بابُ ما يختلطُ فيهِ: فَعُلَ يَفْعُلُ كثيرًا وهوَ ما كانَ مِنَ الرفعةِ والضَّعةِ.
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن السراج
- الكتاب
- الأصول في النحو
- المؤلف
- أبو بكر محمد بن السري بن سهل النحوي المعروف بابن السراج (المتوفى: 316هـ)
- المحقق
- عبد الحسين الفتلي
- الناشر
- مؤسسة الرسالة، لبنان - بيروت
- عدد الأجزاء
- 3 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
قالوا: غَنِيَ غِنَىً وهو غَبِيٌّ وفقيرٌ كصَغيرٍ1 والفَقْرُ كالضَّعْفِ ولم يقولوا: فَقُرَ كما لم يقولوا في الشديدِ شَدُدْتَ استغنوا بافْتقَر واشتدَّ وشَرُفَ شَرَفًا وهوَ شَريفٌ وكَرُمَ ولَؤُمَ مثلُه ودَنُوَ ومَلُؤَ ملاءةً وهوَ مَلِيءٌ ووَضعَ ضَعَةً وَهوَ وضيعٌ وضِعَةً2 ورفيعٌ ولم يقولوا: رَفُعَ3 وقالوا: نَبُهَ يَنْبُهُ وهو4 نَابهٌ ونَبيهٌ وسَعِدَ يَسْعَدُ سعادةً وسعيدٌ وشَقي يشقى شَقَاوةً وشَقِيُّ وَبَخِلَ يَبْخَلُ بُخْلًا وبَخيلٌ أَمُرَ علَينا فهو أَميرٌ وأَمَرَ أيضًا وقالوا: الشَّقاءُ حذفوا الهاءَ5.
ورَشِدَ يَرشَدُ رَشَدًا ورَاشدٌ والرُّشْدُ ورَشيدٌ والرَّشادُ والبخْلُ والبَخَلُ6 كالكَرَمِ.
أَمَّا المُضَاعفُ فلا يكونُ فيهِ "فَعَلْتُ" وذلكَ نحو: ذَلَّ يَذِلُّ ذُلًا وذِلَّةً وذَليلٌ وشحيحٌ وشَحَّ يَشحُّ وقالوا: شَحِحْتُ،
وضَنَنْتُ ضَنًّا وضَنَانةً وَلَبَّ يَلَبُّ واللُّبُّ واللَّبابةُ واللبيبُ وقَلَّ يَقِلُّ قِلَّةً وقَليلٌ1 وعَفَّ يَعِفُّ عِفَةً وعَفيفٌ ويقولونَ: لَبُبْتَ تَلُبُّ2.
بَابُ: فَعَلَ يَفْعَلُ مِنْ حروفِ الحَلقِ.
اعلَمْ: أَنَّ يَفْعَلُ إِذَا قلتَ فيهنَ: فَعَلَ يَفْعَلُ مفتوحُ العينِ وذلَكَ كانتِ الهمزةُ أَو الهاءُ أَو العينُ أَو الغينُ أَو الحاءُ أَو الخاءُ لامًا أَو عينًا نحو: قَرَأَ يَقْرَأُ وَوَجَبَهُ1 يَجبهُ وقَلَعَ يَقْلَعُ وذَبَحَ يَذْبَحُ ونَسَخَ يَنْسَخُ. وهَذا ما كانتْ فيهِ لاماتٌ2.
وأَما ما كانت فيهِ عيناتٌ فَهْوَ كقولِكَ: سَأَلَ يَسْأَلُ وذَهَب يَذْهَبُ وبَعَثَ يَبْعَثُ ونَحَلَ يَنْحَلُ ونَحَرَ يَنْحَرُ وَمغَثَ3 يَمْغَثُ وذَخَرَ يَذْخَرُ4 وقَدْ جاؤوا بأَشياءَ منهُ علَى الأصلِ قالوا: بَرَأَ يَبْرُؤُ كمَا قالوا: قَتَلَ يَقْتُلُ وهَنَأَ يَهنِىءُ كَضَرَبَ يَضْرِبُ وهوَ في الهمزِ5 أَقلُّ وكذلكَ في الهاءِِِ6ِ لأَنَّها مستقلةُ في الحَلقَ وكلَّما سَفلَ الحرفُ كانَ الفتحُ
لَهُ أَلزم والفتحُ مِنَ الألفِ والألفُ أَقربُ إلى حروفِ الحَلقِ من أُختيها وقالوا: نَزَعَ يَنْزِعُ وَرَجَعَ يَرْجَعُ ونَضَحَ يَنْضَحُ ونَطَحَ يَنْطح وَرشَحَ يَرْشِحُ وجَنحَ يَجْنحُ والأصلُ في العينِ أَقلُّ لأَنَّها أَقربُ إلى الهمزةِ مِنَ الحاءِ وقالوا: صَلَحَ يَصْلُحُ وَفَرَغَ يَفْرُغُ وصَبَغَ يَصْبُغُ ومَضَغَ يَمْضُغُ ونَفَخَ يَنْفُخُ وطَبخَ يَطْبُخُ ومَرخَ1 يَمْرُخُ والخاَءُ والغينُ الأصلُ فيهما أَحسنُ لأَنَّهما أَشدُّ ارتفاعًا إلى الفَم ومما جاءَ على الأَصل من هذهِ الحروفِ فيهِ عيناتٌ قولُهم: زَأَرَ يَزْئِرُ ونأم2 يَنْئِمُ ونَعَرَ يَنْعِرُ3 وَرَعَدَتْ4 تَرْعُدُ وقَعَدَ يَقْعُدُ وشحجَ5 يَشْحِجُ ونَحتَ يَنْحِتُ6 وشَحَبَ يَشْحُبُ ونَغرتِ7 القدرُ تَنْغِرُ ولَغَبَ8 يَلْغُبُ وشَعَرَ يَشْعُرُ ومَخَضَ يَمْخُضُ ونَخَلَ يَنْخُلُ ونَخَرَ يَنْخُرُ وهَذا الضربُ إذَا كانتْ فيهِ الزوائدُ لم يفتحْ ألبتةَ كانَ حرف الحَلقِ لامًا أَو عينًا لأَنَّ الكسرَ لَهُ لازمٌ ولَيسَ هُوَ مثلُ "فَعَلَ" الذي يجيءُ مضارعهُ على "يَفْعِلُ" وَيَفْعَلُ وذلكَ مثلُ: استبرأَ يستبرِىءُ وانتزعَ يَنْتِزِعُ وكذلكَ: فَعُلَ يَفْعَلُ لا يغيرُ لأَنَّهُ لازمٌ لَهُ الضَمُّ وذلكَ قولُهم: صَبُحَ يَصْبُحُ وقَبُحَ يَقْبُحُ وضَخُمَ يَضْخُمُ ومَلُؤَ يَمْلُؤُ وقمؤَ9 يَقْمُؤُ وضَعُفَ يَضْعُفُ وقالوا: رَعَفَ يَرْعُفُ وسَعُلَ يَسْعُلُ.
فَضَموا ما جاءَ منهُ علَى فَعَلَ فهم في "فَعُلَ" أَجدرُ وكانَ حَقُّ "سَعُلَ" وَرعُفَ أَن يجَيءَ علَى مثالِ ما جاءتْ عليهِ الأدواءُ.
فإنْ كانتْ هذهِ الحروفُ فاءاتٍ نحو: أَمرَ وأَكَل وأَفلَ يَأْفُلُ لم تفتحِ العينُ لسكونِ حَرفِ الحَلقِ وقالوا: أَبى يَأْبَى شبهوهُ بيَقْرَاُ وفيهِ وجهُ آخرُ أَن يكونَ مثلَ: حَسِبَ يَحْسِبُ فُتِحَا كما كُسِرَا وقالوا: جَبىَ يَجْبَى وقَلَى يَقْلَى "جَبَى جَمَعَ1 الماءَ في الحوضِ" وحكى سيبويه: عَضَضْتَ تَعَضُّ2.
وقالَ أَبو العباس: عَضَضْتَ غيرُ معروفٍ ومَا كانت لامهُ ياءً أَو واوًا فحكمهُ في هَذا البابِ حكمُ غيرِ المعتلِّ نحو: شَأَى3 يَشْأَى وَسَعَى يَسْعَى وَمَحَا يَمْحىَ وصَفَى يَصْفَى ونَحَا يَنْحَى وقد قَالُوا: يَنْحُو يَصْفُوا ويزهوهم الآلُ4 ويَنْجُو ويَرغُو وأَما ما كانت لامهُ مِنْ حروفِ الحَلقِ وعينهُ معتلةٌ فلا تفتحُ لأَنَّها تكونُ ساكنةً نحو: بَاعَ يَبِيعُ وتَاهَ يتِيهُ وجَاءَ يَجِيءُ وكذلكَ المضاعفُ: نحو: دَعَّ يَدُعُّ وشَحَّ يَشُحُّ وزعمَ يونس: أَنَّهم يقولونَ: كَعِّ يَكَعُّ5.
قالَ سيبويه: يَكِعُّ أَجودُ6 وهوَ كما قالَ.
واعلم: أَنَّ هذه الحروفَ الستةَ إذا كَنَّ عيناتٍ في "فَعِلَ" ففيهِ أَربعُ لغاتٍ7: فَعِلَ وفِعِلَ وفِعْلَ اسمًا كانَ أَو صفةً نحو: رِحِمَ،
وبِعِلَ والاسم رَجُلٌ لَعِبٌ1 وضَحِكٌ وما أَشبهَ ذلكَ في جميعِ حروفِ الحلقِ وفي "فَعيلٍ" لُغتانِ: فَعِيلٌ وفِعِيلٌ وتكسرُ الفاءُ في هذَا البابِ في لغةِ تَميمٍ نحو: سِعِيدٍ ورغيفٍ وَبخِيلٍ وَبِيِئسٍ وأَمَّا أَهلُ الحجازِ فيجرونَ جميعَ هَذا على القياس فإِنْ كانتِ العينُ مضمومةً لم تضم لها ما قبلهَا نحو: رَؤوفٍ ورؤوفٍ لا يضمُّ.
قَالَ2: وسمعتُ مِنْ بعضِ العَربِ مَنْ يقولُ: بِيْسَ ولا يُحققُ الهمزةَ ويدعُ الحرفَ على الأصلِ3.
وأَمَّا الذينَ قالوا: مِغِيرَةٌ وَمِعينٌ4 فَلَيسَ علَى هَذا ولكنهم أَتبعوا الكسرةَ الكسرةَ كما قالوا: مِنْتِنٌ وَأُنْبُؤُك وأُجُؤكَ "أَرادَ: أُنبِئُكَ وأَجِيئكَ"5 وقَالوا: في حرفٍ شَاذٍّ: إحِبَّ يحِبُّ شبهوهُ "بِمِنْتِنٍ" فجاؤوا بهِ على "فَعَلَ" كما قَالوا: يِئْبَى لِما جَاءَ شاذًا عن بابهِ خولفَ بهِ6 وقالوا: لَيْسَ ولم يقولوا: لاسَ ولا يجوزُ في "أَجِيئُكَ" ما جازَ في "يَحِبُّ" لأَنَّ يَحِبُّ غُيرتْ عن أَصلِها وكانَ حقُّها يُحِبُّ فلمَّا غيرتْ استحسنوا التغييرَ هُنَا والاتباعَ وأَجيئُكَ على حِقّها فلا يجوزُ أَن يتبعَ الهمزةَ الجيم لأَنَّ الجيمَ في الأصلِ ساكنةٌ أيضًا.