بَابُ الياءِ المتحركةِ:
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن السراج
- الكتاب
- الأصول في النحو
- المؤلف
- أبو بكر محمد بن السري بن سهل النحوي المعروف بابن السراج (المتوفى: 316هـ)
- المحقق
- عبد الحسين الفتلي
- الناشر
- مؤسسة الرسالة، لبنان - بيروت
- عدد الأجزاء
- 3 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
الياءُ المتحركةُ لا تخلو مِنْ أَن تكونَ أَولًا أَو بعدَ حرفٍ وإذَا كانتْ أَولًا فلا بُدَّ مِنْ أَن يكونَ بعدَها حرفٌ ساكنٌ أَوْ حرفٌ متحركٌ فإنْ كانَ بعدَها حرفٌ ساكنٌ أَوْ حرفٌ متحركٌ فهيَ علَى حالِها لا تقلبُ ولا تغيرُ حركتها إلا في قولِ مَنْ قالُ في "يَوجَلُ يِيجلُ" فيكسُر الياءَ ليثبتَ قلبَ الواوِ بعدَها وإنْ كانتِ الياءُ المتحركةُ بعدَ حرفٍ فلا تخلو مِنْ أَن تكون طرفًا أَو غيرَ طرفٍ فإنْ كانتْ طرفًا فلا تخلو من أَنْ يكونَ قبلَها ساكنٌ أَو متحركٌ فإنْ كانَ قبلها ساكنٌ وهيَ طرفٌ فهيَ علَى حالِها إلا أَنْ يكونَ الساكنُ الذي قبلَها ألفًا فإنَّها تبدلُ همزةً وذلكَ نحو: قَضَاءٍ وسِقَاءٍ أَو يكونَ لامًا في "فَعْلَى" نحو" تَقْوَى" فإنْ كانَ قبلَ الياءِ المتحركةِ التي هيَ طرفٌ حرفْ متحركٌ أبدلتِ الياءُ لحركةِ ما قبلَها إنْ كانتْ في "فِعْلٍ" وإنْ كانَ المتحركُ قبلَها مفتوحًا أبدلتْ ألفًا نحو: قَضَى وَرَمى وإنْ كانَ مضمومًا قلبتْ واوًا نحو قَضُوَ الرجلُ ورَمُوَ وإنْ كانَ قبلَها مكسورٌ بقيتْ علَى حالِها فإِنْ كانتْ بهذهِ الصفةِ في اسمٍ وكانَ قبلَها مفتوحٌ قلبتْ ألفًا نحو: رَحَى1، الألفُ منقلبةٌ مِنْ "ياءٍ" يدلُّكَ علَى هذَا قولُهم: رَحَيانِ وإنْ كانَ ما قبلَها
مكسورًا تُرِكَتْ على حالِها وإنْ كانَ ما قبلها مضمومًا أُبدلتْ مِنَ الضمةِ كسرةً واتبعتِ الحركة ما بعدَها خلافُ ما عملتْ في الفعلِ وذلكَ نحو قولهم في جمعِ "ظَبيٍ" عَلَى "أَفعُلٍ" أَظَّبٍ كانَ الأَصلُ الضم في الباءِ فأبدلتْ منها كسرةٌ فإنْ كانتِ الياءُ المتحركةُ غير طرفٍ فليستْ تخلو مِنْ أَنْ تكونَ بينَ ساكنينِ أَو متحركينِ أَو بينَ متحركٍ وساكنٍ فإنْ كانتْ بينَ ساكنين فهيَ على حالِها إلا في قولِ مَنْ قالَ في "ظَبيْ ظَبَويٌّ" وقد ذكرتهُ في النَّسَبِ وإنْ كانتِ الياءُ المتحرَكةُ بينَ متحركينِ فهيَ على حالِها إلا أَنْ يكونَ قبلَها حرفٌ مفتوحٌ فإنَّها تقلبُ ألفًا نحو: باعَ ونَاب وإنْ كانَ قبلَها حرفٌ مضمومٌ أَو مكسورٌ وهيَ مفتوحةٌ فهيَ علَى حالِها وذلكَ نحو: عُيبةٍ1، وصِيَرٍ2 وليسَ يجوزُ أَنْ يقعَ في الكلامِ مضمومٌ بعدَ مكسورٍ في حَشوِ كلمةٍ وبنائِها ليَسَ في الكلامِ مِثلُ "فِعُلٍ" ولا "فُعِلٍ" إلا في الفِعْلِ فإنْ أَردتَ "فُعِلَ" مِنَ البيعِ قلتَ: بِيَعَ ومِنَ العربِ مَنْ يقولُ "بُوعَ" فيبدلُ فهذَا مذكورٌ في موضعِه مبينُ وإنْ كانتِ الياءُ المتحركةُ بينَ متحركٍ وساكنٍ فإنْ كانَ ما قبلَها متحركًا وما بعدَها ساكنًا لم يجزْ أَن تعلها لسكونِ ما بعدَها لئلا يجتمع ساكنانِ نح و"دَيَامِيسَ"3 وإنْ كانَ ما قبلَها ساكنًا وما بعدَها متحركًا فهيَ على حالِها نحو: عِثْيَرٍ4.
الواو: والواوُ لا تخلو مِنَ أَن تكونَ ساكنةً أَو متحركةً والساكنةُ لا تخلو مِنْ أَنْ تكونَ بعدَ حرفٍ مفتوحٍ أَوْ مضمومٍ أَوْ مكسورٍ فإنْ كانتِ الواوُ الساكنةُ بعدَ حرفٍ مفتوحٍ فهيَ علَى حالِها إلا في لغةِ مَنْ قَالَ في
يَوْجَلُ: "يَاجَلُ"1 وإنْ كانَ قبلَها حرفٌ مضمومٌ فهيَ على حالِها إلا أَنْ يكونَ بعدَها واوٌ في نحو: "صُوَّمٍ" فإنَّ مِنهم مَنْ قالَ: "صُيَّمٌ" لقربها مِنَ الطرفِ شبهوها بُعتيٍ وقالوا أَيضًا: "صِيَّمٌ" إنَّما جَاءَ هذَا فيما قَرُبَ مِنَ الطرفِ وهو جَمعٌ فإنْ قالوا: صُوَّامٌ وزُوَّارٌ لم يقلبوا وإنْ كانَ قبلَها حرفٌ مكسورٌ قلبتْ ياءً نح و"مِيزانٍ" وأَصلُه: "مِوزَانٌ" لأَنَّهُ مِنَ الوزن إلا أَنْ تكونَ الواوُ علامةً لجمعٍ نحو: "قاضونَ ويَقضُونَ فإنَّكَ تبدلُ من الكسرةِ ضمةً كي لا تزولَ العلامةُ وإنْ كانتِ الواوُ ساكنةً [و] 2 لم يغيرها ما قبلَها فَلَن يغيرَها ما بعدَها إلا أَنْ يكونَ بعدَها ياءٌ" فإنَّها تبدلُ ياءً وتدغمُ فيما بعدَها تقولُ في "فَوْعَلٍ" مِنْ "بِعْتُ" بَيَّعٌ فإنْ كانتِ الواوُ مدةً قبلَها ضمةٌ وهيَ منقلبةٌ مِنْ أَلفٍ زائدةٍ لم يجزْ إدغامُها نحو واوِ: "سُوَيرٍ" والواوُ منقلبةٌ مِنْ أَلفِ "سَاير" وكذلكَ "تبُويعَ" ومثلهُ رُويةٌ وَرُويَا وَنُويٌّ لم يقلبوا لأَنَّ الأَصلَ الهمزُ وقَالَ بعضُهم3: رَيَّا وَرُيَّةٌ ولا يكونُ مثلُ هذَا في "سُوَيرَ وتُبَويعَ"4 لأَنَّ الواوَ بَدَلٌ مِنْ أَلفٍ فأَرادوا أَن يمدوا وأَنْ لا يكونَ بمنزلةِ "فُعِّلَ" و"تُفُعِّلَ" أَلا تَرَاهم قالوا: "تُقُووِلَ" وَقُووِلَ فهذهِ قصةُ الواوِ الساكنةِ إلا أَنْ يقعَ في "يَفعَلُ" وهَيَ في موضعِ الفاءِ بينَ ياءٍ وكسرةٍ
نحو: وعَدَ يَعِدُ وكَانَ الأصل "يَوْعِدُ" فوقعت الواو بين ياء وكسرة فحذفت وأجريت التاء والألف والنون مجرى أُختهن [الياء] 1 لئلا يختلفَ الفعلُ.
وقالَوا: عِدةٌ فأجروا المصدَر علَى الفعل في الحذفِ وإنْ كانَ بعدَ هذهِ الواوِ تَاءُ "افْتَعلَ" أبدلتْ تاءً نحو قولِهم: اتَّعدَ.
الواوُ المتحركةُ: والواوُ المتحركةُ لا تخلو مِنْ أَن تكونَ أَولًا أَوْ بعدَ حرفٍ فإنْ كانتْ أولًا فلا تخلُو مِنْ أَن تكونَ مضمومةً أَو مكسورةً أو مفتوحةً فإنْ كانتْ مضمومةً فمِنَ العربِ مَنْ يبدلُها همزةً ومنهم مَنْ يدعُها على حالِها قالوا: في "وجوهٍ" أُجُوةٌ وإنْ كانتْ مكسورةً فكذلكَ إلا أَنَّ الهمزَ أَكثرُ ما يجيءُ في المضمومةِ وهوَ مطردٌ فيها وقالوا في "وسادةٍ إسَادةٌ" وفي "وِشاحٍ أِشَاحٌ" وهذَا أيضًا كثيرٌ فأمَّا المفتوحةُ فليسَ فيها إبدالٌ وقَد شَذَّ منهُ شَيءٌ قالوا: امرأة أَنَاةٌ2، وهيَ ونَاةٌ مِنَ الوَنَى وقالوا: أَحدٌ في "وَحَدٍ" وهَذا شَاذٌ وإنْ كانتِ الواوُ المتحركةُ أَولًا وبعدَها حرفٌ ساكنٌ أَو متحركٌ فهي عَلَى حالِها إلا أَنْ يكونَ بعدَها واوٌ فإنّه يلزمُها البدلُ وأَنْ تُجعلَ همزةً كقولِهم في "فَوعل" مِنَ الوعدِ: أَوعدَ فإنْ كانتِ الواوُ الثانيةُ مدةً كنتَ في همزةِ الأُولى بالخيارِ نحو: "فَوعل" مِنْ "وعَدَ" تقولُ: وَوعدَ ﴿وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا﴾ 3 الواوُ الثانيةُ مدةٌ وليسَ الهمزُ لاجتماعِ الواوينِ ولكنْ لضمة الأُولى وإنْ كانتِ الواوُ المتحركةُ بعدَ حرفٍ فَلِنْ تخلو مِنْ أَن تكونَ طرفًا أَو غيرَ طرفٍ فإنْ كانتْ طرفًا فلا بُدَّ مِنْ أَنْ يكونَ قبلَها ساكنٌ أَوْ متحركٌ فإنْ كانَ ما قبلَها ساكنًا وهيَ طرفٌ
فهيَ على حالِها في الاسم إلا أَنْ يكونَ قبلَها واو "فُعُولٍ" في الجَمعِ نحو: "عُتيٍّ" وعُصِيٍّ كانَ الأَصلُ "عُتُوٌّ" وعُصُوٌّ فقلبتْ في الجمعِ وتثبتُ في الوَاحدِ أَلاَ تَرى أَنَّكَ تقولُ في المصدرِ قَدْ بلغَ عُتُوًّا.
وقَد حُكيَ عن بعضِ العَربِ: إنكم لتنظرونَ في نَحُوٍّ كثيرةٍ1 فصححَ الواو في الجمعِ وأَتى بهِ علَى الأَصلِ أَو يكونُ قبلَها أَلفٌ فإنَّها تقلبُ همزةً نحو: "كِسَاءٍ" وإنْ كانتْ قبلَها ياءٌ ساكنةٌ فَقَد قالوا: حَيْوَةٌ فكانَ حَقُّ هذَا "حَيَّةٌ" أَو تكون لامًا في الفعلِ نحو"الدُّنيا" كانَ الأصلُ "الدُنْوَى" أَو تكونُ مضمومةً فيجوزُ هَمزهُ نحو: أُدْؤرٍ "وإنْ كانَ قبلَ الواوِ المتحركةِ وهيَ طَرفٌ حرفٌ متحركٌ فلا يخلو ما قبلَها أَنْ يكونَ مفتوحًا أَوْ مضمومًا أَو مكسورًا فإنْ كانَ مفتوحًا قلبتْ ألفًا نحو: غَزَا وقَضَى2، إنْ كانَ مكسورًا قلبتْ ياءً نح و"غُزِي" وإنّ كانَ مضمومًا في "فِعْلٍ" تُرِكَ على حالِه نحو: يَغزُو فإنْ كانَ في اسمٍ أبدلتْ ياءً وكسرَ ما قبلَها كما قالوا في جَمعِ دَلْوٍ: أَدْلٍ وكانَ الأصلُ أَدْلُوًا فإنْ كانتْ بهذِه الصفةِ وبعدهَا هاءُ التأنيثِ صحتْ وذلكَ نحو: "قَمَحدوةٍ" فإنْ كانتَِ الواوُ غيرَ طرفٍ فَليستْ تخلو مِنْ أَنْ تكونَ بينَ ساكنينِ أَو متحركينِ أَو بينَ ساكنٍ ومتحركٍ فإنْ كانتْ بينَ ساكنينِ فهيَ على حالِها إلا أَنْ يكونَ الساكنُ الذي قبلَها ياءً فإنَّها تقلبُ ياءً ويدغمُ فيها ما قبلَها وذلكَ3 نحو: "فَيْعُولٍ" مِنْ يَقُومُ قَيومٍ وإنْ كانتْ متحركةً بينَ متحركينِ وكانَ الذي قبلَها مفتوحًا قلبتْ ألفًا وذلكَ نحو: "قَالَ" وبَابٍ ودَارٍ وخَافَ ولا تُبالِ [إلى] 4 أَيّ حركةٍ كانتْ
مفتوحةً أَو مكسورةً أَو مضمومةً فإنَّها تقلبُ ألفًا إلا مَا جَاء على "فَعَلانٍ وفَعَلَى" نح و"جَوَلاَنٍ وحَيَدى" جَعلوهُ بمنزلةِ ما لا زائدَ فيهِ فأَخرجوهُ بذلكَ مِنْ شبهِ الفِعْل فصارَ بمنزلةِ الحوِلِ والغِيَرِ الذي ليسَ على مثالِ الفِعلِ وقَد أَعلَ بعضُهم "فَعَلاَنَ وفَعَلى" جَعلوا الزيادةَ كالهاءِ وذلكَ قولُهم: دَارَانٌ وهَامَانٌ.
قالَ سيبويه: وهذَا ليسَ بالمطردِ1 وإنْ كانَ ما قبلَها مضمومًا وهيَ مفتوحةٌ فهيَ علَى حالِها نحو: رَجلٍ نُوَمٍ ولا تعتلُّ هذِه لأَنَّ هذَا الوزنَ لا يكونُ فِعْلًا وإنْ كانت مكسورةً وقبلها مضمومٌ فَهذا لا يكونُ إلا في "فُعِلَ" مثلُ قِيلَ كانَ الأصلُ2: قُوِلَ: وهذَا مُبينٌ في موضعهِ ومنهم مَنْ يقولُ: قُوَلَ وإنْ كانَ ما قبلَها مسكورًا وهيَ مفتوحةٌ صحتْ3، لأَنَّها ليستْ علَى مثالِ الفعلِ نحو: حَوِلَ إلا أَنْ يكونَ جمعًا لواحدٍ قَدْ قُلبَ فإنهُ4 لا يثبتُ في الجمعِ إذا كانَ قبلهُ5 كسرةٌ وذلكَ نحو: ديمةٍ ودِيَمٌ وحِيلَةٍ وحِيَلٌ وقَامَةٍ وقِيَمٌ وإنْ كانتْ مضمومةً وقبلَها مضموم فإنْ كانَ الاسم علَى "فُعُلٍ" أسكنوا6 الواوَ لاجتماع الضمتينِ وذلكَ قولُهم: عَوَانٌ وعُونٌ ونَوَارٌ ونُورٌ ويجوزُ تثقيلُ فَعِلَ في الشعر ولا يجوزُ أَن تقعَ مضمومةً وقبلَها كسرةٌ لأَنها ليسَ في الكلامِ مثلُ "فُعِلٍ" وفِعِلٌ أَيضًا لَيسَ في الكلامِ إلا في "إبِلٍ وإطِلٍ" فإنْ وقعتْ بينَ ساكنٍ ومتحركٍ فحكمُها حكمُ التي تقعُ بينَ ساكنين لأَنَّها لا يغيرُها ما بعدَها فهيَ علَى
حالَها إلا أَنْ يكونَ الساكنُ الذيَ قبلَها ياء فإنَّها تقلبُ ياءً وتدغمُ فيها نحو: "سَيّدٍ ومَيَّتٍ كانَ الأصلُ: سَيودٌ1 ومَيوِتٌ" وإنْ وقعتْ بينَ متحركِ وسَاكنٍ فهيَ علَى حالِها إلا أَنْ تكونَ في مصدرٍ قَد اعتلَّ2 فعلُه وقبلَها كسرةٌ وبعدَها أَلفٌ نحو: قُمْتُ قِيامًا وحَالتْ حِيَالًا أَو تكونُ كذلكَ في جمعٍ قد أُعلَّ واحدهُ نحو: دَارٍ ودِيَار وإذَا كانَ بعدَها الألفُ فهي أَجدرُ أَنْ تقلبَ أَو تكونَ كذلكَ أَيضًا في جمعِ3 الواوِ ساكنةً في واحدِه نحو: ثَوبٍ وثِيَابٍ وسَوطٍ وسِيَاطٍ لأَنَّ الكسرةَ قَدْ دخلتْ علَى ما أَصلهُ السكونُ فإنْ جئتَ بِفِعَالٍ غيرِ مُجرٍ لَهُ عَلى "فِعْلٍ" ولا جَمع لشيءٍ مِما ذكرَنا صححت فقلتَ: هَذا قِوامُ الأَمرِ فإنْ جاءَ الجمعُ في هذَا بغيرِ أَلفٍ نحو: عُودٍ وَعِوَدَةٍ وزَوجٍ وَزِوَجَةٍ لَم يُعَلَّ وقَد قالوا: ثَورٌ وَثِوَرَةٌ وَثِيَرَةٌ.
قالَ سيبويه: قلبوها حيثُ كانتْ بعدَ كسرة قالَ: وليسَ هُوَ بمطردٍ4
قالَ أَبو العباس: بنوهُ على "فِعْلَةٍ" ثُمَ حركوهُ فَصَار ثِيَرةً5.
قالَ أبو بكر: والأقيس عندي في ذَا أَنْ يكونوا أَرادوا "فِعَالة"6.
وقَصروا لأَنَّ "فِعَالةً" مِنْ أَبينةِ الجمعِ "وَفِعَلَةً" لَيْسَ من أَبنيةِ الجمعِ التي تكثرُ فيهِ ولا يُقاسُ عَليهِ فإنْ لم يَقَعْ في هذَا البابِ قبلَ الواوِ كسرةٌ صحتِ الواوُ أَلاَ تَراهم جَمعوا: "قَيْلٌ": إقْوال وأَجرى مجرى حِيَالٍ اخترتُ اختيارًا: "تِيارٌ1 مِنْ اختيار مثلُ "حِيَالٍ" وانقدتُ انْقيادًا "قِيَاداً" "مثلُ" حِيَالٍ فأَمَّا جِوَارٌ فصح لصحتهِ في الفعلِ وذلكَ قولُهم: جاورتُ وإنْ وقعَ بعدَ الواوِ المتحركةِ واوٌ ساكنةٌ نحو: "فُعُولٍ" تركتْ علَى الأَصلِ ويهمزونَ إنْ شاءوا وكذلكَ "فَعُولٌ" نحو: قَوُول إنْ شاَءَ على الأَصلِ وإنْ شَاءَ همزَ المضمومةَ وأَمَّا طَويلٌ وَطِوالٌ فصحتْ في الجمعِ لصحتِها في الواحدِ وقَد تقدمَ مِنْ قولِنا: إنَّ حروفَ العلةِ أَربعةٌ: الواوُ والياءُ والهمزةُ والأَلفُ2 وقد ذكرتُ أُصولَ الياءِ والواوِ وهُما الحرفانِ المعتلانِ كثيرًا.
والهمزةُ قد مضى ذكرُها في بابِ الهمزِ والألفِ فلا تكونُ أَبدًا إلا زائدةً أو منقلبةً مِنْ شيءٍ إلا أَنْ تبنى من صوتٍ أَو حرف معنى فِعْلٍ علَى مذهبِ الحكايةِ أو لمعنىً سِوى ذلكَ نحو: عَاعيتُ4 وحَاحيتُ5 إنَّما هُوَ صوتٌ بنيَ منهُ "فِعْلٌ" وكذلكَ لو اكثرتَ مِنْ قولِكَ "لا" لجازَ أَن تقولُ: لا ليتُ تُريدُ: قُلتُ لاَ.3
ذِكرُ تكررِ هذهِ الحروفِ المعتلةِ واجتماعِ بعضِها معَ بعضٍ:
الياءُ مكررة: إذَا اجتمعتِ الياءانِ فلا تخلوانِ مِنْ أَن تكونا متحركتينِ أَو إحداهما متحركةٌ والأُخرى ساكنةٌ فإن كانتا متحركتينِ وهُما عينٌ ولامٌ أُعلتِ اللامُ دونَ العينِ ولَم يجزْ أَن تُعلا جميعًا وهذَا مذكورٌ في بابِ "حَيِيْتُ" وما أَشبههُ يَلزمُ اللام ما يلزمُ ياءَ "رَمَيْتُ" وخَشِيْتُ ولا يجوزُ إعلالُ العينِ وتصحيحُ اللامِ إلا فيما جاءَ شَاذًا مِمَا لم يُستعملْ منهُ "فِعلٌ" وإنْ كانتا متحركتينِ كيفَ وقعَتا فليسَ يجوزُ أَنْ تعلا جميعًا فحكمُ الواحدةِ المعتلةِ منهما حكمُ المنفردةِ فإنْ اجتمعتْ ثلاثُ ياءاتٍ في الفعلِ أُعلتِ الآخرةُ نحو: حَيَا يَحْيَى وَهْوَ مُحَييٌّ ولا تكونُ هذِه الياءاتُ الثلاثُ إلا في اسمٍ مبنيٍّ علَى "فِعْلٍ" فإنْ جَاءَ في غيرِ ذلكَ حذفتِ الآخرةُ وذلكَ قولُهم في تصغيرِ عَطَاءٍ: عَطَيٌّ وتصغير أَحْوى: أُحِييٌّ وكان الأصلُ: أَحَيْييٌ1 [و] عُطَييٌ فإنْ كانتِ المتحركةُ قبلَ الياءِ المشددةِ في مثلِ النسبِ إلى "عَمٍّ" قلتَ: عَمَويٌّ نقلتْهُ مِنْ "فَعِلَ" إلى "فَعَلَ" كما قلتَ في "النَّمِرِ: نَمريٌّ" فلما انفتحَ ما قبلَ الياءِ قلبتْ ألفًا فلمَّا جئتَ بياءِ النَّسَبِ بعدَها صارَ حكمُها حكمُ "رَحَى" فقلتَ: عَمَويٌ كما قلتَ: "رَحَويٌّ" ولا توجدُ هذهِ الياءاتُ مجتمعةً في أُصولِ كلامِهم إلا في هذَا النوعِ فإنْ اجتمعتْ أَربعُ ياءاتٍ فإنّما تجدُ ذلكَ في مثلِ النَّسَبِ إلى: أُمَيَّةَ في قَولِ مَنْ قالَ: أُمَيِّيٌّ هؤلاءِ جَعلوا المشددَ كالصحيحِ لأَنَّهُ قَدْ قَوِيَ ومنهم مَنْ يقولُ: أُمَوِيٌّ وَهم الأَكثرُ والأَفصحُ فتحذفُ الياءُ الساكنةُ ويصيرُ مثلَ عَمَويٌّ2.
الواوُ المكررةُ: فإنّ اجتمعتْ واوٌ مع واوٍ أولًا هُمِزَتِ الأولى إلا أَنْ
تكونَ الثانيةُ مدةً وإن كانتا آخرَ كلمةٍ والأولى ساكنةٌ مدغمةٌ في الثانيةِ صحتا إلا ما قد استثنياهُ فِيمَا تقدمَ وإِنْ كانتا في فِعْل بنيَ على "فَعِلٍ" حتى تنقلبَ اللامُ الآخرةُ1 ياءً نحو: قَوِيتُ مِنَ القوةِ وإِنْ كانتا متحركتينِ أُعلتْ إِحداهُما الإِعلالَ الذي قَدْ تَقَدَّمَ ذكرهُ وسيأتي بعدُ أَيضًا ولا تجتمعُ واوانِ في إحداهما ضمةٌ.
قالَ سيبويه: تقولُ في "فَعُلاَنٍ" من "قَويتُ": فَوَّانٌ2 وغَلطَ3 في ذلكَ: وقالوا: ينبغي لَهُ إنْ لم يُدغم أَنْ يقولَ: قَوِيَانٌ: فيدغمُ4 الأُولى ويقلبُ الثانيةَ ياءً لأَنَّهُ لا يجتمعُ واوانِ في إِحداهما ضمةٌ والأُخرى متحركةٌ وهذاَ قولُ أَبي عُمَر5.
وأَمَّا اجتماعُ ثلاثِ واواتٍ فقالوا في مِثَالِ: اغْدَوْدَنَ مِنْ قلت: إِقْوِوَّلَ تكررُ عينَ الفعلِ وبينهما واوٌ زائدةٌ فتدغم الواوَ الزائدةَ في الواوِ التي بعدَها فإِذا بنيتَهُ بناءَ ما لم يسمَّ فاعلهُ قلتَ: افْوووِلَ ولا تدغمُ لأَنَّها قد صارتْ مدةً كما تقولُ: اغدودَنَ "فتوافقُ هذهِ الواوُ الواوَ التي تكونُ بدلًا مِنَ الألفِ في "سُوَيرٍ" وهذَا قولُ الخليلِ6 وكانَ أَبو الحسنِ الأَخفشِ يقولُ في "اغْدَوْدَنَ" [مِنَ قلتُ7 اقْوَيَّلَ] 8 فيقلبُ الواوَ الآخرةَ ياءً ثُمَ يقلبُ التي يليها لأَنَّها ساكنةٌ وبعدَها ياءٌ متحركةٌ ويقولُ: أَكرهُ الجمعَ بينَ ثلاثِ واواتٍ ولا يجوزُ أَن تجتمعَ هذهِ الواواتُ وفي إِحداها ضمةٌ لأَنَّهُ إِذا لم يكنْ في الواوينِ فهوَ مِنَ الثلاثةِ9 أَبعدُ.
وإِذا بنيتَ
مثالَ "فَعْلُوةٍ" مِنْ "غَزَوْتُ" قلتَ: غَزْوُيَةٌ وكانَ الأصلُ: "غَزْوُوَةً" فأَبدلتَ الثانيةَ لأَنَّها لامٌ وهيَ أَولى بالعلةِ وإِنَّما جَاءَ: اقْوُووِلَ لأنَّ الواوَ الساكنةَ مدةٌ فهيَ نَظيرةُ الياءِ والألفِ وكان أَبو الحسن الأخفش1 يقولُ في "افْعَوعَلَ" اقْوَيَّلَ فيبدلُ الواوَ الآخرة2 ياءً ثم يقلبُ لَها التي تَليها لأنَّها ساكنةٌ وبعدَها ياءٌ متحركةٌ ويقولُ: أَكرهُ الجمعَ بينَ ثلاثِ واواتٍ وإِذَا قالَ: "فُعِلَ" قالَ: اقْوُووِلَ فلا يقلبُ وصارتِ الوُسطى مدةً بمنزلةِ الأَلفِ فلا يلزمهُ تغييرٌ لذلكَ فَهذا يدلُّكَ علَى أَن ثلاثَ واواتٍ لَيْست مِنْ أُصولِ كلامِهمِ ولَو سُمِعَ منهم شيءٌ لاتبعوهُ أَو ذكروهُ.
وأَمَّا الألِفُ فلا تكونُ أَصلًا إلا زائدةً أو منقلبةً في حرفٍ جَاءَ لمعنىً ليسَ باسمٍ ولاَ فعلٍ أَو صوتٍ كالحرفِ فحكم هذا مَتَى احتيجَ إِلى تكريرهِ أن تُبدلَ همزةً لتشبهَ ما انقلبَ من ياءٍ أو واوٍ وأَمَّا الهمزةُ فقدَ ذكرنا حكمها إِذَا تكررتْ في كتابِ الهَمزِ وأَنَّهما لا يجتمعانِ محققتينِ في كلمةٍ إلا أَن يكونَا عينًا مشددةً نحو: رأسٍ فإِذا اجتمعتا متحركتينِ أَولَ كلمةٍ وكانتِ الأُولى والثانيةُ مفتوحتينِ أبدلتِ الثانيةُ ألفًا فإن احتجتَ إِلى تحريكِ الأَلفِ والألفُ لا تحركُ أَبدلتَها واوًا وذلكَ قولُكَ في آدَمَ: أَوَادِمَ وفي آخرَ: أَواخرُ وكذلكَ في التصغير تقولُ: أُويدِمٌ فأَشبهتْ أَلفَ "فاعِلٍ" وفَاعَلٍ لأَنها وإنْ كانتْ مبدلةً مِنْ همزةٍ فَليست بأَصلٍ في الكلمةِ كأَلفِ فَاعِلٍ ليست بأَصلٍ وإنْ كانتِ الهمزتانِ متأخرتين لامينِ قلتُ في مثلِ "قِمْطْرٍ" مِنْ "قَرأتُ": قِرَأَيٌ ومثلُ مَعَدٍّ "قَرَايُ" فتغيرُ الهمزةَ.
قالَ المازني: وسألتُ الأخفش3: -وهو الذي بدأ بهذهِ المقالةِ فقلتُ
مَا [بالُ] 1 الهمزةِ الأُولى إذا كانَ أصلهُ السكونُ لا تكونُ مثلَ همزةِ "سَأْلٍ ورَأسً" فقالَ: مِنْ قِبَلِ أَنَّ العينَ لا تجيء أبدًا إلا وبعدَها مثلُها واللامُ قد تجيءُ بعدَها لامٌ لَيْسَتْ من لفظِها أَلا تَرى أَنَّ قِمَطرًا وَهِدَمْلَةً2، قد جاءتِ اللامانِ مختلفتينِ. قَالَ المازني: والقولُ عندي كَما قالَ3.
قالَ: وسألته4 عن: هَذا أَفعلُ مِن هَذا "مِن" أَمَمْتُ: أَي: قصدتُ فَقالَ: أقولُ هذَا أَوَّمُ منهُ فجعلَها واوًا حينَ تحركتْ بالفتحةِ كَما فعلوا ذلكَ في "أَويدم" فقلتُ لهُ: كيفَ تصنعُ بقولِهم: "أَيِمَّةٌ" ألا تَراها أَفْعَلَةً والفاءُ فيها هَمزةٌ فقال: لمّا حركوها بالكسرةِ جعلوها ياءً.
وقالَ الأخفشُ: لو بنيت مثلَ: أُبْلُمٍ مَنْ "أَممْتُ" لقلتَ: أُوَّمٌ أَجعلُها واوًا.
قالَ المازني: فسألتنهُ: كيفَ تصغرُ "أَيِمَّةً" فقال: أُوَيِمّةً لأنَّها قد تحركتْ بالفتحةِ
والمازني يرد هَذا ويقولُ: أُيَيْمَّةٌ والقياسُ عندَهُ أن يقولَ في هَذا أَفعلُ مِنْ هَذا مِنْ "أَمَمْتُ" وأَخواتِها هَذا أَيَمٌّ مِنْ هذَا ولا يُبدلُ الياءَ واوًا لأنَّها قد ثبتت ياءً بدلًا منَ الهَمزةِ إلا هذهِ الهمزةَ إذا لم يلزمْها تحريكٌ فبنيتَ مثلَ "الأُبْلُمِ" مِنَ الأُدْمَةِ قلتَ: أُوْدُمٌ ومثلُ: إصْبَعٍ إيْدَمٌ ومثلُ "أَفكلٍ5" أَأْدَمٌ6، وهذَا أصلُ تخفيفِ الهمزِ فإذَا احتجت إلى تحريكها في تكسيرٍ أو تصغيرٍ جعلتَ كُلَّ واحدةٍ منهن على لفظها الذي
بنيتْ عليهِ والأَخفش يَرى أَنَّها تحركتْ بفتحةٍ أَبدلها واوًا كما ذكرت1 لكَ.
هذا 2 آخرُ التصريفِ.
مسَائلُ التصريفِ:
هذهِ المسائلُ التي تُسألُ عنها مِنْ هذَا الحدِّ على ضَربينِ:
أَحدهما: ما تكلمتْ بهِ العربُ وكانَ مشكلًا فأحوجَ إِلى أَن يبحثَ عن أُصولهِ وتَقديراتِه.
والضربُ الثاني: ما قِيسَ علَى كلامِهم.
ذِكرُ النوعِ الأَولِ مِنْ ذلكَ:
قالتِ العربُ: حَاحيتُ3 وهَاهيتُ4 وعَاعيتُ5.
وأَجمعَ أَصحابُنا علَى أَنَّ الأَلفَ بَدلٌ مِنْ ياءٍ وللسائلِ أَن يسألَ فيقول: ما الدليلُ على أَنَّها بَدلٌ مِنْ ياءٍ دونَ أَن يكونَ بدلًا مِنْ واوٍ؟ وإِذا6 ثبتَ أَنَها بَدَلٌ مِنْ ياءٍ فَلهُ أنْ يسألَ فيقول: لِمَ قُلبتْ وهيَ ساكنةٌ ألفًا؟ فالجوابُ في ذلكَ يقالُ لَهُ: وجدنَا كُلَّ ما جاءَ مِنَ الواوِ في هَذا البابِ قد ظهرتْ فيهِ الواوُ نحو: "قوقيتُ7، وضوضيتُ8، وزَوزيتُ" ولَمْ نَر منهُ شيئًا جَاءَ بالياءِ ظاهرةً واجتمعَ معَ12
هذَا أنا وجدنَا الألِفَ قد أُبدلتْ في بَعض المواضعِ مِنُ الياءِ الساكنةِ ولم نجدها مبدلةً مِنَ الواوِ الساكنةِ وذلكَ قولُهم في "طَيىءٍ طائي وإِنَّما هُوَ: طيِّئي" فقلبوا الياءَ ألفًا.
وقالَ الأخفش: إِنَّهم يقولونَ في "الحِيرةِ" حَارِي9 قالَ أَبو بكر: فلو قالوا: حَيْحَيتُ لاجتمعتِ الياءات10، ولا يكونُ ذلكَ في ذواتِ الواوِ لأَنَّهُ لا يجوزُ أَنْ تقول: "قَوْقوتُ" لأنَّ الواوَ إِذا صارتْ رابعةً انقلبتْ ياءً وإِذَا كانتِ الياءُ رابعةً لم تُقلبْ إِلى غيرِها في مثلِ هذا فقولُكَ: "قَوْقَيْتُ" لمْ يجتمعْ في الحرفِ واوانِ ولو قلتَ: حيحيت "لاجتمعت11" ياءانِ.
[قال أبو بكرُ] 12: وكانَ القياسُ عندي أَنْ تظهرَ الياءُ ولكنَّهم تنكبوا ذلكَ استثقالًا للياءينِ أن يتكررا معَ الحاءِ في "حَاْحَيْتُ" والعينُ في "عَاعَيْتُ" وخَفَّ ذلكَ في ذواتِ الواوِ لإختلافِ اللفظِ بما أَوجبتهُ العلةُ وَمَعَ ذلكَ فإِنَّ هذَا الفعلَ بنيَ مِنْ صوتٍ الألفُ فيهِ أَصلٌ ليستْ منقلبةً مِنْ شيءٍ أَلا تَرَى أَنَّ الحروفَ والأصواتَ كلها مبنيةٌ على أَصولها ووجدناهم قد قلبوا الألفات في بعضِ الحروفِ إِلى الياءِ نحو: عَليهِ وإِليهِ فلمَّا قلبتِ الألفُ إِلى الياءِ وجبَ أَنْ تقلبَ الياءُ إِلى الألفِ والدليلُ أيضًا على أَنَّ الأَلفات في
الحروفِ غيرُ منقلباتِ أنَّهُ لا تجوزُ أَمالُتها ولو كانتْ منقلبةً لوجبَ إِمالةُ "حَتى" لأنَّ الأَلفَ إِذَا كانتْ رابعةً في اسمٍ أَو فعلٍ فهيَ منقلبةٌ فلَيس لَكَ أَنْ تقولَ في أَلِف "لاَ" إِنَّها منقلبةٌ مِنْ شيءٍ ولاَ ألفِ "ما" ولاَ "يا" لأنَّ الحروفَ حكمُها حكمُ الأَصواتِ المحكيةِ ولذلكَ بُنَيْتْ.
وقالَ الأخفش: لم يجئ مِنْ هذَا البابِ مما علَمنا إلا هذهِ الثلاثةُ يعني: حَاحيتُ وهَاهيتُ وعَاعيتُ.
وقالَ محمد بن يزيد1: مِما يُسألُ عنهُ فيما جاءَ على أَصلهِ من بناتِ الواوِ التي علَى "فَعَلَ" نحو: الخَوَنةِ والحَوكَةِ والقَوَدِ هَلْ في الياءِ مثلُ هذا وقد استويا في: عَوِرَ وصَيِدَ البعيرُ؟ قال: والجوابُ في ذلكَ: أَنَّ عَوِرَ وصَيِدَ فِعْلانِ جَاءا في معنى ما لا يعتل مِنَ الأفعالِ فَصحا ليدلا عليه نحو: اعْوَرَّ واصْيدَّ كما صحَّ: اجْتَوَرُوا واعتَونُوا إِذا أردتَ معنى: تَجاوروا وتُعاونوا فأمَّا: الخَوَنةُ والحَوَكَةُ ونحوهُما فإِنَّما كانَ ذلكَ في الواوِ لأنَّها تباعدتْ مِنَ الألفِ فَثبتَ كما ثَبُتَ ما رُدَّ إلى الأَصلِ ولَمْ تجيء الياءُ في: نَابٍ وغَارٍ وَبَاعَهُ ولا في شيء منه على الأَصل لشبهِ الياءِ بالألفِ لأنَّها إليها أَقربُ وبها أَحقُّ أَلا تَرى أنَّ "بَابَ": قَوْقَيْتُ2 وَضَوْضَيْتُ3 يظهرُ فيهِ الواوُ لا يأتي ما كانَ من بنَاتِ الياءِ في هذَا البابِ إلا مقلوبًا نحو: حَاحَيْتُ وَعَاْعَيْتُ وإنَّما هُ و"فَعْلَلْتُ".
قالَ أَبو بكر: ولمعترضٍ أَن يعترضَ بقولِهم: غَيَبٌ وصَيَدٌ فجوابهُ،
أَنْ يقالَ لهُ: "صَيَدٌ" صَحَّ كَما صَحَّ فعلهُ وصَحَّ "عَوَرَ" أَيضًا مثلهُ ويجوزُ أَنْ يكونَ: "غَيَبٌ" شُبهَ بِصَيَدَ وإِنْ كانَ جمعُ "غائب" لأَنهُ يجوزُ أَنْ يكونَ1 ينوي بهِ المصدرَ.
قالَ: قولُ سيبويه في بَابِ: علَى وإِلى ولدى لِمَ انقلبتِ الألفُ فيهنَّ مَعَ المضمرِ2 في قولِكَ: عليكَ وإِليكَ ولديكَ وكذلكَ: جَاءني كلام الرجلينِ ورأيتُ كِلا الرجلينِ ومررتُ بكلام الغلامينِ فإِذَا اتصلَ بذلكَ مضمرٌ في موضع جَرِّ أَو نَصْبٍ قلبتِ الألفُ ياء فقلت: رأيتُ كليهما ومررتُ بكليهما وفي الرفعِ تبقى على حالِها فتقولُ: جاءني أخواكَ كلاهما فزعمَ سيبويه: أنَّ ذلكَ لأَنَّ "على وإلى وَلَدى" ظروفٌ لا يَكُنَّ إلا نَصبًا أو جرًا كقولِكَ: غَدَتْ مِنْ عليهِ3 فشبهت "كِلا" معَ المضمرِ بهنَّ في الموضعِ الذي يقعنَ فيه منقلباتٍ ولَمْ تكنْ مما ترتفعُ فبقيتْ "كِلاَ" في الرفعِ على حالِها وشبهَ "كِلا" بهن لأَنَّها لا تفردُ كما لا يُفْردنَ.
قالَ أَبو العباس4: قِيلَ لسيبويه: أَنتَ تزعمُ أَنَّ الألفاتَ في "على" ونحوِها منقلباتُ مِنْ واوٍ ويستدلُ علَى ذلكَ بأنَّ الأَلفاتَ لا تكونُ فيها إمَالةٌ ولو سُميَ رجلٌ بشيءٍ منهنّ قالَ في تثنيتِه: عَلَوانِ وأَلَوانِ فَلمَ قلبتَها مع5
المضمرِ ياءً.
هلاَّ تركتَها على حالِها فقلتَ: عَلاكَ وإلاكَ كما يقولُ بعضُ1؟ العربِ.
قال: فقالَ: مِنْ قِبَلِ أَنَّ هاتينِ يعني: علَى وَلَدى- اسمانِ غيرُ متمكنينِ و "إلى" حرفٌ جاءَ لمعنىً.
ففصلَ بينَ ذلكَ وبينَ الأَسماءِ المتمكنةِ فقيلَ لهُ: فهلا فصلتَ بينَها معَ الظاهرِ أيضاً؟ فقالَ: لأَنَّ المضمرَ يتصلُ بهَا.
قِيلَ: فَبَينَ وعِنْدَ ونحو ذلكَ غيرُ متمكنةٍ فِلَم لا2 فصلتَ أَيضًا بينَها وبينَ المتمكنةِ؟ قَالَ: لأَنَّ الواوَ والياءَ والألفَ مِنَ الحَظِّ في إبدالِ بعضهن مِنْ بعضٍ ما ليسَ لِسَائرِ الحروفِ قِيلَ لَهُ: فَما بالُ قولِكَ: فيكم وفينا وفيَّ3 بمنزلةِ: مسلميكَ ونحوها وما علمتُ بينَ هذينِ فصلًا مقنعًا قال: والقولُ عندي في هذا أَنَّ هذهِ الحروفِ لمَّا كانتْ لا تخلو مِنَ الإِضافةِ كما لا يخلو مِنَ الفاعلِ بَنَوْها علَى المُضمرِ علَى إسكانِ موضعِ اللامِ مِنْها كَما فُعِلَ ذلكَ الفِعْلُ بالفعلِ مَعَ الفاعلِ والحجةُ واحدةٌ وأَمَّا "كِلا" فإنَّما أُشبهتهنَّ في الجرِّ والنصبِ علَى ما قالَ سيبويه4.
قالَ: وهذَا القولُ مذهبُ الفراءِ وأَصحابهِ.
قالَ أبو العباس5: في هذَا البابِ نظرٌ أكثرُ مِن هذَا وقَد صَدَقَ.
وقالَ: زعمَ أَصحابُ الفراءِ عنهُ أنهُ كانَ يقولُ في بناتِ الحرفين من الأَسماءِ نحو: أُختٍ وبنتٍ وقُلةٍ وثَبَةٍ وجميعُ هذَا المحذوفِ أَنَّ كُلُّ شيءٍ حذفتْ منهُ الياءُ فأولهُ مكسورٌ ليدلَّ عليها وكُلُّ ما حذفتْ منهُ الواوُ فأولهُ مضمومٌ يدلُّ عليها فأُختٌ مِنْ قولِكَ: أَخواتٌ وبنتٌ كُسِرَ أَولُها لأَنَّ المحذوفَ "ياءٌ" وقُلِةٌ المحذوفُ "واو" فيقالُ لَهُ أَمَّا "قُلَةٌ" فَمَا تنكرُ أن تكونَ مِنْ "قَلَوْتُ" إذا
طَردت وقولُكَ في "بنتٍ" دَعوى ويُبطلُ ما تقولهُ "عِضَة1"، لأَنَّ أَولَها مكسورٌ وهيَ مِنَ الواوِ يقالُ في جمعِها "عِضَوَاتٌ".
قالَ الشاعرُ2:
"هَذَا طَرِيقٌ يآزِمُ المآزِمَا... وَعِضَوَاتٌ تَقْطَعُ اللَّهازِمَا
وكانَ يلزمهُ أَنْ يضمَّ أَولَ "سَنَةٍ" فيمَنْ قَالَ "سَنَواتٌ" لأَنَّها مِنَ الواوِ وكذلكَ: هَنَةٌ [هَنَواتٌ] ينشدون فيها4:
أَرَى ابنَ نِزارٍ قَدْ جَفَاني وَمَلنَّى... عَلَى هَنَواتٍ شَأنُها مُتَتَابِعُ
قالَ أَبو العباس5: الذاهبُ مِنْ "ابن" واوٌ كمَا ذهبَ مِنْ "أَبٍ وأَخٍ"3
فإنْ قيلَ: فَما الدليلُ عليهِ وليسَ براجعٍ في تثنيةٍ ولاَ جمعٍ ما يدلُّ علَى أَحدهما دونَ الآخِر؟ قُلنا: نَستدلُّ بالنظائرِ أَمَّا "ابن" فإنَّكَ تقولُ في مؤنثهِ: "ابنةٌ" وتقولُ: "بنتٍ" مِنْ حيثُ قلتَ: "أُختٌ" ومِنْ حيثُ قلتَ: "هَنْتٌ" ولمَ نَر هذهِ التاءَ تلحقُ مؤنثًا إلا ومذكرهُ محذوفُ الواوِ يدلك علَى ذلكَ "أَخوانِ" ومَنْ رَدَّ في هَنٍ قَالَ: هَنَوانِ.
قالَ: وأَمَّا "اسمٌ" فَقَد اختُلفَ فيهِ.
فَقال بعضُهم هَ و"فِعْلٌ" وقالُ بعضُهم: "فُعْلٌ" وأَسماءٌ تكونُ جمعًا لهذَا الوزنِ1، وهذَا الوزنُ2 تقولُ في جِذْعٍ: أَجْذَاعٌ كمَا تقولُ في "قُفْلٍ": أَقفَالٌ وهَذا لا تُدركَ صيغتُه إلا بالسمعِ وأكثرهم أنشد:
"في كُلِّ سُورَةٍ3 سُمُه
فَضمهُ وجاءَ به عَلَى "فُعُلٍ" وأَنشدَ بعضُهم: "سِمُهْ" فكسرَ السينَ وَهُو أقل4 وأَنشدَ أَبو زيد فذكرَ الوجهينِ:
"فَدَعْ عنكَ ذِكْرَ اللهوِ واعمدْ لِمدحَةٍ... لغيرِ مَعَدٍّ كُلُّها حيثُما انتُمى
لأَعْظَمِهَا قَدْرًَا وأكرمِهَا أَباً... وأَحْسَنِهَا وَجْهًَا وَأَعْلَنِهَا سُمَا 1
فأَمَّا "ابنٌ" فتقديرهُ "فَعَلٌ"2 متحركٌ وذلكَ أَنَّكَ تقولُ في جمعهِ "أَبَناءُ" كَمَا تقولُ: جَمَلٌ وأَجْمَالٌ وجَبَلٌ وأَجبَالٌ فإنْ قالَ قائلٌ: فلعلهُ "فِعْلٌ" أَو"فُعْلٌ" فإنَّ جمعَها علَى "أَفَعالٍ" قيلَ لَهُ: الدليلُ عَلى ذلكَ أَنَّكَ تقولُ: بَنُونَ في الجمعِ فتحركُ بالفتحِ فإنْ قَالَ: ما أَنكرتَ مِنْ أَنْ يكونَ علَى "فَعْلٍ" ساكن العين قِيلَ لأَن البابَ في جَمعِ "فَعْلٍ" علَى "أَفْعُلٍ" نحو: كَلْبٍ وأَكْلُبٍ وكَعْبٍ وأَكْعُبٍ فأَما دَمٌ فهوَ فَعْلٌ لأَنَّكَ تقولُ: دَمِيَ يَدمى فهوَ دَمٍ فَهذَا مثلُ: فَرِقَ يُفْرَقُ فَرَقًا فهو فَرِقٌ "فَدَمٌ" مَصدرٌ مثلُ بَطَرَ وحَذِرَ هَذا قولُ أَبي العباس3.
قالَ أَبو بكر: وليسَ عندي في قولهم: دَمِيَ يَدْمَة دَمًا حجةٌ لِمَنْ ادَّعى أَنَّ "دَمَاً" فَعَلٌ لأَنَّ قولُهم: دَميَ يَدْمى دَمًَا إنَّما هُ و"فِعْلٌ" ومَصدرٌ اشتقا مِنَ الدمِ كمَا: اشتقَّ تَرِبَ مِنَ "التُّرابِ" وشَعرُ الجبينِ مِنَ الشَعَرِ فقولُهم "دَمَاً" اسمٌ للحدثِ والدمُ اسمٌ للشيءِ الذي هُوَ جسمٌ وقد بينتُ هذَا الضربَ في كتابِ الاشتقاقِ ولكنَّ قولَهم: دَميانِ دَلَّ علَى أَنَّهُ "فَعَلٌ" قالَ الشاعرُ لمَّا اضطر:
فَلَو أَنَّا عَلى حَجَرٍ ذُبِحْنَا... جَرَى الدَّمَيانِ بالخَبرِ اليَقِينِ 1
وأَمَّا يَدٌ فتقديرُها "فَعلٌ"2 ساكنةُ العينِ لأَنكَ تقولُ: أَيدٍ في الجَمْعِ فَهَذَا جَمْعُ "فَعْلٍ" ولو جَاءَ شَيءٌ لا يعلمُ ما أَصلُه مِنْ هذهِ المتقوصاتِ لكانَ الحكمُ فيهِ أنْ يكونَ فِعْلًا ساكنَ العينِ لأَنَّ الحركةَ زيادةٌ والزيادةُ لا تثبتُ إلا بدليلٍ وأَمَّا أستٌ "فَفَعَلٌ3" متحركةُ العينِ يدلُّك على ذلكَ "أَسْتَاهٌ" فإنْ قيلَ فلعلها4 فَفَعَلٌ أَو فُعْلٌ فإنَّ الدليلَ على ما قُلنا قولكَ5: سَهٌ فتردَّ الهاءَ التي هيَ لامٌ وتحذفُ العينَ وتفتحُ السينَ فأَمَّا حِرُ6 المرأةِ7 فتقديرهُ "فِعْلٌ8" لقولِهم: أَفعالٌ في جمعهِ بمنزلةِ: جِذْعٍ وأَجَذاعٌ ودليلهُ بَينٌ لأَنَّ أَولَهُ مكسورٌ.
قالَ محمد بن يزيد: ما كانَ على حرفينِ ولا يُدرى
ما أَصلهُ الذي حُذِفَ مِنهُ فإِنَّ حكمَهُ في التصغيرِ والجمعِ أَنْ تثبتَ فيهِ الياءُ لأَنَّ أَكثرَ ما يحذفُ مِنْ هَذا1: الواوُ والياءُ فالياءُ أَغلبُ علَى الواوِ مِنْ الواوِ علَيها فإنَّما القياسُ علَى الأكثرِ2، فلو سَمينا رجلًا بإنْ التي للجزاءِ ثُمَ صغرنَا فقلنا3.
أُنَيٌّ وكذلكَ: أن4 التي تنصبُ الأفعالَ فإنْ سميناَ "بِإِنْ" الخفيفةِ مِنَ الثقيلةِ قُلنا: أُنيَنٌ. فاعلم5.
لأَنا قد علَمنا أَنَّ أَصلَها "نونٌ" أُخرى حذفتْ منها وكذلكَ لو سميناهُ "بِرُبَ" الخفيفةِ "مِنَ" رُبَّ [الثقيلةِ] لقلنَا: رُبَيبٌ لأَنا قد علمنا ما حذفَ منهُ وكذلكَ "بَخٍ" المخففةِ تردُّ فيهما الخَاءُ المحذوفَةُ لأَنَّ الأَصلَ التثقيلُ كما قالَ:
في حَسَبٍ بَخٍّ وعَزٍّ أقْعَسَا9678
ولو سميت رَجُلًا: ذُوَ لقَلنا: ذَوَاً1 قَد جاءَ2، لأَنَّهُ لا يكونُ اسمٌ علَى حرفينِ أَحدهما: حرفُ لينٍ لأَنَّ التنوينَ يذهبُ بهِ3 فيبقى علَى حرفٍ، فإِنَّما رددتُ ما ذَهَبَ وأَصلُه فَعَلٌ يدلُّكَ علَى ذلكَ: ﴿ذَوَاتَا أَفْنَانٍ﴾ 4 و ﴿ذَواتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ﴾ 5 وإنَّما قلتَ: هذَا ذُو مالٍ فجئتَ بهِ على حرفينِ لأَنَّ الإِضافةَ لازمةٌ لَهُ ومانعةٌ مِنَ التنوينِ كمَا تقولُ: هذَا فو زيدٍ، ورأيتُ فا زيدٍ، فإذَا أَفردتَ قلتَ: هذا فَمٌ فاعلم، لأن الاسم قد يكونُ علَى حرفين إذَا لم يكنْ أَحدُهما حرفَ لينٍ كما تقدمَ مِنْ نحو: يَدٍ ودمٍ وما أَشبههُ.
قال7: فإذَا سميتَ رَجُلًا "بِهُوَ" فإنَّ الصوابَ أن تقولَ: هذَا هُوٌّ، كَما تَرَى فتثقلُ8، وإن سميتَهُ "بِفي" مِنْ قولِكَ: في الدارِ زيدٌ، زدتَ علَى الياءِ ياءً فقلت: هذا فيٌّ فاعلم9.
وإن سميته "بلا" زدتَ علَى الأَلفِ ألفًا ثُمَ همزتَ10 لأَنكَ تحركُ الثانيةَ والأَلفُ إذا حُرِّكتْ كانتْ همزةً فتقول: هذا لاَءٌ فاعلم.
وإنَّما كَانَ القياسُ أَنْ تزيدَ علَى كُلِّ حرفٍ مِنْ حروفِ اللينِ ما هَوَ مثلهُ لأَنَّ هذهِ حروف11 لا دليلَ علَى توالِيها12 لأَنَّها لم6
تكنْ أَسماءً فيعلمُ ما سقطَ مِنْها وَهوَ وهيَ اسمانِ مضمرانِ مجراهما مجرى الحروفِ في جميعِ محالِهما1 وكذلكَ قالتِ العربُ: في "لَوِّ" حَيثُ جعلْتُه اسمًا.
قالَ الشاعرُ:
ليتَ شِعْري وَأَينَ مِني لَيْتٌ... إنَّ لَيتًا وإنَّ لَوًا عَنَاءُ2
فزادَ علَى الواوِ واوًا ليلحقَ الأسماءَ وإنْ سميتَ رجلًا "كَيْ" قلت: هَذا كَيٌّ فاعلَم3.
وكذلكَ كُلٌّ ما كانَ علَى حرفينِ ثانيه ياءٌ أَوْ وَاوٌ أَو أَلفٌ4.
وقالَ أَبو الحسن الأخفش: ما كانَ علَى حرفينِ فَلم تدرِ مِنَ الواوِ هَوَ أَمْ مِنَ الياءِ فالذي تحملهُ عليهِ الواو لأَنَّ الواوَ أكثرُ فيما عرفنا أَصلَهُ مِنَ الحرفينِ فيما يُعلم أَنَّهُ مِنَ الوا و"أَبٌ" لأَنكَ تقولُ: أَبوانِ وأَخٌ لأَنَكَ تقولُ: أَخوانِ وهَنٌ لأَنكَ تقولُ: هنوانِ5، وَغدٌ6 لأَنَّهم قَد قالَوا: وغَدْوًا بَلاقعُ7.
قالَ: وأما "ذو" ففي القياس أن يكون الذاهب اللام وأنْ يكونَ
ياءً لأَنَّ ما عينهُ واوٌ ولامُه ياءٌ أَكثرُ مما عينهُ ولامهُ واوانِ.
وأَمَّا "دَمٌ" فَقَد استبانَ أَنهُ مِنَ الياءِ لقولِ بعضِ العربِ1 إذا ثنّاهُ: دَمَيانِ وقال بعضُهم: دَموانِ فَما علمتَ أَنَهُ مِنَ الواوِ أَكثرُ لأَنَّهم قد قالوا: هَنَوانِ وأَخوانِ وأَبوانِ فقد عرفتَ أَنَّ أَصلَ دمِ: فَعَلٌ وَغَدٌ قَدْ استبانَ لكَ أَنَّهُ "فَعْلٌ" بقولِهم: وَغَدْوًَا بلاقع2.
وإنما يحملُ البابُ علَى الأَكثرِ.
وذكَر الأخفش "سنينَ وَمِئينَ" فَقَالَ: فِيهَا قولين: أَختارُ أَحدَهما وهو الصحيحُ عندنا3، فَقالَ: وأَمَّا سنينُ وَمِئينُ في قولِ مَنْ رفعَ النونَ فهوَ فَعيلٌ ولكنْ كسرَ الفاءَ لكسرةِ ما بعدها وأَجمعوا كلُّهم على كسرِها وصارتِ4 النون في آخرِ "سنين" بدلًا مِنَ الواوِ لأَنَّ أَصلَها مِنَ الواوِ وفي "مِئينَ" النونُ بدلٌ مِنَ الياءِ لأَنَّ أَصلَها من الياءِ كأَنَّها كانتْ "مئي" [مثلُ مَعي] 5 وقَدْ قالوها في بعضِ الشعرِ ساكنةً ولا أَراهم أَرادوا إلا التثقيلَ ثُمَّ اضطروا فخففوا لأَنَّهم لو أَرادوا غيرَ التخفيفَ لصارَ الاسم علَى "فَعِلٍ" وهذَا بِنَاءٌ قليل.
قالَ الشاعرُ:
حَيْدَةُ خالي ولَقيطٌ وعَلي... وحَاتمُ الطائيُّ وَهَّابُ المِئيِ1
مثلُ "المِعِي" وأَمَّا قولُهم: ثلاثُ مِئي فاعلم2.
فإنَهُ أَرادَ "بِمئي" جَماعةَ المائةِ كَتَمْرٍ وتَمْرَةٍ وتقولُ فيهِ: رأيتُ مِئيًا مثلُ: مِعيًَا وقولهم: رَأيتُ مِئًِا مثلُ: مِعَىً خطأٌ لأَنَّ المِئي إنَّما جاءتْ في الشعرِ فتقولُ: ليسَ لكَ أَنْ تدعي أَنَّ هذهِ الياءَ للإِطلاقِ وأنتَ لا تجدُ ما هُوَ علَى حرفينِ يكونُ جماعةً ويكونُ واحدهُ بالهاءِ نحو: تَمْرَةٍ وتَمْرٍ.
قالَ أبو الحسن: وَهوَ مذهبُ وَهوَ قولُ يونس يعني "الياءَ" قاَلَ والقياسُ الجيدُ عندنا أَنْ يكونَ سنينَ فِعلينَ مثلُ غِسْلينَ محذوفةٌ ويكونُ قولُ الشاعرِ: سني والمئي مرخمًا.
فإن قلتَ: فإنَّ "فِعْلينَ" لم يجئ في الجمعِ وقدَ جاءَ "فَعيلٌ" نحو: كَليبٍ وعَبيدٍ وقَدْ جَاءَ فيهِ ما لزمهُ "فَعيلٌ" مكسور الفَاءِ نحو: "مِئينٍ" فإنَّ مِنَ الجمعِ أَشياءً لم يجىءُ مثلُها إلا بغير اطرادٍ نح و"سَفْرٍ" وقد جَاءَ منهُ ما ليسَ لَهُ نظيرٌ نحو: "عِدى" وأَنتَ إذا جعلتَ "سنينَ" فَعِيلًا جَعلتَ النونَ بدلًا والبدلُ لا يقاس ولا يطردُ،
ومخالفةُ الجمعِ للواحدِ قد كثَر فإنْ تحملهُ علَى ما لا بدلَ فيهِ أَولى وليسَ يجوزُ أَنْ تقولَ: إِنَّ الياءَ في سنينَ: أَصليةٌ وقَد وجدتها زائدةً في هَذا البناءِ بعينهِ لمّا قلتَ: "فِعْلينَ" وفِعلونَ: يعني أَنكَ تقولُ: سِنينَ يَا هَذا وسنونَ وقالَ: اعلم: أَنَّ قولَ العرب: "آوَّه" لا يجوزُ أن تكونَ فاعلةً والدليلُ عَلَى أنَّ الهاءَ للتأنيث قولُ العرب: "أَوتاهُ" وإنَّما هَذا شاذٌّ لأَنَّهُ حرفٌ بنيَ هكذَا لم يسمعْ فيهِ "فِعْلٌ" قَط العينُ واللامُ مِنَ الواوِ فلمَّا بنوهُ كأَنَّهُ لم يكن لَهُ "فَعْلٌ" بنوهُ علَى الأصلِ كمَا قالوا: مِذْرَوَانِ فبنوهُ علَى الأصلِ إذ لم يكنْ لَهُ واحدٌ يقلبُ1 فيهِ الواوُ إلى الياءِ وكَما قالوا: ثِنايانِ فلم يهمزوا إذَا لم يكنْ لهذَا واحدٌ تكونُ الياءُ آخرَهُ قَالَ: وأما قولُ الشاعرِ2:
فَأَوِّ لِذكْرَاها إذَا مَا ذَكَرْتُها... ومِنْ بُعْدِ أَرْضٍ دونَها وسَمَاءٌ
فإنهُ مِنْ قولِهم: أَوتاهُ ولكنْ جعلَهُ مثلَ: سَبحَ وهَلَّلَ وقولُه: أَو يريدُ: افعَلْ ورأيتُ بخط بعضِ أَصحابنا مِما قُرِيءَ علَى بعضِ مَشَايخِنا مِنْ كلامِ الأَخفش.
اعلَمْ: أَنَّ قولَ العربِ "أَوَّه" لا يجوزُ أَنْ يكونَ إلا "فَاعلةً" ورأَيتُ إلا ملحقةً في الكتابِ3.
قالَ أبو بكر: جميعُ الأصواتِ التي تُحكى محالفةٌ للأسماءِ والأَفعالِ في تقديرِها فليسَ لَنَا أَن نقولَ في "قَد" أن أَصلَها "فَعْلُ" كما تقولُ في "يَدٍ" ولا ندَعي أَنهُ حذفَ مِنْ "قَدْ" شيءٌ كَما حذفَ في "يَدٍ" ولاَ لنَا أنْ نقولَ: إنَّ الأَلفَ في "مَا ولاَ" منقلبةٌ مِنْ شيءٍ وكذلك صَهْ ومَهْ وأَلفُ "غَاقٍ" لا تَقولُ: إنَّها منقلبةٌ وإنَّما تقدرُ الأسماءَ والأفعالَ بالفاءِ والعينِ واللامِ لتبينَ الزوائدُ مِنْ غيرِها والحروفُ والأصواتُ أُصولٌ لا تكادُ تجدُ فيها زَائدًا ولا تحتاجُ إلى تقديرِها بالفاءِ والعينِ واللامِ لأَنَّها لا تتصرفُ تصرفَ الأَسماءِ ولا تصرفَ الأَفعالِ لأَنَّها لا تصغرُ ولا تُثَنى ولا تجمعُ ولا يُبنى منها فِعل ماضٍ ولاَ مستقبلٍ وأنَّما جعلتِ الفاءُ والعينُ واللامُ في التمثيل ليعتبرَ بهنَّ الزائدُ مِنَ الأصلِ والأَبينةُ المختلفةُ.
فَما لا تدخلهُ الزيادةُ ولا تختلفُ أَبنيتهُ فلا حاجَةَ إلى تمثيلهِ وتقديرهِ فأَمَّا قولهُم "تَأَوّهَ" فإنَّما هو مشتقٌّ مِنْ [قولهم] 1: آوَّهَ يرادُ بهِ أَنهُ قَالَ: أَواهُ كمَا قالوا: سَبَّح إذَا قالَ سبحانَ اللهِ وهلّلَ إذَا قَالَ: لا إلهَ إلا الله فهَللَ فَعَّلَ أخذتِ الهاءُ واللامُ مِنْ بعضِ الكلامِ الذي تكلم بهِ وجازَ تقديمُ الهاءِ لأَنَّهُ غيرُ مشتقٍ مِنْ مصدرٍ وإنَّما يصيرُ للكلمةِ تقديرٌ إذَا كانتْ اسمًا أَو فعلًا فمَا عَدا ذلكَ فَلا تقديرَ لَهُ وقولُ الشاعِر:
مِنْ أَعقابِ السُّمِي2
فالسُّمِي مخففٌ مِنْ السّمِيٌّ ويدلكَ علَى ذلكَ أَنَّ "فُعِلَ" ليسَ مِنْ بناءِ الأسماءِ: وإنَّما أَرادَ: السُّمِيَ فخففَ وهيَ "فُعُولٌ" مُثل عُصِيَ فلمَّا خَفَف صارَ: سُميٌ.
قال الأخفشُ: ولو سُمَى بهِ لأنصرفَ لأَنهُ "فُعُولٌ" محذوسف وهوَ ينصرفُ إذا كانَ اسمَ رجلٍ أَلا تَرى أَنَّ "عُنُوقَ جَماعةُ العَنَاقِ" لو كانْت اسمَ رَجلٍ فرخمتهُ فيمنْ قالَ1: يَاحَارِ لقلتَ: بَاعُني تحذفُ القافَ وتقلبُ الواظو.
قَالَ: ولَو سميتَ بهِ لصرفتَهُ لأَنَّهُ ليسَ "بَفُعِلُ" ونظيرُ التخفيفِ في سُمِى قولُ الشَاعرِ:
حَيدةُ خَالي ولَقيطٌ وعَلي... وحَاتمُ الطائيُّ وَهَّابُ المِئِي2
فخففَ3 الياءَ مِنْ "عَليّ" وقالَ في بيتٍ آخرَ:
"يأكلُ أَزمانَ الهُزَّالِ والسِني4
فهذَا إمَّا أَنْ يكونَ رخمَ "سنينَ" ومِئينَ وإما أن يكون بَنى: سنةً ومائةً على: سِني ومِئي وكانَ أَصلهما5: سُنْوٌ ومِئْوٌ فلمَّا حذفَ النونَ ورخم بقيَ الاسم آخرهُ واوٌ قبلها ضمةٌ فلما أَراد أَن يجعلَهُ اسمًا كالأَسماءِ التي لم يحذفْ منها شيءٌ6 قلبَ الواوَ ياءً وكسرَ ما قبلها لأَنَّهُ
ليسَ في الأَسماءِ اسمٌ آخرهُ واوُ قبلَها ضمةٌ فمَتى وقعَ شيءٌ مِنْ هذا قلبتِ الواوُ فيهِ ياءً وقَدْ بُيّنَ هذا فيما تقدمَ.
قاَلَ [أبو بكر] 1: ويجوزُ عندي أَنْ يكونَ تقديرُ قولِ الشاعر: "سُمِي2" أَنَّهُ "فُعُلٌ" قصرهُ مِنْ "فَعُولٍ" فلمَّا وقعتِ الواوُ بعدَ ضمةٍ وهيَ طرفٌ قَلبها3 يَاءً وهذا التأويلُ عِندي أَحسنُ مِنْ حذفِ اللامِ لأَنَّ حذفَ الزائدِ في الضرورةِ أَوجبُ مِنْ حَذفِ الأَصلِ وسَماءٌ مثلُ "عَناقٍ" في البناءِ والتأنيثِ وكذلكَ جمعهما سَواءٌ تَقُولُ "سُمِيٌّ" وعُنُوقٌ فَسُمِيٌّ5 "فُعُولٌ" وعُنُوقٌ6 "فُعُولٌ7" وقَد حكوا: ثَلاثَ أَسميةٍ بنوها علَى "أَفْعِلَةٍ" وهيَ مؤنثةٌ وإنَّما هذَا البناءُ للمذكرِ وإنَّما فعلوا ذلكَ لأَنَّهُ تأنيثٌ غيرُ حقيقيٍّ وليسَ كعَناقٍ لأَنَّ "عناقاً" تأنيثُها حقيقيٌّ.
واعلم: أَنّ قولَهم "يُهَرِيقُ" الهاءُ مفتوحةٌ في مكانِ الهمزةِ8، وكانَ الأَصلُ: يُؤَرِيقُ لأَنَّ أَصلَهُ "أَفْعَلَ" مثلُ "أَكْرَمَ" فأَكرَم مثلُ "دحرجَ" ملحقٌ بهِ وكانَ القياسُ أَن يقولَ في مضارعِ أَكرمَ يُؤكرمُ مثلُ "يُدحرجُ" فاستثقلوا ذلكَ لأَنَّهُ كانَ يلزَمُ منهُ أَنْ يقولَ: أَنا أُكْرِمُ مثلُ أُدَحْرِجُ أُأَكرِمْ فحذفوا الهمزةَ استثقالًا لاجتماع الهمزتينِ ثُمَّ أتبعوا باقي حروفِ.4
المضارعةِ الهمزةَ وكذلك يفعلونَ أَلاَ تَراهم حَذفوا الواوَ من "يَعدُ" استثقالًا لوقوعها بين يَاءٍ وكسرةٍ ثُمَّ أَسقطوها مَع التاءِ والألفِ والنونِ فقالوا: أَعِد ونَعِد وتَعِد فتبعتِ الياءُ أَخواتِها التي تَأتي للمضارعةِ فالذي أبدلَ الهاءَ مِنَ الهمزةِ فَعَلَ ذلكَ استثقالًا لئلا يلزمَهُ أَن يجمعَ بينَ همزتينِ في أَنا أَفعلُ وأَبدلَ فَلَم يحذف شيئًا فإنْ قَالَ قَائلٌ: فمَا تقديرهُ مِنَ الفعلِ قلتَ: يُهَفْعِلُ لأَنَّ الهاءَ زائدةٌ وحَقُّ كُلِّ زائدٍ أَنْ ننطقَ بهِ بعينهِ وكذلكَ لَو قالَ الشاعرُ: "يؤكرم"1، كمَا قالوا: يُؤَثْفِيَنْ2، لكانَ تقديرهُ ووزنهُ مِنَ الفعلِ "يُؤفعلُ" وتقولُ في قَولِ مَنْ قالَ "يُهْرِيقُ" فأسكنَ الهاءَ وجعلَها عوضًا مِنْ ذَهابِ الحركةِ إنْ قيلَ: ما تقديرهُ مِنَ الفعلِ لم يجزْ أَنْ تنطقَ بهِ عَلى الأَصلِ لأَنَّكَ إذَا قيلَ لكَ: ما وَزنُ: يُريقُ قلتَ: يُفْعِلُ وكذا عادةُ النحويينَ والفاءُ ساكنةٌ والهاءُ ساكنةٌ فلا يجوزُ أَن تنطقَ بهما إذَا كانَ تقديرُ "يُريقُ" يُفْعِلُ.
وأَنا أَبينُ لكَ ذلكَ بيانًا أكشفهُ بهِ3، فإنَّ الحاجةَ إلى ذلكَ في هذهِ الصناعةِ شديدةً فأَقولُ إني قَد بينتُ ما دَعا النحويينَ إلى أَن يزنوا بالفاءِ والعينِ واللامِ.
وأنهم قَصدوا أَنْ يفصلوا بينَ الزائدِ والأصلِ فالقياسُ في كُلِّ لفظٍ مقدرٍ إذا كانَ فيهِ زائدٌ أَن تحكيَ الزائدَ بعينهِ فتقولُ في "أَكرَم" إنَهُ "أَفعلُ" وفي "كَرامةٍ" أَنها "فَعَالَةٌ" وفي كَريمٍ أَنَّهُ "فَعيلٌ".
ومُكرَمٌ مُفْعَلٌ لأن ذلكَ كُلَّهُ مِنَ الكَرمِ فالأَصلُ الذي هُوَ الكافُ والراءُ والميمُ موجودٌ في جميعِها فالكافُ فاءٌ والراءُ عَيْنٌ والجيمُ لامٌ فَعَلى هَذا يجري جميعُ الكلامِ في كُلِّ أَصلي وزَائدٍ فإذا جئنا إلى الأصول التي تعتلُّ وتحذفُ فإنَّ النحويينَ يقولونَ إذا سئلوا: ما وزنُ "قَامَ" قَالوا: "فَعَلَ"
فيذكرونَ الأَصلَ لأنه عندَهم مثلُ "ضَرَبَ" وإنَّما كانَ الأَصلُ "قَوِمَ" ثُمَّ قلبتِ الواوُ ألفًا ساكنةً وإذَا قيلَ لَهم: ما وزنُ يَقولُ: قالوا: "يَفْعُلُ" لأَنَّ الأَصلَ "كانَ يَقْوُلُ" فحولتِ الحركةُ التي كانت في الواوِ إلى القافِ وإذَا قيلَ لَهم: ما وزنُ مَقولٍ؟ قالوا: مفولٍ لإِنَّ الأَصلَ: مقوولٌ فحولتِ الضمةُ إلى القافِ فاجتمعَ ساكنانِ فَحذفَ أَحدهُما فهذَا الذي قالوهُ صحيحٌ وإنِّما يريدونَ بذلكَ المحافظةَ على الأُصولِ لتُعلمَ وأَنَّ ما يغيرُ مِنَ اللفظِ فَلعلةٍ إلا أَنهُ يجبُ أَنْ تمثلَ الكلمةُ المعتلةُ بما هيَ عليهِ مِنَ اللفظِ كمَا يمثلُ الأصل فيقولُ: مِثَالها المسموعُ كَذا: والأَصلُ كَذا كمَا قالوا في "رُسْلٍ" فيمَن خففَ1، إنَّ الأَصلَ "فُعُلٌ" وإنَّ الذينَ خَففوا قَالوا: "فُعْلٌ" فيجبُ علَى مَنْ أَرادَ أَن يمثلَ الكلمةَ مِنَ الفعلِ بمَا هيَ عليِه ولم يقصد الأَصلَ إِذا قيلَ لَهُ: ما وزنُ "قَالَ" بَعدَ العلةِ قالَ "فَعْلَ" وإنْ قيلَ لَهُ: ما وزنُ قُلْتُ قالَ: فلتُ: فإنْ قيلَ: ما الأَصلُ قَالَ: فَعُلْتُ قيلَ لَهُ: ما وَزنُ قِيلَ قالَ: فِعْلَ فإنْ أَريدَ الأَصلَ قالَ: فُعِلَ فإنْ قيلَ لَهُ: ما وَزنُ مَقولٍ فإنْ كانَ ممن يقدرُ حذفَ واوِ مفعولٍ2، وذاكَ مذهبهُ قَالَ "مَفُعْلٌ".
وإنْ كانَ ممن يذهبُ إلى أَنَّ العينَ الذاهبةَ قالَ: مَفولٌ فإنْ سُئلَ عَنِ الأصلِ قالَ: مَفعولٌ وكذلكَ إذا سُئلَ عَنْ "يَدٍ" قَالَ "فَعٍ" فإنْ سُئِلَ عَنِ الأصلِ قالَ "فَعْلٌ" كمَا بينا فيمَا تقدم وإنْ سُئلَ عَنْ "مُذْ" قالَ: "فَلْ" فإنْ سُئِلَ عَنِ الأصلِ قالَ: فُعْلٌ لأَنَّ أصلَ "مُذْ": مُنْذُ فالعينُ هيَ الساقطةُ وكذلكَ: "سَهْ" إنْ قالَ: ما وزنُها في النطقِ "قلت" "فَلْ" فإنْ
قالَ: ما الأَصلُ؟ قلتَ "فَعْلُ" كمَا ذكرنَا ويلزمُ عندي مِنْ مثلِ قَالَ: يَفْعَلُ ومقولٌ: بِمَفْعُولٌ أَن يمثلَ يُكْرِمَ بيؤفعلُ1 فيذكرُ الأَصلَ فأمَّا "أُمهاتٌ" فوزنُها "فُعْلَهاتٌ" يدلُّكَ عَلَى ذلكَ أَنَّهم يقولونَ: أُمٌّ وأُمهاتُ2، فيجيئون3 في الجمعِ بمَا لم يكنْ في الواحدِ.
وقد حكى الأخفشُ علَى جهةِ الشذوذِ أَنَّ مِنَ العربِ مَنْ يقولُ: "أُمَّهَةٌ" فإنْ كانَ هذَا صحيحًا فإنَّهُ جعلَها فُعَّلَةً وأَلحقَها بِجُخْدَبٍ4 ومَنْ لم يعترف بِجُخْدَبٍ ولَم يثبتْ عندَهُ أَنَّ في كلامِ العربِ "فُعْلَلاً" وَجَبَ [عليهِ] 5 أَنْ يقولَ "أُمَّهَةٌ" فُعْلَهَةٌ كمَا قالَ: إنَّ جُنْدَبًا فُنْعَلٌ ولَم يَقلْ: فُعْلُلٌ وإذَا قيلَ لكَ ما وَزنُ "يَغْفُر" فإن قالَ السائلُ6 ما أَصلهُ فقلْ7: يَفْعَلُ ولكنْ أتبعُوا الضمَّ8 الضمَّ وإنْ كانَ سُئِلَ عَنِ اللفظِ فَقُلْ "يُفْعُلُ" وكذَلكَ "مِنْتِنٌ" إنْ قَالَ ما وزنهُ قَلتَ: الأَصلُ "مُفْعِلٌ" ولكنْ أتبعوا الكسرَ الكسرَ واللفظُ "مِفُعِلٌ" وتقولُ في "عِصِي" إنَّها "فُعولٌ" في الأَصلِ وفَعيلٌ في اللفظِ والتمثيلُ باللفظِ غيرُ مَأْلوفٍ فَلا تلتفتْ إلى مَنْ يستوحشُ منهُ ممن يطلبُ العربيةَ فإنَّ مَنْ عرفَ أَلفَ ومَنْ جَهلَ استوحشَ وهذَا مذهبُ أَبي الحسن الأخفش وتقولُ في "قِسِيٍّ" أَصلهُ: فُعُولٌ وكانَ حقهُ "قُووُسٌ" ولكنْ قدَموا اللامَ علَى العينِ وصيروهُ "فُلُوعٌ" وكانَ حقهُ أَنْ يكونَ "قِسُوٌ" فصنَعوا بهِ ما صنَعوا بعِصِيٍّ قلبوا الواوَ ياءً وكسروا القافَ كما كسروا عينَ "عِصيٍّ" فالمسموعُ مِنْ "قِسيٍّ" "فِليعٌ"
وأَصلُ "فِليعٌ" فُلُوعٌ وفُلُوعٌ مقلوبٌ مِنْ فُعُولٍ.
وقَالوا في "أَيْنُقٍ" إنَّ أَصلَها "أَنْوَقٌ" فاستثقلوا الضمةَ في الواوِ فحذفتِ الواوُ وعوضتِ الياء فيقولونَ إذا سئلوا عَنْ وزنِها أَنَّها "أَفْعُلٌ" واللفظ على هذا التأويلِ هو"أَيْفُلٌ" ولقائلٍ أَنْ يقولَ: إنَّهم قلَبوا فَصارَ "أَونقاً" ثُمَّ أَبدلوا مِنَ الواوِ ياءً والياءُ قَدْ تبدلُ مِنَ الواوِ لغيرِ علةٍ استخفافًا فَعَلى هَذا القول يكونُ وزنُ "أَينُقٍ" "أَعفُل" كما قالَ الخليلُ في أَشياءٍ: إنَّها "لَفْعَاء" لأَنَّ الواحدَ شَيءٌ فاللامُ همزةٌ فلمَّا وجدَها مقدمةً قالَ هيَ: لَفْعاء1 وقَد قالَ غيرهُ: إنَّها "فَعْلاَءُ" كانَ الأصلُ عندَهُ شَيئَاءُ فحذفتِ الهمزةُ.
قَالَ المازني2: قالَ الخليلُ: أَشياءُ "فَعْلاَءُ" مقلوبةٌ وكانَ أصلُها شَيئاءَ مثل: حمراءَ فقلبَ فجعلتِ الهمزةُ التي هي لامٌ أَولًا فَقَالَ: أَشياءُ كأَنَّها لَفْعَاءُ ثُمَّ جَمعَ فَقالَ: أَشاوى مثلَ: صَحَارى وأَبدلَ الياءَ واوًا كمَا قالَ: جَبَيْتُ الخراجَ جِبَاوَةً وهَذا شَاذٌّ وإنَّما احتلنا لأَشاوى حيثُ جاءتْ هكذَا لتعلمَ أَنَّها مقلوبةٌ عن وجهِها.
قالَ: وأخبرني الأصمعي: قَالَ: سمعتُ رَجلًا مِنْ أَفصحِ العربِ يقولُ لخلفٍ الأحمر3: إنَّ عندكَ لأَشَاوِي قالَ: ولو جاءتِ الهمزةُ في "أَشياءَ" في موضِعها مؤخرَةً بعدَ الياءِ كنتَ تقولُ: شَيئاءُ
قالَ: وكانَ أَبو الحسن الأَخفش1 يقولُ: أَشْيئَاءُ أَفْعِلاَءُ وجُمعَ شيَءٌ عليهِ كما جَمعوا شَاعرًا على شعراءَ ولكنَّهم حذفوا الهمزةَ التي هيَ لام استخفافًا وكانَ الأصلُ: أُشْيئاءُ [أُشْيِعَاعٌ2] فثقل ذلك فحذفوا فسألتهُ3 عَن تصغيرِها فقالَ: العربُ تقول أَشَيَّاءٌ فاعلَم فيدعونَها على لفظِها فقلتُ: لِمَ لاَ رُدتْ إلى واحدِها4، كما رُدتْ "شعراءُ" إلى واحِدها؟ فَلَم يأتِ بمقنعٍ.
وقالَ5: قَالَ الخليلُ: أَشَياءُ مقلوبةٌ كما قلبَوا "قِسيٌّ6" وكانَ أَصلُها "قُوُوسٌ" لأَنَّ ثانيَ "قَوْسٍ" واوٌ فَقُدّمَ السينُ في الجمعِ وهم مما يغيرونَ الأَكثرَ في كلامِهم قَالَ الشَاعرُ:
"مَروانُ مَروانُ أَخوُ اليومِ اليَمِي7،
يريدُ "اليومَ" فأخَّر الواوَ وقدمَ الميمَ ثمَ قَلَب الواوَ حيثُ صارتْ طرفًا كما قالَ: "أَدلٍ" في جَمعِ "دَلْوٍ" ومما أُلزمَ حذفُ الهمزةِ لكثرةِ استعمالِهم "مَلكٌ" إنَّما هُو"مَلأَكٌ" فلمَّا جَمعوهُ وردوهُ إلى أَصلهِ قالوا: ملائكةٌ وملائكُ وقَد قالَ الشاعرُ فَ ظَردَّ1 الواحدَ إلى أصله حين2 احتاج: فلَسْتُ لإِنْسِيٍّ ولكنْ لَمَلأَكِ... تَنَزَّلُ مِنَ جَوِّ السَّماءِ يَصُوبُ3 قالَ: ومِنَ القلبِ: طأَمنَ واطمأنَ4، قال: وأَمَّا: جَذَبَ وجَبَذَ فلَيسَ واحدٌ منهما مقلوبًا عَنْ صاحبهِ5، لأَنُّهما يتصرفانِ وأما "طَأَمَن" فليسَ أَحدٌ يقولُ فيهِ "طمأَنَ" ومما يُسأْلُ عنهُ "أَوَّلُ" إنْ قالَ قائلٌ: هذهِ همزةٌ أُبدلَ منها واوٌ واحتجَّ بأَنَّهُ لم يرَ الفاءَ والعينَ مِنَ جنسٍ واحدٍ قيلَ لَهُ: قَد قالوا:
الدَّدَنُ1، وكَوْكَبٌ ويقالُ لِمَن اعترضَ بهذَا- أَي: الواوين- مِنْ أَوَّلِ تجعلَها بدلًا مِنَ الهمزةِ؟ فإن قالَ: الأوَلى، قيلَ لَهُ: لو كانتْ همزة لوجبَ أَنْ تبدلَ الفاءَ كمَا قالوا: آمِنٌ، وإنْ قالَ: الثانيةُ قيلَ لَهُ: لو كانتِ الثانيةُ همزةً لوجبَ حذفُها في التخفيفِ وكنتَ تقولُ: أَوَّلُ فَعَّلُ2 كمَا تقولُ في تخفيفِ "مَؤَلةٍ" مَوَلَةٌّ فإنْ قالَ: وَلَم قالوا: أَوائلُ ولم يقولوا: أَواولُ؟ قيلَ: هذَا كانَ الأصلُ ولكنَّهم تجنبوا اجتماع الواوينِ وبينَهما ألف الجمعِ ومِما يغيّرُ في الجمعِ الهمزتانِ إذَا اكتنفتا الأَلفَ نحو: ذُؤابة إذا جمعتها قلتَ: ذَوَائِبٌ وكان الأصل: "ذأآئبٌ" لأن الألف التي في "ذُؤَابةٍ" كالألفِ التي في "رِسَالةٍ" حقُّها أَنْ تبدلَ منها همزةً في الجمعِ ولكنَّهم استثقلوا أَنْ تقعَ ألَفُ الجمعِ بينَ همزتينِ كَما استثقلوا أَنْ تقعَ بينَ واوينِ فأَبدلوا الأُولى التي هيَ أَصلٌ وتنكبوا إِبدالَ الثانيةَ التي هيَ بَدلٌ مِنْ حرفٍ زائِدٍ الزوائدُ أصلُها السكونُ وإنَّما أبدلتْ لمّا أرادوا حركتها واضطرهم إلى ذلك الفرارُ مِنَ الجمع بين ساكنينِ وكان ملازمةُ الهمزةِ تدلُّ علَى أنَّ المبدلَ زائدٌ فأمَّا خَطَايا وأَدَاوَى فإنَّهم جعلوا موضعَ الهمزةِ3 ياءً وواوًا وأزالوا البناءَ عَنْ وزنِ "فَعَائلٍ" إلى "فَعَالٍ" ثم نقلوها إلى "فَعَائِلَ" وعَاولَ فجاءوا ببناءٍ أخرَ وَلمْ ينطقوا بالهمزةِ معَ هذا البناءِ وإنَّما هو شيءٌ يقدرهُ النحويون أَلا تَرَى أَنَّ الشاعرَ إذَا اضطَرَّ فقالَ4:
سَماءُ الإِلهِ فوقَ سَبعِ سَمَائِيَا
لمَّا رَدَّ البناءَ إلى "فَعَائلَ" وكسرَ رَدَّ الهمزةَ فحروفُ المَدِّ إذَا أبدلتْ للضرورةِ قَبُحَ أَنْ تبدلَ بدلًا بعدَ بدَلٍ فتشبهُ الأُصولَ أَلاَ ترى أَنَّ أَلفَ "سَائرٍ" لما أُبدلتْ في "سُوَيرٍ" واوًا لم تُدغم فتقديرُ خَطيئةٍ: فَعَيلةٌ وتقديرُ إدَاوةٍ: فِعَالةٌ وخَطيئةٌ مثلُ: صَحيفةٍ كانَ القِياسُ عَلَى ذلك أَنْ يقالَ1 فيها: خَطائيٌ [خَطَاعيٌ] 2 مثل صَحَائف فكانَ يجتمعُ همزتانِ فتنكبوا "فَعَائِلَ" إلى "فَعَائَلَ" كما قَالوا في مَدَارِي: مَدَارَى وكانَ مَدَارِي: مَفَاعِلُ فجعلوه "مَفَاعَلَ".
والنحويونَ يقولونَ: إنَّهُ لما نقلَ وقعتِ الهمزةُ بينَ أَلفينِ فأُبدلتْ يَاءً: قالوا: وإنَّما "فُعِلَ" ذلكَ بها3 لأَنَّكَ جمعتَ بينَ ثلاثةِ أَلفاتٍ وهذَا المعنى إنَّما يقعُ إذَا كانتِ الهمزةُ عارضةً في الجمعِ وهَذا تقديرٌ قدروهُ لا أَنَّ هَذا الأَصلَ سُمعَ مِنَ العربِ كما قد تأتي بعضُ الأشياءِ على الأصولِ مثل: حَوكةٍ واستحوذَ فَخَطايا وبابُها لم يُسمع فيه إلا الياءُ وأَما "إداوةٌ" فهي "فِعَالةٌ" مثلُ "رِسَالةٍ" وكانَ القياسُ فيها "أَدَائيء"4 مثلُ "رَسَائل" تثبتُ الهمزةُ التي هيَ
بَدلٌ مِنْ أَلفِ "إداوةٍ" كما تثبتُ الهمزةُ التي هيَ بَدلٌ مِنْ أَلفِ "رِسَالةٍ" فتنكبوا "أَدَاي" كما تنكبوا "خَطاي" فجعلوا فَعَائِلَ: فَعَائَلَ وأَبدلوا منها1 الواوَ ليدلوا علَى أَنَّهُ قد كانتْ في الواحدِ واوٌ ظاهرةٌ فقَالوا: أَدَاويٌ فهذهِ الواوُ بَدلٌ مِنَ الألفِ الزائدةِ في "إدَاوةٍ" والأَلفُ التي هي لامٌ بَدلٌ مِنَ الواوِ التي هيَ لامٌ في "إدَاوةٍ".
ومِمَا يُسأَلُ عَنهُ "سُرِيَّةٌ" ما تقديرُها مِنَ الفعلِ وهَلْ هيَ "فُعَليَّةٌ" أَو"فُعِيلَةٌ" وممَّ هيَ مشتقةٌ والذي عندي فيها أَنَّها فُعْليَّةٌ مشتقةٌ مِنَ "السرِّ" لأَنَّ الإِنسان كثيراَ ما يُسِرُّها ويسترُ أَمْرَها عن حُرَّتِهِ.
وكانَ الأخفشُ يقولُ: إنَّها "فُعِيلَةٌ" [مشتقةُ مِنَ "السرورِ" لأَنَّها يُسَرُّ بها وإنَّما2 حكمنا3] بأَنَّها "فَعْلِيَّةٌ" ولم نَقلْ: إنَّها "فُعِيلةٌ" لضربينِ: لأَنَّ مثالَ "فَعْليَّةٌ" كثيّر نحو: قُمْريةٍ وفُعِيلةٌ قليلٌ نحو: مُرِيقَةٍ.
والضربُ الآخرُ: الاشتقاقُ ومَا يدلُّ عليهِ المعنى لأَنَّ الذي يقولُ إنَّها "فُعِيلةٌ" يُقالُ لَهُ: مِمَّ اشتققتَ ذلكَ فإِنْ قالَ: أَردتُ: ركبتُ سراتَها وسراةُ كُلِّ شيءٍ أَعلاهُ فقدَ ردَّ هذَا أبو الحسن الأخفش فقالَ: ذَا لا يشبهُ لأَنَّ الموضعَ الذي تؤتى المرأةُ منهُ ليسَ هُوَ سراتُها وإنَّما سَرَاةُ الشيء ظهرهُ أَوْ مقدمهُ لأَنَّ أَولَ النهارِ سَرَاتُه وظهرُ الدابةِ: سَرَاتها فهذَا عندي بعيدٌ كمَا قالَ أبو الحسن فإنْ قيلَ: إنَّهُ من "سَرَيْتُ" فهوَ أَقربُ مِنْ أَن يكونَ من "السَّرَاةِ" والصوابُ عندي ما بدأتُ بهِ وأَمَّا "عُلِيّةٌ" فهيَ "فُعِيّلةٌ" ولو كانتْ "فُعْليّةً" لقلتَ "عُلْويّةٌ" وهيَ من "عَلَوتُ" لأنَّ هذِه الواوَ إذا سكنَ ما قبلَها صحتْ كما تنسبُ إلى "دَلوٍ" دَلَوِيٌّ ولكنَّها قلبتْ في "عُلِيّةٍ" لمَّا كانتْ