كتاب الحَجْر
وهو على ضربين 1: حجر لحق الغير فذكر منه ههنا الحجر على المفلس، ومن لزمه دين مؤجل لم يطالب به قبل أجله، ولم يحجر عليه من أجْلِهِ، فإِن أراد سفراً يحل الدين قبل مدته فلغريمه منعه إِلا أن يوثقه برهن أو كفيل، وإِن كان لا يحل قبله ففي منعه روايتان.
وإِن كان حالًا وله مال يفي بدينه لم يحجر عليه ويأمره الحاكم بوفائه، فإِن أبى حبسه، فإِن أصر باع ماله وقضى دينه، وإِن ادعى الإِعسار وكان دينه عن عوض كالبيع والقرض أو عرف له مال سابق حبس إِلا أن يقيم البينة على نفاد ماله وإِعساره، وهل يحلف معها؟ على وجهين، فإِن لم يكن كذلك حلف وخلى سبيله.
وإِن كان له مال لا يفي بدينه فسأل غرماؤه الحاكم الحجر عليه 2 لزمته إِجابتهم ويستحب إِظهاره والإِشهاد عليه.
فصل ويتعلق بالحجر عليه أربعة أحكام: أحدها: تعلق حق الغرماء بماله فلا يقبل إِقراره عليه، ولا يصح تصرفه فيه، إِلا العتق على إِحدى الروايتين، وإِن تصرف في ذمته بشراء أو ضمان أو إِقرار صح وتبع به بعد فك الحجر عنه، وإِن جنى شارك المجنى عليه الغرماء، وإِن جنى عبده قدم المجني عليه بثمنه.
الجزء: 1 - الصفحة: 186
فصل
الثاني: أن من وجد عنده عيناً باعها إِياه فهو أحق بها، بشرط أن يكون المفلس حياً ولم ينقد من ثمنها شيئاً، والسلعة بحالها لم يتلف بعضها، ولم تتغير صفتها بما يزيل اسمها: كنسج الغزل وخبز الدقيق، ولم يتعلق بها حق من شفعة أو جناية أو رهن ونحوه، ولم تزد زيادةً مُتصلة كالسِّمَن وتَعَلُّم صنعة، وعنه أن الزيادة لا تمنع الرجوع، فأما الزيادة المنفصلة والنقص بهزال أو نسيان صنعة فلا يمنع الرجوع، والزيادة للمفلس، وعنه للبائع.
وإِن صبغ الثوب أو قصره لم يمنع الرجوع والزيادة للمفلس، وإِن غرس الأرض وبنى فيها فله الرجوع ودفع قيمة الغراس والبناء فيملكه إِلا أن يختار المفلس والغرماء القلع ومشاركته بالنقص، وإِن أبوا القلع وأبى دفع القيمة سقط الرجوع.
فصل
الحكم الثالث: بيع الحاكم ماله وقسم ثمنه، وينبغي أن يحضره ويحضر الغرماء ويبيع كل شيء في سوقه ويترك له من ماله ما تدعو إِليه حاجته من مسكن وخادم وينفق عليه بالمعروف إِلى أن يفرغ من قسمه بين غرمائه، ويبدأ ببيع ما يسرع إِليه الفساد ثم بالحيوان ثم بالأثاث ثم بالعقار، ويعطى المنادي أجرته من المال، ويبدأ بالمجني عليه فيدفع إِليه الأقل من الأَرْش أو ثمن الجاني، ثم بمن له رهن فيخص بثمنه، وإِن فَضَلَ له فَضْلُ ضرب به مع الغرماء، وإِن فضل منه فضل رُدَّ على المال.
ثم بمن له عين مال يأخذها، ثم يقسم الباقي بين باقي الغرماء على قدر
الجزء: 1 - الصفحة: 187
ديونهم، فإِن كان فيهم من له دين مؤجل لم يحل، وعنه أنه يحل فيشاركهم.
ومن مات وعليه دين مؤجل لم يحل إِذا وثق الورثة، وعنه أنه يحل، وإِن ظهر غريم بعد قسم ماله رجع على الغرماء بقسطه، وإِن بقيت 3 على المفلس بقية وله صنعة فهل يجبر على إِيجار نفسه لقضائها؟ على روايتين.
ولا ينفك عنه الحجر إِلا بحكم حاكم، فإِذا فك عنه الحجر فلزمته ديون وحجر عليه شارك غرماء الحجر الأول غرماء الحجر الثاني.
وإِن كان للمفلس حق له به شاهد فأبى أن يحلف معه لم يكن لغرمائه أن يحلفوا.
فصل الحكم الرابع: انقطاع المطالبة عن المُفْلس، فمن أقرضه شيئاً أو باعه لم يملك مطالبته حتى يفك الحجر عنه.
فصل
الضرب الثاني [من ضروب الحجر] 4: المحجور عليه لِحَظِّه: وهو الصبي والمجنون والسفيه، فلا يصح تصرفهم قبل الإِذن، ومن دفع إِليهم ماله ببيع أو قرض رجع فيه ما كان باقياً، وإِن تلف فهو من ضمان مالكه علم بالحجر أو لم يعلم.
وإِن جَنَوْا فعليهم أَرْش الجناية.
ومتى عقل المجنون وبلغ الصبي ورشدا انفك الحجر عنهما بغير حكم
الجزء: 1 - الصفحة: 188
حاكم ودفع إِليهما مالهما، ولا ينفك قبل ذلك بحال.
والبلوغ يحصل بالاحتلام أو بلوغ خمس عشرة سنة أو نبات الشعر الخشن حول القبل، وتزيد الجارية بالحيض والحمل 5.
والرشد الصلاح في المال، ولا يدفع إِليه ماله حتى يختبر، فإِن كان من أولاد التجار فبأن يتكرر منه البيع والشراء فلا يغبن، وإِن كان من أولاد الرؤساء والكتاب فبأن يستوفي على وكيله فيما وكله فيه.
والجارية بشرائها القطن واستجادته ودفعها الأجرة إِلى الغزالات والاستيفاء عليهن.
وأن يحفظ ما في يده عن صرفه فيما لا فائدة له فيه كالقمار والغناء وشراء المحرمات ونحوه.
وعنه لا يدفع إِلى الجارية مالها بعد رشدها حتى تتزوج أو تلد أو تقيم في بيت الزوج سنة ووقت الاختيار قبل البلوغ، وعنه بعده.
فصل
ولا تثبت الولاية على الصبي والمجنون إِلا للأب ثم لوصيه ثم للحاكم، ولا يجوز لوليهما أن يتصرف في مالهما إِلا على وجه الحظ لهما، فإِن تبرع أو حابى أو زاد على النفقة عليهما أو على من تلزمهما مؤنته بالمعروف ضمن.
ولا يجوز أن يشتري من مالهما شيئاً لنفسه ولا يبيعهما إِلا الأب، ولوليهما مكاتبة رقيقهما وعتقه على مال، وتزويج إِمائهما، والسفر بمالهما والمضاربة به، والربح كله لليتيم، وله دفعه مضاربة بجزء من الربح وبيعه نسأ وقرضه برهن وشراء العقار لهما وبناؤه بما جرت عادة أهل بلده به إِذا رأى المصلحة في ذلك كله، وله شراء الأضحية لليتيم الموسر
الجزء: 1 - الصفحة: 189
نص عليه، وتركه في المكتب وأداء الأجرة عنه، ولا يبيع عقارهم إِلا لضرورة أو غبطةٍ وهو أن يزاد في ثمنه الثلث فصاعداً، وإِن وصَّى لأحدهما بمن يعتق عليه ولا تلزمه نفقته لإِعسار الموصى له أو لغير ذلك، وجب على الولي قبول الوصية وإِلا لم يجز له قبولها.
فصل
ومن فك عنه الحجر فعاود السفه أعيد الحجر عليه، ولا ينظر في ماله إِلا الحاكم، ولا ينفك عنه الحجر إِلا بحكمه، وقيل ينفك بمجرد رشده.
ويستحب إِظهار الحجر عليه والإِشهاد عليه لتُجْتَنَب معاملته، ويصح تزويجه بإِذن وليه، وقال القاضي يصح من غير إِذنه، وهل يصح عتقه؟ على روايتين.
وإِن أقر بحد أو قصاص أو نسب أو طلق زوجته أخذ به، وإِن أقر بمال لم يلزمه في حال حجره، ويحتمل أن لا يلزمه مطلقاً، وحكم تصرف وليه حكم تصرف ولي الصبي والمجنون.
فصل
وللولي أن يأكل من مال المُولى عليه بقدر عمله إِذا احتاج إِليه، وهل يلزمه عوض ذلك إِذا أيسر؟ على روايتين.
وكذلك يُخَرَّج في الناظر في الوقف، ومتى زال الحجر فادَّعى على الولي تعدياً أو ما يوجب ضماناً فالقول قول الولي، وكذلك القول قوله في دفع المال إِليه بعد رشده، [ويحتمل أن لا يقبل قوله في دفع المال إِليه إِلا ببينة 6]، وهل للزوج أن يحجر على امرأته في التبرع بما زاد على الثلث من مالها؟ على روايتين.
الجزء: 1 - الصفحة: 190
فصل
في الإِذن
يجوز لولي الصّبي المميز أن يأذن له في التجارة في إِحدى الروايتين، ويجوز ذلك لسيد العبد، ولا ينفك عنهما الحجر إِلا فيما أُذِنَ لهما فيه وفي النوع الذي أمرا به، وإِن أذن له في جميع أنواع التجارة لم يجز له أن يؤجر نفسه ولا يتوكل لغيره، وهل له أن يُوَكِّل فيما يتولى مثله بنفسه؟ على روايتين.
وإِن رآه سيده أو وليه يتجر فلم ينهه لم يصر مأذوناً له، وما استدان العبد فهو في رقبته يفديه سيده أو يسلمه، وعنه يتعلق بذمته ويتبع به بعد العتق، إِلا المأذون له هل يتعلق برقبته أو بذمة سيده؟ على روايتين.
وإِذا باع السيد عبده المأذون له (1) شيئاً لم يصح في أحد الوجهين، ويصح في الآخر إِذا كان عليه دين (2) بقدر قيمته، ويصح إِقرار المأذون في قدر ما أذن له فيه، وإِن حجر عليه وفي يده مال ثم أذن له فأقر به صح، ولا يبطل الإِذن بالإِباق، ولا يصح تبرع المأذون له بهبة الدراهم وكسوة الثياب، ويجوز هديته للمأكول وإِعارة دابته، وهل لغير المأذون الصدقة من قوته بالرغيف إِذا لم يضر به ونحوه؟ على روايتين.
وهل للمرأة الصدقة من بيت زوجها بغير إِذنه بنحو ذلك؟ على روايتين.
باب الوكالة
تصح الوكالة بكل قول يدل على الإِذن، وكل قول أو فعل يدل على القبول، ويصح القبول على الفور والتراخي: بأن يوكله في بيع شيء فيبيعه بعد سنة أو يبلغه أنه وكله منذ شهر فيقول قبلت، ولا يجوز التوكيل78
الجزء: 1 - الصفحة: 191
والتوكل في شيء إِلا ممن يصح تصرفه فيه 9 ويجوز التوكيل في كل حق آدمي من العقود والفسوخ والعتق والطلاق والرجعة وتملك المباحات من الصيد والحشيش ونحوه إِلا الظهار واللعان والأيمان، ويجوز أن يوكل من يقبل له النكاح ومن يزوج وليته إِذا كان الوكيل ممن يصح منه ذلك لنفسه وموليته، ويصح في كل حق لله تعالى تدخله النيابة من العبادات والحدود في إِثباتها واستيفائها، ويجوز الاستيفاء في حضرة الموكل وغيبته، إِلا القصاص وحد القذف عند بعض أصحابنا لا يجوز في غيبته، ولا يجوز للوكيل التوكيل فيما يتولى مثله بنفسه إِلا بإِذن الموكل، وعنه يجوز، وكذلك الوصي والحاكم، ويجوز توكيله فيما لا يتولى مثله بنفسه أو يعجز عنه لكثرته، ويجوز توكيل عبد غيره بإِذن سيده ولا يجوز بغير إِذنه، وإِن وكله بإِذنه في شراء نفسه من سيده فعلى وجهين.
والوكالة عقد جائز من الطرفين لكل منهما فسخها، وتبطل بالموت والجنون والحجر للسفيه، وكذلك كل عقد جائز كالشركة والمضاربة، ولا تبطل بالسكر والإِغماء والتعدي.
وهل تبطل بالردة وحرية عبده؟ على وجهين.
وهل ينعزل الوكيل بالموت والعزل قبل علمه؟ على روايتين.
وإِذا وكل اثنين لم يجز لأحدهما الانفراد بالتصرف إِلا أن يُجْعَلَ ذلك إِليه، ولا يجوز للوكيل في البيع أن يبيع لنفسه، وعنه يجوز إِذا زاد على مبلغ ثمنه في النداء أو وكل من يبيع وكان هو أحد المشترين.
وهل يجوز أن يبيعه لولده أو والده أو مكاتبه؟ على وجهين، ولا يجوز أن يبيع نسأ ولا بغير نقد البلد، ويحتمل أن يجوز كالمضارب، وإِن باع بدون ثمن المثل أو بأنقص مما قدره له صح وضمن النقص، ويحتمل أن لا يصح، وإِن باع بأكثر منه صح سواء أكانت الزيادة من جنس الثمن الذي
الجزء: 1 - الصفحة: 192
أمر به أو لم تكن، وإِن قال بعه بدرهم فباعه بدينار صح في أحد الوجهين، وإِن قال: بعه بألف نسأ فباعه بألف حالة صح إِن كان لا يستضر بحفظ الثمن في الحال، وإِن وكله في الشراء فاشترى بأكثر من ثمن المثل أو بأكثر مما قدره له أو وكله في بيع شيء فباع نصفه بدون ثمن الكل لم يصح، وإِن اشتراه بما قدره له مؤجلًا أو قال اشتر لي شاة بدينار فاشترى شاتين تساوي إِحداهما ديناراً، أو اشترى شاة تساوي ديناراً بأقل منه صح وإِلا لم يصح.
وليس له شراء معيب فإِن وجد بما اشترى عيباً فله الرد، فإِن قال البائع موكلك قد رضي بالعيب فالقول قول الوكيل مع يمينه أنه لا يعلم ذلك، فإِن رده فصدق الموكل البائع في الرضى بالعيب فهل يصح الرد؟ على وجهين.
وإِن وكله في شراء معين فاشتراه ووجده معيباً فهل له رده قبل إِعلام الموكل؟ على وجهين.
فإِن قال اشتر لي بعين هذا الثمن فاشترى له في ذمته لم يلزم الموكل، وإِن قال اشتر لي في ذمتك وانقد الثمن فاشترى بعينه صح.
وإِن أمره ببيعه في سوق بثمن فباعه به في آخر صح، وإِن قال بعه لزيد فباعه من غيره لم يصح، وإِن وكله في بيع شيء ملك تسليمه ولم يملك قبض ثمنه صح إِلا بقرينة، فإِن تعذر قبضه لم يلزم الوكيل شيء، وإِن وكله في بيع فاسد أو كل قليل وكثير لم يصح، وإِن وكله في بيع ماله كله صح، وإِن قال اشتر ما شئت أو عبداً بما شئت لم يصح حتى يذكر النوع وقدر الثمن، وعنه ما يدل على أنه يصح، وإِن وكله في الخصومة لم يكن وكيلًا في القبض، وإِن وكله في القبض كان وكيلًا في الخصومة في أحد الوجهين، وإِن وكله في قبض الحق من إِنسان لم يكن له قبضه من وارثه، وإِن قال اقبض حقي الذي قبله فله القبض من وارثه، فإِن قال اقبضه اليوم لم يملك قبضه غداً، وإِن وكله في الإِيداع فأودع ولم يشهد لم يضمن، وإِن وكله في قضاء دين فقضاه ولم يشهد فأنكره الغريم ضمن إِلا أن يقضيه بحضرة الموكل.
الجزء: 1 - الصفحة: 193
فصل
والوكيل أمين لا ضمان عليه فيما تلف في يده بغير تفريط، والقول قوله مع يمينه في الهلاك ونفي التفريط، وإِن قال بعت الثوب وقبضت الثمن فتلف فالقول قوله، وإِن اختلفا في رده إِلى الموكل فالقول قوله إِن كان متطوعاً، وإِن كان بِجُعْل فعلى وجهين، وكذلك يُخَرَّج في الأجير والمرتهن، وإِن قال أذنت لي في البيع نسأ وفي الشراء بخمسة فأنكره فعلى وجهين، وإِن قال وكلتني أن أتزوج لك فلانة ففعلت وصدقته المرأة فأنكره فالقول قول المنكر بغير يمين، وهل يلزم الوكيل نصف الصداق؟ على وجهين.
ويجوز التوكيل بجعل وبغيره، فلو قال بع ثوبي بعشرة فما زاد فلك صح.
نص عليه.
فصل
فإِن كان عليه حق لإِنسان فادعى رَجُلٌ 10 أنه وكيل صاحبه في قبضه فصدقه 11 لم يلزمه الدفع إِليه وإِن كذبه لم يستحلف، فإِن دفع إِليه فأنكر صاحب الحق الوكالة حلف ورجع على الدافع وحده، وإِن كان المدفوع وديعة فوجدها أخذها، فإِن تلفت فله تضمين من شاء منهما ولا يرجع من ضمنه على الآخر.
وإِن كان ادعى أن صاحب الحق أحاله به ففي وجوب الدفع إِليه مع التصديق واليمين مع الإِنكار وجهان.
وإِن ادعى أنه مات وأنا وارثه لزمه الدفع إِليه مع التصديق واليمين مع الإِنكار.
الجزء: 1 - الصفحة: 194