وبل الغمامة في شرح عمدة الفقه لابن قدامةكِتَابُ الْوَقْفِ
أهل الأثرالأرشيف العلمي

(1) وَهُوَ: تَحْبِيْسُ الأَصْلِ، وَتَسْبِيْلُ الثَّمَرَةِ (2)،  الشرح:

(1)

قوله «كِتَابُ الْوَقْفِ»:

الوقف لغة: الحبس والمنع، وهو مصدر وقف الشيء وقفاً: إذا جعله على جهة معينة لا ينتفع به غيرها، ووقف وحَبَّس وأحبس وسبَّل كلها بمعنى واحد، أما أوقف فهي لغة رديئة، ويقال للموقوف: وقف من باب التسمية بالمصدر.
أما تعريف الوقف في الاصطلاح: فهو كما قال المؤلف.

(2)

قوله «وَهُوَ: تَحْبِيْسُ الأَصْلِ، وَتَسْبِيْلُ الثَّمَرَةِ»:

هذا هو تعريف الوقف في الاصطلاح، والتحبيس: مصدر حبَّس يقال حبَّس الشيء أي: جعله محبوساً لا يباع ولا يوهب.
وقوله «الأَصْلِ»: أي العين الموقوفة، وهو كل ما ينتفع به مع بقاء عينه كالعقار والحيوان والأثاث والكتب والشجر والسيارة ونحو ذلك لأن الوقف يكون في المنقول والعقار، أما ما لا ينتفع به لذهاب عينه وتلفه فلا يصح وقفه كما سيذكر ذلك المؤلف قريباً.
وقوله «وَتَسْبِيْلُ الثَّمَرَةِ»: التسبيل ضد التحبيس، فالتحبيس كما ذكرنا: المنع، والتسبيل: معناه الإطلاق.
والمعنى أن المُوقف يحبس أصل المنفعة عن كل ما ينقل الملك فيه ويسبل الثمرة يعني المنفعة كثمرة وزرع وأجرة بيت وقراءة كتاب، وما أشبه ذلك.
وقوله «وَتَسْبِيْلُ الثَّمَرَةِ»: لو قال: وتسبيل المنفعة لكان أجود لأن المنفعة تعم الثمرة والزرع والأجرة وغير ذلك مما فيه نفع.

الجزء: 5 - الصفحة: 5

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  - فائدة: ثبتت مشروعية الوقف بدليل الكتاب والسنة والإجماع: أما دليل الكتاب: فقوله تعالى ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ .. ﴾ 1، وجه الدلالة من الآية أن الوقف داخل في الإنفاق، وقد فهم ذلك أبو طلحة - رضي الله عنه - من الآية، فقد جاء عن أنس - رضي الله عنه - «كَانَ أَبُو طَلْحَةَ أَكْثَرَ أَنْصَارِيٍّ بِالْمَدِينَةِ مَالًا مِنْ نَخْلٍ وَأَحَبُّ مَالِهِ إِلَيْهِ بَيْرُحَاءَ مُسْتَقْبِلَةَ الْمَسْجِدِ وَكَانَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- يَدْخُلُهَا وَيَشْرَبُ مِنْ مَاءٍ فِيهَا طَيِّبٍ قَالَ أَنَسٌ فَلَمَّا نَزَلَتْ ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾، قَامَ أَبُو طَلْحَةَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾، وَإِنَّ أَحَبَّ أَمْوَالِي إِلَيَّ بَيْرُحَاءَ وَإِنَّهَا صَدَقَةٌ لِلَّهِ أَرْجُو بِرَّهَا وَذُخْرَهَا عِنْدَ اللَّهِ فَضَعْهَا حَيْثُ أَرَاكَ اللَّهُ .. » 2. أما دلالة السنة فمن ذلك: 1 - ما ثبت عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: أَصَابَ عُمَرُ بِخَيْبَرَ أَرْضًا فَأَتَى النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ أَصَبْتُ أَرْضًا لَمْ أُصِبْ مَالًا قَطُّ أَنْفَسَ مِنْهُ فَكَيْفَ تَأْمُرُنِي بِهِ؟ قَالَ: «إِنْ شِئْتَ حَبَّسْتَ أَصْلَهَا وَتَصَدَّقْتَ بِهَا»، فَتَصَدَّقَ عُمَرُ أَنَّهُ لَا يُبَاعُ أَصْلُهَا وَلَا يُوهَبُ وَلَا يُورَثُ فِي الْفُقَرَاءِ وَالْقُرْبَى وَالرِّقَابِ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالضَّيْفِ وَابْنِ السَّبِيلِ لَا جُنَاحَ عَلَى مَنْ وَلِيَهَا أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا بِالْمَعْرُوفِ أَوْ يُطْعِمَ صَدِيقًا غَيْرَ مُتَمَوِّلٍ فِيهِ» 3. وفي رواية «احْبِسْ أَصْلَهَا وَسَبِّلْ ثَمَرَهَا» 4.

الجزء: 5 - الصفحة: 6

وَيَجُوْزُ فِي كُلِّ عَيْنٍ يَجُوْزُ بَيْعُهَا (1)،  2 - ما ثبت عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ «إِذَا مَاتَ الإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلاَّ مِنْ ثَلاثَةٍ إِلاَّ مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ» (1)، والصدقة الجارية هي المتصلة المستمر نفعها وذلك كوقف العقارات والكتب والمصاحف.
أما الإجماع: فقد انعقد الإجماع على جواز الوقف، قال ابن هبيرة «واتفقوا على جواز الوقف» (2)، قال في المغني «وقد وقف الخلفاء الراشدين وغيرهم من الصحابة واشتهر ذلك فلم ينكره أحد فكان إجماعاً» (3).

  • فائدة: سبق بيان مشروعية الوقف، أما من حيث الحكم فنقول: إذا كان على جهة مشروعة كان مستحباً لأنه من الصدقة، وإذا نذره كان واجباً بالنذر، وإذا كان فيه ظلم وحيف كان حراماً، وإذا كان فيه تضييق على الورثة كان مكروهاً.

(1)

قوله «وَيَجُوْزُ فِي كُلِّ عَيْنٍ يَجُوْزُ بَيْعُهَا»:

أي يشترط لجواز الوقف أن يكون في عين يجوز بيعها كالعقارات والمنقولات شريطة بقاء النفع.
وقوله «فِي كُلِّ عَيْنٍ» يخرج المنفعة فلا يجوز وقفها وهذا هو قول الجمهور 8. وذهب المالكية 9 إلى جواز وقف دار مدة معلومة فإنه يجوز له أن يوقف منفعتها في تلك المدة وينقضي الوقف بانقضاء المدة، لأنه لا يشترط عندهم تأبيد الوقف.567

الجزء: 5 - الصفحة: 7

وَيُنْتَفَعُ بِهَا دَائِمًا مَعَ بَقَائِهَا، وَلا يَصِحُّ فِي غَيْرِ ذلِكَ (1)،  =وقوله «يَجُوْزُ بَيْعُهَا» يخرج العين التي لا يجوز بيعها كالمرهون، والحر، والكلب ونحو ذلك وقيل يصح وقف كل ما جازت إعارته لأن الوقف إنما هو تمليك للمنفعة أما الأصل فهو محبوس من أن تنتقل ملكيته إلى أحد بأي وجه واختار هذا القول شيخ الإسلام -رحمه الله- (1)، وصححه صاحب الإنصاف (2).

(1)

قوله «وَيُنْتَفَعُ بِهَا دَائِمًا مَعَ بَقَائِهَا، وَلا يَصِحُّ فِي غَيْرِ ذلِكَ»:

هذا هو الشرط الثاني لجواز الوقف وهو أن تكون العين ينتفع بها دائماً مع بقائها، فلا يصح وقف ما لا ينتفع به إلا بذهاب عينه، كطعام لأكل أو ماء لشرب بل هو صدقة.
قال في الإفصاح 12 «اتفقوا على أن كل ما لا يمكن الانتفاع به إلا بإتلاف كالذهب والفضة والمأكول لا يصح وقفه».
وذهب الحنفية 13، وهو المذهب عند المالكية 14، وهو اختيار شيخ الإسلام 15 وشيخنا 16 رحمهم الله إلى جواز وقف الشيء الذي لا ينتفع به إلا بتلفه فيجوز أن يوقف جراباً من التمر على الفقراء، وكذلك يجوز وقف دراهم للقرض وماء للشرب وطعامٍ للأكل ونحو ذلك.
قلت: وهذا هو الراجح عندي، فلا يشترط أن تكون العين باقية دائماً في الموقوف.1011

الجزء: 5 - الصفحة: 8

مِثْلُ الأَثْمَانِ وَالْمَطْعُوْمَاتِ وَالرِّيَاحِيْنَ (1)، وَلا يَصِحُّ إِلاَّ عَلَى بِرٍّ أَوْ مَعْرُوْفٍ (2)،  (1)

قوله «مِثْلُ الأَثْمَانِ وَالْمَطْعُوْمَاتِ وَالرِّيَاحِيْنَ»:

أي لا يصح وقف «الأَثْمَانِ» من الذهب والفضة والأوراق النقدية من ريالات أو جنيهات أو دولارات أو غيرها.
وكذلك «الْمَطْعُوْمَاتِ» كبر وشعير وأرز ونحو ذلك.
«وَالرِّيَاحِيْنَ» وهو ما يستعمل في الطيب، فلا يصح وقف ذلك كله.
وقد سبق بيان الخلاف في المسألة وبيان الراجح، ورجحنا جواز وقف هذا كله.

(2)

قوله «وَلا يَصِحُّ إِلاَّ عَلَى بِرٍّ أَوْ مَعْرُوْفٍ»:

هذا هو الشرط الرابع بما يجوز وقفه، فلابد أن يكون على بر، أو معروف كالمساجد، والقناطر، والمساكين، والأقارب ونحو ذلك.
فإن كان على إثم فلا يجوز، كأن يوقف مسجداً على قبر أو يوقف بيتاً يعصى فيه الله، أو يوقف مالاً يستخدم في المعاصي، ونحو ذلك، فهذا لا يصح فيه الوقف، بل لا بد من أن يكون الوقف في وجوه البر والطاعة.
ودليل ذلك ما ذكره المؤلف من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.

الجزء: 5 - الصفحة: 9

مِثْلُ مَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ - رضي الله عنه - أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُوْلَ اللهِ، إِنِّيْ أَصَبْتُ مَالاً بِخَيْبَرَ لَمْ أُصِبْ مَالاً قَطُّ هُوَ أَنْفَسُ عِنْدِيْ مِنْهُ، فَمَا تَأْمُرُنِيْ فِيهِ؟ قَالَ: «إِنْ شِئْتَ حَبَّسْتَ أَصْلَهَا، وَتَصَدَّقْتَ بِهَا، غَيْرَ أَنَّهُ لا يُبَاعُ أَصْلُهَا وَلا يُوْرَثُ وَلا يُوْهَبُ».
قَالَ: فَتَصَدَّقَ بِهَا عُمَرُ فِي الْفُقَرَاءِ وَفِي الْقُرْبَى وَفِي الرِّقَابِ، وَفِي سَبِيْلِ اللهِ وَابْنِ السَّبِيْلِ وَالضَّيْفِ.
لا جُنَاحَ عَلَى مَنْ وَلِيَهَا أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا أَوْ يُطْعِمَ صَدِيْقًا غَيْرَ مُتَمَوِّلٍ فِيهِ 17  (1)

قوله «مِثْلُ مَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ - رضي الله عنه - أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُوْلَ اللهِ، إِنِّيْ أَصَبْتُ مَالاً بِخَيْبَرَ لَمْ أُصِبْ مَالاً قَطُّ هُوَ أَنْفَسُ عِنْدِيْ مِنْهُ، فَمَا تَأْمُرُنِيْ فِيهِ؟ قَالَ: «إِنْ شِئْتَ حَبَّسْتَ أَصْلَهَا، وَتَصَدَّقْتَ بِهَا، غَيْرَ أَنَّهُ لا يُبَاعُ أَصْلُهَا وَلا يُوْرَثُ وَلا يُوْهَبُ» قَالَ: فَتَصَدَّقَ بِهَا عُمَرُ فِي الْفُقَرَاءِ وَفِي الْقُرْبَى وَفِي الرِّقَابِ، وَفِي سَبِيْلِ اللهِ وَابْنِ السَّبِيْلِ وَالضَّيْفِ.
لا جُنَاحَ عَلَى مَنْ وَلِيَهَا أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا أَوْ يُطْعِمَ صَدِيْقًا غَيْرَ مُتَمَوِّلٍ فِيهِ»

(1) هذا الحديث أصل في جواز الوقف، ويستفاد منه جملة من الفوائد منها: 1 - أن عمر -رضي الله عنه- أول من وقف في الإسلام.
2 - في هذا الحديث بيان لمعنى الوقف كما سبق.
3 - فيه بيان حكم التصرف في الوقف فإنه لا يكون إلا في الأشياء التي ينتفع بها.
4 - قوله «غَيْرَ أَنَّهُ لا يُبَاعُ أَصْلُهَا وَلا يُوْرَثُ» أي لا يورث الوقف فالعين والرقبة لا تنتقل ملكيتهما إلا بالاستحقاق في الثمرة كأن يقول هذه النخلة وقف لأولادي ثم لأولاد أولادي إلى أن ينقطع النسل فإنه حينئذ إذا توفي البطن الأول انتقل النفع إلى البطن الثاني وهكذا لكن العين نفسها لا تنتقل=

الجزء: 5 - الصفحة: 10

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =ولا تورث، إنما الذي يورث استحقاق المنفعة.
5 - وقوله «فَتَصَدَّقَ بِهَا عُمَرُ فِي الْفُقَرَاءِ»: فيه دليل مشروعية الوقف على الفقراء.
6 - وقوله «وَفِي الْقُرْبَى»: فيه جواز الوقف على الأقارب، بل من أفضل الوقف أن يبدأ الإنسان بذي القربى لما فيه من صلة الرحم.
7 - وقوله «وَفِي الرِّقَابِ»: أي في فك الرقاب وفي هذا دليل على جواز الوقف لفك الرقاب ويدخل في ذلك الأسير فيجوز أن يوقف الإنسان وقفاً يستخدم لفك الأسرى.
8 - وقوله «وَفِي سَبِيْلِ اللهِ»: فيه جواز الوقف للمجاهدين في سبيل الله عز وجل.
9 - وقوله «وَابْنِ السَّبِيْلِ»: جواز الوقف لابن السبيل وهو المسافر المنقطع.
10 - قوله «وَالضَّيْفِ»: جواز جعل الوقف في إقراء الضيف فلو قال أوقفت هذا الثلث من مالي على أن تطعموا به الضيوف لجاز ذلك.
وقوله «لا جُنَاحَ عَلَى مَنْ وَلِيَهَا أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا بالمعروف»: هذا من كلام عمر في الوقف فأجاز من وليها وهو الناظر أن يأكل منها، وفي هذا دليل على مشروعية أخذ النظارة على الوقف وهذا أفضل وأباح له أن يأكل من الوقف بالمعروف يعني على قدر حاجته دون إسراف ولا تقتير على نفسه، وقوله «غَيْرَ مُتَمَوِّلٍ فِيهِ» يعني يعطى صديقه من الوقف قدراً يسيراً من باب المحبة والمودة فلا بأس بذلك.
11 - ومن الفوائد أيضاً في الحديث فضيلة استشارة أهل العلم والفضل =

الجزء: 5 - الصفحة: 11

وَيَصِحُّ الْوَقْفُ بِالْقَوْلِ وَالْفِعْلِ الدَّالِّ عَلَيْهِ (1)، مِثْلُ أَنْ يَبْنِيَ مَسْجِدًا وَيَأْذَنَ لِلنَّاسِ بِالصَّلاةِ فِيهِ، أَوْ سِقَايَةً وَيُشَرِّعَهَا لِلنَّاسِ (2)،  = والنصح فإن الإنسان لا يستبد برايه فقد قال تعالى لنبيه ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ .. ﴾ (1)، وقال أيضاً: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ .. ﴾ (2)، وهذا مأخوذ من فعل عمر - رضي الله عنه - حيث استشار النبي - صلى الله عليه وسلم -، هذا معنى حديث ابن عمر - رضي الله عنه -.

(1)

قوله «وَيَصِحُّ الْوَقْفُ بِالْقَوْلِ وَالْفِعْلِ الدَّالِّ عَلَيْهِ»:

هذه هي طرق وصيغ الوقف، فأدل صيغه القول، فالقول هو الأصل كأن يقول أوقفت، أو سَبلت أو حبست فكلها صيغ صريحة في الوقف متى تلفظ بها الإنسان صار وقفاً، أما ما كان كناية فيها كأن يقول تصدقت، وحرَّمت وأبدّت، فلا يكون وقفاً إلا بالنية، أو إضافة ما يدل على الوقف، كأن يقول تصدقت بكذا على أن يقول صدقة موقوفة، أو يقرنها بحكم الوقف وصفاته كأن يقول: تصدقت بكذا صدقة لا تباع ولا تورث فهذه هي صيغ الوقف القولية.
أما الفعل الدال على الوقف وذلك كأن يبني مسجداً ويأذن للناس بالصلاة فيه إذناً عاماً، أو يجعل أرضه مقبرة ويأذن للناس بالدفن فيها، أو يحفر بئراً على طريق المسافرين، ويجعل له حوضاً ودلواً ثم يتركها للناس ليشربوا منها، فيعلم من فعله أنه أوقف ذلك، لأن العرف جار به، وفيه دلالة على الوقف.

(2)

قوله «مِثْلُ أَنْ يَبْنِيَ مَسْجِدًا وَيَأْذَنَ لِلنَّاسِ بِالصَّلاةِ فِيهِ، أَوْ سِقَايَةً وَيُشَرِّعَهَا لِلنَّاسِ»:

هذه أمثلة للفعل الدال على الوقف وقد سبق بيانه.1819

الجزء: 5 - الصفحة: 12

وَلا يَجُوْزُ بَيْعُهُ إِلاَّ أَنْ تَتَعَطَّلَ مَنَافِعُهُ بِالْكُلِّيَةِ (1)،  - فائدة: إذا كان قد اشترط أن يصرف الوقف في أمور مباحة فهل يصح؟ قولان للفقهاء فذهب جمهورهم إلى أن اشتراط أن يكون الوقف في الأمور المباحة أن هذا الشرط باطل، لأن الوقف إنما شرع ليتقرب به إلى الله تعالى، وهذا غير موجود في الوقف.
وذهب شيخنا -رحمه الله- (1) إلى أن الوقف إن كان على جهة عامة فإنه يشترط أن يكون على برٍّ، وإن كان على معين فإنه لا يشترط أن يكون على برٍّ، ولكن يشترط أن لا يكون على إثم، وإن أوقف لفلان اليهودي أو النصراني فإنه يصح لأنه أوقف على معين وليس بيننا وبينه حرب وله عهد، ولأنه لم ننه عن بره، فالواقف لم يرتكب ما نهى الله عنه.

(1)

قوله «وَلا يَجُوْزُ بَيْعُهُ إِلاَّ أَنْ تَتَعَطَّلَ مَنَافِعُهُ بِالْكُلِّيَةِ»:

وهذا قول جمهور الفقهاء، فمتى تعطل الموقوف وصار بحالة لا ينتفع بها فقد أجاز الفقهاء بيعه وجعل ثمنه في مثله، وذلك كدار انهدمت، أو أرض خربت وعادت مواتاً ولم تمكن عمارتها، أو مسجد انتقل أهل القرية عنه، ونحو ذلك مما يتعطل بعضه من الوقف.
وذهب المالكية 21 إلى أنه لا يجوز بيع العقار الموقوف ولو خرب، قال مالك: «لا يباع العقار الحبس، ولو خرب، وبقاء أحباس السلف دائرة دليل على منع ذلك».
وعنه يعني «مالك»: «إن رأى الإمام بيع ذلك لمصلحة جاز، ويجعله في مثله»20

الجزء: 5 - الصفحة: 13

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =ويفهم من قول المؤلف - كلية - أنه إذا تعطل بعضه أو قلت منفعته وكان غيره أنفع منه وأكثر لم يجز بيعه لأن الأصل تحريم البيع، وإنما أبيح للضرورة صيانة لمقصود الوقف من الضياع.
وذهب شيخ الإسلام 22 إلى جواز إبدال الوقف للحاجة، أو المصلحة الراجحة.
وصورة الإبدال للحاجة: أن الوقف يتعطل فيباع ويشترى بثمنه ما يقوم مقامه كالفرس الحبيس للغزو إذا لم يمكن الانتفاع به فإنه يباع ويشترى بثمنه ما يقوم مقامه، والمسجد الذي خرب ما حوله فتنتقل آلته إلى مكان آخر أو يباع ويشترى بثمنه ما يقوم مقامه، أو لا يمكن الانتفاع بالموقوف عليه من الواقف فيباع ويشترى بثمنه ما يقوم مقامه، قال شيخ الإسلام 23 فهذا كله جائز، فإن الأصل إذا لم يحصل به المقصود قام بدله مقامه، أما الإبدال لمصلحة راجحة فصورته: أن المسجد الموقوف مثلاً - إذا بنى بدله مسجد آخر أوسع لأهل البلد منه، فإنه يباع الأول ويوقف ثمنه على الثاني.
مثال ذلك: ما وقف لغلة إذا أُبدل بخير منه: كأن يقف داراً أو حانوتاً، أو قربة يكون نفعها قليلاً، فيبدلها بما هو أنفع للوقف، هذا ما ذكره شيخ الإسلام في هذه المسألة.
قلت: والذي يترجح عندي ما ذهب إليه شيخ الإسلام، وهو رواية في مذهب أحمد 24، وهو أيضاً اختيار شيخنا -رحمه الله- 25.

الجزء: 5 - الصفحة: 14

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وخلاصة ما ذكرناه ما يلي: 1 - يجوز للناظر تغيير الوقف من صورة إلى صورة أصلح منها.
2 - يجوز بيع الوقف، وإبداله بما هو أنفع منه للموقوف عليه.
3 - يجوز الإبدال بالأنفع والأصلح فيما يوقف للاستغلال وكل ذلك ما رجحه شيخ الإسلام وشيخنا رحمهم الله كما سبق ومن الأدلة على ذلك ما ذكره شيخ الإسلام -رحمه الله- فمن ذلك.
أولاً: ما ثبت في الصحيحين عن عائشة قالت قال لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «لَوْلا حَدَاثَةُ عَهْدِ قَوْمِكِ بِالْكُفْرِ لَنَقَضْتُ الْكَعْبَةَ وَلَجَعَلْتُهَا عَلَى أَسَاسِ إِبْرَاهِيمَ فَإِنَّ قُرَيْشًا حِينَ بَنَتِ الْبَيْتَ اسْتَقْصَرَتْ وَلَجَعَلْتُ لَهَا خَلْفًا» 26. قال شيخ الإسلام 27: ومعلوم أن الكعبة أفضل وقف على وجه الأرض، ولو كان تغييرها وإبدالها بما وصفه النبي - صلى الله عليه وسلم - واجباً لم يتركه، فعلم أنه جائز وأنه كان الأصلح لولا ما ذكره من حداثة عهد قريش بالإسلام، وهذا فيه تبديل بنائها ببناء آخر فعلم أن هذا جائز في الجملة.
ثانياً: ما رواه البخاري قال حدثنا نافع أن عبد الله أخبره «أَنَّ الْمَسْجِدَ كَانَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - مَبْنِيًّا بِاللَّبِنِ وَسَقْفُهُ الْجَرِيدُ وَعُمُدُهُ خَشَبُ النَّخْلِ فَلَمْ يَزِدْ فِيهِ أَبُو بَكْرٍ شَيْئًا وَزَادَ فِيهِ عُمَرُ وَبَنَاهُ عَلَى بُنْيَانِهِ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - بِاللَّبِنِ وَالْجَرِيدِ وَأَعَادَ عُمُدَهُ خَشَبًا ثُمَّ غَيَّرَهُ عُثْمَانُ فَزَادَ فِيهِ زِيَادَةً كَثِيرَةً وَبَنَى جِدَارَهُ بِالْحِجَارَةِ الْمَنْقُوشَةِ وَالْقَصَّةِ وَجَعَلَ عُمُدَهُ مِنْ حِجَارَةٍ مَنْقُوشَةٍ=

الجزء: 5 - الصفحة: 15

فَيُبَاعُ وَيُشْتَرَى بِهِ مَا يَقُوْمُ مَقَامَهُ (1)، وَالْفَرَسُ الْحَبِيْسُ إِذَا لَمْ يَصْلُحْ لِلْغَزْوِ، بِيْعَ وَاشْتُرِيَ بِهِ مَا يَصْلُحُ لِلْغَزْوِ (2)  =وَسَقَفَهُ بِالسَّاجِ» (1). قال شيخ الإسلام: وبكل حال فاللبن والجذوع التي كانت وقفاً أبدلها الخلفاء الراشدون بغيرها، وهذا من أعظم ما يشتهر من القضايا، ولم ينكره منكر ولا فرق بين إبدال البناء ببناء، وإبدال العرصة بالعرصة: إذا اقتضت المصلحة ذلك، ولهذا أبدل عمر مسجد الكوفة بمسجد آخر، أبدل نفس العرصة، وصارت العرصة الأولى سوقاً للتمارين بعد أن كانت مسجداً، وهذا أبلغ ما يكون في إبدال الوقف للمصلحة.

(1)

قوله «فَيُبَاعُ وَيُشْتَرَى بِهِ مَا يَقُوْمُ مَقَامَهُ»:

أي إذا تعطل النفع بالوقف فإنه يجوز بيعه واستبداله بما يقوم مقامه.
مثال ذلك: مسجد تعطلت منافعه كان هناك أناس يسكنون في مكان في موضع كالصحراء فبنى لهم مسجداً ثم ارتحلوا عن هذا الموضع، ولم يكن هناك أحد ففي هذه الحالة يجوز نقل المسجد إلى مكان آخر، فنبيع هذا المسجد ثم نشتري به مسجداً آخر ينتفع به كمنفعته، وهكذا في كل وقف، وقد سبق بيان ذلك آنفاً.

(2)

قوله «وَالْفَرَسُ الْحَبِيْسُ إِذَا لَمْ يَصْلُحْ لِلْغَزْوِ، بِيْعَ وَاشْتُرِيَ بِهِ مَا يَصْلُحُ لِلْغَزْوِ»:

أي والفرس المسبل الموقوف للجهاد عليه في سبيل الله إذا أصبح ضعيفاً أو مرض وعجز عن استعماله للجهاد في سبيل الله بيع ثم اشترى بثمنه ما يقوم مقامه، فنشتري بثمنه فرساً آخر يوقفه في سبيل الله، فلا يصرف =28

الجزء: 5 - الصفحة: 16

وَالْمَسْجِدُ إِذَا لَمْ يَنْتَفِعُ بِهِ فِي مَكَانِهِ، بِيْعَ وَنُقِلَ إِلَى مَكَانٍ يَنْتَفِعُ بِهِ (1)، وَيُرْجَعُ فِي الْوَقْفِ وَمَصْرِفِهِ وَشُرُوْطِهِ وَتَرْتِيْبِهِ (2)،  = مثلاً في السلاح ولا في العتاد، وإنما يصرف في الفرس ويشتري به فرساً آخر، ولا يشتري به غيره مما يكون بدله يقوم مقامه.
فائدة: في هذه الأزمنة تغيرت الأحوال وأصبح دور الفرس للجهاد في سبيل الله قد قل الانتفاع به، فهل يشتري بثمنه ما يصلح للجهاد في سبيل من الأسلحة أو المركوبات الحديثة التي تستخدم للجهاد في سبيل الله؟ نقول قولان، وقد تقدم ذكر الخلاف في المسألة.
والأصوب عندي أنه يجوز أن يصرف الوقف إلى غيره مما هو أنفع منه أو أكثر نفعاً، فيصرف ثمنه في شراء آلات الحروب الحديثة من مركبات وأسلحة ونحو ذلك.

(1)

قوله «وَالْمَسْجِدُ إِذَا لَمْ يَنْتَفِعُ بِهِ فِي مَكَانِهِ، بِيْعَ وَنُقِلَ إِلَى مَكَانٍ يَنْتَفِعُ بِهِ»:

سبقت الإشارة إلى ما ذكره المؤلف، مع بيان الخلاف والراجح في هذه المسألة.

(2)

قوله «وَيُرْجَعُ فِي الْوَقْفِ وَمَصْرِفِهِ وَشُرُوْطِهِ وَتَرْتِيْبِهِ»:

أي ويرجع في الوقف وتحديد مصارفه وكذلك شروطه إلى لفظ الواقف كأن يشترط أن يكون الوقف لجهة معينة كأن يقول هذا وقف لطلبة العلم أو العلماء أو للأيتام أو جمعيات تحفيظ القرآن أو للمطلقات أو قال هذا وقف لأولادي ونحو ذلك فمتى اشترط جهة معينة للوقف فإنه لا يجوز أن يصرف لغير الجهة التي اشترطها.
أما قوله «وَتَرْتِيْبِهِ» كأن يقول هذا وقف لأولادي ثم أولاد أولادي، فإذاً لا يستحق أولاد أولاده الأحفاد إلا بعد انقراض أولاده، حتى ولو لم يبق من=

الجزء: 5 - الصفحة: 17

وَإِدْخَالِ مَنْ شَاءَ بِصِفَةٍ أَوْ إِخْرَاجِهِ بِهَا إِلَى لَفْظِ الْوَاقِفِ (1)،  = أولاده إلا ولد واحد فإنه يستحق الوقف كله فإن توفى انتقل إلى البطن الذي يليه، لأن الحرف «ثم» يفيد الترتيب فإن عين الواقف جهة ثم انقطعت فإنه يرجع إلى أقاربه على قدر ارثهم هذا قول في المذهب (1)، وفي قول آخر وهو رواية عن الإمام أحمد (2) أنه يصرف على الفقراء والمساكين فإن كان في أقاربه من هو كذلك كانوا أحق به من غيرهم وهذا هو اختيار العلامة بن سعدي -رحمه الله- (3). وفي قول ثالث عن الإمام أحمد أنه يجعل في بيت مال المسلمين، لأنه مال لا مستحق له، فأشبه مال من لا وارث له.
والأصوب عندي هو القول الثاني أي يصرف إلى الفقراء والمساكين عند انقطاع جهة الوقف ويكون الأحق به أقارب الواقف ممن كانوا فقراء أو مساكين.

(1)

قوله «وَإِدْخَالِ مَنْ شَاءَ بِصِفَةٍ أَوْ إِخْرَاجِهِ بِهَا إِلَى لَفْظِ الْوَاقِفِ»:

أي ويرجع ما أوقفه الواقف إلى ما حدده بالصفات التي ذكرها كأن يقول هذا الوقف لجمعيات تحفيظ القرآن الكريم فلا يدخل غيرها إليها فلو أدخل جمعيات البر فإنه لا يصرف إليها فالمرجع في ذلك كله إلى لفظ الواقف.

  • فائدة: ينبغي أن يعلم أن الواقف إذا خالف شرع الله في وقفه فهو مردود غير نافذ، فعليه إذا اشترط زيادة أو نقصاً أو حرماناً أن يرجع في ذلك إلى المصلحة الشرعية لا إلى شهوته وهواه، لأن هذا قربة، والقربة لا تقع موقعها إلا إذا=293031

الجزء: 5 - الصفحة: 18

وَكَذلِكَ النَّاظِرُ فِيهِ (1)،  = نوى صاحبها فيها البر والعدل، وابتعد عن الظلم والحيف، فإن شرط ما خالف الشرع لغي، كأن يقول: هذا وقف على أولادي فلان وفلان بعد موتي، وله أربعة أبناء، فهذا مخالف للشرع، لأنه وصية لوارث.

(1)

قوله «وَكَذلِكَ النَّاظِرُ فِيهِ»:

أي ويرجع ما ينفق على ناظر الوقف وما يأخذه لنفسه من غلة الوقف إلى قول الواقف لأن الوقف ثبت بقول الواقف فوجب أن يرجع إلى ما يعطاه الناظر إلى قول هذا الواقف.

  • الفائدة الأولى: الأولياء الذين يتصرفون لغيرهم أربعة أقسام: «الوكيل - الوصي - الناظر - الولي».
    فالوكيل: يكون في حال الحياة كما لو وكل فلان يشتري له شيئاً معيناً فاشتراه.
    والوصي: من أذن بالتصرف بعد الموت كأن يقول أوصيت فلان بالنظر على أولادي بعد موتي، والناظر: هو الوكيل على الوقف.
    والولي: هو من كان يتصرف بإذن من الشارع كولي اليتيم مثلاً فلا أحد من الناس ولاه الله عز وجل، وكولاية الأب على مال ولده، فهذه ولاية لم تكن بإذن من العبد.
  • الفائدة الثانية: هل يشترط للناظر شروطاً لصلاحيته للنظارة؟ نقول نعم هناك شروط اشترطها الفقهاء في الناظر منها ما هو محل اتفاق بين الفقهاء، ومنها ما هو محل خلاف فمن ذلك: - 1 - التكليف: فيشترط في الناظر على الوقف أن يكون بالغاً عاقلاً فلا يصح نظارة الصبي ولا المجنون لعدم أهليتهما.
    2 - العدالة: فيشترط في الناظر أن يكون عدلاً فلا يصح أن يكون الفاسق=

الجزء: 5 - الصفحة: 19

وَالنَّفَقَةُ عَلَيْهِ (1)،  =ناظراً للوقف، فإن كان عدلاً ثم صار فاسقاً عزله القاضي، فإن كان الناظر مشروطاً بعينه من قبل الواقف قال ابن قدامة (1) فلا يشترط فيه العدالة ويضم إليه عدل لما فيه من العمل بالشرط وحفظ الوقف، ولا تزال يده إلا أن لا يمكن حفظه منه فتزال ولايته، لأن مراعاة حفظ الوقف أهم من إبقاء ولاية الفاسق عليه.
3 - الكفاءة: المقصود بالكفاءة قوة الشخص وقدرته على التصرف فيما هو ناظر عليه، فيشترط في الناظر هذا وذلك لأن مراعاة حفظ الوقف مطلوب شرعاً، وإن لم يكن الناظر متصفاً بهذه الصفة لم يتمكن مراعاة حفظ الوقف، فإن اختلت الكفاءة فهل يعزل؟ على قولين عند الفقهاء فقال الحنفية (2)، والشافعية (3) يعزل الناظر، وقال الحنابلة (4) لا يعزل بل يضم إليه قوى أمين ليحصل المقصود سواء كان ناظراً بشرط أو موقوفاً عليه.
4 - الإسلام: يشترط في الناظر على الوقف أن يكون مسلماً إذا كان الموقوف عليه مسلماً أو كانت الجهة كمسجد ونحوه، وذهب الحنفية (5) إلى جواز أن يكون الناظر ذمياً، فالإسلام ليس بشرط فيه.

(1)

قوله «وَالنَّفَقَةُ عَلَيْهِ»:

الضمير في «عليه» يعود على الناظر والمعنى أنه يرجع في اشتراط الناظر واشتراط النفقة عليه من أجل نظراته على الوقف إلى =3233343536

الجزء: 5 - الصفحة: 20

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  = شرط الوقف ف

إذا لم يعين الواقف للناظر أجرة

فقد اختلف في ذلك الفقهاء، فذهب الحنفية 37 في بعض أقوالهم في المسألة أنه لو لم يشترط الواقف للناظر شيئاً لا يستحق شيئاً، إلا إذا جعل له القاضي أجرة مثل عمله في الوقف، فيأخذه على أنه أجرة، وفي قول آخر عندهم إن لم يعين له الواقف عين له القاضي أجرة مثله هذا إن عمل، وإن لم يعمل لا يستحق أجرة، أما إن نصبه القاضي ولم يعين له شيئاً إن كان المعهود أن لا يعمل إلا بأجرة مثله فله أجرة المثل، لأن المعهود كالمشروط وإلا فلا شيء له.
وذهب الشافعية 38 إلى أنه إذا لم يشترط الواقف للناظر شيئاً فلا يستحق أجرة على الصحيح، وإذا رفع الأمر للحاكم فإنه يعطى مع الحاجة.
أما الحنابلة 39 فلهم ثلاثة أراء في المسألة: الأول: أن للناظر أن يأكل من غلة الوقف بالمعروف، سواء أكان محتاجاً أو غير محتاج إلحاقا له بعامل الزكاة.
الثاني: أن لناظر الوقف أن يأخذ الأقل من أجرة المثل أو كفايته قياساً على ولي الصغير ولا يستحق ذلك إلا إذا كان فقيراً كوصي اليتيم.
الثالث: أن للناظر الوقف إن كان مشهوراً بأنه يأخذ أجرة على عمله فيأخذ أجر المثل لأنه مقابل عمل يؤديه.
قلت والراجح عندي أنه إن شرط الواقف أن تكون للناظر أجرة على نظارته فنعم يجعل له أجرة من الوقف، وإن لم يشترطها الواقف فله أجرة المثل ويقدرها الحاكم وإن تبرع فجزاه الله خيراً =

الجزء: 5 - الصفحة: 21

فَلَوْ وَقَفَ عَلَى وَلَدِ فُلانٍ ثُمَّ عَلَى الْمَسَاكِيْنِ، كَانَ الذَّكَرُ وَالأُنْثَى بِالسَّوِيَّةِ (1)، إِلاَّ أَنْ يُفَضِّلَ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ، فَإِذَا لَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ أَحَدٌ رَجَعَ عَلَى الْمَسَاكِيْنِ (2)،  =فقد أعان على خير، وهذا هو اختيار شيخنا -رحمه الله- (1). فائدة: في الجهة التي يستحق منها الناظر الوقف، ذهب جمهور الفقهاء (2) إلى أن أجرة الناظر تكون من غلة الوقف واحتجوا لذلك بحديث عمر -رضي الله عنه- حيث قال: لوالي هذه الصدقة أن يأكل منها غير متأثراً مالاً، وقال بعض الفقهاء (3) بل تكون الأجرة من بيت المال، والراجح عندي ما ذهب إليه جمهور الفقهاء.

(1)

قوله «فَلَوْ وَقَفَ عَلَى وَلَدِ فُلانٍ ثُمَّ عَلَى الْمَسَاكِيْنِ، كَانَ الذَّكَرُ وَالأُنْثَى بِالسَّوِيَّةِ»:

أي إذا وقف صاحب الوقف وقفه على أولاد زيد من الناس ثم على المساكين بعد انقراض أولاد زيد فالوقف لولده الموجود من حين الوقف ويكون الذكر نصيبهم من الوقف الذكر والأنثى بالسوية لان اللفظ يشملهم، فإن لفظ الولد يشمل الذكر والأنثى كما هو معلوم قال تعالى ﴿يُوصِيكُمْ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ .. ﴾ (4). فإذا انقرض أولاد زيد انتقل الوقف للمساكين ويكون أيضاً للذكر والأنثى بالسوية.
(2)

قوله «إِلاَّ أَنْ يُفَضِّلَ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ، فَإِذَا لَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ أَحَدٌ رَجَعَ عَلَى الْمَسَاكِيْنِ»:

أي إن وجد ما يدل على تفضيل الذكور على الإناث كما لو قال للذكر سهمان وللأنثى سهم، أو يقول من حفظ القرآن فله من الوقف، =40414243

الجزء: 5 - الصفحة: 22

وَمَتَى كَانَ الْوَقْفُ عَلَى مَنْ يُمْكِنُ حَصْرُهُمْ (1)، لَزِمَ اسْتِيْعَابُهُمْ بِهِ، وَالتَّسْوِيَّةُ بَيْنَهُمْ إِذَا لَمْ يُفَضِّلْ بَعْضَهُمْ (2) وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ حَصْرُهُمْ، جَازَ تَفْضِيْلُ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ، وَتَخْصِيْصُ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِهِ (3)،  = ومن لم يحفظ فلا شيء له فهذا يعمل به.
وقوله «رَجَعَ عَلَى الْمَسَاكِيْنِ» يفيد بأنه لا يرجع الوقف إليهم إلا إذا انقرض أولاد زيد لأنه رتب الوقف للمساكين بعدهم.

(1)

قوله «وَمَتَى كَانَ الْوَقْفُ عَلَى مَنْ يُمْكِنُ حَصْرُهُمْ»:

أي إن كان الوقف على جماعة محصورين يمكن استيعابهم بالوقف كأن يوقفه على طلاب جمعية تحفيظ القرآن الكريم في بلدنا، أو أولاده أو أولاد زيد وليسوا قبيلة وجب استيعابهم أي تعميمهم بالسوية ذكوراً كانوا أو إناثاً، صغيراً كان أو كبيراً لأن اللفظ يقتضي ذلك.
(2)

قوله «لَزِمَ اسْتِيْعَابُهُمْ بِهِ، وَالتَّسْوِيَّةُ بَيْنَهُمْ إِذَا لَمْ يُفَضِّلْ بَعْضَهُمْ»:

أي يجب التعميم والتسوية في الوقف ما لم يفضل الواقف بعضهم لغرض شرعي فإنه يعمل به، فيقول مثلاً هذا الوقف لجمعية تحفيظ القرآن على أن من حفظه كاملاً كان له كذا، أو من حفظ خمسة عشر جزءاً فله كذا.
(3)

قوله «وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ حَصْرُهُمْ، جَازَ تَفْضِيْلُ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ، وَتَخْصِيْصُ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِهِ»:

أي إن تعذر حصرهم في الوقف وذلك كأن تكون غلة الوقف لجميع من أوقف عليهم ولا تكفيهم فهنا يجوز له تفضيل بعضهم على بعض وتخصيص واحد منهم.
مثاله: أن يقول هذا الوقف لطلاب جمعية تحفيظ القرآن غير أن الوقف لا يمكن استيعابه لجميع الطلاب فهنا يجوز تفضيل بعضهم على بعض فيعطى=

الجزء: 5 - الصفحة: 23

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =أكثرهم حفظاً وإتقان تلاوة على غيره لأنه لا يمكن استيعابهم جميعاً.
مثال آخر: قال هذا الوقف لفقراء القرية فكبرت القرية وأصبح الوقف لا يكفي جميع الفقراء فهنا يقدم فقراء الواقف على غيرهم لأنهم أولى من غيرهم، فإن كان الوقف لا يسع جميع فقراء قومه أو عشيرته فهنا يجوز تخصيص بعضهم بالوقف من غيره فيعطي أكثرهم حاجة ونحو ذلك من الأسباب المقتضية لتقديم بعضهم على بعض، قال شيخ الإسلام -رحمه الله- (1) وإذا قدّر وجود فقير مضطر كان دفع ضرورته واجباً، وإذا لم يندفع إلا بتنقيص كفاية أولئك من هذا الوقف من غير ضرورة تحصل لهم تعين ذلك.

ذكر بعض الفوائد المتعلقة بالوقف

:

  • الفائدة الأولى: الصواب أنه لا بأس بالشفعة لصالح الوقف المشترك فإذا كان جزء من المال وقفاً والجزء الآخر طلقاً ثم أراد الناظر على الوقف أن يشفع في الجزء المشترك الطلق إذا بيع فالراجح أن له ذلك لعموم الأدلة لأن مراعاة حال الوقف أولى من غيره فتثبت لصالحه الشفعة.
  • الفائدة الثانية: يشترط في الواقف أن يكون جائز التصرف بأن يكون بالغاً حراً رشيداً فلا يصح الوقف من الصغير والسفيه والمملوك.
  • الفائدة الثالثة: الوقف يقسمه بعض العلماء إلى قسمين: الأول: الوقف الأهلي أو الذري وهو الوقف على الأقارب والأولاد والأحفاد ثم الفقراء، والوقف الخيري وهو الوقف على أبواب الخير ابتداء.
  • الفائدة الرابعة: يجب العمل بشرط الواقف إذا لم يخالف الشرع لحديث=44

الجزء: 5 - الصفحة: 24

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  = «الْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ إِلاَّ شَرْطًا أَحَلَّ حَرَامًا أَوْ حَرَّمَ حَلالاً» (1)، ولأن عمر - رضي الله عنه - (2) وقف وشرط وأقره النبي - صلى الله عليه وسلم -، فإذا حدد الجهة والناظر وجب العمل به.

  • الفائدة الخامسة: ليس للحاكم التعرض للوقف ما دام له ناظر خاص لأن الولاية الخاصة مقدمة على الولاية العامة والقاعدة الفقهية العامة «الولاية الخاصة أقوى من الولاية العامة».

  • الفائدة السادسة: أفضل أنواع الوقف ما يعم نفعه للمسلمين في كل زمان ومكان كالوقف على المساجد وطلبة العلم والمجاهدين وفقراء المسلمين والأقارب وهكذا.

  • الفائدة السابعة: نظم السيوطي ما يصل الميت بعد موته من أبواب الوقف وغيره، فقال: عليه من فعال غير عشر ... إذا مات ابن آدم ليس يجري وغرس النخل والصدقات تجري ... علوم بثها ودعاء نجل وحفر البئر أو إجراء نهر ... وراثة مصحف ورباط تغر إليه أو بناء محل ذكر ... وبيت للقريب يناه يأوى

الفائدة الثامنة: الفرق بين الوقف والوصية

: 1 - الوقف: عقد ناجز والوصية تكون بعد الموت.
2 - الوصية: لا تصح إلا بالثلث فأقل ولغير وارث وما زاد على ذلك أو=4546

الجزء: 5 - الصفحة: 25

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =كان لوارث فلا بد من إجازة الورثة أما الوقف فلو وقف جميع ماله في حال الصحة فله ذلك.
3 - الوقف يصير ملكاً لله تعالى وينتقل عن الموقوف عليه بموته واختلال شرط فيه بخلاف الوصية فإنه يملك الموصى به ملكاً مطلقاً فأشبه الهبة.
4 - لا يجوز التصرف في الوقف ببيع ولا غيره مما في معناه فتضعف المنة فيه بخلاف الوصية.
5 - الوقف تحبيس الأصل وتسبيل المنفعة، بينما الوصية تمليك مضاف إلى ما بعد الموت بطريقة التبرع سواء كان في الأعيان أو المنافع.

  • الفائدة التاسعة: الوقف على النفس.: جمهور أهل العلم يمنعون ذلك لأنه لم يفعل شيئاً أخرج ماله عن ملكه إلى ملكه، والقول الثاني وهو رأي شيخ الإسلام 47، ويرجحه شيخنا 48 أنه يجوز لأنه يمنع بيعه، لكن بشرط ألا يكون ذلك تحايلاً على إسقاط حق الغرماء.
  • الفائدة العاشرة: إذا وقف على أحد اثنين دون تعيين فيرى أكثر أهل العلم عدم الجواز، وذلك لعدم تعيين الموقوف عليه.
    ويرى شيخنا 49 أنه يجوز، ويخرج أحدهما بالقرعة لأن ذلك أدعى لتحقيق مقصود الواقف.

الجزء: 5 - الصفحة: 26

بَابُ الْهِبَةِ

(1) وَهِيَ: تَمْلِيْكُ الْمَالِ فِي الْحَيَاةِ بِغَيْرِ عِوَضٍ (2)،  الشرح:

(1)

قوله «بَابُ الْهِبَةِ»:

الهبة في اللغة: من وهب الشيء إذا أعطاه، وهي بمعنى التبرع والتفضل للغير بمال أو غيره.
أما في الاصطلاح: فعرفها المؤلف بقوله.

(2)

قوله «وَهِيَ: تَمْلِيْكُ الْمَالِ فِي الْحَيَاةِ بِغَيْرِ عِوَضٍ»:

هذا هو تعريف الهبة في الاصطلاح، وقيل في تعريفها: هي التبرع من جائز التصرف في حياته لغيره بمال معلوم.
وقول المؤلف في تعريف الهبة «وَهِيَ: تَمْلِيْكُ الْمَالِ» يشمل الأثمان والمثمونات، فالأثمان مثل أن يهب مائة ريال أو ألف ريال لشخص ويقول هذه لك أما المثمونات مثل أن يهب له عقاراً كأن يهبه بيته أو مزرعته أو سيارته.
فالمراد بالمال هنا: كل ما يصح بيعه من الأموال من الأثمان والمثمونات.
وهل يشترط أن يكون المال معلوماً؟ قولان، الراجح عندي أنه لا يشترط أن يكون المال معلوماً بل تصح هبة المجهول، فيصح أن تقول لولدك إن نجحت في الاختبار فلك عندي هدية وتسكت، أو تقول لشخص وهبت لك جملاً في بطن وذلك لأنه لا يترتب على الجهل بها شيء لأن الموهوب له إن وجد الموهوب كثيراً فهو غانم وإن وجده قليلاً فهو غانم أيضاً ولا ضرر عليه.
وقوله «فِي الْحَيَاةِ» أي في حياة الواهب فخرج بذلك الوصية فهي تكون بعد الموت.

الجزء: 5 - الصفحة: 27

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =وقوله «بِغَيْرِ عِوَضٍ»: أي بلا مقابل وبهذا يخرج البيع لأنه تمليك بعوض معلوم.

ذكر بعض الفوائد

:

  • الفائدة الأولى: ذكر جمهور الفقهاء 50 أن الهبة، والهدية، والعطية، والصدقة، ذات معان متقاربة، وكلها تمليك في الحياة بلا عوض، واسم العطية شامل لجميعها، وكذا الهبة، غير أن هناك تقارباً بين الصدقة والهبة والهدية.
    فما قصد به الأجر فهو صدقة، وما قصد به التودد للغير فهو هدية وما قصد به نفع المعطى فهو هبة أو عطية هذا هو الفرق بينها.
  • الفائدة الثانية: أما حكمها: فهي مستحبة في حق الواهب ومسنونة في حق الموهوب له، ووجه كونها مستحبة في حق الواهب لدلالة النصوص على مشروعيتها، فقد روى البخاري في الأدب المفرد من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال «تَهَادَوْا تَحَابُّوا» 51، والهدية هي الهبة.
    وقد نقل الإجماع على استحبابها بجميع أنواعها لما فيها من التعاون على البر والتقوى وإشاعة الحب والتودد بين الناس وسيأتي قريباً بيان الحكمة في مشروعيتها.
    أما كونها سنة في حق الموهوب له فلأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قبل الهدية ولم يردها بل كان يثيب عليها وقد قبل - صلى الله عليه وسلم - هدية المقوقس وهو كافر كما قبل هدية النجاشي =

الجزء: 5 - الصفحة: 28

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  = وهو مسلم، ولأن في قبولها تطيباً لخاطر الواهب، وليس شرطاً بان يكون الموهوب له غنياً أو محتاجاً، بل متى ما أهدى له فإنه يقبل، لكن يستثنى من ذلك ما كان فيه محذوراً شرعياً كما لو جاءت الهدية على هيئة رشوة، وكذلك إذا قصد بها معصية أو إعانة على ظلم فهنا تحرم، فإنه يحرم دفعها وقبولها ويجب ردها، والقاعدة في ذلك «ما حرم على الأخذ أخذه حرم على المعطي إعطاؤه».

  • الفائدة الثالثة: في الحكمة من مشروعية الهبة: شرع الله تعالى الهبة لما فيها من تأليف القلوب، وتوثيق عرى المحبة بين الناس كما مر في حديث أبي هريرة المتقدم «تَهَادَوْا تَحَابُّوا»، وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقبل الهدية ويثيب عليها، وكان يدعوا إلى قبولها ويرغب فيها، ومن هنا رأى العلماء كراهية ردها حيث لا يوجد مانع شرعي.
  • الفائدة الرابعة: في أركان الهبة.
    ذهب جمهور الفقهاء إلى أن أركان الهبة هي: 1 - العاقدان - الواهب والموهوب له -. 2 - والمعقود عليه - الشيء الموهوب -. 3 - الصيغة.
    الركن الأول والثاني: وهما العاقدان - الواهب والموهوب له -: فيشترط لكل منها شروطاً: أولاً شروط الواهب: 1 - أن يكونا من أهل التبرع وذلك بأن يكون عاقلاً بالغاً رشيداً، فلا تصح هبة المحجور عليه لسفهه أو جنونه، ولا تصح هبة الصغير لأنه لا يملك التبرع سواء أذن فيها الولي أو لم يأذن لأنه محجور عليه لحظ نفسه فلم يصح تبرعه كالسفيه.

الجزء: 5 - الصفحة: 29

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  2 - أن يكون حراً فلا تصح هبة الرقيق، قال صاحب المغني «أما العبد فلا يجوز أن يهب إلا بإذن سيده لأنه ملك لسيده وله أن يقبل الهبة بغير إذن سيده» 52. 3 - كونه مالكاً للموهوب كما ذكر ذلك الحنفية 53 فلا يجوز هبة مال الغير بغير إذنه لاستحالة تمليك ما ليس بمملوك.
أما الموهوب له فيشترط فيه الأهلية لملك ما يوهب له، فإن كان الموهوب له عاقلاً بالغاً فإنه يقبض الهبة، أما إذا لم يكن من أهل القبض فإن الهبة له صحيحة لكن يقيض عنه من يصح القبض من ولي وغيره.
الركن الثاني: الموهوب والمراد به الشيء الذي يوهب من الأثمان والمثمونات.
شروط الشيء الموهوب: 1 - كونه موجوداً وقت الهبة؛ فلا تصح هبة ما ليس بموجود وقت العقد كأن يهب له ثمر بستانه في العام المقبل، أو ما تلد أغنامه بعد حملها، وهذا هو قول الأحناف 54، والشافعية 55، والحنابلة 56، وهو اختيار شيخ الإسلام 57، وشيخنا -رحمه الله- 58.

الجزء: 5 - الصفحة: 30

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  2 - كون الموهوب مقبوضاً: وهذا هو قول الحنفية 59، والشافعية 60، وهو رواية عند الحنابلة 61 فلا تلزم عندهم إلا بالقبض، فلو قال له وهبتك كذا ولم يسلمه له ثم رجع فرجوعه جائز لأن الهبة لا تلزم إلا بالقبض.
وذهب المالكية 62 إلى أنه لا يشترط القبض.
والأظهر عندي قول الجمهور، فلا تلزم الهبة إلا بالقبض وذلك لأنها عقد تبرع، فلو صحت بدون القبض لثبت للموهوب له ولاية مطالبة الواهب بالتسليم فتصير عقد ضمان.
3 - أن يكون الموهوب غير مشاع أي يقبل القسمة وهذا الشرط عند الحنفية 63. وذهب جمهور الفقهاء 64 إلى صحة هبة المشاع سواء أمكن قسمته أو لم يمكن وهذا هو الصواب عندنا، ودليل ذلك ما رواه مالك في الموطأ عن عائشة رضي الله عنها إِنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ كَانَ نَحَلَهَا جَادَّ عِشْرِينَ وَسْقًا مِنْ مَالِهِ بِالْغَابَةِ فَلَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ قَالَ وَاللَّهِ يَا بُنَيَّةُ مَا مِنَ النَّاسِ أَحَدٌ أَحَبُّ إِلَىَّ غِنًى بَعْدِى مِنْكِ وَلا أَعَزُّ عَلَىَّ فَقْرًا بَعْدِى مِنْكِ وَإِنِّي كُنْتُ نَحَلْتُكِ جَادَّ عِشْرِينَ وَسْقًا فَلَوْ كُنْتِ جَدَدْتِيهِ وَاحْتَزْتِيهِ كَانَ لَكِ وَإِنَّمَا هُوَ الْيَوْمَ مَالُ وَارِثٍ وَإِنَّمَا هُمَا أَخَوَاكِ وَأُخْتَاكِ فَاقْتَسِمُوهُ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ.
65.

الجزء: 5 - الصفحة: 31

وَتَصِحُّ بِالإِيْجَابِ وَالْقَبُوْلِ (1)، وَالْعَطِيَّةِ الْمُقْتَرِنَةِ بِمَا يَدُلُّ عَلَيْهَا (2)،  =ومن ذلك أيضاً إجماع الصحابة رضي الله عنهم، فقد روي عن أبي بكر وعمر وعثمان وابن عباس رضي الله عنهم أجمعين أنهم قالوا: لا يجوز الهبة إلا مقبوضة محوزة، واحتجوا أيضاً بأن الهبة عقد تبرع، فلو صحت بلا قبض لثبت للموهوب له ولاية مطالبة الواهب بالتسليم، فتصير عقد ضمان بالتسليم، وهذا تغيير لما تقرر شرعاً في الهبة من أنها تبرع.

(1)

قوله «وَتَصِحُّ بِالإِيْجَابِ وَالْقَبُوْلِ»:

أي تصح الهبة وتنفد بالإيجاب، وهو ما يصدر عن الواهب معبراً عن إرادته في إنشاء العقد، وكذلك القبول وهو ما يصدر عن الطرف الآخر وهو الموهوب له موافقته على الموهوب، فيقول الواهب وهبتك، أو أعطيتك، أو أهديتك هذا الكتاب، ونحو ذلك، ويقول الموهوب له قبلت، أو رضيت، ونحو ذلك من الألفاظ الدالة على القبول.
(2)

قوله «وَالْعَطِيَّةِ الْمُقْتَرِنَةِ بِمَا يَدُلُّ عَلَيْهَا»:

أي وتصح الهبة كذلك بالعطية ولو لم يحصل إيجاب ولا قبول فلو أرسل له كتاباً مع شخص آخر ليعطيه إياه فإنها تصح بذلك، لكن لا بد أن تقترن المعطاة بما يدل عليها.
مثال ذلك: طالب علم يبحث في مسألة ما، فعلم صديقه أنه يبحث عن هذه المسألة وعنده كتاب فيه تبسيط لهذه المسألة فأرسل له الكتاب ليبحث فيه دون أن يقول له هدية، فهل يعتبر ذلك هبة؟ الجواب: لا لأن دلالة الاقتران أنه إنما أعطاه إياه ليبحث فيه عن المسألة.
مثال آخر: رجل علم أن أخيه عنده وليمة، فأرسل إليه شاة ولم يقل شيئاً، فأخذ الشاة وذبحها وقدمها للضيفين، فهذه الشاة هبة لدلالة الاقتران على ذلك.

الجزء: 5 - الصفحة: 32

وَتَلْزَمُ بِالْقَبْضِ (1)، وَلا يَجُوْزُ الرُّجُوْعُ فِيهَا إِلاَّ لِلْوَالِدِ؛ لِقَوْلِ رَسُوْلِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «لا يَحِلُّ لأَحَدٍ يُعْطِيْ عَطِيَّةً فَيَرْجِعُ فِيهَا، إِلاَّ الْوَالِدَ فِيمَا يُعْطِيْ وَلَدَهُ» (2)،  (1)

قوله «وَتَلْزَمُ بِالْقَبْضِ»:

أي وتلزم الهبة بقبضها بإذن الواهب، وأما قبل القبض وبعد القبول فهي غير لازمة فيجوز الرجوع فيها، ودليل ذلك حديث عائشة رضي الله عنها المتقدم وقد سبق بيان الخلاف في ذلك مع بيان الراجح.
(2)

قوله «وَلا يَجُوْزُ الرُّجُوْعُ فِيهَا إِلاَّ لِلْوَالِدِ؛ لِقَوْلِ رَسُوْلِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «لا يَحِلُّ لأَحَدٍ يُعْطِيْ عَطِيَّةً فَيَرْجِعُ فِيهَا، إِلاَّ الْوَالِدَ فِيمَا يُعْطِيْ وَلَدَهُ»

66. أي لا يجوز للواهب أن يعود في هبته بعد قبضها إلا ما وهبه الأب لابنه فله الرجوع، دليل ذلك ثبت ما عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال النبي - صلى الله عليه وسلم - «الْعَائِدُ فِي هِبَتِهِ كَالْكَلْبِ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ لَيْسَ لَنَا مَثَلُ السَّوْءِ» 67. وقد اختلف الفقهاء في جواز رجوع غير الأب في الهبة، فذهب جمهورهم 68 إلى عدم الجواز واستدلوا لذلك بحديث ابن عباس المتقدم.
قال الإمام البخاري في صحيحه «باب لا يحل لأحد أن يرجع في هبته وصدقته»، قال الحافظ في الفتح 69 تحت هذه الترجمة «هكذا بتَّ في الحكم في هذه المسألة لقوة الدليل عنده فيها».
وذهب أبو حنيفة 70 إلى جواز الرجوع في الهبة إذا كانت لغير الولد ولا يجوز إذا كانت لذي رحم.

الجزء: 5 - الصفحة: 33

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =واستدل لذلك ما رواه ابن ماجه وغيره عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال «الْوَاهِبُ أَحَقُّ بِهِبَتِهِ مَا لَمْ يُثَبْ مِنْهَا» (1)، أما ذو الرحم فلا يجوز الرجوع، لأن ذلك من صلته ولا يجوز قطعها.
وأجابوا عن حديث ابن عباس المتقدم بأن المراد منه التغليظ في الكراهية، لأن الكلب غير متعبد، فالأكل من القيء ليس حراماً عليه، فالتشبيه وقع في أمر مكروه في الطبيعة لتثبت الكراهة في الشريعة.
قلت والصحيح عندي هو قول جمهور الفقهاء، وهل يجوز الرجوع في الهبة قبل القبض؟ قولان للفقهاء فذهب الجمهور (2) إلى أن الهبة لا تلزم إلا بالقبض ويجوز الرجوع فيها مع الكراهة وذلك لأن الوفاء بالعهد مستحب ويكره إخلافه كراهة شديدة، القول الثاني: أنه يحرم الرجوع في الهبة ولو لم تقبض لأن انجاز الوعد واجب وإخلافه محرم، وهذا وجه في مذهب الإمام أحمد (3)، اختاره شيخ الإسلام (4)، وهو قول في مذهب المالكية (5).

ذكر بعض الفوائد

:

  • الفائدة الأولى: يستثنى ما يرجع فيه الأب على ابنه ما لم يكن حيلة على التفصيل فلا يجوز أن يعود فيه، مثل أن يعطي ولديه كل واحد سيارة ثم عاد وأخذ من أحدهما سيارته فهذا الرجوع لا يصح لأنه يراد به تفضيل الولد الآخر.7172737475

الجزء: 5 - الصفحة: 34

وَالْمَشْرُوْعُ فِي عَطِيَّةِ الأَوْلادِ التَّسْوِيَّةُ بَيْنَهُمْ عَلَى قَدْرِ مِيْرَاثِهِمْ (1)،  - الفائدة الثانية: اشترط الفقهاء لرجوع الأب في هبته شروطاً، هي: 1 - أن يكون ما وهبه عيناً باقية في ملك الولد.
2 - أن تكون باقية في تصرفه ببيع أو رهن لم ينفك أو غير ذلك.
3 - أن لا تزيد عند الولد زيادة متصلة كسمن وحمل، فإن الزيادة للموهوب له فيمتنع الرجوع فيها حينئذ كما يمتنع الرجوع في الأصل.
4 - أن لا يكون الأب أسقط حقه من الرجوع أو أفلس الابن وحجر عليه.

  • الفائدة الثالثة: هل الأم تأخذ نفس حكم الأب في ذلك؟ على قولين: القول الأول: أن التسوية بين الأولاد خاص بالأب وأما الأم فلا يلزمها ذلك.
    القول الثاني: أن الأم كالأب لعموم قوله - صلى الله عليه وسلم - «فَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْدِلُوا بَيْنَ أَوْلادِكُمْ» (1)، ولأنها أحد الأبوين، ولأن ما يحصل بتخصيص الأب بعض الأولاد من الحسد والعداوة يوجد مثله في تخصيص الأم بعض ولدها.
    وهذا هو اختيار بن قدامة -رحمه الله- (2). قلت: وهو الراجح.
  • الفائدة الرابعة: وهل يلزم أن يكون الأب مسلماً لكي يرجع؟ لا يلزم بل يجوز للأب وإن كان كافراً أن يرجع في هبته لعموم الحديث.

(1)

قوله «وَالْمَشْرُوْعُ فِي عَطِيَّةِ الأَوْلادِ التَّسْوِيَّةُ بَيْنَهُمْ عَلَى قَدْرِ مِيْرَاثِهِمْ»:

أي إذا أعطى أولاده عطية قسمها بينهم على قدر إرثهم للذكر مثل حظ=7677

الجزء: 5 - الصفحة: 35

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =الأنثيين اقتداء بقسمة الله تعالى، وهذا هو المذهب 78، وهو قول شيخ الإسلام 79، وابن القيم 80، وبعض المالكية 81، والشافعية 82. واحتج هؤلاء بان الله تعالى قسم بينهم في الميراث هكذا وهو خير الحاكمين، وهذا هو العدل المطلوب بين الأولاد في الهبات والعطايا.
وذهب جمهور الفقهاء ومنهم الأئمة الثلاثة 83، وهو رواية عن الإمام أحمد 84 أن معنى التسوية بين الذكر والأنثى من الأولاد: العدل بينهم في العطية بدون تفضيل لأن الأحاديث الواردة في ذلك لم تفرق بين الذكر والأنثى فإن قوله - صلى الله عليه وسلم - في حديث النعمان بن بشير «سَوَّى بَيْنَهُمْ» 85، ظاهر الأمر الوجوب، أي وجوب التسوية بينهم - الذكر والأنثى - سواء، وفي رواية أخرى «إِنَّ لِبَنِيكَ عَلَيْكَ مِنْ الْحَقِّ أَنْ تَعْدِلَ بَيْنَهُمْ» 86. والراجح عندي هو القول الأول وهو ما رجحه شيخنا -رحمه الله- 87 فيعطي الأولاد في الهبات وسائر العطايا على قدر إرثهم على حسب ما ذكر الله تعالى =

الجزء: 5 - الصفحة: 36

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =في كتابه ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ﴾ (1)، ولا شك أنه لا أعدل من قسمة الله تعالى ومن قال إن هناك فرقاً بين الحياة والممات فإنه يحتاج إلى دليل على ذلك

ذكر بعض الفوائد

.

  • الفائدة الأولى: النفقة على الأولاد لا يلزم فيها التسوية بين الأولاد على قدر الإرث بل بقدر حاجتهم، فيجب التعديل في الإنفاق على ولده بقدر الحاجة، فإذا قدر أن الأنثى فقيرة، والذكر غني، فهنا ينفق على الأنثى ولا يعطي ما يقابل ذلك الذكر، لأن الإنفاق لدفع الحاجة فالتعديل بين الأولاد في النفقة أن يعطي كل واحد منهم ما يحتاج.
  • الفائدة الثانية: هل يفضل بينهم باعتبار البر كأن يكون أحد الأبناء أبر عليه من الآخر؟ نقول لا يجوز لأن البر ثوابه أعظم من أن تعطيه دراهم.
  • الفائدة الثالثة: إذا كان أحد الأولاد يعمل معه في متجر أو مزرعة فهل يجوز أن يُعطى زيادة على الآخر الذي لم ينتفع منه؟ فيه تفصيل: إذا كان الذي يعين أباه يريد بذلك وجه الله فإنه لا يعطيه شيئاً، لأنه لا يدخل في البر، وإن كان يريد عوضاً على ذلك، أو أن أباه فرض له العوض أن يعمل فلا بأس، ولكن يعطى مثل أجرته لو كان أجنبياً.

- الفائدة الرابعة: إذا كان أحد الأبناء كافراً بردة،

أو من الأصل لم يدخل في الإسلام، فبعض العلماء يقول لا يجب التعديل لقوله تعالى: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ﴾ 89، وبعض العلماء قال بل يجب التعديل، لأن=88

الجزء: 5 - الصفحة: 37

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =هذا حق سببه الولادة وهي ثابتة في الكافر كما هي ثابتة في المسلم، والأظهر أنه ينظر إلى المصلحة، فإن كان في إعطائه للمسلم دون الكافر يقتضي أن يقرب الكافر للإسلام فيدخل في الإسلام، فهنا يعطي المسلم، وإن لم يكن هناك مصلحة فلا يجوز بل يجب التعديل.

الفائدة الخامسة: التسوية بين الأولاد على قدر إرثهم

عامة تشمل ما يعطيه الأب لأولاده وكذلك الأم لأن العلة واحدة، فإذا أعطت الأم أحد أبنائها شيئاً فلتعط الآخر مثله كما سبق بيانه.

  • الفائدة السادسة: إذا مات الأب الذي فضل بعض أولاده في العطية قبل أن يسوي في عطيته فهل تثبت العطية؟ نقول ذهب جمهور الفقهاء (1) وهو المذهب عند الحنابلة (2) أن ذلك يثبت للموهوب له، وليس لبقية الورثة الرجوع، وفي رواية للإمام أحمد اختارها شيخنا -رحمه الله- (3) أنه إذا مات وجب على الموهوب له أن يرد ما فضل به في التركة، فإن لم يفعل خصم من نصيبه إن كان له نصيب، وهذا هو الراجح عندي.

- الفائدة السابعة: إذا كان أحد الأبناء يحتاج ما لا يحتاجه غيره

كأن يحتاج إلى سيارة والآخرون لا يحتاجون، فإن الأب أو الأم لا تعطى المحتاج سيارة باسمه ولكن تكون السيارة باسم الأب، وبهذا يدفع حاجته بالانتفاع بها، فإذا مات الأب ترجع السيارة إلى التركة.909192

الجزء: 5 - الصفحة: 38

لِقَوْلِ رَسُوْلِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «اتَّقُوْا اللهَ وَاعْدِلُوْا بَيْنَ أَوْلادِكُمْ» (1)،  (1)

قوله «لِقَوْلِ رَسُوْلِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: اتَّقُوْا اللهَ وَاعْدِلُوْا بَيْنَ أَوْلادِكُمْ»

  • صلى الله عليه وسلم - لم يقبل من بشير ما نفذ من الوصية بل زجره وردها.

الجزء: 5 - الصفحة: 39

وَإِذَا قَالَ لِرَجُلٍ: أَعْمَرْتُكَ دَارِيْ، أَوْ: هِيَ لَكَ عُمُرَكَ، فَهِيَ لَهُ وَلِوَرَثَتِهِ مِنْ بَعْدِه (1)،  (1)

قوله «وَإِذَا قَالَ لِرَجُلٍ: أَعْمَرْتُكَ دَارِيْ، أَوْ: هِيَ لَكَ عُمُرَكَ، فَهِيَ لَهُ وَلِوَرَثَتِهِ مِنْ بَعْدِه»:

بدأ المؤلف هنا ببيان العمري، والعمرى والرقبى يجعلهما بعض أهل العلم في باب مستقل بنفسه يسمى باب العمرى والرقبى.
لكن المؤلف هنا ضمهما إلى باب الهبة لأنهما نوعان من أنواع الهبة، يفتقران إلى ما يفتقر إليه سائر الهبات من الإيجاب والقبول وغير ذلك مما تم بيانه.
أما تعريفهما: فالعمرى: تعريفها هي أن يقول الواهب لمن وهب له أعمرتك داري هذه، أو هي لك عمري، أو مدة حياتك، ونحو ذلك.
وسميت بذلك لتقيدها بالعمر.
أما الرقبى: هي أن يقول الواهب للموهوب له أرقبتك هذه الدار، أو هذه الدار هي لك حياتك على أنك إذا مت قبلي عادت إليَّ، وإن مت قبلك فهي لك ولعقبك.
فكأنه يقول هي لآخرنا موتاً، وبذلك سميت رقبي لأن كل واحد منهما يرقب موت صاحبه.
وقد اختلف الفقهاء في حكم هذا النوع من الهبات: فذهب بعض الفقهاء 98 إلى عدم جوازهما، واحتج لذلك عن جابر بن عبد الله أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا تُعْمِرُوا وَلا تُرْقِبُوا .. » 99. وذهب بعضهم إلى جواز العمري دون الرقبى لما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أجاز العمري دون الرقبى، ولأن معنى الرقبى أنها للآخر منا، وهذا تعليق=

الجزء: 5 - الصفحة: 40

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  = للتمليك، وهذا لا يجوز.
ويرى أكثر أهل العلم (1)، وهو الراجح عندي جواز العمرى والرقبى لما رواه جابر - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «الْعُمْرَى جَائِزَةٌ لأَهْلِهَا وَالرُّقْبَى جَائِزَةٌ لأَهْلِهَا» (2). وقوله أيضا عن جابر قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «أَمْسِكُوا عَلَيْكُمْ أَمْوَالَكُمْ وَلا تُفْسِدُوهَا فَإِنَّهُ مَنْ أَعْمَرَ عُمْرَى فَهِيَ لِلَّذِى أُعْمِرَهَا حَيًّا وَمَيِّتًا وَلِعَقِبِهِ» (3)، وفي لفظ «قضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالعمرى لمن وهبت له» (4). والعمري ثلاثة أنواع: الأول: أن تؤبد كقوله هي لك ولعقبك من بعدك.
الثاني: أن تطلق كقوله هي لك عمرك أو عمري.
الثالث: أن يشترط الواهب فيها الرجوع بعد موت أحدهما.

حكم هذه الأنواع الثلاثة

: أما النوعان الأول والثاني فجمهور 104 العلماء على صحتهما وتأبيدهما لموهوب له ولورثته من بعده.
أما النوع الثالث فذهب إلى صحة شرط الرجوع جماعة من الفقهاء منهم الزهري ومالك وأبو ثور وداود، وهو رواية عن الإمام أحمد 105، واختارها=100101102103

الجزء: 5 - الصفحة: 41

وَإِنْ قَالَ: سُكْنَاهَا لَكَ عُمُرَكَ، فَلَهُ أَخْذُهَا مَتَى شَاءَ (1)،  =الشيخ تقي الدين (1) وغيره لحديث «الْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ» (2)، وقوله - صلى الله عليه وسلم - فيما رواه مسلم عنه « .. فَأَمَّا إِذَا قَالَ هِيَ لَكَ مَا عِشْتَ.
فَإِنَّهَا تَرْجِعُ إِلَى صَاحِبِهَا» (3)، والمشهور من المذهب إلغاء الشرط ولزوم الهبة وتأبيدها.

(1)

قوله «وَإِنْ قَالَ: سُكْنَاهَا لَكَ عُمُرَكَ، فَلَهُ أَخْذُهَا مَتَى شَاءَ»:

لأن السكنى ليست كالعمرى والرقبى، فلا يتملك من رخص له في سكناها لأنها عقد غير لازم كالعارية، واحتج لذلك بما رواه مالك بإسناد صحيح عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه ورث من حفصة بنت عمر أم المؤمنين رضي الله عنها دارها وكانت حفصة قد أسكنت بنت زيد بن الخطاب ما عاشت، فلما توفيت بنت زيد، قبض عبد الله بن عمر المسكن ورأى أنه له.
قلت: وذهب بعض أهل العلم أنه ليس لصاحب الدار أخذها إلا بعد وفاة المعمر لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ .. ﴾ (4)، وللنصوص الواردة في وجوب الوفاء بالوعد.

ذكر بعض الفوائد

:

  • الفائدة الأولى: للوالد أن يأخذ ويمتلك من مال ولده ما لا يضر الولد ولا يحتاجه لحديث عائشة رضي الله عنها عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إِنَّ أَطْيَبَ مَا أَكَلْتُمْ مِنْ كَسْبِكُمْ، وَإِنَّ أَوْلادَكُمْ مِنْ كَسْبِكُمْ» 110.106107108109

الجزء: 5 - الصفحة: 42

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =ولحديث «أَنْتَ وَمَالُكَ لأَبِيكَ» (1). لكن إذا كان ذلك يضر الولد أو يتعلق بحاجته فليس للأب أن يأخذ منه شيئاً لحديث «لا ضَرَرَ وَلا ضِرَارَ» (2)، وليس للولد مطالبة الأب بالدين لوجوب الإحسان إلى الوالدين ومنه عدم مطالبتهما بالدين.

  • الفائدة الثانية: لو شرط في الهبة عوضاً: فإنها لا تصبح هبة بل تصبح بيعاً مثل أن يقول وهبتك هذا الأمر على أن تعطيني كذا، فهنا يكون بيعاً وليس هبة، هذا أحد الأقوال في المسألة.
    وذهب جمهور الفقهاء إلى جواز اشترط العوض في الهبة.

الفائدة الثالثة: هل الصدقة أفضل أم الهبة؟

قال شيخ الإسلام -رحمه الله- 113 الصدقة أفضل من الهبة إلا أن يكون في الهبة معنى تكون به أفضل من الصدقة، مثل الإهداء لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - محبة له، ومثل الإهداء لقريب يصل بها الرحم، أو أخ له في الله، فهذا قد يكون أفضل من الصدقة.111112

الجزء: 5 - الصفحة: 43

بَابُ عَطِيَّةِ الْمَرِيْضِ

(1) تَبَرُّعَاتُ الْمَرِيْضِ مَرَضَ الْمَوْتِ الْمَخُوْفِ (2)،  الشرح:

(1)

قوله «بَابُ عَطِيَّةِ الْمَرِيْضِ»:

هذا الباب مرتبط بالذي قبله إذ العطية نوع من الهبة ولذا يسميه بعض الفقهاء «باب هبة المريض»، لكن جعل جمهور الفقهاء لعطية المريض أحكاماً تختص بها عن أحكام هبة الصحيح.
(2)

قوله «تَبَرُّعَاتُ الْمَرِيْضِ مَرَضَ الْمَوْتِ الْمَخُوْفِ»:

المريض حال مرضه له أحكام تختص به، فكما أن له أحكاماً في عباداته البدنية من صلاة وصيام وحج تختص به - كما هو معلوم وقد سبق بيانه في باب العبادات -، فكذلك في تصرفاته وتبرعاته فله أيضاً أحكام يختص بها، فليس المسلم المعافى كالمريض، وفي باب العطايا قسم الفقهاء المريض إلى قسمين: الأول: من مرضه غير مخوف.
... الثاني: من مرضه مخوف.
وقد بدأ المؤلف -رحمه الله- بهذا النوع الثاني في هذا الباب.
وقوله «مَرَضَ الْمَوْتِ الْمَخُوْفِ» أي مرض الموت الذي يخاف على صاحبه من هلاكه فيه، وقد ذكر الفقهاء بعض الأمراض التي يخاف منها على المريض فذكروا مثلاً «البرسام»، وهو بخار يرتقي إلى الرأس، ويؤثر في الدماغ، فيختل عقل صاحبه.
ومن ذلك أيضاً «ذات الجنب»، وهو قرح بباطن الجنب.
ووجع القلب والرئة ومنه «الرعاف الدائم»، فإنه يصفي الدم فيذهب القوة، وغير ذلك من الأمراض التي تخيف.
ومن الأمراض التي اكتشفت في الطب الحديث وهي مخيفة السرطان، =

الجزء: 5 - الصفحة: 44

وَمَنْ هُوَ فِي الْخَوْفِ كَالْمَرِيْضِ (1)، كَالْوَاقِفِ بَيْنَ الصَّفَّيْنِ عِنْدَ الْتِحَامِ الْقِتَالِ (2)،  =والايدز فإن الطب الحديث عجز عن الإتيان بالعلاج المناسب لها.
والمهم أننا نضع لذلك قاعدة عامة وهي أنه «متى قرر الأطباء أن هذا المرض مخوف فإننا نحكم بأنه مخوف»، وإن حكم الأطباء بأنه مرض غير مخوف فإنه يعتبر لقولهم، لأن المرد في هذه المسائل إلى الأطباء وأهل الخبرة».
وهذا الباب عقده العلماء لبيان جملة من الأحكام والمسائل المتعلقة بحقوق المريض - مرض الموت - المترتبة على أمواله من حيث التبرعات، فإذا وهب من ماله شيء فما حكم هبته؟ وإذا وصى فما حكم وصيته؟ وهكذا.

  • فائدة: ذكر بعض الفقهاء أن ما قاله طبيبان عدلان أنه مخوف فإنه يعتبر لقولهم، والأصوب أن يقال: إذا قال طبيب ماهر أن هذا المرض مخوف قبل قوله سواء كان مسلماً أو كافراً، فإن كان غير طبيب لكنه مقلد الطبيب أي أنه قد سمع من طبيب ماهر أن هذا المرض مخوف، فإنه على القول الراجح يؤخذ بقوله لأنه أخبر عن طبيب، كما أنه في المسائل الشرعية لو أخبر شخص عن عالم بأنه قال: هذا حرام، فإنه يقبل قوله إذا كان مقبول الخبر (1).

(1)

قوله «وَمَنْ هُوَ فِي الْخَوْفِ كَالْمَرِيْضِ»:

أي ويقاس على من كان مريضاً مرض مخوفاً ما كان لا يسلم منه الإنسان غالباً كالذي سيذكرهم المؤلف هنا.
(2)

قوله «كَالْوَاقِفِ بَيْنَ الصَّفَّيْنِ عِنْدَ الْتِحَامِ الْقِتَالِ»:

أي ويقاس على من كان مرضه مخوفاً الذي يقاتل بين الصفين وذلك عند اقتحام الحرب واختلاط الطائفتان بعضهم ببعض وقياس ذلك بالمريض لأن توقع التلف والهلاك متحقق فوجب أن يلحق به.114

الجزء: 5 - الصفحة: 45

وَمَنْ قُدِّمَ لِيُقْتَلَ (1)، وَرَاكِبِ الْبَحْرِ حَالَ هَيَجَانِهِ (2)، وَمَنْ وَقَعَ الطَّاعُوْنُ بِبَلَدِهِ إِذَا اتَّصَلَ بِهِمُ الْمَوْتُ (3)،  (1)

قوله «وَمَنْ قُدِّمَ لِيُقْتَلَ»:

سواء كان قتله قصاصاً أو لغيره فإنه يلحق بالمريض مرضاً مخوفاً في تصرفاته المالية التي سيذكرها المؤلف وذلك لأن التهديد بالقتل جعل إكراهاً يمنع وقوع الطلاق وصحة البيع ويبيح كثيراً من المحرمات، ولولا الخوف لم تثبت هذه الأحكام.
(2)

قوله «وَرَاكِبِ الْبَحْرِ حَالَ هَيَجَانِهِ»:

أي فإن كان ساكناً، فليس بمخوف، وإن اضطرب وهبت الريح العاصف، فهو مخوف كما قال تعالى عن المشركين ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوْا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ .. ﴾ (1)، فهم لم يدعوا ربهم إلا لحصول الخوف مما قد أحيط بهم من شدة الريح وظلمة البحر وغير ذلك مما يخيفهم، وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمْ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوْا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنْ الشَّاكِرِينَ﴾ (2). (3)

قوله «وَمَنْ وَقَعَ الطَّاعُوْنُ بِبَلَدِهِ إِذَا اتَّصَلَ بِهِمُ الْمَوْتُ»:

الطاعون: قيل أنه مرض معين يؤدي إلى الهلاك، فتاك منتشر، مثل الكوليرا، والمعروف أنها إذا وقعت في مكان تنتشر بسرعة، ومثلها أيضاً الحمى الشوكية التي تنتشر بسرعة وتؤدي إلى الهلاك، فهذه الأمراض المعدية تسمى طاعوناً حقيقية أو حكماً فعطايا هؤلاء في حكم عطايا المريض مرضاً مخوفاً فتكون عطاياه من الثلث كما سيأتي قريباً إن شاء الله.115116

الجزء: 5 - الصفحة: 46

حُكْمُهَا حُكْمُ وَصِيَّتِهِ فِي سِتَّةِ أَحْكَامٍ (1)، أَحَدُهَا: أَنَّهَا لا تَجُوْزُ لأَجْنَبِيٍّ؛ بِزِيَادَةٍ عَلَى الثُّلُثِ (2)، وَلا لِوَارِثٍ بِشَيْءٍ إِلاَّ بِإِجَازَةِ الْوَرَثَةِ (3)،  (1)

قوله «حُكْمُهَا حُكْمُ وَصِيَّتِهِ فِي سِتَّةِ أَحْكَامٍ»:

أي حكم هؤلاء المذكورين ومن كان على شاكلتهم إذا تبرعوا بتبرعات مالية وهم على هذه الحال ثم ماتوا بعد التبرع دون أن يفصل بين تبرعهم وبين وفاتهم وقت ذهب عنهم فيه الخوف من الموت، فهؤلاء حكم تبرعاتهم حكم وصية في أحوال ستة كما سيذكرها المؤلف.
(2)

قوله «أَحَدُهَا: أَنَّهَا لا تَجُوْزُ لأَجْنَبِيٍّ؛ بِزِيَادَةٍ عَلَى الثُّلُثِ»:

أي لا يجوز عطايا هؤلاء المذكورين آنفاً ومن كان في حكمهم لا تجوز عطاياهم أكثر من الثلث، فالأجنبي وهو من غير الورثة لا تجوز أكثر من الثلث إلا إذا أجازها الورثة.
(3)

قوله «وَلا لِوَارِثٍ بِشَيْءٍ إِلاَّ بِإِجَازَةِ الْوَرَثَةِ»:

أي وكذلك لا تجوز عطايا المريض مرضاً مخوفاً ومن كان على شاكلته ممن ذكرناهم أن يتبرعوا لوارث ولو أقل من الثلث، بل لو أدنى شيئاً لعموم قوله - صلى الله عليه وسلم - «لا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ» 117، ولما سيذكره المؤلف قريباً وهذا بإجماع أهل العلم.
ولذا نقول لهذا من كان مرضه مرضاً مخوفاً لا تتصدق بأكثر من ثلث تركتك لأجنبي، ولا تتصدق لوارث ولو بالشيء القليل، وهذا على سبيل التحريم وذلك لانتقال المال إلى الورثة.

الجزء: 5 - الصفحة: 47

لِمَا رُوِيَ أَنَّ رَجُلاً أَعْتَقَ سِتَّةَ مَمْلُوْكِيْنَ عِنْدَ مَوْتِهِ، لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرُهُمْ، فَدَعَا بِهِمُ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - فَجَزَّأَهُمْ أَثْلاثاً، فَأَعْتَقَ اثْنَيْنِ، وَأَرَقَّ أَرْبَعَةً (1). الثَّانِيْ: أَنَّ الْحُرِّيَّةَ تُجَمَعُ فِي بَعْضِ الْعَبِيْدِ بِالْقُرْعَةِ، إِذَا لَمْ يَفِ الثُّلُثُ بِالْجَمِيْعِ؛ لِلْخَبَرِ (2).  =ومن الأدلة على ذلك حديث سعد بن أبي وقاص أنه استاذن النبي - صلى الله عليه وسلم - - وكان مريضاً - أن يتصدق بثلثي ماله « .. قَالَ لا، قُلْتُ فَالشَّطْرُ، قَالَ: لا، قُلْتُ فَالثُّلُثُ، قَالَ الثُّلُثُ وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ»، يعني لا بأس بالثلث مع أنه كثير.

(1)

قوله «لِمَا رُوِيَ أَنَّ رَجُلاً أَعْتَقَ سِتَّةَ مَمْلُوْكِيْنَ عِنْدَ مَوْتِهِ، لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرُهُمْ، فَدَعَا بِهِمُ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - فَجَزَّأَهُمْ أَثْلاثاً، فَأَعْتَقَ اثْنَيْنِ، وَأَرَقَّ أَرْبَعَةً»:

هذا الحديث رواه مسلم من حديث عمران بن حصين، ورواه النسائي بلفظ «أَنَّ رَجُلاً أَعْتَقَ سِتَّةً مَمْلُوكِينَ لَهُ عِنْدَ مَوْتِهِ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرَهُمْ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم -، فَغَضِبَ مِنْ ذَلِكَ وَقَالَ: لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ لا أُصَلِّيَ عَلَيْهِ، ثُمَّ دَعَا مَمْلُوكِيهِ فَجَزَّأَهُمْ ثَلاثَةَ أَجْزَاءٍ، ثُمَّ أَقْرَعَ بَيْنَهُمْ، فَأَعْتَقَ اثْنَيْنِ وَأَرَقَّ أَرْبَعَةً» (1). (2)

قوله «الثَّانِيْ: أَنَّ الْحُرِّيَّةَ تُجَمَعُ فِي بَعْضِ الْعَبِيْدِ بِالْقُرْعَةِ، إِذَا لَمْ يَفِ الثُّلُثُ بِالْجَمِيْعِ؛ لِلْخَبَرِ»:

أي ومن الأحكام التي تشترك فيها العطية مع الوصية أن مريض الموت إذا أعتق عبداً من عبيده في حال مرضه فإن حكمه حكم الوصية، فلا يجوز منه إلا ثلث المال إلا أن يجيزه الورثة، وهذا قول جمهور الفقهاء، فإذا كان العتق لجماعة من العبيد ولم يحملهم الثلث، كمَّل العتق في بعضهم بالقرعة، فإذا كان له ستة أعبد تساوت قيمتهم، قيمة كل عبد ألف ريال، وثلث المريض أربعة ألاف ريال، جعلت كل اثنين منهم ثلثاً، وأقرعنا بينهم بسهم حرية وسهمي رق، فمن وقع لهما سهم الحرية عتق ورق =118

الجزء: 5 - الصفحة: 48

الثَّالِثُ: أَنَّهُ إِذَا أَعْتَقَ عَبْدًا غَيْرَ مُعَيَّنٍ، أَوْ مُعَيَّنًا فَأَشْكَلَ، أُخْرِجَ بِالْقُرْعَةِ (1)،  =الباقون، دليل ذلك ما رواه مسلم من حديث عمران بن حصين - رضي الله عنه - المتقدم أن رجلاً أعتق ستة مملوكين له عند موته، لم يكن له مال غيرهم، فدعا بهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فجزأهم أثلاثاً، ثم أقرع بينهم، فاعتق اثنين، وأرق أربعة، وقال له قولاً شديداً، وقد تقدم.

(1)

قوله «الثَّالِثُ: أَنَّهُ إِذَا أَعْتَقَ عَبْدًا غَيْرَ مُعَيَّنٍ، أَوْ مُعَيَّنًا فَأَشْكَلَ، أُخْرِجَ بِالْقُرْعَةِ»:

هذا هو الأمر الثالث التي تشترك فيه الوصية مع العطية من الأحكام، وخلاصته أنه إذا قام مريض الموت المخوف من هلاكه فقال أحد عبيدي حراً لوجه الله، أو عيَّن أحد عبيده فقال عبدي فلان حر وكان هناك من يماثله في الاسم أو الكنية فأشكل على الورثة من المقصود بالعتق، فهنا يخرج عن طريق القرعة، والقرعة العمل بها جائز بالكتاب والسنة، قال تعالى: ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنْ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ * فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنْ الْمُدْحَضِينَ﴾ 119، ومعنى ساهم: أي قارع، فكان من المغلوبين وقصته مشهورة، أما السنة فمن ذلك: 1 - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - «كان إِذَا أَرَادَ سَفَرًا أَقْرَعَ بَيْنَ نِسَائِهِ .. » 120. 2 - وأيضاً ما ثبت عن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ وَالصَّفِّ الأَوَّلِ ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إِلا أَنْ يَسْتَهِمُوا عَلَيْهِ لاسْتَهَمُوا .. » 121، ومعنى يستهموا: يعني يقترعوا، فالقرعة في اللغة السهم والنصيب.
=

الجزء: 5 - الصفحة: 49

الرَّابِعُ: أَنَّهُ يُعْتَبَرُ خُرُوْجُهَا مِنَ الثُّلُثِ حَالَ الْمَوْتِ (1)، فَلَوْ أَعْتَقَ عَبْدًا لا مَالَ لَهُ سِوَاهُ، أَوْ تَبَرَّعَ بِهِ، ثُمَّ مَلَكَ عِنْدَ الْمَوْتِ ضِعْفَ قِيْمَتِهِ، تَبَيَّنَا أَنَّهُ عَتَقَ كُلُّهُ حِيْنَ إِعْتَاقِهِ (2)، وَكَانَ مَا كَسَبَهُ بَعْدَ ذلِكَ لَهُ (3)، وَإِنْ صَارَ عَلَيْهِ دَيْنٌ يَسْتَغْرِقُهُ، لَمْ يَعْتِقْ مِنْهُ شَيْءٌ، وَلَمْ يَصِحَّ تَبَرُّعُهُ بِهِ (4)،  =فالحاصل أن القرعة يلجأ إليها عند الإشكال وعدم تمييز الحقوق، وهي إمارة عن إثبات حكم قطعاً للخصومة، أو لإزالة الإبهام.

(1)

قوله «الرَّابِعُ: أَنَّهُ يُعْتَبَرُ خُرُوْجُهَا مِنَ الثُّلُثِ حَالَ الْمَوْتِ»:

هذا هو الأمر الرابع الذي تشارك فيه العطية الوصية أن المعتبر عند خروجهما من الثلث حال الموت وذلك لأنه الحال الذي يحصل به الانتقال إلى الوارث والموصي له بوصية أو عطية.
(2)

قوله «فَلَوْ أَعْتَقَ عَبْدًا لا مَالَ لَهُ سِوَاهُ، أَوْ تَبَرَّعَ بِهِ، ثُمَّ مَلَكَ عِنْدَ الْمَوْتِ ضِعْفَ قِيْمَتِهِ، تَبَيَّنَا أَنَّهُ عَتَقَ كُلُّهُ حِيْنَ إِعْتَاقِهِ»:

جملة ما ذكره المؤلف هنا أنه إذا اعتق عبداً من لا يملك غيره أو تبرع به لغير الورثة وذلك حال مرضه المخوف ولا يملك سوى هذا العبد ثم ملك غيره وكان قدر ما ملكه ضعفي قيمة العبد فإن العبد يعتق كله في هذه الحالة، لأن قيمته حين إعتاقه أصبحت ثلث التركة، والوصية والعطية تكون بالثلث على ما تقدم، فهذا العبد الذي عتق أصبح حراً لخروجه عن الثلث عند الموت.
(3)

قوله «وَكَانَ مَا كَسَبَهُ بَعْدَ ذلِكَ لَهُ»:

أي يكون ما كسبه العبد بعد عتقه وقبل الجزم بأنه حراً ملكا له لأنه تبين أنه في هذه المدة حر، والحر يملك ما كسب.
(4)

قوله «وَإِنْ صَارَ عَلَيْهِ دَيْنٌ يَسْتَغْرِقُهُ، لَمْ يَعْتِقْ مِنْهُ شَيْءٌ، وَلَمْ يَصِحَّ تَبَرُّعُهُ بِهِ»: أي فإن كان على المتبرع في مرض الموت المخوف أو كان قد أوصى من=

الجزء: 5 - الصفحة: 50

وَلَوْ وَصَّى بِشَيْءٍ، فَلَمْ يَأْخُذْهُ الْمُوْصَى لَهُ زَمَانًا، قُوِّمَ عَلَيْهِ وَقْتَ الْمَوْتِ لا وَقْتَ الأَخْذِ (1). الْخَامِسُ (2): أَنَّ كَوْنَهُ وَارِثًا يُعْتَبَرُ حَالَةَ الْمَوْتِ فِيهِمَا (3)،  =ماله بشيء لكن كان عليه ديون تستغرق هذا المال فإنه لا يعمل بالوصية ولا العطية وذلك لأن الدين يقدم عليها، دليل ذلك ما رواه البخاري معلقاً والترمذي وغيرهم عن علي - رضي الله عنه - «أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - قَضَى بِالدَّيْنِ قَبْلَ الْوَصِيَّةِ» (1)، وعلى ذلك إن أوصى فقال بأن يعتق عبدي فلان، أو قال أنا متبرع بهذا العبد لفلان وكانت ديونه تستغرق قيمة هذا العبد فإنه لا عبرة بوصيته لأن الدين مقدم على الوصية وعلى الورثة.

(1)

قوله «وَلَوْ وَصَّى بِشَيْءٍ، فَلَمْ يَأْخُذْهُ الْمُوْصَى لَهُ زَمَانًا، قُوِّمَ عَلَيْهِ وَقْتَ الْمَوْتِ لا وَقْتَ الأَخْذِ»:

أي لو أوصى شخص في مرض موته بعطاء لشخص فلم يأخذه حتى توفى الموصي، فإن الموصي له يستحق العطاء بقيمته وتكون القيمة بوقت الموصي لأنه وقت نفاد الوصية ولأن الاعتبار بقيمة الموصي به وخروجه من الثلث وعدم خروجه منه بحالة موت الموصي لأنها حال لزوم الوصية، فإن كان الموصي به وقت الموت ثلث التركة في القيمة أو دونه نفذت الوصية واستحقه الموصي له.
(2)

قوله «الْخَامِسُ»:

أي الحكم الخامس الذي تشارك فيه العطية الوصية.
(3)

قوله «أَنَّ كَوْنَهُ وَارِثًا يُعْتَبَرُ حَالَةَ الْمَوْتِ فِيهِمَا»:

أي أن المعتبر في الوصية والعطية هو النظر إلى حال الموصي له والمعطى في مرض الموت هو حال =122

الجزء: 5 - الصفحة: 51

فَلَوْ أَعْطَى أَخَاهُ أَوْ وَصَّى لَهُ وَلا وَلَدَ لَهُ (1)، فَوُلِدَ لَهُ ابْنٌ (2)، صَحَّتِ الْعَطِيَّةُ وَالْوَصِيَّةُ (3)، وَلَوْ كَانَ لَهُ ابْنٌ فَمَاتَ، بَطَلَتَا (4). السَّادِسُ (5): أَنَّهُ لا يُعْتَبَرُ رَدُّ الْوَرَثَةِ وَإِجَازَتُهُمْ إِلاَّ بَعْدَ الْمَوْتِ فِيهِمَا (6)،  =الموت لا حالة العطية أو الوصية فهل الموصي له أو من له عطاء من قبل مريض مرض الموت هل هو وارث فلا يستحق العطية أو الوصية أم غير وارث فيستحقهما.

(1)

قوله «فَلَوْ أَعْطَى أَخَاهُ أَوْ وَصَّى لَهُ وَلا وَلَدَ لَهُ»:

أي ولا ولد للمعطي ولا للموصي وقت العطية ولا الوصية.
(2)

قوله «فَوُلِدَ لَهُ ابْنٌ»:

أي ولد للمعطي أو الموصي قبل وفاته ابناً، ويشترط أن يكون ذكراً لأن البنت لا تحجب الأخ عن الميراث، فهنا يكون حكم العطية أو الوصية ما ذكره المؤلف حيث قال: (3)

قوله «صَحَّتِ الْعَطِيَّةُ وَالْوَصِيَّةُ»:

أي نفذت العطية، والوصية لأن الموصي له أو المعطي ليس وارثاً وقت وفاة الموصي أو المعطي وذلك لأن الابن حجب الأخ عن الميراث فصحت له الوصية أو العطية كغيره من غير الورثة.
(4)

قوله «وَلَوْ كَانَ لَهُ ابْنٌ فَمَاتَ، بَطَلَتَا»:

أي فإن كان المعُطِي أو الموصِي له ابن وقت وصيته أو عطيته فمات الابن قبل وفاة أبيه ثم مات الأب فهنا لم تصح العطية أو الوصية لأن الأخ هنا صار وارثاً ولا وصية لوارث كما سبق.
(5)

قوله «السَّادِسُ»:

أي الحكم السادس الذي توافق فيه العطية الوصية.
(6)

قوله «أَنَّهُ لا يُعْتَبَرُ رَدُّ الْوَرَثَةِ وَإِجَازَتُهُمْ إِلاَّ بَعْدَ الْمَوْتِ فِيهِمَا»:

أي إن أجازة الورثة وردهم للوصية أو العطية إن كانت لأحد الورثة أو كانت بأكثر من الثلث لأجنبي فإنه لا اعتبار لهذا الرد ولا اعتبار لإجازتهم لها إلا بعد=

الجزء: 5 - الصفحة: 52

وَتُفَارِقُ الْوَصِيَّةُ الْعَطِيَّةَ فِي أَحْكَامٍ أَرْبَعَةٍ (1):  =موت المعطي أو الموصي، أما قبل ذلك فليس لهم ذلك لأن المال ملك للمعطي أو الموصي وملكهم لهذا المال لا يكون إلا بعد موته، فإذا ملكوه جازت تصرفاتهم فيه بالرد أو الإجازة وغير ذلك.
وهناك قول آخر في هذا الشرط أنه إذا كان مريضاً مرضاً مخوفاً فإن إجازتهم جائزة وذلك لانعقاد السبب أنهم يرثون هذا المال والسبب هو مرض الموت، فإذا رضوا بما زاد عن الثلث قبل الموت فإن رضاهم معتبر، ولا يحق لهم الرجوع بعد ذلك، ويدل لهذا القول أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر من أراد أن يبيع أن يعرض على شريكه ليأخذ أو يدع، فإن هذا يدل على أنه متى وجد السبب وإن لم يوجد الشرط فإن الحكم المعلق بهذا السبب نافذ.
ويدل لذلك أيضاً أن الرجل لو حلف على يمين فأراد الحنث وأخرج الكفارة قبل الحنث فإن ذلك جائز لوجود السبب، وهذا ما رجحه شيخ الإسلام (1) وشيخنا -رحمه الله- (2).

(1)

قوله «وَتُفَارِقُ الْوَصِيَّةُ الْعَطِيَّةَ فِي أَحْكَامٍ أَرْبَعَةٍ»:

بدأ المؤلف هنا ببيان ما تفارق به الوصية العطية من أحكام، لكن ما الفرق بين الوصية والعطية من حيث التعريف؟ نقول بأن الوصية هي إيصال المال بعد الموت كأن يقول الموصي إذا مت فأعطوا فلاناً من مالي كذا، أو إذا أنا مت فاجعلوا ثلث مالي للفقراء والمساكين وبناء المساجد وغير ذلك، أما العطية فهي تبرع بالمال في مرض=123124

الجزء: 5 - الصفحة: 53

أَنَّ الْعَطِيَّةَ تَنْفُذُ مِنْ حِيْنِهَا (1)، فَلَوْ أَعْتَقَ عَبْدًا أَوْ أَعْطَاهُ إِنْسَانًا، صَارَ الْمُعْتَقُ حُرًّا، وَمَلَكَهُ الْمُعْطَى وَكَسْبُهُ لَهُ (2)،  =الموت، وقد سبق بيان بعض أحكامها.
فالوصية والعطية يشتركان في الأحكام التي سبقت، ثم ليعلم أن العطية حال الصحة أفضل من العطية حال المرض، بل أفضل كذلك من الوصية، دليل ذلك ما جاء عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قَالَ رَجُلٌ لِلنَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - يَا رَسُولَ اللَّهِ «أَيُّ الصَّدَقَةِ أَفْضَلُ قَالَ أَنْ تَصَدَّقَ وَأَنْتَ صَحِيحٌ حَرِيصٌ تَأْمُلُ الْغِنَى وَتَخْشَى الْفَقْرَ وَلَا تُمْهِلْ حَتَّى إِذَا بَلَغَتْ الْحُلْقُومَ قُلْتَ لِفُلانٍ كَذَا وَلِفُلانٍ كَذَا وَقَدْ كَانَ لِفُلانٍ» (1) , وقول المؤلف «وَتُفَارِقُ الْوَصِيَّةُ الْعَطِيَّةَ فِي أَحْكَامٍ أَرْبَعَةٍ» ظاهر كلام المؤلف الحصر، ولكن كما سيأتي - إن شاء الله - أن هناك بعض الأحكام الأخرى التي تفارق فيها الوصية العطية.

(1)

قوله «أَنَّ الْعَطِيَّةَ تَنْفُذُ مِنْ حِيْنِهَا»:

هذا أول ما تفارق فيه الوصية العطية، وهو أن قبول العطية ينفذ من حين التبرع، وهو حال حياة المعطي لأنها تصرف في الحال، بخلاف الوصية فلا حكم لقبولها أو ردها إلا بعد موت الموصي، ثم ضرب المؤلف مثالاً لهذا الفارق فقال: (2)

قوله «فَلَوْ أَعْتَقَ عَبْدًا أَوْ أَعْطَاهُ إِنْسَانًا، صَارَ الْمُعْتَقُ حُرًّا، وَمَلَكَهُ الْمُعْطَى وَكَسْبُهُ لَهُ»:

أي إذا أعتق المعطي عبداً فإنه يصير حراً من حين إعتاقه مباشرة لأنه عتق، وكذلك إذا أعطاه لشخص فإنه يصير هذا العبد المعطي لهذا الشخص ملكاً له بعد إعطائه له مباشرة لأن العطية تمليك مباشر، مباشرة=125

الجزء: 5 - الصفحة: 54

وَلَوْ وَصَّى بِهِ (1)، أَوْ دَبَّرَهُ (2)، لَمْ يَعْتِقْ، وَلَمْ يَمْلِكْهُ الْمُوْصَى لَهُ إِلاَّ بَعْدَ الْمَوْتِ (3) وَمَا كَسَبَ أَوْ حَدَثَ فِيهِ مِنْ نَمَاءٍ مُنْفَصِلٍ، فَهُوَ لِلْوَرَثَةِ (4). الثَّانِيْ: أَنَّ الْعَطِيَّةَ يُعْتَبَرُ قَبُوْلُهَا وَرَدُّهَا حِيْنَ وُجُوْدِهَا (5)،  =يكون ملكاً له لأنه أصبح حراً فما كان من كسبه فهو له، وكذلك ما يكسبه بعد إعطائه للشخص الأخر فإنه يكون للشخص الأخر أي ملكاً لمن أعطيه.
هذا بخلاف الوصية فإن ذلك لا يكون إلا بعد موت الموصي كما سيذكر ذلك المؤلف.
(1) قوله «وَلَوْ وَصَّى بِهِ»: أي لو وصى الموصي بهذا العبد فقال إذا مت فهو لفلان.
(2) قوله «أَوْ دَبَّرَهُ»: أي قال إذا مت فهو حر.

(3)

قوله «لَمْ يَعْتِقْ، وَلَمْ يَمْلِكْهُ الْمُوْصَى لَهُ إِلاَّ بَعْدَ الْمَوْتِ»:

وقد سبق الإشارة لذلك فلا تحصل ملكية العبد للموصي له ولا يصير حراً إلا بعد موت الموصي.
(4)

قوله «وَمَا كَسَبَ أَوْ حَدَثَ فِيهِ مِنْ نَمَاءٍ مُنْفَصِلٍ، فَهُوَ لِلْوَرَثَةِ»:

أي وما حصل من كسب للعبد أو حصل فيه نماء كأن تكون أمة فتلد فيكون الكسب والنماء المنفصل للورثة، لأن ذلك ملك للسيد إلى حين موته فما كسبه في هذه المدة أو حصل فيه نماء منفصل فهو له وجزء من ماله يتقاسم فيه الورثة بعد موت الموصي.
(5)

قوله «الثَّانِيْ: أَنَّ الْعَطِيَّةَ يُعْتَبَرُ قَبُوْلُهَا وَرَدُّهَا حِيْنَ وُجُوْدِهَا»:

هذا هو الأمر الثاني التي تفارق فيه العطية والوصية، ومعناه أنه يعتبر أنه يقبل المعطي العطية عند وجودها قبل موت المعطي، فإذا أعطاه العطية فإنه يقبل في الحال، لكن يراعي في ذلك الشروط المعتبرة في الهبة لأنها هبة مُنَّجزة.

الجزء: 5 - الصفحة: 55

كَعَطِيَّةِ الصَّحِيْحِ (1)، وَالْوَصِيَّةُ لا يُعْتَبَرُ قَبُوْلُهَا وَلا رَدُّهَا إِلاَّ بَعْدَ مَوْتِ الْمُوْصِيْ (2). الثَّالِثُ: أَنَّهَا تَقَعُ لازِمَةً، لا يَمْلِكُ الْمُعْطِيْ الرُّجُوْعَ فِيهَا (3) وَالْوَصِيَّةُ لَهُ الرُّجُوْعُ فِيهَا مَتَى شَاءَ (4).  (1)

قوله «كَعَطِيَّةِ الصَّحِيْحِ»:

وذلك لأن العطية كما سبق هبة منجزة فاعتبر لصحتها أن يقبلها الموهوب عند وجودها، كما في عطية غير المريض.
(2)

قوله «وَالْوَصِيَّةُ لا يُعْتَبَرُ قَبُوْلُهَا وَلا رَدُّهَا إِلاَّ بَعْدَ مَوْتِ الْمُوْصِيْ»:

أي بخلاف الوصية فالوصية لا يثبت الملك للموصي له من حين تم عقد الوصية، بل لا يكون قبولها ولا ردها إلا بعد موت الموصي حتى لو قال الموصي: إني أوصيت لك هذا البيت أو هذه السيارة وغير ذلك بعد موتي ملكاً لك، فقال الموصي له قبلت منك ذلك وجزاك الله خيراً ثم ذهب إلى كتابة العدل ثم كتب ما أوصى به وجعل له صكاً بذلك فإن له الرجوع فيه لأنها وصية لا يتم الملك إلا بعد موت الموصي.
(3)

قوله «الثَّالِثُ: أَنَّهَا تَقَعُ لازِمَةً، لا يَمْلِكُ الْمُعْطِيْ الرُّجُوْعَ فِيهَا»:

هذا هو الفارق الثالث بين العطية والوصية وهو أن العطية تنفيذ، فيثبت الملك فيها من حين العطية، لأنها كما سبق تمليك في الحال وقد قال - صلى الله عليه وسلم - «الْعَائِدُ فِي هِبَتِهِ كَالْكَلْبِ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ لَيْسَ لَنَا مَثَلُ السَّوْءِ» 126، فليس للمعطي أن يرجع في عطيته، أما الوصية فقد قال المؤلف.
(4) قوله -رحمه الله- «وَالْوَصِيَّةُ لَهُ الرُّجُوْعُ فِيهَا مَتَى شَاءَ»: أي أما الوصية فيملك الموصي الرجوع فيها، فلو قال هذا البيت بعد موتي لفلان ملكاً له، ثم رجع فإنه يجوز، لأن الوصية لا تلزم إلا بعد الموت وقد سبق الإشارة إلى ذلك.

الجزء: 5 - الصفحة: 56

الرَّابِعُ: أَنَّهُ يَبْدَأُ بِالأَوَّلِ فَالأَوَّلِ مِنْهَا إِذَا ضَاقَ الثُّلُثُ عَنْ جَمِيْعِهَا (1)، وَالْوَصِيَّةُ يُسَوَّى بَيْنَ الأَوَّلِ وَالآخِرِ مِنْهُ، وَيَدْخُلُ النَّقْصُ عَلَى وَاحِدٍ بِقَدْرِ وَصِيَّتِهِ (2)،  (1)

قوله «الرَّابِعُ: أَنَّهُ يَبْدَأُ بِالأَوَّلِ فَالأَوَّلِ مِنْهَا إِذَا ضَاقَ الثُّلُثُ عَنْ جَمِيْعِهَا»:

هذا هو الفارق الرابع بين العطية والوصية، فالعطية إذا كانت في أزمنة مختلفة وعجز الثلث عن جميعها بدأ بالأول فالأول لأن الأول في العطية راجح على ما بعده، لسبقه له في الاستحقاق.
مثال ذلك: رجل أعطى عطايا لأشخاص ثلاثة فأعطى شخصاً ألف ريال، وأعطى الثاني ألفي ريال، وأعطى الثالث ثلاثة آلاف ريال، فيكون مجموع العطايا ستة آلاف ريال ثم توفي الرجل ولم يكن له في تركته إلا تسعة آلاف ريال، وقد سبق أن العطايا لا تجوز بأكثر من الثلث وهنا زادت العطايا عن الثلث فماذا نصنع؟ نقول: نعطي الأول فالأول، فنعطي الأول ألف ريال، والثاني ألفي ريال، والثالث لا شيء له لأن التركة تسعة ألاف ثلثها ثلاثة آلاف، والثلاثة استوعبتها عطية الأول والثاني فلا يكون للثالث شيء.
فالحاصل أن العطايا يجاز منها بقدر الثلث، ثم يلغي الباقي.

(2)

قوله «وَالْوَصِيَّةُ يُسَوَّى بَيْنَ الأَوَّلِ وَالآخِرِ مِنْهُ، وَيَدْخُلُ النَّقْصُ عَلَى وَاحِدٍ بِقَدْرِ وَصِيَّتِهِ»:

أي أما الوصية فهي بخلاف ذلك، بل يسوى فيها بين الأول والآخر، ونضرب مثالاً للتقريب على نحو المثال السابق، رجل أوصى لثلاثة أشخاص فأوصى للأول بألف ريال، والثاني بألفي ريال، والثالث بثلاثة آلاف ريال، وترك تركة قدرها تسعة آلاف ريال، فإن وزعت على الموصي لهم استغرقت الوصية جميع ماله ومعلوم أن الوصية لا تجوز بأكثر من =

الجزء: 5 - الصفحة: 57

سَوَاءٌ كَانَ فِيهَا عِتْقٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ (1)، وَكَذلِكَ الْحُكْمُ فِي الْعَطَايَا إِذَا وَقَعَتْ دُفْعَةً وَاحِدَةً (2).  =الثلث، فهنا نوزع الوصية على النحو التالي: 1 - نرد الوصايا إلى الثلث، وندخل النقص على الجميع.
2 - لا نقدم الأول على الثاني كما فعلنا في العطايا.
3 - يكون التوزيع بينهم على النصف مما أوصى له به، لأن نسبة الثلث إلى مجموع الوصايا النصف فنعطي صاحب الألف خمسمائة، وصاحب الألفين ألفاً، وصاحب الثلاثة آلاف ألفاً وخمسمائة، فيكون الجميع ثلاثة آلاف، وهي الثلث.

(1)

قوله «سَوَاءٌ كَانَ فِيهَا عِتْقٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ»:

أي إذا أوصى من جملة وصاياه بعتق عبد من عبيده بعد وفاته فإنه يسوي بين العتق وبين هذه الوصايا، ويدخل النقص عليها جميعاً فيعتق من العبد بقدر نسبته، وينفذ من كل وصية بقدر نسبتها، لأن العتق المعلق بالموت يسوي بينه وبين بقية الوصايا.
(2)

قوله «وَكَذلِكَ الْحُكْمُ فِي الْعَطَايَا إِذَا وَقَعَتْ دُفْعَةً وَاحِدَةً»:

أي وكذلك العطايا إذا أعطى عطايا جملة واحدة فقال لفلان كذا ولفلان كذا وعبدي فلان حر، فهنا يكون الحكم فيها كالحكم في الوصية، فيعطى كل واحد منهم بحسبه، فتوزع العطايا بقدر الثلث على الجميع لأنه ليس هناك سابق ولاحق، بل جميع العطايا وقعت دفعة واحدة كما سبق.
هذا أخر ما ذكر المؤلف في الأمور التي تخالف فيها العطية الوصية.
لكن هناك بعض الفوارق الأخرى بينهما فمن ذلك: 1 - أن الوصية تصح للحمل والعطية لا تصح، وذلك لأن الحمل لا يملك، =

الجزء: 5 - الصفحة: 58

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =فإذا أعطيته لم يملك ولا يصح أن يتملك له والداه لأن الحمل ليس أهلاً للتملك، والعطية لا بد أن يكون الملك فيها ناجزاً.
2 - أن العبد المدبَّر يصح أن يوصي له، ولا تصح له العطية.
مثاله: رجل عنده عبد مدبّر - وهو الذي علق عتقه بموت سيده.
فقال له: إذا مت فأنت حر، فهذا مدبر - فيصح أن يوصي لعبده المدبر - لأن الوصية تصادف العبد وقد عتق وإذا عتق صح أن يملك، بخلاف أن يعطي عبده بناءاً على أن العبد لا يملك بالتمليك والعطية لا بد أن يتملكها في حينها.
3 - العطية خاصة بالمال، والوصية تكون بالمال والحقوق، ولذلك يصح أن يوصي شخصاً ليكون ناظراً على وقفه، أما العطية فهي خاصة بالمال.
4 - الوصية تصح بالمعجوز عنه والعطية لا تصح، فلو أعطى شيئاً معجوزاً عنه كجمل شارد وعبد آبق وما شابه ذلك، فإنها لا تصح على المشهور من المذهب، وقد سبق أن الراجح أنها تصح، لأن المعطي إما أن يغنم وإما أن يسلم وليس فيه مراهنة، لكن على المذهب لا تصح العطية بالمعجوز عنه وتصح الوصية، والفرق أن الوصية لا يشترط تملكها في الحال، فربما يقدر عليها فيما بين الوصية والموت.
5 - الوصية لها جزء معين أن يكون به وهو الخمس أو الربع والثلث، والعطية لا فلا نقول: يسن أن تعطي الخمس أو الربع.
6 - الوصية تصح من المحجور عليه، ولا تصح العطية.
مثاله: رجل عليه ديون أكثر من ماله، مثلاً عليه عشرة آلاف ريال وماله ثمانية آلاف ريال، وحجر عليه، فلا يمكن أن يعطي أحداً من هذه الثمانية، لأنه=

الجزء: 5 - الصفحة: 59

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  = محجور عليه، فهذه العطية تبرع يتضمن إسقاط واجبه، والتبرع الذي يتضمن إسقاط واجب غير صحيح، لكن لو أوصى بعد موته بألفي ريال فإنه يجوز.
والفرق أن الوصية لا تنفذ إلا بعد قضاء الدين، وليس على أهل الدين ضرر إذا أوصى بشيء من ماله، لأنه إذا مات الميت نبدأ أولاً بتجهيزه، ثم بالديون التي عليه، ثم بعد ذلك بالوصية.

الجزء: 5 - الصفحة: 60

فصول الكتاب · 25 فصل
فصول وبل الغمامة في شرح عمدة الفقه لابن قدامة
المقدمةالمقدمةكِتَابُ الصَّلاةِكتاب الجنائزكِتَابُ الزَّكَاةِكِتَابُ الصِّيَامِكتاب الحجكِتَابُ الْبَيْعِكِتَابُ الْوَقْفِ
قوله «كِتَابُ الْوَقْفِ»:قوله «وَهُوَ: تَحْبِيْسُ الأَصْلِ، وَتَسْبِيْلُ الثَّمَرَةِ»:قوله «وَيَجُوْزُ فِي كُلِّ عَيْنٍ يَجُوْزُ بَيْعُهَا»:قوله «وَيُنْتَفَعُ بِهَا دَائِمًا مَعَ بَقَائِهَا، وَلا يَصِحُّ فِي غَيْرِ ذلِكَ»:قوله «مِثْلُ الأَثْمَانِ وَالْمَطْعُوْمَاتِ وَالرِّيَاحِيْنَ»:قوله «وَلا يَصِحُّ إِلاَّ عَلَى بِرٍّ أَوْ مَعْرُوْفٍ»:قوله «وَيَصِحُّ الْوَقْفُ بِالْقَوْلِ وَالْفِعْلِ الدَّالِّ عَلَيْهِ»:قوله «مِثْلُ أَنْ يَبْنِيَ مَسْجِدًا وَيَأْذَنَ لِلنَّاسِ بِالصَّلاةِ فِيهِ، أَوْ سِقَايَةً وَيُشَرِّعَهَا لِلنَّاسِ»:قوله «وَلا يَجُوْزُ بَيْعُهُ إِلاَّ أَنْ تَتَعَطَّلَ مَنَافِعُهُ بِالْكُلِّيَةِ»:قوله «فَيُبَاعُ وَيُشْتَرَى بِهِ مَا يَقُوْمُ مَقَامَهُ»:قوله «وَالْفَرَسُ الْحَبِيْسُ إِذَا لَمْ يَصْلُحْ لِلْغَزْوِ، بِيْعَ وَاشْتُرِيَ بِهِ مَا يَصْلُحُ لِلْغَزْوِ»:قوله «وَالْمَسْجِدُ إِذَا لَمْ يَنْتَفِعُ بِهِ فِي مَكَانِهِ، بِيْعَ وَنُقِلَ إِلَى مَكَانٍ يَنْتَفِعُ بِهِ»:قوله «وَيُرْجَعُ فِي الْوَقْفِ وَمَصْرِفِهِ وَشُرُوْطِهِ وَتَرْتِيْبِهِ»:قوله «وَإِدْخَالِ مَنْ شَاءَ بِصِفَةٍ أَوْ إِخْرَاجِهِ بِهَا إِلَى لَفْظِ الْوَاقِفِ»:قوله «وَكَذلِكَ النَّاظِرُ فِيهِ»:قوله «وَالنَّفَقَةُ عَلَيْهِ»:إذا لم يعين الواقف للناظر أجرةقوله «فَلَوْ وَقَفَ عَلَى وَلَدِ فُلانٍ ثُمَّ عَلَى الْمَسَاكِيْنِ، كَانَ الذَّكَرُ وَالأُنْثَى بِالسَّوِيَّةِ»:قوله «إِلاَّ أَنْ يُفَضِّلَ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ، فَإِذَا لَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ أَحَدٌ رَجَعَ عَلَى الْمَسَاكِيْنِ»:قوله «وَمَتَى كَانَ الْوَقْفُ عَلَى مَنْ يُمْكِنُ حَصْرُهُمْ»:قوله «لَزِمَ اسْتِيْعَابُهُمْ بِهِ، وَالتَّسْوِيَّةُ بَيْنَهُمْ إِذَا لَمْ يُفَضِّلْ بَعْضَهُمْ»:قوله «وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ حَصْرُهُمْ، جَازَ تَفْضِيْلُ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ، وَتَخْصِيْصُ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِهِ»:ذكر بعض الفوائد المتعلقة بالوقفالفائدة الثامنة: الفرق بين الوقف والوصيةبَابُ الْهِبَةِقوله «بَابُ الْهِبَةِ»:قوله «وَهِيَ: تَمْلِيْكُ الْمَالِ فِي الْحَيَاةِ بِغَيْرِ عِوَضٍ»:ذكر بعض الفوائدقوله «وَتَصِحُّ بِالإِيْجَابِ وَالْقَبُوْلِ»:قوله «وَالْعَطِيَّةِ الْمُقْتَرِنَةِ بِمَا يَدُلُّ عَلَيْهَا»:قوله «وَتَلْزَمُ بِالْقَبْضِ»:ذكر بعض الفوائدقوله «وَالْمَشْرُوْعُ فِي عَطِيَّةِ الأَوْلادِ التَّسْوِيَّةُ بَيْنَهُمْ عَلَى قَدْرِ مِيْرَاثِهِمْ»:ذكر بعض الفوائد- الفائدة الرابعة: إذا كان أحد الأبناء كافراً بردة،الفائدة الخامسة: التسوية بين الأولاد على قدر إرثهم- الفائدة السابعة: إذا كان أحد الأبناء يحتاج ما لا يحتاجه غيرهقوله «لِقَوْلِ رَسُوْلِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: اتَّقُوْا اللهَ وَاعْدِلُوْا بَيْنَ أَوْلادِكُمْ»قوله «وَإِذَا قَالَ لِرَجُلٍ: أَعْمَرْتُكَ دَارِيْ، أَوْ: هِيَ لَكَ عُمُرَكَ، فَهِيَ لَهُ وَلِوَرَثَتِهِ مِنْ بَعْدِه»:حكم هذه الأنواع الثلاثةقوله «وَإِنْ قَالَ: سُكْنَاهَا لَكَ عُمُرَكَ، فَلَهُ أَخْذُهَا مَتَى شَاءَ»:ذكر بعض الفوائدالفائدة الثالثة: هل الصدقة أفضل أم الهبة؟بَابُ عَطِيَّةِ الْمَرِيْضِقوله «بَابُ عَطِيَّةِ الْمَرِيْضِ»:قوله «تَبَرُّعَاتُ الْمَرِيْضِ مَرَضَ الْمَوْتِ الْمَخُوْفِ»:قوله «وَمَنْ هُوَ فِي الْخَوْفِ كَالْمَرِيْضِ»:قوله «كَالْوَاقِفِ بَيْنَ الصَّفَّيْنِ عِنْدَ الْتِحَامِ الْقِتَالِ»:قوله «وَمَنْ قُدِّمَ لِيُقْتَلَ»:قوله «وَرَاكِبِ الْبَحْرِ حَالَ هَيَجَانِهِ»:قوله «وَمَنْ وَقَعَ الطَّاعُوْنُ بِبَلَدِهِ إِذَا اتَّصَلَ بِهِمُ الْمَوْتُ»:قوله «حُكْمُهَا حُكْمُ وَصِيَّتِهِ فِي سِتَّةِ أَحْكَامٍ»:قوله «أَحَدُهَا: أَنَّهَا لا تَجُوْزُ لأَجْنَبِيٍّ؛ بِزِيَادَةٍ عَلَى الثُّلُثِ»:قوله «وَلا لِوَارِثٍ بِشَيْءٍ إِلاَّ بِإِجَازَةِ الْوَرَثَةِ»:قوله «الثَّانِيْ: أَنَّ الْحُرِّيَّةَ تُجَمَعُ فِي بَعْضِ الْعَبِيْدِ بِالْقُرْعَةِ، إِذَا لَمْ يَفِ الثُّلُثُ بِالْجَمِيْعِ؛ لِلْخَبَرِ»:قوله «الثَّالِثُ: أَنَّهُ إِذَا أَعْتَقَ عَبْدًا غَيْرَ مُعَيَّنٍ، أَوْ مُعَيَّنًا فَأَشْكَلَ، أُخْرِجَ بِالْقُرْعَةِ»:قوله «الرَّابِعُ: أَنَّهُ يُعْتَبَرُ خُرُوْجُهَا مِنَ الثُّلُثِ حَالَ الْمَوْتِ»:قوله «فَلَوْ أَعْتَقَ عَبْدًا لا مَالَ لَهُ سِوَاهُ، أَوْ تَبَرَّعَ بِهِ، ثُمَّ مَلَكَ عِنْدَ الْمَوْتِ ضِعْفَ قِيْمَتِهِ، تَبَيَّنَا أَنَّهُ عَتَقَ كُلُّهُ حِيْنَ إِعْتَاقِهِ»:قوله «وَكَانَ مَا كَسَبَهُ بَعْدَ ذلِكَ لَهُ»:قوله «وَإِنْ صَارَ عَلَيْهِ دَيْنٌ يَسْتَغْرِقُهُ، لَمْ يَعْتِقْ مِنْهُ شَيْءٌ، وَلَمْ يَصِحَّ تَبَرُّعُهُ بِهِ»: أي فإن كان على المتبرع في مرض الموت المخوف أو كان قد أوصى من=قوله «وَلَوْ وَصَّى بِشَيْءٍ، فَلَمْ يَأْخُذْهُ الْمُوْصَى لَهُ زَمَانًا، قُوِّمَ عَلَيْهِ وَقْتَ الْمَوْتِ لا وَقْتَ الأَخْذِ»:قوله «الْخَامِسُ»:قوله «أَنَّ كَوْنَهُ وَارِثًا يُعْتَبَرُ حَالَةَ الْمَوْتِ فِيهِمَا»:قوله «فَلَوْ أَعْطَى أَخَاهُ أَوْ وَصَّى لَهُ وَلا وَلَدَ لَهُ»:قوله «فَوُلِدَ لَهُ ابْنٌ»:قوله «صَحَّتِ الْعَطِيَّةُ وَالْوَصِيَّةُ»:قوله «وَلَوْ كَانَ لَهُ ابْنٌ فَمَاتَ، بَطَلَتَا»:قوله «السَّادِسُ»:قوله «أَنَّهُ لا يُعْتَبَرُ رَدُّ الْوَرَثَةِ وَإِجَازَتُهُمْ إِلاَّ بَعْدَ الْمَوْتِ فِيهِمَا»:قوله «وَتُفَارِقُ الْوَصِيَّةُ الْعَطِيَّةَ فِي أَحْكَامٍ أَرْبَعَةٍ»:قوله «أَنَّ الْعَطِيَّةَ تَنْفُذُ مِنْ حِيْنِهَا»:قوله «فَلَوْ أَعْتَقَ عَبْدًا أَوْ أَعْطَاهُ إِنْسَانًا، صَارَ الْمُعْتَقُ حُرًّا، وَمَلَكَهُ الْمُعْطَى وَكَسْبُهُ لَهُ»:قوله «لَمْ يَعْتِقْ، وَلَمْ يَمْلِكْهُ الْمُوْصَى لَهُ إِلاَّ بَعْدَ الْمَوْتِ»:قوله «وَمَا كَسَبَ أَوْ حَدَثَ فِيهِ مِنْ نَمَاءٍ مُنْفَصِلٍ، فَهُوَ لِلْوَرَثَةِ»:قوله «الثَّانِيْ: أَنَّ الْعَطِيَّةَ يُعْتَبَرُ قَبُوْلُهَا وَرَدُّهَا حِيْنَ وُجُوْدِهَا»:قوله «كَعَطِيَّةِ الصَّحِيْحِ»:قوله «وَالْوَصِيَّةُ لا يُعْتَبَرُ قَبُوْلُهَا وَلا رَدُّهَا إِلاَّ بَعْدَ مَوْتِ الْمُوْصِيْ»:قوله «الثَّالِثُ: أَنَّهَا تَقَعُ لازِمَةً، لا يَمْلِكُ الْمُعْطِيْ الرُّجُوْعَ فِيهَا»:قوله «الرَّابِعُ: أَنَّهُ يَبْدَأُ بِالأَوَّلِ فَالأَوَّلِ مِنْهَا إِذَا ضَاقَ الثُّلُثُ عَنْ جَمِيْعِهَا»:قوله «وَالْوَصِيَّةُ يُسَوَّى بَيْنَ الأَوَّلِ وَالآخِرِ مِنْهُ، وَيَدْخُلُ النَّقْصُ عَلَى وَاحِدٍ بِقَدْرِ وَصِيَّتِهِ»:قوله «سَوَاءٌ كَانَ فِيهَا عِتْقٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ»:قوله «وَكَذلِكَ الْحُكْمُ فِي الْعَطَايَا إِذَا وَقَعَتْ دُفْعَةً وَاحِدَةً»:
كِتَابُ الْوَصَايَاكتاب الفرائضكتاب النكاحكتاب النِّكاحِكِتابُ الصَّدَاقِكتاب الطلاقكِتابُ الظِّهارِكِتابُ الأَطْعِمَةِكتاب الصيدكِتَابُ الأَيْمَانِكتاب الجناياتكِتابُ الدِّياتِكِتابُ الحُدُوْدِكِتابُ الجِهَادِكِتابُ القَضَاءِكِتابُ الشَّهَادَاتِ
جارٍ التحميل