باب أم وأو والفصل بينهما
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن السراج
- الكتاب
- الأصول في النحو
- المؤلف
- أبو بكر محمد بن السري بن سهل النحوي المعروف بابن السراج (المتوفى: 316هـ)
- المحقق
- عبد الحسين الفتلي
- الناشر
- مؤسسة الرسالة، لبنان - بيروت
- عدد الأجزاء
- 3 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
:
اعلم: أنَّ "أَمْ" لا تكون إلا استفهامًا، وهي على وجهين: على معنى أيهما وأيهم, وعلى أن تكون منقطعة من الأول.
فإذا كان الكلام بها بمنزلة أيهما وأيّهم فهو نحو قولك: أزَيدٌ عندكَ أمْ عمرٌو؟ وأزيدًا لقيت أم بشرًا؟ تقديم الاسم أحسن؛ لأَنكَ عنه تسألُ ويجوزُ تقديم الفعل.
وإذا قلت: أضَربتَ زيدًا أمْ قتلتَهُ كان البدء بالفعلِ أحَسن لأنك عنهُ تسأل، وتقول: ما أبالي أزَيدًا لقيتُ أمْ عمرًا وسواءٌ عليَّ أزَيدًا كلمتُ أمْ عمرًا، وما أدَري أزيدٌ ثُمَّ عمرو أدخلت حرف الاستفهام للتسوية وعلى ذا: ما أدري أقامَ أمْ قعدَ على التسوية.
وأما المنقطعة، فنحو قولك: أعَمرٌو عندكَ أمْ عندكَ زيدٌ؟ وإنَّها لإِبلٌ أَمْ شاءٌ؟ ويجوز حذف ألف الاستفهام في الضرورة.
فأما "أو" فقد ذكرناها مع حروف العطف كما ذكرنا أمْ, وقد تختلطُ مسائلهما لاشتراك بينهما في بعض المعاني.
واعلم: أنَّ "أَوْ" إنما تثبت أحد الشيئين أو الأشياء, وأنَّ أَمْ مرتبتها أنْ تأتي بعد أو, ويقول القائل: لقيَ زيدٌ عمرًا أوْ خالدًا, فيثبت عندك أنه قد لقيَ أحدهما إلا أنكَ لا تدري أيَّهما هو فتقول: حَسبَ أعَمرًا لقيَ زيدٌ أَمْ خالدًا.
وكذلك إذا قال لك القائل: قد وهبَ لكَ أبوك غلامًا أوْ جاريةً, فقد ثبت عندك أن أحدهما قد وهب لك, إلا أنك لا تدري أَغلامٌ أم جاريةٌ, فإذا سألتَ أباكَ عنْ ذلك قلتَ: أَغلامًا وهبتَ لي أمْ جاريةً؟ وتقول: أَيَّهم تضربُ أو تقتلُ؟ ومن يأتيكَ أو يحدثكَ؟ لأن "أَمْ" قد استقر على أَي ومَنْ, وكأنَّكَ قلتَ: زيدًا أمْ عمرًا تضربُ أوَ تقتلُ؟ ثم أَتيت بأَي موضع زيدٍ وعمرٍو
فقلت: أيهما تضربُ أوْ تقتلُ؟ وعلى هذا يجري "مَا ومَتى وكيفَ وأينَ" لأن جميع هذه الأسماء إذا كانت استفهامًا فقد قامت مقام الألف وأمْ جميعًا.
واعلم: أن جواب أوْ, نَعَمْ أو لا, وجواب "أَم" الشيء بعينه؛ إن سأل سائلٌ عن اسم أجبت بالاسم وإن سأل عن الفعل أجبتَ بالفعل، إذا قال: أَزيدٌ في الدارِ أَوْ عمرٌو؟ فالجوابُ نَعَمْ أو لا؛ لأن المعنى: أَأَحدهُما في الدار؟ وجوابُ أَأَحدهما في الدار: نَعَمْ أو لا, وكذلك إذا قال: أَتقعدُ أو تقومُ؟ فالجوابُ: نَعمْ أو لا, فإن قال: أزيدٌ أم عمرو في الدار؟ فالجواب أن تقولَ: زيدٌ إذا كانَ هو الذي في الدار.
وكذلك إذا قال: أَتقومُ أمَ تقعدُ؟ قلت: أَقعدُ, "فأَوْ" تثبتُ أَحدَ الشيئين أَو الأشياء مبهمًا وأم تقتضي وتطلب إيضاح ذلك المبهم, و"أَوْ" تقوم مقامَ "أَمْ" مع هل وذلك لأنكَ لم تذكر الألف وأو لا تعادلُ الألفَ وذلك قولُهم: هَلْ عندكَ شعيرٌ أو برٌّ أو تَمرٌ؟ وهل تأتينا أو تحدثنا؟ لا يجوز أن تدخلَ "أَمْ" في "هَلْ" إلا على كلامين وكذلك سائر حروف الاستفهام وتقول: ما أدري هَل تأتينا أو تحدثنا؟ يكون في التسوية كما هو في الاستفهام وإذا قلت: أَزيدٌ أفضل أَمْ عمرو؟ لا يجوز إلا "بأَمْ" لأنك تسأل عن أيهما أفضلُ ولو قلت: "أَو" لم يصلح؛ لأن المعنى يصير أحدهما أفضل فليسَ هذا بكلام ولكنك لو قلت: أَزيدٌ أو عمرو أَفضلُ أم خالدٌ؟ جاز لأنَّ المعنى أحد ذَينِ أفضل أمْ خالدٌ؟ وجواب هذه المسألة أن تقول: خالدٌ إنْ كان هو الأفضل، أو أحدهما إنْ كان هو الأفضل, ويوضح هذه المسألة أن يقول القائل: الحسنُ أو الحسينُ أَشرفُ أم ابن الحنفيةِ؟ فالجواب في هذه المسألة أن تقول: أحدهما بهذا اللفظ ولا يجوز أن تقول: الحسنُ دونَ الحسينِ أو الحسينُ دونَ الحسنِ؛ لأنه إنما سألك: أأَحدهما أَشرفُ أَم ابن الحنفيةِ؟ وكذَاكَ الدرُّ أو الياقوتُ أَفضلُ أم الزجاج؟ فالجواب أحدهما, فإن كان قال: الزُّجاجُ أو الخزفُ أفضلْ أم الياقوت؟ قلت: الياقوتُ.
وتقول: ما أدري أقامَ أو قعدَ، إذا لم يطل القيام ولم يبن من سرعته وكان بمنزلة ما لم يكن, كما تقول: تكلمتُ ولَم أَتكلم فيجوز أن يكونَ ثمَّ كلامٌ ولكنه لقلّته جعلهُ بمنزلة مَنْ لم يتكلمْ، ويجوز أن يكون لَم يبلغ
به المراد فصار بمنزلة مَنْ لم يتكلم، وهذا في الحكم بمنزلة قولك: صليتَ ولَمْ تصلِّ فإذا قال: ما أَدري أقام أو قعدَ، وهو يريد ذا المعنى فهو قد عَلمَ منه قيامه, ولكنه لم يعتد به وليس "لأمْ" هنا معنى؛ لأنهُ إذا قال: ما أَدري أَقامَ أمْ قعدَ, فقد استوى جهلهُ في القيام والقعود، وههنا قيام قد علم إلا أنه جعل بمنزلة ما يشك فيه لما خبرتك، فعلى هذا تقول: ما أدري أَقامَ أو قعدَ إذا كان لم يبن قيامهُ حتى قعدَ, فهذا الباب كله إنما جعل بأَوْ.
وكذلك أَأَذنَ أو أقامَ إذا كان ساعة إذنٍ أقامَ، وما أدري أَبكى أو سكتَ لأنهُ لم يعد بكاؤهُ بكاءً ولا سكوته سكوتًا، فإن كان لا يدري أَأَذنَ أم أَقامَ قال: ما أدري أَأذنَ أم أقامَ كما تقول: ما أدري أَزيدٌ في الدار أو عمرٌو، إذا كنت تستيقن أن أحدهما في الدار ولا تدري أيهما هو.