الأصول في النحوباب اللام التي تدخل في النداء للاستغاثة والتعجب

باب اللام التي تدخل في النداء للاستغاثة والتعجب

عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن السراج
الكتاب
الأصول في النحو
المؤلف
أبو بكر محمد بن السري بن سهل النحوي المعروف بابن السراج (المتوفى: 316هـ)
المحقق
عبد الحسين الفتلي
الناشر
مؤسسة الرسالة، لبنان - بيروت
عدد الأجزاء
3 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]

: اعلم: أن اللام التي تدخل للاستغاثة هي/ 403 لام الخفض وهي مفتوحة إذا أدخلتها على الاسم المنادى, كأن المنادى كالمكنى.
وقد بينا هذا فيما مضى فانفتحت مع المنادى كما تنفتح مع المكنى ألا ترى أنك تقول: لزيد ولبكر فتكسر.
فإذا قلت: لك وله فتحت, وقد تقدم قولنا في أن المبني كالمكنى؛ فلذلك لم يتمكن في الإِعراب وبني فتقول: يا لبكر ويا لزيد ويا للرجال ويا للرجلين1 إذا كنت تدعوهم وقال أصحابنا2: إنما فتحتها لتفصل بين المدعو والمدعو إليه.
ووجب أن تفتحها لأن أصل اللام الخافضة إنما كان الفتح فكسرت مع المظهر ليفصل بينها وبين لام التوكيد3, ألا ترى أنك تقول: إن هذا لزيد إذا أردت: إن هذا زيد, فاللام هنا مؤكدة/ 404 وتقول: إن هذا لِزيد إذا أردت أنه في ملكه.
ولو فتحت لالتبسا, فإن وقعت اللام على مضمر فتحتها على أصلها فقلت: أن هذا لك, وإن هذا لأنت؛ لأنه ليس هنا لبس, وتقول: يا للرجال للماء, ويا للرجال للعجب, ويا لزيد للخطب الجليل, قال الشاعر:

يا لَلِّرجَالِ لِيوْمِ الأربعاءِ أما... يَنْفَكُّ يُحْدِثُ لِي بَعْدَ النُّهى طَربا1 وقال آخر: تَكَنَّفَني الوُشَاةُ فَأَزْعَجُوني... فَيا للناسِ لِلواشي المُطَاعِ2 فالذي دخلت عليه اللام المفتوحة هو المدعو, والمستغاث به, والذي دخلت عليه اللام المكسورة هو الذي دعي له ومن أجله.
واعلم: أنه لا يجوز أن تقول: يا لزيدٍ لمن هو قريب منك ومقبل عليك.
وذكر سيبويه: أن هذه اللام التي للاستغاثة بمنزلة الألف التي تبين بها في الوقف إذا أردت أن تسمع بعيدًا, فإن قلت: يا لزيد3 / 405 ولعمرو

كسرت اللام في "عمرو" وهو مدعو لأنه يسوغ في المعطوف على المنادى ما لا يسوغ في المنادى.
ألا ترى أن الألف واللام تدخل على المعطوف على المنادى, ويجوز فيه النصب, وإنما يتمكن في باب النداء ما لصق "بيا" يعني بحرف النداء.
وأما أبو العباس -رحمه الله- فكان يقول في قولهم: يا لزيد ولعمرو, إنما فتحت اللام في "زيد" ليفصل بين المدعو والمدعى إليه فلما عطفت على "زيد" استغنيت عن الفصل لأنك إذا عطفت عليه شيئًا صار في مثل حاله1 وقال الشاعر: يَبْكِيكَ نَاءٍ2 بَعِيدُ الدارِ مُغتَربٌ... يا لَلْكُهُولِ ولِلشُّبان لِلْعِجبِ3 وأما التي في التعجب فقول الشاعر: لَخُطَّابُ لَيْلَى يا لبُرثُنَ مِنْكُمُ... أَدَلُّ وأمضى مِنْ سُليكِ المقانبِ4 وقالوا: يا للعجب ويا للماء لما رأوا عجبًا أو رأوا ماء كثيرًا, كأنه يقول:

تعال/ 406 يا عجب, وتعال يا ماء, فإنه من أيامك وزمانك وأبانك ومثل ذلك قولهم: يا للدواهي أي: تعالين فإنه لا يستنكر لكن لأنه من أحيانكن, وكل هذا في معنى التعجب, والاستغاثة فلا يكون موضع "يا" سواها من حروف النداء نحو: أي وهيا وأيا.
وقد يجوز أن تدعو مستغيثًا بغير لام فتقول: يا زيد وتتعجب كذلك كما أن لك أن تنادي المندوب ولا تلحق آخره ألِفًا؛ لأن النداء أصل لهذه أجمع وقد تحذف العرب المنادى المستغاث به مع "يا" لأن الكلام يدل عليه فيقولون: يا للعجب, ويا للماء, كأنه قال: يا لقوم للماء, ويا لقوم للعجب, وقال أبو عمرو قولهم: يا ويل لك, ويا ويح لك, كأنه نبه إنسانًا ثم جعل الويل له1 ومن ذلك قول الشاعر: يَا لعنَةُ الله والأقوامِ كُلِّهِمِ... والصالحينَ على سِمَعانَ مِن جَارِ2 فيا/ 407 لغير اللعنة ولغير الويل كأنه قال: يا قوم لعنة الله على فلان.

جارٍ التحميل