا يثبت القتل بشهادتهم: كالنساء والصبيان ونحو ذلك، فأما قول القتيل فلان قتلني فليس بلوث.
ومتى ادعي القتل مع عدم اللوث عمداً فقال الخرقي لا يحكم له بيمين ولا غيرها، وعن أحمد رضي الله عنه أنه يحلف يميناً واحدة وهي الأولى، وإِن كان خطأ حلف يميناً واحدة.
الثالث: اتفاق الأولياء في الدعوى، فإِن ادعى بعضهم وأنكر بعض لم تثبت القسامة.
الرابع: أن يكون في المدعين رجال عقلاء.
ولا مدخل للنساء والصبيان والمجانين في القسامة عمداً كان القتل أو خطأً.
فإِن كانا اثنين أحدهما غائب أو غير مكلف فللحاضر المكلف أن يحلف ويستحق نصيبه
الجزء: 1 - الصفحة: 429
من الدية وهل يحلف خمسين أو خمساً وعشرين؟ على وجهين.
وإِذا قدم الغائب أو بلغ الصبي حلف خمساً وعشرين وله بقيتها.
[والأولى عندي أنه لا يستحق شيئاً حتى يحلف الآخر (1)]، وذكر الخرقي من شروط القسامة أن تكون الدعوى عمداً توجب القصاص إِذا ثبت القتل، وأن تكون الدعوى على واحد، وقال غيره ليس بشرط، لكن إِن كانت الدعوى عمداً محضاً لم يقسموا إِلا على واحد معين، ويستحقون دمه، وإِن كانت خطأ أو شبه عمد فلهم القسامة على جماعة معينين ويستحقون الدية.
فصل
ويبدأ في القسامة بأيمان المدعين فيحلفون خمسين يميناً، ويختص ذلك بالوُرّاث، وتقسم الأيمان بين الرجال منهم على قدر ميراثهم، فإِن كان الوارث واحداً حلفها، وإِن كانوا جماعة قسمت عليهم على قدر ميراثهم، فإِن كان فيها كسر جُبِر عليهم مثل زوج وابن يحلف الزوج ثلاثة عشر يميناً والابن [ثمانية وثلاثين.
وإِن خلف ثلاثة بنين حلف كل واحد سبع عشرة يميناً 11]، وعنه يحلف من العصبة الوارث منهم وغير الوارث خمسون رجلاً كل واحد يميناً، وإِن لم يحلفوا حلف المُدَّعى عليه خمسين يميناً وبرئ.
وإِن لم يحلف المُدَّعون ولم يرضوا بيمين المُدعى عليه فداه الإِمام من بيت المال، وإِن طلبوا أيمانهم فنكلوا لم يحبسوا وهل تلزمهم الدية أو تكون في بيت المال؟ على روايتين.
-
- *10
الجزء: 1 - الصفحة: 430