الأصول في النحوصفحات 222-248

باب التقديم والتأخير

صفحات 222-248
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن السراج
الكتاب
الأصول في النحو
المؤلف
أبو بكر محمد بن السري بن سهل النحوي المعروف بابن السراج (المتوفى: 316هـ)
المحقق
عبد الحسين الفتلي
الناشر
مؤسسة الرسالة، لبنان - بيروت
عدد الأجزاء
3 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]

باب التقديم والتأخير: الأشياء التي لا يجوز تقديمها ثلاثة عشر سنذكرها، وأما ما يجوز تقديمه فكل1 ما عمل فيه فعلٌ متصرفٌ أو كان خبرًا لمبتدأ سوى ما استثنيناه، فالثلاثة العشر التي لا يجوز تقديمها: الصلة على الموصول والمضمر على الظاهر في اللفظ والمعنى إلا ما جاء على شريطة التفسير2 والصفة وما اتصل بها على الموصوف وجميع توابع الاسم حكمها كحكم3 الصفة، والمضافُ إليه وما اتصل به على المضاف، وما عمل فيه حرف أو اتصل به حرفٌ4 زائدٌ لا يقدم على الحرف وما شبه من هذه الحروف بالفعل فنصب ورفع فلا يقدم مرفوعه على منصوبه، والفاعل لا يقدم على الفعل والأفعال التي لا تتصرف لا يقدم عليها ما بعدها5، والصفات المشبهة بأسماءِ6 الفاعلين، والصفات التي لا تشبه أسماء الفاعلين لا يقدم عليها ما عملت فيه، والحروف التي لها صدر الكلام لا يقدم ما بعدها على ما قبلها، وما عمل فيه معنى الفعل فلا

يقدم المنصوب عليه، ولا يقدم التمييز [وما عمل فيه معنى الفعل] 1, وما بعد إلا, وحروف الاستثناء لا تعمل فيما قبلها ولا يقدم مرفوعه على منصوبه2، ولا يفرق بين الفعل العامل والمعمول فيه بشيءٍ لم يعمل فيه الفعل3.

شرح الأول من ذلك: وهو الصلة:

لا يجوز أن تقدم على الموصول؛ لأنها كبعضه وذلك نحو صلة "الذي" وأَنْ فالذي توصل بأربعة أشياء؛ بالفعل والفاعل والمبتدأ والخبر وجوابه والظرف ولا بدّ من أن تكون في صلتها ما يرجع إليها، والألف واللام إذا كانت بمنزلة "الذي" فصلتها1 كصلة "الذي" إلا أنكَ تنقل الفعلَ إلى اسم الفاعلِ في "الذي" فتقول في "الذي قامَ": القائمُ, وتقول في "الذي ضَربَ زيدًا": الضاربُ زيدًا, فتصير الألف واللام اسمًا يحتاج إلى صلة، وأنْ تكون في صلته ما يرجع إلى الألف واللام, فلو قلتَ: "الذي ضَربَ زيدًا عمرٌو" فأردت أن تقدم زيدًا على "الذي" لم يجزْ ولا يصلح أن تقدم شيئًا في الصلة ظرفًا كان أو غيره على "الذي" ألبتة، فأما قوله: ﴿وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ﴾ 2 فلا يجوز أن تجعلَ "فيه" في الصلة.
وقد كان بعضُ مشايخ3 البصريين يقول: إنَّ الألف واللام ههنا ليستا في معنى "الذي" وإنَّهما دخلتا كما تدخلان على الأسماء للتعريف، وأَجاز أن يقدم عليها إذا كانت بهذا المعنى ومتى كانت بهذا المعنى لم يجزْ أن يعمل ما دخلت عليه في شيءٍ فيحتاج فيه إلى عامل فيها, قال [أبو بكر] 4: وأنا أظن أنهُ مذهبُ أَبي العباسِ [يعني أنَّ

الألفَ واللامَ للتعريفِ] 5 والذي عندي فيه: أنَّ التأويل "وكانوا فيه زاهدين من الزاهدين" فحذف "زاهدينَ" وبينَهُ [بقولِه] 6: ﴿مِنَ الزاهدينَ﴾ وهو قول الكسائي, ولكنه لم يفسر هذا التفسيرَ وكان هو والفراءُ لا يجيزانِه إلا [في] 7 صفتين في "مِن وفي" فيقولان: "أَنتَ فينا مِنَ الراغبينَ8، وما أَنت فينا من الزاهدينَ" وأما "أَنْ" فنحو قولكَ: "أَن تقيمَ الصلاةَ خيرٌ لكَ" لا يجوز أن تقول: "الصلاةُ أنْ9 تقيمَ خيرٌ لكَ" ولا تقدمُ "تقيمُ" على "أَنْ" وكذلك لو قلت: "أنْ تقيمَ الصلاةَ الساعةَ خيرٌ لكَ" لم يجزْ تقديمُ "الساعةَ" على "أَنْ" وكذلك إذا قلت: "أَأَنْ تلد ناقتكم10 ذكرًا أَحبُّ إليكم11 أَمْ أُنثى" لم يجز أن تقول: أَذكرًا أَأنْ12 تلدُ ناقتكُم أَحبُّ إليكم أم أُنثى؛ لأن "ذكرًا" العاملُ فيهِ "تلدُ" وتلدُ في صلة "أَنْ" وكذلك المصادر التي في معنى "أَن نفعلَ"13 لا يجوز أن يتقدم ما في صلتها عليها, لو قلت: أَولادةُ ناقتكم14 ذكرًا أَحبُّ إليكم15 أم ولادتُها أُنثى، ما جاز أَن تقدم "ذكرًا" على "ولادةٍ"، وكل16 ما كان17 في صلة شيءٍ من اسمٍ أو فعلٍ مما لا يتمُّ إلا به فلا يجوز أن نفصلَ بينَهُ وبين صلته بشيءٍ غريب منه، لو قلت: "زيدٌ

نفسهُ راغبٌ فيكم"1 لم يجزْ أن تؤخر "نفسَهُ" فتجعلهُ بين "راغبٍ" و"فيكم"2 فتقول: زيدٌ راغبٌ نفسهُ فيكم، فإن جعلتَ "نفسَهُ" تأكيدًا لما في "راغبٍ" جاز.

شرح الثاني: توابع الأسماء.

وهي الصفةُ والبدلُ والعطفُ، لا يجوز أن تقدم الصفة على الموصوف، ولا أن تُعملَ الصفة فيما قبل الموصوف، ولا تقدم شيئًا [بصيغة المجهول] 1 مما يتصل بالصفة على الموصوف2، وكذلك البدل إذا قلت: مررتُ برجلٍ ضاربٍ "زيدًا" لم يجز أن تقدم "زيدًا" على "رجل", وكذلك إذا قلت: "هذا رجلٌ يضربُ زيدًا" لم يجز أن تقول: "هذا زيدًا رجلٌ يضربُ" لأن الصفة مع الاسم بمنزلة الشيء الواحد، وكذلك كل ما اتصل بها، فإذا قلت: "عبد الله رجلٌ يأكلُ طعامَكَ" لم يجز أن تقدم "طعامَك" قبل "عبد الله" ولا قبل "رجل".
والكوفيون يجيزون إلغاء "رجلٍ" فيجعلونه بمنزلة ما ليس في الكلام فيقولون: "طعامَكَ عبد اللهِ رجلٌ يأكلُ" لا يعتدون "برجلٍ" وتقديره عندهم: "طعامكَ عبد الله يأكلُ" وإلغاء هذا غيرُ معروف، وللإِلغاء حقوق سنذكرها إن شاءَ الله, ولكن هذه المسألة تجوز على غير ما قدروا وهو أنْ تجعل "رجلًا" بدلًا من "عبد الله" ترفعهُ3 بالابتداء وتجعلُ "يأكلُ" خبرًا، فحينئذٍ يصلحُ تقديم "طعامَك"، وأما4 البدلُ فلا يتقدم على المبدلِ منه، وكذلك ما اتصل به لا يتقدم على الاسم المبدلِ منه.
وأما العطفُ فهو كذلك

لا يجوز أن يتقدم ما بعد حرف العطف عليه، وكذلك ما اتصل به، والذين أجازوا من ذلك شيئًا أجازوه في الشعر, ولو جعلنا ما جاء في ضرورات الشعر أصولًا لزال الكلام عن جهته, فقدموا حرف النسق مع المنسوق به على ما نُسقَ به عليه وقالوا: إذا لم يكن شيءٌ يرفعُ لم يجزْ تقديم الواو, والبيتُ الذي أنشدوه: عليكِ ورحمةُ اللهِ السلامُ5 فإنما جاز عندهم؛ لأن الرافع في مذهبهم "عليك" وقد تقدم، ولا يجيزونَ للشاعر إذا اضطر أن يقول: "إنَّ وزيدًا عمرًا قائمان" لأن "إنّ" أداةٌ وكل شيءٍ لم يكن يرفع لم يجز أن تليه الواو عندهم على كل حالٍ, فهذا شاذ لا يقاسُ عليه6، وليس شيءٌ منصوب مما7 بعد حرف النسق يجوز تقديمه إلا شيئًا أجازهُ الكوفيونَ فقط, وذلك قولهم: زيدًا قمتُ فَضَربتُ, وزيدًا أَقبلَ عبد اللهِ فشتمَ.
وقالوا: الإِقبالُ والقيام هُنا لغوٌ.

شرح الثالث: وهو المضاف إليه:

لا يجوز أن تقدم على المضاف ولا ما اتصل به، ولا يجوز أن تقدم عليه نفسه ما اتصل به فتفصل به بين المضاف والمضاف إليه إذا قلت: "هذا يومُ تضربُ زيدًا" لَمْ يجزْ أن تقول: "هذا زيدًا يومُ تضربُ"، ولا هذا يومُ زيدًا "تضربُ", وكذلك1: هذا يومُ ضربِكَ زيدًا، لا يجوز أن تقدم "زيدًا"2 على "يومٍ" ولا على3 "ضربِكَ" وأما قولُ الشاعر4:

للِه دَرُّ اليومَ مَنْ لاَمَهَا وقوله: كَما خُطَّ الكِتَابُ بِكَفِّ يومًا... [يهوديٍّ يُقارِبُ أو يُزِيلُ] 5 فزعموا6: أن هذا لما اضطر فصل بالظرف؛ لأنَّ الظروف7 تقع مواقعَ لا تكون فيها غيرها، وأجازوا: "أَنا طعامَكَ غيرُ آكلٍ" وكان شيخنا يقول: حملته على "لا" إذ كانت "لا" تقعُ موقعَ "غير".
[قال أبو بكر] 8:

والحق في ذا عندي أنْ يكون طعامُكَ منصوبًا بغيرِ "آكلٍ" هذا، ولكن تقدر ناصبًا يفسره "هذا" كأنك قلت1: أنا لا آكلُ طعامَك، واستغنيت "بغيرِ آكلٍ" ومثل هذا في العربية كثيرٌ مما يضمرُ إذا أتى بما يدل عليه.

شرح الرابع: الفاعل:

لا يجوزُ أن يقدم على الفعل؛ إذا قلت: "قامَ زيدٌ" لا يجوز أن تقدم الفاعل فتقول: زيدٌ قامَ فترفع "زيدًا" بقامَ ويكون "قامَ" فارغًا، ولو جاز هذا لجاز أن تقول: "الزيدانِ قامَ، والزيدونَ قامَ" تريد: "قام الزيدانِ، وقامَ الزيدونَ" وما قام مقام الفاعل مما لم يُسم فاعلهُ, فحكمه حكم الفاعل إذا قلت: "ضُرِبَ زيدٌ" لم يجز أن تقدم "زيدًا" فتقول: "زيدٌ ضُرِبَ" وترفع زيدًا "بضُرِبَ" ولو جاز ذلك لجاز: "الزيدانِ ضُرِبَ, والزيدونَ ضُرِبَ", فأما تقديم المفعول على الفاعل وعلى الفعل1 إذا كان الفعل متصرفًا فجائزٌ, وأعني بمتصرفٍ أن يقال: [منه] 2 فَعَلَ يفعلُ فهو فاعلٌ، كضَرَبَ يضربُ وهو ضاربٌ, وكذلك اسم الفاعل الذي يعملُ عملَ الفعل حكمهُ حكمُ الفعلِ.

الخامس: الأفعال التي لا تتصرف:

لا يجوز أن يقدم عليها شيءٌ مما عملتْ فيه وهي نحو: نِعْمَ وبِئْسَ وفِعلُ التعجب و"ليسَ" تجري عندي ذلك المجرى؛ لأنها غير متصرفةٍ، ومَه وصَه وعليكَ, وما أشبهَ هذا أبعد في التقديم والتأخير.

السادس: ما أعمل من الصفات تشبيهًا بأسماء الفاعلين وعمل عمل الفعل:

وذلك نحو "حَسَنٌ وشديدٌ وكريمٌ" إذا قلتَ: هو كريمٌ حَسبَ الأبِ, وهو حَسَن وجهًا، لم يجز أن تقول: هُوَ وجهًا حَسَنٌ، ولا هُوَ حَسَب الأبِ كريمٌ، وما كان من الصفات لا يشبه أسماء الفاعلين فهو أَبعدُ لهُ من العمل والتقديم، وكل ما كان فيه معنى فعل وليسَ بفعلٍ ولا اسم3 فاعلٍ، فلا يجوزُ أن يتقدم ما عَمِلَ فيهِ عليهِ.

السابع: التمييز:

اعلم: أن الأسماء التي تنتصب انتصاب التمييز لا يجوز أن تقدم على ما عمل فيها، وذلك قولك: "عشرونَ درهمًا" لا يجوزُ: "درهمًا عشرونَ" وكذلك: له عندي رطلٌ زيتًا, لا يجوز: "زيتًا رطلٌ" وكذلك إذا قلت: "هو خيرٌ عبدًا" لا يجوز: "هُو عبدًا خَيرٌ" فإن كان العامل في التمييز فعلًا، فالناس1 على ترك إجازة تقديمه سوى المازني، ومن قال بقوله وذلكَ قولكَ: "تفقأتُ سمنًا" فالمازني يجيز: "سمنًا تفقأتُ"2 وقياس بابه أن لا يجوز؛ لأنه فاعل في الحقيقة وهو مخالف للمفعولات، ألا ترى أنهُ إذا قال: "تفقأتُ شحمًا" فالشحمُ هو المفقأ، كما أنه إذا قال: "هو خيرٌ عبدًا" فالعبدُ هو خيرٌ، ولا يجوز تعريفهُ فبابه أولى به، وإن كان العاملُ فيه فعلًا، وفي الجملة أن المفسر إنَّما "ينبغي أن"3 يكون بعد المفسر، واختلف النحويون في: بطرتِ القريةُ

معيشتَها، وسفه زيدٌ رأيَه, فقال بعضهم: نصبُه كنصبِ التفسير، والمعنى: "سَفِهَ رأي زيد" ثم حول السفهُ إلى زيدٍ فخرج الرأي مفسرًا فكأن حكمه أن يكون: "سفَه زيدٌ رأيًا" فترك على إضافته ونُصبَ كنصبِ النكرة، قالوا: وكما4 لا يجوز تقديم ما نصب على التفسير لا يجوز تقديم هذا، وأجاز5 بعض التقديم وهو عندي القياس؛ لأن المفسر لا يكون إلا نكرةً، وإنما يجري هذا -والله أعلم- على: جَهِلَ زيدٌ رأيهُ، وضيّعَ زيدٌ رأيهُ, وما أشبه هذا.
وكذلك: بطرتْ معيشَتها, كأنه: كرهت معيشتها وأحسبُ البطر أنه كراهيةُ الشيءِ من غير أنْ يستحق أن يكره, وكان شيخنا6 -رحمه الله- لا يجيز: "وجعَ عبد اللهِ رأسَهُ" في تقديمٍ ولا تأخيرٍ؛ لأن "وجعَ" لا تكون متعدية وهي جائزةٌ في قول الكسائي والفراء.

الثامن: العوامل 1 في الأسماء، والحروف التي تدخل على الأفعال:

الأول 2 من ذلك: ما يدخلُ على الأسماء ويعمل فيها, فمن ذلك: حروف الجر، لا يجوز أن يقدم عليها ما عملت فيه، ولا يجوز أن يفرق بينها وبين ما تعملُ3 فيه، ولا يجوز أن يفصل بين الجار والمجرور حشو إلا ما جاء في ضرورة الشعر، لا يجوز أن تقول: "زيدٌ في اليوم الدارِ" تريدُ: "في الدار اليومَ" ولا ما أشبه ذلك، وقد أجاز قومٌ: "لستَ زيدًا بضاربٍ" لأن الباء تسقط، والقياس يوجب أن تضمر فعلًا ينصب "زيدًا" تفسرهُ41

"بضاربٍ" ومن ذلك "إنَّ وأخواتها" لا يجوز أن يقدم عليهن ما عَملن فيه، ولا يجوز أن تفرقَ بينهن وبين ما عَملن فيه بفعلٍ، ولا تقدمُ أخبارهن على أسمائِهن إلا أن تكون الأخبارُ ظروفًا، فإن كان الخبرُ ظرفًا قلت: إنَّ في الدار زيدًا، وإنَّ خلفكَ عمرًا، والظروف يتسع فيهن خاصة، ولكن لا يجوز أن تقدم الظرف على "إنَّ"، ومن الحروف التي لا يقدم عليها ما يليها: "إلا" وجميع ما يستثنى به؛ لأنَّ ما بعد حرف الاستثناء نظيرُ ما بعد "لا" إذا كانت عاطفةً، وقد فسرنا5 هذا فيما تقدم6.
وأما الحروف التي تدخلُ على الأفعال فلا تتقدم فيها الأسماء, وهي7 على ضربين: حروفٌ عواملُ، وحروفٌ غير عواملَ، فالحروفُ العوامل في الأفعالِ الناصبةِ نحو: "جئتكَ كي زيدٌ يقولَ ذاكَ"، لا يجوز8: "ولا خفتُ أن زيدٌ يقول ذاكَ"9، ومنها الحروف الجوازم وهي: لَمْ ولمَّا ولا التي تجزمُ في النهي واللام التي تجزم في الأمر10، لا يجوزُ أن تقولَ: "لَمْ زيد يأتِكَ" لأن الجزمَ نظير الجر, ولا يجوز لك أن تفصل بينها وبين الفعلِ بحشو، كما لا يجوز لك أن تفصل بين الجار والمجرور بحشوٍ إلا في ضرورة شعرٍ، ولا يجوز ذلك في التي تعمل في الأفعال فتنصب كراهية أن تشبه بما يعمل في الأسماء؛ لأن الاسم ليس كالفعل كذلك11 "ما يشبههُ"12، ألا

ترى كثرة ما يعمل في الاسم وقلة ما يعملُ في الفعلِ، وحروف الجزاء يقبحُ1 أن يقدم2 الاسمُ معها على3 الأفعال, شبهوها بالجوازم التي لا تخلو من الجزم إلا أنَّ حروف الجزاءِ "فقط"4 جاز ذلك فيها في الشعر؛ لأن حروف الجزاء يدخلها "فَعَلَ ويفعلُ" ويكون فيها الاستفهام، ويجوز في الكلام أن يلي "إن" الاسم إذا لم تجزم نحو قوله: عَاودْ هراةَ وإنْ معمورُها خرِبا5 وإن جزمت فلا يجوز إلا في الشعر؛ لأنها تشبهُ "بلَم"، وإنما جازَ هذا في "إنْ" لأنها أم الجزاء لا تفارقه كما جاز إضمار الفعل فيها حين قالوا: "إنْ خيرًا فخيرٌ وإنْ شرًّا فشرٌّ" وهي على كل حالٍ إنْ لَم يلها فِعلٌ في اللفظ فهو مقدر في الضمير.
وأما سائر حروف الجزاء فهذا فيها ضعيفٌ, ومما جاء في الشعر مجزومًا في غير "إنْ" قول عَدي بن زيدٍ6: فَمَتَى وَاغِلٌ يَنُبْهُم يُحيُّو... هُ وتُعْطَفْ عليهِ كَأْسُ السَّاقي7

وقال الحسامُ: صَعْدَةٌ نَابِتَةٌ في حَائِرٍ... أيْنَمَا الرِّيحُ تُمَيِّلْهَا تَمِلْ1 وإذا قالوا في الشعر: "إنْ زيدٌ يأتكَ يكن كَذا" إنما ارتفع2 على فعل هذا تفسيره، وهذا يبين في باب ما يضمر من الفعل, ويظهر إن شاء الله.
الضرب الثاني [منه] 3 الحروف التي لا تعمل فمنها 4: "قَدْ" وهي جواب لقوله: "أَفعلُ" كما كانت "ما فعلَ" جوابًا لِهَلْ "فَعَلَ" إذا أخبرت أنه لم يقع، ولما يفعلْ وقد فَعلَ, إنما هُما لقومٍ ينتظرون شيئًا، فمن ثم أشبهت "قَد" لما في أنها لا يفصل بينها وبين الفعلِ، ومن هذه الحروف "سوفَ يفعلُ" لا يجوز أن تفصل بين "سوفَ" وبين "يفعلُ" لأنها بمنزلة "السين" في "سيفعلُ" وهي إثبات لقوله: "لَنْ يفعلَ" ومما شبهَ5 بهذه

الحروف "رُبَّمَا، وقَلما، وأشباههما" جعلوا "رُبَّ" مع "مَا" بمنزلة كلمة واحدة ليذكر بعدها الفعلُ، ومثل ذلك "هَلاَّ ولولا وألا, ألزموهن لا" وجعلوا كل واحدة مع "لا" بمنزلة حرف واحد، وأخلصوهن للفعلِ حيثُ دخل فيهن معنى التحضيض، وقد يجوز في الشعر تقديمُ الاسم، قال الشاعر: صَدَدْتِ فأَطْوَلْتِ الصُّدُودَ وقَلَّما... وِصَالٌ على طُولِ الصُّدودِ يَدُومُ1 وهذا لفظُ سيبويه2.

التاسع: الحروف التي تكون صدور 1 الكلام:

هذه الحروف عاملة كانت أو غير عاملةٍ, فلا يجوز أن يقدم ما بعدها على ما قبلها وذلك نحو ألف الاستفهام, و"ما" التي للنفي، ولامُ الابتداء, لا يجوز أن تقول: "طعامَكَ أَزيد آكلٌ" ولا "طعامَكَ لزيدٌ آكلٌ" وإنَّما أَجزنا: إنَّ زيدًا طعامَك لآكلٌ؛ لأن تقدير اللام أنْ يكون قبل "إنَّ" وقد بينا هذا فيما تقدم, هذه اللام التي تكسر "إنَّ" هي لام الابتداء، وإنما فُرقَ بينهما لأن معناهما في التأكيد واحدٌ, فلما أُزيلت عن المبتدأ وقعت2 على خبره, وهي1

لا يجوز أن تقع إلا على اسم "إنَّ" أو يكون بعدها خبره، فالاسم نحو قولك: "إنَّ خلفَك لزيدًا" والخبرُ نحو: "إنَّ زيدًا لآكلٌ طعامَكَ" فإن قلت: "إنَّ زيدًا آكلٌ لطعامكَ" لم يجز؛ لأنها لم تقع على الاسم ولا الخبر.
ومن ذلك "ما" النافية، تقول: "ما3 زيدٌ آكلًا طعامَك"، ولا4 يجوزُ أن تقدم "طعامَكَ" فتقول: "طعامَكَ ما زيدٌ آكلًا" ولا يجوز عندي تقديمهُ وإن رفعت الخبر, وأما الكوفيون5 فيجيزون: "طعامَكَ ما زيد آكلًا" يشبهونها "بلَم" و"لنْ" وأَباهُ البصريون6، وحجة البصريين أنهم لا يوقعون المفعول إلا حيثُ يصلحُ لناصبه أن يقعه، فلما لم يجزْ أن يتقدم الفعلُ على ما لم يجز أن يتقدم ما عَمِلَ فيه الفعل, والفرق بين "مَا" وبين "لَمْ ولَنْ": أنَّ "لَنْ ولَمْ لا يليهما إلا الفعلُ, فصارتا مع الفعلِ بمنزلة حروف الفعل"7.
وأجازَ البصريون8: "ما طعامَكَ آكلٌ إلاّ زيدٌ" وأحالها الكوفيونَ إلا أحمد بن يحيى9.
ومن ذلك "لا" التي تعمل في النكرة النصب وتُبنى معها لا تكون إلا صدرًا ولا يجوز أن تقدم ما بعدها على ما قبلها وهي مشبهة10 "بإنَّ"، وإنما يقع بعدها المبتدأُ والخبرُ، فكما لا يجوز أن تقدم ما بعد "إنَّ" عليها كذلك

هي، والتقديم فيها أَبعدُ لأن "إنَّ" أشبهُ بالفعل منها، فأما "لا" إذا كانت تلي الأسماء والأفعال، وتصرفت في ذلك ولم تُشبه "بليسَ" فلك التقديم والتأخير؛ تقول: "أَنتَ زيدًا1 لا ضاربٌ ولا مكرمٌ" وما أشبه ذلك, ومن ذلك "إنْ" التي للجزاء لا تكون إلا صدرًا، ولا بُدَّ من شرط2 وجوابٍ، فالجزاء مشبه بالمبتدأ والخبر إذ كان لا يستغني أحدهما عن الآخر ولا يتم الكلام إلا بالجميع3 فلا يجوز أن تقدم ما بعدها على ما قبلها، لا يجوز أن تقول: "زيدًا إنْ تضربْ أَضربْ" بأي الفعلين نصبته فهو غير جائزٍ؛ لأنه إذا لم يجز4 أن يتقدم العاملُ لم يجز أن يتقدم المعمولُ عليه5 وأجاز الكسائي أن تنصبهُ بالفعل الأول6، ولم يجزها أحدٌ من النحويين, وأجاز هو والفراءُ أن يكون منصوبًا بالفعل الثاني.
قال الفراء: إنما أَجزتُ أن يكونَ منصوبًا بالفعل الثاني وإنْ كان مجزومًا؛ لأنهُ يصلحُ فيه الرفعُ وأن يكون مقدمًا فإذا قلت: "إنْ زيدًا تضربْ آتِكَ" فليس بينهم خلاف "وتضربْ جَزمٌ" إلا أنهم يختلفون في نصب "زيدٍ"، فأَهل البصرة يضمرونَ فعلًا ينصبُ وبعضهم ينصبه بالذي بعدهُ, وهو قولُ الكوفيينَ وأجازوا: "إنْ تأتني زيدًا أضربْ" إلا أنَّ البصريينَ يقولونَ بجزمِ الفعلِ بعد "زيدٍ" وأبى7 الكوفيونَ جزمَهُ، وكان الكسائي يجيزُ الجزمَ إذا فرق بين الفعلين بصفةٍ, نحو قولك: "إنْ تأتني إليك أَقصدْ"

فإذا1 فرق بينهما بشيءٍ من سبب الفعل الأول فكلهم2 يجزم الفعل الثاني.

العاشر: أن يفرق بين العامل والمعمول فيه بما ليس للعامل فيه سبب, وهو غريب منه:

وقد1 بينا أنَّ2 العوامل على ضربين: فعل وحرف، وقد شرحنا أمر الحرف فأما الفعل الذي لا يجوز أن يفرق بينه وبينَ ما عَمِلَ3 فيه4 فنحو قولك: "كانت زيدًا الحمى تأخذ" هذا لا يجوز5؛ لأنك فرقتَ بين "كانَ" واسمها بما هو غريبٌ منها؛ لأن "زيدًا" ليس بخبرٍ لها ولا اسم, ولا يجوز: "زيدٌ فيكَ وعمرٌو رغبَ" إذا أردت: " [زيدٌ] 6 فيكَ رَغِبَ وعمرٌو" لأنك فرقتَ بين "فيكَ" ورغب بما ليس منهُ.
وإذا قلت: "زيدٌ راغبٌ نفسه فيكَ" فجعلتَ "نفسَهُ" تأكيدًا "لزيدٍ" لم يجزْ؛ لأنك فرقت بينَ "راغبٍ وفيكَ" بما هو غريب منه, فإنْ جعلتَ "نفسَهُ" تأكيدًا لما7 في "راغبٍ" جازَ، وكذلك الموصولاتُ لا يجوز أن يفرقَ8 بين بعض صلاتها وبعضٍ بشيءٍ غريب منها، تقول: "ضربي زيدًا قائمًا" تريد: إذا كان قائمًا، "فقائمًا" حالٌ لزيدٍ، وقد سدت9 مسدَّ الخبر؛ لأن "ضربي" مبتدأ، فإن

قدمت "قائمًا" على زيدٍ، لم يجزْ لأن "زيدًا" في صلة "ضربي" و"قائمًا" بمنزلة الخبر، فكما لا يجوزُ: "ضَرْبي حَسَنٌ زيدًا" تريد: "ضربي زيدًا حَسَنٌ" كذلك لا يجوز هذا، وكذلك جميع الصلات.

الحادي عشر: تقديم المضمر على الظاهر في اللفظ والمعنى:

أما تقديم المضمر على الظاهر الذي يجوز في اللفظ فهو أن يكون مقدمًا في اللفظ مؤخرًا في معناهُ ومرتبته، وذلك نحو قولك: "ضَربَ غلامَه زيدٌ" كان الأصل: ضَرَبَ زيدٌ غلامَهُ, فقدمتَ ونيتُكَ التأخير، ومرتبةُ المفعول أن يكون بعد الفاعل, فإذا قلت: "ضَربَ زيدًا غلامُه" كان الأصل: "ضَرَبَ غلامُ زيد زيدًا" فلما قدمتَ "زيدًا" المفعول فقلت: ضَربَ زيدًا, قلت: غلامهُ وكان الأصل: "غلامُ زيدٍ" فاستغنيت عن إظهارهِ لتقدمِه، قال الله عز وجل: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ﴾ 1 وهذه المسألة في جميع أحوالها لم تقدم2 فيها مضمر3 على مظهرٍ, إنما جئتَ بالمضمر بعدَ المظهرِ إذا استغنيتَ عن إعادته، فلو4 قدمتَ فقلت: "ضَربَ غلامهُ زيدًا" تريدُ: ضربَ زيدًا غلامهُ لم يجزْ؛ لأنك قدمتَ المضمرَ على الظاهر في اللفظ [والمرتبةِ] 5 لأن حق الفاعل أن يكون قبل المفعول، فإذا كان في موضعه وعلى معناه فليس لك أن تنوي به غير موضعه، إنما تنوي بما كان في غير موضعهِ موضعَه6 فافهم هذا, فإنَّ هذا7 الباب عليه يدور.
فإذا قلت:

"في بيتهِ يؤتى الحكمُ"، جازَ8؛ لأن التقدير "يؤتى الحكمُ في بيتهِ"، فالذي قامَ مقامَ الفاعلِ ظاهرٌ وهو "الحكمُ" ولم تقدم ضميرًا على ظاهرٍ9 مرتبتُه أنْ يكون قبل الظاهر، فإن قلت: "في بيتِ الحكمِ يؤتى الحكمُ" جاز أن تقول: "يؤتى" وتضمر استغناءً عن إظهاره إذ كان قد ذكره كما تقول إذا ذكر إنسانٌ زيدًا: قامَ وفعلَ، وكذلك إذا ذكر اثنين قلت: "قاماَ وفَعلا" فتضمر اسم من لم تذكر استغناءً بأنَّ ذاكرًا قد ذكره, فإنْ لم تقدره هذا التقدير لم يجز, فإن قدمت فقلت: "يؤتيانِ في بيتِ الحكمينِ" تريد: "في بيتِ الحكمينِ يؤتيانِ" لم يجز, ومن هذا: زيدًا أبوهُ ضَربَ, أو يضربُ، أو ضاربٌ، فحقهُ10 أن تقول: "زيدًا أبو زيدٍ ضَرَبَ" واختلفوا في قولهم: "ما أَرادَ أَخَذ زيدٌ" فأجازهُ البصريون, ورفعوا زيدًا "بأَخذَ" وفي "أَرادَ" ذكرٌ من زيدٍ، وأبى11 ذلك الكوفيون ففرقوا12 بينهُ وبين "غلامَهُ ضَربَ زيدٌ" بأن الهاءَ من نفس الاسم بمنزلة التنوين فصار بمنزلة: غلامًا ضَربَ زيدٌ, ويقولُ قومٌ من النحويين: إذا كان المخفوض ليس في نية نصب فلا يقدم مكنيهُ تقول: "في داره ضربتُ زيدًا" ولا يجوز عندهم: "في داره قيامُ زيدٍ" وهذا الذي لم يجيزوهُ هو كما قالوا مِنْ قبل: إني إذا قلت: "قيامُ زيدٍ" فقيام مبتدأ، ويجوز أن يسقط "زيدٌ" فيتم الاسم, فهو بمنزلة ما ليس في الكلام لأنَّهُ من حشو الاسم وليسَ بالاسم، وإنما أجزت: "قيام زيدٍ في دارهِ"، استغناءً بذكرِ "زيدٍ" ولو قلت: قيام زيدٍ في دارٍ, تمَّ الكلام ولم يُضطر فيه إلى إضمار، فإذا جاءَ الضمير والكلام غير مضطر إليه كان بمنزلة ما لم يذكر، فإذا كان الضمير مؤخرًا بهذه الصفة فهو في التقديم أَبعدُ.
واختلفوا في قولهم: "لبستُ مِنَ الثياب أَلينَها" فمنهم من يجيزها كما يجيز: درهَمهُ أَعطيتُ زيدًا، ومن أَباهُ قال:

الفعلُ واقعٌ على "أَلينَ" دون الثيابِ, وأَجازوا جميعًا: "أَخذَ ما أرَادَ زيدٌ"، "وأحبَّ ما أَعجبَهُ زيدٌ" "وخَرجَ راكبًا زيدٌ" لم يختلفوا إذا قدموا الفعلَ, وأهل البصرة أجازوا1: "راكبًا خَرجَ زيدٌ" ولم يجزها الفراءُ والكسائي وقالا2: فيها ذكر من الاسم فلا يقدم على الظاهرِ، ولو كان لا يقدمُ ضمير ألبتة على ظاهرٍ لوجبَ ما قالا3 ولكن المضمر4 يقدمُ على الظاهر إذا كان في غير موضعه بالصفة التي ذكرت لك، وأجمعوا على قولهم: "أَحرز زيدًا أَجلُه" وفي القرآن: ﴿لا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا﴾ 5 لأنه ليس في ذا تقديمُ مضمرٍ على ظاهرٍ، وأجمعوا على: "أَحرزَ زيدًا أَجلُه" وعلى: "زيدًا أحرزَ أَجلهُ" فإن قالوا: "زيدًا أَجلهُ أَحرزَ" فأكثر النحويين المتقدمين وغيرهم يحيلُها إلاّ هِشامًا6 وهي تجوز لأن المعنى: "أَجلُ زيدٍ أحرزَ زيدًا" فلما قلت: "زيدًا أَجلُ زيدٍ أحرزَ" لم تحتج إلى إظهار زيدٍ مع الأجلِ، واختلفوا في: "ثوبِ أَخويكَ يلبسانِ" وهي عندي جائزةٌ؛ لأن المعنى: "ثوبُ أَخويكَ يلبسُ أَخواكَ" فاستغنى عن إعادة الأخوين بذكرهما فأُضمرا.
وأجاز الفراء: دارُ قومِكَ يهدمُ هُم "ويهدمونَ هُم" وتقول: "حينَ يقومُ زيدٌ يغضبُ" لأنكَ تريد: "حينَ يقومُ زيدٌ يغضبُ زيدٌ" فلو أظهرتهُ لجاز واستغنى عن إضماره7 بذكرِ زيدٍ، ولو أظهرتهُ لظن أنه زيدٌ آخرُ، وهو على إلباسه يجوزُ، ولَيس هذا مثل: "زيدًا ضَربَ" إذا أردتَ: "ضَربَ نفسهُ"

لأن هذا إنما امتنع؛ لأنه فاعل مفعولٍ، وقد جعلت المفعولَ [لا بدّ منهُ] 1، وحقُّ الفاعل أن يكون غير المفعول إلا في الظن وأخواته، فإذا أردت هذا المعنى قلت: "ضَربَ زيدًا نفسُهُ" "وضَربَ زيدٌ نفسَهُ" وقالوا: فإن لم تجئ بالنفس فلا بدّ من إظهار المكني ليقوم مقامَ ما هو منفصلٌ من الفعل؛ لأن الضميرَ المنفصل بمنزلة الأجنبي، فتقول: "ضَربَ زيدًا هُوَ" و"ضَربَ زيدٌ إيَّاهُ" واحتجوا بقوله عز وجل2: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ 3 كأنه في التقدير: "وما يَعلمُ جنودَ ربِّكَ إلاّ ربُّكَ" ولو جاز أن تقولَ: ضربتني وضربتُكَ فأوقعتَ4 فعلَكَ على نفسِكَ ومَنْ تخاطِبهُ للزمكَ5 أن6 تقول: "ضَربهُ" للغائبِ، فتوقع فِعْلَ الغائب على نفسه بالكناية فلا يعلم لمن الهاء فإذا قلت: "ضَربَ نفسَهُ" بان لكَ ذلكَ, وأما الذي يجوز فيه تعدي فعلِ الفاعل إلى نفسهِ فقولك: "ظننتني قائمًا وخلتني جالسًا" فإنَّ هذا وما أشبههُ يتعدى فيه فعلُ المضمر إلى المضمر ولا يتعدى فعلُ المضمر إلى الظاهر؛ لأنَّهُ يصيرُ فيه المفعولُ الذي هو فضلةٌ لا بدَّ منهُ وإلا بطلَ الكلام.
وهذه مسألةٌ شرحها أبو العباس وذكر قول أصحابه ثم قولهُ، قالَ: قال سيبويه: "أزيدًا7 ضربَهُ أبوهُ" لأن ما كانَ من سببهِ موقعٌ به الفِعلَ كما يوقعه ما ليس من سببه ولا أقول: "أزيدًا ضربَ" فيكون الضمير في "ضربَ" هو الفاعلُ، وزيدٌ مفعولًا, فيكون هو الضاربُ نفسَهُ وأضع الضمير في موضع أبيه حيث كان فاعلًا، قيلَ لهُ: لِمَ8 لا يجوزُ هذا وما9 الفصلُ بينَهُ

وبينَ أبيه, وقد رأينا ما كانَ من سببه يحلُّ محلَّهُ في أَبوابٍ؟ فالجوابُ في ذلك: أنَ المفعولَ منفصلٌ مستغنٍ عنهُ بمنزلةِ ما ليس في الكلامِ، وإنما ينبغي أن يصححَ الكلامُ بغير مفعولٍ ثم يؤتى بالمفعول فضلةً, وأنت إذا قلت: "أزيدًا ضَربَ" فَلو حذفتَ المفعول بطلَ الكلامُ، فصار المفعولُ لا يستغنى عنه، وإنما الذي لا بدّ منه مع الفعلِ الفاعلُ.
وكذلك1 لا تقول: "أَزيدًا ظنهُ منطلقًا" لأن الفاعلَ إذا مَثُلَ بطلَ فصرتَ إنْ قدمتهُ لتضعهُ في موضعه، صار "ظَنَّ زيدًا منطلقًا" فأضمرتَ قبلَ الذكرِ، ولكن لو قلت: "ظنهُ زيدٌ قائمًا" وإياهُ ظُن زيدٌ أَخًا, كان أجود كلامٍ؛ لأنَّ فِعلَ زيدٍ يتعدى2 إليه في باب "ظننتُ وعلمتُ وأَخواتهما" ولا يتعدى إليه في "ضَربَ" ونحوه، ألا ترى أنكَ تقول: "غلامُ هندٍ ضَربَها" فترد الضمير إليها لأنها3 مستغنٍ عنها؛ لأنكِ لو قلت: "غلامُ هندٍ ضَربَ" لم تحتج إلى المفعول، فلما كانت في ذكرك رددتَ إليها وحلتْ محل الأجنبي, ولو قلتَ: "غلامُ هندٍ ضربتَ" تجعل ضمير هندٍ الفاعل لكان غلطًا عند بعضهم لأن هندًا من تمام الغلام, والغلامُ مفعولٌ, فقد جعلت المفعول الذي هو فضلة لا بدّ منه ليرجع الضمير الذي هو الفاعلُ إليه, فإن قلت: فما بالي أقول: "غلامُ هندٍ ضاربتهُ هي" فيجوز واجعل هِيَ إنْ شئت إظهارَ الفاعل وهو "لهند"4، وإنْ شئت ابتداءً وخبرًا، فالجواب فيه أنه إنما جازَ هنا لأن الغلام مبتدأٌ و"ضاربتهُ" على هذا التقدير مبتدأٌ والفاعلُ يسدُّ مسدَّ الخبرِ, فهو منفصلٌ بمنزلةِ الأجنبي, ألا ترى أنَّكَ لو وضعتَ مكانَ "هي" جاريتَكَ أو غيرها استقامَ، والفاعلُ المتصلُ لا يحل محلَّهُ غيرهُ، فإن قلت أَفتجيزُ: "غلامُ هندٍ ضاربتُه هي" تجعلُ "هي" إن شئتَ ابتداءً مؤخرًا وإن شئتَ جعلت "ضاربتُه"5 ابتداءً، و"هي" فاعلٌ يسدُّ مسد

الخبر فكل هذا جيد لأن "هي" منفصلٌ بمنزلة الأجنبي، ولو قلت: "غلامَ هندٍ ضربتْ أمُّها" كان جيدًا؛ لأن الأم منفصلة وإنَّما أضفتها إلى هند لما تقدم من ذكرها, فهندٌ ههنا وغيرها سواءٌ ألا ترى أني1 لو قلتُ: غلامُ هندٍ ضربتْ أمُّ هندٍ كانَ بتلك المنزلةِ، إلا أن الإِضمار أحسن لما تقدم الذكر، والضمير المتصل لا يقع موقعه المنفصل2 المذكور إلا على معناه وتقديره، وإنما هذا كقولك: "زيدًا ضَربَ أَبُوه" لأنَّ الأب ظاهرٌ ولو حذفت ما أضفت إليه صَلُحَ فقلت: أبٌ وغلامٌ ونحوهما والأول بمنزلة: "زيدًا ضَربَ" الذي لا يحل محله ظاهرٌ؛ فلذلك استحالَ.
قال أبو العباس: وأنا أرى أنه يجوز: "غُلامَ هندٍ ضَرَبتْ" وباب جوازه أنَّك أضمرتَ "هندًا" لذكركَ إياها، وكان التقدير: غُلامَ هندٍ "ضَربَتْ هِندٌ" فلم تحتج إلى إظهارها لتقدم ذكرها، وكان الوجه "غلامَها ضَربَتْ هندٌ" ويجوز الإِظهار على قولك: "ضَربَ أبَا زيدٍ زيدٌ" ولو قلت: "أَباهُ" كان أحسن فإنما أَضمرتَها في موضع ذكرها الظاهر، ولكن لا يجوز بوجهٍ من الوجوه: "زيدًا ضَربَ" إذا جعلت ضمير زيدٍ ناصبًا لظاهره لعلتين: إحداهما: أنَّ فعلَهُ لا يتعدى إليه في هذا الباب, لا تقول: "زيدٌ ضربَهُ" إذا رددتَ الضمير إلى "زيدٍ"، ولا تقول: ضربتني إذا كنتَ الفاعلَ والمفعولَ وقد بينَ هذا, والعلة الأخرى: ما تقدم ذكره من أن المفعول الذي فضلةٌ يصيرُ لازمًا؛ لأنَّ الفاعل الذي لا بدّ منه معلق به؛ ولهذا لم يجز: زيدًا ظَنَّ منطلقًا، إذا أضمرتَ "زيدًا" في "ظَنَّ" وإن كان فعله في هذا الباب يتعدى إليه نحو: "ظننتني أَخاكَ" ولكن لم يتعد المضمر إلى الظاهر لما ذكرتُ لكَ، وأما3 "غُلامَ هندٍ ضَرَبَتْ" فجاز، لأن هندًا غيرُ الغلامِ وإن كانت بالإِضافة قد صارت من تمامه، ألا ترى أنك تقول: "غلامُ هندٍ ضَربهَا" ولا تقول: "زيدٌ ضربهُ"

فهذا بَينٌ جدًّا واختلفوا في: "ضربني وضربت زيدًا"، فرواهُ سيبويه وذكر أنهم أضمروا الفاعلَ قبلَ ذكره على شريطة التفسير1، وزعم الفراء أنه لا يجيزُ نصبَ "زيدٍ" وأجاز الكسائي على أن "ضربَ" لا شيء فيها وحذفَ "زيدًا" وقال بعضُ علمائنا "رحمه الله"2: والذي قال الفراء, لولا السماعُ لكانَ قياسًا.
وأما "عبد اللهِ زيدٌ ضاربٌ أباهُ" فالبصريونَ يجيزون: "أَباهُ عبد اللهِ زيدٌ ضاربٌ"3, وغيرهم لا يجيزها وهو عندي قبيحٌ؛ لبعدِ العاملِ من الذي عَمِلَ فيه.
وطعامَكَ زيدٌ يأكلُ أبوه، لا يجيزها الفراء ولا يجيزُ: "آكلٌ" أيضًا ويجيزها الكسائي إذا قال: "طعامَكَ زيدٌ آكلٌ أبوهُ" لأن زيدًا ارتفع عنده "بآكلٍ" فأجاز تقديم الطعام, ولما كان يرتفع بما عاد عليه من الذكر لم يجزه, وقال الفراء: هو في الدائم4 غيرُ جائزٍ؛ لأنه لا يخلو من أن أقدرَهُ تقديرَ الأفعال، فيكون بمنزلة الماضي والمستقبل إذا قَدَرهُ تقديرَ الأسماءِ, فلا يجوزُ أنْ أُقدم مفعول الأسماء, ولكني أجيزهُ في الصفات ويعني بالصفات "الظروف"5.
وهذه المسألةُ لم يقدم فيها مضمرٌ على ظاهرٍ،

والمضمرُ في موضعه إلا أن "أَبوهُ" فاعلُ "يأكلُ" وطعامكَ مفعولٌ، وقد بعد ما بينهما، وفرقت بين الفاعل والمفعول [بهِ] 1 "بزيدٍ" وليسَ لهُ في الفعل نصيبٌ, ولكن يجوز أن تقولهُ من حيث قلت: "طعامَكَ زيدٌ يأكلُ" فالفاعلُ2 مضمرٌ فقامَ "أَبوهُ" مقامَ ذلك المضمرِ.

الثاني عشر: التقديم إذا ألبس 1 على السامع أنه مقدم:

وذلك نحو قولكَ: "ضربَ عيسى موسى" إذا كان "عيسى" الفاعل لم يجز أن يقدم "موسى" عليه؛ لأنه ملبس لا يبين2 فيه إعرابٌ، وكذلك: "ضرَبَ العَصا الرحى" لا يجوز التقديم والتأخير، فإن قلت: "كسر3 الرحى العصا" وكانت الرحى هي الفاعل وقد عُلِمَ أنَّ العَصا لا تكسرُ الرحى جاز التقديم والتأخير، ومن ذلك قولك: "ضربتُ زيدًا قائمًا" إذا كان السامع لا يعلم من القائم, الفاعلُ أم المفعولُ, لم يجز أن تكون الحال مِن صاحبها إلا في وضع الصفة ولم يجز أن تقدم على صاحبها، فإن كنت أنتَ القائم قلت: "ضربتُ قائمًا زيدًا" وإن كان زيدٌ القائمَ قلت: ضربتُ زيدًا قائمًا، فإن لم يُلبس4 جاز التقديمُ والتأخير, وكذلك إذا قلت: "لقيتُ مصعدًا زيدًا منحدرًا"5 لا يجوز أن يكون المصعدُ إلا أنتَ، والمنحدرُ إلا "زيدًا" لأنك إن1

قدمت وأخرتَ التبسَ، ولو قلت: "ضربَ هَذا هَذا" تريدُ تقديمًا وتأخيرًا لم يجز, فإذا قلت: "ضربَ هَذا هذهِ" جازَ التقديمُ والتأخيرُ فقلت: "ضربَ هَذه هَذا" لأنه غيرُ ملبسٍ6، ولو قلتَ: "ضَرَب الذي في الدار الذي في البيت" لم يجز التقديمُ والتأخيرُ لإِلباسه7, ومن ذلك إذا قلت: "أعطيتُ زيدًا عمرًا" لم يجز أن تقدم "عمرًا" على "زيدٍ" وعمرو هو المأخوذ؛ لأنه ملبس8 إذا كان كل واحدٍ منهما يجوز أن يكون الآخذَ، فإذا9 قلت: "أعطيتُ زيدًا درهمًا" جازَ التقديم والتأخير10 فقلت: "أعطيتُ درهمًا زيدًا" لأنه غير ملبسٍ11، والدرهم لا يكون إلا مأخوذًا.

الثالث عشر: إذا كان العامل معنى الفعل 1 ولم يكن فعلًا:

لا يجوز أن يقدم ما عمل فيه عليه، إلا أن يكون ظرفًا وذلك قولك: "فيها زيد قائمًا" لا يجوز أن تقدم "قائمًا" على فيها؛ لأنه ليس هنا فعلٌ، وإنما أعملتَ "فيها" في الحال لما تدل عليه من الاستقرار، وكذلك إذا قلت: "هذا زيدٌ منطلقًا" لا يجوز أن تقدم "منطلقًا" على "هذا" لأن العامل [هنا دلَّ على] 2 ما دل عليه "هذا" وهو التنبيه وليس بفعلٍ ظاهر، ومن3 ذلك: "هُو عبد الله حقا" لا يجوز أن تقدم "حقًّا" على "هُوَ" لأن العامل هو المعنى4، وإنما نصبت "حقا" لأنك لما قلت: هُو عبد الله، دَلَّكَ على "أحق1

ذَلكَ" فقلت "حقا" فأما الظرف5 الذي يقدم إذا كان العامل فيه معنى فنحو6 قولك: "أكلُّ يومٍ لَكَ ثوبٌ" العامل في "كُلّ" معنى "لَكَ" وهو الملك.

ذكر ما يعرض من الإِضمار والإِظهار:

اعلم: أنَّ الكلام يجيء على ثلاثة أضربٍ: ظاهر لا يحسنُ إضمارهُ, ومضمر مستعمل إظهارهُ, ومضمر متروك إظهاره.
الأول: الذي لا يحسنُ إضمارهُ: ما ليس عليه دليل من لفظٍ ولا حال مشاهدةٍ، لو قلت: زيدًا، وأنت تريدُ: "كَلِّمْ زيدًا" فأضمرت ولم يتقدم ما يدل على "كَلِّمْ" ولم يكن إنسان مستعدًّا للكلام لم يجز, وكذلك غيره من جميع الأفعال.
الثاني: المضمرُ المستعملُ إظهارهُ: هذا الباب إنما يجوز إذا علمت1 أنَّ الرجل مستغنٍ عن لفظكَ بما تضمره, فمن ذلك ما يجري في الأمر والنهي، وهو أن يكون الرجل في حال ضربٍ فتقول: زيدًا2 ورأسَهُ وما أشبه ذلك تريد: اضربْ رأسَهُ, وتقول في النهي: الأسدَ الأسدَ، نهيتهُ أنْ يقربَ الأسد، وهذا الإِضمار أجمع في الأمر والنهي، وإنما يجوز مع المخاطب ولا يجوز مع الغائب، ولا يجوز إضمار حرف الجر، ومن ذلك أن ترى رجلًا يسدد سهمًا فتقول: "القرطاس واللهِ" أي: يصيبُ القرطاسَ, أو رأيتهُ في حال رجلٍ قد أوقعَ فِعْلًا أو أخبرت عنهُ بفعلٍ فقلتَ: "القرطاسَ واللهِ" أي: أصاب القرطاسَ، وجاز أن تضمر الفعلَ للغائبِ؛ لأنه غير مأمورٍ ولا منهيٍّ، وإنما الكلامُ

خبرٌ فلا لبسَ فيه كما3 يقع في الأمر, وقالوا: "الناسُ مجزيونَ بأعمالهم" إنْ خيرًا فخيرٌ، وإنْ شرًّا فشرٌّ، يراد إن كانَ خيرًا.
ومن العرب من يقول: "إنْ خيرًا فخيرًا"4 كأنه قال: "إنْ كان ما فَعلَ خيرًا جُزي خيرًا"5 والرفع في الآخر أكثر؛ لأن ما بعد الفاء حقه الاستئناف ويجوز: "إن خيرٌ فخيرٌ" على أن تضمر "كانَ" التي لها خبر وتضمر خبرها، وإن شئت أضمرت "كانَ" التي بمعنى "وقَع" ومثل ذلك: قد مررتُ برجلٍ إنْ طويلًا وإنْ قصيرًا, ولا يجوز في هذا إلا النصب6, وزعم يونس: أنَّ من العرب من يقول: "إنْ لا صالحٌ فطالحٌ"، على: إنْ لا أكن مررتُ بصالحٍ فطالحٍ7 وقال سيبويه: هذا ضعيفٌ قبيحٌ, قال: ولا يجوزُ أن تقول: عبد الله المقتولُ8 وأنت تريد "كن عبد اللهِ" لأنه ليس فعلًا يصلُ من الشيء إلى الشيء9 ومن ذلك: "أو فرقًا خيرًا مِنْ حُبٍّ" ولو رفع جاز، كأنه قال10: "أو امرئٍ فرقٌ"، وألا طعامَ ولو تمرًا أي: "ولو كانَ الطعامُ تمرًا" ويجوز: "ولو تمرٌ" أي: ولو كان تمرٌ11، ومن هذا الباب: "خيرَ مقدمٍ"

جارٍ التحميل