باب العطف على عاملين
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن السراج
- الكتاب
- الأصول في النحو
- المؤلف
- أبو بكر محمد بن السري بن سهل النحوي المعروف بابن السراج (المتوفى: 316هـ)
- المحقق
- عبد الحسين الفتلي
- الناشر
- مؤسسة الرسالة، لبنان - بيروت
- عدد الأجزاء
- 3 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
: اعلم: أن العطف على عاملين، لا يجوز من قبل أن حرف العطف إنما وضع لينوب عن العامل، ويغني عن إعادته، فإن قلت: قامَ زيدٌ وعمرٌو فالواو أغنت عن إعادة "قام" فقد صارت ترفع كما يرفع قامَ, وكذلك إذا عطفت بها على منصوب نحو قولك: إن زيدًا منطلقٌ وعمرًا فالواو نصبت كما نصبت "إنَّ" وكذلك في الخفض إذا قلت: مررت بزيدٍ وعمروٍ, فالواو جرت كما جرت الباء فلو عطفت على عاملين أحدهما يرفع والآخر ينصب, لكنت قد أحلت؛ لأنها كان تكون رافعةً ناصبة في حال قد أجمعوا على أنه لا يجوز أن تقول: مَرَّ زيدٌ بعمروٍ وبكرٌ خالدٍ, فتعطف على الفعل والباء ولو جاز العطف على عاملين لجاز هذا واختلفوا إذا جعلوا المخفوض يلي الواو, فأجاز الأخفش1 ومن ذهب مذهبه: مَرَّ زيدٌ بعمرٍو وخالدٌ بكرٍ، واحتجوا بأشياء منها قول الشاعر: هَوِّنْ عَلَيْكَ فإنَّ الأُمورَ... بِكَفِّ الإِلهِ مَقَادِيرُهَا فَلَيْسَ بآتِيكَ مَنْهِيُّهَا... ولاَ قَاصِرٍ عَنْكَ مأمورُهَا2
وقال النابغة: فَلَيْسَ بِمَعْرُوفٍ لَنَا أنْ نَرُدَّها... صِحَاحًا ولا مستنكرًا أن تُعقَّرا1 وما يحتجون به: ما كل سوداءَ تمرةً، ولا بيضاءَ شحمةً، فعطف على كُل وما، ومن ذلك: أَكُلَّ امرِئٍ تَحْسَبِينَ امرأً... ونَارٍ تَوَقَّدُ بالليلِ نَارَا2
ومذهب سيبويه في جميع هذه أن لا يعطف على عاملين، ويذكر أن في جميعها تأويلًا يرده إلى عمل واحد، ونحن نذكر ما قاله سيبويه في باب "ما"1 تقول: ما أبو زينب ذاهبًا ولا مقيمةٌ أُمها، ترفع لأنك لو قلت: ما أبو زينبَ مقيمةً أمها لم يجز؛ لأنها ليست من سببه ومثل ذلك قول الأعور الشني: هَوّنْ عليكَ فأنشد البيتين ورفَع, ولا قاصر عنك مأمورها, وقال: لأنه جعل المأمور من سبب الأمور ولم يجعله من سبب المذكر وهو المنهي ومعنى كلامه أنه لو كان موضع ليس "ما" لكان الخبر إذا تقدم في "ما" على الاسم لم يجز إلا الرفع, لا يجوز أن تقول: ما زيدٌ منطلقًا ولا خارجًا معنٌ, فإن جعلت في "خارجٍ معن" شيئًا من سبب زيدٍ جاز النصب، وكان عطفًا على الخبر لأنه يصير خبرًا لزيدٍ لأنه معلق بسبب له، فكذلك لو قلت: فما يأتيكَ منهيها ولا قاصرٌ عنك مأمورها غير قولك منهيها، ثم قال: وجَرهُ قومٌ فجعلوا المأمور للمنهي والمنهي هو الأمور؛ لأنه من الأمور وهو بعضُها فأجراه [وأنثه] 2 كما قال جرير3: إذا بَعْضُ السِّنين تَعرَّقتْنا... كَفَى الأيتام فَقْد أَبي اليتيمِ4
فصار تأويل الخبر ليس: بآتيك الأمور ولا قاصرٌ بعضها، فجعل: بعض الأمور أمورًا وكذلك احتج لقول النابغة في الجر فقال: يجوز أن تجر وتحمله على الرد لأنه من الخيل يعني في قوله: أن تردَها.... لأن "أن تردهَا" في موضع ردهَا، كما قال ذو الرمة: مَشَيْنَ كَمَا اهتزَّتْ رِمَاحٌ تَسَفَّهتْ... أَعَاليها مَرَّ الرِّياحِ النَّواسِمِ1 كأنه قال: تسفهتها الرياح، فهذا بناء الكلام على الخيل وذلك ردَّ إلى الأمور وقال: كأنه قال: ليس بآتيكَ منهيها وليست بمعروفة ردها حين كان من الخيلِ والخيلُ مؤنثةٌ فأنثَ وهذا مثل قوله: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلا [خَوْفٌ] 2 عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ 3 أجرى الأول على لفظ الواحد والآخر على المعنى، هذا مثله في أنه تكلم به مذكرًا ثم أنث، كما جمع وهو في قوله: ليس بآتيتكَ منهيها، كأنه قال: ليس بآتيتكَ الأمور، وفي ليس بمعروف ردَها، وكأنه قال: ليست بمعروفةٍ خيلنا صحاصًا قال: وإن شئت نصبت فقلت: ولا مستنكرًا ولا قاصرًا4.
قال أبو العباس1: قال الأخفش: وليس هذان البيتان على ما زعم سيبويه، يعني في الجر؛ لأنه يجوز عند العطف، وأن يكون الثاني من سبب الأول وأنكر ذلك سيبويه لأنه عطف على عاملين على السين والباء فزعم أبو الحسن: أنها غلط منهُ وأن العطف على عاملين جائز نحو قول الله عز وجل في قراءة بعض الناس: ﴿وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ آيَاتٌ﴾ 2، فجر الآيات وهي في موضع نصب، ومثل قوله: ﴿لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ 3 عطف على خبر "إنّ" وعلى "الكل".
قال أبو العباس: وغلطَ أبو الحسن في الآيتين جميعًا ولكن قوله: ﴿وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنْزَلَ اللهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ 4 وابتدأ الكلام: ﴿إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ 5، ﴿وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ، وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنْزَلَ اللهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آيَاتٌ﴾ 6 بعد هذه الآية، وإن جرَّ آيات فقد عطف على عاملين وهي قراءة عطف على "إن" و"في" قال: وهذا عندنا غير جائز7؛ لأن الذي تأوله سيبويه بعيدٌ وقال: لأن الرد غير الخيل والعقرُ راجع إلى الخيل فليس بمتصل بشيء من الخيل ولا داخل في المعنى, وقال: أما قوله: فليس بآتيكَ منهيها ولا قاصرٌ عنكَ مأمورها فهو أقرب قليلًا وليس
منه لأن المأمورَ بعضها والمنهي بعضها، وقربه أنهما قد أحاطا بالأمور، وقال: وليس يجوزُ الخفض عندنا إلا على العطف على عاملين فيمن أجازه.
وأما قولُهم: ما كلُّ سوداءَ تمرةٌ ولا بيضاءَ شحمة, فقال سيبويه: كأنكَ أظهرت كُلَّ مضمرٍ فقلت: ولا كُلَّ بيضاء1، فمذهب سيبويه أنَّ "كُلَّ" مضمرة هنا محذوفة وكذلك:
أُكَلَّ امْرِئٍ تَحْسَبِينَ امرأً... ونَارٍ تَوقَّدُ بالليلِ نَارا2
يذهب إلى أنه حذف "كُلُّ" بعد أن لفظ بها ثانية، وقال: استغنيت عن تثنيةِ "كلِّ" لذكرك إياه في أول الكلام ولقلة التباسه على المخاطب قال: وجاز كما جازَ في قوله: ما مثلُ عبد اللَّهِ يقول ذاكَ ولا أخيهِ وإن شئت قلت: ولا مثلَ أخيهِ فكما جاز في جمع الخبر كذلك يجوز في تفريقه وتفريقُه أن تقول: ما مثلُ عبد الله يقولُ ذاك ولا أخيه يكرهُ ذاكَ قال: ومثلُ ذلك: ما مثلُ أخيكَ ولا أبيكَ يقولانِ ذلكَ3، فلما جاز في هذا جاز في ذاك.
وأبو العباس -رحمه الله- لا يجيزُ: ما مثلُ عبد الله يقولُ ذاكَ، ولا أخيهِ يكرهُ ذاكَ والذي بدأ به سيبويه الرفعُ في قولكَ: ما كُلُّ سوداءَ تمرةٌ ولا بيضاءَ شحمةٌ، والنصب في "ونارًا"4 هو الوجه، وهذه الحروف شواذ، فأما من ظنَّ أن من جَر آياتٍ5 في الآية فقد عطف على عاملين فغلطٌ منهُ، وإنما نظير ذلك قولك: إنَّ في الدار علامةً للمسلمين والبيتِ عَلامةً للمؤمنينِ, فإعادة علامة تأكيد وإنما حسنت الإِعادة للتأكيد لما طال الكلام، كما تعاد "إن" إذا طال الكلام، وقد ذكرنا هذا في باب إنَّ وأنَّ، ولولا أنا ذكرنا التأكيد
وأحكامه فيما تقدم لذكرنا ههنا منه طرفًا، كما أنك لو قلت: إنَّ في الدار الخيرَ والسوق والمسجدَ والبلدَ الخير, كان إعادته تأكيدًا وحسُن لما طال الكلام فآياتٌ الأخيرةُ هي الأولى, وإنما كانت تكون فيه حجة لو كان الثاني غير الأول حتى يصيرا1 خبرين وأما من رفع وليست "آيات" عنده مكررة للتأكيد فقد عطف أيضًا على عاملين نصب أو رفع؛ لأنه إذا قال: ﴿إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ، وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ، وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنْزَلَ اللهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ 2، فإذا رفع فقد عطف "آياتٍ" على الابتداء واختلافًا على "في" وذلك عاملان, ولكنه إذا قصد التكرير رفع أو نصب فقد زال العطف على عاملين فالعطف على عاملين خطأ في القياس غير مسموعٍ من العرب, ولو جاز العطف على عاملين لجاز على ثلاثة وأكثر من ذلك, ولو كان الذي أجاز العطف على عاملين أي شاهد عليه بلفظ غير مكرر نحو: "إنَّ في الدار زيدًا والمسجدَ عمرًا" وعمرٌو غيرُ زيدٍ لكان ذلك له شاهدًا على أنه إنْ حكى مثله حاكٍ ولم يوجد في كلام العرب شائعًا فلا ينبغي أن تقبله وتحمل كتاب الله عز وجل عليه.