باب المعرفة والنكرة
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن السراج
- الكتاب
- الأصول في النحو
- المؤلف
- أبو بكر محمد بن السري بن سهل النحوي المعروف بابن السراج (المتوفى: 316هـ)
- المحقق
- عبد الحسين الفتلي
- الناشر
- مؤسسة الرسالة، لبنان - بيروت
- عدد الأجزاء
- 3 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
باب المعرفة والنكرة:
كل اسم عم اثنين فما زاد فهو نكرة, وإنما سمي نكرة من أجل أنك لا تعرف به واحدًا بعينه إذا ذكر.
والنكرة تنقسم قسمين: فأحد القسمين: أن يكون الاسم في أول أحواله نكرة مثل: رجل, وفرس وحجر وجمل وما أشبه ذلك.
والقسم الثاني: أن يكون الاسم صار نكرة بعد أن كان معرفة وعرض ذلك في الأصل الذي وضع له غير ذلك نحو أن يُسمى إنسان بعمرو, فيكون معروفًا بذلك في حيه, فإن سمي باسم آخر لم نعلم إذا قال القائل: رأيت عمرًا, أي العمرين هو ومن أجل تنكره دخلت عليه الألف واللام إذا ثني وجمع/ 146.
وتعتبر النكرة بأن يدخل عليها "رُبَّ" فيصلح ذلك فيها, أو ألف ولام فيصير بعد دخول الألف واللام معرفة, أو تثنيها وتجمعها بلفظها من غير إدخال ألف ولام عليها, فجميع هذا وما أشبهه نكرة, والنكرة قبل المعرفة, ألا ترى أن الإِنسان اسمه إنسان يجب له هذا الاسم بصورته قبل أن يعرف باسم, وأكثر الأسماء نكرات, وهذه النكرات بعضها أنكر من بعض, فكلما كان أكثر عمومًا فهو أنكر مما هو أخص منه, فشيء أنكر من قولك: حي, وحي أنكر من قولك: إنسان, فكلما قل ما يقع عليه الاسم فهو أقرب إلى التعريف, وكلما كثر كان أنكر, فاعلم.
ذكر المعرفة
:
والمعرفة خمسة أشياء: الاسم المكني1, والمبهم, والعلم, وما فيه الألف واللام, وما أُضيف إليهن.
فأما المكني: فنحو قولك: هو, وأنت, وإياك, والهاء في "غلامه وضربته" والكاف في غلامك, وضربك/ 147 والتاء في "قمتُ" وقمتِ وقمتَ يا هذا.
فأما المبهم: فنحو: هذا, وتلك, وأولئك, المكنيات والمبهمات موضع يستقصى ذكرها فيه إن شاء الله.
وأما العلم: فنحو: زيد وعمر وعثمان.
واعلم: أن اسم العلم على ثلاثة أضرب: إما أن يكون منقولًا من نكرة أو مشتقا منها أو أعجميا أعرب.
فأما المنقول: فعلى ضربين: أحدهما من الاسم والآخر من صفةٍ.
أما المنقول من الاسم النكرة فنحو: حجر وأسد2, فكل واحد من هذين نكرة في أصله فإذا سميت به صار معرفة, وأما المنقول من صفة فنحو: هاشم وقاسم وعباس وأحمر, لأن هذه أصولها صفات تقول: مررت برجل هاشم ورجل قاسم وبرجل عباس.
وأما الأسماء المشتقة: فنحو: عمر, وعثمان, فهذان مشتقان من عامر وعاثم وليسا بمنقولين, لأنه ليس في أصول النكرات عثمان, ولا/ 148 عمر, إلا أن تريد جمع عمرة.
فأسماء الأعلام لا تكاد تخلو من ذلك, فإن جاء اسم عربي لا تدري مِمَّ نقل أو اشتق فاعلم: إن أصله ذلك وإن لم يصل إلينا علمه قياسًا على كثرة ما وجدناه من ذلك.
ولا أدفع أن يخترع بعض العرب في حال تسميته اسمًا غير منقول من نكرة ولا مشتق منها.
ولكن العام والجمهور ما ذكرت لك.
وأما الأعجمية فنحو: إسماعيل, وإبراهيم, ويعقوب, فهذه أعربت من كلام العجم.
وأما ما فيه الألف واللام, فإن الألف واللام يدخلان على الأسماء النكرات على ضربين: إمّا إشارة إلى واحد معهود بعينه أو إشارة إلى الجنس, فأما الواحد المعهود: فأن يذكر شيء فتعود لذكره فتقول: الرجل وكذلك الدار, والحمار وما أشبهه, كأن قائلًا قال: كان عندي رجل من أمره ومن قصته, فإن أردت أَنْ يعود/ 149 إلى ذكره.
قلت: ما فعل الرجل للعهد الذي كان بينك وبين المخاطب من ذكره, وأما دخولها للجنس فأن تقول: أهلك الناس الدينار والدرهم, لا تريد دينارًا بعينه ولا درهمًا بعينه1 ولكن كقوله عز وجل: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ، إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ 2... يدلك الاستثناء على أن الإِنسان في معنى الناس3 وأما ما أُضيف إليهن فنحو قولك: غلامك.
وصاحبك وغلام ذاك, وصاحب هذه, وغلام زيد, وصاحب عمرو, وغلام الرجل.
وصاحب الإِمام ونحو ذلك.
مسائل في المعرفة والنكرة
:
تقول: هذا عبد الله, فهذا اسم معرفة.
وعبد الله اسم معرفة وهذا مبتدأ وعبد الله خبره, فإن جئت بعد عبد الله بنكرة نصبتها على الحال, فقلت: هذا عبد الله واقفًا, وكذلك كل اسم علم يجري مجرى عبد الله وتقول: هذا أخوك, فهذا معرفة وأخوك, معرفة بالإِضافة إلى الكاف,
فإن/ 150 جئت بنكرة قلت: هذا أخوك قائمًا, قال الله تعالى: ﴿وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا﴾ 1. وأجاز أصحابنا الرفع في مثل هذه المسألة2 على أربعة أوجه: أحدهما: أن تجعل "أخاك" بدلًا3 من "هذا" وتجعل قائمًا خبر "هذا" والآخر: أن تجعل "أخاك" خبرًا لـ"هذا" وتضمر "هذا" من الأخ كأنك قلت: هذا أخوك هذا قائم, وإن شئت أضمرت "هو" كأنك قلت: هذا أخوك هو قائم وإن شئت كان "أخوك" وقائم خبرًا واحدًا4, كما تقول: هذا حلو حامض أي: قد جمع الطعمين, ومثل هذا لا يجوز أن يكون "حلو" الخبر وحده ولا حامض الخبر وحده, حتى تجمعهما5, وإذا قلت: هذا الرجل ولم تذكر بعد ذلك شيئًا, وأردت بالألف واللام العهد, فالرجل خبر عن "هذا" فإن جئت بعد "الرجل" بشيء يكون خبرًا جعلت "الرجل" تابعًا لـ"هذا" كالنعت؛ لأن المبهمة توصف بالأجناس, وكان ما بعده خبرًا عن "هذا" فقلت: هذا الرجل عالم, وهذه/ 151 المرأة عاقلة, وهذا الباب جديد, فترفع "هذا" بالابتداء وترفع ما فيه الألف واللام بأنه صفة وتجعلهما كاسم واحد.
ومنه قول النابغة الذبياني:
تَوَهَّمْتُ آياتٍ لَهَا فَعَرفتها... لِسِتَّةِ أعوامٍ وذَا العامُ سَابعُ6
فإن أردت بالألف واللام المعهود, جاز نصب ما بعده فقلت: هذه المرأة عاقلة, وهذا الرجل عالمًا, فإذا كانت الألف واللام في اسم لا يراد به واحد من الجنس وهو كالصفة الغالبة نصبت ما بعد الاسم على الحال, وذلك قولك: هذا العباس مقبلًا, وإن كان الاسم ليس بعلم ولكنه واحد ليس له ثانٍ كان أيضًا الخبر منصوبًا كقولك: هذا القمر منيرًا وهذه الشمس طالعة وكذلك إن أردت بالاسم أن تجعله يعم الجنس كله, ويكون إخبارك عن واحده كإخبارك عن جميعه كان الخبر منصوبًا كقولك: هذا الأسد مهيبًا, وهذه العقرب مخوفة, إذا لم ترد عقربًا تراها ولا أسدًا تشير إليه/ 152 من سائر الأسد, ولا يجوز: هذا أنا, وهذا أنت, لأنك لا تشير للإِنسان إلى نفسه ولا تشير إلى نفسك, فإن أردت التمثيل أي: هذا يقوم مقامك ويغني غناءك, جاز أن تقول: هذا أنت وهذا أنا والمعنى: هذا مثلك, وهذا مثلي وأما قولك: هذا هو فبمنزلة قولك: هذا عبد الله إذا كان هو إنما يكون كناية عن عبد الله وما أشبهه, ألا ترى أنك تكون في حديث إنسان فيسألك المخاطب عن صاحب القصة من هو؟ فتقول: هذا هو, وقال قوم: إن كلام العرب أن يجعلوا هذه الأسماء المكنية بين "ها وذا" وينصبون أخبارها على الحال فيقولون: ها هو ذا قائمًا, وها أنذا جالسًا, وها أنت ذا ظالمًا, وهذا الوجه يسميه الكوفيون التقريب1 وهو إذا كان الاسم ظاهرًا جاء بعد "هذا" مرفوعًا ونصبوا الخبر معرفة كان أو نكرة/ 153, فأما البصريون فلا
ينصبون إلا الحال1.
وتقول: هذا هذا, على التشبيه, وهذا ذاك, وهذا هذه.
واعلم: أن من الأسماء مضافات إلى معارف ولكنها لا تتعرف بها, لأنها لا تخص شيئًا بعينه, فمن ذلك: مثلك وشبهك وغيرك, تقول: مررت برجل مثلك وبرجل شبهك, وبرجل غيرك, فلو لم يكن نكرات ما وصف بهن نكرة وإنما نكرهن معانيهن, ألا ترى أنك إذا قلت: مثلُكَ.
جاز أن يكون "مثلك" في طولك أو لونك أو في علمك, ولن يحاط بالأشياء التي يكون بها الشيء مثل الشيء لكثرتها وكذلك شبهك وأما غيرك فصار نكرة, لأن كل شيء مثل الشيء عداك فهو غيرك, فإن أردت بمثلك وشبهك المعروف بشبهك فهو معرفة, وأما شبيهك فمعرفة, ولم يستعمل كما استعمل "شبهك" المعروف بأنه يشبهك وتقول/ 154 هذا واقفًا زيد, وهذا واقفًا رجل, فتنصب "واقفًا" على الحال, وإن شئت رفعت فقلت هذا واقف رجل فتجعل "واقفٌ" خبر "هذا" ورجل بدل منه, وكذلك زيد وما أشبهه وينشد هذا البيت على وجهين:
أترضى بأَنَّا لَمْ تَجفَّ دِماؤُنَا... وهذا عَرُوس باليَمَامَةِ خَالِدُ2
فينصب "عروس" ويرفع.
وتقول: هذا مثلك واقف, وهذا غيرك منطلق, لما خبرتك به من نكرة مثلك وغيرك, وقد يجوز أن تنصب فيكون النصب أحسن فيها منه في سائر النكرات.
لأنها في لفظ المعارف.
وإن كانت نكرات فيقول: هذا مثلك منطلقًا, وهذا حسن الوجه قائمًا وقد عرفتك أن "حسن الوجه" نكرة, ولذلك جاز دخول الألف واللام عليه, وأفضل منك, وخير منك نكرة أيضًا, إلا أنه أقرب إلى المعرفة من حسن, وفاضل, فتقول: هذا أفضل منك قائمًا/ 155 فإن قلت: "زيد هذا" فزيد مبتدأ وهذه خبره, والأحسن أن تبدأ "بهذا" لأن الأعرف أولى بأن يكون مبتدأ, فإن قلت: زيد هذا عالم جاز الرفع والنصب, فالرفع على أن تجعل "هذا" معطوفًا على "زيد" عطف البيان وترفع "عالمًا" بأنه خبر الابتداء, وإن جعلت "هذا" خبرًا لزيد, نصبت "عالمٌ" على الحال.
واعلم: أن "ذلك" مثل "هذا" تقول: إن ذلك الرجل عالم, كما تقول: إن هذا الرجل عالم.
وإن ذلك الرجل أخوك, كما تقول: إن هذا الرجل أخوك.
والكوفيون يقولون: هذا عبد الله أفضل رجل وأي رجل, فيستحسنون رفع ما كان فيه مدح أو ذم, ورفعه عندهم على الاستئناف, وعلى ذلك يتأولون قول الشاعر 1:
مَنْ يكُ ذا بَثٍّ فهذا بَتِّي... مُقَيِّظ "مُصَيَّف" مُشَتِّي
وهذا عند البصريين: من باب حلو حامض1, أي: قد جمع أنه مقيظ وأنه مصيف مشتي ففيه هذه الخلال.
واعلم: أن من كلام العرب أسماء قد وضعتها موضع/ 156 المعارف, وليست كالمعارف التي ذكرناها وأعربوها وما بعدها إعراب المعارف, وذلك نحو قولهم للأسد: أبو الحارث وأسامة, وللثعلب: ثعالة وأبو الحصين وسَمْسَم, وللذئب: دألان وأبو جعدة, وللضبع: أم عامر وحضاجر, وجعَار, وجَيْأل, وأم عَنْتَل وقَئام, ويقال للضبعان: قُثَم وهو الذكر منها, وللغراب: ابن بَريح.
قال سيبويه: فإذا قلت: هذا أبو الحارث فأنت تريد: هذا الأسد2, أي: هذا الذي سمعت باسمه أو هو الذي عرفت أشباهه ولا تريد أن تشير إلى شيء قد عرفه بعينه قبل ذلك كمعرفته زيدًا وعمرًا, ولكنه أراد هذا الذي كل واحد من أمته له هذا الاسم وإنما منع الأسد وما أشبهه أن يكون له اسم معناه معنى زيد أن الأسد وما أشبهها ليست بأشياء ثابتة مقيمة مع الناس, ألا تراهم قد اختصوا الخيل والإِبل والغنم والكلاب, وما يثبت معهم بأسماء: كزيد وعمرو3, ومن ذلك: أبو جُخادب وهو شيء يشبه الجُنْدبُ, غير/ 157 أنه أعظم منه وهو ضرب من الجنادب, كما أن بنات أوبر ضرب من الكمأة وهي معرفة, وابن قِتْرَة ضرب من الحيات, وابن آوى4
معرفة.
ويدلك على أنه معرفة أن آوى غير مصروف, وابن عرس1 وسامُّ أبرص2.
وبعض العرب يقول: أبو بريص, وحمار قبان3: دويَبة كأنه قال في كل واحد من هذا الضرب هذا الذي يعرف من أحناش4 الأرض بصورة كذا, فاختصت العرب لكل ضرب من هذه الضروب اسمًا على معنى يعرفها بها, فعلى هذا تقول: هذا ابن آوى مقبلًا ولا تصرف آوى, لأنه معرفة؛ ولأنه على وزن "افعلَ" وتنصب مقبلًا كما نصبته في قولك: هذا زيد مقبلًا, وحكم جمعها حكم زيد إلا أن منها ما ينصرف, وما لا ينصرف, كما تكون الأسماء المعارف وغيرها.
وقد زعموا: أن بعض العرب يقول: هذا ابن عرس مقبل فيرفعه على وجهين فوجه مثل: هذا زيد مقبل, ووجه على أنه جعل عرسًا نكرة فصار المضاف إليه نكرة5, وما ابن مخلص وابن لبون وابن ماءٍ فنكرة لأنها/ 158 تدخلها الألف واللام.
واعلم: أن في كلامهم أسماء معارف بالألف واللام وبالإِضافة غلبت على أشياء فصارت لها كالأسماء والأعلام مثل: زيد وعمرو نحو: النجم,
تعني الثريا وابن الصِّعَق1 ابن رألان2 وابن كُراع3 فإن أخرجت الألف واللام من النجم وابن الصعق تنكر.
وزعم الخليل4: أن الذين قالوا: الحارث والحسن والعباس إنما أرادوا أن يجعلوا الرجل هو الشيء بعينه, كأنه وصف غلب عليه, ومن قال: حارث وعباس, فهو يجريه مجرى زيدًا5.
وأما السِّماك6 والدَّبِران7 والعَيُّوق8 وهذا النحو فإنما يلزمه الألف واللام من قبل أنه عندهم الشيء بعينه كالصفات الغالبة وإنما أُزيل عن لفظ السامك والدابر والعايك فقيل: سِمَاك ودَبَران وعَيُوق للفرق, كما فصل بين العِدلْ9 والعديل10 وبناء حصين11 وامرأة حصان12.
قال سيبويه: فكل شيء جاء قد لزمه الألف واللام فهو بهذه المنزلة, فإن كان عربيا تعرفه ولا تعرف الذي اشتق منه فإنما ذلك لأنا جهلنا ما علم غيرنا أو يكون13 /159 الآخر لم يصل إليه علم ما وصل إلى الأول المسمى.
قال: وبمنزلة هذه النجوم الأربعاء والثلاثاء1, يعني: أنه أُريد به الثالث والرابع فأُزيل لفظه كما فعل بالسماك.
وتقول: هذان زيدان منطلقان, فمنطلقان صفة للزيدين وهو نكرة وصفت به نكرة, قال وتقول: هؤلاء عرفات2 حسنة, وهذان أبانان3 بينين4, والفرق بين هذا وبين زيدين أن زيدين لم يجعلا اسمًا لرجلين بأعينهما وليس هذا في الأناس ولا في الدواب, إنما يكون هذا في الأماكن والجبال وما أشبه ذلك, من قبل أن الأماكن لا تزول فصار أبانان, وعرفات كالشيء الواحد.
والذي والتي: معرفة ولا يتمان إلا بصلة, ومن وما يكونان معرفة ونكرة؛ لأن الجواب فيهما يكون بالمعرفة والنكرة, وأيهم وكلهم وبعضهم, معارف بالإِضافة وقد تترك الإِضافة وفيهن معناها قائم, وأجمعون وما أشبهها معارف؛ لأنك لا تنعت بها إلا معرفة ولا يدخل عليها/ 160 الألف واللام.
وقال الكسائي: سمعت: هو أحسن الناس هاتين, يريد عينين فجعله نكرة.
وهذا شاذ غير معروف.
ويكون "ذا" في موضع الذي, فتقول: ضربت هذا يقوم وليس بحاضر, تريد: الذي يقوم, قالوا: وقد جاء هذا في الشعر.
ذكر الأسماء المنصوبات
ذكر الأسماء المنصوبات
...
ذكر الأسماء المنصوبات:
الأسماء المنصوبات تنقسم قسمة أولى على ضربين:
فالضرب الأول هو العام الكثير: كل اسم تذكره بعد أن يستغني الرافع بالمرفوع وما يتبعه في رفعه إن كان له تابع, وفي الكلام دليل عليه فهو نصب.
والضرب الآخر: كل اسم تذكره لفائدة بعد اسم مضاف أو فيه نون ظاهرة أو مضمرة وقد تما بالإِضافة والنون, وحالت النون والإِضافة بينهما ولولاهما لصلح أن يضاف إليه فهو نصب.
والضرب الأول: ينقسم على قسمين: مفعول, ومشبه/ 161 بمفعول.
والمفعول ينقسم على خمسة أقسام: مفعول مطلق, ومفعول به, ومفعول فيه ومفعول له.
ومفعول معه.
شرح الأول: وهو المفعول المطلق, ويعني به المصدر.
المصدر اسم كسائر الأسماء, إلا أنه معنى غير شخص.
والأفعال مشتقة منه1 وإنما انفصلت من المصادر بما تضمنت معاني الأزمنة الثلاثة بتصرفها.
والمصدر: هو المفعول في الحقيقة لسائر المخلوقين, فمعنى قولك: قام زيد وفعل زيد.
قيامًا سواء, وإذا قلت: ضربت فإنما معناه أحدثت ضربًا وفعلت ضربًا فهو المفعول الصحيح.
ألا ترى أن القائل يقول: من فعل هذا القيام؟ فتقول: أنا فعلته, ومن ضرب هذا الضرب الشديد؟ فتقول: أنا فعلته.
تريد: أنا ضربت هذا الضرب.
وقولك ضربت هذا الضرب, وقولك
ضربت زيدًا لا يصلح أن تغيره بأن تقول: فعلت زيدًا لأنه ليس بمفعول لك/162 فإنما هو مفعول لله تعالى, فإذا قلت: ضربت زيدًا, فالفعل لك دون زيد, وإنما أحللت الضرب به وهو المصدر, فعلى هذا تقول: قمت قيامًا وجلست جلوسًا, وضربت ضربًا, وأعطيت إعطاءً, وظننت ظنا, واستخرجت استخراجًا, وانقطعت انقطاعًا, واحمررت احمرارًا, فلا يمتنع من هذا فعل منصرف البتة.
ومصدر الفعل الذي يعمل فعله2 فيه يجيء على ضروب: فربما ذكر توكيدًا نحو قولك: قمت قيامًا, وجلست جلوسًا, فليس في هذا أكثر من أنك أكدت فعلك بذكرك مصدره, وضرب ثانٍ تذكره للفائدة نحو قولك: ضربت زيدًا ضربًا شديدًا, والضرب الذي تعرف.
وقمت قيامًا طويلًا, فقد أفدت في الضرب أنه شديد, وفي القيام أنه طويل, وكذلك إذا قلت: ضربت ضربتين وضربات, فقد أفدت المرار وكم مرة ضربت.
وقال سيبويه: تقول: قعد قِعْدةَ سوء وقعد قعدتين3 /163 لما عمل في الحدث -يعني المصدر- عمل في المرة منه والمرتين, وما يكون ضربًا منه وإن خالف اللفظ.
فمن ذلك: قعد القرفُصاء4, واشتمل الصَمَّاء5, ورجع القهقرى؛ لأنه ضرب من فعله الذي أخذ منه6.
قال أبو العباس قولهم: القرفصاء واشتمل الصمّاء, ورجع القهقرى هذه حلى وتلقيبات لها وتقديرها: اشتمل الشمل التي تعرف بهذا الاسم
وكذلك أخواتها.
قال: وجملة القول: إن الفعل لا ينصب شيئًا إلا وفي الفعل دليل عليه, فمن ذلك المصادر لأنك إذا قلت: قام ففي "قام" دليل على أنه: فعل قيامًا, فلذلك قلت: قام زيد قيامًا فعديته إلى المصدر, وكذلك تعديه إلى أسماء الزمان, لأن الفعل لا يكون إلا في زمان, وتعديه إلى المكان لأنه فيه يقع, وتعديه إلى الحال؛ لأنه لأفعل إلا في حال وأحق ذلك به المصدر, لأنه مشتق من لفظه ودال عليه.
واعلم/164: أنَّ "أنْ" تكون مع صلتها في معنى المصدر, وكذلك "ما" تكون مع صلتها في معناه وذلك إذا وصلت بالفعل خاصة إلا أن صلة "ما" لا بد من أن تكون فيها ما يرجع إلى "ما" لأنها اسم, وما في صلة "أن" لا يحتاج أن يكون معه فيه راجع؛ لأن "أن" حرف والحروف لا يكنى عنها ولا تضمر, فيكون في الكلام ما يرجع إليها, والذي يوجب أن "ما" اسم وأنها ليست حرفًا "كأنْ": أنها لو كانت "كأن" لعملت في الفعل كما عملت "أن" لأنا وجدنا جميع الحروف التي تدخل على الأفعال, ولا تدخل على الأسماء تعمل في الأفعال فلما لم نجدها عاملة حكمنا بأنها اسم, وهذا مذهب أبي الحسن الأخفش وغيره من النحويين1, فتقول: يعجبني أن يقوم زيد, تريد: قيام زيد, ويعجبني ما صنعت, تريد: صنيعك, إلا أن هذين وإن كانا
قد يكونان في معنى المصادر فليس يجوز أن يقعا موقع المصدر في/165 قولك: ضربت زيدًا ضربًا, لا يجوز أن تقول: ضربت زيدًا أن ضربت, تريد: ضربًا, ولا ضربت زيدًا ما ضربت, تريد: معنى "ضربًا", وأنت مؤكد لفعلك, ويجوز: ضربت ما ضربت, أي: الضرب الذي ضربت, كما تقول: فعلت ما فعلت, أي: مثل الفعل الذي1 فعلت, وتقول: فعلت ما فعل زيد, أي: كالفعل الذي فعل زيد, فإن لم ترد هذا المعنى فالكلام محال؛ لأن فعلك لا يكون فعل غيرك.
قال الله تعالى: ﴿وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا﴾ 2 والتأويل عندهم والله أعلم كالخوض الذي خاضوا.
مسائل من هذا الباب
:
تقول: ضربته عبد الله, تضمر الضرب, تعني: ضربت الضرب عبد الله ولو قلت ضربت عبد الله ضربًا وضربته زيدًا, ما كان به بأس على أن تضمر المصدر.
واعلم: أنه لا يجوز أن تعمل ضمير المصدر, لا تقول: سرني ضربك عمرًا وهو زيدًا, وأنت تريد: وضربك زيدًا, لأنه إنما يعمل إذا كان على لفطه الذي تشتق الأفعال منه, ألا ترى أن "ضرب" مشتق من الضرب فإنما
يعمل الضرب/ 166 وما أشبهه من المصادر إذا كان ظاهرًا غير مضمر, وإنما يعمل لشبهه بالفعل, فكما أن الفعل لا يضمر, فكذلك المصدر, لا يجوز أن يقع موقع الفعل وهو مضمر, وإنما جاز إضمار المصدر لأنه معنى واحد1, ولم يجز إضمار الفعل لأنه معنى وزمان, ولو أَضمر لصار اسمًا.
وتقول: مررت بهم جميعًا, إذا عنيت أنك لم تترك منهم أحدًا, أو: مررت بهم كلًّا, قال الأخفش: كل وجميع ههنا بمنزلة المصادر كأنك قلت: مررت بهم عمًا ومررت بهم كلًّا, أي: مرورًا عمًا وكلًّا, فكل وجميع ههنا بمنزلة المصادر, كأنك قلت: مررت بهم عمًا ومررت بهم عمًا لهم, وكأنك قلت: طررتهم طرًا2 وليس الجميع والكل بالقوم, كما أن الطر والقاطبة ليس بالقوم, يعني إذا قلت: مررت بهم قاطبة وطرًا فكأنك قلت: جمعتهم/ 167 جمعًا, وكذلك في طر كأنك قلت: طررتم, أي: أتيت عليهم طرًا.
وذكر سيبويه: هذا في باب ما ينتصب لأنه حال وقع فيه الخبر وهو اسم. وقال: من ذلك: مررت بهم جميعًا وعامة وجماعة, وقال: هذه أسماء متصرفة ولا يجوز أن يدخل فيها الألف واللام3.
وزعم الخليل: أن قاطبة, وطرًا لا يتصرفان, وهما في موضع المصدر4.
واعلم: أن في الكلام مصادر تقع موقع الحال فتغني عنها وانتصابها انتصاب المصادر نحو قولك: أتاني زيد مشيًا, فقولك: مشيًا قد أغنى عن ماشٍ, ويمشي, إلا أن التقدير: أتاني يمشي مشيًا, فمن ذلك: قتلته صبرًا,
ولقيته فجأة ومفاجأة, وكفاحًا ومكافحة, [ولقيته] 1 عيانًا, وكلمته مشافهة, وأتيته ركضًا, وعدوًا, وأخذت عنه سماعًا وسمعًا2.
قال سيبويه: وليس كل مصدر يوضع هذا الموضع, ألا ترى أنه لا يحسن: أتانا سرعة ولا رجلة3, قال/ 168 أبو العباس: ليس يمتنع من هذا الباب شيء من المصادر أن يقع موقع الحال إذا كانت قصته هذه القصة4 وخالف سيبويه, وقد جاء بعض هذه المصادر يغني عن ذكر الحال بالألف واللام نحو: أرسلها العراك, والعراك لا يجوز أن يكون حالًا ولا ينتصب انتصاب الحال وإنما انتصب عندي على تأويل: أرسلها تعترك العراك5, فـ"تعترك" حال والمصدر الذي عملت فيه الحال هو العراك, ودل على "تعترك" فأغنى
عنه وكذلك: طلبته جهدك1 وطاقتك, كأنك قلت: طلبته تجتهد جهدك, وتطيق طاقتك, أي: تستفرغهما في ذلك.
ومذهب سيبويه أن قولهم: مررت به وحده, وبهم وحدهم, ومررت برجل وحده, أي: مفرد, أقيم مقام مصدر "يقوم" مقام الحال, وقال: ومثل ذلك في لغة أهل الحجاز: مررت بهم ثلاثتهم وأربعتهم إلى العشرة2.
وزعم الخليل: أنه إذا نصب3 فكأنه قال: مررت بهؤلاء/ 169 فقط, مثل وحده في معناه, أي: أفرقهم4.
وأما بنو تميم فيجرونه على الاسم الأول ويعربونه كإعرابه توكيدًا له.
قال سيبويه: ومثل خمستهم قول الشماخ:
آتتني سُلَيمٌ قَضّها بقضيضِها5....
كأنه قال: أنقض آخرهم على أولهم, وبعض العرب يجعل "قضهم" بمنزلة كلهم, يجريه على الوجوه فهذا مأخوذ من الإِنقضاض فقسه على ما ذكرت لك من قبل.
وزعم يونس1: أن وحده بمنزلة عنده, وأن خمستهم وقضهم كقولك جميعًا, وكذلك طُرًا وقاطبة.
وجعل يونس نصب وحده كأنك قلت: مررت برجل على حياله فطرحت على2, فأما: "كلهم وجميعهم وعامتهم وأنفسهم وأجمعون" فلا يكون أبدًا إلا صفة إذا أضفتهن إلى المضمرات وتقول: هو نسيج وحدِهِ؛ لأنه اسم مضاف إليه3.
قال الأخفش: كل مصدر قام مقام الفعل ففيه ضمير فاعل وذلك إذا قلت: سقيًا لزيد, وإنما تريد: سقى الله زيدًا, ولو قلت/ 170: سقيا الله زيدًا, كان جيدًا, لأنك قد جئت بما يقوم مقام الفعل, ولو قلت: أكلًا زيد
الخبز وأنت تأمره, كان جائزًا, كقوله1:
فَنَدْلًا زُريقُ المالَ ندل الثَّعالِبِ
وتقول: ضربتك ضربًا عمرو خالدًا, ومعناه: ضربتك ضرب عمرو خالدًا, فإذا قلت: ضربتك زيد خالدًا, فلا تقدم خالدًا قبل الضرب لأنه في صلته.
قال أبو بكر: وليس هذا مثل قولك: ضربًا زيدًا, وأنت تأمره, لأن ذاك قد قام مقام الفعل فيجوز أن يقدم المفعول فتقول: زيدًا ضربًا, وقد مضى تفسير هذا.
وتقول: ضربتك ضرب زيد عمرًا وكذلك: ضربتك ضربك زيدًا, وضربًا أنت زيدًا, إذا جعلته فاعلًا, وضربتك ضربًا إياك زيدًا, إذا جعلته مفعولًا, تريد: ضربًا زيد إياك.
وقال الأخفش: من رد عليك ضربًا زيد عمرًا إذا كنت تأمره أدخلت عليه/ 171 سقيًا له, فقلت له: ألست, إنما تريد سقى الله زيدًا فإنه قائل: نعم فتقول.
فكما جاز سقيا له حين أقمت السقي مقام "سقاه" فكذلك تقيم
الضرب مقام "ليضرب" وتقول: ضرب زيد ضربًا, وقتل عمرو قتلًا, فتعدى الفعل الذي بني للمفعول إلى المصدر, كما تعدى الفعل الذي بني للفاعل, لا فرق بينهما في ذلك, فأما المفعول الذي دخل عليه حرف الجر نحو: سيرا بعبد الله فأنت في المصادر والظروف بالخيار إن شئت نصبت المصادر نصبها قبلٌ, وأقمت المفعول الذي دخل عليه حرف الجر مقام الفاعل فقلت: سير بعبد الله سيرًا شديدًا, أقمت "بعبد الله" مقام الفاعل ونصبت "سيرًا" كما تنصبه إذا قلت: سار عبد الله سيرًا شديدًا, وكذلك يجوز في أسماء الزمان والمكان أن تنصبها نصب الظروف في هذه المسألة, ويجوز من أجل شغل حرف الجر بعبد الله أن تقيم المصادر والظروف1 معه مقام الفاعل فترفعها/ 172 إلا أن الأحسن ألا ترفع إذا نعتت أو أفادت معنى سوى التوكيد وقصد الإِخبار عنها, فإذا لم يكن فيها إلا التوكيد نصبت والرفع بعيد جدا تقول: سير بعبد الله سير شديد ومر بعبد الله المرور الذي علمته, وإن شئت نصبت وإنما حسن الرفع لأنك قد وصفت المصدر فصار كالأسماء المفيدة, فأما النصب: فعلى أنك أقمت "بزيد" مقام الفاعل فصار كقولك: ضرب عبد الله الضربَ الذي يعلمُ, وشتم عبد الله الشتمَ الشديد, وكذلك لو قلت: مر بعبد الله مروان, وسير بعبد الله سير شديد لكان مفيدًا.
وقال الله تعالى: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ﴾ 2, فإن قلت: سيرَ بعبد الله سيرٌ وسيرًا, وذهب إلى عبد الله ذهابًا, فالنصب الوجه, لأن المصادر موكدة, أما جواز الرفع على بعد إذا قلت: سير بعبد الله, لأنه ليس في قولك: سير
من الفائدة إلا ما في "سير"1 وجوازه على أنك إذا قلتَ: سير بعبد الله سيرٌ, فمعناه: سيرَ بعبد الله ضرب من السير/ 173؛ لأنه لو اختلف لكان الوجه أن تقول: سير بعبد الله سيران أي: سيرٌ سريعٌ وبطيء أو: قديمٌ وحديثٌ وهذا قولُ أبي العباس -رحمه الله-2.
واعلم: أن قولهم ضرب زيد سوطًا, أن معناه: ضرب زيد ضربة بسوط فالسوط هنا قد قامَ مقامَ المصدر, ولذلك لم يجز أن تقيمَ السوطَ مقامَ الفاعلِ, لا يجوز أن تقول:
ضُرِبَ سوطٌ3 زيدًا, كما تقول: أعطى درهم4 عمرًا...
شرح الثاني: وهو المفعول به.
قد تقدّم قولنا في المفعول على الحقيقة أنه المصدر, ولما كانت هذه تكون على ضربين: ضرب فيها يلاقي شيئًا ويؤثر فيه.
وضرب منه لا يلاقي شيئًا ولا يؤثر فيه, فسمي الفعل الملاقي متعديًا وما لا يلاقي غير متعد.
فأما الفعل الذي هو غير متعد فهو الذي لم يلاق مصدره مفعولًا نحو: قام وأحمرَ وطالَ.
إذا أردت به ضد قصر خاصةً, وإن أردتَ بِه معنى علا كان متعديًا, والأفعال التي لا تتعدى هي ما كان منها خلقةً أو حركة للجسم/ 174 في ذاته وهيئةً له, أو فعلًا من أفعال النفس غير متشبث بشيء خارج عنها.
أما الذي
هو خلقة فنحو: أسوَدَ وأحمرَ, وأعورَ, وأشهابَ, وطالَ وما أشبه ذلك.
وأما حركة الجسم بغير ملاقاة لشيء آخر فنحو: قامَ وقعدَ, وسارَ وغارَ, ألا ترى أن هذه الأفعال مصوغة لحركة الجسم وهيئته في ذاته, فإن قال قائل: فلا بد لهذه الأفعال من أن تلاقي المكان وأن تكون فيه.
قيل: هذا لا بدَّ منه لكل فعلٍ, والمتعدي وغير المتعدي في هذا سواء وإنما علمنا محيط بأن ذلك كذلك, لأن الفعل يصنع ليدل على المكان كما صيغ ليدل على المصدر والزمان.
وأما أفعال النفس التي لا تتعداها فنحو: كرُمَ, وظَرُفَ, وفَكَر, وغَضِبَ, وخَبرَ, وبَطُرَ, ومَلُحَ, وحَسُنَ, وسمحَ, وما أشبه ذلك.
وأما الفعل الذي يتعدى, فكل حركة للجسم كانت ملاقيةً لغيرها وما أشبه ذلك من أفعال النفس وأفعال الحواس من الخمس كلها متعدية ملاقية نحو: نظرت/175 وشممت, وسمعت, وذقت, ولمست, وجميع ما كان في معانيهن فهو متعد, وكذلك حركة الجسم إذا لاقت شيئًا كان الفعلُ من ذلك متعديًا نحو: أتيتُ زيدًا ووطئتُ بلدكَ وداركَ وأما قولك: فارقته وقاطعتهُ, وباريتهُ, وتاركتهُ, فإنما معناه: فعلت كما يفعل وساويت بين الفعلين, والمساواة إنما تعلم بالتلاقي وتركتكَ في معنى تاركتكَ لأن كل شيء تركتهُ فقد ترككَ فافهم هذا فإن فيه غموضًا قليلًا.
وقد اختلف النحويون في: "دخلت البيت" هل هو متعد أو غير متعد, وإنما التبس عليهم ذلك لاستعمال العرب له بغير حرف الجر في كثير من المواضع وهو عندي غير متعد كما قدمناه وإنك لما قلت: دخلت إنما عنيت بذلك انتقالك من بسيط الأرض ومنكشفها إلى ما كان منها غير بسيط منكشف فالانتقال ضربٌ واحدٌ وإن اختلفت المواضع و"دخلت" مثل غرتُ إذا أتيت الغور/ 176 فإن وجب أن يكون "دخلت" متعديًا وجبَ أن يتعدى "غرتُ" ودليلٌ آخر: أنك لا ترى فعلًا من الأفعال يكون متعديًا إلا كان مضاده متعديًا وإن كان غير متعد كان مضادُهُ غير متعد, فَمن ذلك: تحركَ،
وسكنَ, فتحرك غير متعد, وسكنَ غير متعد, وأبيضَ وأسود كلاهما غير متعد, وخرج ضد دخل, وخرج غير متعد فواجب أن يكون دخل غير متعد, وهذا مذهب سيبويه1.
قال سيبويه: ومثل: ذهبت الشام, دخلت البيت2, يعني: أنه قد حذف حرف الجر من الكلام, وكان الأصل عنده: ذهبت إلى الشام ودخلت في البيت.
وهما مستعملان بحروف الجر, فحذف حرف الجر, من حذفه اتساعًا واستخفافًا, فإذا قلت: ضربتُ وقتلتُ, وأكلتُ وشربت, وذكرتُ, ونسيتُ وأحيا وأماتَ فهذه الأفعال ونحوها هي المتعدية إلى /177 المفعولين, نحو: ضربتُ زيدًا, وأكلتُ الطعامَ, وشربتُ الشراب, وذكرتُ الله, واشتهيتُ لقاءك, وهويتُ زيدًا وما أشبه هذا من أفعال النفس المتعدية, فهذا حكمه, ولا تتمُ هذه الأفعال المتعدية, ولا توجد إلا بوجود المفعول, لأنك إن قلت: ذكرت, ولم يكن مذكور فهو محال, وكذلك.
اشتهيت وما أشبههُ.
واعلم: أن هذا إنما قيل له مفعول به, لأنه لما قال القائل: ضَرَبَ وقتل قيل له: هذا الفعل بمنْ وقع؟ فقال: بزيدٍ أو بعمروٍ فهذا إنما يكون في المتعدي نحو ما ذكرنا, ولا يقال فيما لا يتعدى نحو: قام وقعد لا يقال هذا القيام بمن وقع؟ ولا هذا القعود بمن حل؟ إنما يقال: متى كان هذا القيام؟ وفي أي وقت؟ وأين كان؟ وفي أي موضع؟ والمكان والزمان لا يخلو فعلٌ منهما متعديًا كان أو غير متعد فمتى وجدتَ فعلًا حقه أن يكون غير متعد بالصفة التي ذكرتُ لك ووجدتَ العرب قد عدتهُ, فاعلمْ, أن ذلك اتساعٌ في اللغة واستخفاف/ 178 وأن الأصلَ فيه أن يكون متعديًا بحرف جر, وإنما حذفوه استخفافًا نحو ما ذكرت لك من: ذهبت الشام, ودخلت البيت وسترى هذا في مواضع من هذا الكتاب.
وهذه الأفعال المتعدية تنقسم ثلاثة أقسام: منها ما يتعدى إلى مفعول واحد ومنها ما يتعدى إلى مفعولين ومنها ما يتعدى إلى ثلاثة مفاعيل, فأما ما يتعدى إلى مفعول واحد فقد ذكرنا منه ما فيه كفاية, ونحن نتبعه بما يتعدى إلى مفعولين وإلى ثلاثة بعد ذكرنا مسائل هذا الباب إن شاء الله.
مسائل من هذا الباب
: اعلم: أن الأفعال لا تثنى ولا تجمع, وذلك لأنها أجناس كمصادرها, ألا ترى أنك تقول: بلغني ضربكم زيدًا كثيرًا, وجلوسكم إلى زيد قليلًا, كان الضربُ والجلوس قليلًا أو كثيرًا, وإنما يثنى الفاعل في الفعل, فإن قلت فإنك تقول: ضربتكَ ضربتين وعلمتُ علمتين, فإنما ذلك لاختلاف النوعين من ضرب يخالف ضربًا/ 179 في شدته وقلتِه أو علم يخالف علمًا, كعلمِ الفقهِ وعلمِ النحوِ, كما تقولُ: عندي تمور إذا اختلفت الأجناس, ومع ذلك فإن الفعل يدل على زمان, فلا يجوز أن تثنيه كما ثنيت المصدر وإن اختلفت أنواعه فالفعل لا بد له من الفاعل يليه بعده إما ظاهرًا وإما مضمرًا ولا يجوز أن يثنى ولا يجمع لما بينت لك فإذا قلت: الزيدان يقومان, فهذه الألف ضمير الفاعلين والنون علامة الرفع وإذا قلت: الزيدون يقومون فهذه الواو ضمير الجمع والنون علامة الرفع ويجوز: قاموا الزيدون ويقومون الزيدون على لغة من قال: أكلوني البراغيث1, فهؤلاء إنما يجيئون بالألف والنون وبالواو والنون في: يضربان ويضربون وبالألف والواو في: ضربا وضربوا فيقولون: ضربا الزيدان وضربوا الزيدون ليعلموا أن هذا الفعل لاثنين لا لواحد ولا لجميع ولا لاثنين ولا لواحد, كما أدخلت التاء في فِعلِ المؤنثِ لتفصل بين فعل المذكر والمؤنث, فكذلك هؤلاء زادوا بيانًا
ليفرقوا بين/ 180 فِعْلِ الاثنين وبين الواحد والجميع وهذا لعمري هو القياس على ما أجمعوا عليه في التاء من قولهم: قامت هند وقعدت سلمى, ولكن هذا أدى إلى إلباس إذ كان من كلامهم التقديم والتأخير, فكأن السامع إذا سمع قاموا الزيدون لا يدري هل هو خبر مقدم والواو فيه ضمير, أم الواو عمل الجمع فقط غير ضمير, وكذلك الألف في "قاما الزيدان" فلهذا وغيره من العلل ما جمع على التاء ولم يجمع على الألف والواو فجاز في كل فعل لمؤنث تقول: فعلت ولا يحسنُ سقوطها.
إلا أن تفرق بين الاسم والفعل2, فإذا بعُد منه حسن نحو قولهم: حضر اليوم القاضي امرأة.
وقال أبو العباس -رحمه الله: إن التأنيث معنى لازم غير مفارق, إذا لزم المعنى لزمت علامته وليس كذا التثنية والجمع لأنه يجوز أن يفترق الاثنان والجمع فتخبر عن كل واحد منهما3 على حياله4, والتأنيث الحقيقي الذي لا يجوز فعله إلا بعلامة التأنيث هو كل مؤنث له/ 181 ذكر كالحيوان نحو قولك: قامت أمة الله ونتجت فرسك والناقة, إلا أن يضطر شاعر فيجوز له حذف العلامة على قبح, فإن كان التأنيث في الاسم ولا معنى تحته فأنت مخير إن شئت جئت بالتاء لتأنيث اللفظ وإن شئت حذفتها.
قال الله عز وجل: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ﴾ 5 "قالوا" لأن الموعظة والوعظ سواء،
وقال تعالى: ﴿وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ﴾ 1, لأن الصيحة والصوت واحد أما قوله تعالى: ﴿وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ﴾ 2, فإنما جاء على تقدير جماعة فهو تأنيث الجمع ولا واحد لزمه التأنيث فجمع عليه, فلو كان تأنيث الواحد للزمه التاء كما تقول: قامت المسلمات, لأنه على "مسلمة" وتقول: قامت الرجال لأنه تأنيث الجمع.
واعلم: أن الفاعل لا يجوز أن يُقدم على الفعل إلا على شرط الابتداء خاصة, وكذلك ما قام مقامه من المفعولين الذين لم يسم من فَعَلَ بهم, فأما المفعول إذا كان الفعل متصرفًا فيجوز تقديمُه وتأخيره, تقول: ضربت/ 182 زيدًا, وزيدًا ضربتُ, وأكلت خبزًا, وخبزًا أكلت, وضَرَبَتْ هند عمرًا, وعمرًا ضَرَبَتْ هند, وغلامُك أخرج بكرًا, وبكرًا أخرج غلامك, وتقول: أشبع الرجلين الرغيفان, ويكفي الرجلين الدرهمان وتقول: حرق فاه الخل, لأن الخل هو الفاعل وتقول: أعجب ركوبك الدابة زيدًا فالكاف في قولك: "ركوبك" مخفوضة بالإِضافة وموضعها رفع والتقدير: أعجب زيدًا أن رَكِبت الدابة فالمصدر يجر ما أُضيف إليه فاعلًا كان أو مفعولًا ويجري ما بعده على الأصل فإضافته إلى الفاعل أحسن, لأنه له كقول الله تعالى: ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْض﴾ 3. وإضافته إلى المفعول حسنة لأنه
به اتصل وفيه حل.
تقول: أعجبني بناءُ هذه الدار, وما أحسن خياطةَ هذا الثوب, فعلى هذا يقول: أعجب ركوبُ الفرس عمرو زيدًا أردت: أعجب أن رَكِبَ الفرس عمرو زيدًا.
فالفرس وعمرو وركب في صلة/ 183 أن وزيد منتصب بـ"أعجب" خارج عن الصلة تقدمه إن شئت قبل "أعجب" وإن شئت جعلته بين أعجب والركوب وكذلك: عجبت من دق الثوبِ القصارُ, فإن نونت المصدر أو أدخلت فيه ألفًا ولامًا امتنعت إضافته فجرى كل شيء على أصله, فقلت: أعجب ركوبٌ زيدٌ الفرس عمرًا, وإن شئت قلت: أعجب ركوبٌ الفرسَ زيدٌ عمرًا, ولا يجوز أن تقدم الفرس ولا زيدًا قبل الركوب, لأنهما من صلته فقد صارا1 منه كالياء والدال من زيد.
وتقول: ما أعجب شيء شيئًا إعجاب زيدٍ ركوبُ الفرسِ عمرو نصبت "إعجاب", لأنه مصدر وتقديره: ما أعجب شيء شيئًا إعجابا مثل إعجاب زيد ورفعت الركوب بقولك: أعجب لأن معناه: كما أعجب زيدًا أن ركب الفرس عمروٌ.
وتقول: أعجب الأكلُ الخبزَ زيدٌ عمرًا على ما وصفت لك وعلى ذلك قال الله تعالى: ﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ, يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَة﴾ 2, التقدير: أو أن أُطعم.
لقوله/ 184 وما أدراك.
وتقول: أعجب بيعُ طعامِك رخصُه المشتريه فالتقدير: أعجب أن باع طعامك رخصه الرجل المشتريه.
فالرخص هو الذي باع الطعام وتقول: أعجبني ضربُ الضارب زيدًا عبدَ الله رفعت الضرب, لأنه فاعل بـ"أعجبني" وأضفته إلى الضارب, ونصبت زيدًا لأنه مفعول في صلة الضارب, ونصبت عبد الله بالضرب الأول وفاعله "الضارب" المجرور وتقديره: أعجبني أن ضرب الضارب زيدًا عبد الله.
وتقول: أعجب إعطاءٌ الدراهم أخاك غلامك أباك نصبت أباك بـ"أعجب" وجعلت غلامك هو الذي أعطى الدراهم أخاك.
وتقول: ضَرْبَ الضاربِ عمرًا المكرم زيدًا أحبَّ أخواك نصبت ضرب الأول بـ"أحب" وجررت
"الضارب" بالإِضافة وعديته إلى "عمرو" ونصبت المكرم زيدًا بضرب الأول, فإن أردت أن لا تعديه إلى عمرو قلت: ضرْبَ الضاربِ المكرمَ زيدًا أحبَّ أخواك, وهذا كله في صلة الضرب لأنك أضفته إلى الضارب/ 185 وسائر الكلام إلى قولك "أحب" متصل به.
وتقول: سر دفعك إلى المعطي زيدًا دينارًا درهمًا القائم في داره عمرو1, نصبت القائم "بسر" ورفعت عمرًا بقيامه, ولو قلت: سرّ دفعكَ إلى زيدٍ درهمًا ضربكَ عمرًا كان محالًا, لأن الضرب ليس مما يسرُّ2, ولو قلت: وافق قيامُك قعود زيد, صلح, ومعناه أنهما اتفقا في وقت واحد ولو أردت "بوافق" معنى الموافقة التي هي الإِعجاب لم يصلح إلا في الآدميين.