المقنع في فقه الإمام أحمد ت الأرناؤوطكتاب الجهاد
أهل الأثرالأرشيف العلمي

وهو فرض كفاية، ولا يجب إِلا على ذكر حر مكلف مستطيع، وهو الصحيح الواجد لزاده وما يحمله إِذا كان بعيداً.
واقل ما يفعل مرة في كل عام إِلا أن تدعو حاجة إِلى تأخيره، ومن حضر الصف من أهل فرض الجهاد وحصر العدو بلده تعين عليه.
وأفضل ما يتطوع به الجهاد، وغزو البحر أفضل من غزو البر، ويُغْزى مع كل بر وفاجر، ويقاتل كل قوم من يليهم من العدو.
وتمام الرباط أربعون يوماً 1، وهو لزوم الثغر للجهاد، ولا يستحب نقل أهله إِليه، وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "رباط يوم في سبيل الله خير من ألف يوم فيما سواه من المنازل" 2. وتجب الهجرة على من يعجز عن إِظهار دينه في دار الحرب، ويستحب لمن قدر عليه.
ولا يجاهد من عليه دين لا وفاء له، ومن أحدُ أبويه مسلمٌ إِلا بإِذن غريمه وأبيه، إِلا أن يتعين عليه الجهاد فإِنه لا طاعة لهما في ترك فريضة، ولا يحل للمسلمين الفرار من ضعفهم إِلا متحرفين لقتال أو متحيزين إِلى

الجزء: 1 - الصفحة: 136

فئة، وإِن زاد الكفار فلهم الفرار إِلا أن يغلب على ظنهم الظفر.
وإِن ألقي في مركبهم نار فعلوا ما يرون السلامة فيه، فإِن شكوا فعلوا ما شاءوا من المقام أو إِلقاء نفوسهم في الماء، وعنه يلزمهم المقام.

فصل ويجوز تبيين الكفار، ورميهم بالمنجنيق، وقطع المياه عنهم، وهدم حصونهم.
ولا يجوز إِحراق نخل [ولا تغريقه 3]، ولا عقر دابة ولا شاة إِلا لأكل يحتاج إِليه.
وفي حرق شجرهم وزرعهم وقطعه روايتان: إِحداهما يجوز إِن لم يضر بالمسلمين.
والأخرى لا يجوز إِلا أن لا يقدر عليهم إِلا به أو يكونوا يفعلونه بنا.
وكذلك رميهم بالنار، وفتح الماء ليغرقهم.
وإِذا ظُفِرَ بهم لم يُقْتل صبي ولا امرأة، ولا واهب، ولا شيخٌ فانٍ وَلاَ زَمِنٌ، ولا أعمى لا رأي لهم إِلا أن يقاتلوا، فإِن تترسوا بهم جاز رميهم ويقصد المقاتلة، وإِن تترسوا بمسلمين لم يجز رميهم إِلا أن يخاف على المسلمين فيرميهم ويقصد الكفار.
ومن أسر أسيراً لم يجز له قتله حتى يأتي به الإِمام إِلا أن يمتنع من المسير معه ولا يمكنه إِكراهه، ويخير الأمير في الأسرى بين القتل والاسترقاق والمن والفداء بمسلم أو مال، وعنه لا يجوز بمال إِلا غير الكتابي ففي استرقاقه روايتان.
ولا يجوز أن يختار إِلا الأصلح للمسلمين، فإِن أسلموا رَقُّوا في الحال 4.

الجزء: 1 - الصفحة: 137

ومن سُبِي من أطفالهم منفرداً أو مع أحد أبويه فهو مسلم، وإِن سبي مع أبويه فهو على دينهما.
ولا ينفسخ النكاح باسترقاق الزوجين، وإِن سبيت المرأة وحدها انفسخ نكاحها وحلت لسابيها.
وهل يجوز بيع من استرق منهم للمشركين؟ على روايتين.
ولا يفرق في البيع بين ذوي رحم محرم إِلا بعد البلوغ على إِحدى الروايتين.
وإِذا حصر الإِمام حصناً لزمه مصابرته إِذا رأى المصلحة فيه، فإِن أسلموا، أو من أسلم منهم، أحرز دمه وماله وأولاده الصغار، وإِن سألوا الموادعة بمال أو غيره جاز وإِن كانت المصلحة فيه، وإِن نزلوا على حكم حاكم جاز إِذا كان مسلماً حراً بالغاً عاقلًا من أهل الاجتهاد، ولا يحكم إِلا بما فيه حظ للمسلمين من القتل والسبي والفداء، فإِن حكم بالمن لزم قبوله في أحد الوجهين، وإِن حكم بقتل أو سبي فاسلموا عصموا دماءهم.
وفي استرقاقهم وجهان.

باب ما يلزم الإِمام والجيش

يلزم الإِمام عند مسير الجيش تعاهد الخيل والرجال، فما لا يصلح للحرب يمنعه من الدخول، ويمنع المخذِّل والمرجف والنساء إِلا طاعنة في السن لسقي الماء ومعالجة الجرحى، ولا يستعين بمشرك إِلا عند الحاجة إِليه، ويرفق بهم في السير، ويعد لهم الزاد، ويقوي نفوسهم بما يخيل إِليهم من أسباب النصر، ويعرّف عليهم العرفاء، ويعقد لهم الألوية والرايات، ويجعل لكل طائفة شعاراً يتداعون به عند الحرب.
ويتخير لهم المنازل، ويتبع مكامنها فيحفظها ويبث العيون على العدو حتى لا يخفى عليه أمرهم.
ويمنع جيشه من الفساد والمعاصي وَيَعِدُ ذا الصبر بالأجر والنفل.
ويشاور ذا الرأي.
ويَصُفُّ جيشه ويجعل في كل جنبه كفؤاً.
ولا يميل مع قريبه وذي مذهبه على غيره.

الجزء: 1 - الصفحة: 138

ويجوز له أن يبذل جعلا لمن يديه على طريق أو قلعة أو ماء.
ويجب أن يكون معلوماً إِلا أن يكون من مال الكفار فيجوز مجهولًا، فإِن جعل له جارية منهم فماتت قبل الفتح فلا شيء له، وإِن أسلمت قبل الفتح فله قيمتها، وإِن أسلمت بعده سلمت إِليه إِلا أن يكون كافراً فله قيمتها، فإِن فتحت صلحاً ولم يشترطوا الجارية فله قيمتها، فإِن أبى إِلا الجارية وامتنعوا من بذلها فسخ الصلح، ويحتمل أن لا يكون له إِلا قيمتها.
وله أن يُنْفَل في البداة الربع بعد الخمس وفي الرجعة الثلث بعده، وذلك إِذا دخل الجيش بعث سرية تغير، فإِذا رجع بعث أخرى فما أتت به أخرج خمسه وأعطى السرية ما جعل لها وقسم الباقي للجيش والسَّرية معاً (1).

فصل

ويلزم الجيش طاعة الأمير، والنصح له، والصبر معه.
ولا يجوز لأحد أن يتعلف ولا يحتطب ولا يبارز ولا يخرج من المعسكر ولا يحدث حدثاً إِلا بإِذنه.
فإِن دعا كافر إِلى البراز استحب لمن يعلم من نفسه القوة والشجاعة مبارزته بإذن الأمير، فإِن شرط الكافر أن لا يقاتله غير الخارج إِليه فله شرطه، فإِن انهزم المسلم أو أثخن بالجراح جاز الدفع عنه، وإِن قتله المسلم فله سلبه، وكل من قتل قتيلًا فله سلبه غير مخموس إِذا قتله حال الحرب منهمكاً على القتال غير مثخن وغرر بنفسه في قتله، وعنه لا يستحقه إِلا من شرط له، فإِن قطع أربعته وقتله آخر فسلبه للقاطع، وإِن5

الجزء: 1 - الصفحة: 139

قتله اثنان فسلبه غنيمة، [وقال القاضي: هو لهما، وإِن أسره فقتله الإِمام فسلبه غنيمة، وقال القاضي: هو لمن أسره، وإِن قطع يده ورجله وقتله آخر فسلبه غنيمة (1)]، وقيل هو للقاتل.
والسلب ما كان عليه من ثياب وحلي وسلاح والدابة بآلتها، وعنه أن الدابة ليست من السلب ونفقته وخيمته ورحله غنيمة.
ولا يجوز الغزو إِلا بإِذن الأمير إِلا أن يفجأهم عدو يخافون كَلَبه، فإِن دخل قوم لا منعة لهم دار الحرب بغير إِذنه فغنموا فغنيمتهم فيء، وعنه هي لهم بعد الخمس، وعنه هي لهم لا خمس فيها، ومن أخذ من دار الحرب طعاماً أو علفاً فله أكله وعلف دابته بغير إِذن وليس له بيعه، فإِن باعه رد ثمنه في المغنم، وإِن فضل معه منه شيء فأدخله البلد رده في الغنيمة إِلا أن يكون يسيراً فله أكله في إِحدى الروايتين، ومن أخذ سلاحاً فله أن يقاتل به حتى تنقضي الحرب ثم يرده، وليس له ركوب الفرس في إِحدى الروايتين.

باب قِسْمَةُ الغنائم

الغنيمة كل مال أخذ من المشركين قهراً بالقتال، وإِن أخذ منهم مال مسلم فأدركه صاحبه قبل قسمه فهو أحق به، وإِن أدركه مقسوماً فهو أحق به بثمنه، وعنه لا حق له فيه، وإِن أخذه منهم أحد الرعية بثمن فصاحبه أحق به بثمنه، وإِن أخذ بغير عوض فهو أحق به بغير شيء.
[ويملك الكفار أموال المسلمين بالقهر ذكره القاضي 7]. وقال أبو الخطاب ظاهر كلام أحمد رحمه الله تعالى أنهم لا يملكونها.6

الجزء: 1 - الصفحة: 140

وما أُخذ من دار الحرب من ركاز أو مباح له قيمة فهو غنيمة، وتملك الغنيمة بالاستيلاء عليها في دار الحرب، ويجوز قسمها فيها، وهي لمن شهد الوقعة من أهل القتال، قاتل أو لم يقاتل من تجار العسكر وأجرائهم (من) 8 الذين يستعدون للقتال، فأما المريض العاجز عن القتال والمخذّل والمرجف والفرس الضعيف العجيف فلا حق له، وإِذا لحق مدد أو هرب أسير فأدركوا الحرب قبل تقضيها أسهم لهم، وإِن جاءوا بعد إِحراز الغنيمة فلا شيء لهم، وإِذا أراد القسمة بدأ بالأسلاب فدفعها إِلى أهلها، ثم أخرج أجرة الذين جمعوا الغنيمة وحملوها وحفظوها، ثم يخمس الباقي فيقسم خُمْسَةُ على خمسة أسهم.
سهم لله تعالى وللرسول - صلى الله عليه وسلم - يصرف مصرف الفيء.
وسهم لذوي القربى وهم بنو هاشم وبنو المطلب حيث كانوا للذكر مثل حظ الأنثيين غنيهم وفقيرهم فيه سواء.
وسهم لليتامى الفقراء.
وسهم للمساكين.
وسهم لأبناء السبيل من المسلمين.
ثم يعطي النفل بعد ذلك، ويرضخ لمن لا سهم له وهم العبيد والنساء والصبيان، وفي الكافر روايتان: إِحداهما يرضخ له.
والأخرى يسهم له.
ولا يبلغ بالرضخ للراجل سهم راجل ولا للفارس سهم فارس، فإِن تغير حالهم قبل تقضي الحرب أسهم لهم.
وإِن غزا العبد على فرس لسيده قُسِم للفرس ورُضِخ للعبد، ثم يقسم باقي الغنيمة للراجل سهم وللفارس

الجزء: 1 - الصفحة: 141

ثلاثة أسهم: سهم له وسهمان لفرسه، إِلا أن يكون فرسه هجيناً أو برذوناً فيكون له سهم، وعنه له سهمان كالعربي، ولا يسهم لأكثر من فرسين، ولا يسهم لغير الخيل، وقال الخرقي من غزا على بعير لا يقدر على غيره قسم له ولبعيره سهمان.
ومن دخل دار الحرب راجلًا ثم ملك فرساً أو استعاره، أو استأجره، وشهد به الوقعة، فله سهم فارس، فإِن دخل فارساً فنفق فرسه، أو شرد حتى تقضى الحرب فله سهم راجل، ومن غصب فرساً فقاتل عليه فسهم الفرس لمالكه.
وإِذا قال الإِمام من أخذ شيئاً فهو له أو فضَّل بعض الغانمين على بعض لم يجز في إِحدى الروايتين، ويجوز في الأخرى، ومن استُؤْجِر للجهاد ممن لا يلزمه من العبيد والكفار فليس له إِلا الأجرة، ومن مات بعد انقضاء الحرب فسهمه لوارثه، ويشارك الجيش سراياه فيما غنمت ويشاركونه فيما غنم.
وإِذا قسمت الغنيمة في أرض الحرب فتبايعوها ثم غلب عليها العدو فهي من مال المشتري في إِحدى الروايتين اختارها الخَلاَّلُ وصاحبه 9، والأخرى من مال البائع اختارها الخرقي، ومن وطئ جارية من المغنم ممن له فيها حق أو لولده أُدِّب ولم يبلغ به الحدّ وعليه مهرها، إِلا أن تلد منه فيكون عليه قيمتها وتصير أم ولد له والولدُ حر ثابت النسب، ومن أعتق منهم عبداً عتق عليه قدر حقه وقُوِّم عليه باقيه إِن كان موسراً، وكذلك إِن كان فيهم من يعتق عليه، والغالّ من الغنيمة يحرق رحله كله إِلا السلاح والمصحف 10 والحيوان، وما أخذ من الفدية أو أهداه الكفار لأمير الجيش أو بعض قواده فهو غنيمة.

الجزء: 1 - الصفحة: 142

باب حكم الأرضين المغنومة

وهي على 11 ثلاثة أضرب: أحدها: ما فتح عنوة، وهي ما أجلي عنها أهلها بالسيف، فيخير الإِمام بين قسمها ووقفها للمسلمين 12، ويضرب عليها خراجاً مستمراً يؤخذ ممن هي في يده يكون أجرة لها، وعنه تفسير وقفاً بالاسْتِيلاَءِ نَفْسِهِ، وعنه تقسم بين الغانمين.
الثاني: ما جلا عنها أهلها خوفاً فتصير وقفاً بالظهور عليها نفسه، وعنه حكمها حكم العنوة.
الثالث: ما صولحوا عليه وهو ضربان: أحدهما: أن يصالحهم على أن الأرض لنا ونقرها معهم بالخراج، فهذه تفسير وقفاً أيضاً.
الثاني: أن يصالحهم على أنها لهم ولنا الخراج عليها فهذه ملك لهم، خراجها كالجزية إِن أسلموا سقط عنهم، وإِن انتقلت إِلى مسلم فلا خراج عليه، ويقرون فيها بغير جزية لأنهم في غير دار الإِسلام بخلاف التي قبلها، والمرجع في الخراج والجزية إِلى اجتهاد الإِمام في الزيادة (4) والنقصان على قدر الطاقة، وعنه يرجع إِلى ما ضربه عمر رضي الله تعالى عنه ولا يزاد ولا ينقص، وعنه تجوز الزيادة 13 دون النقص، قال أحمد وأبو عبيد رحمهما الله تعالى: أعلى وأصح حديث في أرض السواد حديث

الجزء: 1 - الصفحة: 143

عمرو بن ميمون (1) يعني أن عمر رضي الله تعالى عنه وضع على كل جريب درهماً وقفيزاً، وقدر القفيز (2) ثمانية أرطال يعني بالمكي فيكون ستة عشر رطلًا بالعراقي، والجريب عشر قصبات في عشر قصبات، والقصبة ستة أذرع وهو ذراع وسط وقبضة وإِبهام قائمة، وما لا يناله الماء مما لا يمكن زرعه فلا خراج عليه، فإِن أمكن زرعه عاماً بعد عام وجب نصف خراجه في كل عام.
والخراج على المالك دون المستأجر، وهو كالدين يحبس به الموسر ويُنْظَر به المعسر، ومن عجز عن عمارة أرضه أجبر على إِجارتها أو رفع يده عنها، ويجوز له أن يرشو العامل ويهدي له ليدفع عنه الظلم في خراجه ولا يجوز ذلك (3) ليدع له منه شيئاً، وإِن رأى الإِمام المصلحة في إِسقاط الخراج عن إِنسان جاز.

باب الفيء

وهو ما أخذ من مال مشرك بغير قتال: كالجزية، والخراج، والعشر وما تركوه فزعاً، وخمس خمس الغنيمة.
ومال من مات لا وارث له، فيصرف في المصالح.
ويبدأ بالأهم فالأهم: من سد الثغور وكفاية أهلها، وما يحتاج إِليه من يدفع عن المسلمين.
ثم الأهم فالأهم: من سد البثوق، وكري الأنهار، وعمل القناطر، وأرزاق القضاة وغير ذلك.
ولا يخمس.
وقال الخرقي يخمس فيصرف خمسه إِلى أهل الخمس وباقيه للمصالح، وإِن فضل منه فضل قسم بين المسلمين.
ويبدأ بالمهاجرين،141516

الجزء: 1 - الصفحة: 144

ويقدم الأقرب فالأقرب من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ثم الأنصار، ثم سائر المسلمين.
وهل يفاضل بينهم على روايتين.
ومن مات بعد حلول وقت العطاء دفع إِلى ورثته حقه.
ومن مات من أجناد المسلمين دفع إِلى امرأته وأولاده الصغار كفايتهم، فإِذا بلغ ذكورهم فاختاروا أن يكونوا في المقاتلة فرض لهم، وإِن لم يختاروا تركوا.

باب الأمان

يصح أمان المسلم المكلف ذكراً كان أو أنثى حراً أو عبداً مطلقاً أو أسيراً.
وفي أمان الصبي المميز روايتان.
ويصح أمان الإِمام لجميع المشركين.
وأمان الأمير لمن جعل بإِزائه، وأمان أحد الرعية للواحد والعشرة والقافلة.
ومن قال لكافر أنت آمن أو لا بأس عليك أو أجرتك أو قف أو ألق سلاحك أو مترس فقد أمَّنه، ومن جاء بمشرك فادَّعى أنه أمَّنه فأنكره فالقول قوله، وعنه قول الأسير، وعنه قول من يدل الحال على صدقه.
ومن أعطى أماناً ليفتح حصناً ففتحه واشتبه عليه فيهم حَرُمَ قتلهم واسترقاقهم، وقال أبو بكر يخرج واحد بالقرعة ويسترق الباقون.
ويجوز عقد الأمان للرسول والمستأمن ويقيمون مدة الهدنة بغير جزية، وقال أبو الخطاب لا يقيمون سنة 17 إِلا بجزية، ومن دخل دار الإِسلام بغير أمان فادعى أنه رسول أو تاجر ومعه متاع يبيعه قبل منه، وإِن كان جاسوساً خير الإِمام فيه كالأسير، وإِن كان ممن ضل الطريق أو حملته الريح في مركب إِلينا فهو لمن أخذه، وعنه يكون فيئاً للمسلمين.
وإِذا أودع المستأمن ماله مسلماً أو أقرضه إِياه ثم عاد إِلى دار الحرب

الجزء: 1 - الصفحة: 145

بقي الأمان في ماله ويبعث إِليه إِن طلبه، وإِن مات فهو لوارثه فإِن لم يكن له وارث فهو فيء.
وإِن أسر الكفار مسلماً فاطلقوه بشرط أن يقيم عندهم مدة لزمه الوفاء لهم، وإِن لم يشترطوا شيئاً أو شرطوا كونه رقيقاً فله أن يقتل ويسرق ويهرب، وإِن أطلقوه بشرط أن يبعث إِليهم مالاً وإِن عجز عاد إِليهم لزمه الوفاء إِلا أن يكون امرأة فلا ترجع إِليهم، وقال الخرقي رحمه الله لا يرجع الرجل أيضاً.

باب الهُدْنَة

ولا يصح عقد الهدنة والذّمة إِلا من الإِمام أو نائبه، فمتى رأى المصلحة في عقد الهدنة جاز له عقدها مدة معلومة وإِن طالت، وعنه لا يجوز في أكثر من عشر سنين، فإِن زاد على عشر بطل في الزيادة، وفي العشر وجهان.
وإِن هادنهم مطلقاً لم يصح، وإِن شرط شرطاً فاسداً: كنقضها متى شاء، ورد النساء إِليهم أو صداقهن، أو سلاحهم، أو إِدخالهم الحرم بطل الشرط، وفي العقد وجهان.
وإِن شرط رد من جاء من الرجال مسلماً جاز ولا يمنعهم أخذه ولا يجبره على ذلك، وله أن يأمره بقتالهم والفرار منهم، وعلى الإِمام حماية من هادنه من المسلمين دون غيرهم، وإِن سباهم كفار آخرون لم يجز لنا شراؤهم، وإِن خاف نقض العهد منهم نبذ إِليهم عهدهم.

باب عقد الذّمة

لا يجوز عقدها إِلا لأهل الكتاب، وهم اليهود والنصارى ومن يوافقهم في التدين بالتوراة والإِنجيل كالسامرة والفرنج، ومن له شبهة كتاب وهم المجوس، وعنه يجوز عقدها لجميع الكفار إِلا عبدة الأوثان من العرب، فأما الصابئ فينظر فيه: فإِن انتسب إِلى أحد الكتابين فهو من أهله وإِلا

الجزء: 1 - الصفحة: 146

فلا، ومن تهود أو تنصر بعد بعث نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - أو ولد بين أبوين لا تقبل الجزية من أحدهما فعلى وجهين.
ولا تؤخذ الجزية من نصارى بني تغلب، وتؤخذ الزكاة من أموالهم مثل ما تؤخذ من المسلمين، ويؤخذ ذلك من نسائهم وصبيانهم ومجانينهم ومصرفه مصرف الجزية، وقال الخرقي مصرف الزكاة، ولا يؤخذ من كتابي غيرهم، وقال القاضي: تؤخذ من نصارى العرب ويهودهم.
ولا جزية على صبي ولا امرأة ولا مجنون ولا زَمِن ولا أعمى ولا عبد ولا فقير يعجز عنها، ومن بلغ أو أفاق أو استغنى فهو من أهلها بالعقد الأول، ويؤخذ منه في آخر الحول بقدر ما أدرك، ومن كان يجن ويفيق لفقت إِفاقته فإِذا بلغت حولًا أخذت منه، ويحتمل أن تؤخذ في آخر كل حول بقدر إِفاقته منه.
وتقسم الجزية بينهم فيجعل على الغني ثمانية وأربعون درهماً وعلى المتوسط أربعة وعشرون وعلى الفقير اثنا عشر.
والغني منهم من عده الناس غنياً في ظاهر المذهب.
ومتى بذلوا الواجب عليهم لزم قَبُولُه وحَرُم قتالهم، ومن أسلم بعد الحول سقطت عنه الجزية، وإِن مات أخذت من تركته، وقال القاضي: تسقط.
وإِن اجتمعت عليه جزية سنين استوفيت كلها.
وتؤخذ الجزية في (آخر) 18 الحول، ويمتهنون عند أخذها، ويطال قيامهم وتجر أيديهم، ويجوز أن يشرط عليهم ضيافة من يمر بهم من المسلمين، وتبين قدر أيام الضيافة وقدر الطعام والإِدام والعلف وعدد من يضاف، ولا تجب من غير شرط، وقيل تجب.

الجزء: 1 - الصفحة: 147

وإِذا تولى إِمام فعرف قدر جزيتهم وما شرط عليهم أقرهم عليه، وإِن لم يعرف رجع إِلى قولهم فإِن بان له كذبهم رجع عليهم، وعند أبي الخطاب أنه يستأنف العقد معهم.
وإِذا عقد الذمة كتب أسماءهم وأسماء آبائهم وحلاهم ودينهم، وجعل لكل طائفة عريفاً يكشف حال من بلغ واستغنى وأسلم وسافر ونقض العهد وخرق شيئاً من أحكام الذمة.

باب أحكام الذِّمَّة

يلزم الإِمام أن يأخذهم بأحكام المسلمين في ضمان النفس والمال والعرض وإِقامة الحدود عليهم فيما يعتقدون تحريمه دون ما يعتقدون حله.
ويلزمهم التميز عن المسلمين في شعورهم: بحذف مقادم رؤوسهم وترك الفرق، وكناهم: فلا يتكنوا بكنى المسلمين كأبي القاسم وأبي عبد الله، وركوبهم: بترك الركوب على السروج وركوبهم عرضاً على الأُكُف، ولباسهم: فيلبسون ثوباً يخالف ثيابهم كالعسلي والأدكن، وشد الخرق في قلانسهم وعمائمهم، وتؤمر النصارى بشد الزنار فوق ثيابهم، ويجعل في رقابهم خواتيم الرصاص أو جلجل يدخل معهم الحمام، ولا يجوز تصديرهم في المجالس ولا بدايتهم بالسلام، وإِن سلم أحدهم قيل له وعليكم، وفي تهنئتهم وتعزيتهم وعيادتهم روايتان.
ويمنعون تعلية البنيان على المسلمين وفي مساواتهم وجهان، وإِن ملكوا داراً عالية من مسلم لم يجب نقضها.
ويمنعون من إِحداث الكنائس والبيع، ولا يمنعون من رم شعثها، وفي بناء ما استهدم منها روايتان.

الجزء: 1 - الصفحة: 148

ويمنعون إِظهار المنكر وضرب الناقوس والجهر بكتابهم، وإِن صولحوا في بلادهم على إِعطاء الجزية لم يمنعوا شيئاً من ذلك.
ويمنعون دخول الحرم، فإِن قدم رسول لا بد له من لقاء الإِمام خرج إِليه ولم يأذن له، فإِن دخل عزر وهدد فإِن مرض في الحرم أو مات أخرج، فإِن دفن نبش، إِلا أن يكون قد بلي.
ويمنعون الإِقامة بالحجاز كالمدينة واليمامة وخيبر، فإِن دخلوا لتجارة لم يقيموا في موضع واحد أكثر من أربعة أيام، فإِن مرض لم يخرج حتى يبرأ، وإِن مات دفن به، ولا يمنعون من تيماء وفيد ونحوهما.
وهل لهم دخول المساجد بإِذن مسلم؟ على روايتين.

فصل

وإِن اعتبر ذمي إِلى غير بلده ثم عاد فعليه نصف العشر، فإِن اعتبر حربي إِلينا أخذ منه العشر، ولا يؤخذ من أقل من عشرة دنانير، ويؤخذ كل عام مرة، وقال أبو حامد: يؤخذ من الحربي كما دخل إِلينا.
وعلى الإِمام حفظهم، والمنع من أذاهم، واستنقاذ من أسر منهم.
وإِذا تحاكموا إِلى الحاكم مع مسلم لزمه الحكم بينهم، وإِن تحاكم بعضهم مع بعض أو استعدى بعضهم على بعض خُيِّر بين الحكم بينهم وبين تركهم، ولا يحكم إِلا بحكم الإِسلام.
وإِن تبايعوا بيوعاً فاسدة وتقابضوا لم ينقض فعلهم، وإِن لم يتقابضوا فسخه (الحاكم) 19 سواء كان قد حكم بينهم حاكمهم أم لا.
وإِن تهوّد نصراني أو تنصَّر يهودي لم يقر ولا يقبل منه إِلا الإِسلام أو

الجزء: 1 - الصفحة: 149

الدين الذي كان عليه، ويحتمل أن لا يقبل منه إِلا الإِسلام، فإِن أبي هدد وحبس ويحتمل أن يقتل، وعنه أنه يقر، وإِن انتقل إِلى غير دين أهل الكتاب، أو انتقل المجوسي إِلى غير دين أهل الكتاب لم يقر، وأمر أن يسلم فإِن أبى قتل.
وإِن انتقل غير الكتابي إِلى دين أهل الكتاب أقر، ويحتمل أن لا يقبل منه إِلا الإِسلام، وإِن تمجس الوثني فهل يقر؟ على روايتين.

فصل في نقض العهد

وإِذا امتنع الذمي من بذل الجزية أو التزام أحكام الملة انتقض عهده، وإِن تعدى على مسلم بقتل أو قذف أو زنا أو قطع طريق أو تجسس أو إِيواء جاسوس أو ذكر الله تعالى أو كتابه أو رسوله بسوء فعلى روايتين.
وإِن أظهر منكراً أو رفع صوته بكتابه ونحوه لم ينتقض عهده، وظاهر كلام الخرقي أنه ينتقض عهده إِن كان مشروطاً عليهم 20، ولا ينتقض عهد نسائه وأولاده بنقض عهده، وإِذا انتقض عهده خُيِّر الإِمام فيه كالأسير الحربي، وماله فيء عند الخرقي، وقال أبو بكر يكون لورثته.


الجزء: 1 - الصفحة: 150

فصول الكتاب · 46 فصل
جارٍ التحميل