المقنع في فقه الإمام أحمد ت الأرناؤوطكتاب الشركة
أهل الأثرالأرشيف العلمي

وهي على خمسة أضرب: أحدها شركة العنان: وهي أن يشترك اثنان بماليهما ليعملا فيه ببدنيهما وربحه لهما فينفذ تصرف كل واحد منهما فيهما بحكم الملك في نصيبه والوكالة في نصيب شريكه.
ولا تصح إِلا بشرطين: أحدهما: أن يكون رأس المال دراهم أو دنانير، وعنه تصح بالعروض ويجعل رأس المال قيمتها وقت العقد، وهل تصح بالمغشوش والفلوس؟ على وجهين.
والثاني: أن يشرطا لكل واحد جزءاً من الربح مشاعاً معلوماً، فإِن قالا: الربح بيننا فهو بينهما نصفين.
فإِن لم يذكرا الربح أو شرطا لأحدهما جزءاً مجهولًا أو دراهم معلومة، أو ربح أحد الثوبين لم يصح.
وكذلك الحكم في المساقاة والمزارعة، ولا يشترط أن يخلطا المالين ولا أن يكونا من جنس واحد.
وما يشتريه كل واحد منهما بعد عقد الشركة فهو بينهما.
وإِن تلف أحد المالين فهو من ضمانهما والوضيعة على قدر المال.

فصل ويجوز لكل واحد منهما أن يبيع ويشتري ويقبض ويقبّض ويطالب بالدين ويخاصم فيه ويحيل ويحتال ويرد بالعيب ويقر به ويقايل ويفعل كل ما هو من مصلحة تجارتهما.

الجزء: 1 - الصفحة: 195

وليس له أن يكاتب الرقيق ولا يزوجه ولا يعتقه بمال ولا يهب ولا يقرض ولا يحابي ولا يضارب إِلا بالمال ويأخذ به سفتجة ولا يعطيها إِلا بإِذن شريكه.
وهل له أن يودع أو يبيع نسأ أو يبضع أو يوكل فيما يتولى مثله أو يرهن أو يرتهن؟ على وجهين.
وليس له أن يستدين على الشركة.
فإِن فعل فهو عليه وربحه له إِلا أن يأذن شريكه.
وإِن أخر حقه من الدين جاز.
وإِن تقاسما الدين في الذمة لم يصح في إِحدى الروايتين.
وإِن أبرأ من الدين لزم في حقه دون صاحبه.
وكذلك إِن أقر بمال.
وقال القاضي: يقبل إِقراره على مال الشركة.
وعلى كل واحد منهما أن يتولى ما جرت العادة أن يتولاه من نشر الثوب وطيه وختم الكيس وإِحرازه.
فإِن استأجر من يفعل ذلك فالأجرة عليه.
وما جرت العادة أن يستنيب فيه فله أن يستأجر من يفعله.
فإِن فعله ليأخذ أجرته فهل له ذلك؟ على وجهين.

فصل والشروط في الشركة ضربان: صحيح: مثل أن يشترط أن لا يتجر إِلا في نوع من المتاع أو بلد بعينه أو لا يبيع إِلا بنقد معلوم أو لا يسافر بالمال ولا يبيع إِلا من فلان.
وفاسد: مثل أن يشترط ما يعود بجهالة الربح أو ضمان المال أو أن عليه من الوضيعة أكثر من قدر ماله 1 أو أن يوليه ما يختار من السلع، أو يرتفق بها، أو لا يفسخ الشركة مدة بعينها، فما يعود بجهالة الربح يفسد به العقد، ويُخَرَّج في سائرها روايتان.

الجزء: 1 - الصفحة: 196

وإِذا فسد العقد قسم الربح على قدر المالين.
وهل يرجع أحدهما بأجرة عمله؟ على وجهين.

فصل الثاني المضاربة: وهي 2 أن يدفع ماله إِلى آخر ليَتَّجِرَ 3 فيه والربح بينهما.
فإِن قال: خذه واتجر به والربح كله لي فهو إِيضاع، وإِن قال: والربح كله لك فهو قرض.
وإِن قال: والربح بيننا فهو بينهما نصفين.
وإِن قال: خذه مضاربة والربح كله لك أو لي لم يصح.
وإِن قال: لك ثلث الربح صح والباقي لرب المال.
وإِن قال ولي ثلث الربح فهل يصح؟ على وجهين.
وإِن اختلفا لمن الجزء المشروط فهو للعامل.
وكذلك حكم المساقاة والمزارعة.
وحكم المضاربة حكم الشركة فيما للعامل أن يفعله أو لا يفعله، وما يلزمه فعله، وفي الشروط.
وإِن فسدت فالربح لرب المال وللعامل الأجرة.
وعنه له الأقل من الأجرة أو ما شرط له من الربح.
وإِن شرطا تأقيت المضاربة فهل تفسد؟ على روايتين.
وإِن قال بع هذا العَرَض وضارب بثمنه أو اقبض وديعتي وضارب بها، أو إِذا قدم الحاج فضارب بها صح.
وإِن قال: ضارب بالدين الذي عليك لم يصح.
وإِن أخرج مالًا ليعمل فيه هو وآخر والربح بينهما صح ذكره الخِرَقي.

الجزء: 1 - الصفحة: 197

وقال القاضي إِذا شرط المضارب أن يعمل معه رب المال لم يصح وإِن شرط عمل غلامه فعلى وجهين.

فصل وليس للعامل شراء من يعتق على رب المال، فإِن فعل صح وعتق وضمن ثمنه، وعنه يضمن قيمته علم أو لم يعلم، وقال أبو بكر إِن لم يعلم لم يضمن ويحتمل أن لا يصح البيع، وإِن اشترى امرأته صح وانفسخ نكاحه، [فإِن كان قبل الدخول فعلى العامل نصف الصداق 4]، فإِن اشترى من يعتق على نفسه ولم يظهر ربح لم يعتق، وإِن ظهر ربح فهل يعتق؟ على وجهين.
وليس للمضارب أن يضارب لآخر إِذا كان فيه ضرر على الأول، فإِن فعل رد نصيبه من الربح في شركة الأول، وليس لرب المال أن يشتري من مال المضاربة شيئاً لنفسه، وعنه يصح، وكذلك شراء السيد من عبده المأذون.
وإِن اشترى أحد الشريكين نصيب شريكه صح، وإِن اشترى الجميع بطل في نصيبه، وفي نصيب شريكه وجهان، ويتخرَّج أن يصح في الجميع.
وليس للمضارب نفقة إِلا بشرط، فإِن شرطها له وأطلق فله جميع نفقته من المأكول والملبوس بالمعروف، فإِن اختلفا رجع في القوت إِلى الإِطعام في الكفارة، وفي الملبوس إِلى أقل ملبوس مثله، وإِن أذن له في التسري فاشترى جارية ملكها وصار ثمنها قرضاً، نص عليه.

الجزء: 1 - الصفحة: 198

وليس للمضارب ربح حتى يستوفي رأس المال [وهل يُمْلَكُ الربح بالظهور على روايتين 5]، وإِن اشترى سلعتين فربح في إِحداهما وخسر في الأخرى أو تلفت جبرت الوضيعة من الربح، وإِن تلف بعض رأس المال قبل التصرف فيه انفسخت فيه المضاربة وإِن تلف المال ثم اشترى سلعة للمضاربة فهي له وثمنها عليه إِلا أن يجيزه رب المال.
وإِن تلف بعد الشراء فالمضاربة بحالها والثمن على رب المال، وإِذا ظهر الربح لم يكن له أخذ شيء منه إِلا بإِذن رب المال.
[وهل يملك العامل حصته من الربح قبل القسمة؟ على روايتين 6]. وإِن طلب العامل البيع فأبى رب المال أجبر إِن كان فيه ربح وإِلا فلا، وإِن انفسخ القراض والمال عرض فرضي رب المال أن يأخذ بماله عرضاً أو طلب البيع فله ذلك، وإِن كان ديناً لزم العامل تقاضيه وإِن قارض في المرض فالربح من رأس المال، وإِن زاد على أجرة المثل ويقدم به على سائر الغرماء.
وإِن مات المضارب ولم يعرف مال المضاربة فهو دين في تركته وكذلك الوديعة.

فصل والعامل أمين، والقول قوله فيما يدعيه من هلاك وخسران، وما يذكر أنه اشتراه لنفسه أو للقراض، وما يدعي عليه من خيانة، والقول قول رب المال في رده إِليه، وفي الجزء المشروط للعامل، وفي الإِذن في البيع نسأ أو الشراء بكذا، وحكي عنه أن القول قول العامل إِن ادعى أجرة المثل،

الجزء: 1 - الصفحة: 199

وإِن قال العامل ربحت ألفاً ثم خسرتها أو هلكت قُبِلَ قوله، وإِن قال غلطت 7 لم يقبل قوله.

فصل الثالث شركة الوجوه: وهو أن يشتركا على أن يشتريا بجاههما ديناً فما ربحا فهو بينهما، فكل واحد منهما وكيل صاحبه كفيل عنه بالثمن، والملك بينهما على ما شرطاه، والوضيعة على قدر ملكيهما فيه والربح بينهما على ما شرطاه ويحتمل أن يكون على قدر ملكيهما، وهما في التصرفات كشريكي العِنَان.

فصل الرابع شركة الأبدان: وهي أن يشتركا فيما يكسبان بأبدانهما فهي شركة صحيحة.
وما يتقبله أحدهما من العمل يصير في ضمانهما يطالبان به ويلزمهما عمله.
وهل يصح على اختلاف الصنائع؟ على وجهين.
وتصح في الاحتشاش والاصطياد والتلصص على دار الحرب وسائر المباحات.
وإِن مرض أحدهما فالكسب بينهما، فإِن طالبه الصحيح أن يقيم مقامه لزمه ذلك.
وإِذا اشتركا ليحملا على دابتيهما والأجرة بينهما صح، فإِن تقبلا حمل شيء فحملاه عليهما صحت الشركة والأجرة على ما شرطاه.
وإِن أجَّراهما بأعيانهما فلكل واحد منهما أجرة دابته.
وإِن جمعا بين شركة العنان والأبدان والوجوه والمضاربة صح.

الجزء: 1 - الصفحة: 200

فصل

الخامس شركة المفاوضة: وهي أن يُدْخِلا في الشركة الأكساب النادرة: كوجدان لقطة أو ركاز، وما يحصل لهما من ميراث، وما يلزم أحدهما من ضمان غصب أو أَرْش جناية، ونحو ذلك فهذه شركة فاسدة.

باب المُسَاقَاة

تجوز المساقاة في النخل وكل شجر له ثمر مأكول ببعض ثمرته، وتصح بلفظ المساقاة والمعاملة وما في معناهما.
وتصح بلفظ الإِجارة في أحد الوجهين، وقد نص أحمد رحمه الله تعالى في رواية جماعة فيمن قال: أجرتك هذه الأرض بثلث ما يخرج منها أنه يصح، وهذه مزارعة بلفظ الإِجارة ذكره أبو الخطاب.
وقال أكثر أصحابنا هي إِجارة والأول أقيس وأصح.
وهل تصح على ثمرة موجودة؟ على روايتين.
وإِن ساقاه على شجر يغرسه ويعمل عليه حتى يثمر بجزء من الثمرة صح.
والمساقاة عقد جائز في ظاهر كلامه لا يفتقر إِلى ذكر مدة.
ولكل واحد منهما فسخها، فمتى انفسخت بعد ظهور الثمرة فهي بينهما، وإِن فسخ العامل قبل ظهورها فلا شيء له، وإِن فسخ رب المال فعليه للعامل أجرة عمله، وقيل هي عقد لازم تفتقر 8 إِلى ضرب مدة تكمل الثمرة فيها فإِن جعلا مدة لا تكمل فيها لم تصح.
وهل للعامل أجرة؟ على وجهين.
وإِن جعلا مدة قد تكمل فيها وقد

الجزء: 1 - الصفحة: 201

لا تكمل فهل تصح؟ على وجهين.
فإِن قلنا لا تصح فهل للعامل أجرة؟ على وجهين.
وإِن مات العامل تمم الوارث، فإِن أبى استؤجر على العمل من تركته، فإِن تعذرت فلرب المال الفسخ، فإِن فسخ بعد ظهور الثمرة فهو بينهما، وإِن فسخ قبله فهل للعامل أجرة؟ على وجهين.
وكذلك إِن هرب العامل فلم يوجد له ما ينفق عليها فإِن عمل فيها رب المال بإِذن حاكم أو إِشهاد رجع به وإِلا فلا.

فصل

ويلزم العامل ما فيه صلاح الثمرة وزيادتها من السقي والحرث والزبار والتلقيح والتشميس وإِصلاح طرق الماء وموضع التشميس ونحوه، وعلى رب المال ما فيه حفظ الأصل من سد الحيطان وإِجراء الأنهار وحفر البئر والدولاب وما يديره، وقيل ما يتكرر كل عام فهو على العامل وما لا فلا.
وحكم العامل حكم المضارب فيما يقبل قوله فيه وما يرد، وإِن ثبتت خيانته ضم إِليه من يشارفه فإِن لم يمكن حفظه استؤجر من ماله من يعمل العمل.
وإِذا شرط إِن سقي سيحاً فله الربع، وإِن سقى بكلفة فله النصف أو إِن زرعها شعيراً فله الربع، وإِن زرعها حنطة فله النصف لم يصح في أحد الوجهين.
وإِن قال ما زرعت من شعير فلي ربعه، وما زرعت من حنطة فلي نصفه، أو ساقيتك على هذا البستان بالنصف على أن أساقيك الآخر بالربع 9 لم يصح وجها واحداً.

الجزء: 1 - الصفحة: 202

فصل في المُزَارَعَة

وتجوز المزارعة بجزء معلوم يجعل للعامل من الزرع، فإِن كان في الأرض شجر فزارعه الأرض وساقاه على الشجر صح، ولا يشترط كون البذر من رب الأرض وظاهر المذهب اشتراطه، وإِن شرط أن يأخذ رب الأرض مثل بذره ويقتسما الباقي أو شرطا لأحدهما قفزاناً معلومة أو دراهم معلومة أو زرع ناحية معينة من الأرض فسدت المزارعة والمساقاة ومتى فسدت فالزرع لصاحب البذر وعليه أجرة صاحبه.
وحكم المزارعة حكم المساقاة فيما ذكرنا.
والحصاد على العامل نص عليه.
وكذلك الجذاذ.
وعنه أن الجذاذ عليهما.
وإِذا قال المزارع أنا أزرع الأرض ببذري وعواملي وتسقيها بمائك والزرع بيننا فهل يصح؟ على روايتين.
وإِن زارع شريكه في نصيبه صح.

باب الإِجارة

وهي عقد على المنافع تنعقد بلفظ الإِجارة والكراء وما في معناهما، وفي لفظ البيع وجهان.
ولا تصح إِلا بشروط ثلاثة: أحدها معرفة المنفعة: إِما بالعرف كسكنى الدار شهراً وخدمة العبد سنة، وإِما بالوصف كحمل زبرة حديد وزنها كذا إِلى موضع معين، وبناء حائط يذكر طوله وعرضه وسمكه وآلته، وإِجارة أرض معينة لزرع كذا، أو غرس أو بناء معلوم، وإِذا استأجر للركوب ذكر المركوب فرساً أو بعيراً ونحوه، فإِن كان للحمل لم يحتج إِلى ذكره.

الجزء: 1 - الصفحة: 203

فصل

والثاني معرفة الأجرة: بما يحصل به معرفة الثمن إِلا أنه يصح أن يستأجر الأجير بطعامه وكسوته وكذلك الظئر، ويستحب أن تعطى عند الفطام عبداً أو وليدة إِذا كان المسترضع موسراً.
وإِن دفع ثوبه إِلى خياط أو قصار ليعملاه ولهما عادة بأجرة صح ولهما ذلك، وإِن لم يعقدا عقد إِجارة، وكذلك دخول الحمام والركوب في سفينة الملاح، وتجوز إِجارة دار بسكنى دار وخدمة عبد وتزويج امرأة، وتجوز إِجارة الحلي بأجرة من جنسه وقيل لا تصح.
وإِن قال إِن خطت هذا الثوب اليوم فلك درهم وإِن خطته غدا فلك نصف درهم فهل يصح؟ على روايتين.
وإِن قال إِن خطته رومياً فلك درهم وإِن خطته فارسياً فلك نصف درهم فعلى وجهين.
وإِن أكراه دابة وقال إِن رددتها اليوم فكراؤها خمسة: وإن رددتها غداً فكراؤها عشرة فقال أحمد رضي الله عنه لا بأس به، وقال القاضي يصح في اليوم الأول دون الثاني، وإِن أكراه دابة عشرة أيام بعشرة دراهم فما زاد فله بكل يوم درهم فقال أحمد رضي الله تعالى عنه هو جائز وقال القاضي يصح في العشرة وحدها ونص أحمد رحمه الله تعالى على أنه لا يجوز أن يكترى لمدة غزاته، وإِن سمى لكل يوم شيئاً معلوماً فجائز، وإِن أكراه كل شهر بدرهم أو كل دلو بتمرة فالمنصوص أنه يصح وكل ما دخل شهر لزمهما حكم الإِجارة، ولكل واحد منهما 10 الفسخ عند تقضي كل شهر، وقال أبو بكر وابن حامد لا يصح.

الجزء: 1 - الصفحة: 204

فصل

الثالث أن تكون المنفعة مباحة مقصودة: فلا تجوز الإِجارة على الزنا والزمر والغناء، ولا إِجارة الدار لتجعل كنيسة أو بيت نار أو لبيع الخمر، ولا يصح الاستئجار على حمل الميتة والخمر، وعنه يصح ويكره أكل أجرته.

فصل والإِجارة على ضربين: أحدهما إِجارة عينٌ.
فتجوز إِجارة كل عين يمكن استيفاء المنفعة المباحة منها مع بقائها، فيجوز له استئجار حائط ليضع عليه أطراف خشبه، وحيوان ليصيد به إِلا الكلب.
واستئجار كتاب لِيَقْرأ فيه إِلا المصحف في أحد الوجهين، واستئجار النقد للتحلي والوزن لا غير، فإِن أطلق الإِجارة لم يصح في أحد الوجهين، ويصح في الآخر، وينتفع بها في ذلك، ويجوز استئجار ولده لخدمته وامرأته لرضاع ولده وحضانته.
ولا يصح إِلا بشروط خمسة: أحدها: أن يعقد على نفع العين دون أجزائها، فلا تصح إِجارة الطعام للأكل، ولا الشمع ليشعله، ولا حيوان لأخذ لبنه إِلا في الظئر ونقع البئر يدخل تبعاً.
الثاني: معرفة العين برؤية أو صفة في أحد الوجهين وتصح في الآخر بدونه، وللمستأجر خيار الرؤية.
الثالث: القدرة على التسليم، فلا تصح إِجارة الآبق والشارد ولا المغصوب ممن لا يقدر على التسليم، فلا تصح إِجارة الآبق والشارد ولا

الجزء: 1 - الصفحة: 205

المغصوب ممن لا يقدر على أخذه، ولا تجوز إِجارة المشاع مفرداً لغير شريكه، وعنه ما يدل على جوازه.
الرابع: اشتمال العين على المنفعة، فلا تجوز إِجارة بهيمة زمنة للحمل ولا أرض لا تنبت للزرع.
الخامس: كون المنفعة مملوكة للمؤجر أو مأذوناً له فيها، فيجوز للمستأجر إِجارة العين لمن يقوم مقامه، ويجوز للمؤجر وغيره بمثل الأجرة وزيادة، وعنه لا يجوز بزيادة، وعنه إِن جدد فيها عمارة جازت الزيادة وإِلا فلا، وللمستعير إِجارتها إِذا أذن له المعير مدة بعينها، وتجوز إِجارة الوقف، فإِن مات المؤجر فانتقل إِلى من بعده لم تنفسخ الإِجارة في أحد الوجهين، وللثاني حصته من الأجرة (1) فإِذا أجر الوليُّ اليتيمَ، أو السيدُ العبدَ، ثم بلغ الصبي وعتق العبد لم تنفسخ الإِجارة، ويحتمل أن تنفسخ.

فصل

وإِجارة العين تنقسم قسمين: أحدهما: أن تكون على مدة معلومة 12 كإِجارة الدار شهراً والأرض عاماً والعبد للخدمة أو للرعي مدة معلومة ويسمى الأجير فيها الأجير الخاص، ويشترط أن تكون المدة معلومة يغلب على الظن بقاء العين فيها وإِن طالت، ولا يشترط أن تلي العقد فلو أجره سنة خمس في سنة أربع صح سواء كانت العين مشغولة وقت العقد أو لم تكن، وإِذا آجره في أثناء شهر سنة استوفى شهراً بالعدد وباقيها بالأهلة، وعنه يستوفى الجميع11

الجزء: 1 - الصفحة: 206

بالعدد، وكذلك الحكم في كل ما تعتبر فيه الأشهر: كعدة الوفاة، وشهري صيام الكفارة.
القسم الثاني: إِجارتها لعمل معلوم كإِجارة الدابة للركوب إِلى موضع معين، أو بقر لحرث مكان، أو دياس زرع، أو استئجار عبد ليدله على طريق، أو رحى لطحن قفزان معلومة، فيشترط معرفة العمل وضبطه بما لا يختلف.

فصل

الضرب الثاني: عقد على منفعة في الذمة مضبوطة بصفات كالسَّلم: كخياطة ثوب، وبناء دار، وحمل إِلى موضع معين، ولا يكون الأجير فيها إِلا آدمياً جائز التصرف، ويسمى الأجير المشترك.
ولا يجوز الجمع بين تقدير المدة والعمل كقوله استأجرتك لتخيط لي هذا الثوب في يوم ويحتمل أن يصح، ولا تصح الإِجارة على عمل يختص فاعله أن يكون من أهل القربة كالحج والأذان ونحوهما، وعنه تصح فإِن استأجره ليحجمه صح، ويكره للحر أكل أجرته ويطعمه الرقيق والبهائم، وقال القاضي لا تصح.

فصل وللمستأجر استيفاء المنفعة بنفسه وبمثله، ولا يجوز بما هو أكثر ضرراً منه ولا بمن يخالف ضرره ضرره، وله أن يستوفي المنفعة وما دونهما في الضرر من جنسها، فإِذا اكترى لزرع الحنطة فله زرع الشعير ونحوه، وليس له زرع الدخن ونحوه، ولا يملك الغرس ولا البناء، وإِن اكتراها لأحدهما لم يملك الآخر، فإِن اكتراها للغرس ملك الزرع وإِن اكترى دابة للركوب

الجزء: 1 - الصفحة: 207

أو الحمل لم يملك الآخر، وإِن اكتراها لحمل الحديد أو القطن لم يملك حمل الآخر، وإِن فعل فعليه أجرة المثل، وإِن اكتراها لحمولة شيء فزاد عليه أو إِلى موضع فجاوزه فعليه الأجرة المذكورة وأجرة المثل للزائد ذكره الخرقي، وقال أبو بكر عليه أجرة المثل للجميع، وإِن تلفت ضمن قيمتها إِلا أن تكون في يد صاحبها فيضمن نصف قيمتها في أحد الوجهين.

فصل

ويلزم المؤجر كل ما يتمكن به من النفع: كزمام الجمل، ورحله، وحزامه والشد عليه، وشد الأحمال والمحامل، والرفع، والحط، ولزوم البعير 13 لينزل لصلاة الفرض ومفاتيح الدار، وعمارتها، وما جرت عادته به، فأما تفريغ البالوعة والكنف فيلزم المستأجر إِذا تسلمها فارغة.

فصل والإِجارة عقد لازم من الطرفين ليس لأحدهما فسخها، وإِن بدا له قبل تقضي المدة فعليه الأجرة، وإِن حوله المالك قبل تقضيها لم يكن له أجرة لما سكن، نص عليه، ويحتمل أن له من الأجرة بقسطه.
وِإن هرب الأجير حتى انقضت المدة انفسخت الإِجارة، وإِن كانت على عمل خُيِّر المستأجر بين الفسخ والصبر.
وإِن هرب الجمّال أو مات وترك الجمال أنفق عليها الحاكم من مال الجمّال أو أذن للمستأجر في النفقة عليها 14، فإِذا انقضت الإِجارة باعها الحاكم ووفى المنفق وحفظ باقي ثمنها لصاحبه.

الجزء: 1 - الصفحة: 208

وتنفسخ الإِجارة بتلف العين المعقود عليها، وموت الصبي المرتضع، وموت الراكب إِذا لم يكن له من يقوم مقامه في استيفاء المنفعة، وانقلاع الضرس الذي اكترى لقلعه أو برئه ونحو هذا.
وإِن اكترى داراً فانهدمت، أو أرضاً للزرع فانقطع ماؤها انفسخت الإِجارة فيما بقي من المدة في أحد الوجهين، وفي الآخر يثبت للمستأجر خيار الفسخ ولا تنفسخ بموت المكري والمكتري ولا بعذر لأحدهما: مثل أن يكتري للحج فتضيع نفقته.
أو دكاناً فيحترق متاعه.
وإِن غصبت العين خير المستأجر بين الفسخ ومطالبة الغاصب بأجرة المثل، فإِن فسخ فعليه أجرة ما مضى، وقال الخرقي: فإِن جاء أمر غالب يحجز المستأجر عن منفعة ما وقع عليه العقد فعليه من الأجرة بقدر مدة انتفاعه.
ومن استؤجر لعمل شيء فمرض أقيم مقامه من يعمله والأجرة عليه.
وإِن وجد العين معيبة أو حدث بها عيب فله الفسخ وعليه أجرة ما مضى، ويجوز بيع العين المستأجرة ولا تنفسخ الإِجارة إِلا أن يشتريها المستأجر فتفسخ على إِحدى الروايتين.

فصل

ولا ضمان على الأجير الخاص -وهو الذي يسلم نفسه إِلى المستأجر- فيما يَتْلَف في يده إِلا أن يتعدى، ويضمن الأجير المشترك ما جنت يده من تخريق الثوب وغلطه في تفصيله، ولا ضمان عليه فيما تلف من حرزه، أو بغير فعله، ولا أجرة له فيما عمل فيه، وعنه يضمن.
ولا ضمان على حجَّام ولا ختَّان ولا بزاغ ولا طبيب إِذا عرف منهم حذق ولم تجن أيديهم، ولا ضمان على الراعي إِذا لم يتعد.

الجزء: 1 - الصفحة: 209

وإِذا حبس الصانع الثوب على أجرته فتلف ضمنه، وإِن أتلف الثوب بعد عمله خُيِّر مالكه بين تضمينه إِياه غير معمول ولا أجرة له وبين تضمينه إِياه معمولاً ويدفع إِليه أجرته.
وإِذا ضرب المستاجر الدابة بقدر العادة أو كبحها باللجام (1) أو الرائض الدابة لم يضمن ما تلف به، وكذلك المعلم إِذا ضرب الصبي، أو الزوج امرأته في النشوز.
وِإن قال أذنت لي في تفصيله قباء قال بل قميصاً فالقول قول الخياط نص عليه.

فصل

وتجب الأجرة بالعقد نفسه 16 إِلا أن يتفقا على تأخيرها، ولا يجب تسليم أجرة العمل في الذمة حتى يتسلمه.
وإِذا انقضت الإِجارة وفي الأرض غراس أو بناء لم يشترط قلعه عند انقضائها وخُيِّر المالك بين أخذه بالقيمة أو تركه بالأجرة أو قلعه وضمان نقصه، وإِن شرط قلعه لزم ذلك ولم تجب تسوية الأرض إِلا بشرط، وإِن كان فيها زرع بقاؤه بتفريط المستأجر فللمالك أخذه بالقيمة وتركه بالأجرة، وإِن كان بغير تفريط لزم تركه بالأجرة.
وإِذا تسلم العين في الإِجارة الفاسدة حتى انقضت المدة فعليه أجرة المثل سكن أو لم يسكن، وإِذا اكترى بدراهم وأعطاه عنها دنانير ثم انفسخ العقد رجع المستأجر بالدراهم.15

الجزء: 1 - الصفحة: 210

باب السبق

تجوز المسابقة على الدواب والأقدام وسائر الحيوانات والسفن والمزاريق وغيرها، ولا يجوز بعوض إِلا في الخيل والإِبل والسهام بشروط خمسة: أحدها: تعيين المركوب والرماة سواء كانا اثنين أو جماعتين، ولا يشترط تعيين الراكبين ولا القوسين.
الثاني: أن يكون المركوب والقوسان من نوع واحد فلا يجوز بين عربي وهجين ولا بين قوس عربية وفارسية 17 ويحتمل الجواز.
الثالث: تحديد المسافة والغاية ومدى الرمي بما جرت به العادة.
الرابع: كون العوض معلوماً.
الخامس: الخروج عن شبه القمار بأن لا يخرج جميعهم فإِن كان الجعل من الإِمام أو أحد غيرهما أو من أحدهما على أن من سبق أخذه جاز، فإِن جاءا معاً فلا شيء لهما، فإِن سبق المخرج أحرز سبقه ولم يأخذ من الآخر شيئاً، وإِن سبق الآخر أحرز سبق صاحبه.
فإِن أخرجا معاً لم يجز إِلا أن يدخلا بينهما محللاً يكافئ فرسه فرسيهما، أو بعيره بعيريهما، أو رميه رميهما، فإِن سبق أحدهما أحرز السبقين، وإِن سبق معه المحلل فسبقُ الآخر بينهما.
وإِن قال المخرج من سبق فله عشرة ومن صَلَّى فله كذلك لم يصح إِذا كانا اثنين، وإِن قال ومن صَلَّى فله خمسة صح.
وإِن شرطا أن السابق يطعم السبق أصحابه وغيرهم لم يصح الشرط، وفي صحة المسابقة وجهان.

الجزء: 1 - الصفحة: 211

فصل

والمسابقة جعالة لكل واحد منهما فسخها، إِلا أن يظهر لأحدهما الفضل فيكون له الفسخ دون صاحبه، وتنفسخ بموت أحد المتعاقدين، وقيل هي عقد لازم ليس لأحدهما فسخها لكنها تنفسخ بموت أحد المركوبين وأحد الراميين [ولا تنفسخ بموت الراكبين (1)] ولا تلف أحد القوسين، ويقوم وارث الميت مقامه فإِن لم يكن له وارث أقام الحاكم مقامه من تركته.
والسبق في الخيل بالرأس إِذا تماثلت الأعناف، وفي مختلفي العنق والإِبل بالكتف، ولا يجوز أن يجنب أحدهما مع فرسه فرساً يحرضه على العدو، ولا يصيح به في وقت سباقه لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - "لا جلب ولا جَنب" (2).

فصل في المناضلة

ويشترط لها شروط أربعة: أحدها: أن تكون على من يحسن الرمي فإِن كان في أحد الحزبين من لا يحسن الرمي بطل العقد فيه وأخرج من الحزب الآخر مثله، ولهم الفسخ إِن أحبوا.
الثاني: معرفة عدد الرشق وعدد الإِصابة.
الثالث: معرفة الرمي هل هو مفاضلة أو مبادرة.
فالمبادرة أن [يقولا: من سبق إِلى خمس إِصابات من عشرين رمية فقد سبق فأيهما سبق إِليها مع 20] تساويهما في الرمي فهو السابق، ولا يلزم إِتمام الرمي.1819

الجزء: 1 - الصفحة: 212

والمفاضلة أن يقولا: أينا فضل صاحبه بخمس إِصابات من عشرين رمية فقد سبق 21، فأيهما فضل بذلك فهو السابق.
وإِذا أطلق الإِصابة تناولها على أي صفة كانت، فإِن قالا: "خواصل" كان تأكيداً لأنه اسم لها كيف كانت، وإِن قالا: "خواسق" وهو ما خرق الغرض وثبت فيه، أو "خوازق" وهو ما خزقه ولم يثبت فيه، أو "خواصر" وهو ما وقع في أحد جانبي الغرض تقيدت بذلك، وإِن شرطا إِصابة موضع من الغرض كالدائرة فيه تقيد به.
والرابع: معرفة قدر الغرض وطوله وعرضه وسمكه وارتفاعه من الأرض.
وإِن تشاحا في المبتدئ بالرمي أقرع بينهما وقيل يقدم من له مزية بإِخراج السبق.
وإِذا بدأ أحدهما في وجه بدأ الآخر في الثاني.
والسنة أن يكون لهما غرضان إِذا بدأ أحدهما بغرض بدأ الآخر بالثاني، وإِذا أطارت الريح الغرض فوقع السهم موضعه فإِن كان شرطهم "خواصل" احتسب به، وإِن كان "خواسق" لم يحتسب له به ولا عليه، وإِن عرض عارض من كسر قوس أو قطع وتر أو ريح شديدة لم يحتسب عليه بالسهم، وإِن عرض مطر أو ظلمة جاز تأخير الرمي، ويكره للأمين والشهود مدح أحدهما لما فيه من كسر قلب صاحبه.
هذا آخر الجزء الثالث من أجزاء المصنف رحمه الله.

      • = الصفحة ذاتها على أن "ش" مقابلة على عدة نسخ.

الجزء: 1 - الصفحة: 213

فصول الكتاب · 46 فصل
جارٍ التحميل