الأصول في النحوباب النداء

باب النداء

عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن السراج
الكتاب
الأصول في النحو
المؤلف
أبو بكر محمد بن السري بن سهل النحوي المعروف بابن السراج (المتوفى: 316هـ)
المحقق
عبد الحسين الفتلي
الناشر
مؤسسة الرسالة، لبنان - بيروت
عدد الأجزاء
3 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]

باب النداء: الحروف التي ينادى بها خمسة1: يا, وأيا, وهيا, وأي, وبالألف, وهذه ينبه بها المدعو, إلا أن أربعة غير الألف يستعملونها إذا أرادوا أن يمدوا أصواتهم للشيء المتراخى عنه أو للإِنسان المعروض أو النائم المستثقل/ 377, وقد يستعملون هذه التي للمد في موضع الألف, ولا يستعملون الألف في هذه المواضع التي يمدون فيها, ويجوز أن تستعمل هذه الخمسة إذا كان صاحبك قريبًا مقبلًا عليك توكيدًا وإن شئت حذفتهن كلهن استغناء إلا في المبهم والنكرة فلا يحسن أن تقول: هذا وأنت تريد: يا هذا ولا رجل وأنت تريد: يا رجل ويجوز حذف: يا, من النكرة في الشعر.
والندبة يلزمها: يا ووا, "ووا" يخص بها المندوب.
وأصل النداء تنبيه المدعو ليقبل عليك وتعرض فيه الاستغاثة والتعجب والمدح والندبة وسنذكر ذلك في مواضعه, والأسماء المناداة تنقسم على ثلاثة أضرب: مفرد ومضاف ومضارع للمضاف بطوله.

شرح الأول: وهو الاسم المفرد في النداء, الاسم المفرد ينقسم على ضربين: معرفة ونكرة, فالمعرفة: هو المضموم في النداء, والمعرفة المضمومة في النداء على ضربين: إحداهما/ 378: ما كان اسمًا علمًا قبل النداء, نحو: زيد وعمرو فهو على معرفته.
وضرب كان نكرة فتعرف بالنداء نحو: يا رجل أقبل, صار معرفة بالخطاب وأنه في معنى: يا أيها الرجل.
فهذان الضربان هما اللذان يُضَمّان في النداء تقول: يا زيد, ويا عمرو, ويا بكر, ويا جعفر, ويا رجل أقبل, ويا غلام تعال.
فأما: يا زيد فزيد وما أشبهه من المعارف معارف قبل النداء, وهو في النداء معرفة كما كان, ولو كان تعريفه بالنداء لقدر تنكيره قبل تعريفه, ويحيل قول من قال: أنه معرفة بالنداء فقط, إنك قد تنادي باسمه من لا تعلم له فيه شريكًا, كما تقول: يا فرزدق أقبل, ولو كنت لا تعرف أحدًا له مثل هذا الاسم ولو لم يكن عرف أن هذا اسمه فيما تقدم لما أجابك إذا دعوته به.
ومن قال إذا قلت: يا زيد, أنه معرفة بالنداء1, فهذا الكلام من وجه حسن ومن وجه قبيح عندي, أما حسنة: فأن/ 379 يعني: أن أول ما يوضع الاسم ليعرف به الإِنسان أنه ينادى به فيقول له أبوه أو من سماه مبتدأ: يا فلان, وإذا كرر ذلك عليه, علم أنه اسمه, ولولا التكرير أيضًا ما علم, فمن قال: أن الاسم معرفة بالنداء أي: أصله أنه به صار يعرف المسمى, فحسن, وإن كان أراد: أن التعريف الذي كان فيه قد زال وحدث بالنداء تعريف آخر, فقد بينا وجه الإِحالة فيه ويلزم قائل هذا القول شناعات أخر عندي.

وأما قولك: يا رجل.
فهذا كان نكرة لا شك فيه قبل النداء, وإنما صار باختصاصك له وإقبالك عليه في معنى: يا أيها الرجل, فرفع وإنما ادعى من قال: أن: يا زيد معرفة بالنداء1 لا بالتعريف الذي كان له. قيل: إنه وُجِد الألف واللام لا يثبتان مع "يا" في التعريف في التثنية, ألا ترى أنك تقول يا زيدان أقبلا ولولا "يا" لقلت: الزيدان إذا أردت التعريف, وإنما حذفت الألف واللام استغناء "بيا" عنهما, إذ كانتا آلة للتعريف, كما حذفنا/ 380 من النكرة في النداء أيضًا. ووجدنا ما ينوب عنهما فليس ينادي شيءٌ مما فيه الألف واللام إلا الله عز وجل2.
قال سيبويه: وذلك من أجل أن هذا الاسم لا تفارقه الألف واللام وكثر في كلام العرب3.
وأما الاسم النكرة الذي بقي على نكرته فلم يتعرف بتسمية ولا نداء فإذا ناديته فهو منصوب, تقول: يا رجلًا أقبل ويا غلامًا تعال, وكذلك إن قلت: يا رجلًا عاقلًا تعالى, فالنكرة منصوبة وصفتها أو لم تصفها, ومعنى هذا أنك لم تدع رجلًا بعينه, فمن أجابك فقد أطاعك, ألا ترى أنه يقول: من هو وراء حائط ولا يدري من وراءه من الناس: يا رجلًا أغثني, ويا غلامًا كلمني, كما يقول: الضرير يا رجلًا خذ بيدي فهو ليس يقصد واحدًا بعينهِ بَل من أخذَ بيدهِ فهو بغيتُهُ قال الشاعر: فيا رَاكِبًا إما عَرَضْتَ فَبَلِّغَنْ... نَدامَايَ مِنْ نَجْرَان أنْ لا تَلاقِيا4

وإنما أعربت النكرة ولم تبن لأنها لم تخرج عن بابها إلى/ 381 غير بابها كما خرجت المعرفة, فإن قال قائل: ما علمنا أن قولهم: يا زيد مبني على الضم وليس بمعرب مرفوع1 قيل: يدل على أنه غير معرب أن موضعه نصب, والدليل على ذلك أن المضاف إذا وقع موقع المفرد نصب, تقول: يا عبدَ الله, وأن الصفة قد تنصب على الموضع تقول: يا زيدُ الطويلُ فلو كانت الضمة إعرابًا لما جاز أن تنصبه إذا أضفناه, ولا أن تنصب وصفه, لكنا نقول: أنه مضموم, مضارع للمرفوع ويشبهه من أجل أن كل اسم متمكن يقع في هذا الموضع يضم فأشبه من أجل ذلك المرفوع "بقام" يعني الفاعل؛ لأن كل اسم متمكن يلي "قام" فهو مرفوع, فلهذا حسن أن تتبعه النعت فتقول: يا زيدٌ الطويل كما تقول: قام زيد الطويل, يا زيد وعمرو, فتعطف كما تعطف على المرفوع.

وينبغي أن تعلم: أن حق كل منادى النصب.
من قبل أن قولك: يا فلان ينوب عن قولك: أنادي/ 382 فلانًا؛ لأن قولك: "يا" هو العمل بعينه وأنه فارق سائر الكلام.
لأن الكلام لفظ يغني عن العمل, وهذا العمل فيه هو اللفظ.
فإن قلت: ناديت زيدًا بعدَ قولِكَ: يا زيد وهو مثل قولِكَ: ضربت زيدًا, بعدَ علمِكَ ذلكَ به, فتأملْ هذا فإنه منفرد به هذا الباب.
وأما السبب الذي أوجب بناء الاسم المفرد فوقوعه موقع غير المتمكن, ألا ترى أنه قد وقع موقع المضمرة والمكنيات والأسماء إنما جعلت للغيبة لا تقول: قام زيد وأنت تحذف زيدًا عن نفسه, إنما تقول: قمت يا هذا فلما وقع زيد وما أشبهه بعد "يا" في النداء موقع أنت والكاف وأنتم وهذه مبنيات لمضارعتها الحروف بُني, وسنبين أمر المبنيات في مواضعها.
وبني على الحركة في النداء لأن أصله التمكن ففرق بينه وبين ما لا أصل له في التمكن فأما تحريكه بالضم دون غيره فإنهم شبهوه بالغايات نحو قبل وبعد إذ كانت تعرب بما يجب لها من الإِعراب/ 383 إذا أضفتها وهو النصب والخفض دون الرفع, وتقول: جئت قبلك ومن قبلك فلما حذف منها الاسم المضاف إليه بني الباقي على الضم, وهي الحركة التي لم تكن له قبل البناء, فعلم أنها غير إعراب.
فقالوا: جئتك من قبل ومن بعد ومن علُ يا هذا, فكذلك هذا المنادى لما كان مضافهُ منصوبًا ضم مفرده, ألا ترى أنك تقول: يا عبد الله فتنصب, فإن لم تضف قلت: يا عبد ويا غلام فضممت فكذلك التقدير في كل مفرد, وإن كنت لم تفرد عن إضافة فهذا تقديره.
واعلم: أن لك أن تصف زيدًا وما أشبهه في النداء وتؤكده وتبدل منه وتعطف عليه بحرف العطف وعطف البيان.
أما الوصف فقولك: يا زيد الطويلُ والطويلَ فترفع على اللفظ وتنصب على الموضع1, فإن وصفته

بمضاف نصبت الوصف لا غير1 لأنه لو وقع موقع زيد لم يكن إلا منصوبًا تقول: يا زيد ذا الجمة/ 384 وكذلك إن أكدته تقول: يا زيد نفسُهُ ويا تميم كلكُم ويا قيس كلكُم.
فأما يا تميم أجمعون, فأنت فيه بالخيار, إن شئت رفعت وإن شئت نصبت, حكم التأكيد حكم النعت, إلا أن الصفة يجوز فيها النصب على إضمار "أعني" ولا يجوز في أجمعين ذلك, وأما البدل فقولك: يا زيد زيدٌ الطويلَ, ويا زيد أخان؛ لأن تقدير البدل أن يقوم الثاني مقام الأول فيعمل فيه ما عمل في الأول فقولك: يا زيد أخانا كقولك: يا أخانا.
واعلم: أن عطف البيان كالنعت سواء, لا يلزمك فيه طرح التنوين كما لا يلزمك في النعت طرح الألف والام, تقول: يا زيدٌ زيدًا فتعطفُ على الموضعِ, ويا زيدٌ زيدٌ وأمر البدل وعطف البيان سنذكرهما مع ذكر توابع الأسماء وهذا البيت ينشد على ضروب: إني وأسطارٍ سُطِرْنَ سَطْرَا... لَقَائِلٌ: يا نَصْرُ نَصْرًَا نَصْرَا 2 فمن قال: يا نصر نصرًا, فإنه جعل المنصوبين تبيينًا للمضموم وهو

الذي يسميه النحويون عطف البيان, وسأفرق لك/ 385 عطف البيان من البدل في موضعه, ومجرى العطف للبيانِ مجرى الصفةِ فأجريا على قولك: يا زيد الظريفَ وتقديرهُ: يا رجل زيدًا أقبل على قول من نصب الصفة.
وينشد: يا نَصْرُ نَصْرا1 جعلهما تبيينًا وأجرى أحدهما على اللفظ والآخر على الموضع كما تقول: يا زيدٌ الظريف العاقلُ ولو نصبت "العاقل" على "أعني" كان جيدًا, ومنهم من ينشده: يا نَصْرُ نَصْرُ نَصْرا2 فجعل الثاني بدلًا من الأول, وتنصب الثالث على التبيين فكأنه قال: يا نَصْرُ نصرُ نَصْرا3.
وأما العطف فقولك: يا زيد وعمرو أقبلا, ويا هند وزيد أقبلا, ولا

يجوز عطف الثاني على الموضع لما ذكرناه في باب العطف وهو أن حكم الثاني حكم الأول لأنه منادى مثله وكل مفرد منادى فهو مضموم.
وقد قالوا على ذلك: يا زيد والحرث لما دخلتِ الألفُ واللامُ "ويا" لا تدخل عليهما, فاعلم وإنما يبنى الأولُ لأنه منادى مخاطب باسمه, وعلة/ 386 الثاني وما بعده كعلة الأول لا فرقَ بينهما في ذلك, ألا ترى أنهم: يقولون: يا عبدَ الله وزيدٌ فيضمون الثاني والأول منصوب لهذه العلة ولولا ذلك لم يجز, قال جميع ذلك ابن السراج, أيضًا فإن عطفت اسمًا فيه ألف ولام على مفرد فإن فيه اختلافًا.
أما الخليل وسيبويه والمازني: فيختارون الرفع, يقولون: يا زيدٌ والحارثُ أقبلا1, وقرأ الأعرج وهو عبد الرحمن بن هرمز: "يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرُ"2.
وأما أبو عمرو وعيسى ويونس وأبو عمر الجرمي فيختارون النصب3, وهي قراءة العامة.
وكان أبو العباس يختار النصب في قولك: يا زيد والرجلُ ويختار الرفع في الحارث إذا قلت: يا زيدٌ والحارثُ؛ لأن الألف واللام في "الحارث" دخلت عنده للتفخيم, والألف واللام في الرجل دخلتا بدلًا من "يا" لأن قولك: النضر والحارث, ونصر وحارث بمنزلة4 ومثل

ذلك اختلافهم في الاسم المنادى إذا لحقه التنوين اضطرارًا في الشعر, فإن الأولين يؤثرون رفعه 1 / 387 أيضًا ويقولون: هو بمنزلة مرفوع لا ينصرف يلحقه التنوين فيبقى على لفظه وأبو عمرو بن العلاء وأصحابه يلزمون النصب ويقولون هو بمنزلة قولك: مررت بعثمان يا فتى, فإذا لحقه التنوين رجع إلى الخفض2.
فإن كان المنادى مبهمًا, فحكمه حكم غيره, إلا أنه يوصف بالرجل وما أشبهه من الأجناس وتقول: يا أيها الرجل أقبل, فيكون "أي" ورجل كاسم واحد "فأي" مدعو والرجل نعت له, ولا يجوز أن يفارقه نعته؛ لأن "أيا" اسم مبهم ولا يستعمل إلا بصلة, إلا في الجزاء والاستفهام فلما لم يوصل أُلزم الصفة لتبينه كما كانت تبينه الصلة.
و"ها" تبينه وكذلك إذا قلت: يا هذا الرجل, فإذا قلت: يا أيها الرجل لم يصلح في "الرجل" إلا الرفع؛ لأنه المنادى في الحقيقة و"أي" مبهم متوصل إليه به.
وكذلك: يا هذا الرجل إذا جعلت هذا سببًا إلى نداء الرجل, ولك أن تقيم الصفة مقام الموصوف فتقول: / 388 يا أيها الطويل ويا هذا القصير كقوله تعالى: ﴿قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ﴾ 3 فإن قدرت الوقف على هذا ولم تجعله وصلة إلى الصفة وكان مستغنيًا بإفرادهِ كنت في صفته بالخيار: إن شئت رفعت وإن شئت نصبت كما كان ذلك في نعت زيد فقلت: يا هذا الطويلُ والطويلَ.
وأما "أي" فلا يجوز في وصفها النصب لأنها لا تستعمل مفردة فإن وصفتَ الصفةَ بمضافٍ فهو مرفوع لأنك إنما تنصب صفة المنادى فقط.
قال الشاعر: يا أيُّها الجَاهِلُ ذو التَّنَزِّي4

فوصف "الجاهل" وهو صفة بـ"ذو" ويجوز النصب على أن تجعله بدلًا من "أي" فتقول: يا أيها الجاهل ذا التنزي, ولا يجوز أن تقول: هذا أقبل وأنت تناديه تريد: يا هذا كما تقول: زيد أقبل وأنت تريد يا زيد ولا: رجل أقبل؛ لأن هذين نعت لأي, فإن جاء في الشعر فهو جائز ولك أن تسقط "يا" فتقول: زيد أقبل وإنما قبح إسقاط حرف النداء من هذا/ 389 ورجل لأنهما يكونان نعتًا لأي فلا يجمع عليها حذف المنعوتِ وحرفُ النداءِ فاعلم. فأما قولهم: اللهُّم اغفر لي, فإنَّ الخليل كان يقول: الميم المشددة في آخرهِ بدل من "يا" التي للنداء لأنهما حرفان مكان حرفين1.
قال أبو العباس: الدليل على صحة قول الخليل: أن قولك: اللهم لا يكون إلا في النداء لا تقول: غفر اللهم لزيد ولا: سخط اللهم على زيد كما تقول: سخط الله على زيد وغفر الله لزيد وإنما تقول: اللهم اغفر لنا اللهم اهدنا وقال: فإن قال الفراء: هو نداء معه "أم" قيل: له فكيف تقول: اللهم اغفر لنا, واللهم أمنا بخير فقد ذكر "أم" مرتين قال: ويجب على قوله أن تقول: يا اللهم لأنه: يا الله أمنا ولا يلزم ذلك الخليل: لأنه يقول الميم بدل من يا2.
وإذا وصفت مفردًا بمضاف لم يكن المضاف إلا منصوبًا تقول: يا زيد.

ذا الجمة, فأما: يا زيد الحسن الوجه, فإن سيبويه: يجيز الرفع والنصب في الصفة, لأن معناه عنده الانفصال فهو كالمفرد في التقدير, لأن حسن1 / 390 الوجه بمنزلة حسن وجههُ, فكما أنه يجيز: يا زيد الحَسَنُ والحسنَ فكذلك يفعل إذا أضاف, لأنه غير الإِضافة يعني به, وأنشد: يا صَاحِ يا ذَا الضَّامِرِ العَنسِ2 يريد: يا ذا الضامرة عنسُه وتقول: يا زيدٌ أو عبد الله, ويا زيدُ أو خالدُ وقال سيبويه: أو, ولا في العطفِ على المنادى بمنزلة الواو3.

شرح الاسم المنادى الثاني وهو المضاف

: اعلم: أن كل اسم مضاف منادى, فهو منصوب على أصل النداء الذي يجب فيه -كما بينا- تقول: يا عبدَ الله أقبل, ويا غلامَ زيد افعل, ويا عبدَ مرة تعال, ويا رجل سوء تُبْ, المعرفة والنكرة في هذا سواء, وقال عز وجل: ﴿يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ﴾ 1. وذكر سيبويه: أن ذلك منصوب على إضمار الفعل المتروك إظهاره2.
وقال أبو العباس: أن "يا" بدل من قولك: أَدعو أو أُريد لا أنك تخبر أنك تفعل, ولكن بها علم أنك قد أوقعت فعلًا, يا عبد الله وقع دعاؤك بعبد الله فانتصب على 3 / 391 أنه مفعول تعدى إليه فعلك, فإن أضفت المنادى إلى نفسك فحكم كل اسم تضيفه إلى نفسك أن تحذف إعرابه وتكسر حرف الإِعراب وتأتي بالياء التي هي اسمك فتقول: يا غلامي وزيدي, فإذا ناديت قلت: يا غلام أقبل, لا تثبت "ياء" الإِضافة كما تثبت التنوين في المفرد تشبيهًا به, وثبات الياء فيما زعم يونس في المضاف لغة, وكان أبو عمرو يقول: "يَا عِبَادِي فَاتَّقُونِ"4.
وقد يبدلون مكان الياء الألف لأنها أخف عليهم نحو: يا ربا تجاوز عنا, ويا غلاما لا تفعل, فإذا وقفت قلت: يا غلاماُه, وعلى هذا يجوز: يا أَباه ويا أُماه.
قال سيبويه: وسألت الخليل عن قولهم: يا أبه, ويا أبةِ لا تفعل, ويا أبتاه, ويا أُمتاه فزعم الخليل: أن هذه الهاء مثل الهاء في عمة وخالة, وزعم: أنه سمع من العرب من يقول: يا أمة لا تفعلي ويدلك على أن الهاء بمنزلة الهاء في عمة أنك تقول في الوقت: يا أمةْ ويا أبه كما تقول:

يا خالة, إنما يلزمون هذه في النداء1 / 392 إذا أضفت إلى نفسك خاصة, كأنهم جعلوها عوضًا من حذف الياء, قال: وحدثنا يونس: أن بعض العرب يقول: يا أم لا تفعلي, ولا يجوز ذلك في غيرها من المضاف. وبعض العرب يقول: يا ربُّ اغفر لي, ويا قومُ لا تفعلوا, فإن أضفت إلى مضاف إليك قلت: يا غلام غلامي, ويابن أخي, فتثبت الياء لأن الثاني غير منادى, فإنما تسقط الياء في الموضع الذي يسقط فيه التنوين وقالوا: يابن أُم, ويابن عم, فجعلوا ذلكَ بمنزلة اسمْ واحدٍ لكثرته في كلامهم2.
قال أبو العباس -رحمه الله: سألت أبا عثمان عن قول من قال: يابن أم لا تفعل, فقال: عندي فيه وجهان: أحدهما أن يكون أراد: يابن أمي فقلب الياء ألفًا فقال: يابن أما ثم حذف الألف استخفافًا من "أما" كما حذف الياء من "أمي".
ومثل ذلك: يا أبة لا تفعل, والوجه الآخر أن يكون: ابن عمل في أُم عمل خمسة عشر فبني/ 393 لذلك قلت: فلم جاز في الوجه الأول قلب الياء ألفًا؟ فقال: يجوز في النداء والخبر وهو في النداء أجود قلت: وأمّ؟ قال: لأن النداء يقرب من الندبة وهو قياس واحد وذلك قولك: وا أماه قلت: فنجيزه في الخبر في الشعرِ؟ فقالَ: في الشعر وفي الكلام جيدٌ بالغ, أقول: هذا غلاما قد جاء فأقلبها؛ لأنَّ الألف أخف من الياء.
وقد قال الشاعر: وقَدْ زَعَمُوا أنِّي جَزِعْتُ علَيهِمَا... وهَلْ جَزَعٌ إن قُلْتَ: وا بأباهما3

يريد: وا بأبي هما.
وأنشد سيبويه لأبي النجم: يا بنتَ عَمَّا لا تلومِي واهْجَعِي1 فإن أضفت اسمًا مثنى إليك: نحو عبدين وزيدين قلت: يا عبدي ويا زيدي ففتحت الياء من قبل أن أصل الإِضافة إلى نفسك الفتح, تقول: هذا بني وغلامي يا فتي, ثم تسكن إن شئت استخفافًا فلما التقى ساكنان في عبدي واحتجت إلى الحركة رددت ما كان للياء إليها فإذا صغرت ابنًا فقلت بني, ثم أضفته إلى نفسك قلت: يا بني أقبل, ولم تكن هذه الياء كياء التثنية؛ لأن هذه حرف/ 394 إعراب كما يتحرك دال عبدٍ, تقول: هذا بني كما تقول: هذا عبد, فإذا أضفتهما إلى نفسك كسرت حرف الإِعراب إرادة للياء, وكان الأصل في: يا بني أن تأتي بياء بعد الياء المشددة فحذفتها واستغنيت بالكسر عنها وتقول: يا زيد عمرو ويا زيد زيد أخينا ويا زيد زيدنا.
قال سيبويه, وزعم الخليل ويونس: أن هذا كله سواء وهي لغة للعرب جيدة, وذلك لأنهم قد علموا: أنهم لو لم يكرروا الاسم كان الأول نصبًا لأنه مضاف فلما كرروه تركوه على حاله2 قال الشاعر:

يا تيمَ تَيمَ عَدِيٍّ لا أَبَا لَكُمُ... لا يَلْقَيَنَّكُم في سَوأةٍ عُمَرُ1 وإن شئت قلت: يا تيم تيمَ عدي2, ويا زيد زيدَ أخينا, فكل اسمين لفظهما واحد والآخر منهما مضاف فالجيد الضم في الأول والثاني منهما منصوب, لأنه مضاف, فإن شئت كان بدلًا من الأول وإن شئت كان عطفًا عليه, عطف البيان والوجه الآخر نصب الأول بغير تنوين لأنك/ 395 أردت بالأول: يا زيد عمرو فأما أقحمت الثاني توكيدا للأول, وأما حذفت من الأول المضاف استغناء بإضافة الثاني, فكأنه في التقدير: يا زيد عمرو, زيد عمرو, ويا تيم عدي تيم عدي.
واعلم: أن المضاف إذا وصفته بمفرد وبمضاف مثله لم يكن نعته إلا نصبًا؛ لأنك إن حملته على اللفظ فهو نصب والموضع موضع نصب, فلا يزال ما كان على أصله إلى غيره وذلك نحو قولك: يا عبدَ الله العاقلَ, ويا غلامنا الطويلَ, والبدل يقوم مقام المبدل منه, تقول: يا أخانا زيد أقبل, فإن لم ترد البدل وأردت البيان قلت: يا أخانا زيدًا أقبل, لأن البيان يجري مجرى النعت.

شرح الثالث: وهو الاسم المنادى المضارع للمضاف لطوله.

إذا ناديت أسمًا موصولًا بشيء هو كالتمام له فحكمه حكم المضاف إذ كان يشبهه في أنه لفظ مضموم إلى لفظ هو تمام الاسم الأول ويكون معرفة ونكرة وذلك قولك: يا خيرًا من زيد أقبل.
ويا ضاربًا رجلًا ويا عشرون رجلًا/ 396 ويا قائمًا في الدار, وما أشبهه, جميع هذا منصوب, إذا أقبلت على واحد فخاطبته وقدرت التعريف, وإن أردت التنكير فهو أيضا منصوب, وقد كنت عرفتك أن المعارف على ضربين: معرفة بالتسمية ومعرفة بالنداء.
وقال الخليل: إذا أردت النكرة فوصفت أو لم تصف فهي منصوبة؛ لأن التنوين لحقها فطالت فجعلت بمنزلة المضاف لما طال نصب ورد إلى الأصل كما تفعل ذلك بقبل وبعد1, وزعموا: أن بعض العرب يصرف قبلًا فيقول: ابدأ بهذا قبلا, فكأنه جعلها نكرة, وأما قول الأحوص: سَلامُ اللَّهِ يَا مَطَرٌ عَلَيْهَا... وَلَيْسَ عَلَيْكَ يَا مَطَرُ السَّلامُ2 فإنما لحقه التنوين كما لحق ما لا ينصرف.
وكان عيسى بن عمر يقول: يا مطرًا, يشبهه بيا رجلًا, قال سيبويه: ولم نسمع عربيا يقوله, وله وجه من القياس إذا نون فطال كالنكرة, فالتنوين في جميع هذا الباب كحرف في وسط الاسم وكذلك: لو سميت رجلًا: بثلاثة وثلاثين, لقلت: يا ثلاثة وثلاثين أقبل, وليس بمنزلة قولك 3 / 397 للجماعة: يا ثلاثة وثلاثون, لأنك أردت

في هذا: يا أيها الثلاثة والثلاثون, ولو قلت أيضًا وأنت تنادي الجماعة: يا ثلاثة والثلاثين لجاز الرفع والنصب في الثلاثين كما تقول: يا زيد والحارث والحارثَ, ولكنك أردت في الأول: يا من يقال له ثلاثة وثلاثون1.
وإن نعت الاسم المفرد بابن فلان أو ابن أبي فلان, وذكرت اسمه الغالب عليه وأضفته إلى اسم أبيه أو كنيته فإن الاسمين قد جعلا بمنزلة اسم واحد؛ لأنه لا ينفك منه ونصب لطوله, تقول: يا زيدَ بن عمرو كأنك قلت: يا زيد عمرو, فجعلت زيدًا وابنًا بمنزلة اسم واحد ولا تنون زيدًا, كما لم تكن تنونه قبل النداء إذا قلت: رأيت زيد بن عمرو فإن قلت: يا زيد ابن أخينا ضممت الدال من "زيد" لأن ابن أخينا نعت غير لازم, وكذلك: يا زيد ابن ذي المال ويا رجل ابن عبد الله؛ لأن رجلًا اسم غير غالب, فمتى لم يكن المنادى/ 398 اسمًا غالبًا, والذي يضيف إليه ابنا سما غالبًا, لم يجز فيه ما ذكرنا من نصب الأول بغير تنوين, وإذا قلت: يا رجل ابن عبد الله, فكأنك قلت: يا رجل يابن عبد الله, وعلى هذا ينشد هذا البيت: يا حكمَ بنَ المنذرِ بن الجَارُود2

ولو قلت: يا حكمُ بنُ المنذر كان جيدًا وقياسًا مطردًا, وكان أبو العباس -رحمه الله- يقول: إن نصب: يا حسن الوجه لطوله لا لأنه مضاف؛ لأن معناه: حسن وجههُ1.
قال أبو بكر: والذي عندي أنه نصب من حيث أضيف, فما جاز أن يضاف ويخفض ما أضيف إليه, وإن كان المعنى على غير ذلك, كذلك نصب كما ينصب المضاف لأنه على لفظه.

جارٍ التحميل