المقنع في فقه الإمام أحمد ت الأرناؤوطكتاب النَّفقات
أهل الأثرالأرشيف العلمي

تجب على الرجل نفقة امرأته ما لا غنى لها عنه، وكسوتها بالمعروف، ومسكنها بما يصلح لمثلها، وليس ذلك مقدراً لكنه معتبر بحال الزوجين، فإِذا تنازعا فيها رجع الأمر إِلى الحاكم، فيفرض للموسرة تحت الموسر قدر كفايتها من أرفع خبز البلد وأدمه الذي جرت عادة أمثالهما بأكله، وما تحتاج إِليه من الدهن، وما يكتسي مثلُها من جيد الكتان والقطن والخز والأبريسم، وأقله قميص وسراويل.
ووقاية ومقنعة ومداس وجبة في الشتاء، وللنوم الفراش واللحاف والمخدة، والزلي 1 للجلوس ورفيع الحصر.
وللفقيرة تحت الفقير قدر كفايتها من أدنى خبز البلد وأدمه ودهنه، وما تحتاج إِليه من الكسوة مما يلبسه أمثالهما وينامون فيه ويجلسون عليه.
وللمتوسطة تحت المتوسط، أو إِذا كان أحدهما موسراً والآخر معسراً ما بين ذلك كل على حسب عادته.
وعليه ما يعود بنظافة المرأة من الدهن والسدر وثمن الماء.
ولا تجب الأدوية وأجرة الطَّبيب، فأما الطيب والحناء والخضاب ونحوه فلا يلزمه إِلا أن يريد منها التزين به.
وإِن احتاجت إِلى من يخدمها لكون مثلها لا تخدِمُ نَفْسَها أو لمَرَضِها

الجزء: 1 - الصفحة: 389

لزمه ذلك، فإِن كان لها وإِلا أقام لها خادماً: إِما بشراء، أو كراءٍ، أو عارية، ويلزمه نفقته بقدر نفقة الفقيرين إِلا في النظافة.
ولا يلزمه أكثر من نفقة خادم واحد، فإِن قالت: أنا أخدم نفسي وآخذ ما يلزمك لخادمي لم يكن لها ذلك.
وإِن قال أنا أخدمك فهل يلزمها قبول ذلك؟ على وجهين.

فصل وعليه نفقة المطلقة الرجعية وكسوتها ومسكنها كالزوجة سواء.
وأما البائن بفسخ أو طلاق: فإِن كانت حاملًا فلها النفقة والسكنى وإِلا فلا شيء لها، وعنه لها السكنى.
فإِن لم ينفق عليها بظنها حائلًا ثم تبين أنها حامل 2 فعليه نفقة ما مضى.
وإِن أنفق عليها بظنها حاملًا فبانت حائلًا 3 فهل يرجع عليها بالنفقة؟ على روايتين.
وهل تجب النفقة للحامل لحملها أو لها من أجله؟ على روايتين: إِحداهما أنها لها: فتجب لها حينئذ 4 إِذا كان أحد الزوجين رقيقاً، ولا تجب للناشز ولا للحامل من وطء شبهة أو نكاح فاسد.
والثانية أنها للحمل: فتجب لهؤلاء الثلاث، ولا تجب لها إِذا كان أحدهما رقيقاً، وأما المُتَوَفّى عنها فإِن كانت حائلًا فلا نفقة لها ولا سكنى، وإِن كانت حاملًا فهل لها ذلك؟ على روايتين.

فصل وعليه دفع النفقة إِليها في صدر نهار كل يوم، إِلا أن يتفقا على تأخيرها أو تعجيلها لمدة قليلة أو كثيرة فيجوز.
وإِن طلب أحدهما دفع القيمة لم

الجزء: 1 - الصفحة: 390

يلزم الآخر ذلك، وعليه كسوتها في كل عام، فإِذا قبضتها فسُرقت أو تَلِفَتْ لم يلزمه عوضُها، وإِن انقضت السنة وهي صحيحة فعليه كسوة السنة الأخرى، ويحتمل أن لا يلزمه، وإِن ماتت أو طلقها قبل مضي السنة فهل يرجع عليها بقسط بقية السنة؟ على وجهين.
وإِذا قبضت النفقة فلها التصرف فيها على وجه لا يضر بها ولا ينهك بدنها، وإِن غاب عنها مدة ولم ينفق عليها فعليه نفقة ما مضى، وعنه لا نفقة لها إِلا أن يكون الحاكم قد فرضها لها.

فصل وإِذا بذلت المرأة تسليم نفسها إِليه وهي ممن يوطأ مثلها، أو يتعذر وطؤها لمَرَض أو حيض أو رتقٍ ونحوه لزم زوجها نفقتها سواء كان الزوج صغيراً أو كبيراً، يمكنه الوطء أو لا يمكنه، كالعنين والمجبوب والمريض، وإِن كانت صغيرةً لا يمكن وطؤها لم تجب نفقتها ولا تسليمها إِليه 5 إِذا طلبها، فإِن بذلته والزوج غائب لم يفرض لها حتى يراسله الحاكم ويمضي زمن يمكن أن يقدم في مثله، وإِن منعت تسليم نفسها أو منعها أهلها فلا نفقة لها إِلا أن تمنع نفسها قبل الدخول حتى تقبض صداقها الحالَّ فلها ذلك وتجب نفقتها، وإِن كان بعد الدخول فعلى وجهين بخلاف الأجل.
وإِن سلمت الأمة نفسها ليلاً ونهاراً فهي كالحرة، وإِن كانت تأوي إِليه ليلاً وعند سيدها 6 نهاراً فعلى كل واحد منهما النفقة مدة مقامها عندَهُ.

الجزء: 1 - الصفحة: 391

وإِذا نشزت المرأة أو سافرت بغير إِذنه، أو تطوعت بصوم أو حج أو أحرمت بحج منذور في الذمة فلا نفقة لها، وإِن بعثها في حاجة أو أحرمت بحجة الإِسلام فلها النفقة، وإِن أحرمت بمنذور معين في وقته فعلى وجهين.
وإِن سافرت لحاجتها بإِذنه فلا نفقة لها، ذكره الخرقي، ويحتمل أن لها النفقة.
وإِن اختلفا في نشوزها أو تسليم النفقة إِليها فالقول قولها مع يمينها، وإِن اختلفا في بذل التسليم فالقول قوله مع يمينه.

فصل وإِن أعسر الزوج بنفقتها أو ببعضها أو بالكسوة خيرت بين فسخ النكاح والمقام، وتكون النفقة ديناً في ذمته، فإِن اختارت المقام ثم بدا لها الفسخ فلها ذلك، وعنه ما يدل على أنها لا تملك الفسخ بالإِعسار والمذهب الأول، وإِن أعسر بالنفقة الماضية، أو نفقة الموسر، أو المتوسط، أو الأدم، أو نفقة الخادم فلا فسخ لها، وتكون النفقة ديناً في ذمته، وقال القاضي يسقط، وإِن أعسر بالسكنى أو المهر فهل لها الفسخ؟ على وجهين.
وإِن أعسر زوج الأمة فرضيت، أو زوج الصغيرة والمجنونة لم يكن لوليهن الفسخ ويحتمل أن له ذلك.

فصل وإِن منع النفقة أو بعضها مع اليسار وقدرت له على مال أخذت منه ما يكفيها ويكفي ولدها بالمعروف بغير إِذنه، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - لهند حين قالت له: إِن أبا سفيان رجل شحيح وليس يعطيني من النفقة ما يكفيني وولدي، قال: "خُذي مَا يَكفيكِ وَوَلَدَكِ بِالمَعْرُوفِ" 7. وإِن لم تقدر

الجزء: 1 - الصفحة: 392

أجبره الحاكم وحبسه، فإِن لم ينفق دفع النفقة إِليها من ماله، فإِن غيَّبه وصبر على الحبس فلها الفسخ، وقال القاضي: ليس لها ذلك، وإِن غاب ولم يترك لها نفقة ولم تقدر له على مال ولا الاستدانة عليه، فلها الفسخ إِلا عند القاضي فيما إِذا لم يثبت إِعساره، ولا يجوز الفسخ في ذلك كله إِلا بحكم حاكم [والله أعلم (1)].

باب نفقة الأقارب والمماليك

يجب على الإِنسان نفقة والديه وولده بالمعروف إِذا كانوا فقراء، وله ما ينفق عليهم فاضلًا عن نفقة نفسه وامرأته، وكذلك يلزمه نفقة سائر آبائه وإِن علوا وأولاده وإِن سفلوا ويلزمه نفقة كل من يرثه بفرض أو تعصيب ممن سواهم سواء ورثه الآخر أو لا: كعمته، وعتيقته، وحُكِي عنه إِن لم يرثه الآخر فلا نفقة له، فأما ذوو الأرحام فلا نفقة عليهم رواية واحدة، ذكره القاضي، وقال أبو الخطاب: يخرج في وجوبها عليهم روايتان.
وإِن كان للفقير وُرَّاثٌ 9 فنفقته عليهم على قدر إِرثهم منه؛ فإِذا كان له أم وجد فعلى الأم الثلث والبقاي على الجد، وإِن كانت جدة وأخ فعلى الجدة السدس والباقي على الأخ، وعلى هذا المعنى حساب النفقات، إلاَّ أن يكون له أب فتكون عليه النفقة وحده.
ومن له ابن فقير وأخ موسر فلا نفقة له عليهما، ومن له أم فقيرة وجدة8 = تأخذ بغير علمه ما يكفيها وولدها بالمعروف، ومسلم رقم (1714) في الأقضية: باب قضية هند، من حديث عائشة رضي الله عنها.

الجزء: 1 - الصفحة: 393

موسرة فالنفقة عليها (1). ومن كان صحيحاً مكلفاً لا حرفة له سوى الوالدين فهل تجب نفقته؟ على روايتين.
ومن لم يفضل عنده إِلا نفقة واحد بدأ بالأقرب فالأقرب: فإِن كان له أبوان جعله بينهما فإِن كان معهما ابن ففيه ثلاثة أوجه: أحدها يقسمه بينهم.
والثاني يقدمه عليهما.
والثالث يقدمهما عليه.
وإِن كان له أب وجد أو ابن وابن ابن فالأب والابن أحق.
ولا تجب نفقة الأقارب مع اختلاف الدين وقيل في عمودي النسب روايتان.
وإِن ترك الإِنفاق الواجب مدة لم يلزمه عوضه.
ومن لزمته نفقة رجل فهل تلزمه نفقة امرأته؟ على روايتين.

فصل

وتجب نفقة ظئر الصبي على من تلزمه نفقته، وليس للأب منع المرأة من رضاع ولدها إِذا طلبت، وإِن طلبت أجرة مثلها ووجد من يتبرع برضاعه فهي أحق، وإِن امتنعت من رضاعه لم تجبر إِلا أن يضطر إِليها ويخشى عليه، ولا تجب عليه أجرة الظئر لما زَادَ على الحولين، وإِذا تزوجت المرأة فلزوجها منعها من رضاع ولدها إِلا أن يضطر إِليها.10

الجزء: 1 - الصفحة: 394

فصل

وعلى السيد الإِنفاق على رقيقه قدر كفايتهم وكسوتهم وتزويجهم إِذا طلبوا ذلك إِلا الأمة إِذا كان يستمتع بها، ولا يكلفهم من العمل ما لا يطيقون، ويريحهم وقت القيلولة والنوم وأوقات الصلوات، ويداويهم إِذا مرضوا، ويركبهم عقبة إِذا سافر بهم، وإِذا ولي أحدهم طَعَامَهُ أطعمه منه (1) ولا يَسْتَرْضِعُ الأمة لغير ولدها إِلا أن يكون فيها فضل عن ريه، ولا يجبر العبد على المخارجة فإِن اتفقا عليها جاز.
ومتى امتنع السيد من الواجب عليه فطلب العبد البيع لزمه بيعه.
وله تأديب رقيقه بما يؤدب به ولده وامرأته، وللعبد أن يتسرى بإِذن سيده، وقيل ذلك ينبني على الروايتين في ملك العبد بالتمليك، ولو وهب له سيده أمة لم يكن له التسري بها إِلا بإِذنه.

فصل وعليه إِطعام بهائمه وسقيها، وأن لا يحملها ما لا تطيق، ولا يحلب من لبنها ما يضر بولدها، وإِن عجز عن الإِنفاق عليها أجبر على بيعها، أو إِجارتها، أو ذبحها إِن كانت مما يباح أكله.

باب الحضانة

أحق الناس بحضانة الطفل والمعتوه أمه، ثم أمهاتها الأقرب فالأقرب، ثم الأب ثم أمهاته، ثم الجد ثم أمهاته، ثم الأخت للأبوين، ثم الأخت للأب، ثم الأخت للأم، ثم الخالة ثم العمة في الصحيح عنه.
وعنه الأخت من الأم والخالة أحق من الأب فتكون الأخت من الأبوين11

الجزء: 1 - الصفحة: 395

أحق، ويكون هؤلاء أحق من الأخت من الأب ومن جميع العصبات، وقال الخرقي: وخالة الأب أحق من خالة الأم، ثم تكون للعصبة، إِلا أن الجارية ليس لابن عمها حضانتها لأنه ليس من محارمها.
وإِذا امتنعت الأم من حضانتها انتقلت إِلى أمها، ويحتمل أن تنتقل إِلى الأب، فإِن عُدِم هؤلاء كلهم فهل للرجال من ذوي الأرحام حضانة؟ على وجهين: أحدهما لهم ذلك فيكون أبو الأم وأمهاته أحق من الخال، وفي تقديمهم على الأخ من الأم وجهان.
ولا حضانة لرقيق ولا فاسق ولا كافر على مسلم، ولا لامرأة مزوجة لأجنبي من الطفل، فإِن زالت الموانع منهم رجعوا إِلى حقهم منها.
ومتى أراد أحد الأبوين النقلة إِلى بلد بعيد آمن ليسكنه فالأب أحق بالحضانة، وعنه الأم أحق، فإِن اختل شرط من ذلك فالمقيم منهما أحق.

فصل

وإِذا بلغ الغلام سبع سنين خير بين أبويه فكان مع من اختار منهما، فإِن اختار أباه كان عنده ليلاً ونهاراً.
ولا يمنع زيارة أمه ولا تمنع هي تمريضه.
وإِن اختار أمه كان عندها ليلاً وعند أبيه نهاراً ليعلمه الصناعة والكتابة ويؤدبه، فإِن عاد فاختار الآخر نقل إِليه، ثم إِن اختار الأول رد إِليه، وإِن لم يختر أحدهما أقرع بينهما.
وإِن استوى اثنان في الحضانة كالأختين قدم أحدهما بالقرعة.
وإِن بلغت الجارية سبعاً كانت عند أبيها ولا تمنع الأم من زيارتها وتمريضها.


الجزء: 1 - الصفحة: 396

فصول الكتاب · 46 فصل
جارٍ التحميل