باب الإِعراب والمعرب والبناء والمبني:
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن السراج
- الكتاب
- الأصول في النحو
- المؤلف
- أبو بكر محمد بن السري بن سهل النحوي المعروف بابن السراج (المتوفى: 316هـ)
- المحقق
- عبد الحسين الفتلي
- الناشر
- مؤسسة الرسالة، لبنان - بيروت
- عدد الأجزاء
- 3 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
الإِعراب الذي يلحق الاسم المفرد السالم المتمكن, وأعني بالتمكن ما لم يشبه الحرف قبل التثنية والجمع الذي على حد التثنية, ويكون بحركات ثلاث: ضم وفتح وكسر, فإِذا كانت الضمة إعرابًا تدخل في/ 12 أواخر الأسماء والأفعال وتزول عنها, سميت رفعًا, فإذا كانت الفتحة كذلك سميت نصبًا, وإذا كانت الكسرة كذلك سميت خفضًا وجرًّا, هذا إذا كنَّ بهذه الصفة نحو قولك: هذا زيد يا رجل, ورأيت زيدًا يا هذا, ومررت بزيد فاعلم, ألا ترى تغيير الدال واختلاف الحركات التي تلحقها.
فإن كانت الحركات ملازمة سمي الاسم مبنيًّا1, فإن كان مفهومًا نحو: "منذُ" قيلَ: مضموم2 ولم يُقل: مرفوع ليفرق بينه وبين المعرب وإن كان مفتوحًا نحو: "أين" قيل: مفتوح3 ولم يقل: منصوب, وإن كان مكسورًا نحو: "أمس" و"حذام" قيل: مكسور ولم يقل: مجرور4.
وإذا كان الاسم متصرفًا سالمًا غير معتل لحقه مع هذه الحركات التي ذكرنا التنوين نحو قولك: هذا مسلم ورأيت مسلمًا, ومررت بمسلم وإنما قلت "سالم" لأن في الأسماء معتلًا لا تدخله الحركة نحو: قفا ورحى, تقول في الرفع: هذا قفا, وفي النصب: رأيت قفًا يا هذا, ونظرت إلى قفًا, وإنما يدخله التنوين إذا كان منصرفًا.
وقلت: منصرف لأن ما لا ينصرف من الأسماء لا يدخله التنوين ولا الخفض ويكون خفضه كنصبه, نحو: هذا أحمر, ورأيت/ 13 أحمر, ومررت بأحمر, والتنوين نون صحيحة ساكنة, وإنما خصها النحويون1 بهذا اللقب وسموها تنوينًا ليفرقوا بينها وبين النون الزائدة المتحركة التي تكون في التثنية والجمع.
فإذا ثنيت الاسم المرفوع لحقه ألف ونون2 فقلت: المسلمان والصالحان, وتلحقه في النصب والخفض ياء ونون وما قبل الياء مفتوح ليستوي النصب والجر, ونون الاثنين مكسورة3 أبدًا, تقول: رأيت المسلمين والصالحين, ومررت بالمسلمين والصالحين, فيستوي المذكر والمؤنث في التثنية, ويختلف في الجمع المسلم الذي على حد التثنية.
وإنما قلت في الجمع المسلم الذي على حد التثنية؛ لأن الجمع جمعان، جمع يقال له: جمع السلامة وجمع يقال له: جمع التكسير, فجمع السلامة هو الذي يسلم فيه بناء الواحد وتزيد عليه واوًا ونونًا أوياء ونونًا4 نحو مسلمين، ومسلمون، ألا ترى أنك سلمت فيه بناء مسلم، فلم تغير شيئًا من نضده وألحقته واوًا ونونا أو ياء ونونًا كما فعلت في التثنية.
وجمع التكسير: هو الذي يغير فيه بناء الواحد, مثل جمل وأجمال, ودرهم ودراهم.
فإذا جمعت الاسم المذكر على التثنية لحقته واو ونون في الرفع/ 14 نحو قولك: هؤلاء المسلمون وتلحقه الياء والنون في النصب والخفض, نحو: رأيت المسلمين ومررت بالمسلمين, ونون هذا الجمع مفتوحة أبدًا, والواو مضموم ما قبلها, والياء مكسورة ما قبلها.
وهذا الجمع مخصوص به من يعقل, ولا يجوز أن تقول في جمل جملون, ولا في جبل جبلون, ومتى جاء ذلك فيما لا يعقل, فهو شاذ فلشذوذه عن القياس علة سنذكرها في موضعها, ولكن التثنية يستوي فيها ما يعقل وما لا يعقل.
والمذكر والمؤنث1 في التثنية سواء وفي الجمع مختلف, فإذا جمعت المؤنث على حد التثنية زدت ألفًا وتاءً وحذفت الهاء إن كانت في الاسم وضممت التاء في الرفع وألحقت الضمة نونًا ساكنة, فقلت في جمع مسلمة "هؤلاء مسلمات"2.
والضمة في جمع المؤنث نظيرة الواو في جمع المذكر, والتنوين نظير النون, وتكسر التاء وتنون في الخفض والنصب جميعًا, تقول: رأيت مسلمات ومررت بمسلمات والكسرة نظيرة الياء في المذكرين والتنوين نظير النون3.
وأما الإِعراب الذي يكون في فعل الواحد من الأفعال المضارعة فالضمة فيه تسمى رفعًا/ 15 والفتحة نصبًا والإِسكان جزمًا, وقد كنت بينت لك أن
المعرب من الأفعال التي في أوائلها الحروف الزوائد, التاء والنون والياء والألف, فالألف للمتكلم مذكرًا كان أو مؤنثًا نحو: أنا أفعل؛ لأن الخطاب يبينه, والتاء للمخاطب المذكر والمؤنث نحو: أنت تفعل وأنت تفعلين, وكذلك للمؤنث إذا كان لغائبة قلت: هي تفعل, وإن كان الفعل للمتكلم, ولآخر معه, أو جماعة قلت: نحن نفعل, والمذكر والمؤنث في ذا أيضًا سواء؛ لأنه يبين أيضًا بالخطاب, والياء للمذكر الغائب فجميعُ ما جعل لفظ المذكر والمؤنث فيه سواء على لفظ واحد, فإنما كان ذلك؛ لأنه غير ملبس, فالمرفوع من هذه الأفعال نحو قولك: زيد يقوم, وأنا أقوم, وأنت تقوم, وهي تقوم, والمنصوب: لن يقوم ولن يقعدوا, والمجزوم لم يقعدوا ولم يقم, هذا في الفعل الصحيح اللام خاصة, فأما المعتل فهو الذي آخره ياء أو واو أو ألف, فإن الإعراب يمتنع من الدخول عليه إلا النصب, فإنه يدخل على ما لامه واو أو ياء خاصة دون الألف؛ لأن الألف لا يمكن تحركها, تقول فيما كان معتلًّا من ذوات الواو في الرفع: هو يغزو/ 16 ويغدو يا هذا, فتسكن الواو, وتقول في النصب: لن يغزو فتحرك الواو, وتسقط في الجزم, فتقول: لم يغز ولم يغد, وكذلك ما لامه ياء نحو: يقضي ويرمي, تكون في الرفع ياؤه ساكنة فتقول: هو يقضي ويرمي وتفتحها في النصب, فتقول: لن يقضي ولن يرمي وتسقط في الجزم, وأما ما لامه ألف فنحو: يخشى, ويخفى, تقول في الرفع: هو يخشى ويخفى وفي النصب: لن يخشى ولن يخفى وتسقط في الجزم فتقول فيه لم يخشَ ولم يخف, فإذا صار الفعل المضارع لاثنين مذكرين مخاطبين أو غائبين زدته ألفًا ونونًا وكسرت النون فقلت: يقومان, فالألف ضمير الاثنين الفاعلين, والنون علامة الرفع, واعلم: أن الفعل لا يثنى ولا يجمع في الحقيقة, وإنما يثنى ويجمع الفاعل الذي تضمنه الفعل, فإذا قلت: يقومان, فالألف ضمير الفاعلين1 اللذين ذكرتهما والنون علامة الرفع فإذا نصبت أو
جزمت, حذفتها فقلت: لن يقوما ولن يقعدا ولم يقوما ولم يقعدا فاستوى النصب والجزم فيه, كما استوى النصب والخفض في تثنية الاسم, وتبع النصب الجزم؛ لأن الجزم يخص الأفعال ولا يكون إلا فيها كما/ 17 تبع النصب الخفض في تثنية الأسماء وجمعها السالم, إذ كان الخفض يخص الأسماء فإن كان الفعل المضارع لجمع1 مذكرين زدت في الرفع واوًا مضمومًا ما قبلها ونونًا مفتوحة كقولك: أنتم تقومون وتقعدون ونحو ذلك, فالواو ضمير2 لجمع3 الفاعلين والنون علامة الرفع.
فإذا دخل عليها جازم أو ناصب حذفت فقيل: لم يفعلوا كما فعلت في التثنية, فإن كان الفعل المضارع لفاعل واحد مؤنث مخاطب زدت فيه ياءً مكسورًا ما قبلها ونونًا مفتوحة نحو قولك: أنتِ تضربين وتقومين فالياء دخلت من أجل المؤنث والنون علامة الرفع, وإذا دخل عليها ما يجزم أو ينصب سقطت نحو قولك: لم تضربي ولن تضربي.
فإن صار الفعل لجمع4 مؤنث زدته نونًا وحدها مفتوحة وأسكنت ما قبلها نحو: هن يضربن ويقعدن, فالنون عندهم ضمير الجماعة5 وليست علامة الرفع فلا تسقط في النصب والجزم لأنها ضمير الفاعلات فهي اسم ههنا خاصة, فأما الفعل الماضي فإذا ثنّيت المذكر أو جمعته, قلت: فعلًا, وفعلوا, ولم تأت بنون لأنه غير معرب, والنون في "فعلن" إنما هي ضمير وهي لجماعة المؤنث وأسكنت اللام/ 18 فيها كما أسكنتها في "فعلت" حتى6
لا تجتمع أربع حركات1 وليس ذا في أصول كلامهم, والفعل عندهم مبني مع التاء في "فعلت" ومع النون في "فعلن" كأنه منه؛ لأن الفعل لا يخلو من الفاعل, وأما لام "يفعلن" فإنما أسكنت تشبيهًا بلام "فعلن" وإن لم يجتمع فيه أربع حركات ولكن من شأنهم إذا أعلوا أحد الفعلين لعلة أعلوا الفعل الآخر وإن لم تكن فيه تلك العلة, وسترى ذلك في مواضع كثيرة إن شاء الله.
واعلم: أن الإعراب عندهم إنما حقه أن يكون للأسماء دون الأفعال والحروف, وأن السكون والبناء حقهما أن يكونا لكل فعل أو حرف وأن البناء الذي وقع في الأسماء عارض فيها لعلة, وأن الإِعراب الذي دخل على الأفعال المستقبلة إنما دخل فيها العلة, فالعلة التي بنيت لها الأسماء هي2 وقوعها موقع الحروف ومضارعتها لها, وسنشرح ذلك في باب الأسماء المبنية إن شاء الله.
وأما/ 19 الإِعراب الذي وقع في الأفعال فقد ذكرنا أنه وقع في المضارع منها للأسماء3 وما عدا ذلك فهو مبني.
فالأسماء تنقسم قسمين: أحدهما معرب4 والآخر مبني, فالمعرب يقال له: متمكن, وهو ينقسم أيضًا على ضربين: فقسم: لا يشبه الفعل, وقسم: يشبه الفعل, فالذي لا يشبه الفعل هو متمكن منصرف يرفع في موضع الرفع ويجر في موضع الجر وينصب في موضع النصب وينون, وقسم يضارع الفعل غير منصرف لا يدخله الجر, ولا التنوين5, وسنبين من أين يشبه بالفعل فيما يجري وفي ما لا يجري إن شاء الله.
والمبني من الأسماء ينقسم على ضربين: فضرب مبني على السكون نحو: كم, ومن, وإذ, وذلك حق البناء وأصله, وضرب مبني على الحركة, فالمبني على الحركة ينقسم على ضربين: ضرب حركته لالتقاء الساكنين نحو أين, وكيف, وضرب حركته لمقاربته التمكن ومضارعته للأسماء المتمكنة نحو "يا حكم" في النداء وجئتك من علُ1 وجميع هذا /20 يبين في أبوابه إن شاء الله.
فأما الإِعراب الذي وقع في الأفعال فقد بينا أنه إنما وقع في المضارع منها للأسماء وما عدا المضارعة فمبني, والمبني من الأفعال ينقسم على ضربين: فضرب مبني على السكون, والسكون أصل كل مبني, وذلك نحو: اضرب واقتل ودحرج وانطلق, وكل فعل تأمر به إذا كان بغير لام ولم يكن فيه حرف من حروف المضارعة نحو: الياء والتاء والنون والألف فهذا حكمه.
وأما الأفعال التي فيها حروف المضارعة فيدخل عليها اللام في الأمر وتكون معربة مجزومة بها نحو: ليقم زيد, وليفتح بكر, ولتفرح يا رجل, وأما ما كان على لفظ الأمر مما يستعمل في التعجب.
فحكمه حكمه نحو قولك: أكرم بزيد و ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِر﴾ 2 وزيد ما أكرمه, وما أسمعهم وما أبصرهم.
والضرب الثاني مبني على الفتح وهو كل فعل ماضٍ كثرت حروفه أو قلت نحو: ضرب واستخرج, وانطلق وما أشبه ذلك.
ذكر العوامل من الكلم الثلاثة
ذكر العوامل من الكلم الثلاثة: من الكلم الثلاثة, الاسم والفعل/ 21 والحرف وما لا يعمل منها.
تفسير الأول, وهو الاسم:
الاسم: يعمل في الاسم على ثلاثة أضرب:
الضرب الأول:
أن يبنى عليه اسم مثله أو يبنى على اسم ويأتلف1 باجتماعهما الكلام ويتم, ويفقدان العوامل من غيرهما نحو قولك: "عبد الله أخوك".. فعبد الله, مرتفع بأنه أول مبتدأ فاقد للعوامل, ابتدأته لتبني عليه ما يكون حديثًا عنه: "وأخوك" مرتفع بأنه الحديث المبني على الاسم الأول المبتدأ.
الضرب الثاني:
أن يعمل الاسم بمعنى الفعل, والأسماء التي تعمل عمل الفعل أسماء الفاعلين2 وما شبه بها والمصادر وأسماء سموا الأفعال بها, وإنما أعملوا اسم الفاعل لما ضارع الفعل, وصار الفعل سببًا له وشاركه في المعنى وإن افترقا في الزمان, كما أعربوا الفعل لما ضارع الاسم فكما أعربوا هذا أعلموا ذلك, والمصدر حكمه حكم اسم الفاعل, أعمل, كما أعمل إذا كان الفعل مشتقًّا منه, إلا أن الفرق بينه وبين اسم الفاعل أن المصدر يجوز أن يضاف إلى الفاعل وإلى المفعول؛ لأنه غيرهما3, تقول/ 22: عجبت من ضرب زيد عمرًا, فيكون زيد هو الفاعل في المعنى وعجبت من ضرب زيد عمرو فيكون زيد هو المفعول في المعنى ولا يجوز هذا في اسم الفاعل, لا يجوز أن تقول: عجبت من ضارب زيد, وزيد فاعل؛ لأنك تضيف الشيء إلى نفسه, وذلك غير جائز..
فأما ما شبه4 باسم الفاعل نحو: حسن وشديد فتجوز إضافته إلى
الفاعل, وإن كان إياه لأنها إضافة غير حقيقية نحو قولك: الحسن الوجه, والشديد اليد, والحسن للوجه والشدة لليد وإنما دخلت الألف واللام -وهي لا تجتمع مع الإضافة- على الحسن الوجه وما أشبهه لأن إضافته غير حقيقية, ومعنى: حسن الوجه, حسن وجهه, وقد أفردت بابًا للأسماء التي تعمل عمل الفعل, أذكره بعد ذكر الأسماء المرتفعة إن شاء الله.
الضرب الثالث:
أن يعمل الاسم لمعنى الحرف وذلك في الإِضافة, والإِضافة تكون على ضربين1: تكون بمعنى اللام وتكون بمعنى "من".
فأما الإِضافة التي بمعنى اللام فنحو قولك: غلام زيد, ودار عمرو, ألا ترى أن المعنى: غلام لزيد ودار لعمرو, إلا أن الفرق بين ما/ 23 أضيف بلام وما أضيف بغير لام, أن الذي يضاف بغير لام يكتسي2 مما يضاف إليه تعريفه وتنكيره, فيكون معرفة إن كان معرفة ونكرة إن كان نكرة, ألا ترى أنك إذا قلت: غلام زيد, فقد عرف الغلام بإضافته إلى زيد, وكذلك إذا قلت: دار الخليفة, عرفت الدار3 بإضافتها إلى الخليفة.
ولو قلت: دار للخليفة, لم يعلم أي دار هي, وكذلك لو قلت: غلام لزيد, لم يدر أي غلام هو, وأنت لا تقول: غلام زيد فتضيف إلا وعندك أن السامع قد عرفه كما عرفته.
أما4 الإِضافة التي بمعنى "من" فهو أن تضيف الاسم إلى جنسه نحو قولك: ثوب خز وباب حديد, تريد ثوبًا من خز وبابًا من حديد, فأضفت5 كل واحد منهما إلى
جنسه الذي هو منه, وهذا لا فرق فيه1 بين إضافته بغير "من" وبين إضافته "بمن" وإنما حذفوا "من" هنا استخفافًا, فلما حذفوها التقى الاسمان فخفض أحدهما الآخر إذا لم يكن الثاني خبرًا عن الأول, ولا صفة له, ولو نصب على التفسير أو التمييز لجاز إذًا نون الأول نحو قولك: ثوبٌ خزًّا.
واعلم/ 24: أن الاسم لا يعمل في الفعل ولا في الحرف, بل هو المعرض للعوامل من الأفعال والحروف.
تفسير الثاني وهو الفعل
: اعلم: أن كل فعل1 لا يخلو من أن يكون عاملًا, وأول عمله أن يرفع الفاعل أو المفعول2 الذي هو حديث عنه نحو: قام زيد وضرب عمرو, وكل اسم تذكره ليزيد3 في الفائدة بعد أن يستغني الفعل بالاسم المرفوع الذي يكون ذلك الفعل حديثًا عنه, فهو منصوب, ونصبه لأن الكلام قد تم قبل مجيئه وفيه دليل عليه, وهذه العلل التي ذكرناها ههنا هي العلل الأول, وههنا علل ثوان4 أقرب منها يصحبها كل نوع من هذه الجمل إن شاء الله.
تفسير الثالث, وهو العامل من الحروف
الحروف تنقسم إلى ثلاثة أقسام: الأول منها يدخل على الأسماء فقط دون الأفعال, فما كان كذلك فهو عامل في الاسم.
والحروف العوامل في الأسماء نوعان:
نوع منها يخفض الأسماء ويدخل ليصل اسمًا باسم أو فعلًا باسم.
أما وصله اسمًا باسم فنحو قولك: خاتم من فضة7, وأما وصله فعلًا باسم فنحو قولك: مررت بزيد.
والنوع الثاني: يدخل على المبتدأ والخبر فيعمل فيهما/ 25 فينصب الاسم ويرفع الخبر, نحو "إن وأخواتها" كقولك: زيد قائم, وجميع هذه الحروف لا تعمل في الفعل ولا تدخل عليه, لا تقول: مررت بيضرب ولا ذهبت إلى قام, ولا أن يقعد قائم.
والقسم الثاني من الحروف:
ما يدخل على الأفعال فقط, ولا يدخل على الأسماء, وهي التي تعمل في الأفعال فتنصبها وتجزمها نحو: "أن" في قولك: أريد أن تذهب, فتنصب و"لم" في قولك: لم يذهب, فتجزم, ألا ترى أنه لا يجوز أن تقول: لم زيد, ولا: أريد أن عمرو.
والقسم الثالث من الحروف:
ما يدخل على الأسماء وعلى الأفعال فلم تختص به الأسماء دون الأفعال, ولا الأفعال دون الأسماء, وما كان من الحروف بهذه الصفة فلا يعمل في اسم ولا فعل نحو ألف الاستفهام, تقول: أيقوم زيد, فيدخل حرف الاستفهام على الفعل ثم تقول: أزيد أخوك فيدخل الحرف على الاسم, وكذلك "ما" إذا نفيت بها في لغة8 من لم يشبهها بليس فإنه يدخلها
على الاسم والفعل ولا يعملها1, كقولك: ما زيد قائم, وما قام/ 26 زيد, ومن2 شبهها "بليس" فاعملها3 لم يجز أن يدخلها على الفعل, إلا أن يردها إلى أصلها في ترك العمل, ونحن نذكر جميع الحروف منفصلة في أبوابها إن شاء الله.
فإن قال قائل: ما بال لام المعرفة لم تعمل في الاسم وهي لا تدخل إلا على الاسم, ولا يجوز أن تدخل هذه اللام على الفعل, قيل: هذه اللام قد صارت من نفس الاسم ألا ترى قولك: الرجل, يدلك على غير ما كان يدل عليه رجل, وهي بمنزلة المضاف إليه الذي يصير مع المضاف بمنزلة اسم واحد نحو قولك: عبد الملك, ولو أفردت عبدًا من الملك لم يدل على ما كان عليه عبد الملك, وكذلك الجواب في السين وسوف, إن سأل سائل, فقال: لِمَ لَمْ يعملوها في الأفعال إذ كانتا لا تدخلان إلا عليها, فقصتهما قصة الألف واللام في الاسم وذلك أنها4 إنما هي بعض أجزاء الفعل فتفهم هذه الأصول والفصول فقد أعلنت في هذا الكتاب أسرار النحو وجمعته جمعًا يحضره وفصلته تفصيلًا يظهره ورتبت أنواعه وصنوفه على مراتبها بأخصر ما أمكن من القول وأبينه ليسبق إلى القلوب فهمه, ويسهل على متعلميه حفظه.
واعلم: أنه ربما شذ الشيء عن بابه فينبغي أن تعلم: أن القياس إذا اطرد في جميع الباب لم يعن بالحرف الذي يشذ منه, فلا يطرد في نظائره وهذا يستعمل في كثير من العلوم ولو اعترض بالشاذ على القياس المطرد لبطل أكثر الصناعات والعلوم, فمتى وجدت5 حرفًا مخالفًا لا شك في خلافه لهذه الأصول فاعلم: أنه شاذ, فإن كان سمع ممن ترضى عربيته فلا بد من أن
يكون قد حاول به مذهبًا ونحا نحوًا1 من الوجوه أو استهواه أمر غلطه, والشاذ على ثلاثة أضرب: منه ما شذ عن بابه وقياسه ولم يشذ في استعمال العرب له نحو: استحوذ فإن بابه وقياسه أن يُعل فيقال: استحاذ مثل استقام واستعاذ, وجميع ما كان على هذا المثال, ولكنه جاء على الأصل واستعملته العرب كذلك, ومنه ما شذ عن الاستعمال ولم يشذ عن القياس نحو ماضي يدع, فإن قياسه وبابه أن يقال: ودع يدع, إذ لا يكون فعل مستقبل إلا له ماض, ولكنهم لم يستعملوا/ 28 ودع استغنى عنه "بترك", فصار قول القائل الذي قال: ودعه شاذًّا, وهذه أشياء تحفظ, ومنه ما شذ عن القياس والاستعمال فهذا الذي يطرح ولا يعرج عليه نحو ما حكى من إدخال الألف واللام على اليّجدعُ2 وأنا أتبع هذا الذي ذكرت من عوامل الأسماء والأفعال والحروف بالأسماء المفعول فيها, فنبدأ بالمرفوعات, ثم نردفها المنصوبات, ثم المخفوضات, فإذا فرغنا من الأسماء وتوابعها وما يعرض فيها ذكرنا الأفعال وإعرابها وعلى الله تعالى يتوكل وبه نستعين.
ذكر الأسماء المرتفعة
ذكر الأسماء المرتفعة:
الأسماء التي ترتفع خمسة أصناف:
الأول: مبتدأ له خبر.
والثاني: خبر لمبتدأ بنيته عليه.
والثالث: فاعل بني على فعل, ذلك الفعل حديثًا عنه.
والرابع: مفعول به بني على فعل فهو حديث عنه ولم تذكر من فعل به فقام مقام الفاعل.
والخامس: مشبه بالفاعل في اللفظ.
شرح الأول: وهو المبتدأ:
المبتدأ: ما جردته من عوامل الأسماء ومن1 الأفعال والحروف وكان القصد فيه أن تجعله أولًا لثانٍ مبتدأ به دون الفعل/ 29 يكون ثانيه خبره ولا يستغنى واحد منهما عن صاحبه, وهما مرفوعان أبدًا فالمبتدأ رفع بالابتداء, والخبر رفع بهما, نحو قولك: الله ربنا, ومحمد نبينا, والمبتدأ لا يكون كلامًا تامًّا إلا بخبره وهو معرض لما يعمل في الأسماء نحو: كان وأخواتها, وما أشبه ذلك من العوامل, تقول: عمرو أخونا, وإن زيدًا أخونا, وسنذكر العوامل التي تدخل على المبتدأ وخبره فتغيره عما كان عليه في موضعها إن شاء الله.
والمبتدأ يبتدأ فيه بالاسم المحدث عنه قبل الحديث, وكذلك حكم كل مخبر, والفرق بينه وبين الفاعل: أن الفاعل مبتدأ بالحديث قبله, ألا ترى أنك إذا قلت: زيد منطلق فإنما بدأت "بزيد" وهو الذي حدثت عنه بالانطلاق والحديث عنه بعده, وإذا قلت: ينطلق زيد فقد بدأ بالحديث وهو انطلاقه, ثم ذكرت زيدًا المحدث عنه بالانطلاق بعد أن ذكرت الحديث.
فالفاعل مضارع للمبتدأ من أجل أنهما جميعًا محدث/ 30 عنهما وإنهما جملتان
لا يستغني بعضهما عن بعض, وحق المبتدأ أن يكون معرفة أو ما قارب المعرفة من النكرات الموصوفة خاصة, فأما المعرفة فنحو قولك: عبد الله أخوك, وزيد قائم, وأما ما قارب المعرفة من النكرات فنحو قولك: رجل من تميم جاءني, وخير منك لقيني.
وصاحب لزيد جاءني.
وإنما امتنع الابتداء بالنكرة المفردة المحضة لأنه لا فائدة فيه, وما لا فائدة فيه فلا معنى للتكلم به, ألا ترى أنك لو قلت: رجل قائم أو رجل عالم, لم يكن في هذا الكلام فائدة لأنه لا يستنكر أن يكون في الناس رجل قائمًا أو عالمًا, فإذا قلت: رجل من بني فلان أو رجل من إخوانك أو وصفته بأي صفة كانت تقربه من معرفتك حسن لما في ذلك من الفائدة, ولا يكون المبتدأ نكرة مفردة إلا في النفي خاصة, فإن الابتداء فيه بالنكرة حسن بحصول الفائدة بها, كقولك: ما أحد في الدار, وما في البيت رجل ونحو ذلك, في لغة بني تميم خاصة: وما أحد حاضر, وإنما يراعى في هذا الباب وغيره الفائدة فمتى ظفرت بها في المبتدأ وخبره فالكلام/ 31 جائز, وما لم يفد فلا معنى له في كلام غيرهم.
وقد يجوز أن تقول: رجل قائم إذا سألك سائل فقال: أرجل قائم أم امرأة.
فتجيبه فتقول: رجل قائم, وجملة هذا أنه2 إنما ينظر إلى ما فيه3 فائدة, فمتى كانت4 فائدة بوجه من الوجوه فهو جائز وإلا فلا فإذا اجتمع اسمان معرفة ونكرة, فحق المعرفة أن تكون5 هي المبتدأ وأن تكون النكرة الخبر لأنك إذا ابتدأت فإنما قصدُك تنبيه السامع بذكر الاسم الذي تحدثه عنه ليتوقع الخبر بعده, فالخبر هو الذي ينكره ولا يعرفه ويستفيده, والاسم لا فائدة له لمعرفته به, وإنما ذكرته لتسند إليه الخبر, وقد يجوز أن تقدم الخبر على المبتدأ ما لم يكن فعلًا خاصة, فتقول: منطلق زيد, وأنت تريد: زيد
منطلق, فإن أردت أن تجعل منطلقا في موضع "ينطلق" فترفع زيدًا بمنطلق على أنه فاعل كأنك قلت: ينطلق زيد قبح إلا أن يعتمد اسم الفاعل وهو "منطلق" وما أشبهه على شيء قبله, وإنما يجري مجرى الفعل إذا كان صفة جرت على موصوف نحو قولك: مررت/ 32 برجل قائم أبوه, ارتفع "أبوه" "بقائم" أو يكون مبنيًّا على مبتدأ نحو قولك: زيد قائم أبوه وحسن عندهم: أقائم أبوك, وأخارج أخوك, تشبيهًا بهذا إذا اعتمد"قائم" على شيء قبله, فأما إذا قلت قائم زيد, فأردت أن ترفع زيدا "بقائم" وليس قبله ما يعتمد عليه البتة فهو قبيح, وهو جائز عندي على قبحه, وكذلك المفعول لا يعمل فيه اسم الفاعل مبتدأ غير معتمد على شيء قبله, نحو: ضارب وقاتل, لا تقول: ضارب بكرًا عمرو فتنصب بكرًا "بضارب" وترفع عمرًا به, لا يجوز أن تعمله عمل الفعل حتى يكون محمولًا على غيره, فتقول: هذا ضارب بكرًا, جعلوا بين الاسم والفعل فرقًا, فإذا قلت: قائم1 أبوك, "فقائم" مرتفع بالابتداء وأبوك رفع بفعلهما وهما قد سدا مسد الخبر, ولهذا نظائر تذكر في مواضعها إن شاء الله.
فأما قولك: كيف أنت, وأين زيد وما أشبهما مما يستفهم به من الأسماء "فأنت وزيد" مرتفعان بالابتداء "وكيف وأين" خبران, فالمعنى في: كيف أنت, على أي حال أنت, وفي: "أين زيد" في أي مكان, ولكن الاستفهام الذي صار فيهما جعل لهما صدر الكلام وهو في الحقيقة/ 33 الشيء المستفهم عنه, ألا ترى أنك إذا سئلت: كيف أنت, فقلت: صالح, إنما أخبرت بالشيء الذي سأل عنه المستخبر, وكذلك إذا قال: أين زيد, فقلت: في داري, فإنما أخبرت بما اقتضته أين, ولكن جميع هذا وإن كان خبرًا فلا
يكون إلا مبدوءًا به, وقد تدخل على المبتدأ حروف ليست من عوامل الأسماء, فلا1 تزيل المبتدأ عن حاله, كلام الابتداء2 وحروف الاستفهام "وأما وما" إذا كانت نافية في لغة بني تميم وأشباه ذلك, فتقول: أعمرو "قائم" ولبكر أخوك, وما زيد قائم, وأما بكر منطلق, فهذه الحروف إنما تدخل على المبتدأ وخبره لمعان فيها, ألا ترى أن قولك: عمرو منطلق, كان خبرًا موجبًا فلما أدخلت عليه "ما" صار نفيًا وإنما3 نفيت "بما" ما أوجبه غيرك حقه أن تأتي بالكلام على لفظه, وكذلك إذا استفهمت إنما تستخبر خبرًا قد قيل, أو ظن كأن قائلًا قال: عمرو قائم4, فأردت أن تحقق ذلك فقلت أعمرو قائم, وقع5 في نفسك أن ذلك يجوز وأن يكون وأن لا يكون فاستخبرت6 مما وقع في نفسك/ 34 بمنزلة ما سمعته أذنك فحينئذ تقول: أعمرو قائم أم لا؟ لأنك لا تستفهم عن شيء إلا وهو يجوز أن يكون7 عندك موجبه أو منفيه واقعًا, ولام الابتداء تدخل لتأكيد الخبر وتحقيقه, فإذا قلت: لعمرو منطلق, أغنت اللام بتأكيدها عن إعادتك الكلام8 فلذلك احتيج إلى جميع حروف المعاني لما في ذلك من الاختصار ألا ترى أن الواو العاطفة في قولك: قام زيد وعمرو لولاها لاحتجت إلى أن تقول: قام زيد, قام عمرو, وكذلك جميع الحروف ويوصل بلام القسم9 فيقال10: والله لزيد خير منك؛ لأنك
لا تقسم إلا مع تحقيق الخبر, "وأما" فإنما1 تذكرها بعد كلام قد تقدم أخبرت فيه عن اثنين أو جماعة بخبر فاختصصت2 بعض من ذكر وحققت الخبر عنه, ألا ترى أن القائل يقول: زيد وعمرو في الدار, فتقول: أما زيد, ففي الدار, وأما عمرو ففي السوق, وإنما دخلت الفاء من أجل ما تقدم؛ لأنها إنما تدخل في الكلام لتتبع شيئًا بشيء وتعلق ما دخلت عليه من الكلام بما قبله, "ولأما" موضع تذكر فيه/ 35 وما لم أذكر من سائر الحروف التي لا تعمل في الأسماء فالمبتدأ والخبر بعدها على صورتهما.
شرح الثاني, وهو خبر المبتدأ:
الاسم1 الذي هو خبر المتبدأ هو2 الذي يستفيده السامع ويصير به المبتدأ كلامًا, وبالخبر يقع التصديق والتكذيب.
ألا ترى أنك إذا قلت: عبد الله جالس فإنما الصدق والكذب وقع في جلوس عبد الله لا في عبد الله, لأن الفائدة هي في جلوس3 عبد الله, وإنما ذكرت عبد الله لتسند إليه "جالسًا" فإذا كان خبر المبتدأ اسمًا مفردًا فهو رفع نحو قولك: عبد الله أخوك, وزيد قائم, وخبر المبتدأ ينقسم على قسمين: إما أن يكون هو الأول في المعنى غير ظاهر فيه ضميره نحو: زيد أخوك, وعبد الله منطلق, فالخبر هو الأول في المعنى, إلا أنه لو قيل لك, من أخوك هذا الذي ذكرته؟ لقلت: زيد, أو قيل لك: من المنطلق؟ لقلت: عبد الله, أو يكون غير الأول ويظهر فيه ضميره, نحو قولك: عمرو ضربته وزيد رأيت أباه, فإن لم يكن على أحد هذين فالكلام محال.
وخبر المبتدأ الذي هو/ 36 الأول في المعنى على ضربين, فضرب يظهر فيه الاسم الذي هو الخبر نحو ما ذكرنا من قولك: زيد أخوك,
وزيد قائم, وضرب يحذف منه الخبر, ويقوم مقامه ظرف له وذلك الظرف على ضربين: إما أن يكون من ظروف المكان, وإما أن يكون من ظروف الزمان.
أما الظروف من المكان فنحو قولك: زيد خلفك, وعمرو في الدار.
والمحذوف معنى الاستقرار والحلول وما أشبههما, كأنك قلت: زيد مستقر خلفك, وعمرو مستقر في الدار, ولكن هذا المحذوف لا يظهر لدلالة الظرف عليه واستغنائهم به في الاستعمال.
وأما الظرف من الزمان فنحو قولك: القتال يوم الجمعة, والشخوص يوم الخميس, كأنك قلت: القتال مستقر يوم الجمعة أو وقع في يوم الجمعة, والشخوص واقع في يوم الخميس فتحذف الخبر وتقيم الظرف مقام المحذوف, فإن لم ترد هذا المعنى.
فالكلام محال؛ لأن زيدًا الذي هو المبتدأ ليس من قولك: "خلفك" ولا في الدار شيء؛ لأن في الدار ليس بحديث وكذلك خلفك وإنما هو موضع الخبر.
واعلم/ 37: أنه لا يجوز أن تقول: زيد يوم الخميس, ولا عمرو في شهر كذا, لأن ظروف الزمان لا تتضمن الجثث, وإنما يجوز ذلك في الأحداث, نحو الضرب والحمد, وما أشبه ذلك, وعلة ذلك أنك لو قلت: زيد اليوم, لم تكن فيه فائدة, لأنه لا يخلو أحد من أهل عصرك4 من اليوم, إذ كان الزمان لا يتضمن واحدًا دون الآخر, والأماكن ينتقل عنها فيجوز أن تكون خبرًا عن الجثث وغيرها كذلك.
والظرف من الأماكن تكون إخبارًا عن المعاني التي ليست بجثث -يعني المصادر- نحو قولك: البيع في النهار, والضرب عندك, فإن قال قائل فأنت قد تقول: الليلة الهلال, والهلال جثة, فمن أين جاز هذا؟ فالجواب في ذلك5: أنك إنما أردت: الليلة حدوث الهلال, لأنك إنما تقول ذلك عند توقع طلوعه, ألا ترى أنك لا تقول: الشمس اليوم, ولا القمر الليلة؛ لأنه غير متوقع, وكذلك إن قلت: اليوم زيد, وأنت تريد هذا
المعنى جاز, وتقول: أكل1 يوم لك عهد, لأن فيه معنى الملك, ويوم الجمعة عليك ثوب, إنما2 جاز ذلك لاستقرار الثوب عليك3 فيه/ 38 وأما القسم الثاني من خبر المبتدأ: وهو الذي يكون غير الأول ويظهر فيه ضميره فلا يخلو من أن يكون الخبر فعلًا فيه ضمير المبتدأ نحو: زيد يقوم, والزيدان يقومان, فهذا الضمير وإن كان لا يظهر في فعل الواحد لدلالة المبتدأ عليه يظهر في التثنية والجمع وذلك ضرورة خوف اللبس, ومضمره كظاهره, وأنت إذا قلت: زيد قائم, فالضمير لا يظهر في واحده ولا في تثنيته ولا في جمعه, فإن قال قائل: فإنك قد تقول: الزيدان قائمان, والزيدون قائمون قيل له: ليست الألف ولا الواو فيهما ضميرين4, إنما الألف تثنية الاسم, والواو جمع الاسم وأنت إذا قلت: الزيدون قائمون, فأنت بعد محتاج إلى أن يكون في نيتك ما يرجع إلى الزيدين, ولو كانت الواو ضميرا والألف ضميرا لما جاز أن تقول: القائمان الزيدان, ولا القائمون الزيدون, أو يكون جملة فيها ضميره, والجمل المفيدة على ضربين: إما فعل وفاعل وإما مبتدأ وخبر, أما الجملة التي هي مركبة من فعل وفاعل/ 39 فنحو قولك: زيد ضربته, وعمرو لقيت أخاه, وبكر قام أبوه, وأما الجملة التي هي مركبة من ابتداء وخبر فقولك: زيد أبوه منطلق, وكل جملة تأتي بعد المبتدأ فحكمها في إعرابها كحكمها إذا لم يكن قبلها مبتدأ, ألا ترى أن إعراب "أبوه منطلق" بعد قولك: بكر, كإعرابه لو لم يكن بكر قبله, فأبوه مرتفع بالابتداء "ومنطلق" خبره, فبكر مبتدأ أول وأبوه مبتدأ ثانٍ ومنطلق خبر الأب, والأب "منطلق" خبر بكر,
وموضع قولك: "أبوه منطلق" رفع, ومعنى قولنا: الموضح, أي: لو وقع موقع الجملة اسم مفرد لكان مرفوعًا, وقد يجوز أن يأتي مبتدأ بعد مبتدأ [بعد مبتدأ] 1, وأخبار كثيرة بعد مبتدأ وهذه المبتدآت إذا كثروها فإنما هي شيء قاسه النحويون ليتدرب به المتعلمون2, ولا أعرف له في كلام العرب نظيرًا, فمن ذلك قولهم: زيد هند العمران منطلقان إليهما من أجله, فزيد مبتدأ أول, وهند مبتدأ ثان, والعمران مبتدأ ثالث, وهند وما بعدها خبر لها, والعمران وما بعدهما خبر لهما, وجميع ذلك خبر/ 40 عن زيد, والراجع الهاء في قولك, من أجله, والراجع إلى هند "الهاء" في قولك: إليها والمنطلقان هما العمران, وهما الخبر عنها.
وفيهما ضميرهما, فكلما سئلت عنه من هذا؟ فهذا أصله فإذا طال الحديث عن المبتدأ كل الطول وكان فيه ما يرجع ذكره إليه جاز نحو قولك: "عبد الله قام رجل كان يتحدث مع زيد في داره" صار جميع هذا خبرًا عن "عبد الله" من أجل هذه الهاء التي رجعت إليه بقولك: "في داره" وموضع هذا الجملة كلها رفع من أجل أنك لو وضعت موضعها "منطلقًا" وما أشبهه ما كان إلا رفعًا, فقد بان من جميع ما ذكرنا أنه قد يقع في خبر المبتدأ أحد أربعة أشياء, الاسم أو الفعل أو الظرف, أو الجملة.
واعلم أن المبتدأ أو الخبر من جهة معرفتهما أو نكرتهما أربعة:
الأول: أن يكون المبتدأ معرفة والخبر نكرة نحو: عمرو منطلق: وهذا الذي ينبغي أن يكون عليه3 الكلام4.
الثاني: أن يكون المبتدأ معرفة والخبر معرفة نحو: زيد أخوك, وأنت
تريد أنه أخوه/ 41 من النسب, وهذا ونحوه إنما يجوز إذا كان المخاطب يعرف زيدًا على انفراده ولا يعلم أنه أخوه لفرقة كانت بينهما أو لسبب آخر ويعلم أن له أخًا ولا يدري أنه زيد هذا فتقول له: أنت1 زيد أخوك, أي: زيد هذا الذي عرفته هو أخوك الذي كنت علمته, فتكون الفائدة في اجتماعهما وذلك هو الذي استفاده المخاطب, فمتى كان الخبر عن المعرفة معرفة فإنما الفائدة في مجموعهما, فأما أن يكون يعرفهما مجتمعين وإن هذا هذا فذا2 كلام لا فائدة فيه, فإن قال قائل: فأنت3 تقول: الله ربنا ومحمد نبينا, وهذا معلوم معروف, قيل له: هذا إنما هو معروف عندنا وعند المؤمنين وإنما نقوله ردًّا على الكفار4 وعلى من لا يقول به ولو لم يكن لنا مخالف على هذا القول لما قيل إلا في التعظيم والتحميد5 لطلب الثواب به, فإن المسبح يسبح وليس يريد أن يفيد أحدًا شيئًا وإنما يريد أن يتبرر6 ويتقرب7 إلى الله بقول الحق, وبذلك أمرنا وتعبدنا, وأصل ذلك الاعتراف بمن الله عليه8 بأن عرفه نفسه وفضله/ 42 على من لا يعرف ذلك, وأصل الكلام موضوع للفائدة وإن اتسعت المذاهب فيه, ولكن لو قال قائل: النار حارة والثلج بارد لكان هذا كلامًا لا فائدة فيه, وإن كان الخبر فيهما نكرة.
الثالث: أن يكون المبتدأ نكرة والخبر نكرة وقد بينا أن الجائز من ذلك ما كانت فيه فائدة.
فأما الكلام إذا كان منفيا فإن النكرة فيه حسنة لأن الفائدة فيه واقعة نحو قولك: ما أحد في الدار, وما فيها رجل.
الرابع: أن يكون المبتدأ نكرة والخبر معرفة, وهذا قلب ما وضع عليه1 الكلام وإنما جاء مع الأشياء التي تدخل على المبتدأ والخبر فتعمل لضرورة الشاعر, نحو قوله:
كأنَّ سلافةً مِنْ بَيْتِ رَأْسٍ... يَكُونُ مزاجَهَا عَسلٌ ومَاءُ2
فجعل اسم "كان" عسل وهو نكرة وجعل مزاجها الخبر وهو معرفة بالإِضافة إلى الضمير ومع ذلك فإنما حسن هذا عند قائله أن عسلًا وماءً نوعان وليسا كسائر النكرات التي تنفصل بالخلقة والعدد نحو: تمرة وجوزة, والضمير الذي في/ 43 "مزاجها" راجع إلى نكرة وهو قوله: سلافة, فهو مثل قولك: خمرة ممزوجة بماء.
وقد يعرض الحذف في المبتدأ وفي الخبر أيضًا لعلم المخاطب بما حذف, والمحذوف على ثلاث جهات:
الأولى: حذف المبتدأ وإضماره إذا تقدم من ذكره ما يعلمه السامع فمن ذلك أن ترى جماعة يتوقعون الهلال فيقول القائل: الهلال والله, أي: هذا الهلال فيحذف هذا, وكذلك لو كنت منتظرًا رجلًا فقيل: عمرو, جاز على ما وصفت لك, ومن ذلك: مررت برجل زيد؛ لأنك لما قلت: مررت1 برجل, أردت أن تبين من هو, فكأنك قلت هو زيد وعلى هذا قوله تعالى: ﴿بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكُمُ النَّار﴾ 2.
الجهة الثانية: أن تحذف الخبر لعلم السامع, فمن ذلك أن يقول القائل: ما بقي لكم أحد, فتقول: زيد أو عمرو, أي: زيد لنا, ومنه لولا عبد الله لكان كذا وكذا, فعبد الله مرتفع بالابتداء والخبر محذوف وهو في مكان كذا وكذا, فكأنه قال: لولا عبد الله بذلك المكان, ولولا القتال كان في زمان كذا وكذا, ولكن حذف حين كثر استعمالهم إياه وعرف المعنى/ 44 فأما قوله: لكان "كذا وكذا" فحديث متعلق بحديث "لولا" وليس من المبتدأ في شيء ومن ذلك: هل من طعام, فموضع "من طعام" رفع كأنك3 قلت: هل طعام والمعنى: هل طعام في زمان أو مكان و"من" تزاد توكيدًا مع حرف النفي وحرف الاستفهام إذا وليهما نكرة وسنذكرها في موضعها إن شاء الله.
وقد أدخلوها على الفاعل والمفعول أيضًا كما أدخلوها على المبتدأ فقالوا: ما أتاني من رجل, في موضع: ما أتاني رجل.
﴿وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ﴾ 4 و ﴿هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَد﴾ 5. وكذلك قولك: هل من طعام, وإنما هو: هل طعام,6 فموضع "من طعام" رفع بالابتداء.
الجهة الثالثة: أنهم ربما حذفوا شيئًا من الخبر في الجمل وذلك المحذوف على ضربين: إما أن يكون فيه الضمير الراجع إلى المبتدأ نحو قولهم: السمن منوان بدرهم, يريد: منه, وإلا كان كلامًا غير جائز, لأنه ليس فيه ما يرجع إلى الأول.
وإما أن يكون المحذوف شيئا ليس فيه راجع ولكنه متصل بالكلام نحو قولك: الكر1 بستين درهمًا, فأمسكت عن ذكر الدرهم بعد ذكر الستين لعلم/ 45 المخاطب.
وتعتبر خبرًا لمبتدأ بأنك متى سألت عن الخبر جاز أن يجاب بالمبتدأ؛ لأنه يرجع إلى أنه هو هو في المعنى.
ألا ترى أن القائل2 إذا قال: عمرو منطلق, فقلت3: من المنطلق؟ قال: عمرو, وكذلك إذا قال4: عبد الله أخوك, فقلت: من أخوك؟ قال: عبد الله, وكذلك لو قال: عبد الله قامت جاريته في دار أخيه, فقلت: من الذي قامت جاريته5 في دار أخيه؟ لقال: عبد الله, وخبر المبتدأ يكون جواب "ما"6 وأي, وكيف, وكم, وأين, ومتى, يقول القائل: الدينار ما هو؟ فتقول: حجر, فتجيبه بالجنس, ويقول7 الدينار8 أي الحجارة هو؟ فتقول: ذهب, فتجيبه بنوع9 من ذلك الجنس, وهذا إنما10 يسأل عنه من سمع بالدينار ولم يعرفه.
ويقول: الدينار كيف هو؟ فتقول: مدور أصفر حسن منقوش, ويقول: الدينار كم قيراطًا هو؟ فتقول: الدينار عشرون قيراطًا, فيقول: أين
هو؟ فتقول: في بيت المال والكيس ونحو ذلك, ولا يجوز أن تقول: الدينار متى هو, وقد بينا أن ظروف/ 46 الزمان لا تتضمن الجثث إلا على شرط الفائدة, والتأول, ولكن تقول: القتال متى هو؟ فتقول: يوم كذا وكذا, فأما إذا كان الخبر معرفة أو معهودًا فإنما يقع في جواب "من وأي" نحو قوله: زيد من هو؟ والمعنى: أي الناس هو؟ وأي القوم هو؟ فتقول: أخوك المعروف1 أو أبو عمرو, أي: الذي من أمره كذا, وتقول: هذا الحمار, أي الحمير هو؟ فتقول: الأسود المعروف بكذا وما أشبهه.
واعلم: أن خبر المبتدأ إذا كان اسمًا من أسماء الفاعلين وكان المبتدأ هو الفاعل في المعنى وكان جاريًا عليه إلى جنبه أضمر فيه ما يرجع إليه وانستر2 الضمير نحو قولك: عمرو قائم وأنت منطلق, فأنت وعمرو الفاعلان في المعنى, لأن عمرًا هو الذي قام, وقائم جار على "عمرو" وموضوع إلى جانبه, لم يحل بينه وبينه حائل, فمتى كان الخبر بهذه الصفة لم يحتج إلى أن يظهر الضمير إلا مؤكدًا, فإن أردت التأكيد, قلت: زيد قائم هو, وإن لم ترد التأكيد فأنت/ 47 مستغن عن ذلك وإنما احتمل "ضارب وقائم" وما أشبههما من أسماء الفاعلين ضمير الفاعل ورفع الأسماء التي تبنى عليه لمضارعته الفعل فأضمروا فيه كما أضمروا في الفعل إلا أن المشبه بالشيء [ليس] 3 هو ذلك الشيء بعينه فضمنوه الضمير متى كان جاريًا على الاسم الذي قبله, وإنما يكون كذلك في ثلاثة مواضع: إما أن يكون خبرًا لمبتدأ نحو قولك: عمرو منطلق كما ذكرنا أو يكون صفة نحو: مررت برجل قائم, أو حالًا نحو: رأيت زيدًا قائمًا, ففي اسم الفاعل ضمير في جميع هذه المواضع, فإن وقع بعدها اسم ظاهر ارتفع ارتفاع الفاعل بفعله, ومتى جرى اسم الفاعل على غير من هو له فليس يحتمل أن يكون فيه ضمير الفاعل, كما يكون في الفعل, لأن انستار ضمير الفاعل إنما هو للفعل,
ولذلك بنيت لام "فعل" مع ضمير الفاعل المخاطب في "فعلت" والمخاطب والمخاطبة أيضًا في "فعلتَ"/ 48 وفعلتِ كما بينا فيما مضى.
فإن قلت: هند زيد ضاربته, لم يكن بد من أن تقول: هي, من أجل أن قولك: "ضاربته" ليس لزيد في الفعل نصيب, وإنما الضرب كان من هند ولم يعد عليها شيء من ذكرها, والفعل لها, فإنما "ضاربته" خبر عن زيد وفاعله هند في المعنى, ولم يجز إلا إظهار الضمير, فقلت حينئذ هي مرتفعة "بضاربته" كما ترتفع هند إذا قلت: زيد ضاربته هند, فالمكنى1 ههنا بمنزلة الظاهر, ولا يجوز أن تتضمن "ضاربته" ضمير الفاعل, فإن أردت أن تثني قلت: الهندان الزيدان ضاربتهما هما, لأن "ضاربه" ليس فيه ضمير الهندين إنما هو فعل فاعله المضمر, هذا على قول من قال: أقائم أخواك2, فأما من قال: أكلوني البراغيث3 فيجعل في الفعل علامة التثنية والجمع ولم يرد الضمير ليدل على أن فاعله مثنى أو مجموع كما كانت التاء في "فعلت هند" فرقًا بين فعل المذكر والمؤنث, فإنه يقول: الهندان الزيدان ضاربتاهما هما فإذا قلت: هند زيد ضاربته/ 49 هي "فهند" مرتفعة بالابتداء, "وزيد" مبتدأ ثان, وضاربته خبر زيد "وهي" هذه اللفظة مرتفعة بأنها فاعلة, والفعل "ضاربته" والهاء ترجع إلى زيد, وهي ترجع إلى هند والجملة خبر عنها, فإن جعلت موضع فاعل, يفعل فقلت: زيد هند تضربه, أضمرت الفاعل ولم تظهره, فهذا مما خالفت فيه الأسماء الأفعال, ألا ترى أنك تقول: زيد أضربه وزيد تضربه.
فإن
كان في موضع الفعل اسم الفاعل لم تقل إلا زيد ضاربه أنا أو أنت1 لأن في تصاريف الفعل ما يدل على المضمر ما هو2, كما قد ذكرنا فيما قد تقدم, وليس ذلك في الأسماء وحكم اسم المفعول حكم اسم الفاعل3, تقول: زيد مضروب, فتكون خبرًا لزيد كما تكون "ضارب" ويكون فيه ضميره كما يكون في الفاعل, فتقول: عمرو الجبة مكسوته إذ كان في "مكسوته", ضمير الجبة مستترًا, فإن كان فيه ضمير "عمرو" لم يجز حتى تقول: عمرو الجبة مكسوها هو, فحكم المفعول/ 50 حكم الفاعل, كما أن فُعِلَ "كفَعَلَ" في عمله, وحق خبر المبتدأ إذا كان جملة أن يكون خبرًا كاسمه يجوز4 فيه التصديق والتكذيب, ولا يكون استفهامًا ولا أمرًا ولا نهيًا وما أشبه ذلك مما لا يقال فيه صدقت ولا كذبت, ولكن العرب قد5 اتسعت في كلامها فقالت: زيد كم مرة رأيته, فاستجازوا6 هذا لما كان زيدٌ في المعنى والحقيقة داخلًا في جملة ما استفهم عنه, لأن الهاء هي زيدٌ, وكذلك كل ما اتسعوا فيه من هذا الضرب.
شرح الثالث من الأسماء المرتفعة وهو الفاعل
:
الاسم الذي يرتفع بأنه فاعل هو الذي بنيته على الفعل الذي بني للفاعل.
ويجعل الفعل حديثًا عنه مقدمًا قبله كان فاعلًا في الحقيقة أو لم يكن
كقولك: جاء زيدٌ ومات عمروٌ, وما أشبه ذلك, ومعنى قولي: بنيته على الفعل الذي بني للفاعل, أي: ذكرت الفعل قبل الاسم, لأنك لو أتيت بالفعل بعد الاسم لارتفع الاسم بالابتداء, وإنما قلت على الفعل/51 الذي بني للفاعل, لأفرق بينه وبين الفعل الذي بني للمفعول إذ كانوا قد فرقوا بينهما فجعلوا "ضرب" للفاعل مفتوح الفاء و"ضرب" للمفعول مضموم الفاء مكسور العين, وقد جعل بينهما في جميع تصاريف الأفعال ماضيها ومستقبلها وثلاثيها ورباعيها وما فيه زائد منها فروق في الأبنية, وهذا يبين لك في موضعه إن شاء الله.
وإنما قلت: كان فاعلًا في الحقيقة أو لم يكن, لأن الفعل ينقسم قسمين: فمنه حقيقي, ومنه غير حقيقي, والحقيقي ينقسم قسمين: أحدهما أن يكون1 الفعل لا يتعدى الفاعل إلى من سواه ولا يكون فيه دليل على مفعول, نحو: قمت وقعدت, والآخر أن يكون فعلًا واصلًا إلى اسم بعد اسم الفاعل, والفعل الواصل على ضربين: فضربٌ واصل مؤثر نحو: ضربت زيدًا وقتلت بكرًا, والضرب2 الآخر واصل إلى الاسم3 فقط4 غير مؤثر/ 52 فيه نحو: ذكرت زيدًا ومدحت عمرًا, وهجوت بكرًا, فإن هذه تتعدى إلى الحي والميت والشاهد والغائب, وإن كنت إنما تمدح الذات وتذمها إلا أنها غير مؤثرة5.
ومنها الأفعال الداخلة على الابتداء والخبر وإنما تنبئ عن الفاعل بما هجس في نفسه أو تيقنه غير مؤثرة بمفعول, ولكن أخبار6 الفاعل بما7 وقع عنده نحو: ظننت زيدًا أخاك.
وعلمت زيدًا خير الناس.
القسم الثاني: من القسمة الأولى1: وهو الفعل الذي هو غير فعل حقيقي, فهو على ثلاثة أضرب, فالضرب الأول: أفعال مستعارة للاختصار وفيها بيان أن فاعليها في الحقيقة مفعولون نحو: مات زيدٌ, وسقط الحائط, ومرض بكر.
والضرب الثاني: أفعال في اللفظ وليست بأفعال حقيقية, وإنما تدل على الزمان فقط, وذلك قولك: كان عبد الله أخاك, وأصبح عبد الله عاقلًا, ليست تخبر بفعل فعله إنما تخبر أن عبد الله أخوك فيما مضى/ 53 وأن الصباح أتى عليه وهو عاقل.
والضرب الثالث: أفعال منقولة يراد بها غير الفاعل الذي جعلت له نحو قولك: لا أرينك2 ههنا, فالنهي إنما هو للمتكلم كأنه ينهي نفسه في اللفظ وهو للمخاطب في المعنى.
وتأويله: لا تكونن ههنا فإن3 "من" حضرني رأيته ومثله قوله تعالى: ﴿فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ 4 لم ينههم عن الموت في وقت لأن5 ذلك ليس المهم تقديمه وتأخيره ولكن معناه: كونوا على الإسلام.
فإن الموت لا بد منه, فمتى صادفكم صادفكم عليه, وهذا تفسير أبي العباس6 رحمه الله.
فالاسم الذي يرتفع بأنه فاعل7 هو والفعل جملة يستغني عليها8
السكوت وتمت بها1 الفائدة للمخاطب, ويتم الكلام به دون مفعول والمفعول فضلة في الكلام كالذي تقدم, فأما2 الفعل فلا بد له من فاعل, وما يقوم مقام الفاعل بمنزلة الابتداء والخبر, ألا ترى أنك إذا قلت: قام زيد فهو بمنزلة قولك: القائم زيد.
فالفاعل رفع إذا أخبرت عنه أنه "فَعَلَ" وسيفعل أو هو في حال/54 الفعل أو استفهمت عنه هل يكون فاعلًا أو نفيت أن يكون فاعلًا نحو: قام عبد الله ويقوم عبد الله.
وسيقوم عبد الله.
وفي الاستفهام: أيقوم عبد الله؟ وفي الجزاء إِنْ يذهب زيد أذهب.
وفي النفي, ما ذهب زيد, ولم يقم عمرو, فالعامل هو الفعل على عمله أين نقلته لا يغيره عن عمله شيء أدخلت عليه ما يعمل فيه أو لم يعمل, فسواء كان الفعل مجزومًا أو منصوبًا أو مرفوعًا أو موجبًا أو منفيا أو خبرًا أو استخبارًا هو في جميع هذه الأحوال لا بدّ من أن يرفع به الاسم الذي بني له, فالأفعال كلها ماضيها وحاضرها ومستقبلها يرفع بها الفاعل بالصفة التي ذكرناها, ومن الأفعال ما لا يتصرف في الأزمنة الثلاثة: الماضي والحاضر والمستقبل, ويقتصر به على زمان واحد3, فلا يتصرف في جميع تصاريف الأفعال, وقد أفردناها, وقد أعملوا اسم الفعل, وتأملت جميع ذلك فوجدت الأشياء التي ترتفع بها الأسماء ارتفاع الفاعل ستة أشياء: فعل متصرف, وفعل غير/ 55 متصرف, واسم الفاعل والصفة المشبهة باسم الفاعل والمصدر والأسماء التي سموا فيها الفعل في الأمر والنهي.
فأما الأول: وهو الفعل المتصرف فنحو: قام وضربَ, وتصرفه أنك تقول: يقوم وأقوم وتقوم.
وضربَ, ويضرب, وأضرب, وجميع تصاريف الأفعال جارية عليه ويشتق منه اسم الفاعل, فتقول: ضارب,
والثاني: وهو الفعل الذي هو غير متصرف نحو: ليس وعسى وفعل التعجب ونعم وبئس لا تقول منه, يفعل ولا فاعل1.
ولا يزول عن بناءٍ واحدٍ, وسنذكر هذه الأفعال بعد في مواضعها إن شاء الله.
الثالث: وهو اسم الفاعل الجاري على فعله, نحو قولك: قام يقوم فهو قائم: وضرب يضرب فهو ضارب, وشرب, يشرب فهو شارب, فضارب وشارب2 وقائم أسماء الفاعلين.
وقد بينا أن اسم الفاعل لا يحسن أن يعمل إلا أن يكون معتمدا على شيء قبله.
وذكرنا ما يحسن من ذلك وما يقبح في باب/ 56 خبر الابتداء.
والرابع: الصفة المشبهة باسم الفاعل, نحو قولك: حسن, وشديد تقول: الحسن وجه زيد, [و] 3 الشديد ساعدك, وما أشبهه.
والخامس: المصدر نحو قولك, عجبت من ضرب زيدٍ عمرو, وتأويله: من أن ضربَ زيدًا عمرو.
السادس: الأسماء التي يسمى الفعل بها في الأمر والنهي نحو قولهم: تراكها ومناعها, يريدون: أترك, وأمنع, ورويد زيدًا وهلم الثريد وصه, ومه يريدون: اسكت, وعليك زيدًا فهذه الأسماء إنما جاءت في الأمر وتحفظ حفظًا ولا يقاس عليها, وسنذكر جميع هذه الأسماء التي أوقعت موقع الفعل في بابها مشروحة إن شاء الله.
شرح الرابع من الأسماء المرتفعة
: وهو المفعول الذي لم يسم من فَعَلَ به, إذا كان الاسم مبنيا على فعلٍ بني للمفعول ولم يذكر من فعلَ به فهو رفع وذلك قولك: ضرب بكر وأخرج خالد, واستخرجت الدراهم, فبني الفعل للمفعول على "فعل" نحو:
"ضُرِبَ" وأفعلَ نحو: "أكرِمَ"/ 57 وتفعل نحو: تضرب, ونفعل نحو: نضرب فخولف بينه وبين بناءِ الفعل الذي بني للفاعل, لئلا يلتبس المفعول بالفاعل, وارتفاع المفعول بالفعل الذي تحدثت به عنه كارتفاع الفاعل إذا كان الكلام لا يتم إلا به ولا يستغني دونه, ولذلك قلت: إذا كان مبنيا على فعلٍ بني للمفعول أردت به ما أردت في الفاعل من أن الكلام لا يتم إلا به وقلت ولم تذكر من فعل به لأنك لو ذكرت الفاعل ما كان المفعول إلا نصبًا, وإنما ارتفع لما زال الفاعل وقام مقامه.
واعلم: أن الأفعال التي لا تتعدى لا يبنى منها فعل للمفعول, لأن ذلك محال, نحو: قام, وجلس.
لا يجوز أن تقول: قيم زيد ولا جلس عمرو, إذ كنت إنما تبني الفعل للمفعول, فإذا كان الفعل لا يتعدى إلى مفعول فمن أين لك مفعول تبنيه له, فإن كان الفعل يتعدى إلى مفعول واحد نحو: ضربت زيدًا, أزلت الفاعل وقلت: ضرب زيد, فصار المفعول يقوم مقام/ 58 الفاعل وبقي الكلام بغير اسم منصوب لأن الذي كان منصوبًا قد ارتفع, وإن كان الفعل يتعدى إلى مفعولين نحو: أعطيت زيدًا درهمًا, فرددته إلى ما لم يسم فاعله قلت: أُعطي زيد درهمًا, فقامَ أحد المفعولين مقامَ الفاعلِ, وبقيَ منصوب واحد1 في الكلام, وكذلك إن كان الفعل يتعدى إلى ثلاثة مفعولين نحو: أعلم الله زيدًا بكرًا خير الناس, إذا رددته إلى ما لم يسم فاعله قلت: أعلم زيد بكرًا خير الناس.
فقام أحد المفعولين مقام الفاعل.
وبقي في الكلام اسمان منصوبان, فعلى هذا يجري هذا الباب.
وإن كان الفعل لا يتعدى لم يجز ذلك فيه, وإن كان يتعدى إلى مفعول واحدٍ بقي الفعل غير متعد, وإن كان يتعدى إلى اثنين بقي الفعل متعديًا إلى واحد, وإن كان يتعدى إلى ثلاثة, بقي الفعل يتعدى إلى اثنين, فعلى هذا فقس متى نقلت "فعل" الذي هو