المقنع في فقه الإمام أحمد ت الأرناؤوطكتاب الجنائز
أهل الأثرالأرشيف العلمي

يستحب عيادة المريض، وتذكيره التوبة والوصية، فإِذا نزل به تعاهد بلَّ حلقه بماء أو شراب وندَّى شفتيه بقطنة ولقنه قول لا إِله إِلا الله مرة ولم يزد على ثلاث إِلا أن يتكلم بعده فيعيد تلقينه بلطف ومداراة.
ويقرأ عنده سورة يس، ويوجهه إِلى القبلة، فإِذا مات أغمض عينيه وشد لحييه وليَّن مفاصله وخلع ثيابه، وسجاه بثوب يستره، وجعل على بطنه مرآة أو نحوها ووضعه على سرير غسله متوجهاً منحدراً نحو رجليه، ويسارع في قضاء دينه، وتفريق وصيته وتجهيزه، إِذا تيقن موته بانخساف صدغيه وميل أنفه وانفصال كفيه واسترخاء رجليه.

فصل في غَسْل الميّت

1 غسل الميت وتكفينه والصلاة عليه ودفنه فرض كفاية، وأولى الناس به وصيه ثم أبوه ثم جده ثم الأقرب فالأقرب من عصباته ثم ذوو أرحامه إِلا الصلاة فإِن الأمير أحق بها بعد وصيه.
وغسل المرأة أحق الناس به الأقرب فالأقرب من نسائها.
ولكل واحد من الزوجين غسل صاحبه في أصح الروايتين وكذلك السيد مع سريته.
وللرجل والمرأة غسل من له دون سبع 2 سنين، وفيمن زاد على ذلك قبل البلوغ 3 وفي ابن السبع وجهان.

الجزء: 1 - الصفحة: 75

وِإن مات رجل بين نسوة أو امرأة بين رجال أو خنثى مشكل يمم في أصح الروايتين وفي الأخرى يصب عليه الماء من فوق القميص ولا يمس.
ولا يغسل مسلم كافراً ولا يدفنه إِلا أن لا يجد من يواريه غيره.
وإِذا أخذ في غسله ستر عورته وجرده وقال القاضي يغسله في قميص خفيف واسع الكمين.
ويستر الميت عن العيون ولا يحضره إِلا من يعين في غسله، ثم يرفع رأسه برفق إِلى قريب من الجلوس ويعصر بطنه عصراً رفيقاً، ويكثر صب الماء حينئذ ثم يلف على يده خرقة فينجيه بها 4. ولا يحل مس عورته.
ويستحب أن لا يمس سائر بدنه إِلا بخرقة، ثم ينوي غسله ويسمى ويدخل إِصبعيه مبلولتين بالماء بين شفتيه فيمسح أسنانه، وفي منخريه فينظفهما ويوضؤه، ولا يدخل الماء في فيه، ولا أنفه، ويضرب السدر فيغسل برغوته رأسه وليحته وسائر بدنه، ثم يغسل شقه الأيمن ثم الأيسر ثم يفيض الماء على جميع بدنه يفعل ذلك ثلاثاً يمر في كل مرة يده.
فإِن لم ينق بالثلاث أو خرج منه شيء غسله إِلى خمس، فإِن زاد فإِلى سبع، ويجعل في الغسلة الأخيرة كافوراً، والماء الحار والخلال والأشنان يستعمل إِن احتيج إِليه، ويقص شاربه ويقلم أظفاره ولا يسرح شعره ولا لحيته.
ويضفر شعر المرأة ثلاثة قرون ويسدل من ورائها، ثم ينشفه بثوب فإِن خرج منه شيء بعد السبع حشاه بالقطن، فإِن لم يستمسك فبالطين الحر، ثم يغسل المحل ويوضأ، وإِن خرج منه شيء بعد وضعه في أكفانه لم يعد إِلى الغسل.
= وهي فيه: وفي غسل من زاد على ذلك قبل البلوغ.

الجزء: 1 - الصفحة: 76

ويغسل المحرم بماء وسدر ولا يلبس المخيط ولا يخمر رأسه ولا يقرب طيباً.
والشهيد لا يغسل إِلا أن يكون جنباً، بل ينزع عنه السلاح والجلود ويزمل في ثيابه.
وإِن أَحَبَّ كفنه بغيرها، ولا يصلى عليه في أصح الروايتين، وإِن سقط من دابته، أو وجد ميتاً ولا أثر به، أو حمل فأكل أو طال بقاؤه غسل وصلي عليه.
ومن قتل مظلوماً فهل يُلحق بالشهيد؟ على روايتين.
وإِذا ولد السقط لأكثر من أربعة أشهر غسل وصلي عليه ومن تعذر غسله يمم.
وعلى الغاسل ستر ما وراءه إِن لم يكن حسناً.

فصل في الكفن

5 ويجب كفن الميت في ماله مقدماً على الدين وغيره، فإِن لم يكن له مال فعلى من تلزمه نفقته إِلا الزوج لا يلزمه كفن امرأته.
ويستحب تكفين الرجل في ثلاث لفائف بيض يبسط بعضها فوق بعض بعد تجميرها ثم يوضع عليها مستلقياً ويجعل الحنوط فيما بينها ويجعل منه في قطن يجعل منه بين إِليتيه ويشد فوقه خرقة مشقوقة الطرف كالتبَّان تجمع إِليتيه ومثانته ويجعل الباقي على منافذ وجهه ومواضع سجوده.
وإِن طيب جميع بدنه كان حسناً، ثم يرد طرف اللفافة العليا على شقه الأيمن ويرد طرفها الآخر فوقه، ثم يفعل بالثانية والثالثة كذلك ويجعل ما عند رأسه أكثر مما عند رجليه ثم يعقدها.
وتحل العقد في القبر ولا يخرق الكفن.
وإِن كفن في قميص ومئزر ولفافة جاز.

الجزء: 1 - الصفحة: 77

وتكفن المرأة في خمسة أثواب إِزار، وخمار، وقميص، ولفافتين، والواجب من ذلك ثوب يستر جميعه.

فصل في الصلاة على الميِّت

6 السنة أن يقوم الإِمام عند رأس الرجل ووسط المرأة ويقدم إِلى الإمام أفضلهم ويجعل وسط المرأة حذاء رأس الرجل.
وقال القاضي: يسوي بين رؤَوسهم ويكبر أربع تكبيرات يقرأ في الأولى الفاتحة، ويصلي على النبي - صلى الله عليه وسلم - في الثانية، ويدعو في الثالثة فيقول: اللهم اغفر لحينا وميتنا، وشاهدنا وغائبنا، وصغيرنا وكبيرنا، وذكرنا وأنثانا، إِنك تعلم منقلبنا ومثوانا، وأنت على كل شيء قدير.
اللهم من أحييته منا فأحيه على الإِسلام والسنة، ومن توفيته فتوفه عليهما، اللهم اغفر له وارحمه وعافه واعف عنه، وأكرم نزله وأوسع مدخله، واغسله بالماء والثلج والبرد ونقه من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس وأبدله داراً خيراً من داره وزوجاً خيراً من زوجه وأدخله الجنة وأعِذْهُ من عذاب القبر وعذاب النار وافسح له في قبره ونور له فيه.
وإِن كان صبياً قال: اللهم اجعله ذخراً لوالديه وفَرَطاً وأجْراً وشفيعاً مُجاباً.
اللهم ثقل به موازينهما وأعظم به أجورهما وألحقه بصالح سلف المؤمنين واجعله في كفالة إِبراهيم وقه برحمتك عذاب الجحيم.
ويقف بعد الرابعة قليلًا ويسلم تسليمة واحدة عن يمينه، ويرفع يديه مع كل تكبيرة.

الجزء: 1 - الصفحة: 78

والواجب من ذلك القيام والتكبيرات والفاتحة والصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - وأدنى دعاء للميت والسلام.
وإِن كبر الإِمام خمساً كبر بتكبيره.
وعنه لا يتابع في زيادة على أربع.
وعنه يتابع إِلى سبع.
ومن فاته شيء من التكبير قضاه على صفته، وقال الخرقي يقضيه متتابعاً فإِن سلم ولم يقضه فعلى روايتين.
ومن فاتته الصلاة على الجنازة صلى على القبر إِلى شهر ويُصَلَّى على الغائب بالنية، فإِن كان في أحد جانبي البلد لم يصل عليه بالنية في أصح الوجهين.
ولا يصلي الإِمام على الغالّ، ولا على من قتل نفسه.
وإِن وجد بعض الميت غُسل وصلي عليه.
وعنه لا يُصلى على الجوارح، وإِن اختلط من يصلي عليه بمن لا يصلي عليه صلي على الجميع ينوي من يُصلى عليه.
ولا بأس بالصلاة على الميت في المسجد وإِن لم يحضره غير النساء صلين عليه.

فصل في حمل الميّت ودفنه

7 يستحب التربيع في حمله، وهو أن يضع قائمة السرير اليسرى المقدمة على كتفه اليمنى، ثم ينتقل إِلى المؤخرة، ثم يضع قائمة اليمنى المقدمة على كتفه اليسرى ثم ينتقل إِلى المؤخرة، وإِن حمل بين العمودين فحسن.
ويستحب الإِسراع بها ويكون المشاة أمامها والركبان خلفها، ولا يجلس من تبعها حتى توضع وإِن جاءت وهو جالس لم يقم لها، ويدخل

الجزء: 1 - الصفحة: 79

قبره من عند رجل القبر إِن كان أسهل عليهم، ولا يُسَجّى القبر إِلا أن يكون لامرأة.
ويلحد له لحداً ويُنْصَبُ عليه اللبن نصباً ولا يدخله خشباً ولا شيئاً مسَّته النار.
ويقول الذي يدخله: "بسم الله وعلى ملة رسول الله".
ويضعه في لحده على جنبه الأيمن مستقبل القبلة، ويحثي التراب في القبر ثلاث حثيات ويهال عليه التراب.
ويرفع القبر عن الأرض قدر شبر مُسَنَّماً ويُرش عليه الماء، ولا بأس بتطيينه ويكره تجصيصه والبناء والكتابة عليه والجلوس والوطء عليه والاتكاء إِليه، ولا يدفن فيه اثنان إِلا لضرورة ويقدم الأفضل إِلى القبلة ويجعل بين كل اثنين حاجز من التراب.
وِإن وقع في القبر ماله قيمة نبش وأخذ.
وإِن كفن بثوب غصب أو بلع مال غيره غرم ذلك من تركته، وقيل ينبش ويؤخذ الكفن ويشق جوفه فيخرج.
وِإن ماتت حامل لم يشق بطنها وتسطو عليه القوابل فيخرجنه، ويحتمل أن يشق بطنها إِذا غلب على الظن أنه يحيا.
وِإن ماتت ذمية حامل من مسلم دفنت وحدها ويجعل ظهرها إِلى القبلة.
ولا تكره القراءة على القبر في أصح الروايتين.
وأي قُرْبَةٍ فعلها وجعلها للميت المسلم نفعه ذلك.
ويستحب أن يصلح لأهل الميت طعام يبعث إِليهم، ولا يُصْلحون هم طعاماً للناس.

الجزء: 1 - الصفحة: 80

فصل

8 ويستحب للرجال زيارة القبور.
وهل تكره للنساء؟ على روايتين.
ويقول إِذا زارها أو مر بها: سلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإِنا إِن شاء الله بكم لاحقون 9، ويرحم الله المستقدمين منا ومنكم والمستأخرين، نسأل الله لنا ولكم العافية.
اللهم لا تحرمنا أجرهم ولا تفتنا بعدهم واغفر لنا ولهم،.
ويستحب تعزية أهل الميت، ويكره الجلوس لها.
ويقول في تعزية المسلم: "أعظم الله أجرك وأحسن عزاءك وغفر لميتك".
وفي تعزيته عن كافر: " أعظم الله أجرك وأحسن عزاءك".
وفي تعزية الكافر بمسلم: "أحسن الله عزاءك وغفر لميتك".
وفي تعزيته عن كافر: " أخلف الله عليك ولا نقص عددك".
ويجوز البكاء على الميت وأن يجعل المصاب على رأسه ثوباً يعرف به.
ولا يجوز الندب ولا النياحة ولا شق الثياب ولطم الخدود وما أشبه ذلك.


الجزء: 1 - الصفحة: 81

فصول الكتاب · 46 فصل
جارٍ التحميل