وبل الغمامة في شرح عمدة الفقه لابن قدامةكتاب الحج
أهل الأثرالأرشيف العلمي

، وبعضهم بكتاب المناسك، وهي جمع منسك.
والمقصود بها شعائر الحج من إحرام، وطواف، وسعي، ووقوف بعرفة، ومبيت بمزدلفة، ومنى، وغيرها.

الجزء: 3 - الصفحة: 5

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  = (رسول الله صلى الله عليه وسلم (مَنْ حَجَّ هَذَا الْبَيْتَ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ كَمَا وَلَدَتْهُ أُمُّهُ) 1، وفي رواية عند الترمذي بلفظ (مَنْ حَجَّ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ) 2. ومعنى الرفث: الجماع أو التعرض للنساء به أو ذكره بحضرتهن، والفسوق: المعاصي كلها.
فمتى تجنب الحاج ذلك رجع كيوم ولدته أمه.
3 - ومن فضائله ما جاء في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم سُئِلَ أَيُّ الْعَمَلِ أَفْضَلُ فَقَالَ إِيمَانٌ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ قِيلَ ثُمَّ مَاذَا قَالَ الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قِيلَ ثُمَّ مَاذَا قَالَ حَجٌّ مَبْرُورٌ) 3. ومعنى المبرور: الذي لا معصية فيه، والذي وفيت أحكامه فوقع موافقاً لما طلب من المكلف على الوجه الأكمل.
4 - ومن فضائله أيضاً ما رواه البخاري عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (يَا رَسُولَ اللَّهِ نَرَى الْجِهَادَ أَفْضَلَ الْعَمَلِ أَفَلا نُجَاهِدُ قَالَ لا لَكِنَّ أَفْضَلَ الْجِهَادِ حَجٌّ مَبْرُورٌ) 4. وروي عنها بلفظ (قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ عَلَى النِّسَاءِ جِهَادٌ قَالَ نَعَمْ عَلَيْهِنَّ=

الجزء: 3 - الصفحة: 6

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =جِهَادٌ لا قِتَالَ فِيهِ الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ) 5. 5 - ومن فضائله أيضاً ما جاء في دنو الباري سبحانه وتعالى يوم عرفة من حجاجه ومباهاته بهم الملائكة، فقد روى مسلم في صحيحه عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (مَا مِنْ يَوْمٍ أَكْثَرَ مِنْ أَنْ يُعْتِقَ اللَّهُ فِيهِ عَبْدًا مِنْ النَّارِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ وَإِنَّهُ لَيَدْنُو ثُمَّ يُبَاهِي بِهِمْ الْمَلائِكَةَ فَيَقُولُ مَا أَرَادَ هَؤُلاءِ) 6. 6 - ومن فضائله ما رواه الترمذي والنسائي عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (تَابِعُوا بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ فَإِنَّهُمَا يَنْفِيَانِ الْفَقْرَ وَالذُّنُوبَ كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ وَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَلَيْسَ لِلْحَجَّةِ الْمَبْرُورَةِ ثَوَابٌ إِلا الْجَنَّةُ) 7. ثانياً: الحكمة في مشروعية الحج: شرع الله تعالى العبادات لإظهار عبودية العبد لربه ومدى امتثاله لأمره، ولكن من رحمة الله تعالى أن هذه العبادات لها فوائد وحكم وأسرار تدركها العقول الصحيحة وقد لا يدركها العبد وتبقى فيها الحكمة الإلهية وهو ما يعبر عنه بعض الفقهاء بالحكمة التعبدية، ومن نظر إلى الحج وما أعده الله فيه من أسرار وحكم وجد ذلك جلياً، ومن هذه الحكم:

الجزء: 3 - الصفحة: 7

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  1 - أن فيه إظهار التذلل لله تعالى وذلك حينما يرفض الحاج أسباب الترف والتزين ويلبس ثياب الإحرام مظهراً فقره لربه، ويتجرد عن الدنيا وشواغلها التي تصرفه عن خلوصه لمولاه، فيتعرض لذلك لمعرفته ورحمته.
2 - أن فريضة الحج فيها إظهار شكر نعمة المال وسلامة البدن وهما من أعظم ما تمتع به الإنسان من نعم الدنيا وذلك حينما يجهد الإنسان نفسه وينفق ماله في طاعة ربه والقرب إليه سبحانه وتعالى.
3 - ومن حكمه أنه يجتمع فيه المسلمون من أقطار الأرض في مركز اتجاه أرواحهم ومهوى أفئدتهم، فيتعرف بعضهم على بعض، ويألف بعضهم بعضاً هناك حيث تذوب الفروق بين الناس، فوارق الغنى والفقر، فوارق الجنس، اللون، فوارق اللسان واللغة.
4 - أن الحج رحلة كريمة ينتقل فيها المسلم ببدنه وقلبه في المناسك، وهو غذاء روحي يظهر فيه محض الإتباع والإقتداء.
ثالثاً: فائدة: في قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ * فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِناً﴾ 8: وصف الله تعالى بيته بخمس صفات: 1 - أنه أسبق بيوت العالم وُضِع في الأرض.
2 - أنه مبارك والبركة كثرة الخير ووفرته.
3 - أنه هدى للعالمين والوصف بالمصدر للمبالغة.
4 - فيه من الآيات البيِّنات الشيء الكثير.

الجزء: 3 - الصفحة: 8

يَجِبُ الْحَجُّ وَالعُمْرَةُ (1)  5 - أنه يتحقق فيه الأمن لداخله.
رابعاً: اختلف العلماء في السَنَةِ التي فُرض فيها الحج؛ فقيل في سنة خمس، وقيل في سنة ست، وقيل في سنة تسع، وقيل في سنة عشر، وأقربها إلى الصواب: القولان الأخيران، وأنه فرض في سنة تسع أو سنة عشر.

(1)

قوله (يَجِبُ الْحَجُّ وَالعُمْرَةُ):

الحج واجب بالكتاب والسنة وإجماع أهل العلم، بل هو ركن من أركان الإسلام الخمسة، ودليل وجوبه وركنيته من الكتاب قوله تعالى ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ 9. فهذه الآية نص في ثبوت فرضيته حيث عبَّر القرآن بصيغة ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ﴾، وهي صيغة إلزام وإيجاب.
ودليل فرضيته من السنة: ما رواه البخاري ومسلم من حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (بُنِيَ الإِسْلامُ عَلَى خَمْسٍ شَهَادَةِ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ وَالْحَجِّ وَصَوْمِ رَمَضَانَ) 10. ومن الإجماع 11: فقد أجمعت الأمة على وجوب الحج في العمر مرة على المستطيع، وهو من الأمور المعلومة من الدين بالضرورة، ومن أنكر أو جحد فرضيته فإنه يكفر.
وقوله (وَالعُمْرَةُ): العمرة بضم العين وسكون الميم.

الجزء: 3 - الصفحة: 9

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  لغة: الزيارة أو القصد.
واصطلاحاً: زيارة بيت الله الحرام تعبداً لله على وجه مخصوص لأداء المناسك من إحرام وطواف وسعي وحلق أو تقصير.
وقد اختلف الفقهاء في وجوب العمرة: فالحنفية 12، والمالكية 13، وهو رواية في مذهب أحمد 14، وهو قول لشيخ الإسلام 15 كما ذكر ذلك صاحب الإنصاف عنه أن العمرة سُنَّة وليست بواجبة.
وذهب الشافعية 16 في المشهور عندهم، والحنابلة 17 أن العمرة واجبة.
وهذا هو الصحيح، وهو اختيار اللجنة الدائمة 18. وقد اختلف من قال بالوجوب بوجوب العمرة على أهل مكة: ففي رواية عن الإمام أحمد 19 أنها لا تجب على المكي وتجب على الأفاقي، واختار هذه الرواية الخرقي، وابن قدامة 20، وشيخ الإسلام 21 رحمهم الله.
وقيل بوجوبها مطلقاً على المكي والأفاقي، وهي إحدى الروايات عن الإمام أحمد، واختيار شيخنا محمد بن صالح العثيمين 22.=

الجزء: 3 - الصفحة: 10

مَرَّةً فِي الْعُمُرِ (1)، عَلَى الْمُسْلِمِ (2)،  =واختيار اللجنة الدائمة (1) وذلك لأن نصوص الكتاب والسنة عامة لم تخصص بعض الناس ولا دليل يدل على خروج بعض الأفراد من الحكم العام.

(1)

قوله (مَرَّةً فِي الْعُمُرِ):

أي يجب الحج والعمرة مرة واحدة في العمر إلا لمن نذر ذلك فيلزمه الوفاء، ودليل كونهما واجبين في العمر مرة واحدة قوله تعالى ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ (2) فقد أطلق الله تعالى الحكم.
وكذلك من السنة قوله صلى الله عليه وسلم (أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ فَرَضَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ الْحَجَّ فَحُجُّوا فَقَالَ رَجُلٌ أَكُلَّ عَامٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَسَكَتَ حَتَّى قَالَهَا ثَلاثًا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لَوْ قُلْتُ نَعَمْ لَوَجَبَتْ وَلَمَا اسْتَطَعْتُمْ ثُمَّ قَالَ ذَرُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِكَثْرَةِ سُؤَالِهِمْ وَاخْتِلافِهِمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ فَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَدَعُوهُ) (3). وقد أجمعت الأمة على وجوب الحج على المستطيع في العمر مرة واحدة (4).

(2)

قوله (عَلَى الْمُسْلِمِ):

بدأ المؤلف ببيان شروط وجوب الحج وهذه الشروط تنقسم إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: شروط للوجوب والصحة: وهي الإسلام والعقل؛ فلا يصح الحج من الكافر ولا المجنون.
القسم الثاني: شروط للوجوب والإجزاء: وهي البلوغ والحرية وليس ذلك=23242526

الجزء: 3 - الصفحة: 11

الْعَاقِلِ (1)، الْبَالِغِ (2)،  =بشرط للصحة فمتى حج الصبي والعبد صح حجهما ولم يجزئهما عن حجة الإسلام كما هو المذهب وسيأتي الخلاف في ذلك مع بيان الراجح.
القسم الثالث: شرط للوجوب فقط وهو الاستطاعة، فلو حجَّ غير المستطيع بالمال والبدن فإن حجَّه صحيح ومجزئ.
وسيأتي بيان ذلك بالتفصيل إن شاء الله تعالى.
وقوله (عَلَى الْمُسْلِمِ): أي يشترط فيمن أراد الحج الإسلام لأن الكافر لا تصح منه العبادات، فالإسلام شرط لكل عبادة.

(1)

قوله (الْعَاقِلِ):

هذا هو الشرط الثاني من شروط وجوب الحج فلا بد أن يكون عاقلاً لأن العقل شرط التكليف والمجنون ليس مكلفاً بفروض الدين، بل لا تصح منه إجماعاً لأنه ليس أهلاً للعبادة، ولأن العبادة مفتقرة إلى نية، والمجنون لا نية له، لكن إن شفي وعفي من جنونه وجبت عليه حجة الإسلام.
(2)

قوله (الْبَالِغِ):

هذا هو الشرط الثالث؛ فلا بد من البلوغ لأن الصبي ليس بمكلف، لكن لو حج الصبي وهو لم يبلغ صح حجَّه، لما رواه مسلم عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: رَفَعَتْ امْرَأَةٌ صَبِيًّا لَهَا فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلِهَذَا حَجٌّ قَالَ (نَعَمْ وَلَكِ أَجْرٌ) 27. وقد ذكرنا سابقاً ما يحصل به البلوغ، وهي أمور: ثلاثة للذكور، وأربعة للإناث متى حصل واحد منها فقد بلغ الذكر والأنثى.
فللذكور الإنزال، ونبات العانة، وتمام خمس عشرة سنة.=

الجزء: 3 - الصفحة: 12

الْحُرِّ (1)، إِذَا اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيْلاً (2)،  =وللإناث هذه الثلاثة، وزيادة أمر رابع وهو الحيض.
ودليل شرط البلوغ: ما رواه أبو داود وغيره من حديث علي بن أبي طالب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال (رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلاثَةٍ عَنْ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ وَعَنْ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ وَعَنْ الْمَجْنُونِ حَتَّى يَعْقِلَ) (1).

(1)

قوله (الْحُرِّ):

فالعبد المملوك لا يجب عليه الحج لأن وقته ملك لسيده، ولأن الاستطاعة شرط ولا تتحقق إلا بملك الزاد والراحلة، والعبد لا يملك ذلك.
لكن لو أذن له سيده بالحج صح حجه وهل تجزئه عن حجة الإسلام قولان لأهل العلم سيأتي بيان ذلك قريباً - إن شاء الله -. (2)

قوله (إِذَا اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيْلاً):

هذا هو الشرط الخامس وهو الاستطاعة قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ (2). و

شروط الاستطاعة قسمان

: قسم عام يشترك فيه الرجال والنساء، وقسم تختص به النساء دون الرجال.
أما القسم الأول: وهو القسم العام الذي يشترك فيه الرجال والنساء؛ فيشترط للاستطاعة أمور ثلاثة وهي: (الزاد والراحلة - صحة البدن - أمن الطريق) أما القسم الثاني: وهو القسم الخاص بالنساء؛ فيشترط للمرأة وجود المحرم الأمين عند حجها، وألا تكون محادَّة، وسيتم بيان ذلك بالتفصيل إن شاء الله تعالى.2829

الجزء: 3 - الصفحة: 13

وَالاِسْتِطَاعَةُ أَنْ يَجِدَ زَادًا، وَرَاحِلَةً بِآلَتِهِمَا، مِمَّا يَصْلُحُ لِمِثْلِهِ (1)، فَاضِلاً عَمَّا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ لِقَضَاءِ دَيْنِهِ (2)،  (1)

قوله (وَالاِسْتِطَاعَةُ أَنْ يَجِدَ زَادًا، وَرَاحِلَةً بِآلَتِهِمَا، مِمَّا يَصْلُحُ لِمِثْلِهِ):

بدأ المؤلف ببيان الاستطاعة وحدَّها بأمور منها: 1 - أن يجد زاداً؛ والزاد هو ما يُتزود به في السفر من طعام وشراب وغير ذلك من حوائج السفر بلا إسراف ولا تقتير.
2 - الراحلة؛ وهي ما يرتحله الإنسان من مركوب من إبل وحُمر وسيارات وطائرات وسفن وغيرها، لكن اشترط فيها المؤلف شرطاً وهو أن تصلح لمثله، إما بشراء أو كراء لذهابه ورجوعه، ويجد ما يحتاج إليه من آلتها التي تصلح لمثله.
والذي يظهر أنه لا يشترط إلا ما يوصله فقط لعموم قوله تعالى ﴿مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ (1)، فإنه يشمل من أمكنه السفر لسفر على راحلة لا تصلح لمثله، وبزاد لا يصلح لمثله، وهذا هو مذهب المالكية (2). وقال شيخنا محمد بن صالح العثيمين (3): وهذا أقرب إلى الصواب ولا عبرة بكونه يفقد المألوف من مركوب أو مطعوم أو مشروب فإن هذا لا يُعدُ عجزاً.

(2)

قوله (فَاضِلاً عَمَّا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ لِقَضَاءِ دَيْنِهِ):

ذكر المؤلف هنا بعض خصال الحاجة الأصلية التي يجب على من أراد الحج أن يراعيها، فبدأ بقضاء الدين الذي عليه، لأن الدَّين من حقوق العباد وهو من حوائجه الأصلية فهو آكد.
وحج المدين له حالات:303132

الجزء: 3 - الصفحة: 14

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الحالة الأولى: أن تكون قيمة الحج تغطي ديونه، فالواجب عليه أن يقضي الديون لأنه في هذه الحالة غير مستطيع فيسقط عنه الحج.
الحالة الثانية: أن تكون قيمة الحج لا تغطي شيئاً من الدين، كأن تكون قيمة الحج ثلاثة آلاف مثلاً والذي عليه من الديون ثلاثمائة ألف ريال مثلاً، فقد قال بعض العلماء أنه يحج لأن الحج مجلبة للرزق كما جاء في حديث عبد الله ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (تَابِعُوا بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ فَإِنَّهُمَا يَنْفِيَانِ الْفَقْرَ وَالذُّنُوبَ كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ وَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَلَيْسَ لِلْحَجَّةِ الْمَبْرُورَةِ ثَوَابٌ إِلَّا الْجَنَّةُ) 33. والأظهر والله أعلم أنه لا يحج؛ وعليه أن يؤدي ما عليه من دين، وإن كان ما يملكه يسيراً لأنه متى أدى ولو جزءاً يسيراً من الدين فإنه بذلك يكون قد أسقط عنه جزءاً من الدين.

  • فائدة (1): لو أن صاحب الدين أذِنَ للمدينِ بالحجِ فهل يكون قادراً؟ الجواب: نقول قضية أن يستأذن المدين صاحب الدين أو لا يستأذنه لا أصل لها، بل الواجب عليه سداد الديون ولو قال له حُج لأن الذِّمة مشغولة بهذا الدين، لكن إن قال له حج وإذا رجعت سوف أستوف منك وإن قدَّر الله عليك وفاة فذمتك بريئة، فحينئذٍ يجوز له الحج.
  • فائدة (2): لو وجد المدين من يحج به مجاناً ولا يعطيه شيئاً فهل له أن يحج؟ نقول في ذلك تفصيل: فإذا كان لو بقي لعمل وحصَّل أجرة فبقاؤه خير من الحج، وإن كان لا يحصَّل شيئاً لو بقي فهنا يتساوى في حقه الحج وعدمه لأن الحج لا يجب عليه.

الجزء: 3 - الصفحة: 15

وَمُؤْنَةِ نَفْسِهِ، وَعِيَالِهِ عَلَى الدَّوَامِ (1)،  - فائدة (3): من كان عليه كفارة كعتق رقبة مثلاً فهل له أن يحج؟ نقول: الصواب أنه يعتق الرقبة التي عليه لأن وجوبها سبق الحج والحج لا يجب إلا بالاستطاعة ولا استطاعة لمن عليه دين في ذمته.

  • فائدة (4): من كان عليه دين مؤجلٌ وهو يغلب على ظنه أنه يوفيه إذا حل الأجل وعنده الآن ما يحج به فيجب عليه الحج فوراً.

(1)

قوله (وَمُؤْنَةِ نَفْسِهِ، وَعِيَالِهِ عَلَى الدَّوَامِ):

أي ومن الحوائج الأصلية لمن أراد الحج أن يكون عنده ما يكفيه ويكفي عياله من مأكل أو مشرب ونحو ذلك مما يحتاجون إليه.
وقوله (عَلَى الدَّوَامِ) ليس المراد منه أن يكون عنده ما يكفيه ويكفي عياله على الدوام أبداً، فلو قيل به لما وجب الحج على أحد لأنه ربما تزيد الأجور وترتفع أسعار المعيشة ويطول العمر، ولأن هذا لا يمكن ضبطه.
بل مراد المؤلف هنا بقوله (عَلَى الدَّوَامِ) ما كان ناتجاً عن صنعة، أو عن أجرة عقار، أو ما أشبه ذلك بحيث يقول (صنعتي أكتسب منها ما يكون على قدر النفقة تماماً) ولا يزيد، فالنفقة هنا على الدوام بناءًا على أن هذا الاستثمار سوف يبقى على ما هو عليه.
وقال بعض الفقهاء: لا يشترط بقاء مئونة لنفسه وعياله على الدوام، بل الواجب أن يكفيهم النفقة مدة ذهابه وإيابه فقط.
والأول هو الصواب لحديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (كَفَى بِالْمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يُضَيِّعَ مَنْ يَقُوتُ) 34.

الجزء: 3 - الصفحة: 16

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =وذهب المالكية (1) إلى أنه لا يشترط بقاء مئونة العيال، وإن كان يترك ولده وزوجته لا مال لهم، فلا يراعي ما يؤول إليه أمره وأمر أهله وأولاده في المستقبل، وإن كان يصير فقيراً لا يملك شيئاً أو يترك أولاده ونحوهم للصدقة إن لم يخش هلاكاً أو شديد أزى.
والصواب: ما ذهب إليه جمهور الفقهاء للحديث المتقدم.

- فائدة (1): من كان له سكن واسع يَفْضُل عن حاجته بحيث لو باع الجزء الفاضل عن حاجته من الدار الواسعة لوفى ثمنه للحج:

فيجب عليه البيع عند المالكية 36، والشافعية 37، والحنابلة 38. ولا يجب عليه بيع الفاضل عند الحنفية 39.

  • فائدة (2): من وجب عليه الحج وأراد أن يتزوج وليس عنده من المال إلا ما يكفي لأحدهما: ففي ذلك تفصيل: 1 - إذا كان في حالة اعتدال الشهوة ولا يشق عليه الصبر فهنا يجب عليه تقديم الحج عند جمهور الفقهاء 40 إذا ملك النفقة في أشهر الحج.
    وقال الشافعية 41 بل صرف المال إلى النكاح أفضل ويلزمه الحج ويستقر في ذمته.35

الجزء: 3 - الصفحة: 17

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  والصواب: ما ذهب إليه الجمهور.
2 - أن يكون في حالة توقان نفسه والخوف من الزنا، ويخشى المشقة في تأخيره، فهنا يقدم النكاح على الحج بالاتفاق.
3 - إذا كان حجَّه حج تطوع فإنه يقدم النكاح بكل حال سواء كان يشق عليه أو لا يشق، وذلك لأن النكاح مع الشهوة أفضل من نوافل العبادات كما صرح بذلك أهل العلم.

  • فائدة (3): ذكرنا فيما سبق أن من الاستطاعة صحة البدن، فسلامة البدن من الأمراض والعاهات التي تعوق عن الحج شرط لوجوب الحج، إذ لابد أن يكون بدنه صحيحاً بحيث يقدر على الركوب والنزول بغير مشقة شديدة، فإن وجد مشقة شديدة لمرض أو غيره فليس مستطيعاً.
    لكن هل صحة البدن شرط لأصل الوجوب أم هي شرط للأداء بالنفس؟ نقول اختلف الفقهاء في ذلك على قولين: القول الأول: أنها شرط للواجب وليست شرطاً للأداء بالنفس، وعلى ذلك لا يجب على فاقد صحة البدن أن يحج عن نفسه ولا إنابة غيره ولا الإيصاء بالحج عنه في مرضه، وهذا هو قول الحنفية 42، والمالكية 43. القول الثاني: أن صحة البدن ليست شرطاً للوجوب، بل هي شرط للزوم الأداء بالنفس، فمن كان هذا حاله يعني غير مستطيع ببدنه فإنه يلزمه أن يرسل من ينوب عنه في الحج، ويلزمه أن يوصي به إذا كان لديه ماله، بل=

الجزء: 3 - الصفحة: 18

وَيُعْتَبَرُ لِلْمَرْأَةِ وُجُوْدُ مَحْرَمِهَا (1)  =يلزم الورثة أن ينيبوا عنه من يحج عنه إذا مات إن كان له تركه ولم يؤد حج الفريضة لمرضه.
وهذا هو قول الشافعية (1)، والحنابلة (2)، وهو الراجح عندي، وهو اختيار سماحة شيخنا ابن باز رحمه الله (3).

(1)

قوله (وَيُعْتَبَرُ لِلْمَرْأَةِ وُجُوْدُ مَحْرَمِهَا):

أي يشترط لوجوب الحج على المرأة وجود محرمها، دليل ذلك ما رواه البخاري ومسلم من حديث ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (لا تُسَافِرْ الْمَرْأَةُ ثَلاثًا إِلا وَمَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ) 47، ولما رواه أيضاً البخاري ومسلم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يخطب يقول (لا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إِلا وَمَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ وَلا تُسَافِرْ الْمَرْأَةُ إِلا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ امْرَأَتِي خَرَجَتْ حَاجَّةً وَإِنِّي اكْتُتِبْتُ فِي غَزْوَةِ كَذَا وَكَذَا قَالَ انْطَلِقْ فَحُجَّ مَعَ امْرَأَتِكَ) 48. لكن يشترط موافقته على السفر معها فلا يكفي وجود المحرم بل لابد أن يوافق على السفر، وإلى اشتراط المحرم ذهب الحنفية 49 أيضاً.
وذهب المالكية 50 والشافعية 51 إلى أن المرأة إن وجدت نسوة ثقات اثنتين=444546

الجزء: 3 - الصفحة: 19

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =فأكثر تأمن معهن على نفسها كفى ذلك بدلاً عن المحرم إذا كانت هذه حجَّة الإسلام.
والصحيح: ما ذهب إليه الحنفية والحنابلة، فلا يجوز للمرأة أن تحج بلا محرم لها لأن المحرم شرط لوجوب الحج عليها، فإن حجَّت بدون محرم صح حجَّها ولكنها تأثم لأن المحرمية لا تختص بالحج، وهذا هو اختيار سماحة شيخنا ابن باز رحمه الله (1).

ذكر بعض الفوائد المتعلقة بالمحرم

:

فائدة (1): يشترط لوجوب الحج على المرأة أن تكون قادرة على نفقة نفسها ونفقة المحرم

إن طلب منها النفقة لأنه يستحقها.

فائدة (2): لو امتنع المحرم عن الخروج إلا بأجرة

: لزمتها إن قدرت عليها، وحرم عليها الخروج مع الرفقة المأمونة.
وهذا عند المالكية (2). أما الشافعية (3) فهي مخيَّرة بين أن تكون في صحبة زوج، أو محرم، أو رفقة مأمونة.
والصواب: أنها إن قدرت على النفقة، أو إعطاء أجرة المثل، ورضي المحرم على الخروج معها لزمها الحج، فإن عجزت عن ذلك أو امتنع المحرم عن السفر معها فلا يلزمها أن تخرج مع رفقة مأمونة ولا غيره لاشتراط المحرم.

- فائدة (3): اتفق الفقهاء جميعاً على أن حج النفل لا يجوز للمرأة السفر له

إلا مع الزوج أو المحرم فقط:

فلا يجوز لها السفر بغيرهما، بل تأثم إذا=525354

الجزء: 3 - الصفحة: 20

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =خرجت بدون محرمها.

- فائدة (4): الزوج إذا حجَّ مع امرأته فلها عليه النفقة، نفقة الحضر لا السفر،

وليس له أن يأخذ هنا أجراً مقابل الخروج معها: وهذا ما ذهب إليه الحنفية (1)، وهو ظاهر المذهب.
وذهب المالكية (2)، والشافعية (3) إلى جواز أخذ الزوج أجرة المثل إذا سافر معها.
والصواب: أن له أن يأخذ أجرة على ذلك، ولكن ليس هذا من المعاشرة الحسنة للزوجة.

فائدة (5): هل يجوز للزوج منع زوجته عن الحج؟

نقول: اختلف الفقهاء في ذلك: فذهب الجمهور 58 إلى أن المرأة إذا وجدت محرماً لم يكن للزوج منعها إذا كان ذلك حج فرض، أما النَّفل فيجوز منعها.
وقال الشافعية 59 ليس للمرأة الحج إلا بإذن الزوج فرضاً أو غيره لأن في ذهابها تفويتاً لحق الزوج، فإن خافت العجز البدني بقول طبيبين عدلين لم يشترط إذن الزوج.
والصحيح: ما ذهب إليه الجمهور فلا يشترط إذن الزوج، بل لها أن تحج=555657

الجزء: 3 - الصفحة: 21

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، ولأن فرائض العين لا يجوز للزوج منع زوجته منها، وهذا هو اختيار شيخنا محمد بن صالح العثيمين رحمه الله (1)، لكن لو منعها لحاجته الماسة لها وقت الحج على أن يأذن لها في السنة القادمة فعليها أن تسمع وتطيع.

- فائدة (6): يشترط في المحرم أن يكون رجلاً مأموناً مسلماً بالغاً عاقلاً يحرم على المرأة التأبيد

سواء كان التحريم بالقرابة أو الرضاعة أو المصاهرة كما سيأتي بيان ذلك قريباً.
وذهب المالكية (2) إلى أنه لا يشترط في المحرم البلوغ بل التمييز والكفاية.
وعند الشافعية (3) يكفي المحرم الذكر وإن لم يكن ثقة فيما يظهر لأن الوازع الطبيعي أقوى من الشرعي، إذا كان له غيرة تمنعه من الزنا.
والصواب: أنه يشترط في المحرم أن يكون مسلماً بالغاُ عاقلاُ مأموناً فإن كان لا يؤمن عليها فليس بمحرم ولا تُمَّكن من السفر معه.

فائدة (7): هل الزوج والمحرم شرط وجوب أم هو شرط للزوم الأداء بالنفس؟

نقول أولاً يحسن أن نبين الفرق بين الشرطين وقد ذكرنا طرفاً من ذلك سابقاً.
فشرط الوجوب لا يلزم فاقده أن يحج بنفسه ولا بإنابة غيره، ولا يلزمه الإيصاء بالحج عنه في المرض، بل لا يلزم الورثة الحج عنه وإن كان له تركه.
أما شرط لزوم الأداء بالنفس فهو بخلاف ذلك فيلزمه عند العجز أن يرسل=606162

الجزء: 3 - الصفحة: 22

وَهُوَ زَوْجُهَا (1)، وَمَنْ تَحْرُمُ عَلَيْهِ عَلَى التَّأْبِيْدِ بِنسبَ (2)، أَوْ سَبَبٍ مُبَاحٍ (3)،  =من ينوب عنه وإن مات لزم إخراج حجه من ماله إن كان له مال وهذا هو الصحيح.
فالمرأة إن وجدت محرماً في حياتها وجب عليها أن تحج بنفسها وإن لم تجد فإنها إذا ماتت يحج عنها من تركتها.

(1)

قوله (وَهُوَ زَوْجُهَا):

وهو من أقوى أنواع المحارم للمرأة، وهو من عقد عليها النكاح عقدًا صحيحا وإن لم يحصل وطء ولا خلوة.
(2)

قوله (وَمَنْ تَحْرُمُ عَلَيْهِ عَلَى التَّأْبِيْدِ بِنسبَ):

أي بقرابة، وخرج به من تحرم عليه إلى أمد كأخت امرأته.

  • فائدة: من تحرم عليه على التأبيد سبعة هم: الابن وإن نزل، والأب وإن علا، والأخ مطلقاً، والعم مطلقاً، والخال مطلقاً، وابن الأخ، وابن الأخت.

(3)

قوله (أَوْ سَبَبٍ مُبَاحٍ):

هذا ينحصر في شيئين: الأول الرضاع: فالمحرم من الرضاع كالمحرم من النسب سواء بسواء، وهم سبعة أيضاً وهم: أبوها من الرضاع، وابنها من الرضاع، وأخوها من الرضاع، وعمها من الرضاع، وخالها من الرضاع، وابن أخيها من الرضاع، وابن أختها من الرضاع.
الثاني: المصاهرة: وهم أربعة: 1 - أبو زوج المرأة وأجداده وإن علو، سواء كانوا أجداده من قبل أبيه أو أمه.
2 - ابن زوج المرأة، وأبناء أبنائه، وأبناء بناته وإن نزلوا.

الجزء: 3 - الصفحة: 23

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  3 - أزواج البنات، وأزواج بنات الأبناء، وأزواج بنات البنات وإن نزلوا فهؤلاء الثلاثة تثبت المحرمية فيهم بمجرد العقد، حتى ولو فارقها بموت أو طلاق أو فسخ، فإن المحرمية تبقى لهؤلاء.
4 - أزواج أمهات المرأة، وأزواج جداتها وإن علون وهؤلاء لا تثبت لهم المحرمية إلا بالدخول بالأم.
وقول المؤلف (أَوْ سَبَبٍ مُبَاحٍ) خرج به ما كان بسبب محرم مثل أم المزني بها، فلا يكون الزاني بالبنت محرماً لأمها، وكذا بنت المزني بها فلا يكون الزاني بالأم محرماً للبنت، وكذلك أم الموطوءة بشبهة، سواء كانت شبهة عقد أو شبهة اعتقاد.
فشبهة العقد كأن يعقد على امرأة ثم يتضح أنها أخته من الرضاع، وشبهة الاعتقاد كأن يطأ امرأة يظنها زوجته، فلا يكون في هاتين الحالتين محرماً لأمها ولا بنتها.
وذهب شيخ الإسلام 63، وشيخنا محمد ابن عثيمين 64 إلى أنه يكون محرماً لها، أي الموطوءة بشبهة، وتكون أُمها حراماً عليه، وهي من محارمه أيضاً، وبنتها كذلك تكون حراماً عليه، وهي من محارمه.
وهذا هو الصحيح، وذلك لأنه حين وطئ هذه المرأة يظنها من حلائله فيترتب على هذا الوطء ما يترتب على الوطء المباح.

الجزء: 3 - الصفحة: 24

فَمَنْ فَرَّطَ حَتَّى مَاتَ، أُخْرِجَ عَنْهُ مِنْ مَالِهِ، حَجَّةٌ، وَعُمْرَةٌ (1)،  (1)

قوله (فَمَنْ فَرَّطَ حَتَّى مَاتَ، أُخْرِجَ عَنْهُ مِنْ مَالِهِ، حَجَّةٌ، وَعُمْرَةٌ):

أي من فرَّط فلم يحج مع الاستطاعة حتى مات أُخرج عنه من ماله حجة وعمرة قبل قسمته على الورثة أجرة من يحج عنه ويعتمر.
وهذا قول الشافعي 65 وكثير من العلماء.
وذهب أبو حنيفة 66، ومالك 67 إلى أنه لا يلزم الورثة أن يحجوا عنه إلا أن يوصي بذلك، فإن أوصى أخرج من ثلثه.
والصحيح: هو القول الأول؛ فمتى مات المسلم ولم يؤدي فريضة الحج وهو مستكمل لشروط الحج وجب أن يحج عنه من ماله الذي خلَّفه سواء أوصى بذلك أم لم يوص.
دليل ذلك: ما رواه النسائي وغيره من حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال (قَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أَبِي مَاتَ وَلَمْ يَحُجَّ أَفَأَحُجُّ عَنْهُ قَالَ أَرَأَيْتَ لَوْ كَانَ عَلَى أَبِيكَ دَيْنٌ أَكُنْتَ قَاضِيَهُ قَالَ نَعَمْ قَالَ فَدَيْنُ اللَّهِ أَحَقُّ) 68. وروى أحمد والنسائي وغيرهما عن أبي رزين العقيلي رضي الله عنه (أَنَّهُ أَتَى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أَبِي شَيْخٌ كَبِيرٌ لا يَسْتَطِيعُ الْحَجَّ وَلا الْعُمْرَةَ وَلا الظَّعْنَ قَالَ حُجَّ عَنْ أَبِيكَ وَاعْتَمِرْ) 69.

الجزء: 3 - الصفحة: 25

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =وإذا كان الشيخ الكبير الذي يشق عليه السفر وأعمال الحج يحج عنه فكيف بحال القوي القادر إذا مات ولم يحج عنه، فهو أولى بأن يحج عنه.

فائدة: هل الحج يجب على الفور أم على التراخي؟

اختلف الفقهاء في هذه المسألة: فالمذهب 70، وهو رواية عن أبي حنيفة 71، ومالك 72 على أن الحج يجب على الفور، فمن تحقق فيه فرض الحج واستكمل شروطه فأخره فإنه يكون آثماً، وإذا أداه بعد ذلك كان أداء لا قضاء وارتفع عنه الإثم.
وذهب الشافعية 73 إلى أن الحج إنما يجب على التراخي فلا يأثم المستطيع بتأخيره لكن بشرط العزم على الفعل في المستقبل، فلو خشي العجز أو هلاك ماله حرم التأخير.
والصحيح: ما ذهب إليه الجمهور والدليل على ذلك ما يلي: 1 - قوله تعالى ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ 74. 2 - قوله صلى الله عليه وسلم كما في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال (خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ فَرَضَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ الْحَجَّ فَحُجُّوا فَقَالَ رَجُلٌ أَكُلَّ عَامٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَسَكَتَ حَتَّى قَالَهَا ثَلَاثًا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لَوْ قُلْتُ نَعَمْ لَوَجَبَتْ وَلَمَا اسْتَطَعْتُمْ .. ) 75 وجه الدلالة من الآية والحديث أن كلاً=

الجزء: 3 - الصفحة: 26

وَلا يَصِحُّ الْحَجَّ مِنْ كَافِرٍ (1)، وَلا مَجْنُوْنٍ (2)، وَيَصِحُّ مِنَ الصَّبِيِّ، وَالْعَبْدِ (3)،  =منهما أمر بالحج والأصل في الأمر أن يكون على الفور.
3 - قوله صلى الله عليه وسلم (تَعَجَّلُوا إِلَى الْحَجِّ يَعْنِي الْفَرِيضَةَ فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لا يَدْرِي مَا يَعْرِضُ لَهُ) (1)، وجه الدلالة أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالتعجل بالحج والعمرة وذلك لأن الإنسان لا يدري ما يعرض له، فقد يكون الآن قادراً على أن يقوم بأمر الله تعالى وقد يكون في المستقبل عاجزاً عن ذلك.
4 - قوله تعالى ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ (2) وجه الدلالة من الآية أن الله أمر بالمسابقة بالخيرات والحج من أعظم الخيرات التي يتقرب به إليه سبحانه والتأخير خلاف ما أمر الله به.

(1)

قوله (وَلا يَصِحُّ الْحَجَّ مِنْ كَافِرٍ):

لأنه ليس أهلاً للحج فلا يصح حجه أصالة ولا نيابة لقوله تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلاَّ أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ ..... ﴾ (3). وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ .. ﴾ (4)، فإن حج أو حج عنه ثم أسلم وجبت عليه حجة الإسلام.

(2)

قوله (وَلا مَجْنُوْنٍ):

وذلك لأن الحج عبادة وهو مفتقر إلى نية كغيره من سائر العبادات، والمجنون لا نية له فإذا حج فحجه غير صحيح، وإذا أفاق وجبت عليه حجة الإسلام.
(3)

قوله (وَيَصِحُّ مِنَ الصَّبِيِّ، وَالْعَبْدِ):

أما الصبي فدليله ما رواه مسلم عن=76777879

الجزء: 3 - الصفحة: 27

وَلا يُجْزِئُهُمَا (1)،  =ابن عباس رضي الله عنهما (أن امرأة رفعت صبياً لها فقالت ألهذا حج؟ قال نعم ولكِ أجر) (1). وأما العبد فلأنه من أهل العبادات وإنما لم يجب عليه الحج من أجل سيده فإن أذن له سيده وحج صح حجه.

(1)

قوله (وَلا يُجْزِئُهُمَا):

أما الصبي فبالاتفاق أنه إذا حج قبل البلوغ فإن حجته لا تجزئه عن حجة الإسلام.

واختلف الفقهاء في العبد إذا حج بإذن سيده هل إذا اعتق يلزمه حجة أخرى؟

فذهب جمهور 81 الفقهاء إلى أنه يلزمه حجة أخرى إذا أعتق، واختار هذا القول سماحة شيخنا ابن باز رحمه الله 82. واستدلوا لذلك بما رواه البيهقي وغيره عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (أَيُّمَا صَبِىٍّ حَجَّ ثُمَّ بَلَغَ الْحِنْثَ فَعَلَيْهِ أَنْ يَحُجَّ حَجَّةً أُخْرَى، وَأَيُّمَا أَعْرَابِىٍّ حَجَّ ثُمَّ هَاجَرَ فَعَلَيْهِ حَجَّةٌ أُخْرَى، وَأَيُّمَا عَبْدٍ حَجَّ ثُمَّ أُعْتِقَ فَعَلَيْهِ حَجَّةٌ أُخْرَى) 83. وذهب كثير من العلماء منهم ابن حزم في المحلى 84، وهو اختيار الشيخ ابن سعدي 85 إلى أن العبد إذا حجَّ بعد بلوغه لا يلزمه إعادة الحج.80

الجزء: 3 - الصفحة: 28

وَيَصِحُّ مِنْ غَيْرِ الْمُسْتَطِيْعِ وَالْمَرْأَةِ بِغَيْرِ مَحْرَمٍ، وَيُجْزِئُهُمَا (1)، وَمَنْ حَجَّ عَنْ غَيْرِهِ، وَلَمْ يَكُنْ حَجَّ عَنْ نَفْسِهِ، أَوْ عَنْ نَذْرِهِ أَوْ نَفْلِهِ، وَفَعَلَهُ قَبْلَ حَجَّةِ الإِسْلامِ، وَقَعَ حَجُّهُ عَنْ فَرْضِ نَفْسِهِ، دُوْنَ غَيْرهِ (2)  =وقال شيخنا رحمه الله (1) ليس عندي ترجيح في الموضوع.
والصحيح في هذه المسألة: أن العبد إذا حجَّ صح حجَّه تطوعاً وأثم إذا لم يأذن له سيده وتجب عليه حجَّة الإسلام.
قال ابن المنذر (2) أجمع أهل العلم على أن العبد إذا حجَّ حال رقه ثم اعتق أن عليه حجة الإسلام إذا وجد إليه سبيلاً.

(1)

قوله (وَيَصِحُّ مِنْ غَيْرِ الْمُسْتَطِيْعِ وَالْمَرْأَةِ بِغَيْرِ مَحْرَمٍ، وَيُجْزِئُهُمَا):

حجهم هؤلاء صحيح، لكن بعضهم يصح حجَّه كالفقير إذا حج، والمرأة إذا حجَّت من غير محرم، والمدين إذا حجَّ، ونحوهم ممن لا يستطيعون الحج مع حصول الإثم.
فالمرأة إذا حجت بلا محرم صح حجَّها لكن عليها الإثم ويجب عليها التوبة.

(2)

قوله (وَمَنْ حَجَّ عَنْ غَيْرِهِ، وَلَمْ يَكُنْ حَجَّ عَنْ نَفْسِهِ، أَوْ عَنْ نَذْرِهِ أَوْ نَفْلِهِ، وَفَعَلَهُ قَبْلَ حَجَّةِ الإِسْلامِ، وَقَعَ حَجُّهُ عَنْ فَرْضِ نَفْسِهِ، دُوْنَ غَيْرهِ):

بيان ما أراد المؤلف هنا أن من لم يكن حجَّ حجَّة الإسلام وأراد الحج فتارة يريد الحج عن غيره، وتارة يريد الحج عن نفسه غير حجَّة الإسلام سواء كان ذلك عن نفل أو نذر.
فهنا يذكر المؤلف أنه متى أراد ذلك فإنه يقع عن فرض نفسه دون غيره.8687

الجزء: 3 - الصفحة: 29

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وقد اختلف الفقهاء في هذه المسألة: فذهب الشافعية 88، والحنابلة 89 إلى أنه يشترط لإجزاء الحج عن الغير أن يكون النائب حجَّ حجَّة الإسلام عن نفسه أولاً وإلا كانت الحجَّة عن نفسه ولم تجزئ عن الميت.
واحتجوا لذلك بحديث ابن عباس رضي الله عنهما (أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم سَمِعَ رَجُلا يَقُولُ لَبَّيْكَ عَنْ شُبْرُمَةَ قَالَ مَنْ شُبْرُمَةُ قَالَ أَخٌ لِي أَوْ قَرِيبٌ لِي قَالَ حَجَجْتَ عَنْ نَفْسِكَ قَالَ لا قَالَ حُجَّ عَنْ نَفْسِكَ ثُمَّ حُجَّ عَنْ شُبْرُمَةَ) 90. وذهب مالك 91، وأبو حنيفة 92، وهو رواية عن الإمام أحمد 93 أنه يجوز أن يحجَّ عن غيره من لم يحجَّ عن نفسه، واستدلوا لذلك بأدلة منها حديث ابن عباس رضي الله عنهما في قصة الخثعمية وفيه قال (فَحُجِّي عَنْهُ) 94، وحديث بريدة رضي الله عنه (بَيْنَا أَنَا جَالِسٌ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِذْ أَتَتْهُ امْرَأَةٌ فَقَالَتْ: .. إِنَّهَا لَمْ تَحُجَّ قَطُّ أَفَأَحُجُّ عَنْهَا قَالَ حُجِّي عَنْهَا) 95. وجه الدلالة من الحديثين أن الرسول الله صلى الله عليه وسلم لم يسأل أحداً من هؤلاء هل=

الجزء: 3 - الصفحة: 30

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =حج عن نفسه أولاً؟ ولا أمر واحداً منهم أن يحجَّ عن نفسه.
والقاعدة في الأصول أن ترك الاستفصال في مقام الاحتمال ينزل منزلة العموم في الأقوال.
أما الاحتجاج بحديث ابن عباس وقوله صلى الله عليه وسلم حججت عن شبرمة، فهو حديث مختلف فيه بين الرفع والوقف، فلا يصلح أن يكون حجَّة في هذا الباب.
وقالوا أيضاً إن الحج مما تدخله النيابة فيجوز أن ينوب عن غيره من لم يسقط فرضه عن نفسه كقضاء الديون وأداء الزكاة قبل أن يؤدي زكاة نفسه.
والراجح من القولين: ما ذهب إليه أصحاب القول الأول؛ فيشترط في النائب أن يحج عن نفسه أولاً، وهذا اختيار سماحة شيخنا (1) عبد العزيز بن باز، واللجنة الدائمة للإفتاء (2)، هذا إذا كان النائب يستطيع أن يحج عن نفسه، أما إذا كان لا يستطيع وحج عن غيره فهذا لا بأس به.

فائدة (1): يشترط في المرأة التي تريد الحج ألا تكون معتدة مدة إمكان السير للحج

: ودليل ذلك قوله تعالى ﴿لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلاَّ أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ (3)، والحج يمكن أداءه في وقت آخر فلا تلزم به وهي في العدة.

لكن هل هذا الحكم لكل معتدة؟

نقول اختلف الفقهاء في هذه المسألة: فالحنفية 99 عمموا الحكم فجعلوه في=969798

الجزء: 3 - الصفحة: 31

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =كل معتدة من طلاق بائن أو رجعي أو وفاة، أو فسخ نكاح ونحو ذلك عند المالكية (1). أما الشافعية (2)، والحنابلة فقالوا لا تخرج المرأة إلى الحج في عدة الوفاة، ولها أن تخرج إلى الحج في عدة الطلاق المبتوت، وذلك لأن لزوم البيت واجب في عدة الوفاة، وقدم على الحج لأنه يفوت، والطلاق المبتوت لا يجب فيه ذلك، وأما عدة الرجعية فالمرأة فيها بمنزلتها في طلب النكاح، لأنها زوجة.

فائدة (2): لو خالفت المرأة المعتدة وخرجت إلى الحج وهي في العدة

: صح حجها وكانت آثمة.

فائدة (3): إذا خرجت المرأة من بلدها للحج وطرأت عليها العدة

كأن تخبر بوفاة زوجها أو تخبر بطلاق زوجها لها فما الحكم إذاً؟ نقول اختلف الفقهاء في ذلك: فقال المالكية (3) ترجع إذا وجدت ثقة ذا محرم أو ناساً لا بأس بهم، وإن بعدت أو كانت أحرمت أو أحرمت بعد طلاق أو الموت ولم تجد رفقة ترجع معهم فإنها تمضي.
وقال ابن قدامة في المغني (4) إذا خرجت للحج فتوفى زوجها وهي قريبة رجعت لتعتد في منزلها، وإن تباعدت مضت في سفرها.

فائدة (4): هل يجوز لمن يقدر على الحج بنفسه أن يستنيب في حج التطوع؟

100101102103 الجزء: 3 - الصفحة: 32

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =على روايتين في المذهب (1) الأولى: أنه يصح، والرواية الثانية: لا يصح، وهي الصحيحة اختارها شيخنا رحمه الله (2).

- فائدة (5): من مات أبواه ولم يحجَّا

حجَّة الإسلام شُرعَ له أن يحج عنهما، ولكن بأيهما يبدأ؟ نقول يبدأ بالأم لأن حقها آكد لما روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: (جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ مَنْ أَحَقُّ النَّاسِ بِحُسْنِ صَحَابَتِي قَالَ أُمُّكَ قَالَ ثُمَّ مَنْ قَالَ ثُمَّ أُمُّكَ قَالَ ثُمَّ مَنْ قَالَ ثُمَّ أُمُّكَ قَالَ ثُمَّ مَنْ قَالَ ثُمَّ أَبُوكَ) 106.104105

الجزء: 3 - الصفحة: 33

بَابُ الْمَوَاقِيْتِ

(1) وَمِيْقَاتُ أَهْلِ الْمَدِيْنَةِ: ذُو الْحُلَيْفَةِ (2)، وَالشَّامِ وَمِصْرَ وَالْمَغْرِبِ: الْجُحْفَةُ (3)،  (1)

قوله (بَابُ الْمَوَاقِيْتِ):

هذا الباب عقده المؤلف لبيان مواقيت الحج المكانية والزمانية، وبعض المسائل المتعلقة بمن تجاوز الميقات أو من منزله دونه.

فائدة: للحج ميقاتان

ميقات زمان، وميقات مكان: فالمواقيت الزمانية سيذكرها المؤلف في آخر هذا الباب.
والمواقيت المكانية سيذكرها المؤلف بعد تسمية هذا الباب.

لكن ما الحكمة من جعل المواقيت المكانية لقاصدي بيت الله العتيق؟

نقول: لعل الحكمة - والله أعلم - هو تعظيم البيت الحرام وتكريمه ليأتي إليه الحاج أو المعتمر من هذه الحدود على حالة معينة تشعر بالتعظيم والخضوع لرب العالمين.
وعلى العبد المسلم السمع، والطاعة، والتسليم لله ورسوله ولو لم يعلم الحكمة من هذا التشريع الإلهي.

(2)

قوله (وَمِيْقَاتُ أَهْلِ الْمَدِيْنَةِ: ذُو الْحُلَيْفَةِ):

الحليفة: تصغير الحلفاء وهو شجر بري معروف.
وذو الحليفة قرية صغيرة وهي التي تسمى الآن (أبيار علي)، وهي تبعد عن المسجد النبوي حوالي عشرة كيلو مترات، ويزعم العامة أن علياً رضي الله عنهقاتل فيها الجن، وهذا غير صحيح.
وذو الحليفة هي أبعد المواقيت من مكة حيث تبعد (410) كيلو متر.

(3)

قوله (وَالشَّامِ وَمِصْرَ وَالْمَغْرِبِ: الْجُحْفَةُ):

أي وميقات أهل الشام ومصر والمغرب الجحفة، وهي قرية خربة اجتحفها السيل، كان اسمها مهيعة، وهي قرية قرب رابغ، وقد وضعت فيها وزارة الشؤون الإسلامية مسجداً، لكن=

الجزء: 3 - الصفحة: 34

وَالْيَمَنِ: يَلَمْلَمُ (1)، وَلِنَجْدٍ: قَرْنٌ (2)، وَلِلْمَشْرِقِ: ذَاتُ عِرْقٍ (3)  =الناس يحرمون من رابغ لأنها بعده من جهة مكة، فالإحرام قبلها للحاجة لا بأس به، وتبعد عن مكة (200) كيلو متر، وهي ثاني أبعد المواقيت.

(1)

قوله (وَالْيَمَنِ: يَلَمْلَمُ):

وميقات أهل اليمن يلملم، ويسمى الآن بالسعدية، وهو جبل معروف من جبال تهامة ويبعد عن مكة في حدود (90) كيلو متراً إلا أن الوزارة أخرته عنه الآن فأصبح بعيداً عن مكانه لمصالح كثيرة.
(1)

قوله (وَلِنَجْدٍ: قَرْنٌ):

أي وميقات أهل نجد قرن المنازل، ويسمى الآن بالسيل الكبير ويتصل الوادي بوادي المحرم ويمر معهما طريقان إلى مكة ومسافته في حدود (75) كيلو متر.
وهل يسمى بقرن الثعالب؟ نقول قيل بذلك، ولكن الصحيح أن قرن الثعالب غير قرن المنازل، فقرن الثعالب جبل مطل على عرفات، والمراد بنجد اسم لما يمتد من العراق إلى الحجاز شرقاً وغرباً، ومن اليمن إلى الشام جنوباً وشمالاً.

(2)

قوله (وَلِلْمَشْرِقِ: ذَاتُ عِرْقٍ):

وهو ميقات أهل العراق، وسائر أهل المشرق، وذات عرق قرب عقيق الطائف، وكان الحجاج في السابق يحرمون من الضريبة وتسمى الخريبات.
أما اليوم فهم يحرمون من السيل أو الوادي في طريق كرا وذلك لمشقة الطريق المؤدي إلى ذات عرق، وهو يبعد عن مكة (100) كيلو متر، أما السيل الكبير فهو يبعد عن مكة (75) كيلو متراً تقريباً.
وهذه المواقيت أربعة منها ثبت بالنص كما في حديث ابن عباس رضي الله عنهما قَالَ: (إِنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم وَقَّتَ لأَهْلِ الْمَدِينَةِ ذَا الْحُلَيْفَةِ وَلأَهْلِ الشَّأْمِ=

الجزء: 3 - الصفحة: 35

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =الْجُحْفَةَ وَلأَهْلِ نَجْدٍ قَرْنَ الْمَنَازِلِ وَلأَهْلِ الْيَمَنِ يَلَمْلَمَ هُنَّ لَهُنَّ وَلِمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِهِنَّ مِمَّنْ أَرَادَ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ وَمَنْ كَانَ دُونَ ذَلِكَ فَمِنْ حَيْثُ أَنْشَأَ حَتَّى أَهْلُ مَكَّةَ مِنْ مَكَّةَ) 107. أما ميقات أهل المشرق وهو ذات عرق فقد اختلف الفقهاء في ثبوته من حيث النص: فقال الجمهور 108 إنه منصوص عليه وليس ثبوته بالاجتهاد، واستدلوا لذلك بحديث عائشة رضي الله عنها (وَقَّتَ لأَهْلِ الْعِرَاقِ ذَاتَ عِرْقٍ) 109. وقال بعض الفقهاء أنه ثبت باجتهاد عمر رضي الله عنه ولا نص فيه، واحتجوا لذلك بما جاء عن ابن عمر رضي الله عنهما قال (لَمَّا فُتِحَ هَذَانِ الْمِصْرَانِ أَتَوْا عُمَرَ فَقَالُوا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حَدَّ لأَهْلِ نَجْدٍ قَرْنًا وَهُوَ جَوْرٌ عَنْ طَرِيقِنَا وَإِنَّا إِنْ أَرَدْنَا قَرْنًا شَقَّ عَلَيْنَا قَالَ فَانْظُرُوا حَذْوَهَا مِنْ طَرِيقِكُمْ فَحَدَّ لَهُمْ ذَاتَ عِرْقٍ) 110. قلت: والذي يظهر أن توقيت ذلك كان منصوصاً عليه ولم يبلغ عمر رضي الله عنه تحديده، فحدده باجتهاده فوافق النص.

  • فائدة (1): قد يقول قائل ما الحكمة من تفاوت المواقيت؟ نقول: هذا ما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وينبغي الرضا والتسليم في ذلك، ومن=

الجزء: 3 - الصفحة: 36

فَهَذِهِ الْمَوَاقِيْتُ لأَهْلِهَا وَلِكُلِّ مَنْ مَرَّ عَلَيْهَا مِنْ غَيْرِ أَهْلِهَا (1)،  =العلماء من قال في ذي الحليفة لتقارب خصائص الحرمين فلا يكاد يخرج من حرم المدينة حتى يحرم لمكة.
والجحفة أول قرية عامرة على طريق الشام والثلاثة الأخرى مسافتها متقاربة.

فائدة (2): في تحديد هذه المواقيت

: بيان يسر الشريعة حيث لم يوجد مكان واحد يشق على الناس قصده.

- فائدة (3): هذا التعيين فيه آية من آيات نبوة النبي صلى الله عليه وسلم:

حيث لم يكن أهل هذه البلاد مسلمين آنذاك، ففيه إشارة إلى أنهم يسلمون ويحجون، وقد كان ذلك ولله الحمد.

فائدة (4): أحوال الناس في المواقيت المكانية على ثلاثة أصناف

: الأول: الأفاقي: وهم من كان خارج المواقيت، فهؤلاء يلزمهم الإحرام من المواقيت التي وقَّتها رسول الله صلى الله عليه وسلم السابق ذكرها.
الثاني: الميقاتي: وهم الذين يسكنون داخل المواقيت أو ما يحاذيها فهؤلاء ميقات إحرامهم للحج هو موضعهم.
الثالث: أهل الحرم: سواء كان مستوطناً أم نازلاً، فإنه يحرم من حيث أنشأ لقوله صلى الله عليه وسلم ( .. وَمَنْ كَانَ دُونَ ذَلِكَ فَمِنْ حَيْثُ أَنْشَأَ حَتَّى أَهْلُ مَكَّةَ مِنْ مَكَّةَ) (1). أما العمرة فمحل إحرامهم الحل، وسيأتي بيان ذلك كله قريباً إن شاء الله.

(1)

قوله (فَهَذِهِ الْمَوَاقِيْتُ لأَهْلِهَا وَلِكُلِّ مَنْ مَرَّ عَلَيْهَا مِنْ غَيْرِ أَهْلِهَا):

دليل ذلك حديث ابن عباس المتقدم.111

الجزء: 3 - الصفحة: 37

وَمَنْ مَنْزِلُهُ دُوْنَ الْمِيْقَاتِ، فَمِيْقَاتُهُ مِنْ مَوْضِعِهِ (1) حَتَّى أَهْلُ مَكَّةَ يُهِلُّوْنَ مِنْهَا لِحَجِّهِمْ (2)، وَيُهِلُّوْنَ لِلْعُمْرَةِ مِنَ الْحِلِّ (3)،  (1)

قوله (وَمَنْ مَنْزِلُهُ دُوْنَ الْمِيْقَاتِ، فَمِيْقَاتُهُ مِنْ مَوْضِعِهِ):

دليل ذلك ما جاء في حديث ابن عباس المتقدم وفيه قوله (ومن كان دونهن فمهله من أهله).
(2)

قوله (حَتَّى أَهْلُ مَكَّةَ يُهِلُّوْنَ مِنْهَا لِحَجِّهِمْ):

سواء كان مستوطناً أم كان نازلاً فإنه يحرم بالحج منها ولا يشرع له الذهاب إلى المسجد الحرام للإحرام منه كما يصنع بعض الناس بل يحرم من مكانه الذي هو فيه.
(3)

قوله (وَيُهِلُّوْنَ لِلْعُمْرَةِ مِنَ الْحِلِّ):

أي أهل مكة يهلون لعمرتهم من الحل فيخرجون من مكة إلى أي مكان من الحل كعرفات أو التنعيم أو الجعرانة أو غيرها، فيحرمون منه.
دليل ذلك حديث عائشة رضي الله عنها أنها قالت: ( .. يَا رَسُولَ اللَّهِ تَنْطَلِقُونَ بِحَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ وَأَنْطَلِقُ بِحَجٍّ فَأَمَرَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ أَنْ يَخْرُجَ مَعَهَا إِلَى التَّنْعِيمِ فَاعْتَمَرَتْ بَعْدَ الْحَجِّ) (1).

لكن ما الحكمة من جعل إهلالهم للحج من مكانهم وإهلالهم للعمرة من الحل؟

نقول - والله أعلم -: لما كانت أعمال الحج يتخللها رحلة بين الحل والحرم، وأعمال العمرة كلها داخل الحرم كان ولابد من أن يكون الإحرام من الحل.

فائدة: اختلف الفقهاء في أفضل المواقيت لأهل مكة لمن أراد العمرة

: فذهب الجمهور أن أفضلها الجعرانة.
وذهب الحنفية 113 إلى أن أفضلها التنعيم.112

الجزء: 3 - الصفحة: 38

وَمَنْ لَمْ يَكُنْ طَرِيْقُهُ عَلَى مِيْقَاتٍ، فَمِيْقَاتُهُ حَذْوَ أَقْرَبِهَا إِلَيْهِ (1)، وَلا يَجُوْزُ لِمَنْ أَرَادَ دُخُوْلَ مَكَّةَ تَجَاوُزُ الْمِيْقَاتِ غَيْرَ مُحْرِمٍ، إِلاَّ لِقِتَالٍ مُبَاحٍ، أَوْ حَاجَةٍ تَتَكَرَّرُ، كَالْحَطَّابِ وَنَحْوِهِ.
ثُمَّ إِذا أَرَادَ النُّسُكَ، أَحْرَمَ مِنْ مَوْضِعِهِ (2)،  =وقال أكثر المالكية (1) هما متساويان.
والصواب: أنه يفعل الأسهل عليه، فمثلاً إذا كان في الرصيفة أو في غربي مكة ورأى أن الأسهل عليه أن يخرج عن طريق جدة ويحرم من الحل فلا بأس، أو كان في العوالي وأراد أن يخرج إلى عرفة ويحرم منها فلا بأس، لأن المقصود أن يحرم من الحل سواء كان من التنعيم أو من غيره.

(1)

قوله (وَمَنْ لَمْ يَكُنْ طَرِيْقُهُ عَلَى مِيْقَاتٍ، فَمِيْقَاتُهُ حَذْوَ أَقْرَبِهَا إِلَيْهِ):

دليل ذلك حديث عمر المتقدم، وفيه قوله لأهل العراق (فَانْظُرُوا حَذْوَهَا مِنْ طَرِيقِكُمْ .. ) (2)، فعلى من أراد الحج والعمرة ولم يكن له ميقات أن ينظر إلى أقرب المواقيت المكانية سابقة الذكر إلى طريقه فإذا حاذاها أحرم.

فائدة: من مرَّ أو حاذى هذه المواقيت وهو في طريق الجو:

وجب عليه أن يحرم إذا مرَّ من فوقها ولا يجوز له أن يؤخِّر الإحرام حتى يصل إلى جدة.
(2) قوله (وَلا يَجُوْزُ لِمَنْ أَرَادَ دُخُوْلَ مَكَّةَ تَجَاوُزُ الْمِيْقَاتِ غَيْرَ مُحْرِمٍ، إِلاَّ لِقِتَالٍ مُبَاحٍ، أَوْ حَاجَةٍ تَتَكَرَّرُ، كَالْحَطَّابِ وَنَحْوِهِ.
ثُمَّ إِذا أَرَادَ النُّسُكَ، أَحْرَمَ مِنْ مَوْضِعِهِ).

من تجاوز الميقات ممن لا يريد النسك له حالتان

:

الأولى: من لا يريد دخول الحرم

: فهذا لا يلزمه الإحرام ولا شيء عليه في=114115

الجزء: 3 - الصفحة: 39

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =تركه، فإن بدا له الإحرام أحرم من موضعه ولا شيء عليه لقوله صلى الله عليه وسلم كما في حديث ابن عباس ( .. هُنَّ لَهُنَّ وَلِمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِهِنَّ مِمَّنْ أَرَادَ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ .. ) (1).

الثانية: من يريد دخول الحرم إلى مكة أو غيرها

: وهذا على ثلاثة أضرب: 1 - من دخلها لقتال مباح أو حاجة تتكرر كالحطاب وغيره، أو دخلها من خوف وغير ذلك فهؤلاء لا إحرام عليهم لأن النبي صلى الله عليه وسلم دخل يوم فتح مكة حلالاً وعلى رأسه المغفر وكذلك أصحابه ولم يعلم أن أحداً منهم أحرم.
وهذا هو المذهب 117، وهو مذهب الشافعي 118. وقال أبو حنيفة 119 لا يجوز لأحد دخول الحرم بغير إحرام إلا من كان دون الميقات.
والصحيح: القول الأول.
2 - من دخلها ممن لا يجب عليه الحج كالعبد، والصبي، والكافر إذا أسلم بعد تجاوز الميقات أو عتق العبد، أو بلغ الصبي وأرادوا الإحرام فهؤلاء على خلاف بين الفقهاء.: فقال بعضهم: يحرمون من موضعهم ولا دم عليهم، وهذا هو المذهب 120، وبه قال مالك 121.116

الجزء: 3 - الصفحة: 40

وَإِنْ جَاوَزَهُ غَيْرَ مُحْرِمٍ (1)  وقال الشافعي (1) على كل واحد منهم دم، وفي رواية لأحمد مثله.
والصحيح: أنهم يحرمون من موضعهم الذي وجب عليهم الإحرام منه ولا دم عليهم، وهذا قول ابن قدامة في المغني (2). 3 - المكلف الذي يدخل لغير قتال ولا حاجة متكررة: فهذا محل خلاف بين الفقهاء: فقال بعضهم: لا يجوز له تجاوز الميقات غير محرم، وقال بعضهم لا يجب الإحرام عليه.
والذي يظهر أن في ذلك تفصيلاً: فإن كان هذا الإنسان لم يحج فرضه فإنه يلزمه أن يحرم لأن الحج والعمرة يجبان على الفور على القول الصحيح، وقد وصل الآن إلى الميقات فلا يجوز له أن يؤخر.
أما إن كان هذا الذي يمر بالميقات ممن حج فرضه وأراد دخول مكة لحاجة فهذا على خلاف.
والراجح: أنه ليس عليه إحرام سواء طالت مدة تغيبه عن مكة أم لم تطل، وهذا هو القول الصحيح الذي تدل عليه الأدلة، وهذا اختيار الشيخين (3) رحمهما الله.

(1)

قوله (وَإِنْ جَاوَزَهُ غَيْرَ مُحْرِمٍ):

أي إذا جاوز الميقات من يجب عليه الإحرام أو من يريد الإحرام.122123124

الجزء: 3 - الصفحة: 41

رَجَعَ فَأَحْرَمَ مِنَ الْمِيْقَاتِ، وَلا دَمَ عَلَيْهِ؛ لأَنَّهُ أَحْرَمَ مِنْ مِيْقَاتِهِ (1) فَإِنْ أَحْرَمَ مِنْ دُوْنِهِ، فَعَلَيْهِ دَمٌ، سَوَاءٌ رَجَعَ إِلَى الْمِيْقَاتِ، أَوْ لَمْ يَرْجِعْ (2) وَالأَفْضَلُ أَنْ لا يُحْرِمَ قَبْلَ الْمِيْقَاتِ، فَإِنْ فَعَلَ فَهُوَ مُحْرِمٌ (3)  (1)

قوله (رَجَعَ فَأَحْرَمَ مِنَ الْمِيْقَاتِ، وَلا دَمَ عَلَيْهِ؛ لأَنَّهُ أَحْرَمَ مِنْ مِيْقَاتِهِ):

وذلك لأن الإحرام من الميقات واجب كما سبق بيانه.
(2)

قوله (فَإِنْ أَحْرَمَ مِنْ دُوْنِهِ، فَعَلَيْهِ دَمٌ، سَوَاءٌ رَجَعَ إِلَى الْمِيْقَاتِ، أَوْ لَمْ يَرْجِعْ):

هذا هو المذهب (1)، وهو قول مالك (2)، وفي رواية أنه يسقط عنه الدم إذا رجع إلى الميقات، وهو ظاهر مذهب الشافعي (3). لكن إن ترك العود لعذر فلا يأثم بترك الرجوع، كخوف فوات الوقوف بعرفة لضيق الوقت، أو المرض الشاق أو خوف فوات الرفقة.
ومع رفع الإثم عنه يلزمه الدم لعدم الرجوع إلى الميقات لكي يحرم منه.
(3)

قوله (وَالأَفْضَلُ أَنْ لا يُحْرِمَ قَبْلَ الْمِيْقَاتِ، فَإِنْ فَعَلَ فَهُوَ مُحْرِمٌ):

تقديم الإحرام قبل المواقيت جائز بالإجماع، لكن اختلف الفقهاء في الأفضل.
والراجح ما ذهب إليه الجمهور من كراهية الإحرام قبل الميقات وذلك لأن النبيصلى الله عليه وسلم وأصحابه إنما أحرموا من هذه المواقيت ولا يفعلون إلا الأفضل ولا يقر أصحابه إلا على السنة، وقد روي أن عمران بن حصين أحرم من البصرة فغضب عمر وقال لا يتسامع الناس أن رجلاً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أحرم من البصرة، وأنكر عثمان على رجل أحرم من خراسان، ولأنه يشدد على نفسه فيتعرض لفعل المحظورات، وفيه مشقة على النفس=125126127

الجزء: 3 - الصفحة: 42

وَأَشْهُرُ الْحَجِّ: شَوَّالٌ، وَذُو الْقَعْدَةِ، وَعَشْرٌ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ (1).  = لطول المدة والمسافة.

(1)

قوله (وَأَشْهُرُ الْحَجِّ: شَوَّالٌ، وَذُو الْقَعْدَةِ، وَعَشْرٌ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ):

أجمع العلماء على أن المراد بأشهر الحج شوال وذو القعدة واختلفوا في ذي الحجة هل هو بكماله أم عشر منه.
فذهب مالك 128، وابن حزم 129، واختاره شيخنا 130 محمد بن صالح العثيمين إلى أنه بكماله.
واستدلوا لذلك بأدلة منها: 1 - أن هذا ظاهر القرآن قال تعالى ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ ... ﴾ 131 وأشهر جمع فتكون ثلاثة والمعروف في اللغة العربية أن أقل الجمع ثلاثة، وعلى هذا فتكون أشهر الحج ثلاثة.
2 - أن اليوم الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر أيام الرمي والمبيت بمنى، فهي من أيام الحج فكيف نخرجها من أشهر الحج.
3 - أن هذا ورد عن جماعة من الصحابة منهم ابن عباس رضي الله عنهما حيث قال (أشهر الحج التي ذكر الله تعالى شوال، وذو القعدة وذو الحجة).
أما المذهب 132، وهو قول الجمهور 133، وقول سماحة شيخنا ابن باز 134، فقد قالوا ليس بكماله، بل عشرة منه، واحتجوا لذلك بما رواه البخاري=

الجزء: 3 - الصفحة: 43

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  = معلقاً مجزوماً به عن ابن عمر رضي الله عنهما (أَشْهُرُ الْحَجِّ شَوَّالٌ وَذُو الْقَعْدَةِ وَعَشْرٌ مِنْ ذِي الْحَجَّةِ) (1). والقول الأول هو الأقرب عندي: للأدلة التي سبقت فيه.

فائدة (1): في حكم انعقاد الحج قبل أشهره؟

ذهب جمهور الفقهاء الحنفية 136، والمالكية 137، والحنابلة 138 إلى صحة الإحرام بالحج قبل أشهر الحج، وينعقد حجاً مع الكراهة.
وذهب الشافعية 139 إلى أنه لا ينعقد الإحرام بالحج قبل أشهره، فلو أحرم بالحج قبل شوال لم ينعقد حجاً وانعقد عمرة على الصحيح عندهم.
والصحيح من القولين: ما ذهب إليه الشافعية، وهو اختيار شيخنا 140 محمد ابن صالح العثيمين، فلا يجوز لأحد أن يحرم قبل الميقات الزماني ولو أحرم به قبل دخول شهر شوال صار الإحرام عمرة لا حجاً لقوله تعالى ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ ... ﴾ 141.

  • فائدة (2): المراد بالإحرام: هو نية الدخول في النسك لا الاغتسال ولا لبس ملابس الإحرام كما يظنه بعض العوام، فمن كان في بلده ولبس ملابس الإحرام ثم ذهب إلى الميقات فإنه لم يفعل شيئاً مكروهاً لأن الإحرام هو =135

الجزء: 3 - الصفحة: 44

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =نية الدخول في النسك ولم تحصل إلا بعد وصوله إلى الميقات.

- فائدة (3): اتفق الفقهاء على أن من فعل شيئاً من أعمال الحج قبل أشهر الحج لم يجزئه:

كما لو صام المتمتع أو القارن ثلاثة أيام قبل أشهر الحج لا يجوز، وكذلك لو سعى بين الصفا والمروة عقب طواف القدوم لا يقع عنه سعي الحج إلا فيها يعني إلا في أشهر الحج.

الجزء: 3 - الصفحة: 45

بَابُ الإِحْرَامِ

(1)  (1)

قوله (بَابُ الإِحْرَامِ):

أي باب ما يجب في الإحرام وما يسن وما يستحب له.
والإحرام: مأخوذ من التحريم، ومعنى أحرم: أي دخل في الحرم.
ولهذا يقال تكبيرة الإحرام لأنه بها يدخل في التحريم؛ أي تحريم ما يحرم على المصلي.
أما تعريفه في الشرع: فهو نية الدخول في حرمات الحج والعمرة.
أما حكمه: فقد أجمع العلماء على أنه من فرائض النسك حجاً كان أو عمرة لقوله صلى الله عليه وسلم (إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ .. ) (1).

لكن اختلف الفقهاء هل هو ركن من أركان الحج أم شرط من شروطه؟

فالجمهور (2) يرى أنه ركن، وذهب الحنفية (3) إلى أنه شرط من شروط صحة الحج.
والصحيح: ما ذهب إليه الجمهور.

فائدة: ما الحكمة من الإحرام؟

الحكمة في تشريع الإحرام استشعار تعظيم الله تعالى وتلبية أمره بأداء النسك الذي يريده المحرم، وأن صاحبه يريد أن يحقق به التعبد والامتثال لله تعالى، ومن الحكم أيضاً أن النفس تواقة إلى معالي الأمور وحريصة على البعد عن سفاسفها فالمحرم يظهر عليه آثار الذلة والخضوع.142143144

الجزء: 3 - الصفحة: 46

مَنْ أَرَادَ الإِحْرَامَ (1) اسْتُحِبَّ لَهُ أَنْ يَغْتَسِلَ (2)، وَيَتَنَظَّفَ (3)، وَيَتَطَيَّبَ (4)،  (1) قوله (مَنْ أَرَادَ الإِحْرَامَ): بحج أو عمرة.
(2) قوله (اسْتُحِبَّ لَهُ أَنْ يَغْتَسِلَ): لعمرته وحجه دليل ذلك ما رواه الترمذي (1) وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم اغتسل عند إحرامه.
واتفق الفقهاء على أن هذا الغسل سنة لكل محرم صغيراً أو كبيراً ذكراً أو أنثى، ويطلب أيضاً من المرأة الحائض والنفساء في حال الحيض والنفاس.

فائدة: لو اغتسل من أراد الحج أو العمرة في بيته

ثم سافر للحج أو العمرة فإنه ينال فضيلة السنة ولا يضره ذلك وهذا عند جمهور الفقهاء أما المالكية (2) فقيدوا ذلك بأن يكون متصلاً بالإحرام.
(3)

قوله (وَيَتَنَظَّفَ):

أي يأخذ ما ينبغي أخذه كقص الشارب ونتف الإبط وحلق العانة وتقليم الأظفار إن كان شيء من ذلك يحتاج إليه، والحكمة في ذلك لئلا يحتاج إليه حال إحرامه وقد منع منه.
(4)

قوله (وَيَتَطَيَّبَ):

وذلك بأن يطيب لحيته ورأسه، دليل ذلك حديث عائشة رضي الله عنها قالت (كُنْتُ أُطَيِّبُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لإِحْرَامِهِ حِينَ يُحْرِمُ وَلِحِلِّهِ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ) 147. أما تطييب ثياب الإحرام قبل الإحرام فقد منعه الجمهور.
وذهب بعض الفقهاء إلى إن تطييب ثيابه قبل الإحرام تجب إزالته سواء في =145146

الجزء: 3 - الصفحة: 47

وَيَتَجَرَّدَ عَنِ الْمَخِيْطِ فِيْ إِزَارٍ وَرِدَاءٍ أَبْيَضَيْنِ نَظِيْفَيْنِ (1)،  = ذلك بدنه أو ثوبه، فإن بقي شيء من جرم الطِيب تطيب به قبل الإحرام فإن الفدية تكون واجبة، أما إذا كان الباقي مجرد رائحة فلا يلزم نزع الثوب لكن يكره استدامته ولا فدية.
والصحيح: أنه لا يجوز لبس الثوب إذا طيبه لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( .. وَلا تَلْبَسُوا مِنْ الثِّيَابِ شَيْئًا مَسَّهُ زَعْفَرَانٌ وَلا الْوَرْسُ) (1) فنهى أن تلبس الثوب المطيب.
أما تطييب البدن قبل الإحرام فلا بأس به، كما في حديث عائشة رضي الله عنها المتقدم وفيه قولها (كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى وَبِيصِ الطِّيبِ فِي مَفَارِقِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ مُحْرِمٌ) (2).

(1)

قوله (وَيَتَجَرَّدَ عَنِ الْمَخِيْطِ فِيْ إِزَارٍ وَرِدَاءٍ أَبْيَضَيْنِ نَظِيْفَيْنِ):

أي ويجب أن يتجرد المحرم من لبس المخيط كالقميص والسراويل وغيره مما هو من محظورات الإحرام ويشترط عند تجرده عدم كشف العورة أمام الناس، فإن استلزم ذلك كان حراماً.
دليل تجرده عن المخيط ما رواه أحمد وغيره عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( .. وَلْيُحْرِمْ أَحَدُكُمْ فِي إِزَارٍ وَرِدَاءٍ وَنَعْلَيْنِ) 150. أما اختيار كونهما أبيضين فلأنه من أفضل الألوان.
وهل يشترط كونهما جديدين؟ =148149

الجزء: 3 - الصفحة: 48

ثُمَّ يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ وَيُحْرِمَ عَقِيْبَهُمَا (1)، وَهُوَ أَنْ يَنْوِيَ الإِحْرَامَ (2)، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَنْطِقَ بِمَا أَحْرَمَ بِهِ.
وَيَشْتَرِطَ، وَيَقُوْلُ: اللهُمَّ إِنِّيْ أُرِيْدُ النُّسُكَ الْفُلانِيَّ (3)،  = الجواب لا، ولكن كلما كانت أنظف كان أحسن.
والإزار يشد على الوسط من السُّرة فما دونها لستر العورة، والرداء ما يوضع على الكتف.

(1)

قوله (ثُمَّ يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ وَيُحْرِمَ عَقِيْبَهُمَا):

لو قال المؤلف كما قال صاحب التسهيل (وأحرم عقيب مكتوبة أو نفل) لكان أحسن لأن كلامه رحمه الله يشعر بأن للإحرام صلاة تخصه، وليس ذلك كذلك كما ذكر ذلك شيخ الإسلام رحمه الله (1)، فإن الذين حضروا حجه صلى الله عليه وسلم كلهم ذكروا أنه أحرم عقيب صلاة الظهر أو الفجر في مسجد ذي الحليفة، وإن لم يكن وقت فريضة صلى ركعتين بنية صلاة الضحى، أو سنة الوضوء، أما جعله صلاة خاصة بالإحرام فغير صحيح.
(2)

قوله (وَهُوَ أَنْ يَنْوِيَ الإِحْرَامَ):

الضمير عائد على المحرم، فينوي المحرم بقلبه نسكه، فلا يصير محرماً بمجرد تجرده من ثيابه ولبسه لإزاره وردائه بل لابد من النية لقوله صلى الله عليه وسلم (إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ .. ) (2). بل لو لبى بدون نية الدخول في النسك فإنه لا يكون مُحِرْماً بمجرد التلبية، فالنية شرط لقوله صلى الله عليه وسلم (إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ .. ).

(3)

قوله (وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَنْطِقَ بِمَا أَحْرَمَ بِهِ. وَيَشْتَرِطَ، وَيَقُوْلُ: اللهُمَّ إِنِّيْ أُرِيْدُ

النُّسُكَ الْفُلانِيَّ): أي أن يقول بلسانه نويت حجاً، أو نويت عمرة، أو =151152

الجزء: 3 - الصفحة: 49

فَإِنْ حَبَسَنِيْ حَابِسٌ، فَمَحَلِّيْ حَيْثُ حَبَسْتَنِيْ (1)،  = نويت عمرة وحجة، وغير ذلك.
وهذا ما ذهب إليه الحنفية (1) في المختار عندهم، والشافعية (2)، والحنابلة (3) في المذهب، وعللوا لذلك ليوافق اللسان القلب.
وذهب بعض الحنفية (4) والحنابلة (5) إلى أن التلفظ بالنية مكروه.
أما المالكية (6) فذهبوا إلى جواز التلفظ بالنية، لكن الأولى تركه إلا لموسوس فيستحب التلفظ بها.
فهذه أقوال أصحاب المذاهب في التلفظ بالنية.
قال سماحة شيخنا (7) ابن باز رحمه الله ولا يشرع له التلفظ بما نوى إلا في الإحرام خاصة لوروده عن النبي صلى الله عليه وسلم.
قلت: والصواب من هذه الأقوال أنه لا يشرع التلفظ بالنية لأنه لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أحد من الصحابة أنهم كانوا يقولون ذلك، ولا فرق بين الحج والعمرة وغيرها من العبادات.
أما قول (لبيك حجاً)، أو (لبيك عمرة) فهذا ليس بنية وإنما هو تسمية للنسك.

(1)

قوله (فَإِنْ حَبَسَنِيْ حَابِسٌ، فَمَحَلِّيْ حَيْثُ حَبَسْتَنِيْ):

أي إن منعني مانع من إتمام نسكي فإني أحل من إحرامي حين حصول المانع، وهذا ما يسمى بالاشتراط في الإحرام.153154155156157158159

الجزء: 3 - الصفحة: 50

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وقد اختلف الفقهاء في هذه المسألة على ثلاثة أقوال: القول الأول: أنه يسن مطلقاً؛ وهو قول الشافعية (1) والحنابلة (2) واحتجوا لذلك بحديث ضباعة بنت الزبير، وقول النبي صلى الله عليه وسلم لها ذلك.
القول الثاني: أنه لا يسن مطلقاً، وهذا هو قول الحنفية (3)، والمالكية (4)، بل ذهبوا إلى عدم صحة الاشتراط في الإحرام، وعدم إباحة التحلل عند حصول المانع له، واحتجوا لذلك بقوله سبحانه: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ ... ﴾ (5) القول الثالث: أنه يسن لمن خاف مانعاً من إتمام الحج كالمرأة الحامل تخاف أن تلد فتصير نفساء، أو رجلاً يخاف عدواً أن يحبسه من إتمام النسك، فهنا يسن لمن كان هذا حاله أن يشترط كما في حديث ضباعة بنت الزبير.
أما من لم يخف فلا يسن له الاشتراط، وهذا هو اختيار شيخ الإسلام (6)، وهو ما رجحه شيخنا (7) رحمه الله.
والذي أراه: أنه لا ينبغي الاشتراط لكل أحد، بل من خاف من مرضٍ أو حبسٍ أو غيره فيشترط وإلا فلا.

ذكر بعض الفوائد

:160161162163164165166

الجزء: 3 - الصفحة: 51

قوله وَهُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ التَّمَتُّعِ، وَالإِفْرَادِ، وَالْقِرَانِ (1)، وَأَفْضَلُهَا التَّمَتُّعُ، ثُمَّ الإِفْرَادُ، ثُمَّ الْقِرَانُ (2)،  - فائدة (1): الفائدة في الاشتراط؟ الفائدة أنه إذا وجد مانع يمنعه من الحج حلَّ من إحرامه مجاناً أي بلا هدي وإلا فالواجب عليه إن حلَّ من إحرامه عند عدم الاشتراط هدي، كما قال تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ ... ﴾ (1).

فائدة (2): هل للمرأة أن تشترط إذا خافت مجيء الدورة الشهرية لها؟

هذا محل نظر عند أهل العلم، ويرى شيخنا أن لها أن تشترط، فإذا جاءت الدورة حلَّت ولا شيء عليها.
قلت: والأحوط لها أن لا تشترط لأنها تعرف موعد دورتها فالأولى لها أن لا تحرم إذا كانت تعلم أن الدورة ستأتيها.
(1) قوله (وَهُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ التَّمَتُّعِ، وَالإِفْرَادِ، وَالْقِرَانِ): وذلك لحديث عائشة رضي الله عنها حيث قالت: (خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ وَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِحَجٍّ .. ) (2) فقولها رضي الله عنها فمنا من أهلَّ بعمرة هو المتمتع لأنه سيهل بالحج في يوم التروية بعد أن أهل بعمرة ثم يتحلل منها فيأتي في سفرة واحدة بعمرة وحج متمتعاً بينهما بالتحلل كما سيأتي قريباً إن شاء الله تعريف التمتع.

(2)

قوله (وَأَفْضَلُهَا التَّمَتُّعُ، ثم الإفراد، ثم القرآن):

أي أفضل الأنساك الثلاثة هو التمتع.167168

الجزء: 3 - الصفحة: 52

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وقد اختلف الفقهاء في هذه المسألة يعني أي الأنساك أفضل؟ فذهب المالكية 169، والشافعية 170 إلى أن الإفراد أفضل، واستدلوا لذلك بما يلي: 1 - حديث عائشة رضي الله عنها المتقدم وفيه قولها ( .. وَأَهَلَّ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِالْحَجِّ .. ) 171، وغير ذلك من الأحاديث التي تدل على أنه صلى الله عليه وسلم كان مفرداً.
2 - أن الإفراد أشق عملاً من القران، وليس فيه استباحه محظور كما في المتمتع فيكون أكثر ثواباً، واشترط الشافعية لكون الإفراد أفضل من غيره أن يحج ثم يعتمر من سنته، فإن أخر العمرة عن سنة الحج فكل واحد من التمتع والقران أفضل من الإفراد لأن تأخير العمرة سنة الحج مكروه.
هذا هو القول الأول في المسألة.
القول الثاني فيها: ما ذهب إليه الحنفية 172، قالوا بأن أفضل الأنساك القران ثم التمتع ثم الإفراد.
واستدلوا لذلك بأدلة منها: 1 - حديث عمر رضي الله عنه حيث قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (أَتَانِي اللَّيْلَةَ آتٍ مِنْ رَبِّي فَقَالَ صَلِّ فِي هَذَا الْوَادِي الْمُبَارَكِ وَقُلْ عُمْرَةً فِي حَجَّةٍ) 173، الشاهد منه أن الله تعالى أمر نبيه أن يدخل العمرة في الحج بعد أن كان مفرداً ولا يأمره إلا بالأفضل، وهذا يجمع بين الروايات المختلفة في حجه صلى الله عليه وسلم فالمصير إليه =

الجزء: 3 - الصفحة: 53

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  = متعين.
2 - ومن أدلتهم أيضاً أن القران أشق لكونه أدوم إحراماً وأسرع إلى العبادة، ولأنه فيه جمعاً بين العبادتين فيكون أفضل.
القول الثالث: وهو قول الحنابلة 174 وهو ما ذكره المؤلف هنا أن التمتع أفضل الأنساك ويليه في الفضل الإفراد ثم القران، واحتجوا لذلك بأدلة منها: 1 - حديث جابر رضي الله عنهما وفيه قوله صلى الله عليه وسلم ( .. لَوْ أَنِّي اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ لَمْ أَسُقْ الْهَدْيَ وَجَعَلْتُهَا عُمْرَةً فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ لَيْسَ مَعَهُ هَدْيٌ فَلْيَحِلَّ وَلْيَجْعَلْهَا عُمْرَةً) 175. وجه الدلالة منه أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أصحابه بالتمتع، وتمناه لنفسه، ولا يأمر ولا يتمنى إلا الأفضل.
2 - أن التمتع يجمع له الحج والعمرة في أشهر الحج مع كمالهما، وكمال أفعالهما، على وجه اليسر والسهولة، مع زيادة نسك، فكان ذلك أولى.
فهذا مجمل أقوال الفقهاء في هذه المسألة.
والراجح عندي أن أفضل الأنساك هو التمتع لمن لم يسق الهدي، فإن ساق الهدي كان القران في حقه أفضل بخلاف المذهب فقد جعل التمتع أفضل مطلقاً.
لكن الصواب ما ذكرناه أن أفضل الأنساك التمتع لمن لم يسق الهدي، فإن ساق الهدي كان القران أفضل، فإن كان قد اعتمر في نفس السنة فالإفراد في حقه أفضل لأنه يأتي بنسك تام في سفرة مستقلة.

الجزء: 3 - الصفحة: 54

وَالتَّمَتُّعُ: أَنْ يُحْرِمَ بِالْعُمْرَةِ فِيْ أَشْهُرِ الْحَجِّ، وَيَفْرَغُ مِنْهَا، ثُمَّ يُحْرِمَ بِالْحَجِّ فِيْ عَامِهِ (1)،  = وكون التمتع أفضل إن لم يسق الهدي ولم يعتمر في نفس السنة لأن النبي صلى الله عليه وسلم تمناه لنفسه ولأنه أمر به أصحابه ممن لم يسق الهدي، ولأنه منصوص عليه في كتاب الله، قال تعالى ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ ... ﴾ (1) ولأنه يجمع بين نسكين في سفرة واحدة كل نسك على حده.
وهذا هو اختيار شيخ الإسلام (2)، واختيار الشيخين (3) رحمهما الله.

فائدة: هل التمتع واجب؟

الصواب: لا، وقيل واجبٌ على أصحابه.

(1)

قوله (وَالتَّمَتُّعُ: أَنْ يُحْرِمَ بِالْعُمْرَةِ فِيْ أَشْهُرِ الْحَجِّ، وَيَفْرَغُ مِنْهَا، ثُمَّ يُحْرِمَ بِالْحَجِّ فِيْ عَامِهِ): بدأ المؤلف ببيان صفة الأنساك فبدأ بالتمتع لكونه هو الأفضل فذكر فيه ثلاثة أوصاف:

الأول: (أن يحرم بالعمرة في أشهر الحج) وهي: (شوال، وذو القعدة، وذو الحجة) على القول الصحيح كما ذكرنا ذلك سابقاً.
فلو أحرم بالعمرة قبل أشهر الحج كأن يحرم بها في رمضان ثم يطوف ويسعى ويبقى إلى الحج فلا يكون متمتعاً لأنه أحرم بالعمرة في غير أشهر الحج.
الثاني: (الفراغ منها) يعني العمرة: ومعناه أن يحل من العمرة، ومعنى ذلك لو أحرم بالحج قبل طواف العمرة لم يكن متمتعاً بل يكون قارناً.176177178

الجزء: 3 - الصفحة: 55

وَالإِفْرَادُ: أَنْ يُحْرِمَ بِالْحَجِّ وَحْدَهُ (1)، وَالْقِرَانُ: أَنْ يُحْرِمَ بِهِمَا (2)، أَوْ يُحْرِمَ بِالْعُمْرَةِ ثُمَّ يُدْخِلُ عَلَيْهَا الْحَجَّ (3)،  (1) قوله (وَالإِفْرَادُ: أَنْ يُحْرِمَ بِالْحَجِّ وَحْدَهُ): هذه هي صفة الإفراد، وهي أن يحرم بالحج وحده من الميقات قائلاً عند إهلاله (لبيك حجاً).

(2)

قوله (وَالْقِرَانُ: أَنْ يُحْرِمَ بِهِمَا):

أي بالحج والعمرة من الميقات، ودليله حديث عمر رضي الله عنه أن النبي قال (أَتَانِي اللَّيْلَةَ آتٍ مِنْ رَبِّي فَقَالَ صَلِّ فِي هَذَا الْوَادِي الْمُبَارَكِ وَقُلْ عُمْرَةً فِي حَجَّةٍ) (1) (3)

قوله (أَوْ يُحْرِمَ بِالْعُمْرَةِ ثُمَّ يُدْخِلُ عَلَيْهَا الْحَجَّ):

هذه هي صفة أخرى للقران وهي أن يحرم بالعمرة ثم يدخل عليها أعمال الحج قبل الشروع في أحد أعمالها.
دليل ذلك حديث جابر رضي الله عنهما في صفة حجة النبي صلى الله عليه وسلم وفيه قال ( .. دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى عَائِشَةَ - رضي الله عنها - فَوَجَدَهَا تَبْكِي فَقَالَ مَا شَأْنُكِ قَالَتْ شَأْنِي أَنِّي قَدْ حِضْتُ وَقَدْ حَلَّ النَّاسُ وَلَمْ أَحْلِلْ وَلَمْ أَطُفْ بِالْبَيْتِ وَالنَّاسُ يَذْهَبُونَ إِلَى الْحَجِّ الآنَ فَقَالَ إِنَّ هَذَا أَمْرٌ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَى بَنَاتِ آدَمَ فَاغْتَسِلِي ثُمَّ أَهِلِّي بِالْحَجِّ فَفَعَلَتْ وَوَقَفَتْ الْمَوَاقِفَ حَتَّى إِذَا طَهَرَتْ طَافَتْ بِالْكَعْبَةِ وَالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ ثُمَّ قَالَ قَدْ حَلَلْتِ مِنْ حَجِّكِ وَعُمْرَتِكِ جَمِيعًا .. ) 180. قلت: والأظهر عندي أن ما ورد عن عائشة - رضي الله عنها - حال ضرورة فيقاس عليها من احتاج لذلك، فالقول بالإدخال مطلقاً فيه نظر، ولذلك أمر النبي صلى الله عليه وسلم من أحرم بالحج أن يجعلها عمرة ولم يرشدهم إلى ما أرشد به عائشة رضي الله عنها.179

الجزء: 3 - الصفحة: 56

وَلَوْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ، ثُمَّ أَدْخَلَ عَلَيْهِ العُمْرَةَ، لَمْ يَنْعَقِدْ إِحْرَامُهُ بِالْعُمْرَةِ (1)  (1)

قوله (وَلَوْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ، ثُمَّ أَدْخَلَ عَلَيْهِ العُمْرَةَ، لَمْ يَنْعَقِدْ إِحْرَامُهُ بِالْعُمْرَةِ): هذا هو المشهور في المذهب (1)، وعليه جمهور أهل العلم، وذلك لأن إدخال العمرة على الحج لا يفيد لأنه يدخل الأصغر وهو العمرة على الأكبر وهو الحج، وأفعال الحج هي أعمال العمرة وزيادة وسيبقى على إحرامه إلى يوم العيد.

وذهب الحنفية (2) إلى جواز ذلك وأنه يصير قارناً لحديث عمر المتقدم، ووجه الدلالة منه أن النبي صلى الله عليه وسلم أحرم بالحج أولاً كما في حديث ابن عباس رضي الله عنهما، وفيه قوله: ( .. ثُمَّ رَكِبَ رَاحِلَتَهُ فَلَمَّا اسْتَوَتْ بِهِ عَلَى الْبَيْدَاءِ أَهَلَّ بِالْحَجِّ) (3)، وفي رواية (أَفْرَدَ بِالْحَجِّ) (4)، ثم جمع بينهما كما في حديث عمر.
وهذا هو الصحيح، وهو ما يميل إليه شيخنا (5) رحمه الله.
وتعليل الفقهاء بأنه لا يستفيد من ذلك فيه نظر، بل يستفيد بلا شك لأنه بدل من أن يأتي بنسك واحد أتى بِنُسكين.

ذكر بعض الفوائد

المتعلقة بما سبق:

فائدة (1): من أحرم بالعمرة في أشهر الحج

ولم يكن في نيته أن يحج ثم بدا له أن يحج: لا يكون متمتعاً لكونه لم يكن عنده نية حج.
وقال بعض أهل العلم لا يلزم أن ينوي التمتع عند الإحرام بالعمرة.181182183184185

الجزء: 3 - الصفحة: 57

فَإِذَا اسْتَوَى عَلَى رَاحِلَتِهِ لَبَّى (1)،

- فائدة (2): هل الأفضل للإنسان أن يسوق الهدي

ويقرن أو يدعه ويتمتع؟ نقول الأفضل يكون بحسب علم الناس وجهلهم بالسنة، فإذا كان الناس لا يعرفون أن سوق الهدي سُنَّة، أو قد أُمِيتت هذه السُنَّة فَسوقُ الهدي أفضل وذلك لإحياء هذه السنة، أما إذا كان الأمر معلوماً والناس يفعلونه ويشق عليه سوق الهدي فترك سوق الهدي أفضل.

  • فائدة (3): المذهب (1) أن الإفراد أفضل من القران.
    والصواب: أن القران أفضل من الإفراد مطلقاً لأن المحرم يأتي فيه بنسكين بخلاف الإفراد.

فائدة (4): عمل المفرد والقارن سواء

: إلا أن القارن عليه هدي لحصول النُسكين له بخلاف المفرد.

فائدة (5): من أخذ عمرة في أشهر الحج ثم سافر مسافة قصر

هل يعتبر متمتعاً؟ نقول هذا محل خلاف: قيل: إنه متمتع شاء أم أبى، وقيل: ليس بمتمتع، وقيل إن سافر إلى بلده فليس بمتمتع وإن سافر إلى غير بلده فهو متمتع ولو كان سفره مسافة قصر، ويميل إلى ذلك شيخنا رحمه الله (2)، وهو الراجح.

(1)

قوله (فَإِذَا اسْتَوَى عَلَى رَاحِلَتِهِ لَبَّى):

وقيل: بل يلبي في مصلاه، وهو المذهب 188 ومذهب الحنفية 189.186187

الجزء: 3 - الصفحة: 58

فَيَقُوْلُ: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ (1)، لَبَّيْكَ لا شَرِيْكَ لَكَ لَبَّيْكَ (2) إِنَّ الحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالمُلْكَ، لا شَرِيْكَ لَكَ (3)،  وقيل: بل إذا علا أول شيء بعد ركوب راحلته.
وقيل: ما ذكره المؤلف هنا أن يلبي حين استواءه على راحلته.
والصواب: أنه يفعل الأيسر له، ونحن نلمس أن الأيسر إذا ركب راحلته.
وهذا ما ذهب إليه جمهور (1) الفقهاء.

(1)

قوله (فَيَقُوْلُ: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ):

هذه التلبية هي شعار الحج، وهي توحيد خالص لله تعالى ولم يذكر المؤلف هنا ما يلبي به الحاج عند إرادة نسكه.
والصواب: أنه يلبي فيقول (لبيك اللهم حجاً)، أو (لبيك اللهم عمرة وحجاً)، أو يقول (لبيك اللهم عمرة)، ثم يأتي بالتلبية المعروفة.
ومعنى (لبيك اللهم لبيك): أي إجابة لك بعد إجابة.
وقيل في معناها أيضاً: أنا مجيب لك مقيم على طاعتك.

(2)

قوله (لَبَّيْكَ لا شَرِيْكَ لَكَ لَبَّيْكَ):

أي إجابة وإقامة على شرعك وطاعة لك لا إشراك في ذلك كله، والتكرار هنا للتأكيد.
(3)

قوله (إِنَّ الحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالمُلْكَ، لا شَرِيْكَ لَكَ):

(الحمد) هو الوصف بالكمال مع المحبة والتعظيم، (والنعمة) أي الفضل والإحسان، (لك) اللام للاختصاص لأنه سبحانه وتعالى هو المحمود والمنعم، (والملك) شامل لملك الأعيان وتدبيرها، وفي هذا تأكيد بأن الحمد والنعمة لله لا شريك له.190

الجزء: 3 - الصفحة: 59

وَيُسْتَحَبُّ الإِكْثارُ مِنْهَا (1) وَرَفْعُ الصَّوْتِ بِهَا (2)  -

فائدة (1): هل يشرع الزيادة على هذه التلبية؟

الجواب: نعم كما جاء ذلك عن بعض الصحابة حيث زادوا على ذلك، فقد روى مسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه كان يزيد في التلبية (لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ وَالْخَيْرُ بِيَدَيْكَ لَبَّيْكَ وَالرَّغْبَاءُ إِلَيْكَ وَالْعَمَلُ) (1)، فلا بأس بهذه الزيادة.

فائدة (2): هل للإنسان أن يكبر بدل التلبية؟

نقول له ذلك كما جاء في صحيح مسلم عن عبد الله بن عمر عن أبيه قال: (كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي غَدَاةِ عَرَفَةَ فَمِنَّا الْمُكَبِّرُ وَمِنَّا الْمُهَلِّلُ) (2).

(1)

قوله (وَيُسْتَحَبُّ الإِكْثارُ مِنْهَا):

أي التلبية دليل ذلك ما رواه الترمذي وغيره عن سهل بن سعد رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال (مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُلَبِّي إِلا لَبَّى مَنْ عَنْ يَمِينِهِ أَوْ عَنْ شِمَالِهِ مِنْ حَجَرٍ أَوْ شَجَرٍ أَوْ مَدَرٍ حَتَّى تَنْقَطِعَ الأَرْضُ مِنْ هَاهُنَا وَهَاهُنَا) (3)، ولقوله صلى الله عليه وسلم عِنْدَمَا سُئِلَ أَيُّ الْحَجِّ أَفْضَلُ قَالَ: (الْعَجُّ وَالثَّجُّ) (4)، والعج: هو الإكثار من التلبية، والثج: سفك دم الهدي والقرابين.
192 قوله (وَرَفْعُ الصَّوْتِ بِهَا): أي يستحب رفع الصوت بالتلبية؛ ففي صحيح البخاري من حديث أنس ( .. وَسَمِعْتُهُمْ يَصْرُخُونَ بِهِمَا جَمِيعًا) 195، يعني التلبية.191193194

الجزء: 3 - الصفحة: 60

لِغَيْرِ النِّسَاءِ (1) وَهِيَ آكَدُ فِيْمَا إِذَا عَلا نَشَزًا، أَوْ هَبَطَ وَادِيًا (2)،  = وروى الإمام أحمد عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إِنَّ جِبْرِيلَ أَتَانِي فَأَمَرَنِي أَنْ أُعْلِنَ التَّلْبِيَةَ) (1).

لكن كيف يكون رفع الصوت بها؟

نقول: يكون على قدر الطاقة، ولا يرفع صوته في ذلك بأشد ما يقدر عليه بحيث لا يؤذي من حوله.

(1)

قوله (لِغَيْرِ النِّسَاءِ):

أي لا يستحب لهن رفع الصوت بها، أما الإكثار منها فيشرع وذلك لأن المرأة مأمورة بخفض الصوت إذا كان بقربها رجال.
أما إذا انفرد بها محارمها كزوجها أو أخيها أو أبيها فلا بأس أن ترفع صوتها قليلاً.

(2)

قوله (وَهِيَ آكَدُ فِيْمَا إِذَا عَلا نَشَزًا، أَوْ هَبَطَ وَادِيًا):

أي يتأكد استحباب التلبية إذا علا مكاناً مرتفعاً أو هبط وادياً وذلك قياساً على استحباب التسبيح له إذا هبط وادياً.
فقد روى البخاري في صحيحه عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال (كُنَّا إِذَا صَعِدْنَا كَبَّرْنَا وَإِذَا نَزَلْنَا سَبَّحْنَا) 197. وفيه أيضاً عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( .. أَمَّا مُوسَى كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ إِذْ انْحَدَرَ فِي الْوَادِي يُلَبِّي) 198. قال الحافظ ابن حجر في الفتح 199 وفي الحديث أن التلبية في بطون الأودية من سنن المرسلين إنها تتأكد عند الهبوط كما تتأكد عند الصعود.196

الجزء: 3 - الصفحة: 61

أَوْ سَمِعَ مُلَبِّيًا، أَوْ فَعَلَ مَحْظُوْرًا نَاسِيًا، أَوْ لَقِيَ رَاكِبًا، وَفِيْ أَدْبَارِ الصَّلاةِ، وَبِالأَسْحَارِ، وَإِقْبَالِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ (1).  =قال إبراهيم النخعي (1) كانوا - يعني الصحابة رضوان الله عليهم - يستحبون التلبية دبر الصلاة المكتوبة، وإذا هبط وادياً، وإذا علا نشزاً، وإذا لقي ركباً، وإذا استوت به راحلته.

فائدة: اختلف الفقهاء في هل يلبي وهو جالس أو يلبي وهو سائر؟

قيل: يلبي وهو سائر فقط، أما إذا كان نازلاً في عرفات أو مزدلفة أو منى فلا يلبي، لأن التلبية معناها الإجابة وهي لا تتناسب مع المكث.
وقيل: بل تشرع التلبية حتى يرمي جمرة العقبة سواء كان ماكثاً أو سائراً، وهو الصواب.

(1)

قوله: (أَوْ سَمِعَ مُلَبِّيًا، أَوْ فَعَلَ مَحْظُوْرًا نَاسِيًا، أَوْ لَقِيَ رَاكِبًا، وَفِيْ أَدْبَارِ الصَّلاةِ، وَبِالأَسْحَارِ، وَإِقْبَالِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ):

أي أن التلبية تتأكد في هذه المواضع، فمتى سمع حاجاً أو معتمراً يلبي فهنا ينبغي له أن يلبي لأنه مثله في إحرامه، وهكذا لو فعل محظوراً من محظورات الإحرام ناسياً فهنا لاشيء عليه، ويكفيه الاستغفار وتكرار التلبية، ويكرر التلبية إذا التقى بالآخرين من الركبان سواء كانوا على رواحلهم أو في سياراتهم، وكذا بعد الصلوات بعد أن ينهي ما يتعلق بالصلاة من الذكر يلبي، وهكذا في وقت السحر آخر الليل، وأول النهار وأول الليل، فالحاج والمعتمر يكثر من التلبية لأنها شعار الحج، وقد قال -صلى الله عليه وسلم- عندما سئل أي الحج أفضل: (الْعَجُّ وَالثَّجُّ) 201.200

الجزء: 3 - الصفحة: 62

بَابُ مَحْظُوْرَاتِ الإِحْرَامِ

(1) وَهِيَ تِسْعَةٌ: حَلْقُ الشَّعَرِ، وَقَلْمُ الظُّفُرِ (2)  (1)

قوله (بَابُ مَحْظُوْرَاتِ الإِحْرَامِ):

هذا من إضافة الشيء إلى سببه؛ أي التي سببها الإحرام ومعنى المحظور: الممنوع؛ قال تعالى ﴿وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً﴾ (1) أي ممنوعاً.

فائدة: المحظورات ثلاثة أقسام

:

القسم الأول: ما يحرم على الرجال والنساء

، وهو: (أ) إزالة الشعر.
(ب) تقليم الأظفار.
(ج) استعمال الطيب.
(د) الجماع ودواعيه؛ كعقد النكاح، والمباشرة، واللمس بشهوة، والتقبيل بشهوة.
(هـ) لبس القفازين باليدين.
(و) قتل الصيد، وهو الحيوان البري المتوحش الحلال.

القسم الثاني: ما يحرم على الرجال دون النساء

، وهو شيئان: (ا) لبس المخيط.
(ب) تغطية الرأس بملاصق.

القسم الثالث: ما يحرم على النساء دون الرجال

، وهو النقاب.
(2)

قوله (وَهِيَ تِسْعَةٌ: حَلْقُ الشَّعَرِ، وَقَلْمُ الظُّفُرِ):

هذان هما المحظوران الأول والثاني من محظورات الإحرام.202

الجزء: 3 - الصفحة: 63

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =فالأول: (حَلْقُ الشَّعَرِ)، ولم يقل حلق الرأس وذلك ليشمل جميع أنواع الشعر الموجود في البدن كشعر العانة والإبط وما في الوجه وما في الرجل واليدين وغير ذلك مما هو في البدن.
وذهب الظاهرية 203 إلى أن الشعر الذي نهى عنه المحرم حال إحرامه والذي هو من محظورات الإحرام إنما هو شعر الرأس فقط وذلك لأن النص إنما ورد به، ولأن الأصل الحل فيما يأخذه الإنسان من الشعور فلا يمنع الإنسان أن يأخذ شيئاً من شعوره إلا بدليل.
والصحيح عندي: ما ذهب إليه جمهور الفقهاء، فلا يجوز للمحرم أن يحلق شعر رأسه ولا غيره حال إحرامه قياساً على شعر الرأس، قال تعالى: ﴿وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ ... ﴾ 204 وقوله (وَقَلْمُ الظُّفُرِ): هذا هو المحظور الثاني، وتقليم الأظافر يشمل إزالتها بأي شيء كان بالتقليم أو بالقص أو بالخلع أو بغير ذلك.
أما دليل هذا المحظور فلم يرد فيه نص لا من القرآن ولا من السنة، لكن نقل ابن المنذر 205 الإجماع على أنه من محظورات الإحرام قياساً على الشعر بجامع الترفه وإزالة الشعث في كل منهما.
وقد استدل بعض العلماء على أن تقليم الأظفار من محظورات الإحرام بقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لِيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ 206، فقد جاء عن ابن عباس رضي الله عنهما =

الجزء: 3 - الصفحة: 64

فَفِيْ ثَلاثَةٍ مِنْهَا دَمٌ (1)،  = وغيره في قضاء التفث: حلق الرأس وتقليم الأظفار، ونتف الإبط (1) .. ، وعلى هذا تكون الآية دالة على أن الأظفار كالشعر بالنسبة للمحرم.
وذهب الظاهرية إلى أن تقليم الأظفار ليس من محظورات الإحرام، وإليه ذهب ابن مفلح (2) من الحنابلة كما في الفروع (3) وذلك لأن العلة إن كانت الترفه فالترفه بإزالة الشعر لا يشابه الترفه بإزالة الأظفار فلا يتوجه الإلحاق.
والصحيح: كما ذكرنا إلحاق الظفر بالشعر لاسيما وقد نقل ابن المنذر الإجماع على ذلك ولتفسير ابن عباس رضي الله عنهما للآية.

(1)

قوله (فَفِيْ ثَلاثَةٍ مِنْهَا دَمٌ):

أي متى حلق المحرم ثلاث شعرات فعليه دم، أو قلم ثلاثة أظافر فعليه دم، لأن أقل الجمع ثلاثة.
وقد اختلف الفقهاء في العدد الذي تجب فيه الفدية في حلق الرأس وتقليم الأظفار على أقوال في المذهب 210: فالمذهب: أن الفدية إنما تجب في ثلاث شعرات فما زاد، وفي رواية أخرى ذكرها الخرقي أنه لا يجب إلا في أربع فصاعداً لأن الأربع كثير أشبهت ربع الرأس، وفي رواية أنه لا يجب فيما دون خمس.
وقال أبو حنيفة 211 لا يجب الدم بدون ربع الرأس لأنه يقوم مقام الكل.
وقال مالك 212 إذا حلق من رأسه ما أماط به الأذى وجبت الفدية، وإليه =207208209

الجزء: 3 - الصفحة: 65

وَفِيْ كُلِّ وَاحِدٍ مِمَّا دُوْنَهَا مُدُّ طَعَامٍ، وَهُوَ رُبُعُ الصَّاعِ (1)  = يميل شيخنا (1) رحمه الله.
وهو ما يسمى به حالقاً لرأسه، وهذا هو الراجح.

(1)

قوله (وَفِيْ كُلِّ وَاحِدٍ مِمَّا دُوْنَهَا مُدُّ طَعَامٍ، وَهُوَ رُبُعُ الصَّاعِ):

أي وفي كل واحدة من شعر الرأس وتقليم ظفر واحد من ذلك مد من طعام، ففي الإصبعين مدان، وفي الشعرتين مدان، وهو ملأ يدي الرجل المتوسط ويقدر بالجرام بـ 562 جرام, وما ذكره المؤلف هنا هو المذهب (2)، وفي رواية عنه قبضة، وفي رواية أخرى درهم.
واختيار شيخنا رحمه الله (3) أنه لا دليل على ما ذكر وأنه لا يلزمه شيء إلا إذا حلق ما به إماطة أذى مما يسمى به حالقاً لرأسه، أما ما دونه فلا شيء عليه لعدم الدليل.
والأظهر عندي: ما ذهب إليه شيخنا رحمه الله، دليل ذلك: أولاً: أن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم وهو محرم في رأسه، والحجامة في الرأس يترتب عليها حلق جزء من الشعر ولم ينقل عنه صلى الله عليه وسلم أنه فدى.
ثانياً: قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ﴾ (4)، فهو لا يحلق إذا كان به أذى من رأسه إلا ما يماط به الأذى فعليه فدية.

فائدة (1): فاعل المحظورات لا يخلو من إحدى ثلاث حالات

: 1 - أن يفعل المحظور بلا عذر ولا حاجة؛ فهذا آثم وعليه الفدية.
2 - أن يفعل المحظور لحاجة إلى ذلك؛ فله فعل المحظور ولا إثم عليه وعليه =213214215216

الجزء: 3 - الصفحة: 66

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =الفدية.
3 - أن يفعل المحظور جاهلاً أو ناسياً أو مكرهاً؛ فلا إثم عليه.
وهل عليه فدية؟ الصحيح: أنه لا فدية عليه لأنه معذور، وقد رفع الله الحرج عن الناسي والجاهل والمخطئ.

فائدة (2): أحوال حلق شعر الرأس بالنسبة للمحرم

: أولاً: أن يحلق الرأس كله أو أكثره فعليه الفدية.
ثانياً: أن يحلق بعض الرأس لكنه معذور لحجامة أو من أثر جرح وما أشبه ذلك فإنه يحلق ما يحتاج إليه ولا شيء عليه.
ثالثاً: إذا أخذ شعرات من رأسه فعلى خلاف كما سبق، والصواب أنه لا شيء عليه لأنه لا يعد حلقاً.

فائدة (3): هل المتعين في الفدية الدم؟

المتعين في جميع المحظورات أحد أمور ثلاثة: الدم، أو إطعام ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع، أو صيام ثلاثة أيام، أما الجماع قبل التحلل الأول ففيه بدنه، وجزاء الصيد فيه مثله من النعم.

فائدة (4): هل للمحرم أن يحك رأسه؟

نقول له ذلك إلا أن يحكه ليتساقط الشعر فهو حرام، أما إذا حكّه لحاجة ثم تساقط منه شعر بغير قصد فلا يضره.

فائدة (5): المحظورات في الفدية لها أقسام

: الأول: ما لا فدية فيه؛ كعقد النكاح، والخطبة، فهما حرام على المحرم ولا =

الجزء: 3 - الصفحة: 67

وَإِنْ خَرَجَ فِيْ عَيْنِهِ شَعَرٌ فَقَلَعَهُ (1)، أَوْ نَزَلَ شَعَرُهُ فَغَطَّى عَيْنَيْهِ، أَوِ انْكَسَرَ ظُفْرُهُ فَقَصَّهُ، فَلا شَيْءَ فِيْهِ.
الثَّالِثُ: لُبْسُ المَخِيْطِ (2) إِلاَّ أَنْ لا يَجِدَ إِزَارًا، فَيَلْبَسَ سَرَاوِيْلَ (3)،  = فدية فيهما.
الثاني: ما فديته بدنة، وهو الجماع قبل التحلل الأول.
الثالث: ما فديته مثله وهو الصيد.
الرابع: ما فديته فدية الأذى وهو على التخيير بين دم أو إطعام أو صيام وهو باقي المحظورات.

(1)

قوله (وَإِنْ خَرَجَ فِيْ عَيْنِهِ شَعَرٌ فَقَلَعَهُ، أَوْ نَزَلَ شَعَرُهُ فَغَطَّى عَيْنَيْهِ، أَوِ انْكَسَرَ ظُفْرُهُ فَقَصَّهُ، فَلا شَيْءَ فِيْهِ):

وهذا بالاتفاق عند أهل العلم فلا شيء على من فعل ذلك لأنه معذور.
(2)

قوله (الثَّالِثُ: لُبْسُ المَخِيْطِ):

أي النوع الثالث من محظورات الإحرام وهو لبس المخيط، والمراد بالمخيط كل ما خيط على قياس عضو أو على البدن كله مثل القميص والسراويل والجبة والسدرية وما أشبهها، وليس المراد بالمخيط ما فيه خياطه، وقوله (لُبْسُ) فيه إشارة أنه لا يعد محظوراً إلا إذا لبس، فلو وضعه وضعاً فليس عليه شيء أو طرحه على كتفه من غير لبس له فلا شيء عليه، دليل ذلك قوله صلى الله عليه وسلم لما سئل ما يلبس المحرم قال (لا يَلْبَسُ الْقُمُصَ وَلا الْعَمَائِمَ وَلا السَّرَاوِيلاتِ وَلا الْبَرَانِسَ وَلا الْخِفَافَ .. ) (1). (3)

قوله (إِلاَّ أَنْ لا يَجِدَ إِزَارًا، فَيَلْبَسَ سَرَاوِيْلَ):

لا فدية عليه لأنه بدل =217

الجزء: 3 - الصفحة: 68

أَوْ لا يَجِدَ نَعْلَيْنِ، فَيَلْبَسَ خُفَّيْنِ، وَلا فِدْيَةَ عَلَيْهِ (1)،  = شرعي، أما إذا لم يكن عنده رداء فيبقى على ما هو عليه لأنه يجوز للإنسان أن يبقى متزراً بين الناس وهو ليس في ضرورة إلى رداء، أما إذا احتاج لشيء يستر بدنه لكونه لا يستطيع أن يبقى مكشوف الصدر والظهر، أو يخاف من المرض فله أن يلبس القميص، وعليه إخراج فدية لأن الإنسان إذا احتاج لفعل المحظور فعله وفدى كما في حديث كعب بن عجرة رضي الله عنه.

(1)

قوله (أَوْ لا يَجِدَ نَعْلَيْنِ، فَيَلْبَسَ خُفَّيْنِ، وَلا فِدْيَةَ عَلَيْهِ):

هذا كسابقه، فمتى لم يجد المحرم النعلين فله أن يلبس الخفين ولا فدية عليه.
وهل يلبس الخفين عند الحاجة أم عند فقد النعلين؟ الجواب: الذي يظهر أن ذلك عند الحاجة، فمن لم يحتج الخفين عند فقد النعلين فلا يلبس كما هو الحال في وقتنا الحاضر.

فائدة (1): هل يلزم قطع الخفين حتى تكون أسفل الكعبين؟

اختلف الفقهاء في ذلك: فقيل: يلزمه أن يقطعهما لحديث ابن عمر رضي الله عنهما وفيه قوله صلى الله عليه وسلم ( .. فَلْيَقْطَعْهُمَا حَتَّى يَكُونَا أَسْفَلَ مِنْ الْكَعْبَيْنِ) 218. وقيل: لا يجب القطع لحديث ابن عباس رضي الله عنهما المتقدم وفيه (وَمَنْ لَمْ يَجِدْ نَعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسْ خُفَّيْنِ) 219، ولم يأمرنا بالقطع وهذا هو اختيار شيخنا رحمه الله 220.

الجزء: 3 - الصفحة: 69

الرَّابِعُ: تَغْطِيَةُ الرَّأْسِ، وَالأُذُنَانِ مِنْهُ (1)

- فائدة: هل يلبس المحرم الإزار الذي هو على شكل تنورة؟

نقول ذهب شيخنا رحمه الله إلى جواز لبس ذلك، وعلل ذلك بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن أشياء محدودة وليس هذا منها، وقد ناقشت شيخنا في ذلك ولكنه وسَّع في ذلك رحمه الله.
والصواب: أنه لا يجوز، ومن لبسه فقد أفتى أكثر أهل العلم المعاصرين أن عليه فدية.

(1)

قوله (الرَّابِعُ: تَغْطِيَةُ الرَّأْسِ، وَالأُذُنَانِ مِنْهُ):

اتفق الفقهاء على أن تغطية الرأس يعد من محظورات الإحرام ويحرم على المحرم ستره أو ستر بعضه أخذاً من تحريم لبس العمائم والبرانس.
لكن اختلف الفقهاء في ضابط هذا الستر: فالحنفية 221، والحنابلة 222 قالوا: يحرم ستره بما يقصد به التغطية عادة.
أما المالكية 223 فقالوا: يحرم ستر المحرم رأسه بكل ما يعد ساتراً مطلقاً حتى جعلوا وضع اليد على الرأس مما يحرم على المحرم فعله.
وقال الشافعية 224 بمثل قول المالكية غير أنهم قالوا يحرم ما يعد ساتراً عرفاً فإن لم يكن عرفاً فيحرم ما قصد به الستر مثل من وضع يديه على رأسه.
والصحيح من الأقوال: ما ذهب إليه الحنفية والحنابلة: أنه يحرم ما قصد به التغطية وكان عادة.

الجزء: 3 - الصفحة: 70

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =أما التظلل بما ليس بملاصق للرأس فهو جائز اتفاقاً مثل سقف الخيمة والبيت ومظلة الحمل والسيارات المسقوفة، دليل ذلك ما رواه مسلم من حديث أم الحصين رضي الله عنها قالت (حَجَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حَجَّةَ الْوَدَاعِ فَرَأَيْتُ أُسَامَةَ وَبِلالا وَأَحَدُهُمَا آخِذٌ بِخِطَامِ نَاقَةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَالآخَرُ رَافِعٌ ثَوْبَهُ يَسْتُرُهُ مِنْ الْحَرِّ حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ) (1). ولأن ما حل للحلال حل للمحرم إلا ما قام الدليل على منعه.

ذكر بعض الفوائد

:

  • فائدة 225: اختلف الفقهاء في حكم تغطية الوجه للمحرم: فذهب الحنفية 226، والمالكية 227، وهي إحدى الروايتين في المذهب 228 إلى أنه يحظر على المحرم ستر وجهه، واستدلوا لذلك بحديث ابن عباس رضي الله عنهما في الرجل الذي وقصته ناقته وهو محرم فمات، فقال صلى الله عليه وسلم (اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْهِ وَلَا تَمَسُّوهُ بِطِيبٍ وَلَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّيًا) 229. وفي رواية لمسلم: (وَلا وَجْهَهُ فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّيًا) 230. واستدلوا أيضاً بأن المرأة لا تغطي وجهها مع أن في الكشف فتنة، فالرجل =

الجزء: 3 - الصفحة: 71

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  = بطريق الأولى.
أما الشافعية (1)، والحنابلة (2) فذهبوا إلى أنه ليس بمحظور ستر الوجه بل يباح فعل ذلك، واستدلوا لذلك بما ورد من الآثار عن السلف في ذلك، وهذا هو اختيار شيخنا (3). ورجح سماحة شيخنا ابن باز رحمه الله (4) عدم تغطية الوجه.
والذي يظهر لي: أن الأمر في ذلك واسع بالنسبة للحي، أما الميت فلا يغطى وجهه، وهذا هو الفرق بين المحرم الحي، والمحرم الميت.

- فائدة (2): في حكم لبس القفازين:

ذهب جمهور الفقهاء إلى أنه يحرم على المرأة المحرمة لبس القفازين لقوله صلى الله عليه وسلم ( .. وَلا تَنْتَقِبْ الْمَرْأَةُ الْمُحْرِمَةُ وَلا تَلْبَسْ الْقُفَّازَيْنِ) 235. وذهب الحنفية 236 إلى جواز لبس المرأة للقفازين، ويقتصر إحرامها على وجهها، واستدلوا لذلك بحديث ابن عمر رضي الله عنهما وفيه قوله صلى الله عليه وسلم (إِحْرَامُ المَرْأَة في وَجْهِهَا) 237، وأيضاً احتجوا لذلك بما ورد عن بعض الصحابة كسعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أنه كان يُلبس بناته القفازين وهن محرمات.
=231232233234

الجزء: 3 - الصفحة: 72

الخامِسُ: الطِّيْبُ فِيْ بَدَنِهِ وَثِيَابِهِ (1)  = والراجح عندي: ما ذهب إليه الجمهور، وهو اختيار الشيخين (1).

(1)

قوله (الخامِسُ: الطِّيْبُ فِيْ بَدَنِهِ وَثِيَابِهِ):

هذا هو المحظور الخامس من محظورات الإحرام فيحرم على المحرم وضع الطيب في بدنه وكذا ثيابه دليل ذلك حديث عائشة رضي الله عنها قالت: (كُنْتُ أُطَيِّبُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لإِحْرَامِهِ حِينَ يُحْرِمُ وَلِحِلِّهِ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ) (2). أما دليل النهي عن تطييب الثوب حديث ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( .. لَا تَلْبَسُوا شَيْئًا مَسَّهُ زَعْفَرَانٌ وَلا الْوَرْسُ .. ) (3)، والزعفران نوع من الطيب، والمراد بالطيب هو ما يتطيب به عادةً فليس كل ما كان له رائحة زكية يسمى طيباً كالتفاح والنعناع، وكذا الصابون الذي له رائحة، وما أشبه ذلك مما له رائحة زكية تميل إليها النفس.

لكن ما الحكمة من نهي المحرم عن التطيب حال إحرامه

؟ نقول الحكمة من نهي المحرم عن الطيب أن الطيب يعطي الإنسان نشوة وربما يحرك شهوته ويلهب غريزته ويحصل بذلك فتنة له والله تعالى يقول ﴿فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ (4)، ثم إنه أيضاً قد ينسيه ما هو فيه من العبادة فلذلك نهى عنه.

فائدة (1): هل يجوز شم الطيب للمحرم؟

238239240241 الجزء: 3 - الصفحة: 73

السَّادِسُ: قَتْلُ صَيْدِ الْبَرِّ (1)  نقول ذهب جمهور الفقهاء (1) إلى كراهة شم الطيب دون مسه ولا جزاء فيه عندهم وذهب الحنابلة (2) إلى حرمة تعمد شم الطيب ويجب فيه الفداء.
والصحيح عندي أن الشم له ثلاث حالات: الأول: أن يشمه بلا قصد فهذا لا يحرم.
الثانية: أن يتقصد شمّه لكن لا يتلذذ به ولا يترفه كذلك به بل ليختبره، فهذا لا بأس به.
الثالثة: أن يقصد شمّه للتلذذ به، فهذا الأظهر عندي أنه لا ينبغي، لكن الإلزام بالفدية محل نظر.

  • فائدة (2): القهوة التي يوضع فيها شيء من الطيب أو الزعفران: إذا بقي الطيب فيه فلا يشربها، وإذا لم تبق له رائحة وإنما مجرد لون فلا بأس.

(1)

قوله (السَّادِسُ: قَتْلُ صَيْدِ الْبَرِّ):

أي السادس من محظورات الإحرام قتل صيد البر، ودليل تحريمه على المحرم الكتاب والسنة والإجماع.
أما دليل الكتاب: فقوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ ... ﴾ 244 وقال تعالى ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُما﴾ 245. أما السنة: فكما في حديث أبي قتادةرضي الله عنه حيث أحرم أصحابه ولم يحرم ورأى حماراً وحشياً فاصطاده، وفيه قول الصحابة له ( .. أَنَأْكُلُ لَحْمَ صَيْدٍ وَنَحْنُ مُحْرِمُونَ فَحَمَلْنَا مَا بَقِيَ مِنْ لَحْمِ الْأَتَانِ)، إلى قوله صلى الله عليه وسلم لهم ( .. أَمِنْكُمْ أَحَدٌ =242243

الجزء: 3 - الصفحة: 74

وَهُوَ: مَا كَانَ وَحْشِيًّا (1) مُبَاحًا (2)،  = أَمَرَهُ أَنْ يَحْمِلَ عَلَيْهَا أَوْ أَشَارَ إِلَيْهَا قَالُوا لا قَالَ فَكُلُوا مَا بَقِيَ مِنْ لَحْمِهَا) (1). أما الإجماع فقد قال ابن قدامة (2) في المغني (وقد أجمع أهل العلم على وجوب الجزاء بقتله).

(1)

قوله (وَهُوَ: مَا كَانَ وَحْشِيًّا):

هذا هو القيد الأول فيما لا يحل للمحرم صيده وهو الحيوان البري المتوحش فما كان بحرياً فلا يحرم اصطياده للمحرم.
قال تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعاً لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ﴾ (3).

- فائدة (1) لو استأنس البري هل يجوز للمحرم اصطياده؟

الجواب: لا؛ لأنه باعتبار أصله هو بري، فمتى استأنس الظباء أو الأرانب أو البط أو الحمام فلا يحل للمحرم اصطياده.

فائدة (2) ما يعيش في البر والبحر إلحاقه بالبري أحوط

: لاجتماع جانب الحظر والإباحة فيه فيغلب جانب الحظر.

فائدة (3) إذا صاد السمك داخل حدود الحرم

كأن تكون بحيرة بها أسماك فهل يجوز؟ قولان؛ والصحيح أنه يجوز لأن المحَّرم صيد البر.

(1)

قوله (مُبَاحًا):

أي مأكولاً وهذا هو القيد الثاني وخرج به غير المباح، فهو ليس من محظورات الإحرام.
لكن هل يجوز قتله؟246247248

الجزء: 3 - الصفحة: 75

فَأَمَّا صَيْدُ الْبَحْرِ (1)، وَالأَهْلِيِّ (2)، وَمَا حَرُمَ أَكْلُهُ، فَلا شَيْءَ فِيْهِ (3)  نقول هذا ينقسم إلى ثلاثة أقسام: الأول: ما أمر بقتله: كالغراب والحدأة والعقرب، والفأرة والكلب العقور والحية والذئب والأسد وما أشبهها، فهذه تقتل في الحل والحرم.
قال صلى الله عليه وسلم (خَمْسٌ فَوَاسِقُ يُقْتَلْنَ فِي الْحِلِّ وَالْحَرَمِ الْحَيَّةُ وَالْغُرَابُ الأَبْقَعُ وَالْفَأْرَةُ وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ وَالْحُدَيَّا) (1) وهذا ليس على سبيل الحصر وإنما على سبيل التمثيل وإلا فما ذكرنا فهي أشد أذية.
الثاني: ما نهى عن قتله: مثل النملة، والنحلة، والهدد، والصُّرد فلا يقتل في الحل ولا في الحرم.
الثالث: ما سكت الشارع عنه: فلم يأمر بقتله ولم ينه عنه، فإن حصل منه أذية ألحق بالمأمور بقتله، وإن لم يؤذ فقد اختلف فيه الفقهاء: فقيل يقتل لأنه مما سكت عنه الشارع فهو مما عفي عنه، وقيل يكره لأن الله خلقه لحكمة فلا ينبغي قتله، وهذا هو الأولى عندي.

(1)

قوله (فَأَمَّا صَيْدُ الْبَحْرِ):

فلا يحرم على المحرم صيده ولا أكله لقوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ ... ﴾ (2). (2)

قوله (وَالأَهْلِيِّ):

أي وما كان أهلياً كالبعير والشاة والبقر والدجاج ونحوها فلا يحرم أيضاً صيده ولا أكله لأنه ليس بصيد.
(3)

قوله (وَمَا حَرُمَ أَكْلُهُ، فَلا شَيْءَ فِيْهِ):

كالكلاب والخنازير والسباع ونحوها هذه لا شيء في صيدها، ويدخل في ذلك الحشرات كالذباب والبعوض =249250

الجزء: 3 - الصفحة: 76

إِلاَّ مَا كَانَ مُتَوَلِّدًا مِنْ مَأْكُوْلٍ وَغَيْرِهِ (1)  = وغيرها فلا شيء في قتلها.
لكن هل يجوز قتلها في الحرم؟ ذكرنا ذلك قريباً.

(1)

قوله (إِلاَّ مَا كَانَ مُتَوَلِّدًا مِنْ مَأْكُوْلٍ وَغَيْرِهِ):

أي فلا يحل صيده تغليباً لجانب الحظر فلو تولد شيء من صيد بري متوحش وصيد بري غير متوحش فإنه يكون حراماً، أو يكون مأكولاً فينزو عليه غير مأكول فيصير حراماً مثل الذئب ينزو على ضبع فتلد منه فالضبع صيد والذئب ليس بصيد لكن الولد حرام تغليباً لجانب الحظر.

- فائدة (1): إذا صاد غير المحرم صيداً فهل يحل للمحرم أكله؟

نقول اختلف الفقهاء في هذه المسألة: فذهب الجمهور 251 إلى أن ما صاده الحلال للمحرم ومن أجله فلا يجوز للمحرم أكله فأما ما صاده من أجل حظ نفسه لا غير فلا يحرم على المحرم أكله.
وذهب الحنفية 252 إلى أنه يحل للمحرم ما صاده الحلال من الصيد ما لم يأمر به أو تكون منه إعانة عليه أو إشارة أو دلالة.
والصحيح عندي: أنه إذا لم يكن للمحرم أثر في هذا الصيد لا دلالة ولا إعانة ولا مشاركة ولا استقلالاً ولا صيد من أجله فإنه يباح للمحرم وإلا لم يبح له.
دليل ذلك حديث أبي قتادة رضي الله عنه السابق ووجه الدلالة منه أن النبي صلى الله عليه وسلم =

الجزء: 3 - الصفحة: 77

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  = استفصل عن أشياء مخصوصة فقال أمنكم أحد أمره أن يحمل عليها أو أشار إليها؟ قالوا لا قال فكلوا ما بقي من لحمها.
أما ما استدل به البعض على أنه لا يجوز للمحرم أكل صيد الحلال مطلقاً وهو حديث الصعب بن جثامة وأنه أهدى للنبي صلى الله عليه وسلم حماراً وحشياً فرده عليه فلما رأى ما في وجهه قال ( .. إِنَّا لَمْ نَرُدَّهُ عَلَيْكَ إِلا أَنَّا حُرُمٌ) (1)، فيجاب عنه بأن الصعب بن جثامة إنما صاده من أجل النبي صلى الله عليه وسلم لا من أجل نفسه ولذا رده إليه النبي صلى الله عليه وسلم، أما حديث أبي قتادة فهو رضي الله عنه إنما صاده من أجل نفسه ولذا أباحه النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه.

فائدة (2): المحرم إذا صاد الصيد في حال تحريمه عليه

فليس له أكله لأنه محرم لحق الله.

فائدة (3): المحرم إذا قتل الصيد فهو حرام عليه وعلى غيره

لأنه بمنزلة الميتة.

فائدة (4): من اضطر إلى الأكل فذبح الصيد لذلك

فإنه يحل له لأنه لا تحريم مع الضرورة قال تعالى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ 254. لكن هل يأكل منها بقدر الضرورة أم له أن يأكل ويتزود منه؟ قولان، والأرجح أن له أن يتزود منه، لأنه لما حل قتله لم يؤثر الإحرام فيه شيئاً، وقد أبيح قتله لضرورة فكانت حلالاً، لأن الآدمي أكرم عند الله عز وجل من الصيد.253

الجزء: 3 - الصفحة: 78

السَّابِعُ: عَقْدُ النِّكَاحِ لا يَصِحُّ مِنْهُ، وَلا فِدْيَةَ فِيْهِ (1)

- فائدة (5): إذا شارك غير مُحِرمٍ مُحْرماً في قتل صيد

فإنه يحرم عليهما جميعاً لأنه لا يمكن اجتناب الحرام إلا باجتناب الحلال حيث إن الحرام لم يتميز.
(1)

قوله (السَّابِعُ: عَقْدُ النِّكَاحِ لا يَصِحُّ مِنْهُ، وَلا فِدْيَةَ فِيْهِ):

أي الأمر السابع من محظورات الإحرام عقد النكاح لقوله صلى الله عليه وسلم (لا يَنْكِحُ الْمُحْرِمُ وَلا يُنْكَحُ وَلا يَخْطُبُ) 255، رواه مسلم عن عثمان رضي الله عنه.
فلا يجوز للمحرم أن يعقد النكاح لنفسه ولا لغيره، بل لا يجوز لغيره أن يعقد له وهذا القول هو قول الجمهور 256 وذهب الحنفية 257 إلى أنه لا بأس للمحرم أن ينكح وينكح ويخطب، لكن إن تزوج فلا ينبغي له أن يدخل حتى يحل، واحتجوا لذلك بما رواه البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما (أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم تَزَوَّجَ مَيْمُونَةَ وَهُوَ مُحْرِمٌ) 258. والصحيح: ما ذهب إليه الجمهور من أنه لا يجوز للمحرم أن ينكح أو يُنكح لحديث عثمان رضي الله عنه المتقدم.
أما احتجاج الحنفية بما جاء عن ابن عباس رضي الله عنهما فيجاب عنه بأن ميمونة رضي الله عنها روت أن النبي صلى الله عليه وسلم (تَزَوَّجَهَا وَهُوَ حَلالٌ) 259، كما جاء في الصحيحين =

الجزء: 3 - الصفحة: 79

وَلا فِدْيَةَ فِيْهِ (1)  = عنها، وعلى هذا تكون رواية صاحب القصة والمباشر لها أولى من رواية غيره.
وقوله رحمه الله (لا يَصِحُّ مِنْهُ) أي إذا عُقِدَ على امرأة محرمة لزوج حلال فالنكاح لا يصح، وكذا العكس، وذلك لأن النهي هنا عائد على عين العقد، وما كان النهي عائداً على عينه فلا يمكن أن يكون صحيحاً.

مسألة (1): في حكم عقد النكاح بعد التحلل الأول:

اختلفت الرواية في المذهب في هذه المسألة.
والصحيح: أنه يجوز ذلك، وهي إحدى الروايتين عن أحمد (1)، واختارها شيخ الإسلام رحمه الله (2)، وهو أيضاً اختيار شيخنا محمد بن صالح العثيمين رحمه الله (3).

مسالة (2): لو عقد النكاح في حال الإحرام ثم بعد الإحلال دخل رجل بزوجته فأنجبت منه أولادا

ً: فلا بد من عقد جديد فيكون وطؤه الأول وطئاً بشبهة، وأولاده أولاد شرعيون أي ينسبون إليه شرعاً كما أنهم منسوبون إليه قدراً.

مسألة (3): إذا عقد النكاح وهو لا يدري أن عقد النكاح في حال الإحرام حرام

: فلا إثم عليه، لكن العقد لا يصح لأن العقود يعتبر فيها نفس الواقع.
(1)

قوله (وَلا فِدْيَةَ فِيْهِ):

أي ولا فدية في عقد النكاح حال الإحرام وذلك لعدم الدليل الذي يدل على وجوبها.260261262

الجزء: 3 - الصفحة: 80

الثَّامِنُ: الْمُبَاشَرَةُ لِشَهْوَةٍ فِيْمَا دُوْنَ الْفَرْجِ (1) فَإِنْ أَنْزَلَ بِهَا (2) فَفِيْهَا بَدَنَةٌ (3)،  = وقال بعض الفقهاء بل فيه الفدية قياساً على اللباس لأن العلة فيهما واحدة وهي الترفه، بل الترفه بالنكاح أشد من اللباس.
قلت والصحيح: ما ذهب إليه المؤلف لعدم ورود النص في وجوب الفدية على من فعل ذلك.

(1)

قوله (الثَّامِنُ: الْمُبَاشَرَةُ لِشَهْوَةٍ فِيْمَا دُوْنَ الْفَرْجِ):

أي المحظور الثامن من محظورات الإحرام المباشرة لشهوة دون الفرج وذلك لأن المباشرة وسيلة للوقوع في الجماع المحرم على المُحْرم، واستدل لذلك بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ .. ﴾ 263، والرفث يشمل جميع أنواع الاستمتاع.
264 قوله (فَإِنْ أَنْزَلَ بِهَا): أي إن أنزل بسبب الشهوة منياً فما الحكم إذاً؟ (3) قال رحمه الله (فَفِيْهَا بَدَنَةٌ): قياساً على الجماع لأنها فعل موجب للغسل مع الإنزال، فأوجب الفدية كالجماع وهذا ما ذهب إليه المؤلف، والصواب أن قياس المباشرة دون الفرج على الجماع في وجوب الفدية لا يصح لأن المباشرة مع الإنزال لا توافق الجماع إلا في مسألة واحدة وهي وجوب الغسل ولا توافقه في فساد النسك ولا في وجوب قضاءه فكيف تلحق به، والرواية الثانية في المذهب أن عليه شاة.
والراجح: أن المباشرة دون الفرج مع الإنزال كسائر المحظورات فيها الفدية على التخيير ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ (2)، وهذا هو الرواية=

الجزء: 3 - الصفحة: 81

وَإِلاَّ فَفِيْهَا شَاةٌ (1). التَّاسِعُ: الْوَطْءُ فِي الْفَرْجِ (2) فَإِنْ كَانَ قَبْلَ التَّحَلُّلِ الأَوَّلِ، فَسَدَ الْحَجُّ (3)  = الثالثة (1) في المذهب، وهي اختيار شيخنا محمد بن صالح العثيمين رحمه الله (2). (1) قوله (وَإِلاَّ، فَفِيْهَا شَاةٌ): أي فإن باشر بشهوة كتقبيل أو لمس أو ضم ونحو ذلك فلم ينزل فعليه شاة.

(2)

قوله (التَّاسِعُ: الْوَطْءُ فِي الْفَرْجِ):

أي من محظورات الإحرام الوطء في الفرج وهذا بإجماع أهل العلم وهو من أعظم محظورات الإحرام، بل هو أشدها إثماً وأعظمها أثراً في الحج حيث يترتب عليه أمور خمسة: (أ) فساد الحج.
(ب) المضي في فاسده.
(ج) القضاء من قابل.
(د) عليه بدنة.
(هـ) ثبوت الإثم عليه.
ولا شيء يفسد الحج غير الجماع قبل التحلل الأول كما سيذكره المؤلف.
لكن بم يحصل الجماع؟ نقول يحصل الجماع بإيلاج الحشفة في قبل أو دبر.
(3) قوله رحمه الله (فَإِنْ كَانَ قَبْلَ التَّحَلُّلِ الأَوَّلِ، فَسَدَ الْحَجُّ): للجماع حال الإحرام حالتان: الأولى: أن يكون قبل التحلل الأول فهذا يترتب عليه فساد النسك والأمور =265266

الجزء: 3 - الصفحة: 82

وَوَجَبَ الْمُضِيُّ فِيْ فَاسِدِهِ (1)، وَالْحَجُّ مِنْ قَابِلٍ (2)،  =الخمسة التي ذكرناها آنفاً.
الثانية: أن يكون بعد التحلل الأول فلا يفسد حجه وإنما يكون عليه ما سيذكره المؤلف قريباً إن شاء الله, لكن بم يحصل به التحلل الأول.
نقول اختلف الفقهاء في ذلك: فقال بعضهم: يحصل التحلل الأول بعد رمي جمرة العقبة يوم العيد.
وقال آخرون: يحصل التحلل الأول بالرمي مضافاً إليه الحلق أو التقصير.
وقال آخرون: يحصل التحلل الأول باثنين من ثلاثة: الرمي، الحلق أو التقصير، الطواف والسعي.
وهذا هو الأحوط عندي، وهو اختيار سماحة شيخنا ابن باز رحمه الله (1). وفي آخر حياته رحمه الله قال: إن التحلل يحصل بالرمي فقط.

(1)

قوله (وَوَجَبَ الْمُضِيُّ فِيْ فَاسِدِهِ):

وقد نقل غير واحد الإجماع على ذلك لثبوت ذلك عن جمع من الصحابة ومن الأدلة على ذلك أيضاً قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ (2) وجه الدلالة أن الله تعالى أمر بإتمام الحج والعمرة فلا يجوز الخروج عنها ولو بالوطء فيمضي في هذا الفاسد مع وجوب القضاء من قابل.
(2)

قوله (وَالْحَجُّ مِنْ قَابِلٍ):

أي يجب القضاء على الفور سواء كان الحج نفلاً أو فرضاً، وهذا مروي عن جملة من الصحابة رضوان الله عليهم.
فقد روى البيهقي والحاكم من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه أن رجلاً أتى =267268

الجزء: 3 - الصفحة: 83

وَعَلَيْهِ بَدَنَةٌ (1) وَإِنْ كَانَ بَعْدَ التَّحَلُّلِ الأَوَّلِ، فَفِيْهِ شَاةٌ (2)، وَيُحْرِمُ مِنَ التَّنْعِيْمِ؛ لِيَطُوْفَ مُحْرِمًا (3)،  =عبد الله بن عمرو يسأله عن محرم وقع بامرأته فأشار عبد الله بن عمرو إلى ... ابن عمر فقال اذهب إلى هذا فسله، قال فلم يعرفه فذهبت معه فسأل ابن عمر فقال بطل حجه، فقال الرجل ماذا أصنع فقال اخرج مع الناس واصنع ما يصنعون فإذا أدركت قابلاً فحج واهدي فرجع إلى عبد الله بن عمرو بن العاص وأنا معه فأخبره فقال اذهب إلى ابن عباس فسله فذهب الرجل، قال شعيب فذهبت معه إلى ابن عباس فأمره بما أمره به عبد الله بن عمر ثم رجع إلى عبد الله بن عمرو بن العاص فقال، ما تقول أنت؟ فقال بعد أن أخبره بقول ابن عمر وابن عباس قال قولي مثل ما قالا.

(1)

قوله (وَعَلَيْهِ بَدَنَةٌ):

أي وعلى من جامع قبل التحلل الأول بعد فساد حجه ووجوب المضي فيه وحجه من قابل أنه يجب عليه بدنة لارتكابه هذا المحظور وهذا مروي عن ابن عباس رضي الله عنهما.
(2)

قوله (وَإِنْ كَانَ بَعْدَ التَّحَلُّلِ الأَوَّلِ، فَفِيْهِ شَاةٌ):

فمتى تحلل المحرم التحلل الأول حل له كل شيء عدا الجماع، فإن جامع المحرم بعد تحلله الأول لم يفسد حجه بل عليه شاة، وكون وجوب الشاة عليه قياساً على الاستمتاع دون الفرج إذا لم ينزل لأن العلة بينهما أن كلاً منهما لا يفسد الحج، وهذا هو قول جمهور أهل العلم.
(3)

قوله (وَيُحْرِمُ مِنَ التَّنْعِيْمِ؛ لِيَطُوْفَ مُحْرِمًا):

وذلك لفساد إحرامه وليطوف فرضه وهو محرم فيجب عليه أن يخرج إلى أي مكان آخر من الحل فيحرم منه.

الجزء: 3 - الصفحة: 84

وَإِنْ وَطِئَ فِي الْعُمْرَةِ، أَفْسَدَهَا وَعَلَيْهِ شَاةٌ (1)، وَلا يُفْسِدُ النُّسُكُ بِغَيْرِهِ (2).

وما ذكره المؤلف فيه فائدتان

:

فائدة (1): أن الوطء بعد التحلل الأول لا يفسد الحج

لقول النبي صلى الله عليه وسلم (مَنْ شَهِدَ صَلاتَنَا هَذِهِ وَوَقَفَ مَعَنَا حَتَّى نَدْفَعَ وَقَدْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ قَبْلَ ذَلِكَ لَيْلا أَوْ نَهَارًا فَقَدْ أَتَمَّ حَجَّهُ وَقَضَى تَفَثَهُ) (1)، وهذا ما أفتى به ابن عباس رضي الله عنهما حيث قال في رجل أصاب أهله قبل أن يقضي يوم النحر: ينحران جزوراً بينهما، وليس عليه الحج من قابل ولا يعرف من الصحابة مخالفٌ له.

فائدة (2): أنه يفسد الإحرام بالوطء بعد جمرة العقبة

فيلزمه أن يحرم من الحل، وقال أكثر أهل العلم حجه صحيح ولا يلزمه إحرام من الحل لأن إحرامه لم يفسد جميعه فلم يفسد بعضه.
وهذا هو الأقرب عندي: لعدم وجود الدليل القوي الموجب لما ذكره المؤلف هنا، وعلى ذلك نقول من وطء أهله بعد تحلله الأول لا يلزمه سوى أن يذبح شاة، أما خروجه للحل لإعادة الإحرام فلم يثبت في ذلك دليل.

(1)

قوله (وَإِنْ وَطِئَ فِي الْعُمْرَةِ، أَفْسَدَهَا وَعَلَيْهِ شَاةٌ):

أي إن جامع في أثناء عمرته أفسدها وذلك بإجماع أهل العلم وعليه قضاؤها ويلزمه كذلك شاة حكمها في ذلك حكم فدية الأذى، لأن العمرة حج أصغر ولأن كل ما أوجب شاة من المحظورات ففيه فدية أذى سوى الصيد.
(2)

قوله (وَلا يُفْسِدُ النُّسُكُ بِغَيْرِهِ):

أي لا يفسد الحج والعمرة غير الجماع وقد نقل الإجماع كما سبق.269

الجزء: 3 - الصفحة: 85

وَالْمَرْأَةُ كَالرَّجُلِ، إِلاَّ أَنَّ إِحْرَامَهَا فِيْ وَجْهِهَا، وَلَهَا لُبْسُ الْمَخِيْطِ (1)  (1)

قوله (وَالْمَرْأَةُ كَالرَّجُلِ، إِلاَّ أَنَّ إِحْرَامَهَا فِيْ وَجْهِهَا، وَلَهَا لُبْسُ الْمَخِيْطِ):

أي أن المرأة في جميع ما ذكره المؤلف في باب المحظورات كالرجل في الحكم إلا أنه استثنى لها أموراً منها: 1 - إحرامها في وجهها: أي يحرم عليها تغطية وجهها في إحرامها، والأصل في ذلك ما رواه البخاري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( .. وَلا تَنْتَقِبْ الْمَرْأَةُ الْمُحْرِمَةُ وَلا تَلْبَسْ الْقُفَّازَيْنِ) 270، لكن إن حاذاها الركبان ومروا من أمامها فيجب عليها أن تغطي وجهها لحديث عائشة رضي الله عنها قالت (كَانَ الرُّكْبَانُ يَمُرُّونَ بِنَا وَنَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مُحْرِمَاتٌ فَإِذَا حَاذَوْا بِنَا سَدَلَتْ إِحْدَانَا جِلْبَابَهَا مِنْ رَأْسِهَا عَلَى وَجْهِهَا فَإِذَا جَاوَزُونَا كَشَفْنَاهُ) 271. 2 - يجتمع في حق المحرمة وجوب تغطية الرأس وتحريم تغطية الوجه.
3 - لا بأس للمرأة أن تطوف منتقبة إن لم تكن محرمة لفعل عائشة رضي الله عنها.
4 - يستحب للمرأة عند الإحرام ما يستحب للرجل من الغسل والتطيب إلا إذا كان في تطيبها فتنة للرجال فلا يشرع لها أن تتطيب.
5 - ذهب أبو حنيفة إلى جواز لبس المرأة القفازين، والصحيح أنه يحرم على المرأة لبس القفازين لحديث ابن عمر رضي الله عنهما المتقدم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( .. وَلا تَنْتَقِبْ الْمَرْأَةُ الْمُحْرِمَةُ وَلا تَلْبَسْ الْقُفَّازَيْنِ) 272، فإن خالفت فلبست فعليها فدية الأذى.

الجزء: 3 - الصفحة: 86

بَابُ الْفِدْيَةِ

(1) وَهِيَ عَلَى ضَرْبَيْنِ (2):  (1)

قوله (بَابُ الْفِدْيَةِ):

الفدية معناها: ما يعطى فداءٌ لشيء، وهي في اللغة: فكاك الأسير؛ يقال فداه يفديه، وفادى الأسير استنقذه من الأسر.
والفدية في باب الإحرام بالحج: ما يجب لفعل محظور أو ترك واجب، وسميت فدية لقوله تعالى ﴿ .. فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ ... ﴾ (1).

و

محظورات الإحرام من حيث الفدية أربع

: 1 - مالا فدية فيه وهو عقد النكاح والخطبة.
2 - ما فديته مغلظة وهو الجماع في الحج قبل التحلل الأول.
3 - ما فديته الجزاء أو بدله وهو قتل الصيد.
4 - ما فديته فدية الأذى وهي بقية المحظورات التي مرَّ ذكرها، وهي: (حلق الرأس - تقليم الأظفار - تغطية الرأس - مس الطيب - لبس القفازين - النقاب - المباشرة دون الفرج - لبس المخيط).
فهذه المحظورات فديتها فدية أذى، وهي التخيير بين أمور ثلاث: إطعام ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع، أو صيام ثلاثة أيام متتابعة أو متفرقة، أو ذبح شاة تذبح وتوزع على الفقراء، دليل ذلك قوله تعالى ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ 274. (2) قوله رحمه الله (وَهِيَ عَلَى ضَرْبَيْنِ): أي الفدية الواجبة على من أتى محظوراً من محظورات الإحرام على قسمين.273

الجزء: 3 - الصفحة: 87

أَحَدُهُمَا: عَلَى التَّخْيِيْرِ (1) وَهِيَ فِدْيَةُ الأَذَى وَاللُّبْسِ وَالطِّيْبِ (2) فَلَهُ الْخِيَارُ بَيْنَ صِيَامِ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ، أَوْ إِطْعَامِ ثَلاثَةِ آصُعٍ مِنْ تَمْرٍ لِسِتَّةِ مَسَاكِيْنَ، أَوْ ذَبْحِ شَاةٍ (3)  (1)

قوله (أَحَدُهُمَا: عَلَى التَّخْيِيْرِ):

أي أحد هذين القسمين من الفدية ما كان على التخيير أي يخير فيه من فعل محظوراً بفعل واحد من ثلاثة أمور.
(2)

قوله (وَهِيَ فِدْيَةُ الأَذَى وَاللُّبْسِ وَالطِّيْبِ):

أي هذه الفدية لا تكون إلا لمن كان به أذى فأزاله كحلق رأس لوجود ما يؤذيه من قمل ونحوه.
وكذا لبس مخيط كأن تكون به حكة فلبس قميصاً أو سروالاً ونحوه، أو استخدم طيباً بعد دخوله في النسك وقبل تحلله الأول فجميع هذه الأمور يكون فيها المحرم مخير بين أمور ثلاثة.
(3) قوله رحمه الله (فَلَهُ الْخِيَارُ بَيْنَ صِيَامِ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ، أَوْ إِطْعَامِ ثَلاثَةِ آصُعٍ مِنْ تَمْرٍ لِسِتَّةِ مَسَاكِيْنَ، أَوْ ذَبْحِ شَاةٍ) دليل ما ذكره المؤلف قوله تعالى ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ 275. وروى البخاري ومسلم عن كعب بن عجرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مرَّ به بالحديبية وهو محرم فقال له أذاك هوام رأسك؟ فقال نعم فقال له النبي صلى الله عليه وسلم ( .. احْلِقْ رَأْسَكَ ثُمَّ اذْبَحْ شَاةً نُسُكًا أَوْ صُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ أَوْ أَطْعِمْ ثَلاثَةَ آصُعٍ مِنْ تَمْرٍ عَلَى سِتَّةِ مَسَاكِينَ) 276. وهنا فوائد:

  • فائدة (1): أن الصوم لا يشترط فيه التتابع لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقيدها بالتتابع هنا.

الجزء: 3 - الصفحة: 88

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  -

فائدة (2): أن الشاة هنا ليس المراد بها الأنثى من الضأن

، بل المراد هنا أعم من ذلك سواء كانت خروفاً أو أنثى معزاً أم ضأناً أو سبع بدنة أو سبع بقرة مما يجزئ في الأضحية ويوزعها على الفقراء ولا يأكل منها شيئاً لأنها دم جبران.

فائدة (3): أنه لا فرق بين البر وغيره في فدية الأذى

هنا لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لكعب بن عجرة رضي الله عنه (أَوْ أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ لِكُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفَ صَاعٍ) (1)، فعين المقدار، وأطلق النوع، فظاهر الحديث أن الفدية نصف صاع لكل مسكين سواء من البر أو من غيره.

فائدة (4): جميع ما ورد فيه إطعام مساكين فيجوز أن يغديهم أو يعشيهم

، أو يعطي بعض الجهات التي تتولى الإطعام، واستثنى بعض أهل العلم هذا الموضع، فلابد أن تطعمهم طعاماً يملكونه ومقداره نصف صاع لكل مسكين.

فائدة (5): يشترط في الهدي وكذا سائر الدماء الواجبة ما يشترط في الأضحية

، وهذه الشروط هي: 1 - يشترط فيه السن المعتبرة بأن يكون ثنياً من الإبل له خمس سنوات أو ثنياً من البقر له سنتان ومن المعز له سنة أو جذعاً من الضأن له ستة أشهر.
2 - أن يكون سليماً من العيوب المانعة من الإجزاء وهي العور البين، والمرض البين، والعرج البين، والعجفاء التي لا تنقي وهي الهزيلة.
3 - أن يكون الذبح في الوقت يوم العيد وأيام التشريق.
4 - أن يكون في مكان الذبح وهو الحرم.
5 - أن يكون من بهيمة الأنعام فقط.277

الجزء: 3 - الصفحة: 89

وَكَذلِكَ الْحُكْمُ فِيْ كُلِّ دَمٍ وَجَبَ لِتَرْكِ وَاجِبٍ (1)، وَجَزَاءُ الصَّيْدِ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ (2)  (1)

قوله (وَكَذلِكَ الْحُكْمُ فِيْ كُلِّ دَمٍ وَجَبَ لِتَرْكِ وَاجِبٍ):

قياساً على فدية الأذى؛ يعني أن ذلك على التخيير لا على الترتيب.
والذي يظهر: أنه على الترتيب، فعليه شاة، فإن لم يستطع صام عشرة أيام ثلاثة في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله.

(2)

قوله (وَجَزَاءُ الصَّيْدِ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ):

وهذا بالإجماع قال تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنْ النَّعَمِ .. ﴾ 278. ففي الآية المذكورة أمور: الأول: أنها دلت على وجوب الجزاء أو الفدية على من فعل ذلك متعمداً فمن فعل ذلك ابتداء من غير سبب يبيح ففيه الجزاء المذكور في الآية.
الثاني: أن من فعل ذلك اضطراراً إلى أكله يباح له أكله بلا خلاف، ويلزمه ضمانه لأنه إنما فعله لحاجة نفسه.
الثالث: إِن صال عليه فلم يقدر على دفعه إلا بالقتل فله قتله ولا ضمان عليه.
الرابع: لو خلص صيداً من سبع أو شبكه فتلف بذلك فلا ضمان عليه، لأنه فعل أبيح لحاجة الحيوان فلم يضمن ما تلف به.
الخامس: هل المخطئ يعامل معاملة العامد في وجوب الجزاء؟

الجزء: 3 - الصفحة: 90

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  = قولان: أصحهما أنه لا كفارة في الخطأ لقوله تعالى ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً﴾ (1)، فدل على أنه لا جزاء على المخطئ.
السادس: أن هذا خاص بصيد البر المتوحش، أما صيد البحر فهو حلال كما تقدم لقوله تعالى ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعاً لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُماً﴾ (2). قوله (مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ): أي من قتل صيداً وهو محرم فيجب عليه أن يخرج ما يشبه هذا الصيد الذي قتله يخرج عنه من بهيمة الأنعام.

و

الصيد الذي قتله المحرم نوعان

:

النوع الأول: نوع له مثل من النعم

، فهذا يخير بين ثلاثة أمور: الأول: مثل ما قتل من النعم: للآية السابقة، فهذا المثل يذبحه ويتصدق به على فقراء الحرم لقوله تعالى ﴿هَدْياً بَالِغَ الْكَعْبَةِ ... ﴾ 281. الثاني: أن يقومه بدراهم يشتري بها طعاماً فيطعم كل مسكين مداً لقوله تعالى ﴿أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ .. ﴾ 282، فينظر هنا كم يساوي المثل من النقود ثم يشتري بهذه النقود طعاماً من بر أو غيره فيطعم به كل مسكين مداً.
الثالث: أن يصوم عن كل مد يوماً لقوله تعالى ﴿أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَاماً﴾ 283 أي عدل ما يخرجه من الإطعام صياماً مثلاً إذا كانت قيمة ما يذبح أربعمائة=279280

الجزء: 3 - الصفحة: 91

إِلاَّ الطَّائِرَ، فَإِنَّ فِيْهِ قِيْمَتَهُ (1) إِلاَّ الْحَمَامَةَ، فَفِيْهَا شَاةٌ (2)  = ريال، وقدرنا الطعام كل صاع بريال فيكون أربعمائة صاع تساوي ألف وستمائة مد، فيلزمه أن يصوم ألف وستمائة يوم لأنه يكون عن كل مد يوماً، لكن من رحمة الله تعالى أن جعل الأمر واسع في ذلك لأن الحكم هنا على التخيير.

النوع الثاني: أن لا يكون له مثل من بهيمة الأنعام

، فهنا يخير بين تقويمه بطعام لكل مسكين مد من الطعام أو يصوم عن كل مسكين يوماً، وقيل يجوز إخراج القيمة بدلاً عن الإطعام.
(1)

قوله (إِلاَّ الطَّائِرَ، فَإِنَّ فِيْهِ قِيْمَتَهُ):

أي يستثنى مما ذكر الطائر كالعصفور، والحباري وغيرهما، فإذا صاده المحرم وجب على من صاده إخراج قيمته فقط لأنه لا مثل له من بهيمة الأنعام، وقيل يجب فيه شاة كالحمام.
(2)

قوله (إِلاَّ الْحَمَامَةَ، فَفِيْهَا شَاةٌ):

وذلك لقضاء الصحابة بذلك ولم يعلم لهم مخالف، ولأن الحمامة تشبه الشاة في كرع الماء.

لكن اختلف الفقهاء هل هذا خاص بحمام الحرم أم هو عام في الحرم وغيره؟

على قولين: فالمالكية 284 يرون خصوصيته بحمام الحرم وما عداه ففيه القيمة.
والصحيح: أن هذا عام في الحرم وغيره، فهو يشمل حمام الحرم وقيس عليه حمام غيره، فقد جاء عن ابن عباس بأنه قضى في حمامة حال الإحرام بشاة لأنها حمامة مضمونة لحق الله فضمنت بشاة كحمامة الحرم، وهذا هو مذهب الشافعي 285.

الجزء: 3 - الصفحة: 92

وَالنَّعَامَةُ، فَفِيْهَا بَدَنَةٌ (1)، وَيُخَيَّرُ بَيْنَ إِخْرَاجِ الْمِثْلِ أَوْ تَقْوِيْمِهِ بِطَعَامٍ، فَيُطْعِمُ لِكُلِّ مِسْكِيْنٍ مُدًّا مِنْ بُرٍّ، أَوْ يَصُوْمُ عَنْ كُلِّ مُدٍّ يَوْمًا (2). الضَّرْبُ الثَّانِيْ (3) عَلَى التَّرْتِيْبِ (4):  (1)

قوله (وَالنَّعَامَةُ، فَفِيْهَا بَدَنَةٌ):

النعامة بفتح النون، من الطير، تذكر وتؤنث، والنعامة اسم جنس وقد يقع على الواحد.
وقوله (فَفِيْهَا بَدَنَةٌ) لأنها تشبه البدنة وهي البعير ذكراً كان أو أنثى، ودليل ذلك أن الصحابة قضوا فيها بذلك، ولأنها تشبهها في كثير من صفاتها.

(2)

قوله (وَيُخَيَّرُ بَيْنَ إِخْرَاجِ الْمِثْلِ أَوْ تَقْوِيْمِهِ بِطَعَامٍ، فَيُطْعِمُ لِكُلِّ مِسْكِيْنٍ مُدًّا مِنْ بُرٍّ، أَوْ يَصُوْمُ عَنْ كُلِّ مُدٍّ يَوْمًا):

قد سبق بيان ذلك قريباً، ومعنى كلام المؤلف هنا أن ما كان له مثل فإنه يخير بين ثلاثة أمور: 1 - جزاء مثل ما قتل من النعم.
2 - تقويمه بطعام فيطعم عن كل مسكين مداً.
3 - أن يصوم عن كل مد يوماً.
ما لم يكن له مثل فإنه يخير بين أمرين: 1 - تقويمه بطعام لكل مسكين مدٌ من الطعام.
2 - أن يصوم عن كل طعام مسكين يوماً.

- فائدة: من قتل ما نهى عن قتله في الحرم وإن كان محلاً

فعليه ما على المحرم: فمن قتل نعامة في الحرم وهو محل فحكمه حكم المحرم فعليه بدنة، ومن قتل حمامة فعليه شاة، وهكذا.
(3) قوله (الضَّرْبُ الثَّانِيْ): أي القسم الثاني من أقسام الفدية.
(4) قوله (عَلَى التَّرْتِيْبِ): أي لا على التخيير، فيلزم في هذه الفدية مراعاة

الجزء: 3 - الصفحة: 93

وَهُوَ هَدْيُ التَّمَتُّعِ (1) يَلْزَمُهُ شَاةٌ (2)، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ، فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعَ (3)  = الترتيب.

(1)

قوله (وَهُوَ هَدْيُ التَّمَتُّعِ):

وكذا القارن وسيأتي بيان حج المتمتع والقارن إن شاء الله.
(2)

قوله (يَلْزَمُهُ شَاةٌ):

وكذا القارن ويُشترط في الشاة ما ذكرناه في أول هذا الباب، أعني باب الفدية وكون المؤلف رحمه الله أدرج هذا النوع أعني هدي التمتع داخل الفدية فيه نظر لأن الدم هنا دم نسك وشكر لله تعالى بخلاف دم من ارتكب محظوراً من المحظورات فهو دم جبران، والخلاف بين هذا الدم وهذا الدم من وجوه: أن دم المتعة والقران يجب فيهما الهدي، فإن عدمه صام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع، فالحكم هنا على الترتيب وليس على سبيل التخيير بخلاف دم الفدية فالأمر فيه على التخيير، فهو مخير فيه بين دم المثل إن كان له مثل أو الإطعام أو الصيام، وإن لم يكن له مثل أطعم أو صام.
أن دم المتعة يباح للإنسان أن يأكل منه بخلاف دم الفدية.
أن دم المتعة يجوز أن يهدي منه بخلاف دم الفدية فإنه لا يصرف إلا للفقراء دون غيرهم.

(3)

قوله (فَإِنْ لَمْ يَجِدْ، فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعَ):

وذلك لقوله تعالى ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ 286.

الجزء: 3 - الصفحة: 94

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ولعدم وجود للهدي هنا صورتان: الأولى: أن لا يجد ثمنه.
الثانية: ألا يوجد هدي أصلاً.
وكلا الصورتين يصدق عليهما عدم الوجود.

فائدة (1): اختلف الفقهاء في المعتبر بالنسبة لوجود الهدي وعدمه

. فقيل المعتبر وقت إحرامه بالعمرة، وقيل بل وقت إحرامه بالحج، وقيل بل المعتبر طلوع فجر يوم العيد، وقيل المعتبر وقت جواز الذبح يعني بعد طلوع الشمس وارتفاعها قدر رمح.
والأقرب عندي: أنه يعمل بما يغلب على ظنه، فإن كان حين إحرامه بالعمرة يغلب على ظنه أنه لن يجد الهدي فإنه يحكم بأنه لم يجد.

- فائدة (2): من كان غنياً وعدم الثمن كأن يكون قد سُرق في أثناء حجه هل له أن يبحث عن شخص يقرضه لشراء هديه؟

على قولين: والأقرب عندي أنه إذا وجد من يقرضه من غير غضاضة عليه وبكل سهولة ويسر في الاستقراض فإنه يلزمه لأن مثل هذا لا يكون عاجزاً.

- فائدة (3): من حج متمتعاً أو قارناً ثم عدم الثمن لعجز كأنْ يكون ليس معه سوى ثمن الهدي ولا يملك غيره ثم فُقد منه:

فإنه لا يجوز له الاستقراض ولو وجد من يقرضه، بل ينهى عن الاستقراض.

فائدة (4): في صوم العشرة أيام لمن لم يجد الهدي

: 1 - المذهب أن كون آخر الثلاثة في أيام الحج والأفضل أن يكون يوم عرفة، هذا فيه نظر.

الجزء: 3 - الصفحة: 95

وَفِدْيَةُ الْجِمَاعِ بَدَنَةٌ (1)  والصواب: أن الأولى والأفضل أن يكون ابتداء هذه الثلاثة في أول يوم من أيام التشريق لأنه لا يجزم بعد الاستطاعة إلا وقت وجوب الهدي عليه.
2 - أن من ابتدأها في أول يوم من أيام التشريق لزمه أن تكون متتابعة ضرورة: لأنه لم يبق من أيام الحج إلا ثلاثة ولا يجوز أن يؤخرها عن أيام الحج.
3 - من صامها قبل أيام التشريق: يجوز أن يصومها متفرقة ومتتابعة لأن القاعدة في ذلك أن ما أطلقه الشارع لا يجوز تقييده إلا بدليل من الشارع أيضاً ولا دليل على وجوب التتابع، اللهم إلا إذا كان ضاق وقت الصوم كما ذكرنا فلم يبق إلا ثلاثة أيام من الحج فهنا يلزمه التتابع.
4 - من أخر صيام هذه الثلاثة حتى انتهى حجه لغير عذر هل تلزمه الفدية؟ قولان للفقهاء؛ أصحهما أنه لا تجب عليه الفدية ويلزمه قضاء هذه الثلاثة مع السبعة التي عليه.
5 - في قوله تعالى ﴿وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ (1) هل المراد الرجوع إلى الوطن والأهل؟ نقول الآية لم تقيد الرجوع بذلك ولكن الفقهاء حملوها على ذلك، والأظهر عندي أنه لو صامها بعد فراغه من أعمال الحج كلها فلا بأس لأنه جاز له الرجوع إلى الأهل فجاز له صومها.

(1)

قوله (وَفِدْيَةُ الْجِمَاعِ بَدَنَةٌ):

أي ويجب بوطء في الفرج بدنة، فإن عدم البدنة ووجد سبع شياه أجزأ، فإن لم يجد سبع شياه ولا بدنة، قال الفقهاء يصوم عشرة أيام، وهذا قول لا دليل عليه.
والأظهر عندي: أنه إذا لم يجد سقط عنه الحكم كسائر الواجبات.287

الجزء: 3 - الصفحة: 96

فَإِنْ لَمْ يَجِدْ، فَصِيُامُ كَصِيَامِ التَّمَتُّعِ (1)، وَكَذلِكَ الْحُكْمُ فِي الْبَدَنَةِ الْوَاجِبَةِ بِالْمُبَاشَرَةِ (2)

- فائدة (1): قوله (وَفِدْيَةُ الْجِمَاعِ بَدَنَةٌ):

هذا إذا كان قبل التحلل الأول في الحج كما مر بنا.

- فائدة (2): قوله (الْجِمَاعِ)

خرج به ما إذا جامع بين الفخذين ونحوه كما مر بنا سابقاً، وذكرنا اختلاف الفقهاء في فساد حجه وبيان أن الصحيح أنه لا يفسد الحج إلا بالجماع في الفرج، فما كان دونه ففيه الإثم والفدية في حقه شاة.

- فائدة (3) إذا أُكرهت الزوجة على الجماع هل يلزمها كفارة؟

الصحيح: أنه لا يلزمها.
وهل يفسد حجها؟ الصحيح: أنه لا يفسد لأنها مكرهة.
وهل يلزم زوجها أن يكفر عنها؟ قولان؛ والصحيح أنه لا يلزمه.

(1)

قوله (فَإِنْ لَمْ يَجِدْ، فَصِيُامُ كَصِيَامِ التَّمَتُّعِ):

يعني عشرة أيام قياساً على من عدم هدي المتعة والقران، وقياساً على من عدم الهدي عند فوات الحج كما سيأتي إن شاء الله.
وقد رجحنا آنفاً أنه لا دليل على ما ذكره المؤلف.
والأظهر عندي: أنه لا يجب عليه صيام، بل تسقط عنه الفدية هنا لعدم دليل العدول إلى الصوم عند عدم وجود البدنة أو الشياه.

(2)

قوله (وَكَذلِكَ الْحُكْمُ فِي الْبَدَنَةِ الْوَاجِبَةِ بِالْمُبَاشَرَةِ):

أي بالمباشرة دون الفرج إذا أنزل بسببها وقد سبق الإشارة إلى ذلك وذكرنا أن الواجب في =

الجزء: 3 - الصفحة: 97

وَدَمِ الْفَوَاتِ (1)، وَالْمُحْصَرِ يَلْزَمُهُ دَمٌ (2)  = حقه هو التخيير بين أن يصوم ثلاثة أيام أو يطعم ستة مساكين أو يذبح شاة.
(1) قوله (وَدَمِ الْفَوَاتِ): الفوات: أي من فاته الحج، ويكون ذلك بطلوع فجر يوم النحر لقول النبي صلى الله عليه وسلم (الْحَجُّ عَرَفَةُ مَنْ جَاءَ لَيْلَةَ جَمْعٍ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ فَقَدْ أَدْرَكَ الْحَجَّ) (1)، والمراد بليلة جمع: ليلة المبيت بمزدلفة.

قوله (وَدَمِ الْفَوَاتِ)

المراد به من لم يدرك الحج فعليه دم، لكن هنا الحكم مقيد بما إذا لم يشترط في أثناء إحرامه يقول (إن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني)، فمتى اشترط في إحرامه فلا يلزمه شيء، بل يحل من إحرامه، وقد سبق بيان حكم الاشتراط في الحج.

فائدة: قال بعض الفقهاء من خاف فوات حجه فله أن يقلب حجه إلى عمرة

قبل أن يفوته ولا يعد هذا فواتاً على كلام الفقهاء، وهذا فيه نظر لأنه لا يجوز للحاج أن يقلب إحرامه عمرة إلا إذا أراد التمتع، وإرادة التمتع هنا ممتنعة.
وقول المؤلف (وَدَمِ الْفَوَاتِ)، أي وكذلك دم الفوات إذا عدم فيجب عليه أن يصوم كصيام من لم يجد هدي التمتع.
289 قوله (وَالْمُحْصَرِ يَلْزَمُهُ دَمٌ): لقوله تعالى ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ﴾ (2).288

الجزء: 3 - الصفحة: 98

فَإِنْ لَمْ يَجِدْ، فَصِيَامُ عَشَرَةِ أَيَّامٍ (1)  =والمحصر: هو الممنوع من بلوغ المناسك بمرض أو غيره.
وقد اختلف الفقهاء في المنع الذي يتحقق به الإحصار هل هو خاص بالعدو أم هو عام يشمل ما يحصل به الإحصار من عدو أوغيره كالمرض والهلاك, وموت محرم المرأة أو زوجها في الطريق؟ فذهب الحنفية (1) إلى هذا القول الأخير، أي أن الإحصار عام في كل ما يحصل به من عدو ومرض وهلاك وضياع نفقة وغيره.
وذهب جمهور (2) الفقهاء إلى أن الحصر لا يحصل إلا بعدو، أو فتنة، أو الحبس ظلماً، وغير ذلك مما يحصل به قهر للإنسان، أما الحصر بالمرض أو بالعرج أو بذهاب نفقة وغيره فلا يجوز له التحلل بذلك.
والصحيح: ما ذهب إليه الحنفية؛ قال عطاء: (الإحصار من كل شيء يحبسه)، فمتى تم الإحصار بأي نوع آخر من أنواع الإحصار جاز له التحلل ووجب عليه هدي لقوله تعالى ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ﴾ (3) وهذا هو إحدى الروايتين (4) في المذهب، وهو اختيار شيخ الإسلام (5)، والشيخين (6).

(1)

قوله: (فَإِنْ لَمْ يَجِدْ، فَصِيَامُ عَشَرَةِ أَيَّامٍ):

أي لم يجد الهدي، فالواجب عليه صيام عشرة أيام قياساً على من لم يجد هدي التمتع والقران.290291292293294295

الجزء: 3 - الصفحة: 99

وَمَنْ كَرَّرَ مَحْظُوْرًا مِنْ جِنْسٍ (1)  وهذا ما ذهب إليه المؤلف، واحتجوا لذلك أيضاً بما رواه البخاري وغيره عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال: (أَلَيْسَ حَسْبُكُمْ سُنَّةَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِنْ حُبِسَ أَحَدُكُمْ عَنْ الْحَجِّ طَافَ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ ثُمَّ حَلَّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى يَحُجَّ عَامًا قَابِلا فَيُهْدِي أَوْ يَصُومُ إِنْ لَمْ يَجِدْ هَدْيًا) (1). وذهب بعض أهل العلم أنه لا يجب الصيام على المحصر الذي لم يجد دماً واحتجوا لذلك بما يلي: 1 - أنه لم يرد أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالصيام من لم يجد هدياً في صلح الحديبية حيث جاء في بعض روايات الحديث أن من لم يهد أكثر ممن هدى.
2 - أن الهدي الواجب في التمتع والقران هو هدي شكران للجمع بين نسكين في سفر واحد، أما هنا فالعكس حيث أن المحصر حرم من إتمام نسك واحد فلا يصح قياس هذا على هذا.
والأقرب عندي: ما ذهب إليه المؤلف لصحة الأثر الوارد في ذلك، وهذا هو اختيار سماحة شيخنا ابن باز رحمه الله (2).

(1)

قوله (وَمَنْ كَرَّرَ مَحْظُوْرًا مِنْ جِنْسٍ):

الجنس: هو ما اتفق في الاسم كالحلق مثلاً يكون فيه حلق شعر الرأس وحلق شعر البدن، وكذا اللبس كلبس العمامة ولبس المخيط على اليد، ولبس الخف كل هذا من جنس واحد لأنها كلها من اللبس.
ومعنى قوله (وَمَنْ كَرَّرَ مَحْظُوْرًا مِنْ جِنْسٍ)، كأن يكون تطيب ثم تطيب =296297

الجزء: 3 - الصفحة: 100

غَيْرِ قَتْلِ الصَّيْدِ (1) فَكَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ (2)  =ولبس ثم لبس أو قصر من شعره ثم قصر مرة أخرى.
(1) قوله رحمه الله (غَيْرِ قَتْلِ الصَّيْدِ): أي يستثنى من ذلك قتل الصيد، فمن قتل حمامة ثم قتل حمامة وهو محرم أو كان في حرم مكة وجب عليه فديتان ولو قتل ذلك برمية واحدة.
فإن رمى رمية واحدة فأصابت عشر حمامات فالواجب عليه عشر شياه، فلا يقال إن الرمي واحد والمحظور واحد لقوله تعالى ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنْ النَّعَمِ﴾ (1)، فقد اشترط سبحانه وتعالى في جزاء الصيد أن يكون مثله والمماثلة تشمل الكمية والكيفية.

(2)

قوله (فَكَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ):

أي إن كرر محظوراً من جنس واحد غير قتل الصيد فالواجب عليه كفارة واحدة، لكن يشترط ألا يؤخر الفدية لئلا تتكرر عليه، فإن أخرها عمداً ولعدم العذر فهنا قال بعض العلماء يعاقب بنقيض قصده فيلزمه بكل محظور فدية لئلا يتحايل على إسقاط الواجب، وفي رواية في المذهب 299 إن تعدد سبب المحظور مثل أن يلبس لشدة الحر ثم يلبس للبرد ثم لبس للمرض فعليه كفارات.
وذهب الحنفية 300 إلى أنه إذا كرر محظوراً في مجلس واحد فكفارة واحدة، وإن كان في مجالس فكفارات.
والصحيح: ما ذهب إليه المؤلف لقوله تعالى ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ 301، وجه الدلالة من =298

الجزء: 3 - الصفحة: 101

إِلاَّ أَنْ يَكُوْنَ قَدْ كَفَّرَ عَنِ الأَوَّلِ فَعَلَيْهِ لِلثَّانِيْ كَفَّارَةٌ (1)، وَإِنْ فَعَلَ مَحْظُوْرًا مِنْ أَجْنَاسٍ، فَلِكُلِّ وَاحِدٍ كَفَّارَةٌ (2)، وَالْحَلْقُ وَالتَّقْلِيْمُ وَالْوَطْءُ وَقَتْلُ الصَّيْدِ يَسْتَوِيْ عَمْدُهُ وَسَهْوُهُ (3)،  = الآية أن الله تعالى أوجب في حلق الرأس فدية واحدة ولم يفرق بين ما وقع في دفعة واحدة أو في دفعات.
وأيضاً أن ما يتداخل إذا كان متتابعاً يتداخل وإن تفرق.

(1)

قوله (إِلاَّ أَنْ يَكُوْنَ قَدْ كَفَّرَ عَنِ الأَوَّلِ فَعَلَيْهِ لِلثَّانِيْ كَفَّارَةٌ):

قياساً على الأيمان والحدود ولأن الأول انتهى وبرئت ذمته منه بفدية فيكون الثاني محظوراً جديداً.
والذي يظهر أنه ليس عليه إلا كفارة واحدة سواء كفَّر عن الأول أو لم يكفِّر.

(2)

قوله: (وَإِنْ فَعَلَ مَحْظُوْرًا مِنْ أَجْنَاسٍ، فَلِكُلِّ وَاحِدٍ كَفَّارَةٌ):

هذا هو المشهور من المذهب، وفي رواية عن الإمام أحمد أن في الطيب واللبس والحلق فدية واحدة.
وقال بعض أهل العلم: إنما يجب عليه فدية واحدة لأنه إذا تعددت الأجناس وكان المُوجَبُ واحداً فليس عليه إلا واحد، مثاله من أخرج ريحاً أو أكل لحم جزور أو تبول فإننا لا نلزمه أكثر من وضوء واحد فكذا الفدية إذا اختلفت الأجناس.
والأظهر عندي: هو ما ذهب إليه المؤلف رعاية للنسك واحتراماً لشعائر الله حتى لا يتلاعب الناس بها.

(3)

قوله (وَالْحَلْقُ وَالتَّقْلِيْمُ وَالْوَطْءُ وَقَتْلُ الصَّيْدِ يَسْتَوِيْ عَمْدُهُ وَسَهْوُهُ):

أي في وجوب الفدية فلا تسقط الفدية بفعل هذه المحظورات سهواً لأن هذه =

الجزء: 3 - الصفحة: 102

وَسَائِرُ الْمَحْظُوْرَاتِ لا شَيْءَ فِيْ سَهْوِهِ (1)  =المحظورات إتلاف فيجب فيها الفدية كمال الآدمي بخلاف الطيب وتغطية الرأس ولبس المخيط، ففي هذه المحظورات تسقط فيها الفدية عند فعلها نسياناً أو إكراهاً أو جهلاً.
والصحيح: أن هذه المذكورات وغيرها تسقط فديتها بالعذر جهلاً ونسياناً وإكراهاً بخلاف ما إذا فعلها عمداً.
قال تعالى ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنْ النَّعَمِ﴾ (1)، فمفهومه أن المخطئ لا جزاء عليه ويقاس عليه جميع المحظورات، وقال تعالى ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ (2)، وقوله صلى الله عليه وسلم (إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ) (3).

(1)

قوله (وَسَائِرُ الْمَحْظُوْرَاتِ لا شَيْءَ فِيْ سَهْوِهِ):

أي وسائر المحظورات من لبس وتغطية رأس وطيب لا فدية على من فعلها نسياناً للأدلة التي ذكرناها آنفاً.

- فائدة (1): من ترك واجباً من واجبات الحج جهلاً أو نسياناً:

فقد اختلف فيه الفقهاء هل عليه شيء أم لا؟ وسيأتي بيان ذلك قريباً إن شاء الله.

فائدة (2): لو احتاج المحرم إلى لبس مخيط لبرد شديد

: فله أن يلبس ما يدفئه وعليه الفدية.

فائدة (3): من احتاج إلى لبس مخيط لمصلحة غيره كالجندي

الذي يلبس=302303304

الجزء: 3 - الصفحة: 103

وَكُلُّ هَدْيٍ أَوْ إِطْعَامٍ، فَهُوَ لِمَسَاكِيْنِ الْحَرَمِ (1)  = ملابسه الرسمية: فالحاجة هنا تتعلق بها مصالح الحجيج جميعاً إذ لو عمل الجندي بدون اللباس الرسمي لما أطاعه الناس وصار في الأمر فوضى، ولكن إذا لبس ملابسه صار له هيبة، فله لبس ذلك.
وهل يلزمه فدية؟ نقول يلزمه فدية احتياطاً، ولو قيل بعدم لزومها لكان لذلك وجه لأمرين: الأول: أن النبي صلى الله عليه وسلم أسقط المبيت عن الرعاة بمنى والمبيت بمنى واجب من واجبات الحج وأسقطه عنهم لمصلحة الحجاج، وكذلك رخص للعباس أن يبيت في مكة من أجل سقاية الحجاج، وسقاية الحجاج أعلى حاجة من حفظ الأمن وتنظيم الناس.
الثاني: أننا لم نقطع بوجوب الفدية في لبس المخيط وإنما قاس الفقهاء ذلك على حلق الرأس.

(1)

قوله (وَكُلُّ هَدْيٍ أَوْ إِطْعَامٍ، فَهُوَ لِمَسَاكِيْنِ الْحَرَمِ):

لقوله تعالى ﴿هَدْياً بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ 305، وقوله تعالى ﴿وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ 306. والهدي هنا المراد به: هدي التمتع والقران، أو ما كان فدية لترك واجب، أو ما يهديه الإنسان تطوعاً للبيت، أما فدية فعل المحظور فسيأتي بيانها قريباً.
وقوله (أَوْ إِطْعَامٍ) كإطعام ستة مساكين في فدية الأذى أو إطعام مساكين في جزاء الصيد وما شابه ذلك فهو لمساكين الحرم.

الجزء: 3 - الصفحة: 104

لاَّ فِدْيَةَ الأَذَى يُفَرِّقُهَا فِي الْمَوْضِعِ الَّذِيْ حَلَقَ فِيْهِ (1)  قوله (فَهُوَ لِمَسَاكِيْنِ الْحَرَمِ): وهنا

مسألتان

:

الأولى: من هم مساكين الحرم؟

وهل يشترط أن يكونوا من أهل مكة؟ نقول المراد بهم من كانوا داخل حدود الحرم داخل مكة أو خارجها، ولا يشترط أن يكونوا من أهل مكة، فمن كان آفقياً فقيراً جاز إعطاؤه من الهدي.

الثانية: هدي التمتع والقران هو هدي شكران فيجوز لصاحبه أن يأكل منه

وكذا هدي التطوع، بل له أن يتزود منهما قال تعالى ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (1)، فحكمها حكم الأضحية يأكل منها ويهدي، لكن يجب أن يتصدق على مساكين الحرم.
(1)

قوله (إِلاَّ فِدْيَةَ الأَذَى يُفَرِّقُهَا فِي الْمَوْضِعِ الَّذِيْ حَلَقَ فِيْهِ):

أي تكون حيث وجد سببها ولا يجب أن تكون في الحرم وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم حينما أمر كعب ابن عجرة لمَّا رخص له بحلق رأسه أن يذبح شاة أو يصوم ثلاثة أيام أو يطعم ستة مساكين كان كعب بالحديبية 308 ولو كانت تجب بالحرم لأمره بذلك.
وفدية الأذى كما مر كفدية حلق شعر أو لمس طيب أو لبس مخيط ونحو ذلك، وله تفريقها في الحرم.307

الجزء: 3 - الصفحة: 105

وَهَدْيُ الْمُحْصَرِ يَنْحَرُهُ فِيْ مَوْضِعِهِ (1)، وَأَمَّا الصِّيَامُ فَيُجْزِئُهُ بِكُلِّ مَكَانٍ (2).  (1)

قوله (وَهَدْيُ الْمُحْصَرِ يَنْحَرُهُ فِيْ مَوْضِعِهِ):

مرَّ بنا معنى الإحصار وقلنا بأن الإحصار هو المنع، أي أن يمنع من أراد الحج من أداء النسك، وهذا يجب عليه هديٌ إذا لم يشترط، قال تعالى ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ﴾ (1) وحكم هذا الهدي واجب، وهو قول جمهور الفقهاء من الحنفية (2)، والشافعية (3)، والحنابلة (4) للآية السابقة.
وذهب المالكية (5) إلى أنه - أي المحصر - له أن يتحلل بالنية فقط ولا يجب عليه ذبح هدي، بل هو سنة وليس بشرط.
والصحيح: ما ذهب إليه الجمهور للآية السابقة، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم لما صُدَّ عن البيت عام الحديبية لم يحل ولم يحلق رأسه حتى نحر الهدي فدل ذلك على أن من شرط إحلال المحصر ذبح هدي.

  • فائدة: هل المراد بالحرم أن يكون ذبحاً وتفريقاً أو ذبحاً فقط أو تفريقاً فقط؟ الجواب: المراد به الأول أي ذبحاً وتفريقاً، فتذبح في الحرم وتوزع على فقراء الحرم، فمن وزع خارج الحرم أو ذبح في الحرم ووزعه خارج الحرم لم يجزه ويلزمه ذبح مثله في الحرم وتفريقه فيه.

(2)

قوله (وَأَمَّا الصِّيَامُ فَيُجْزِئُهُ بِكُلِّ مَكَانٍ):

لأنه لا يتعدى نفعه إلى أحد، فلم يخصص بمكان معين ولكن تجب المبادرة إليه.309310311312313

الجزء: 3 - الصفحة: 106

بابُ دُخُوْلِ مَكَّةَ (1) يُسْتَحَبُّ أَنْ يَدْخُلَ مَكَّةَ مِنْ أَعْلاهَا (2)  (1)

قوله (بابُ دُخُوْلِ مَكَّةَ):

أي متى وكيف ومن أين يدخل الحاج والمعتمر مكة.
(2)

قوله (يُسْتَحَبُّ أَنْ يَدْخُلَ مَكَّةَ مِنْ أَعْلاهَا):

أي من الجهة الشرقية من عند مقبرة المعلاة من جهة الحجون.
لكن هل يلزم أن يتعمد ذلك؟ أم أنه إذا كان طريقه من أعلاها فالأفضل أن لا يعدل عنه؟ نقول: السنة دخول مكة من أعلاها كما ذكر المؤلف لحديث ابن عمر (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم دَخَلَ مَكَّةَ مِنْ كَدَاءٍ مِنْ الثَّنِيَّةِ الْعُلْيَا الَّتِي بِالْبَطْحَاءِ وَخَرَجَ مِنْ الثَّنِيَّةِ السُّفْلَى) 314. وهذا قول أكثر أهل العلم أي يستحب دخول مكة من أعلاها سواء كانت في طريقه أو لم تكن.
وقال جماعة من العلماء يستحب دخول مكة من الثنية العليا إذا كانت في طريقه، وإذا لم تكن في طريقه فلا يستحب تقصدها لأنه لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يتقصدها وإنما دخل منها لكونها من طريقه.
والأظهر عندي: أنه يفعل الأيسر له؛ فإن كان في دخوله من أعلاها أيسر سن له دخولها من أعلاها، وإن كان في دخوله من غيرها يعني الثنية العليا أيسر له دخل منه هذا هو الأفضل في حقه.

باب دخول مكة

من الثنية العليا والخروج منها (2203).

الجزء: 3 - الصفحة: 107

وَيَدْخُلَ الْمَسْجِدَ مِنْ بَابِ بَنِيْ شَيْبَةَ؛ اقْتِدَاءً بِرَسُوْلِ اللهِ صلى الله عليه وسلم (1)، فَإِذَا رَأَى البَيْتَ، رَفَعَ يَدَيْهِ، وَكَبَّرَ اللهَ وَهَلَّلَهُ وَحَمِدَهُ، وَدَعَا (2)، ثُمَّ يَبْتَدِئُ بِطَوَافِ الْعُمْرَةِ، إِنْ كَانَ مُعْتَمِرًا (3)  (1)

قوله (وَيَدْخُلَ الْمَسْجِدَ مِنْ بَابِ بَنِيْ شَيْبَةَ؛ اقْتِدَاءً بِرَسُوْلِ اللهِ صلى الله عليه وسلم):

احتج لذلك المؤلف بما رواه البيهقي عن جابر بن عبد الله (أَنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم دَخَلَ مَكَّةَ ارْتَفاعَ الضُّحَى وَأَنَاخَ رَاحِلَتَهُ عِنْدَ بَابَ بَنِي شَيَّبَةَ ثُمَ دَخَلَ) (1)، والحديث فيه ضعف.
ولذا نقول: يدخل المحرم الحرم من حيث شاء، وليس في ذلك سنة ثابتة، ولو صح هذا الحديث لحمل على أن هذا حصل من باب الموافقة وليس تقصداً منه صلى الله عليه وسلم.
وقوله (وَيَدْخُلَ الْمَسْجِدَ مِنْ بَابِ بَنِيْ شَيْبَةَ) هذا الباب لا وجود له الآن، فقد أزيل بعد توسعة المطاف.

(2)

قوله (فَإِذَا رَأَى البَيْتَ، رَفَعَ يَدَيْهِ، وَكَبَّرَ اللهَ وَهَلَّلَهُ وَحَمِدَهُ، وَدَعَا):

هذا إذا صح الدليل الوارد في ذلك، لكن الآثار الواردة في ذلك لم تصح، ولذا نقول الأقرب عدم سُنِّية ذلك لعدم ثبوته عن النبي صلى الله عليه وسلم.
(3)

قوله (ثُمَّ يَبْتَدِئُ بِطَوَافِ الْعُمْرَةِ، إِنْ كَانَ مُعْتَمِرًا):

أي إذا وصل المحرم إلى الكعبة فإنه يبدأ بالطواف إن كان معتمراً أو متمتعاً، وهذا لفعله صلى الله عليه وسلم هذا ما لم تحضر الصلاة فيقدم الفريضة على الطواف، وكذلك لو شرع في الطواف فيقف لأجل الصلاة.
أما إذا دخل المسجد ولم تحضر الصلاة فليبدأ بالطواف لأن تحية المسجد =315

الجزء: 3 - الصفحة: 108

أَوْ بِطَوَافِ الْقُدُوْمِ، إِنْ كَانَ مُفْرِدًا أَوْ قَارِنًا (1) وَيَضْطَبِعُ بِرِدَائِهِ (2)  = الحرام الطواف، دليل ذلك ما رواه البخاري عن عائشة رضي الله عنها قالت ( .. أَوَّلُ شَيْءٍ بَدَأَ بِهِ حِينَ قَدِمَ أَنَّهُ تَوَضَّأَ ثُمَّ طَافَ بِالْبَيْتِ) (1)، أما إذا أراد عدم الطواف فلا يجلس حتى يصلي تحية المسجد.

(1)

قوله (أَوْ بِطَوَافِ الْقُدُوْمِ، إِنْ كَانَ مُفْرِدًا أَوْ قَارِنًا):

هذا الطواف سنة عند أكثر أهل العلم (2)، وجاء عن الإمام مالك (3) رحمه الله أن من تركه يجبره بدم.
والصحيح: ما ذهب إليه أكثر أهل العلم لحديث عروة بن مضرس رضي الله عنه وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمره بطواف القدوم بل قال له (مَنْ شَهِدَ مَعَنَا هَذِهِ الصَّلاةَ - يَعْنِي صَلاةَ الْفَجْرِ - بِجَمْعٍ وَوَقَفَ مَعَنَا حَتَّى نُفِيضَ مِنْهُ وَقَدْ أَفَاضَ قَبْلَ ذَلِكَ مِنْ عَرَفَاتٍ لَيْلا أَوْ نَهَارًا فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ وَقَضَى تَفَثَهُ) (4). لكن متى شقَّ على الإنسان وبخاصة الذين يأتون من أماكن بعيدة يشق عليهم هذا العمل ويريدون أن يذهبوا إلى أماكنهم ليستريحوا قليلاً وليضعوا أمتعتهم فلا حرج لأن هذا من باب السنن.

(2)

قوله (وَيَضْطَبِعُ بِرِدَائِهِ):

هذا أول ما يسن فعله عند طواف العمرة أو القدوم للقارن والمفرد وهو الاضطباع، وصفته كما سيذكره المؤلف أن يجعل وسط ردائه تحت عاتقه الأيمن وطرفيه على عاتقه الأيسر، فيكون الأيمن =316317318319

الجزء: 3 - الصفحة: 109

فَيَجْعَلَ وَسْطَهُ تَحْتَ عَاتِقِهِ الأَيْمَنِ وَطَرْفَيْهِ عَلَى عَاتِقَيْهِ الأَيْسَرِ (1)، وَيَبْدَأُ بِالْحَجَرِ الأَسْوَدِ فَيَسْتَلِمُهُ وَيُقَبِّلُهُ (2)  = مكشوفاً على هيئة أرباب الشجاعة إظهاراً للجلادة في مقام العبادة، ودليل الاضطباع ما جاء عن ابن عباس رضي الله عنهما (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه اعتمروا من جعرانه فاضطبعوا وجعلوا أرديتهم تحت آباطهم ووضعوها على عواتقهم ثم رملوا) (1).

  • فائدة: يخطئ كثيرٌ من الحجاج حيث يفعلون الاضطباع من حين إحرامهم إلى أن تخلع ثياب الإحرام، والصواب في ذلك أن الاضطباع إنما يكون في طواف القدوم أو طواف العمرة لمن كان معتمراً أو متمتعاً ثم يتركه عند انتهائه من طوافه.

(1)

قوله (فَيَجْعَلَ وَسْطَهُ تَحْتَ عَاتِقِهِ الأَيْمَنِ وَطَرْفَيْهِ عَلَى عَاتِقَيْهِ الأَيْسَرِ):

هذه هي صفة الاضطباع التي تم ذكرها.
(2)

قوله (وَيَبْدَأُ بِالْحَجَرِ الأَسْوَدِ فَيَسْتَلِمُهُ وَيُقَبِّلُهُ):

استلام الحجر وتقبيله سنة ومعنى استلام الحجر تناوله باليد، ودليل ذلك ما رواه البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه سئل عن استلام الحجر فقال (رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَسْتَلِمُهُ وَيُقَبِّلُهُ) (2)، لكن هذا مشروط بعدم المزاحمة وأذية الناس وإلا فقد يصير مُحَرَّماً إذا أدى إلى المزاحمة وأذية الناس.

فائدة (1): إذا لم يستطع الاستلام والتقبيل استلمه بيده وقبل يده

، فإن شق عليه ذلك لمسه بعصا أو غيرها وقبَّل طرفها، فإن شق ذلك أشار إليه بيده =320321

الجزء: 3 - الصفحة: 110

وَيَقُوْلُ: بِسْمِ اللهِ، وَاللهُ أَكْبَرُ (1) اللهُمَّ إِيْمَانًا بِكَ، وَتَصْدِيْقًا بِكِتَابِكَ، وَوَفَاءً بِعَهْدِكَ، وَاتِّبَاعًا لِسُنَّةِ نَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم (2)  = ولا يقبلها.
فخرج من هذه الفائدة أن صفات الاستلام أربعة: الأولى: وهي أفضلها أن يستلمه بيده ويقبله.
الثانية: أن يستلمه بيده ويقبل يده مع عدم الأذية.
الثالثة: استلامه بعصا مع تقبيلها وهذا في حق الراكب.
الرابعة: الإشارة إليه مع عدم التقبيل.

فائدة (2): كيفية الإشارة

: هل الإشارة كما يفعل العامة برفع أيديهم مع التكبير كما يفعلون في الصلاة؟ الجواب: لا؛ بل الإشارة باليد اليمنى، كما أن المسح للحجر يكون باليد اليمنى.
ولكن هل تشير وأنت ماشي والحجر على يسارك أم تستقبله؟ الجواب: الظاهر أنه عند الإشارة يستقبله، لأن الإشارة تقوم مقام الاستلام والتقبيل، والاستلام والتقبيل يكون الإنسان مستقبلاً له بالضرورة، لكن إن شق عليه الاستقبال لكثرة الزحام فلا حرج أن يشير وهو ماشي.

(1)

قوله (وَيَقُوْلُ: بِسْمِ اللهِ، وَاللهُ أَكْبَرُ):

أي ويقول عند بداية الطواف ومحاذاته الحجر الأسود بسم الله، الله أكبر.
(2)

قوله (اللهُمَّ إِيْمَانًا بِكَ، وَتَصْدِيْقًا بِكِتَابِكَ، وَوَفَاءً بِعَهْدِكَ، وَاتِّبَاعًا لِسُنَّةِ نَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم):

هذا إذا صح الحديث الوارد في ذلك، لكن الحديث فيه ضعف فلا يشرع هذا الذكر فيكتفي المحرم عند طوافه بقول (بسم الله؛ الله =

الجزء: 3 - الصفحة: 111

ثُمَّ يَأْخُذُ عَلَى يَمِيْنِهِ (1) وَيَجْعَلُ الْبَيْتَ عَلَى يَسَارِهِ (2) فَيَطُوْفُ سَبْعًا (3)، يَرْمُلُ فِي الثَّلاثَةِ الأُوَلِ مِنَ الْحَجَرِ إِلَى الْحَجَرِ، وَيَمْشِيْ فِيْ الأَرْبَعَةِ الأخرى (4)  =أكبر، ولا يزيد عن مرة واحدة كما يفعله بعض الناس.

(1)

قوله (ثُمَّ يَأْخُذُ عَلَى يَمِيْنِهِ):

أي إذا حاذى الحجر واستلمه وقبله فإنه يأخذ ذات اليمين كما جاء ذلك في صحيح مسلم (1) عن جابر رضي الله عنهما.
(2)

قوله (وَيَجْعَلُ الْبَيْتَ عَلَى يَسَارِهِ):

وهذا ثابت من فعله صلى الله عليه وسلم وهو القائل لِتَأْخُذُوا مَنَاسِكَكُمْ فَإِنِّي لا أَدْرِي لَعَلِّي لا أَحُجُّ بَعْدَ حَجَّتِي هَذِهِ) (2)، وعن جابر رضي الله عنهما (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لَمَّا قَدِمَ مَكَّةَ أَتَى الْحَجَرَ فَاسْتَلَمَهُ ثُمَّ مَشَى عَلَى يَمِينِهِ فَرَمَلَ ثَلاثًا وَمَشَى أَرْبَعًا) (3). (3)

قوله (فَيَطُوْفُ سَبْعًا):

أي سبعة أشواط من الحجر الأسود إلى الحجر الأسود شوط وهكذا حتى يتم سبعة أشواط كما جاء ذلك في حديث جابر المتقدم، وتكون هذه السبعة كاملة لا تقل، لو نقص خطوة واحدة من أوله أو آخره لم يصح، كما لو نقص شيئاً من الصلاة الرباعية أو الثلاثية أو الثنائية فإنها لا تصح.
لكن

هل يلزم محاذاة الخط الموضوع لذلك؟

الصواب: أنه لا يلزم، بل يكفي المحاذاة للحجر فمتى حاذاه انتهى شوطه، هذا إن كان موجوداً أما الأن فقد أزيل.

(4)

قوله (يَرْمُلُ فِي الثَّلاثَةِ الأُوَلِ مِنَ الْحَجَرِ إِلَى الْحَجَرِ، وَيَمْشِيْ فِي الأَرْبَعَةِ الأخرى): وذلك لحديث جابر المتقدم، وهذا هو الأمر الثاني الذي يسن =322323324

الجزء: 3 - الصفحة: 112

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =فعله في الطواف، فالأول هو الاضطباع وقد سبق والثاني الرَّمل.
والرَّملُ: بفتح الراء والميم وهو إسراع المشي مع تقارب الخطى من غير وثب.
وللرمل أحكام تخصه ومن هذه الأحكام: 1 - سبب مشروعيته: ما رواه البخاري ومسلم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَأَصْحَابُهُ فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ إِنَّهُ يَقْدَمُ عَلَيْكُمْ وَقَدْ وَهَنَهُمْ حُمَّى يَثْرِبَ فَأَمَرَهُمْ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَنْ يَرْمُلُوا الأَشْوَاطَ الثَّلاثَةَ وَأَنْ يَمْشُوا مَا بَيْنَ الرُّكْنَيْنِ وَلَمْ يَمْنَعْهُ أَنْ يَأْمُرَهُمْ أَنْ يَرْمُلُوا الأَشْوَاطَ كُلَّهَا إِلا الإِبْقَاءُ عَلَيْهِمْ) 325، ومعنى الإبقاء عليهم الشفقة عليهم.
فدل الحديث على أن الحكمة في الرمل هو إغاظة الكافرين حيث ظنوا أن محمداً وأصحابه أعيتهم حمى يثرب وأضعفتهم فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بالرَّمل من أجل تخييب ظنهم الفاسد وإغاظتهم وخزيهم.
2 - أن الرمل إنما يكون في الأشواط الثلاثة الأولى فقط.
3 - أن الرمل إذا ترك في الثلاثة الأشواط الأولى لم يقضه في الأربعة الباقية لأنها عبادة فات محلها ولئلا يغير هيئة الطواف.
4 - أن من استطاع أن يرمل في شوط أو شوطين من الثلاثة الأولى فعل.
5 - الرمل مع بُعدٍ من البيت أولى من تركه مع قرب للزحام لأن المحافظة على فضيلة تتعلق بذات العبادة أولى من المحافظة على فضيلة تتعلق بمكانها أو زمانها.
6 - هل يكون الرمل من الحجر الأسود إلى الحجر الأسود أم يشرع المشي=

الجزء: 3 - الصفحة: 113

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =بين الركن اليماني والحجر الأسود؟ على قولين؛ فقيل: يمشي ما بين الركنين لحديث ابن عباس المتقدم.
وقيل: بل يرمل في الشوط كله وذلك لحديث جابر رضي الله عنهما (فَرَمَلَ ثَلاثًا وَمَشَى أَرْبَعًا) 326، وفي رواية (أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم رَمَلَ مِنْ الْحَجَرِ إِلَى الْحَجَرِ ثَلاثًا وَمَشَى أَرْبَعًا) 327، وأيضاً حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال (رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حِينَ يَقْدَمُ مَكَّةَ إِذَا اسْتَلَمَ الرُّكْنَ الأَسْوَدَ أَوَّلَ مَا يَطُوفُ حِينَ يَقْدَمُ يَخُبُّ ثَلاثَةَ أَطْوَافٍ .. ) 328، ومعنى يخبّ أي يسرع في المشي.
فقالوا هذه الأدلة تدل على أن رمل الأشواط الثلاثة يكون من الحجر إلى الحجر فيكون ناسخا لحديث ابن عباس رضي الله عنهما، ودليل النسخ أن حديث ابن عباس في عمرة القضاء في ذي القعدة في سنة سبع أما حديثا جابر وابن عمر - رضي الله عنهما - فإنما كانا في حجة الوداع.
وهذا هو الأصح عندي؛ فيرمل في طواف القدوم، وكذا طواف العمرة في الثلاثة الأشواط الأولى من الحجر إلى الحجر وهذا عمل الصحابة رضي الله عنهم.
7 - مشروعية الرمل باقية وإن كان السبب وهو إغاظة المشركين قد زال تأسياً واقتداءً بفعل النبي صلى الله عليه وسلم، كما أن في ذلك تذكيراً بنعمة الله تعالى وهي الأمن =

الجزء: 3 - الصفحة: 114

وَكُلَّمَا حَاذَى الرُّكْنَ اليَمَانِيَّ وَالْحَجَرَ، اسْتَلَمَهُمَا، وَكَبَّرَ وَهَلَّلَ (1)  =بعد الخوف لشكر الله عليها.
8 - هل للنساء أن ترمل؟ الجواب: الرمل مشروع في حق الرجال دون النساء ومثله الرمل في السعي كما سيأتي في آخر هذا الباب.
9 - أن الرمل إنما يشرع للأفاقين أي الذي أحرم من بعيد عن مكة وليس بشرط أن يكون بينه وبينها مسافة قصر بل فمن أحرم من قرن المنازل أو يلملم أو الجحفة أو ذات عرق أو من ذي الحليفة فإنه يرمل، أما من كان بمكة فإنه لا يرمل.
10 - الرمل ليس هو هز الكتفين كما يفعله بعض الجهال، بل الرمل هو المشي بقوة ونشاط بحيث يسرع لكن لا يمد خُطْوَه.
11 - إذا كان بحصول الرمل يحصل أذية للمسلمين فلا يشرع، بل يجب على المسلم تركه لأن فعله سنة وأذية الناس مُحَرَّمة فلا تشرع سنة تحصل بها أذية للناس.

(1)

قوله (وَكُلَّمَا حَاذَى الرُّكْنَ اليَمَانِيَّ وَالْحَجَرَ، اسْتَلَمَهُمَا، وَكَبَّرَ وَهَلَّلَ):

أي كلما صار بحذاء الركن اليماني والحجر الأسود فإنه يقول (الله أكبر لا إله إلا الله).
أما التكبير عند محاذاة الحجر الأسود فقد ورد ذكره من حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال (طَافَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِالْبَيْتِ عَلَى بَعِيرٍ كُلَّمَا أَتَى عَلَى الرُّكْنِ أَشَارَ إِلَيْهِ) 329، وفي رواية (طَافَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِالْبَيْتِ عَلَى بَعِيرٍ كُلَّمَا أَتَى الرُّكْنَ أَشَارَ=

الجزء: 3 - الصفحة: 115

وَيَقُوْلُ بَيْنَ الرُّكْنَيْنِ: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ (1)  = إلَيْهِ بِشَيْءٍ كَانَ عِنْدَهُ وَكَبَّرَ) (1). وأما التكبير عند محاذاة الركن اليماني فليس له أصل، بل الثابت أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يستلمه ولم ينقل أنه كان يكبر عنده.
أما زيادة (لا إله إلا الله) كما ذكر المؤلف هنا بقوله (وَكَبَّرَ وَهَلَّلَ) فلم تثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الموضع.
فالصواب في هذه المسألة: أن المشروع في حق من يطوف استلام الحجر والتكبير عنده واستلام الركن اليماني إن استطاع وإلا فلا يشرع التكبير له (يعني الركن اليماني) ولا قول (لا إله إلا الله).

(1)

قوله (وَيَقُوْلُ بَيْنَ الرُّكْنَيْنِ: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾): أي مما يشرع فيما بين الركن اليماني والحجر الأسود أن يدعو الحاج أو المعتمر بهذا الدعاء ولا يزيد عليه (وأدخلنا الجنة مع الأبرار يا عزيز يا غفار)، لأن هذه الزيادة لم تثبت لكن إن دعا بها مع علمه أنها ليست بسنة وإنما هي دعاء فقط فلا حرج.

وحسنة الدنيا هي ما تحسن به أحوالنا من صحة، وسلامة، وأهل، ومال، وذكر حسن، وحسنة الآخرة أي ما تحسن به أحوالنا في تيسير الحساب، وتخفيف الأهوال، ودخول الجنة، والنظر إلى وجه الله الكريم، (وقنا عذاب النار) اجعل لنا وقاية منه ومن أسبابه.330

الجزء: 3 - الصفحة: 116

وَيَدْعُوْ فِيْ سَائِرِهِ بِمَا أَحَبَّ (1)، ثُمَّ يُصَلِّيْ رَكْعَتَيْنِ خَلْفَ الْمَقَامِ (2)، وَيَعُوْدُ إِلَى الرُّكْنِ فَيَسْتَلِمُهُ (3)  (1)

قوله (وَيَدْعُوْ فِيْ سَائِرِهِ بِمَا أَحَبَّ):

أي في سائر الطواف بما أحب من خيري الدنيا والآخرة، أما جعل أدعية معينة لكل شوط أو جعل ذكر معين في الطواف غير ما سبق فهذا لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم وإنما هذا مما أحدثه الناس، ومن ذلك ما يقوم به بعض الناس من الدعاء في أثناء الطواف ويتابعه فيه واحد أو أكثر ممن يطوف معه، وهذا فيه نوع أذية للمسلمين بسبب التشويش عليهم.
(2)

قوله (ثُمَّ يُصَلِّيْ رَكْعَتَيْنِ خَلْفَ الْمَقَامِ):

لقوله تعالى ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ (1)، وروى البخاري ومسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: (قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَطَافَ بِالْبَيْتِ سَبْعًا ثُمَّ صَلَّى خَلْفَ الْمَقَامِ رَكْعَتَيْنِ .. ) (2)، فإن لم يتيسر أن يصليهما خلف المقام صلاهما في أي مكان من المسجد الحرام، أما ما نراه من بعض الناس ممن يصليها خلف المقام مع شدة الزحام وأذية الناس فهذا لا يجوز فعله لما فيه من أذية الناس والتضييق على من يطوف بالبيت.
(3)

قوله (وَيَعُوْدُ إِلَى الرُّكْنِ فَيَسْتَلِمُهُ):

أي بعد أن يصلي ركعتي الطواف يسن له أن يعود إلى الحجر الأسود فيستلمه، وقوله (ويعود إلى الركن) المراد بالركن هنا هو الحجر الأسود فإنه يطلق عليه هو والركن اليماني (الركنان اليمانيان) لأنهما من جهة اليمن.331332

الجزء: 3 - الصفحة: 117

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أما دليل ما ذكره المؤلف فهو حديث جابر رضي الله عنهما وفيه ( .. ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الرُّكْنِ فَاسْتَلَمَهُ .. ) (1)، فمتى انتهى من صلاة الركعتين عاد إلى الحجر الأسود واستلمه بيده إن تيسر له ذلك وإلا تركه ومضى ولا يسن في هذه المرة تقبيله ولا الإشارة إليه.

ذكر بعض المسائل المتعلقة بالطواف

: الأولى: سنن الطواف: (استلام الحجر - وتقبيله - ما يقوم مقام الاستلام - استلام الركن - الاضطباع - الرمل في الأشواط الثلاثة الأولى - الدعاء - الذكر - الدنو من البيت - ركعتا الطواف).
الثانية: قال بعض العلماء كل طواف بعده سعي: يسن أن يعود إلى الحجر الأسود فيستلمه، والاستلام بعد الطواف تحية للسعي وتوديع للحجر.
الثالثة: الاحتياط فيما ثبتت به السنة لزومها وما زاد عليها فهو بدعة: مثل الزيادة على الطواف بأن يطوف قبل الحجر الأسود في الشوط الأول.
الرابعة: جهة الحجر والباب أشرف جهات الكعبة، والبيوت تؤتى من أبوابها.
الخامسة: تحية الكعبة الطواف، وتحية المسجد الركعتان.
السادسة: يستلم الحِجْر الأسود والركن اليماني لأنهما على قواعد إبراهيم.
السابعة: لا تشرع البسملة إلا عند بداية الطواف فقط.
الثامنة: يشترط لصحة الطواف ما يلي: (النية - ستر العورة - الطهارة من =333

الجزء: 3 - الصفحة: 118

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  = الحدث في أصح قولي العلماء - الطهارة من النجاسة - إتمام سبعة أشواط - جعل البيت عن يساره - لا يطوف على شيء من البيت كالشاذروان - الطواف داخل المسجد - الموالاة بين الأشواط - البداية من الحجر الأسود).
التاسعة: من ترك شيئاً من الطواف ولو خطوة واحدة أو شبراً واحداً فإنه لا يصح، فإن ذكره في أثناء الطواف فإنه يلغي الشوط الذي ترك فيه ذلك ويقع ما بعده بدلاً منه.
العاشرة: من شك في عدد الأشواط فإنه يُنظر هل الشك في أثناء العبادة أم بعد الفراغ منها؟ فإن كان بعد الفراغ فلا عبرة بالشك لأن الشك بعد الفراغ من العبادة لا تأثير له.
أما إن شك في أثنائها هل يبني على اليقين أم على غلبة الظن؟ قولان للفقهاء؛ والصحيح أنه يعمل بغلبة الظن كالصلاة.
مثال ذلك: في أثناء الطواف شك هل طاف خمسة أشواط أو ستة أشواط فإن كان الشك متساوي الأطراف جعلها خمسة لأنه المتيقن، وإن ترجح أنها خمسة جعلها خمسة، وإن ترجح أنها ستة فمن العلماء من يقول يعمل بذلك ويجعلها ستة، ومنهم من يقول يبني على اليقين ويجعلها خمسة، والصحيح أنه يعمل بغلبة الظن فيجعلها ستة ويأتي بالسابع.
الحادية عشرة: من قطع طوافه للصلاة بدأَ من حيث انتهى ولا يلزمه العود إلى أول الشوط في أصح قولي العلماء، وإن بدأ من أول الشوط خروجاً من الخلاف فلا بأس إن شاء الله لما فيه من الاحتياط.

الجزء: 3 - الصفحة: 119

ثُمَّ يَخْرُجُ إِلَى الصَّفَا مِنْ بَابِهِ (1) فَيَأْتِيْهِ (2) فَيَرْقَى عَلَيْهِ (3) وَيُكَبِّرُ اللهَ وَيُهَلِّلُهُ وَيَدْعُوْهُ (4)  الثانية عشرة: يجوز لحامل الطفل أن ينوي الطواف والسعي عنه وعن الطفل لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما سألت المرأة عن الطفل فقالت يا رسول صلى الله عليه وسلم ألهذا حج؟ قال نعم ولكِ أجر.
ولم يأمرها أن تخصه بطواف أو سعي، فدل ذلك على أن طوافها وسعيها به يجزئ عنهما.

(1)

قوله (ثُمَّ يَخْرُجُ إِلَى الصَّفَا مِنْ بَابِهِ):

أي ثم يخرج من المسجد الحرام إلى الصفا من باب الصفا لأنه أيسر له.
وهذا في السابق حينما كان المسعى منفصلاً عن المسجد الحرام، وأما الآن فليس بينهما باب لكن يخرج من جهة الصفا.

(2)

قوله (فَيَأْتِيْهِ):

أي ثم يأتي إلى الصفا.
(3)

قوله (فَيَرْقَى عَلَيْهِ):

حتى يرى البيت ويقول إذا دنا من الصفا ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوْ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ (1) أبدأ بما بدأ به الله.
(4)

قوله (وَيُكَبِّرُ اللهَ وَيُهَلِّلُهُ وَيَدْعُوْهُ):

أي إذا رقى على الصفا كبر الله تعالى ثلاثاً وهلله، أي قال (لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله وحده أنجز وعده، ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده)، ثم يدعو بما أحب، ثم يعيد الذكر مرة ثانية، ثم ... يدعو بما أحب، ثم يعيد الذكر مرة ثالثة، ثم ينزل متجهاً إلى المروة.
هذا ما رواه عنه جابر رضي الله عنهما في صفة حجة النبي صلى الله عليه وسلم334

الجزء: 3 - الصفحة: 120

ثُمَّ يَنْزِلُ فَيَمْشِيْ إِلَى العَلَمِ، ثُمَّ يَسْعَى إِلَى الْعَلَمِ الآخَرِ (1)، ثُمَّ يَمْشِيْ إِلَى الْمَرْوَةِ (2) فَيَفْعَلُ كَفِعْلِهِ عَلَى الصَّفَا (3)، ثُمَّ يَنْزِلُ فَيَمْشِيْ فِيْ مَوْضِعِ مَشْيِهِ، وَيَسْعَى فِيْ مَوْضِعِ سَعْيِهِ حَتَّى يُكْمِلَ سَبْعَةَ أَشْوَاطٍ (4)  (1)

قوله (ثُمَّ يَنْزِلُ فَيَمْشِيْ إِلَى العَلَمِ، ثُمَّ يَسْعَى إِلَى الْعَلَمِ الآخَرِ):

أي ثم ينزل من على الصفا فيمشي إلى بداية العلم الأخضر الموجود في بداية الوادي، فإذا رأى العلامة الخضراء ركض بقدر ما يستطيع إلى أن يصل إلى العلامة الثانية التي هي علامة على نهاية الوادي.
ودليل ذلك فعل النبي صلى الله عليه وسلم فعن جابر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم ( .. نَزَلَ إِلَى الْمَرْوَةِ حَتَّى إِذَا انْصَبَّتْ قَدَمَاهُ فِي بَطْنِ الْوَادِي سَعَى حَتَّى إِذَا صَعِدَتَا مَشَى حَتَّى أَتَى الْمَرْوَةَ) (1)، وهذا الحكم في حق الرجل أما المرأة فلا يشرع لها لأنها مأمورة بالستر.

(2)

قوله (ثُمَّ يَمْشِيْ إِلَى الْمَرْوَةِ):

وهو الجبل المعروف في نهاية المسعي.
(3)

قوله (فَيَفْعَلُ كَفِعْلِهِ عَلَى الصَّفَا):

أي يفعل عليها من الذكر والدعاء ورفع اليدين كما فعل على الصفا.
(4)

قوله (ثُمَّ يَنْزِلُ، فَيَمْشِيْ فِيْ مَوْضِعِ مَشْيِهِ، وَيَسْعَى فِيْ مَوْضِعِ سَعْيِهِ حَتَّى يُكْمِلَ سَبْعَةَ أَشْوَاطٍ):

أي يفعل كما فعل في الشوط الأول.
و

هل يصعد في كل شوط حتى يصل إلى أعلى الصفا

أو إلى أعلى المروة؟ نقول: الذي يجب استيعابه حده حد الممر الذي جعل ممراً للعربات، وأما بعد مكان الممر فإنه من المستحب وليس من الواجب، فلو أن الإنسان اختصر سعيه من حد ممر العربات لأجزئه.335

الجزء: 3 - الصفحة: 121

يَحْتَسِبُ بِالذَّهَابِ سَعْيَةً (1)  قوله (حَتَّى يُكْمِلَ سَبْعَةَ أَشْوَاطٍ) وذلك لحديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما وفيه ( .. فَطَافَ بِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ سَبْعَةَ أَطْوَافٍ .. ) (1)، وهذا أمر مجمع عليه.
ولا يتحقق السعي بدون سبعة أشواط يقطعهما بين الصفا والمروة لفعل النبي صلى الله عليه وسلم وهو قول عامة السلف والخلف.
وقال الحنفية (2) يكفي لإسقاط الواجب أربعة أشواط لأنها أكثر السعي وللأكثر حكم الكل.
لكن إن سعى أقل من سبعة أشواط فعليه دم عندهم لأنه لم يؤد الواجب.
والصحيح: ما ذهب إليه الجمهور فيجب عليه العود لأداء ما نقص ولو كان يسيراً ولا يتحلل من إحرامه إلا بذلك.

(1)

قوله (يَحْتَسِبُ بِالذَّهَابِ سَعْيَةً):

وحكي عن بعض الشافعية 338، وكذا ابن جرير 339 أنهم قالوا ذهابه ورجوعه سعيه، وهذا غلط لأن جابر رضي الله عنهما قال ( .. ثُمَّ نَزَلَ إِلَى الْمَرْوَةِ حَتَّى إِذَا انْصَبَّتْ قَدَمَاهُ فِي بَطْنِ الْوَادِي سَعَى حَتَّى إِذَا صَعِدَتَا مَشَى حَتَّى أَتَى الْمَرْوَةَ فَفَعَلَ عَلَى الْمَرْوَةِ كَمَا فَعَلَ عَلَى الصَّفَا .. ) فلما كان آخر طوافه على المروة قال ( .. لَوْ أَنِّي اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ لَمْ أَسُقْ الْهَدْيَ وَجَعَلْتُهَا عُمْرَةً .. ) 340، فلو كان على ما ذكروه لكان آخره عند الصفا في الموضع الذي بدأ منه.336337

الجزء: 3 - الصفحة: 122

يَفْتَتِحُ بِالصَّفَا وَيَخْتِمُ بِالْمَرْوَةِ (1)، ثُمَّ يُقَصِّرُ مِنْ شَعَرِهِ، إِنْ كَانَ مُعْتَمِرًا (2) وَقَدْ حَلَّ (3)،  (1)

قوله (يَفْتَتِحُ بِالصَّفَا وَيَخْتِمُ بِالْمَرْوَةِ):

لقوله سبحانه وتعالى ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ (1)، قال صلى الله عليه وسلم (نَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ) (2).

فائدة: لكن إن خالف وبدأ بالمروة قبل الصفا فهل يجزئه؟

الجواب: لا يجزئه كما لو بدأ بالسجود في الصلاة قبل الركوع ولقوله صلى الله عليه وسلم (مَنْ عَمِلَ عَمَلا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ) (3)، فلو بدأ بالمروة وانتهى بالصفا يسقط هذا الشوط الذي بدأه ويلغيه.

(2)

قوله (ثُمَّ يُقَصِّرُ مِنْ شَعَرِهِ، إِنْ كَانَ مُعْتَمِرًا):

فيه دليل على أن المستحب في حق المتمتع إذا حل من عمرته التقصير ليؤخر الحلق إلى الحج.
دليل ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أصحابه الذين لم يسوقوا الهدي أن يقصروا، فقد روى البخاري ومسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( .. وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَهْدَى فَلْيَطُفْ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَلْيُقَصِّرْ وَلْيَحْلِلْ .. ) (4). أما إذا كان معتمراً فقط دون حج فالأفضل في حقه الحلق.

(3)

قوله (وَقَدْ حَلَّ):

أي حل من عمرته فقد حل له كل شيء حتى النساء، فإذا ساق الهدي لزم في حقه القرَان.341342343344

الجزء: 3 - الصفحة: 123

إِلاَّ الْمُتَمَتِّعَ إِنْ كانَ مَعَهُ هَدْيٌ (1) وَالْمُفْرِدَ، وَالْقَارِنَ فَإِنَّهُ لا يَحِلُّ (2)، وَالْمَرْأَةُ كَالرَّجُلِ، إِلاَّ أَنَّهَا لا تَرْمُلُ فِيْ طَوَافٍ وَلا سَعْيٍ (3)  (1)

قوله (إِلاَّ الْمُتَمَتِّعَ إِنْ كانَ مَعَهُ هَدْيٌ):

أي فإنه لا يحل بل يستمر على إحرامه حتى ينحر هديه يوم العيد.
(2)

قوله (وَالْمُفْرِدَ، وَالْقَارِنَ فَإِنَّهُ لا يَحِلُّ):

أي وكذلك القارن والمفرد فإنهما لا يحلان من إحرامهما، بل يستمران على إحرامهما حتى يرميا جمرة العقبة يوم العيد، دليل ما ذكرناه ما رواه البخاري ومسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما قال (فَلَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم مَكَّةَ قَالَ لِلنَّاسِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ أَهْدَى فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ لِشَيْءٍ حَرُمَ مِنْهُ حَتَّى يَقْضِيَ حَجَّهُ وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَهْدَى فَلْيَطُفْ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَلْيُقَصِّرْ وَلْيَحْلِلْ ثُمَّ لِيُهِلَّ بِالْحَجِّ) (1). (3)

قوله (وَالْمَرْأَةُ كَالرَّجُلِ، إِلاَّ أَنَّهَا لا تَرْمُلُ فِيْ طَوَافٍ وَلا سَعْيٍ):

أي المرأة في جميع الأحكام التي ذكرها المؤلف كالرجل لا يستثنى منه شيء إلا الرمل، وهو كما ذكرنا إسراع المشي مع تقارب الخطى من غير وثب.
وهذا الحكم يعني الرمل سنَّة في حق الرجال، ولأن الأصل في مشروعية الاضطباع إظهار الجلد والقوة وذلك غير مقصود في حقهن، ولأن النساء يقصد فيهن الستر وفي الرمل والاضطباع تعرض للانكشاف.
قال ابن المنذر 346: أجمع أهل العلم على أنه لا رمل على النساء حول البيت ولا بين الصفا والمروة.345

الجزء: 3 - الصفحة: 124

بَابُ صِفَةِ الْحَجِّ

(1) وَإِذَا كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ (2)، فَمَنْ كَانَ حَلالاً (3)، أَحْرَمَ مِنْ مَكَّةَ (4)،  (1)

قوله (بَابُ صِفَةِ الْحَجِّ):

هذا الباب من أهم الأبواب في كتاب الحج حيث سيذكر فيه المؤلف الكيفية التي ينبغي أن يؤدي عليها الحج، فلما ذكر المؤلف دخول مكة وما يتعلق به من طواف وسعي وهو عام ذكر بعد ذلك ما يتعلق بالحج من إحرام، ووقوف بعرفة، ومبيت بمزدلفة، ومبيت بمنى، وكذا طواف الوداع، وغير ذلك مما سيذكره المؤلف.
(2)

قوله (وَإِذَا كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ):

يوم التروية هو اليوم الثامن من ذي الحجة، سُمِّي بذلك لأن الناس كانوا يرتوون فيه الماء لما بعده لأن منى لا ماء فيها في الزمن الماضي وكذلك مزدلفة وعرفة.
وأما الآن فنحمد الله ونشكره المياه متوفرة في كل مشاعر الحج، وهذا من فضل الله جل وعلا، ثم بفضل ولاة أمر بلادنا الذين يبذلون للحج والحجاج ما يستطيعون مما فيه تيسير وتسهيل عليهم لأداء مناسكهم بكل يسر.

فائدة: أيام الحج لها مسمى عند الفقهاء

: فاليوم الثامن يسمى (يوم التروية)، واليوم التاسع (يوم عرفة)، والعاشر (يوم النحر)، والحادي عشر (يوم القر)، والثاني عشر (يوم النفر)، والثالث عشر (يوم النفر الثاني).
(3)

قوله (فَمَنْ كَانَ حَلالاً):

أي من كان من المتمتعين الذين حلوا من عمرتهم أو ممن كان مقيماً من أهل مكة فأراد الحج.
(4)

قوله (أَحْرَمَ مِنْ مَكَّةَ):

أي يستحب لهم فعل ذلك يوم التروية ومن حيث =

الجزء: 3 - الصفحة: 125

وَخَرَجَ إِلَى عَرَفَاتٍ (1)،  =أحرم من الحرم جاز.
وقيل لا يجوز له أن يحرم من الحل، فمتى أحرم فعليه دم لأنه ترك واجباً.
والصحيح: أنه يحرم من مكانه أيًّا كان، وإذا كان بالحرم فلا ينبغي أن يخرج الإنسان من الحرم، بل يحرم منه، وإن أحرم من الحل جاز.
والأفضل أن يحرم من مكة لقول النبي صلى الله عليه وسلم في المواقيت حتى أهل مكة يهلون من مكة (1) فإن أحرم خارجاً منها جاز له ذلك لقول جابر رضي الله عنهما (فَأَهْلَلْنَا مِنْ الْأَبْطَحِ) (2)، وهذا إحدى الروايتين (3) في المذهب.

فائدة (1): يستحب أن يفعل عند إحرامه هذا ما فعله عند إحرامه من الميقات

فيغتسل ويتنظف وغير ذلك.

فائدة (2): قال بعض الفقهاء: إذا كان بمكة وتجرد من مخيطه ولبس ملابس الإحرام

فإنه يستحب له أن يطوف سبعاً ويصلي ركعتين ثم يحرم عقيبهما، ولا يسن أن يطوف بعد إحرامه.
(1)

قوله (وَخَرَجَ إِلَى عَرَفَاتٍ):

لم يذكر المؤلف هنا المبيت بمنى ليلة التاسع والمبيت فيها سنة فيخرج الحاج إلى منى فيصلي بها الظهر ويبيت بها فيصلي الصلوات الخمس الظهر والعصر والمغرب والعشاء وفجر يوم عرفة قصراً دون جمع.
دليل ذلك ما جاء في حديث جابر رضي الله عنهما وفيه (فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ تَوَجَّهُوا إِلَى مِنًى فَأَهَلُّوا بِالْحَجِّ وَرَكِبَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَصَلَّى بِهَا الظُّهْرَ =347348349

الجزء: 3 - الصفحة: 126

فَإِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ يَوْمَ عَرَفَةَ، صَلَّى الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا بِأَذَانٍ وَإِقَامَتَيْنِ (1)،  =وَالْعَصْرَ وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ وَالْفَجْرَ .. ) (1). وقوله (وَخَرَجَ إِلَى عَرَفَاتٍ) أي بعد طلوع شمس يوم التاسع فإنه يسير إلى عرفة وينزل أولاً بنمرة وهي قرية قرب عرفة وليست من عرفة بلا شك لأنه إذا كان بطن عرنة ليس من عرفة فهي أبعد من بطن عرنة.

فائدة: هل النزول بنمرة للراحة أم هو نسك؟

الصواب: أن النزول بها سنة وليس للراحة، فينزل بها الحاج إن تيسر حتى إذا زالت الشمس انطلق إلى عرفة.

(1)

قوله (فَإِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ يَوْمَ عَرَفَةَ، صَلَّى الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا بِأَذَانٍ وَإِقَامَتَيْنِ):

وذلك لفعله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع وكذا أصحابه رضي الله عنهم فيجمع بين الظهر والعصر جمع تقديم، والحكمة من الجمع هنا أمران: الأول: لكي يطول وقت الدعاء.
الثاني: اجتماع الناس على الصلاة، فإنهم إن تفرقوا إلى المواقف صعب إتيانهم واجتماعهم مرة أخرى، ومراعاة هذه المصلحة العظيمة أولى، لكن تسبق الصلاة الخطبة، فمتى زالت الشمس خطب الإمام ثم صلى الظهر والعصر جمع تقديم.
والمراد بالإمام هنا الإمام الأعظم، أو نائبه، والسُنَّة أن تكون الخطبة قصيرة، قال سالم بن عبد الله بن عمر للحجاج (إن كنت تريد أن تصيب السنة اليوم فأقصر الخطبة وعجل الوقوف)، قال ابن عمر رضي الله عنهما صدق.350

الجزء: 3 - الصفحة: 127

ثُمَّ يَصِيْرُ إِلَى الْمَوْقِفِ (1)، وَعَرَفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ، إِلاَّ بَطْنُ عُرَنَةَ (2)، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقِفَ فِيْ مَوْقِفِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم (3)، أَوْ قَرِيْبًا مِنْهُ (4)، عِنْدَ الْجَبَلِ قَرِيْبًا مِنَ الصَّخَرَاتِ (5)، .  (1)

قوله (ثُمَّ يَصِيْرُ إِلَى الْمَوْقِفِ):

أي بعد انقضائه من الخطبة والجمع بين صلاتي الظهر والعصر جمع تقديم يصير إلى الموقف وهو عرفة فيقف بها لفعله صلى الله عليه وسلم هو وأصحابه في حجة الوداع.
(2)

قوله (وَعَرَفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ، إِلاَّ بَطْنُ عُرَنَةَ):

عُرنة بضم العين وفتح الراء والنون، هو وادي بحذاء عرفات، وهذا الوادي لا يجزئ الوقوف فيه لقوله صلى الله عليه وسلم (عَرَفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ، وَارْتَفِعُوا عَنْ بَطْنِ عُرَنَةَ) (1).

فائدة: وهل بطن عرنة من عرفة؟

الجواب: نعم؛ لكن لا يجوز الوقوف فيه للحديث المتقدم، فلو وقف فيه ودفع منه فحجه غير صحيح لأن عرنة ليس من عرفة شرعاً، وإن كان منها مكاناً.

(3)

قوله (وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقِفَ فِيْ مَوْقِفِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم):

أما مكان وقوفه صلى الله عليه وسلم فهو عند الصخرات وجبل الرحمة، دليل ذلك ما جاء عن جابر رضي الله عنهما أن النبي جعل بطن ناقته القصواء إلى الصخرات وجعل حبل المشاة بين يديه واستقبل القبلة.
(4)

قوله (أَوْ قَرِيْبًا مِنْهُ):

أي قريباً من موقفه صلى الله عليه وسلم.
(5)

قوله (عِنْدَ الْجَبَلِ قَرِيْبًا مِنَ الصَّخَرَاتِ):

الجبل هنا يقال له جبل الرحمة، أو جبل الدعاء، وقد كان يسمى في الجاهلية باسم (جبل إلال)، ويسمى =351

الجزء: 3 - الصفحة: 128

وَيَجْعَلُ حَبْلَ الْمُشَاةِ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَيَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ (1)، وَيَكُوْنُ رَاكِبًا (2)، وَيُكْثِرُ مِنْ قَوْلِ: لا إِلهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيْكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، بِيَدِهِ الْخَيْرُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيْرٌ (3)،  = أيضاً جبل عرفة، أو جبل الموقف، فيقف عند الجبل قريباً من الصخرات، وهي صخرات مفترشات أسفل جبل الرحمة لا تزال هذه الصخرات موجودة.
هذا هو مكان وقوف رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكن إذا شق عليه ذلك أو كان فيه إيذاء لنفسه أو لغيره فلا ينبغي، بل يجلس في أي مكان، ويستقبل القبلة، ولعله يدرك من الأجر أكثر مما يدركه أولئك الذين يشقون على أنفسهم ويضيعون هذا الوقت الفاضل بالمزاحمة وأذية الآخرين.

(1)

قوله (وَيَجْعَلُ حَبْلَ الْمُشَاةِ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَيَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ):

هذا بخلاف ما يفعله العامة حيث يستقبلون الجبل ولا يستقبلون القبلة وهذا ناتج عن جهلهم، فينبغي على طالب العلم أن يوجه الناس ويعلمهم دينهم برفق وسهولة ويسر.
(2)

قوله (وَيَكُوْنُ رَاكِبًا):

أي ويستحب أن يكون راكباً لفعله صلى الله عليه وسلم.
والأظهر عندي أنه يفعل الأرفق به من الوقوف راكباً أو جالساً.

(3)

قوله (وَيُكْثِرُ مِنْ قَوْلِ: لا إِلهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيْكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، بِيَدِهِ الْخَيْرُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيْرٌ): لورود ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم، فقد روى الترمذي وغيره عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعاً (خَيْرُ الدُّعَاءِ دُعَاءُ يَوْمِ عَرَفَةَ وَخَيْرُ مَا قُلْتُ أَنَا وَالنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِي لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) 352.

الجزء: 3 - الصفحة: 129

وَيَجْتَهِدُ فِي الدُّعَاءِ وَالرَّغْبَةِ إِلَى اللهِ عز وجل (1)، إِلَى غُرُوْبِ الشَّمْسِ (2)، ثُمَّ يَدْفَعُ مَعَ الإِمَامِ إِلَى مُزْدَلِفَةٍ (3)،  -

فائدة: هل الوقوف يبدأ من أول النهار أم من الزوال؟

قولان للعلماء: الجمهور على أنه من الزوال، ويرى الإمام أحمد أنه من أول النهار.
والراجح: قول الجمهور.

(1)

قوله (وَيَجْتَهِدُ فِي الدُّعَاءِ وَالرَّغْبَةِ إِلَى اللهِ عز وجل):

للحديث المتقدم، فعلى الحاج الإكثار من الدعاء والاستغفار، واستغلال هذا اليوم العظيم، فإن لحق بالإنسان ملل ونحوه فلا حرج أن يستريح بنوم، أو بقراءة قرآن، أو بمذاكرة مع إخوانه، أو في أحاديث تتعلق بالرحمة والرجاء، والبعث، والنشور، وغير ذلك مما هو أنفع لقلبه.

فائدة: الأحسن أن يدعو كل شخص وحده

، لكن لو كان هناك من لا يحسن الدعاء وطلب من أخيه أن يدعو وهو يؤمن فلا حرج، وكذا لو دعا للنساء اللاتي لا يحسنَّ الدعاء فهو مأجور إن شاء الله.
(2)

قوله (إِلَى غُرُوْبِ الشَّمْسِ):

لحديث جابر المتقدم وفيه ( .. فَلَمْ يَزَلْ وَاقِفًا حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ وَذَهَبَتِ الصُّفْرَةُ قَلِيلاً حَتَّى غَابَ الْقُرْصُ .. )، فلا يجوز أن يدفع الحاج قبل غروب الشمس لفعله صلى الله عليه وسلم ولقوله صلى الله عليه وسلم (لِتَأْخُذُوا مَنَاسِكَكُمْ .. ) (1). (3)

قوله (ثُمَّ يَدْفَعُ مَعَ الإِمَامِ إِلَى مُزْدَلِفَةٍ):

هذا إذا كان هناك إمام وهو الوالي الذي إليه أمر الحج من قبل الإمام، فيستحب أن يقف حتى يدفع الإمام الذي يؤم الناس في عرفات.353

الجزء: 3 - الصفحة: 130

عَلَى طَرِيْقِ الْمَأْزِمَيْنِ (1) وَعَلَيْهِ السَّكِيْنَةُ وَالْوَقَارُ (2). وَيَكُوْنُ مُلَبِّيًا ذَاكِرًا للهِ عز وجل (3)، فَإِذَا وَصَلَ مُزْدَلِفَةَ صَلىَّ الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ قَبْلَ حَطِّ الرِّحَالِ، يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا (4)  ومزدلفة سميت بذلك من الازدلاف، وهو التقرب بالحجاج إذا أفاضوا من عرفات، ازدلفوا إليها أي تقربوا ومضوا إليها.
وسميت أيضاً بجمعٍ لاجتماع الناس فيها في الجاهلية والإسلام، وهي أيضاً تسمى بالمشعر الحرام؛ سميت بذلك لإِخراج المشعر الحلال وهو عرفة.

(1)

قوله (عَلَى طَرِيْقِ الْمَأْزِمَيْنِ):

لأن النبي صلى الله عليه وسلم سلكه، والمأزمان شِعْب بين جبلين يفضي آخره إلى بطن عرفة عند نهاية عرفة جهة مزدلفة، وبين وادي محسر الذي يفصل بين مزدلفة وبين منى، ويسمى الآن بطريق المشاة رقم (3)، وإن سلك طريقاً غيره جاز.
(2)

قوله (وَعَلَيْهِ السَّكِيْنَةُ وَالْوَقَارُ):

هذه هي صفة الدافع من مزدلفة أي ليدفع الحاج من عرفات إلى مزدلفة بالهدوء والرفق لقوله صلى الله عليه وسلم لأصحابه حينما وجد زحاماً (أَيُّهَا النَّاسُ السَّكِينَةَ؛ السَّكِينَةَ) (1) وفي رواية: (أَفَاضَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَعَلَيْهِ السَّكِينَةُ وَأَمَرَهُمْ بِالسَّكِينَةِ .. ) (2). (3)

قوله (وَيَكُوْنُ مُلَبِّيًا ذَاكِرًا للهِ عز وجل):

هذه أيضاً صفة أخرى من صفات الدفع إلى مزدلفة، وهي أن يكون ملبياً ذاكراً لله عز وجل.
(4)

قوله (فَإِذَا وَصَلَ مُزْدَلِفَةَ صَلىَّ الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ قَبْلَ حَطِّ الرِّحَالِ، يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا): أي إذا وصل إلى مزدلفة صلى المغرب والعشاء جمعاً قبل أن يحطوا رحالهم، وهنا بعض الفوائد المتعلقة بهذه المسألة.354355

الجزء: 3 - الصفحة: 131

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  -

فائدة (1): أن الجمع في المزدلفة جمع تقديم أو تأخير

حسب وصوله إليها.

فائدة (2): من صلى المغرب والعشاء في الطريق قبل الوصول إلى مزدلفة

: فذهب جمهور الفقهاء إلى إجزاء صلاته لعموم قوله صلى الله عليه وسلم ( .. وَجُعِلَتْ لِي الأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا .. ) (1). وذهب ابن حزم (2) إلى عدم الإجزاء لقوله صلى الله عليه وسلم لأسامة حينما كان يقول له الصلاة يا رسول الله فيقول (الصَّلاةُ أَمَامَكَ) (3). والصحيح: ما ذهب إله الجمهور.

فائدة (3): من خشي خروج وقت العشاء قبل أن يصل إلى مزدلفة

وجب عليه أن يصلي في الطريق، فينزل ويصلي إن أمكنه وإلا صلى في سيارته وأتى بما يمكنه من الشروط والأركان والواجبات.

فائدة (4): من وصل إلى مزدلفة قبل دخول وقت العشاء

فهل يصلي المغرب في وقتها ثم ينتظر فيصلي العشاء إذا دخل وقتها؟ نقول الأفضل مراعاة الأرفق والأيسر من جمع التقديم أو جمع التأخير حسب وصوله إليها، ولا ينبغي أن يصلي كل صلاة في وقتها في هذا المكان.

فائدة (5): وهل يصلي الوتر هنا؟

قولان لأهل العلم؛ الأظهر عندي أنه يصلي الوتر لأنه صلى الله عليه وسلم لم يكن يدع =356357358

الجزء: 3 - الصفحة: 132

ثُمَّ يَبِيْتُ بِهَا (1)  = الوتر في حضر ولا سفر.

(1)

قوله (ثُمَّ يَبِيْتُ بِهَا):

أي فإذا صلى بمزدلفة العشاءين فإنه يبيت بها.
واختلف الفقهاء في حكم المبيت بمزدلفة على أربعة أقوال: القول الأول: واجب، ومن تركه عليه دم، وهذا هو قول الشافعية 359، والحنابلة 360، وعليه أكثر أهل العلم.
القول الثاني: أن المبيت بمزدلفة سنة مؤكدة، ويجب بتركه دم، وهذا قول مالك 361. القول الثالث: أن المبيت بمزدلفة واجب، ولا يترتب على تركه شيء، وهذا هو قول الحنفية 362. القول الرابع: أنه ركن من أركان الحج، فلا يصح الحج إلا به، وهذا مروي عن عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما، وعلقمة بن قيس، والشعبي، والحسن البصري 363، وهو اختيار ابن خزيمة 364 رحمه الله، وهو قول لبعض الشافعية.
والصحيح من هذه الأقوال: ما ذهب إليه الشافعية والحنابلة، وهو كما قلنا قول أكثر أهل العلم، فالمبيت بمزدلفة واجب إلى طلوع الفجر، ويرخص لأهل الأعذار بالدفع قبل غيبوبة القمر، فمن ترك المبيت فعليه دم لتركه =

الجزء: 3 - الصفحة: 133

ثُمَّ يُصَلِّي الْفَجْرَ بِغَلَسٍ (1) وَيَأْتِي الْمَشْعَرَ الْحَرَامَ (2)،  = واجباً من واجبات الحج.

  • فائدة: اختلف الفقهاء في قدر الوقوف الواجب في مزدلفة؟ فالمالكية (1) قالوا بأن زمن الوقوف يكون بقدر حط الرحال.
    وقال الشافعية (2)، والحنابلة (3) بأن زمن الوقوف الواجب بعد نصف الليل ولو ساعة لطيفة، أي فترة من الزمن ولو قصيرة.
    وقال الحنفية (4) ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس.
    والراجح عندي: ما ذهب إليه الشافعية، والحنابلة، وسيأتي إن شاء الله بيان الوقت الذي يجوز فيه الدفع من مزدلفة.

(1)

قوله (ثُمَّ يُصَلِّي الْفَجْرَ بِغَلَسٍ):

أي في أول وقتها دليل ذلك قول جابر ابن عبد الله رضي الله عنهما (وَصَلَّى الْفَجْرَ حِينَ تَبَيَّنَ لَهُ الصُّبْحُ بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ) (5). لكن يجب عليه التأكد من جهة القبلة ودخول الوقت فمن المؤسف أننا نرى الكثير من الحجاج لا يراعون هذين الأمرين.
(2)

قوله (وَيَأْتِي الْمَشْعَرَ الْحَرَامَ):

أي بعد أداء فريضة الفجر ينطلق الحاج إلى المشعر الحرام، وهو جبل مكانه الآن المسجد الموجود في مزدلفة،

دليل ما ذكره المؤلف

قوله تعالى ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ 370، وسمي المشعر الحرام لأن المشعر الحلال عرفة، ومزدلفة من =365366367368369

الجزء: 3 - الصفحة: 134

فَيَقِفُ عِنْدَهُ، وَيَدْعُوْ وَيَكُوْنُ مِنْ دُعَائِهِ: اللهُمَّ كَمَا وَقَفْتَنَا فِيْهِ، وَأَرَيْتَنَا إِيَّاهُ، فَوَفِّقْنَا لِذِكْرِكَ، كَمَا هَدَيْتَنَا، وَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنَا، كَمَا وَعَدْتَنَا بِقَوْلِكِ، وَقَوْلُكَ الْحَقُّ: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوْا اللهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ الآيَتَيْنِ) (1)، إِلَى أَنْ يُسْفِرَ (2)، ثُمَّ يَدْفَعُ قَبْلَ طُلُوْعِ الشَّمْسِ (3)،  =الحرم، وعرفة ليست من الحرم.

(1)

قوله (فَيَقِفُ عِنْدَهُ، وَيَدْعُوْ وَيَكُوْنُ مِنْ دُعَائِهِ: اللهُمَّ كَمَا وَقَفْتَنَا فِيْهِ، وَأَرَيْتَنَا إِيَّاهُ، فَوَفِّقْنَا لِذِكْرِكَ، كَمَا هَدَيْتَنَا، وَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنَا، كَمَا وَعَدْتَنَا بِقَوْلِكِ، وَقَوْلُكَ الْحَقُّ: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوْا اللهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ الآيَتَيْنِ): الصحيح أنه ليس هناك دعاء محدد في مزدلفة، لكن هذا الموقف من المواقف التي يرجى فيها قبول الدعاء فيدعو الإنسان فيها بما أحب من خيري الدنيا والآخرة.

(2)

قوله (إِلَى أَنْ يُسْفِرَ):

أي يسفر إسفاراً واضحاً قال جابر رضي الله عنه ( .. فَلَمْ يَزَلْ وَاقِفًا حَتَّى أَسْفَرَ جِدًّا .. ) (1)، وكان أهل الجاهلية لا يدفعون من مزدلفة حتى تطلع الشمس، ويقولون (أشرق ثبير كي ما نغير)، وثبير جبل مرتفع تطلع عليه الشمس قبل غيره.
وبهذا تبين لنا أن أهل الجاهلية كانوا يدفعون من عرفة قبل غروب الشمس ومن مزدلفة بعد طلوع الشمس فخالفهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في الوقتين.

(3)

قوله (ثُمَّ يَدْفَعُ قَبْلَ طُلُوْعِ الشَّمْسِ):

لحديث جابر المتقدم وفيه: ( .. فَدَفَعَ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ .. ) 372.371

الجزء: 3 - الصفحة: 135

فَإِذَا بَلَغَ مُحَسِّرًا أَسْرَعَ قَدْرَ رَمْيَةٍ بِحَجَرٍ (1)، حَتَّى يَأْتِيَ مِنًى (2)، فَيَبْدَأُ بِجَمْرَةِ الْعَقَبَةِ (3)  (1)

قوله (فَإِذَا بَلَغَ مُحَسِّرًا أَسْرَعَ قَدْرَ رَمْيَةٍ بِحَجَرٍ):

أي إذا بلغ وادي محسر، وهو وادي من طريق مزدلفة إلى منى أسرع في مسيره إن أمكن.
والحكمة في الإسراع في هذا الوادي لأن النبي صلى الله عليه وسلم أسرع فيه، وقد قيل إن أصحاب الفيل حسروا فيه، أي أعيوا، وقيل في سبب إسراع النبي صلى الله عليه وسلم فيه لأن أهل الجاهلية كانوا يقفون في هذا الوادي ويذكرون أمجاد آبائهم فأراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يخالفهم، وقيل غير ذلك.
ولكن يبقى أن النبي صلى الله عليه وسلم أسرع فيه، فنسرع نحن كذلك فيه إن أمكن ذلك.
وقوله (رَمْيَةٍ بِحَجَرٍ): أي ليكن الإسراع فيه مسافة قدرها رمية حجر، قدَّرها بعض أهل العلم بقدر (545) ذراعاً، ودليل الإسراع حديث جابر رضي الله عنهما وفيه ( .. حَتَّى أَتَى بَطْنَ مُحَسِّرٍ فَحَرَّكَ قَلِيلاً .. ) (1).

فائدة: لم يذكر المؤلف هنا موضع التقاط الحصى

: فقيل يأخذ الحصى من مزدلفة، وقيل من منى، وقيل من وادي محسر.
والذي يظهر: أن الأمر فيه واسع ولله الحمد.

(2)

قوله (حَتَّى يَأْتِيَ مِنًى):

سميت بذلك لكثرة ما يمنى أي يراق فيها من الدماء.
(3)

قوله (فَيَبْدَأُ بِجَمْرَةِ الْعَقَبَةِ):

وهي آخر الجمرات من ناحية منى وأقربهن من جهة مكة، وسميت بجمرة العقبة لأنها كانت في عقبة - وهي المرقى الصعب من الجبال -، وقد أزيل ما حولها توسعة للمكان، وهي تسمى الآن باسم =373

الجزء: 3 - الصفحة: 136

فَيَرْمِيْهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ (1)  = الجمرة الكبرى.
فيبدأ الحاج بها بعد دفعه من مزدلفة لأنها تحية منى، دليل ذلك حديث جابر ابن عبد الله رضي الله عنهما وفيه ( .. ثُمَّ سَلَكَ الطَّرِيقَ الْوُسْطَى الَّتِي تَخْرُجُ عَلَى الْجَمْرَةِ الْكُبْرَى حَتَّى أَتَى الْجَمْرَةَ الَّتِي عِنْدَ الشَّجَرَةِ فَرَمَاهَا .. ) (1).

(1)

قوله (فَيَرْمِيْهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ):

لحديث جابر رضي الله عنهما وفيه ( .. حَتَّى أَتَى الْجَمْرَةَ الَّتِي عِنْدَ الشَّجَرَةِ فَرَمَاهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ مِنْهَا مِثْلِ حَصَى الْخَذْفِ .. ) 375. ولا يجزئ بأقل من السبع، ولا يشرع الزيادة على السبع.
ولا يجزئ الرمي بغير الحصى؛ فلو رماها بحديد، أو معدن، أو بخشب، أو أسمنت فلا يجزئ، لكن لو كان في كسر الأسمنت حصا لأجزأ الرمي بها.

  • فائدة: وهل يجوز أن يرمي بالحصى المرمي به؟ نقول المذهب 376 يرون أنه لا يجوز أن يرمي بحصى قد رمي به.
    وذهب بعض الفقهاء إلى أن الحصاة المرمي بها تجزئه لأنه هو الأرفق بالناس، وهذا هو اختيار شيخنا محمد بن صالح العثيمين 377 وهو مذهب الشافعية 378. والأحوط عندي: أن لا يرمي بحصى رمي به، وهذا اختيار سماحة شيخنا ابن باز رحمه الله 379.374

الجزء: 3 - الصفحة: 137

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  لكن لو فعل وعاد إلى بلده فهنا لا حرج عليه.

فائدة (1): إذا رمى بأقل من سبع هل يلزمه شيء؟

اختلف الفقهاء في ذلك: فالشافعية (1)، والحنابلة (2) ذهبوا إلى أن من ترك ثلاث حصيات يجب فيه دم، وترك حصاتين عند الشافعية فيها دمان، وفي حصاة دم، وعند الحنابلة في الحصاة أو الحصاتين روايتان.
والظاهر أنه لا شيء عليه عندهم في الحصاة ولا الحصاتين.
قاله صاحب المغني (3). وعند الحنفية (4) إن ترك الأكثر لزمه دم، وإن ترك الأقل فعليه صدقة لكل حصاة نصف صاع بر أو صاع من تمر أو شعير.
وعند المالكية (5) يلزمه دم في ترك حصاة أو ترك الجميع.

فائدة (2): لا يشرع رمي الشاخص

بل المشروع الرمي في الحوض.

فائدة (3): من شك في الحصى هل وقع في الحوض أو لا

فعليه التكميل حتى يتيقن.

  • فائدة 383: قال الخرقي 385 رحمه الله ويستحب غسل الحصى.
    قال صاحب المغني اختلف عن أحمد في ذلك؛ روي عنه أنه يستحب، =380381382384

الجزء: 3 - الصفحة: 138

كَحَصَى الْخَذْفِ (1) يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ، وَيَرْفَعُ يَدَهُ فِي الرَّمْيِ (2)،  = وعنه لا يستحب، والصحيح عندي: أنه لا يستحب غسله، بل الرمي به من غير غسل لأن ذلك لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أحد من الصحابة رضوان الله عليهم.
قلت: وهو الصحيح؛ فلا يشرع غسل الحصى قبل رميه.

(1)

قوله (كَحَصَى الْخَذْفِ):

هذه هي صفة الحجر الذي يرمى به، فهو مثل حصى الخذف، وهي في الحجم تشبه بعر الغنم المتوسط، فوق الحمص ودون البندق.
دليل ذلك حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: (قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم غَدَاةَ الْعَقَبَةِ وَهُوَ عَلَى رَاحِلَتِهِ هَاتِ الْقُطْ لِي فَلَقَطْتُ لَهُ حَصَيَاتٍ هُنَّ حَصَى الْخَذْفِ فَلَمَّا وَضَعْتُهُنَّ فِي يَدِهِ قَالَ بِأَمْثَالِ هَؤُلاءِ وَإِيَّاكُمْ وَالْغُلُوَّ فِي الدِّينِ فَإِنَّمَا أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ الْغُلُوُّ فِي الدِّينِ) (1). (2)

قوله (يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ، وَيَرْفَعُ يَدَهُ فِي الرَّمْيِ):

هذه هي صفة الرمي: أولاً: يرفع يده حال الرمي حتى يرى بياض إبطه.
ثانياً: يكبر حال رميه بالحصى مع كل حصاه، ودليل التكبير حديث جابر وفيه ( .. يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ مِنْهَا .. ) (2).

لكن هل يستقبل القبلة عند رميه؟

نقول ذهب الجمهور 388 إلى أنه يستقبل القبلة عند رميه، واحتجوا لذلك بما رواه الترمذي وغيره عن عبد الرحمن بن يزيد النخعي قال ( .. لَمَّا أَتَى عَبْدُ =386387

الجزء: 3 - الصفحة: 139

وَيَقْطَعُ التَّلْبِيَةَ مَعَ ابْتِدَاءِ الرَّمْيِ (1)، وَيَسْتَبْطِنُ الْوَادِيَ (2)  اللَّهِ جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ اسْتَبْطَنَ الْوَادِيَ وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ وَجَعَلَ يَرْمِي الْجَمْرَةَ عَلَى حَاجِبِهِ الأَيْمَنِ ثُمَّ رَمَى بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ ثُمَّ قَالَ وَاللَّهِ الَّذِي لا إِلَهَ إِلا هُوَ مِنْ هَاهُنَا رَمَى الَّذِي أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ الْبَقَرَةِ) (1). والأرجح عندي: أنه يجعل الكعبة عن يساره لما جاء في الصحيحين من حديث عبد الله بن يزيد أنه حج مع عبد الله بن مسعود رضي الله عنه فرآه يرمي الجمرة الكبرى بسبع حصيات يجعل البيت عن يساره ومنى عن يمينه ثم قال: ( .. هَذَا مَقَامُ الَّذِي أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ الْبَقَرَةِ) (2).

(1)

قوله (وَيَقْطَعُ التَّلْبِيَةَ مَعَ ابْتِدَاءِ الرَّمْيِ):

لأنه إذا بدأ الرمي شرع له ذكر آخر وهو التكبير دليل ذلك ما رواه البخاري ومسلم عن الفضل بن العباس رضي الله عنهما قال: (لَمْ يَزَلْ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يُلَبِّي حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ) (3)، وقيل بل يقطعها عند فراغه من جمرة العقبة.
والصحيح: القول الأول.

(2)

قوله (وَيَسْتَبْطِنُ الْوَادِيَ):

أي يرمي جمرة العقبة من وسط الوادي الذي بجانبها، دليل ذلك حديث جابر المتقدم وفيه ( .. اسْتَبْطَنَ الْوَادِيَ .. ) 392.389390391

الجزء: 3 - الصفحة: 140

وَيَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ (1) وَلا يَقِفُ عِنْدَهَا (2)، ثُمَّ يَنْحَرُ هَدْيَهُ (3)، ثُمَّ يَحْلِقُ رَأْسَهُ أَوْ يُقَصِّرُهُ (4)  -

فائدة: من رمي من فوق الجسر المبني فوق الجمرات

فلا حرج، ولو كان رميها من تحته أيسر, بل الأفضل أن يفعل الحاج الأيسر له فيؤدي هذه العبادة بطمأنينة وحضور نية.
(1)

قوله (وَيَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ):

قد سبق بيان ذلك وقلنا أن السنة أن يجعل الكعبة عن يساره، أما حديث استقبال الكعبة فهو ضعيف.
(2)

قوله (وَلا يَقِفُ عِنْدَهَا):

أي إذا انتهى من رمي جمرة العقبة يوم العيد فإنه لا يقف عندها لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يفعل ذلك.
(3)

قوله (ثُمَّ يَنْحَرُ هَدْيَهُ):

إن كان معه هديٌ واجبٌ كهدى التمتع والقران أو هدي تطوع، ودليل ذلك ما جاء في حديث جابر رضي الله عنهما ( .. ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى الْمَنْحَرِ فَنَحَرَ ثَلاثًا وَسِتِّينَ بِيَدِهِ ثُمَّ أَعْطَى عَلِيًّا فَنَحَرَ مَا غَبَرَ وَأَشْرَكَهُ فِي هَدْيِهِ .. ) (1). (4)

قوله (ثُمَّ يَحْلِقُ رَأْسَهُ أَوْ يُقَصِّرُهُ):

أي هو مخير بين الحلق والتقصير، والحلق أفضل بلا شك لأن النبي صلى الله عليه وسلم دعا للمحلقين ثلاثاٌ وللمقصرين مرة.
ولأن الله تعالى قدَّمه في الذكر فقال: ﴿مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾ (2).

فائدة (1): هل يحصل الحلق بالماكينة؟

قال شيخنا رحمه الله الحلق بالماكينة لا يعتبر حلقاٌ وإن كان أدنى درجة، فالحلق لابد أن يكون بالموس.
والذي يظهر لي: أنه إذا كان بالماكينة برقم - صفر - =393394

الجزء: 3 - الصفحة: 141

ثُمَّ قَدْ حَلَّ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ إِلاَّ النِّسَاءِ (1)  = فهو حلق، ويأخذ أجر المحلقين.

فائدة (2): الحكمة من الحلق

أنه ذُل لله عز وجل لا للتنظيف، ولهذا لم نؤمر به في غير الإحرام.

فائدة (3): إذا حلق لنفسه بنفسه

: قال بعض أهل العلم بأنه فعل محظور.
والصحيح: أنه لم يفعل محظوراً بل حلق للنسك.

فائدة (4): هل يقصر بعض رأسه أم لابد من التعميم؟

الجواب: لابد أن يكون التقصير من جميع الرأس بحيث يظهر لمن رآه أنه مقصر، أما ما يفعله بعض الناس حيث يأخذ بعض الشعر من الرأس أخذاً بقول بعض الفقهاء فهذا قول غير صحيح، بل لابد من أن يشمل التقصير جميع الرأس.
وأما المرأة فالمشروع في حقها أن تقصر من شعرها قدر أنملة الأصبع، وهي مفصل الأصبع، ومقدار ذلك اثنان سنتيمتر تقريباٌ.

(1)

قوله (ثُمَّ قَدْ حَلَّ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ إِلاَّ النِّسَاءِ):

أي بعد حلقه يكون قد حل له كل شيء إلا النساء دليل ذلك ما رواه أحمد وغيره عن عائشة رضي الله عنها قَالَتْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: (إِذَا رَمَيْتُمْ وَحَلَقْتُمْ فَقَدْ حَلَّ لَكُمْ الطِّيبُ وَالثِّيَابُ وَكُلُّ شَيْءٍ إِلا النِّسَاءَ) 395، أي بعد الرمي، والنحر، والحلق أو التقصير حلَّ له كل شيء إلا النساء.
وقد سبق أن قلنا أن التحلل الأول اختلف أهل العلم فيما يحصل به: فقيل =

الجزء: 3 - الصفحة: 142

ثُمَّ يُفِيْضُ إِلَى مَكَّةَ، فَيَطُوْفُ لِلزِّيَارَةِ (1)، وَهُوَ الطَّوَافُ الَّذِيْ بِهِ تَمَامُ الْحَجِّ (2)، ثُمَّ يَسْعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، إِنْ كَانَ مُتَمَتِّعًا، أَوْ مِمَّنْ لَمْ يَسْعَ مَعَ طَوَافِ القُدُوْمِ (3) ..  = يحصل بالرمي فقط، وقيل يحصل باثنين من ثلاثة بالرمي، أو الحلق، أو الطواف، وهذا هو الصواب.

فائدة: الأحوط أن لا يعقد الحاج عقد نكاح ولا يخطب بعد التحلل الأول

. وذهب شيخ الإسلام إلى جواز عقد النكاح بعد التحلل الأول، لكن الأولى عندي أن لا يفعله حتى يتحلل التحلل الثاني.
قوله (إِلاَّ النِّسَاءِ) فلا يحل له وطؤها، أو مباشرتها ولمسها بشهوة ونحوه.

(1)

قوله (ثُمَّ يُفِيْضُ إِلَى مَكَّةَ، فَيَطُوْفُ لِلزِّيَارَةِ):

وهو طواف الحج؛ أي ثم يفيض الحاج من مفرد وقارن ومتمتع إلى مكة، فيطوف طواف الزيارة يوم العيد كما في حديث جابر، لكن إن كان في هذا اليوم مشقة وزحام فلا حرج عليه أن يؤخره إلى وقت آخر.
(2)

قوله (وَهُوَ الطَّوَافُ الَّذِيْ بِهِ تَمَامُ الْحَجِّ):

أي هذا الطواف يعني طواف الإفاضة الذي هو ركن من أركان الحج إذا طاف تم حجه، وسيأتي مزيد من بيان لأحكامه إن شاء الله تعالى.
(3)

قوله (ثُمَّ يَسْعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، إِنْ كَانَ مُتَمَتِّعًا، أَوْ مِمَّنْ لَمْ يَسْعَ مَعَ طَوَافِ القُدُوْمِ):

أي إذا انتهى الحاج من طواف الإفاضة فالواجب عليه أن يسعى بين الصفا والمروة، لكن ليس هذا السعي لكل أحد، بل يلزم المتمتع أو من لم يسع في طواف القدوم إن كان مفرداً أو قارناً.
ونقول في هذه ال

مسألة: هل يلزم المتمتع سعيان

أم يكتفي بالسعي الأول يعني سعي العمرة؟ =

الجزء: 3 - الصفحة: 143

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =اختلف الفقهاء في هذه المسألة على قولين: القول الأول: ذهب جمهور 396 الفقهاء، وهو قول الشيخين 397 إلى أن المتمتع يلزمه سعيان سعي لعمرته وسعي لحجه، واستدلوا لذلك بما رواه البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه لما سئل عن متعة الحج قال (أَهَلَّ الْمُهَاجِرُونَ وَالأَنْصَارُ وَأَزْوَاجُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ وَأَهْلَلْنَا فَلَمَّا قَدِمْنَا مَكَّةَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم اجْعَلُوا إِهْلالَكُمْ بِالْحَجِّ عُمْرَةً إِلا مَنْ قَلَّدَ الْهَدْيَ فَطُفْنَا بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَأَتَيْنَا النِّسَاءَ وَلَبِسْنَا الثِّيَابَ وَقَالَ مَنْ قَلَّدَ الْهَدْيَ فَإِنَّهُ لا يَحِلُّ لَهُ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ ثُمَّ أَمَرَنَا عَشِيَّةَ التَّرْوِيَةِ أَنْ نُهِلَّ بِالْحَجِّ فَإِذَا فَرَغْنَا مِنْ الْمَنَاسِكِ جِئْنَا فَطُفْنَا بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ فَقَدْ تَمَّ حَجُّنَا وَعَلَيْنَا الْهَدْيُ) 398، فهذا الحديث صريح في إن المتمتع يسعى سعيين.
واحتجوا أيضاً بما رواه البخاري في صحيحه عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت في حديثها عن حجة الوداع (فَطَافَ الَّذِينَ أَهَلُّوا بِالْعُمْرَةِ ثُمَّ حَلُّوا ثُمَّ طَافُوا طَوَافًا آخَرَ بَعْدَ أَنْ رَجَعُوا مِنْ مِنًى وَأَمَّا الَّذِينَ جَمَعُوا بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ فَإِنَّمَا طَافُوا طَوَافًا وَاحِدًا) 399. وجه الدلالة في قولها (ثُمَّ طَافُوا طَوَافًا آخَرَ)، فيكون بهذا قد طافوا طوافين، أحدهما للعمرة والآخر للحج.

الجزء: 3 - الصفحة: 144

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  القول الثاني: ما ذهب إليه شيخ الإسلام 400، وابن القيم 401 رحمهما الله، وهو إحدى الروايتين عن الإمام أحمد 402 أنه ليس على المتمتع إلا سعيٌ واحد، فإذا اكتفى المتمتع بالسعي الأول (يعني العمرة) أجزأه ذلك كما يجزئ المفرد والقارن.
واحتج لذلك شيخ الإسلام بأن الصحابة رضي الله عنهم الذين تمتعوا مع النبي صلى الله عليه وسلم لم يطوفوا بين الصفا والمروة إلا مرة واحدة قبل التعريف.
واحتج لذلك أيضاً بحديث جابر رضي الله عنهما في صحيح مسلم (لَمْ يَطُفْ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم وَلا أَصْحَابُهُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ إِلا طَوَافًا وَاحِدًا)، زَادَ فِي حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ بَكْرٍ (طَوَافَهُ الأَوَّلَ) 403. قلت: وبعد عرض القولين وأدلة كل فريق الذي يترجح عندي ما ذهب إليه الجمهور.
فيجب على المتمتع سعيان؛ سعي لعمرته، وسعي لحجه لما دل عليه حديث ابن عباس، وحديث عائشة رضي الله عنهما، وهما ظاهران في الدلالة على أن المتمتع يلزمه سعيان، أما حديث جابر رضي الله عنهما فيجاب عنه بأن ما ذكره إنما هو في حق القارن لا المتمتع.
أما القارن فلا يلزمه إلا طواف واحد وسعي واحد، فلم ينقل عن أحد من الصحابة أنه لما قرن طاف طوافين وسعى سعيين، وهذا هو قول جمهور =

الجزء: 3 - الصفحة: 145

وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَشْرَبَ مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ لِمَا أحبَّ (1)  = الفقهاء (1)، وهو المشهور عن الإمام أحمد (2)، وفي رواية عن الإمام أحمد، وهو مذهب الإمام أبي حنيفة (3)، وهو قول الشعبي، وجابر بن يزيد، وعبد الرحمن بن الأسود، وبه قال الثوري أن القارن يلزمه طوافان، وسعيان.
والصحيح: ما ذهب إليه أصحاب القول الأول؛ فلا يلزم القارن وكذا المفرد إلا طواف واحد وسعي واحد، وذلك لحديث جابر المتقدم، وفيه قوله (لَمْ يَطُفْ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم وَلا أَصْحَابُهُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ إِلا طَوَافًا وَاحِدًا) (4). قال النووي رحمه الله في تعليقه على الحديث: (وفي هذا الحديث دلالة ظاهرة للشافعي (5)، أو موافقيه في أن القارن ليس عليه إلا طواف واحد للإفاضة وسعي واحد).
قلت: فمتى طاف المتمتع وسعى، وكذا من لم يسع عند طوافه للقدوم فإنه يحلُّ بذلك التحلل الأكبر، فقد حلَّ له كل شيء حتى النساء، وهذا بالإجماع.

(1)

قوله (وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَشْرَبَ مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ لِمَا أحبَّ):

ماء زمزم معروف؛ قال عنها النبي صلى الله عليه وسلم ( .. إِنَّهَا مُبَارَكَةٌ إِنَّهَا طَعَامُ طُعْمٍ .. ) 409، وفي رواية: ( .. وَشِفَاءُ سُقْم) 410.404405406407408

الجزء: 3 - الصفحة: 146

وَيَتَضَلَّعَ مِنْهُ (1)  =والشرب منها مستحب وله ثلاث طرق: الأول: أن يشرب منها اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم لكونه شرب منها، فهذا سُنَّة، فقد روى البخاري ومسلم من حديث جابر المتقدم وفيه قوله ( .. فَأَتَى بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ يَسْقُونَ عَلَى زَمْزَمَ .. )، وفيه قوله ( .. فَنَاوَلُوهُ دَلْوًا فَشَرِبَ مِنْهُ .. ) (1). الثاني: أن يشرب منه بنية حصول أمر يحبه كأن يشرب منه بغية الشفاء، أو حصول العلم، أو المال، أو نحوه، فهذا قد ورد فيه حديث وهو ما رواه ابن ماجه، وأحمد من حديث جابر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (مَاءُ زَمْزَمَ لِمَا شُرِبَ لَهُ) (2)، وأيضاً للحديث المتقدم ( .. وَشِفَاءُ سُقْم) (3). وهذان الحديثان اختلف في صحتهما، فقد ضعفهما بعض أهل العلم، وبعضهم صحح حديث (مَاءُ زَمْزَمَ لِمَا شُرِبَ لَهُ)، وذلك بمجموع طرقه، وبعضهم ضعف حديث (وَشِفَاءُ سُقْم)، وجعلها موقوفة على مجاهد كما ذكر ذلك في التلخيص.
الثالث: أن يجمع الإنسان بين النيتين عند شربه من زمزم نية الإقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم وكذا حصول مراده عند شرب ماء زمزم.

(1)

قوله (وَيَتَضَلَّعَ مِنْهُ):

أي يزيد من الشرب منه حتى تمتلئ أضلاعه، وقد جاء في ذلك أثر بأن المنافقين لا يتضلعون من زمزم.411412413

الجزء: 3 - الصفحة: 147

ثُمَّ يَقُوْلُ: اللهُمَّ اجْعَلْهُ لَنَا عِلْمًا نَافِعًا، وَرِزْقًا وَاسِعًا، وَرِيًّا وَشِبَعًا، وَشِفَاءً مِنْ كُلِّ دَاءٍ، وَاغْسِلْ بِهِ قَلْبِيْ، وَامْلأْهُ مِنْ حِكْمَتِكَ وَخَشْيَتِكَ (1)  (1)

قوله (ثُمَّ يَقُوْلُ: اللهُمَّ اجْعَلْهُ لَنَا عِلْمًا نَافِعًا، وَرِزْقًا وَاسِعًا، وَرِيًّا وَشِبَعًا، وَشِفَاءً مِنْ كُلِّ دَاءٍ، وَاغْسِلْ بِهِ قَلْبِيْ، وَامْلأْهُ مِنْ حِكْمَتِكَ وَخَشْيَتِكَ): قلت الحديث الوارد في ذلك ضعفه كثير من أهل العلم.

الجزء: 3 - الصفحة: 148

بَابُ ما يَفْعَلُهُ بَعْدَ الْحِلِّ

(1) ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى مِنَى وَلا يَبِيْتُ لَيَالِيَهَا إِلاَّ بِهَا (2)  (1)

قوله (بَابُ ما يَفْعَلُهُ بَعْدَ الْحِلِّ):

أي بعد تحلله التحلل الثاني فإنه يرجع إلى منى.
(2)

قوله (ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى مِنَى وَلا يَبِيْتُ لَيَالِيَهَا إِلاَّ بِهَا):

وهذا واجب من واجبات الحج عند جمهور الفقهاء 414 يلزم لمن تركه بغير عذر دم.
وذهب الحنفية 415 إلى أن المبيت بمنى ليالي أيام التشريق سُنَّة وليس بواجب.
والصحيح: ما ذهب إليه الجمهور لقول النبي صلى الله عليه وسلم (خُذُوا عَنِّى مَنَاسِكَكُمْ لَعَلِّى لا أَرَاكُمْ بَعْدَ عَامِى هَذَا) 416، ولأنه صلى الله عليه وسلم بات بمنى.
وروى البخاري ومسلم أيضاً عن ابن عباس رضي الله عنهما قال (أَنَّ الْعَبَّاسَ رضي الله عنه اسْتَأْذَنَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم لِيَبِيتَ بِمَكَّةَ لَيَالِيَ مِنًى مِنْ أَجْلِ سِقَايَتِهِ فَأَذِنَ لَهُ) 417، وفي حديث ابن عمر رضي الله عنهما (أَنَّ الْعَبَّاسَ اسْتَأْذَنَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي أَنْ يَبِيتَ بِمَكَّةَ أَيَّامَ مِنًى مِنْ أَجْلِ السِّقَايَةِ فَرَخَّصَ لَهُ) 418 فكونه صلى الله عليه وسلم يرخص لعمه العباس يدل على أن المبيت عزيمة لا بد منها.
لكن اختلف الفقهاء في القدر الواجب للمبيت الذي يجب على من تركه دم؟ فقال المالكية 419 إن ترك المبيت بها جُلّ ليله فدم، وكذا ليلة كاملة أو أكثر =

الجزء: 3 - الصفحة: 149

فَيَرْمِيْ بِهَا الْجَمَرَاتِ بَعْدَ الزَّوَالِ مِنْ أَيَّامِهَا (1)،  = حتى وإن كان يترك لضرورة ولم يسقطوا الدم بترك المبيت إلا للرعاة وأهل السقاية.
وأوجب الشافعية (1)، والحنابلة (2) في ترك المبيت كله دماً واحداً، وفي ترك ليلة مُداً من الطعام، وفي ترك ليلتين مُدَين إلا إذا ترك المبيت لعذر فلا شيء عليه كأهل السقاية.
والراجح عندي: ما ذهب إليه الشافعية، والحنابلة، وهو قول شيخنا رحمه الله (3).

(1)

قوله (فَيَرْمِيْ بِهَا الْجَمَرَاتِ بَعْدَ الزَّوَالِ مِنْ أَيَّامِهَا):

أي إذا زالت شمس أول أيام التشريق وهو اليوم الحادي عشر من ذي الحجة فإن الحاج يبدأ برمي الجمرات، ويكون الرمي بعد زوال الشمس، وهو وقت أذان الظهر.
وقول المؤلف (بَعْدَ الزَّوَالِ)، هذا هو الصحيح، وعليه جمهور الفقهاء لفعله صلى الله عليه وسلم وفعل أصحابه رضي الله عنهم من بعده، وهو قول جماهير العلماء خلفاً وسلفاً، فلا يجوز الرمي قبل الزوال، ودليل ذلك: 1 - ما رواه الإمام أحمد ومسلم عن جابر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال عند رمي جمرة العقبة (لِتَأْخُذُوا مَنَاسِكَكُمْ .. ) 423. 2 - ما رواه أبو داود أيضاً عن جابر رضي الله عنهما قال (رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَرْمِي عَلَى رَاحِلَتِهِ يَوْمَ النَّحْرِ ضُحًى فَأَمَّا بَعْدَ ذَلِكَ فَبَعْدَ زَوَالِ الشَّمْسِ) 424.420421422

الجزء: 3 - الصفحة: 150

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  (وما رواه أحمد وغيره عن ابن عباس رضي الله عنهما قال (رَمَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الْجِمَارَ حِينَ زَالَتْ الشَّمْسُ) 425. 3 - ما رواه أحمد وغيره أيضاً عن عائشة رضي الله عنها قالت (أَفَاضَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مِنْ آخِرِ يَوْمِهِ حِينَ صَلَّى الظُّهْرَ ثُمَّ رَجَعَ إِلَى مِنًى فَمَكَثَ بِهَا لَيَالِيَ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ يَرْمِي الْجَمْرَةَ إِذَا زَالَتْ الشَّمْسُ) 426 4 - ما رواه البخاري وأبو داود عن ابن عمر رضي الله عنهما قال (كُنَّا نَتَحَيَّنُ فَإِذَا زَالَتْ الشَّمْسُ رَمَيْنَا) 427. 5 - ما رواه البيهقي عن عمر رضي الله عنه قال (لا تَرْمِى الْجَمْرَةَ حَتَّى يَمِيلَ النَّهَارُ) 428. فهذه الأدلة وغيرها تدل دلالة واضحة على أن الرمي أيام التشريق لا يكون إلا بعد الزوال، وهذا ما أفتى به الشيخان 429، وهو قول اللجنة الدائمة 430. 6 - ومن الأدلة أيضاً التعليل، وهو أنه لو كان الرمي قبل الزوال جائزاً لفعله النبي صلى الله عليه وسلم لما فيه من فعل العبادة في أول وقتها من وجه، ولما فيه من التيسير على العباد من وجه آخر لأن الرمي قبل الزوال أيسر، ولأن الرمي بعد الزوال يشتد الحر ويشق على الناس أن يأتوا من مخيمهم إلى الجمرات، =

الجزء: 3 - الصفحة: 151

كُلَّ جَمْرَةٍ بِسَبْعٍ حَصَيَاتٍ (1)،  ومع شدة الحر يكون الغمّ مع الضيق والزحام، فلا يمكن أن يختار النبي صلى الله عليه وسلم الأشد ويدع الأخف.
قلت: وما ذهب إليه بعض العلماء من جواز الرمي قبل الزوال نظراً لشدة الزحام وما يحصل بسببه من المشقة غير متجه لأن وقت الرمي ممتدٌ، ويمكن تلافي الزحام إذا انتظم الناس في الرمي، ولو أن الحاج المتعجل يوم الثاني عشر بقي قليلاً إلى ما بعد العصر لزال الزحام، ثم بعد هذه التوسعة التي قامت بها حكومتنا - وفقها الله لكل خير وحماها من كل شر - حيث تعددت الجسور وتوسع مكان الرمي، وتشعبت الطرق المؤدية إليه، وبناءً على ذلك فلا ينبغي لأحد أن يفتي بالرمي قبل الزوال، فقد زال الزحام وما يسببه من المشقة بفضل الله تعالى ثم بفضل جهود هذه البلاد المباركة على يد خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز حفظه الله ووفقه لكل خير.

(1)

قوله (كُلَّ جَمْرَةٍ بِسَبْعٍ حَصَيَاتٍ):

قد سبق بيان ذلك يرمي كل جمرة بسبع حصيات فيكون مجموع الحصى في اليوم الحادي عشر إحدى وعشرين، ويكون جملة ما يرميه الحاج من بداية يوم العيد إلى آخر أيام التشريق سبعين حصاة، وقد سبق ذكر حكم ما إذا رمى بأقل من سبع حصيات.
وقد روى النسائي عن سعد رضي الله عنه (رَجَعْنَا فِي الْحَجَّةِ مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَبَعْضُنَا يَقُولُ رَمَيْتُ بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ وَبَعْضُنَا يَقُولُ رَمَيْتُ بِسِتٍّ فَلَمْ يَعِبْ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ) 431. قلت: لكن لا يجوز أن يتعمد الرمي بأقل من سبع حصيات.

الجزء: 3 - الصفحة: 152

فَيَبْتَدِئُ بِالْجَمْرَةِ الأُوْلَى (1)، فَيَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ، وَيَرْمِيْهَا بِسَبْعٍ كَمَا رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ (2)، ثُمَّ يَتَقَدَّمَ قَلِيْلاً، فَيَقِفُ يَدْعُو اللهَ تَعَالَى (3)، ثُمَّ يَأْتِي الْوُسْطَى، فَيَرْمِيْهَا كَذلِكَ (4). ثُمَّ يَرْمِيْ جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ (5)، وَلا يَقِفُ عِنْدَهَا (6)،  (1)

قوله (فَيَبْتَدِئُ بِالْجَمْرَةِ الأُوْلَى):

وهي أبعد الجمرات من مكة وأقربها من منى، وهي التي تلي مسجد الخيف، وتسمى الآن بالجمرة الصغرى.
(2)

قوله (فَيَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ، وَيَرْمِيْهَا بِسَبْعٍ كَمَا رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ):

وقيل يجعل مكة عن يمينه ومنى عن يساره، ويستقبل الجمرة، ثم يتقدم ذات اليمين، وتكون الجمرة جهة كتفه الأيسر، ولا دليل هنا على استقبال القبلة حال الرمي، ولذا الأظهر عندي أنه يفعل الأيسر له لما فيه من التيسير على المسلم في هذا الموقف الذي يحصل فيه زحام ومشقة شديدة.
(3)

قوله (ثُمَّ يَتَقَدَّمَ قَلِيْلاً، فَيَقِفُ يَدْعُو اللهَ تَعَالَى):

أي يبتعد قليلاً عن موضع الزحام لئلا يناله الحصى، ويدعو طويلاً.
وسنذكر دليل ذلك إن شاء الله.
(4)

قوله (ثُمَّ يَأْتِي الْوُسْطَى، فَيَرْمِيْهَا كَذلِكَ):

أي يرميها بسبع حصيات متتابعات ثم يدعو كما فعل في الأولى.
(5)

قوله (ثُمَّ يَرْمِيْ جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ):

وهي التي رماها يوم العيد.
(6)

قوله (وَلا يَقِفُ عِنْدَهَا):

أي لا يقف عند جمرة العقبة وهي الجمرة الكبرى بل إذا رماها انصرف.
وقد علل الفقهاء عدم الدعاء هنا بأمرين: الأول: إما لأن المكان ضيق، فلو وقف لحصل منه تضييق على الناس وتعب على نفسه.
الثاني: وقيل لا يدعو هنا لأن الدعاء التابع للعبادة يكون في موقف العبادة =

الجزء: 3 - الصفحة: 153

ثُمَّ يَرْمِيْ فِي الْيَوْمِ الثَّانِيْ كَذلِكَ (1)،  ولا يكون بعدها، ودليل ما ذكره المؤلف حديث ابن عمر رضي الله عنهما (أَنَّهُ كَانَ يَرْمِي الْجَمْرَةَ الدُّنْيَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ يُكَبِّرُ عَلَى إِثْرِ كُلِّ حَصَاةٍ ثُمَّ يَتَقَدَّمُ حَتَّى يُسْهِلَ فَيَقُومَ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ فَيَقُومُ طَوِيلا وَيَدْعُو وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ ثُمَّ يَرْمِي الْوُسْطَى ثُمَّ يَأْخُذُ ذَاتَ الشِّمَالِ فَيَسْتَهِلُ وَيَقُومُ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ فَيَقُومُ طَوِيلا وَيَدْعُو وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ وَيَقُومُ طَوِيلا ثُمَّ يَرْمِي جَمْرَةَ ذَاتِ الْعَقَبَةِ مِنْ بَطْنِ الْوَادِي وَلا يَقِفُ عِنْدَهَا ثُمَّ يَنْصَرِفُ فَيَقُولُ هَكَذَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَفْعَلُهُ) (1).

(1)

قوله (ثُمَّ يَرْمِيْ فِي الْيَوْمِ الثَّانِيْ كَذلِكَ):

أي ثم يرمي في اليوم الثاني عشر وهو الثاني من أيام التشريق كما رمى في اليوم الذي قبله.

فائدة (1): هل الترتيب في الرمي بين الجمرات شرط؟

نقول: قال بعض الفقهاء يشترط الترتيب في الرمي، وقال بعضهم لا يشترط الترتيب، فمتى جاء به على غير وجه فيه ترتيب جاز ذلك.
قلت: والصواب أنه إن كان معذوراً سقط الترتيب، وإن تعمد لم يسقط.

فائدة (2): من أخر الرمي كله إلى اليوم الثالث

: أجزأه ذلك لكن يرتب الرمي بنيته، فيبدأ برمي أول يوم بالأولى ثم الثانية ثم الثالثة، ثم يعود فيرمي لليوم الثاني فيبدأ بالصغرى ثم الوسطى ثم العقبة، وهكذا لليوم الثالث، ولا يجزيء أن يرمي الأولى عن ثلاثة أيام ثم الوسطى عن ثلاثة أيام ثم العقبة عن ثلاثة أيام لأن ذلك يفضي إلى تداخل العبادات، لكن مع القول بأنه أخر الرمي كله إلى اليوم الثالث أجزأه ذلك عنه.
قال بعض أهل العلم: غير أنه لا يجوز أن يؤخر رمي الجمرات إلى آخر يوم =432

الجزء: 3 - الصفحة: 154

فَإِنْ أَحَبَّ أَنْ يَتَعَجَّلَ فِيْ يَوْمَيْنِ خَرَجَ قَبْلَ الْغُرُوْبِ (1)، فَإِنْ غَرَبَتِ الشَّمْسُ وَهُوَ بِمِنًى، لَزِمَهُ الْمَبِيْتُ بِهَا، وَالرَّمْيُ مِنْ غَدٍ (2)،  =إلا في حال واحدة وهي أن يكون منزله بعيداً ويصعب عليه أن يتردد كل يوم لاسيما في أيام الحر وشدة الزحام فهنا لا بأس، أما كون الإنسان ليس له عذر أو لقربه من الجمرات فهنا يجب عليه أن يرمي كل يوم في يومه ولا يجوز له أن يؤخر الرمي إلى آخر أيام التشريق.
والذي يظهر لي أن الأمر واسع في ذلك.
وهل يعتبر له أداء أو قضاء؟ الراجح: أنه أداء، لأن أيام التشريق كلها أيام رمي.

(1)

قوله (فَإِنْ أَحَبَّ أَنْ يَتَعَجَّلَ فِيْ يَوْمَيْنِ خَرَجَ قَبْلَ الْغُرُوْبِ):

أي إن أحب أن يتعجل في الخروج من منى في اليوم الثاني من أيام التشريق بعد رمي جماره فلابد له أن يخرج منها قبل غروب الشمس، وهذا هو قول جمهور الفقهاء (1). وقال الحنفية (2) له أن ينفر ما لم يطلع الفجر.
والصحيح: ما ذهب إليه الجمهور، وذلك ليصدق عليه أنه تعجل في يومين، إذ لو أخَّر الخروج إلى ما بعد الغروب لم يكن تعجل في يومين لأن اليومين قد فاتا وانقضيا.

(2)

قوله (فَإِنْ غَرَبَتِ الشَّمْسُ وَهُوَ بِمِنًى، لَزِمَهُ الْمَبِيْتُ بِهَا، وَالرَّمْيُ مِنْ غَدٍ):

دليل ذلك قول ابن عمر رضي الله عنهما (من غربت عليه الشمس وهو بمنى =433434

الجزء: 3 - الصفحة: 155

فَإِنْ كَانَ مُتَمَتِّعًا أَوْ قَارِنًا، فَقَدِ انقَضَى حَجُّهُ وَعُمْرَتُهُ (1)، وَإِنْ كَانَ مُفْرِدًا خَرَجَ إِلَى التَّنْعِيْمِ، فَأَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ مِنْهُ (2)، ثُمَّ يَأْتِيْ مَكَّةَ، فَيَطُوْفُ وَيَسْعَى، وَيَحْلِقُ أَوْ يُقَصِّرُ (3)،  =من أوسط أيام التشريق فلا ينفرن حتى يرمي الجمار من الغد) (1)، وروي معناه عن عمر رضي الله عنه.
قلت: هذا إذا لم يكن نوى التعجل، فإن نوى التعجل وتهيأ لذلك وأدركه الغروب فلا يلزمه في أصح قولي العلماء، وهو مذهب الشافعية (2).

فائدة: من تعجل في يومين وخرج من منى قبل غروب الشمس

وكان قد رمى قبل ذلك ثم رجع إلى منى في الليل لحاجة له فلا يلزمه المبيت بها، وإن بات بها فلا يلزمه الرمي في هذا اليوم لأنه قد قطع نية العبادة، فلا يضره رجوعه إليها.
(1)

قوله (فَإِنْ كَانَ مُتَمَتِّعًا أَوْ قَارِنًا، فَقَدِ انقَضَى حَجُّهُ وَعُمْرَتُهُ):

وذلك لانقضاء أعمال الحج في حقه.
(2)

قوله (وَإِنْ كَانَ مُفْرِدًا خَرَجَ إِلَى التَّنْعِيْمِ، فَأَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ مِنْهُ):

أي إذا انتهى من رمي الجمرات فإنه يخرج إلى التنعيم فيحرم منه وذلك ليأتي بعمرة، كما فعلت عائشة رضي الله عنها.
وهل هذا مستحب أم لا؟ على قولين: فمن استحبه احتج بحديث عائشة رضي الله عنها، ومن قال بعدم الاستحباب احتج بأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يفعله ولم يأمر أحداً من أصحابه أن يفعله، وإنما أذن لعائشة تطييباً لخاطرها.
(3)

قوله (ثُمَّ يَأْتِيْ مَكَّةَ، فَيَطُوْفُ وَيَسْعَى، وَيَحْلِقُ أَوْ يُقَصِّرُ):

أي يأتي بأعمال العمرة على الوجه الذي ذكرناه سابقاً.435436

الجزء: 3 - الصفحة: 156

فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ شَعَرٌ، اسْتُحِبَّ أَنْ يُمِرَّ الْمُوْسَى عَلَى رَأْسِهِ (1)، وَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ وَعُمْرَتُهُ (2)، وَلَيْسَ فِيْ عَمَلِ الْقَارِنِ زِيَادَةً عَلَى عَمَلِ الْمُفْرِدِ (3)، لَكِنْ عَلَيْهِ وَعَلَى الْمُتَمَتِّعِ دَمٌ، لِقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ (4)،  (1)

قوله (فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ شَعَرٌ، اسْتُحِبَّ أَنْ يُمِرَّ الْمُوْسَى عَلَى رَأْسِهِ):

هذا على سبيل الاستحباب، وذهب بعض الفقهاء إلى وجوبه.
والصحيح: أنه يستحب لأن الحلق أو التقصير محله الشعر فسقط بعدمه، كما يسقط وجوب غسل العضو في الوضوء بفقده.
وقال بعضهم: لا يسن لأنه إذا سقط ما وجب الحلق لأجله سقط الحلق.

(2)

قوله (وَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ وَعُمْرَتُهُ):

أي المفرد متى انتهى من عمرته بعد حلقه لشعره فقد انتهى من حجه وعمرته.
(3) قوله (وَلَيْسَ فِيْ عَمَلِ الْقَارِنِ زِيَادَةً عَلَى عَمَلِ الْمُفْرِدِ): إلا ما سيذكره المؤلف وهو وجوب الهدي في حق القارن دون المفرد، لكن المؤلف أراد أن يبين أن الأعمال الظاهرة لا تختلف أما العمل الباطن فيختلف فيكون بنية إما قارناً أو مفرداً.

(4)

قوله (لَكِنْ عَلَيْهِ وَعَلَى الْمُتَمَتِّعِ دَمٌ، لِقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ 437 ذهب جمهور الفقهاء 438 إلى وجوب الدم على القارن قياساً على المتمتع، ولذا قالوا بوجوب الهدي عليه ووجه القياس عندهم =

الجزء: 3 - الصفحة: 157

وَإِذَا أَرَادَ القُفُوْلَ (1)،  = أن هذا الحاج جمع بين نسكين وهما الحج والعمرة في سفرة واحدة كما هو الحال مع المتمتع.
وذهب بعض الفقهاء إلى أن القارن ليس عليه دم، واحتجوا لذلك بظاهر النص القرآني بقوله تعالى ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ﴾ (1)، فقوله تعالى ﴿بِالْعُمْرَةِ﴾ ولم يقل (مع العمرة) يشعر بأنه هناك فرقاً والفرق بينهما أنه لو قال فمن تمتع بالعمرة مع الحج لقلنا إن القارن يدخل في ذلك، لأن القارن في الحقيقة تمتع بالعمرة في ترك السفر لها سفراً مستقلاً، لكن لما قال ﴿إِلَى الْحَجِّ﴾ علمنا أن هناك انفصالاً بين العمرة والحج.
ثم إن من شروط القياس أيضاً أنه لا بد أن يشترك الأصل والفرع في العلة الموجبة، والعلة هنا مختلفة فالعلة في وجوب الدم على المتمتع أن الله يسر له تمتعاً تاماً بين العمرة والحج، والقارن ليس كذلك لأنه سيبقى محرماً من حين أن يحرم إلى يوم العيد، وإذا كان كذلك فإنه لا يصح القياس، وذهب شيخنا رحمه الله إلى أن الأحوط في حق القارن، والأكمل لنسكه أن يهدي.
قلت: والذي يظهر عندي هو وجوب الهدي على القارن لجمعه بين نسكين في سفرة واحدة وبوجوبه أفتت اللجنة الدائمة، وعلى ذلك يجب على من حج قارناً أو متمتعاً هدي يذبح في مكة، فإن لم يجد صام عشرة أيام ثلاثة في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله كما ذكره المؤلف هنا.

(1)

قوله (وَإِذَا أَرَادَ القُفُوْلَ):

أي الرجوع إلى بلده.439

الجزء: 3 - الصفحة: 158

لَمْ يَخْرُجْ حَتَّى يُوَدِّعَ الْبَيْتَ بِطَوَافٍ عِنْدَ فَرَاغِهِ مِنْ جَمِيْعِ أُمُوْرِهِ، حَتَّى يَكُوْنَ آخِرَ عَهْدِهِ بِالبَيْتِ (1)،  (1)

قوله (لَمْ يَخْرُجْ حَتَّى يُوَدِّعَ الْبَيْتَ بِطَوَافٍ عِنْدَ فَرَاغِهِ مِنْ جَمِيْعِ أُمُوْرِهِ، حَتَّى يَكُوْنَ آخِرَ عَهْدِهِ بِالبَيْتِ): دليل ذلك ما رواه البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما قال (أُمِرَ النَّاسُ أَنْ يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِمْ بِالْبَيْتِ) (1)، وفي رواية لمسلم (كَانَ النَّاسُ يَنْصَرِفُونَ فِي كُلِّ وَجْهٍ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لا يَنْفِرَنَّ أَحَدٌ حَتَّى يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِ بِالْبَيْتِ) (2).

واختلف الفقهاء في حكم طواف الوداع بالنسبة للحاج

: فذهب جمهور الفقهاء من الحنفية 442، والحنابلة 443، وهو الأظهر عند الشافعية 444 إلى أنه واجب لحديث ابن عباس المتقدم.
وذهب المالكية 445 إلى أنه مستحب وليس بواجب، واحتجوا لذلك بأنه جائز للحائض تركه دون فداء، ولو وجب لم يجز للحائض تركه.
والصحيح: ما ذهب إليه الجمهور لحديث ابن عباس المتقدم، وكونه لم يجب على الحائض هو من باب التخفيف على المرأة الحائض لحديث ابن عباس رضي الله عنهما وفيه قوله (إِلا أَنَّهُ خُفِّفَ عَنْ الْمَرْأَةِ الْحَائِضِ) 446، لكن إن =440441

الجزء: 3 - الصفحة: 159

فَإِنِ اشْتَغَلَ بَعْدَهُ بِتِجَارَةٍ أَعَادَهُ (1)، وَيُسْتَحَبُّ لَهُ إِذَا طَافَ أَنْ يَقِفَ فِي الْمُلْتَزَمِ بَيْنَ الرُّكْنِ وَالْبَابِ، فَيَلْتَزِمُ الْبَيْتَ (2)،  =طهرت المرأة الحائض قبل مفارقة البنيان رجعت واغتسلت وودعت لأنها في حكم الإقامة، وإن فارقت البنيان فلا يجب عليها الرجوع، أما العمرة فلا يجب لها طواف وداع على الصحيح من أقوال أهل العلم، ويرى شيخنا وجوبه.

(1)

قوله (فَإِنِ اشْتَغَلَ بَعْدَهُ بِتِجَارَةٍ أَعَادَهُ):

أي إن اشتغل بعد أداءه لطواف الوداع بشراء ونحوه، أو تأخر كثيراً، أو أدى بعض أعمال الحج بعد طوافه للوداع، كأن يطوف بالبيت للوداع ثم يعود لرمي الجمار فيلزمه الإعادة لأنه لم يصدق عليه أنه جعل آخر عهده بالبيت الطواف، لكن إن تأخر لعذر كرفقه غابت عنه، أو لضياع بعض أغراضه، أو طاف للوداع ليلاً ثم لم يتمكن من الخروج إلا نهاراً ونحو ذلك فلا يلزمه إعادة الطواف.
(2)

قوله (وَيُسْتَحَبُّ لَهُ إِذَا طَافَ أَنْ يَقِفَ فِي الْمُلْتَزَمِ بَيْنَ الرُّكْنِ وَالْبَابِ، فَيَلْتَزِمُ الْبَيْتَ):

الملتزم: موقف ما بين الركن الذي هو الحجر الأسود والباب، هذا هو الملتزم.

وقد اختلف الفقهاء في حكم الوقوف في الملتزم

: فأكثر أهل العلم على استحبابه، واحتجوا لذلك بأن بعض الصحابة كابن عباس وابن عمر وابن الزبير كانوا يفعلونه، وهو أيضاً ثابتٌ عن طاووس ومجاهد وعروة بن الزبير وغيرهم.
وذهب بعضهم أنه لا يلتزم من البيت شيئاً لأنه لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا غيره عن الصحابة، كالخلفاء الراشدين، وبقية العشرة المبشرين بالجنة، وغيرهم من أكابر الصحابة.

الجزء: 3 - الصفحة: 160

وَيَقُوْلُ: اللهُمَّ هَذا بَيْتُكَ، وَأَنَا عَبْدُكَ وَابْنُ عَبْدِكَ وَابْنُ أَمَتِكَ، حَمَلْتَنِيْ عَلَى مَا سَخَّرْتَ لِيْ مِنْ خَلْقِكَ، وَسَيَّرْتَنِيْ فِيْ بِلادِكَ، حَتَّى بَلَّغْتَنِيْ بِنِعْمَتِكَ إِلَى بَيْتِكَ، وَأَعَنْتَنِيْ عَلَى أَدَاءِ نُسُكِيْ، فَإِنْ كُنْتَ رَضِيْتَ عَنِّيْ، فَازْدَدْ عَنِّيْ رِضًا، وَإِلاَّ فَمُنَّ الآنَ قَبْلَ أَنْ تَنْأَى عَنْ بَيْتِكَ دَارِيْ، فَهَذَا أَوَانُ انْصِرَافِيْ إِنْ أَذِنْتَ لِيْ، غَيْرَ مُسْتَبْدِلٍ بِكَ، وَلا بِبَيْتِكَ وَلا رَاغِبٍ عَنْكَ، وَلا عَنْ بَيْتِكَ.
اللَّهُمَّ فَأَصْحِبْنِي الْعَافِيَةَ فِيْ بَدَنِيْ، وَالصِّحَةَ فِيْ جِسْمِيْ، وَالعِصْمَةَ فِيْ دِيْنِيْ، وَأَحْسِنْ مُنْقَلَبِيْ، وَارْزُقْنِيْ طَاعَتَكَ أَبَدًا مَا أَبْقَيْتَنِيْ، وَاجْمَعْ لِيْ بَيْنَ خَيْرَيِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيْرٌ) (1)،  = والأظهر عندي - والله أعلم -: أنه لا بأس به ما لم يكن فيه أذية وضيق، وهذا ما ذهب إليه شيخنا رحمه الله (1). وصفة الالتزام هو أن يضع صدره، ووجهه، وذراعيه، وكفيه يبسطهما على مكان الالتزام.

(1)

قوله (وَيَقُوْلُ: اللهُمَّ هَذا بَيْتُكَ، وَأَنَا عَبْدُكَ وَابْنُ عَبْدِكَ وَابْنُ أَمَتِكَ، حَمَلْتَنِيْ عَلَى مَا سَخَّرْتَ لِيْ مِنْ خَلْقِكَ، وَسَيَّرْتَنِيْ فِيْ بِلادِكَ، حَتَّى بَلَّغْتَنِيْ بِنِعْمَتِكَ إِلَى بَيْتِكَ، وَأَعَنْتَنِيْ عَلَى أَدَاءِ نُسُكِيْ، فَإِنْ كُنْتَ رَضِيْتَ عَنِّيْ، فَازْدَدْ عَنِّيْ رِضًا، وَإِلاَّ فَمُنَّ الآنَ قَبْلَ أَنْ تَنْأَى عَنْ بَيْتِكَ دَارِيْ، فَهَذَا أَوَانُ انْصِرَافِيْ إِنْ أَذِنْتَ لِيْ، غَيْرَ مُسْتَبْدِلٍ بِكَ، وَلا بِبَيْتِكَ وَلا رَاغِبٍ عَنْكَ، وَلا عَنْ بَيْتِكَ. اللَّهُمَّ فَأَصْحِبْنِي الْعَافِيَةَ فِيْ بَدَنِيْ، وَالصِّحَةَ فِيْ جِسْمِيْ، وَالعِصْمَةَ فِيْ دِيْنِيْ، وَأَحْسِنْ مُنْقَلَبِيْ، وَارْزُقْنِيْ طَاعَتَكَ أَبَدًا مَا أَبْقَيْتَنِيْ، وَاجْمَعْ لِيْ بَيْنَ خَيْرَيِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيْرٌ): لم يثبت ما ذكره المؤلف هنا بحديث صحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا أصحابه رضي الله عنهم، فلا يشرع تقصده على =447

الجزء: 3 - الصفحة: 161

وَيَدْعُوْ بِمَا أَحَبَّ (1)، ثُمَّ يُصَلِّيْ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم (2)، فَمَنْ خَرَجَ قَبْلَ الْوَدَاعِ، رَجَعَ إِنْ كَانَ قَرِيْبًا (3)، وَإِنْ كَانَ بَعِيْدًا بَعُثَ بِدَمٍ (4)،  = أنه مشروع، لكن إن دعا به على أنه دعاء فقط فلا بأس، وللإنسان أن يدعو بما أحب من خيري الدنيا والآخرة.

(1)

قوله (وَيَدْعُوْ بِمَا أَحَبَّ):

هذا هو الأقرب في اتباع السنة، وهذا الدعاء المذكور لم يثبت لا عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أحد من الصحابة رضي الله عنهم.
(2)

قوله (ثُمَّ يُصَلِّيْ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم):

أي ثم يختم دعائه بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، وإلا فلم يثبت تخصيص الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في هذا المكان.
لكن لعل المؤلف أراد بذلك أن يختم الداعي بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، فإن هذا مستحب لقول النبي صلى الله عليه وسلم لما رأى رجلاً يدعو في صلاته فلم يصل على النبي صلى الله عليه وسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم (عَجِلَ هَذَا ثُمَّ دَعَاهُ فَقَالَ لَهُ أَوْ لِغَيْرِهِ إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيَبْدَأْ بِتَحْمِيدِ اللَّهِ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ ثُمَّ لْيُصَلِّ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ثُمَّ لْيَدْعُ بَعْدُ بِمَا شَاءَ) (1).

(3)

قوله (فَمَنْ خَرَجَ قَبْلَ الْوَدَاعِ، رَجَعَ إِنْ كَانَ قَرِيْبًا):

لأن طواف الوداع كما ذكرنا واجب فيلزمه الإتيان به ما لم يتضرر بنفسه، فإذا لم يحصل له ضرر لزمه الرجوع أداء للواجب.
(4)

قوله (وَإِنْ كَانَ بَعِيْدًا بَعُثَ بِدَمٍ):

كفارة عن تركه للوداع، فيذبح هذا الدم بمكة ويوزع على فقراء الحرم.
دليل ذلك ما جاء عن ابن عباس رضي الله عنهما حيث قال (مَنْ نَسِىَ شَيْئًا مِنْ نُسُكِهِ أَوْ تَرَكَهُ فَلْيُهْرِقْ دَمًا) 449448

الجزء: 3 - الصفحة: 162

إلاَّ الْحَائِضَ وَالنُّفَسَاءَ، فَلا وَدَاعَ عَلَيْهِمَا (1)، وَيُسْتَحَبُّ لَهُمَا الْوُقُوْفُ عِنْدَ بَابِ الْمَسْجِدِ، وَالدُّعَاءُ بِهَذَا (2).  (1)

قوله (إِلاَّ الْحَائِضَ وَالنُّفَسَاءَ، فَلا وَدَاعَ عَلَيْهِمَا):

أي يسقط عنها طواف الوداع كما ذكرنا ذلك سابقاً لحديث ابن عباس رضي الله عنهما وفيه قوله (إِلا أَنَّهُ خُفِّفَ عَنْ الْمَرْأَةِ الْحَائِضِ) (1). (2)

قوله (وَيُسْتَحَبُّ لَهُمَا الْوُقُوْفُ عِنْدَ بَابِ الْمَسْجِدِ، وَالدُّعَاءُ بِهَذَا): هذا لا دليل عليه، ولذا فالصواب أن الحائض والنفساء لا تقفان عند الباب تدعوان إذ لا دليل على ذلك، بل لم يأمر النبي صلى الله عليه وسلم صفية رضي الله عنها حين نفست بذلك ولا غيرها ممن حج معه في حجة الوداع.450

الجزء: 3 - الصفحة: 163

بَابُ أَرْكانِ الْحَجِّ وَالعُمْرَةِ

(1) أَرْكَانُ الْحَجِّ: الْوُقُوْفُ بِعَرَفَةَ (2)  (1)

قوله (بَابُ أَرْكانِ الْحَجِّ وَالعُمْرَةِ):

سبق أن ذكرنا معنى الركن، والشرط، والواجب، والفرق بينها في كتاب الطهارة (1)، وقلنا بأن الركن هو جانب للشيء الأقوى، والمراد بالأركان هنا هو ما لا يتم الحج إلا بها، فمتى تركها عمداً أو سهواً لم يتم حجه.
(2)

قوله (أَرْكَانُ الْحَجِّ: الْوُقُوْفُ بِعَرَفَةَ):

هذا هو الركن الأول، وبدأ به لأنه أعظم الأركان وأقواها، حيث يختص هذا الركن بأنه من فاته فقد فاته الحج، وقد دلت نصوص الكتاب والسنة والإجماع على ركنيته.
فدليل الكتاب: قوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ 452. قال العلامة ابن سعدي رحمه الله 453 في تفسيره لهذه الآية فيها دليل على أمور: (أحدها: الوقوف بعرفة، وأنه كان معروفاً أنه ركن من أركان الحج).
أما دلالة السنة: فقوله صلى الله عليه وسلم (الْحَجُّ عَرَفَةُ) 454 رواه أبو داود وغيره.
أما الإجماع فقد أجمعت الأمة سلفاً وخلفاً على أن الوقوف بعرفة ركن من أركان الحج فمن تركه فاته الحج، قال ابن رشد 455 (وأجمعوا على أنه =451

الجزء: 3 - الصفحة: 164

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =ركن من أركان الحج، وأن من فاته فعليه حج قابل).

فائدة: يبدأ وقت الوقوف بعرفة عند الحنابلة

من فجر يوم التاسع من ذي الحجة.
وعند الجمهور من عند الزوال، ويمتد إلى طلوع الفجر الصادق يوم النحر.

ذكر بعض الفوائد المتعلقة بعرفة

:

فائدة (1): يشرع التوجه إلى عرفة بعد طلوع شمس اليوم التاسع

من ذي الحجة، ويصلي بها الظهر والعصر جمعاً وقصراً، جمع تقديم بأذان واحد وإقامتين.

فائدة (2): يمتد زمن الوقوف بعرفة من طلوع فجر اليوم التاسع إلى طلوع فجر يوم النحر

، وعند الجمهور من بعد الزوال إلى طلوع الفجر من اليوم العاشر.

فائدة (3): من لم يتمكن من الوقوف نهارًا ثم وقف ليلاً قبيل الصبح

ولو بضع دقائق كفاه عن الوقوف نهاراً.

فائدة (4): من لم يتمكن من الوقوف نهارا

ً بل لم يتمكن من الوقوف ليلاً إلا أنه مرَّ على عرفات مروراً ولو كان مساءاً على سيارته أجزأه.

فائدة (5): زمن الوقوف المجمع عليه بين الفقهاء

هو ما بعد الزوال من يوم عرفة إلى طلوع الفجر من ليلة النحر، أما ما قبل الزوال ففيه خلاف بين أهل العلم والأكثرون على أنه لا يجزئ

فائدة (6): إذا لم يقف بعد الزوال ولا في الليل عشية عرفات

واكتفى بالوقوف ضحى فالأكثرون على أنه فاته الحج.
7 - لا يجوز الانصراف قبل غروب الشمس لمن وقف نهاراً، فإن فعل ذلك فعليه دم عند أكثر أهل العلم لأنه ترك واجباً وهو الجمع بين الوقوف ليلاً ونهاراً لمن وقف نهاراً.

الجزء: 3 - الصفحة: 165

وَطَوَافُ الزِّيَارَةِ (1)  (1)

قوله (وَطَوَافُ الزِّيَارَةِ):

أي الركن الثاني من أركان الحج طواف الزيارة ويسمى طواف الإفاضة، وطواف الحج، وطواف الركن.
ودليل ذلك قوله تعالى ﴿ثُمَّ لِيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيق﴾ (1). وقد أجمع العلماء على أن الآية في طواف الإفاضة.
أما دلالة السنة: فما رواه البخاري ومسلم أن صفية بنت حيي رضي الله عنها لما نفست قال النبي صلى الله عليه وسلم (أَحَابِسَتُنَا هِيَ قَالُوا إِنَّهَا قَدْ أَفَاضَتْ قَالَ فَلا إِذًا) (1). وجه الدلالة: أن طواف الإفاضة فرضه النبي صلى الله عليه وسلم لما علم بأن زوجته صفية - رضي الله عنها - أنها حائض، قال: (أَحَابِسَتُنَا هِيَ) دلَّ على أن طواف الإفاضة لا يصح تركه حتى ولو كانت المرأة حائضاً بخلاف طواف الوداع كما ذكرنا، وأنه لولا فرضيته لم يمنع من لم يأت به من السفر.

فائدة (1): لطواف الإفاضة شروط لا بد منها

: 1 - أن يكون مسبوقاً بإحرام: لتوقف احتساب أي عمل من أعمال الحج على الإحرام.
2 - أن يكون مسبوقاً بوقوف عرفة: فلو طاف للإفاضة قبل الوقوف فلا يسقط به فرض الطواف.
3 - النية: ويقصد بها نية الطواف.456

الجزء: 3 - الصفحة: 166

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  4 - هل يشترط تعيين الطواف على قولين: فذهب الجمهور 457 على عدم اشتراط التعيين، وذهب الحنابلة 458 إلى اشترط التعيين، وقول الجمهور هو الأظهر عندي.
5 - الوقت: فلا يصح طواف الإفاضة قبل الوقت المحدد له شرعاً.
وقد اختلف الفقهاء في بداية وقت الطواف: فذهب الشافعية 459، والحنابلة 460 إلى أن أول وقت طواف الإفاضة بعد منتصف ليلة النحر لمن وقف بعرفة قبله.
وذهب الحنفية 461، والمالكية 462 إلى أن وقت الطواف يبدأ من طلوع فجر اليوم الثاني.
والصحيح عندي: ما ذهب إليه الشافعية والحنابلة.
أما آخر وقت طواف الإفاضة: فليس لآخره حد معين لأدائه فرضاً، بل جميع الليالي والأيام وقته.
وهل يلزمه شيء بالتأخير؟ نقول: ذهب الحنفية إلى أن أداءه في أيام النحر واجب، فلو أخره إلى ما بعدها صح وعليه دم جزاء تأخيره عنها.
أما المالكية فقالوا لا يلزمه بالتأخير شيء إلا بخروج ذي الحجة، فإذا خرج =

الجزء: 3 - الصفحة: 167

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  = لزمه دم، أما الشافعية والحنابلة فلا يلزمه شيء بالتأخير أبداً 463. 6 - يلزم أن يكون الطواف على طهارة من الحدث الأكبر والأصغر، وهذا قول أكثر أهل العلم.
ودليل ذلك حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ صَلاةٌ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَحَلَّ فِيهِ النُّطْقَ .. ) 464، ففي هذا دليل على أنه يشترط في الطواف ما يشترط في الصلاة من الطهارة وستر العورة وغير ذلك من الشروط.
ومن الأدلة أيضاً على اشتراط الطهارة له حديث عائشة رضي الله عنها قالت ( .. أَوَّلُ شَيْءٍ بَدَأَ بِهِ حِينَ قَدِمَ أَنَّهُ تَوَضَّأَ ثُمَّ طَافَ بِالْبَيْتِ) 465، فكونه بدأ بالوضوء قبل الطواف دليل على أنه لا بد من الوضوء له.
ومن الأدلة أيضاً قوله صلى الله عليه وسلم لعائشة رضي الله عنها (افْعَلِي كَمَا يَفْعَلُ الْحَاجُّ غَيْرَ أَنْ لا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ حَتَّى تَطْهُرِي) 466. ومن الأدلة أيضاً التي استدل بها الجمهور قوله صلى الله عليه وسلم حين أراد أن ينفر فقيل له أن صفية قد حاضت، قال (أَحَابِسَتُنَا هِيَ قَالُوا إِنَّهَا قَدْ أَفَاضَتْ قَالَ فَلا إِذًا) 467. فهذه الأحاديث وغيرها تدل على اشتراط الطهارة للطواف.

الجزء: 3 - الصفحة: 168

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وهذا ما ذهب إليه المالكية (1)، والشافعية (2)، والحنابلة (3). وذهب الحنفية (4) إلى أن الطهارة للطواف واجبة وليست شرطاً، واستدلوا لذلك بقوله تعالى ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ (5)، ووجه الدلالة من الآية أن الأمر بالطواف مطلق لم يقيده الشارع بشرط الطهارة وهذا نص قطعي، أما حديث ابن عباس فإنه خبر آحاد ويفيد غلبة الظن فلا يقيد نص القرآن، لأنه دونه رتبة، فحملنا الحديث على الوجوب وعملنا به.
وقال شيخ الإسلام (6) لا تشترط الطهارة للطواف، بل ولا تجب له، بل هي مستحبة والأدلة الشرعية إنما تدل على عدم وجوبها، وليس في الشريعة ما يدل على وجوب الطهارة الصغرى فيه، وهذا هو اختيار شيخنا محمد بن صالح العثيمين رحمه الله (7). قلت: والأحوط عندي ما ذهب إليه جمهور الفقهاء في اشتراط الطهارة للطواف، وهو قول سماحة شيخنا ابن باز (8) وهو ما أفتت به اللجنة الدائمة.

فائدة (2): متى أخر طواف الإفاضة عن أيام النحر أو أيام شهر ذي الحجة فإنه لا يسقط أبدا

ً، وهو محَّرم على النساء أبداً إلى أن يعود فيطوف، ولا =468469470471472473474475

الجزء: 3 - الصفحة: 169

وَوَاجِبَاتُهُ (1) الإِحْرَامُ مِنَ الْمِيْقَاتِ (2)  = يكفي الفداء عن أداء طواف الإفاضة بإجماع أهل العلم لأنه ركن، وأركان الحج لا يجزئ عنها البدل، ولا يقوم غيرها مقامها بل يجب الإتيان بها بعينها.

(1)

قوله (وَوَاجِبَاتُهُ):

أي وواجبات الحج.
والواجب: هو ما يطلب فعله ويحرم تركه، لكن لا يتوقف صحة الحج عليه، ويأثم تاركه ويجب لتركه فدية إلا إذا تركه بعذر معتبر شرعاً، ويجب عليه الفدية بترك واجب منها.

والواجبات في الحج قسمان

: واجبات أصلية، وواجبات تابعة لغيرها.
فالواجبات الأصلية هي ما سيذكرها المؤلف هنا، وسنذكر - إن شاء الله - الواجبات التابعة لهذه الواجبات.

(2)

قوله (الإِحْرَامُ مِنَ الْمِيْقَاتِ):

الإحرام كما سبق: هو نية الدخول في النسك، وليس لبس ملابس الإحرام كما يظن البعض.
والإحرام الذي هو نية الدخول في النسك ركن من أركان الحج ولم يذكره المؤلف هنا.
أما الإحرام من الميقات وهو ما ذكره المؤلف فهو واجب من واجبات الحج، دليل ذلك قوله صلى الله عليه وسلم كما في حديث المواقيت الذي سبق ذكره (وَقَّتَ لأَهْلِ الْمَدِينَةِ ذَا الْحُلَيْفَةِ ... ) 476، هذا خبر بمعنى الأمر، وفي رواية أخرى ( .. يُهِلُّ أَهْلُ الْمَدِينَةِ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ) 477. وعن ابن عمر رضي الله عنهما (فَرَضَهَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لأَهْلِ نَجْدٍ قَرْنًا وَلأَهْلِ =

الجزء: 3 - الصفحة: 170

وَالْوُقُوْفُ بِعَرَفَةَ إِلَى اللَّيْلِ (1)  = الْمَدِينَةِ ذَا الْحُلَيْفَةِ .. ) (1)، فمن تركه لزمه الرجوع إلى الميقات والإهلال منه، فإن لم يعد لزمه دم لتركه واجب من واجبات الحج.

(1)

قوله (وَالْوُقُوْفُ بِعَرَفَةَ إِلَى اللَّيْلِ):

وقد سبق بيان ذلك، فمن نفر من عرفة قبل غروب الشمس لزمه الرجوع وإلا فقد تعين عليه دم عند جمهور أهل العلم لأنه ترك واجباً من واجبات الحج، دليل ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم وقف كذلك وقال (لِتَأْخُذُوا مَنَاسِكَكُمْ .. ) (2)، وكونه صلى الله عليه وسلم يمكث بعرفة إلى ما بعد الغروب ثم يدفع منها فهذا دليل على وجوب البقاء إلى هذا الوقت.
وما ذهب إليه المؤلف من جعل الوقوف بعرفة إلى الليل واجب من واجبات الحج هو قول الجمهور (3). وذهب الشافعية (4) في المعتمد عندهم إلى أن الجمع بين الليل والنهار بعرفة سنة ليس واجباً، لكن يستحب له بتركه الفداء.
والصحيح: ما ذهب إليه الجمهور.

فائدة: أجمع أهل العلم على أنه يصح وقوف غير الطاهر من الرجال والنساء

، كالمحدث والحائض، وغيرهم.
واختلفوا في صوم يوم عرفة بعرفة، وقد ذكرنا الخلاف في ذلك في كتاب الصوم.
والراجح: أنه يكره للحاج.478479480481

الجزء: 3 - الصفحة: 171

وَالْمَبِيْتُ بِمُزْدَلِفَةَ إِلَى نِصْفِ اللَّيْلِ (1)، وَالسَّعْيُ (2)  (1)

قوله (وَالْمَبِيْتُ بِمُزْدَلِفَةَ إِلَى نِصْفِ اللَّيْلِ):

أي من واجبات الحج المبيت بمزدلفة إلى نصف الليل، وقد سبق بيان هذا الواجب وأدلته مع ذكر الخلاف فيه وبيان الراجح.
(2)

قوله (وَالسَّعْيُ)

أي ومن واجبات الحج السعي بين الصفا والمروة.

وقد اختلف الفقهاء في حكم السعي بين الصفا والمروة

هل هو واجب، أم ركن، أم سنة؟ فالمذهب، وهو قول الجمهور أن السعي ركن من أركان الحج لا يصح الحج إلا به لقوله تعالى ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوْ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ (1)، قالت عائشة رضي الله عنها في تفسيرها لهذه الآية: (مَا أَتَمَّ اللَّهُ حَجَّ امْرِئٍ وَلَا عُمْرَتَهُ لَمْ يَطُفْ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ) (2). وذهب المؤلف إلى أن السعي بين الصفا والمروة واجب ليس بركن، وهذا إحدى الروايتين في المذهب، وهو قول الحنفية (3). والصحيح: أنه ركن لا يتم الحج إلا به، وهو قول الشيخين (4).

ذكر بعض الفوائد في السعي

:

فائدة (1): من سعى من غير طهارة أجزأه ذلك

، فإن الطهارة ليست شرطاً =482483484485

الجزء: 3 - الصفحة: 172

وَالْمَبِيْتُ بِمِنًى (1)، وَالرَّمْيُ (2)، وَالْحَلْقُ (3)،  = في السعي.

  • فائدة (2): لا حرج على من قدم السعي في الحج على الطواف خطأً أو نسياناً، وقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال لما قيل له سعيت قبل أن أطوف فقال ( .. افْعَلْ وَلا حَرَجَ) (1)، لكن الأحوط أن لا يفعله عمداً.

فائدة (3): السعي في الطابق العلوي صحيح كالسعي في الأسفل

لأن الهواء يتبع القرار.

فائدة (4): لا يجب الصعود على الصفا والمروة

، ولكن يكفي الساعي استيعاب ما بينهما، والصعود عليهما هو السنة إن تيسر ذلك.

فائدة (5): المشروع لمن سعى أن يقول

في أول شوط ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ ... ﴾ (2)، أما تكرار ذلك فلا أعلم ما يدل على استحبابه.
(1)

قوله (وَالْمَبِيْتُ بِمِنًى):

أي ومن واجبات الحج المبيت بمنى، وقد سبق بيان ذلك فلا حاجة لإعادته.
(2)

قوله (وَالرَّمْيُ):

أي ومن واجبات الحج رمي الجمار، وقد أجمعت الأمة على وجوبه ومن تركه فعليه دم، وقد سبق بيان بعض الأحكام المتعلقة بالرمي من بيان وقت الرمي، وعدد ما يرمى به من الحصيات، وحكم تأخير الرمي، وصفة الرمي، وبيان السنن المتعلقة به.
(3)

قوله (وَالْحَلْقُ):

أي ومن واجبات الحج الحلق أو التقصير، وقد اتفق الفقهاء 488 على أنه واجب من واجبات الحج.486487

الجزء: 3 - الصفحة: 173

وَطَوَافُ الْوَدَاعِ (1)، وَأَرْكَانُ الْعُمْرَةِ: الطَّوَافُ (2)، وَوَاجِبَاتُهُ الإِحْرَامُ (3)،  = وقد ذهب الشافعي (1) في المشهور عنه إلى أنه ركن في الحج.
والصحيح: أنه واجب من واجبات الحج يجب بتركه دم.

- فائدة: لا يختص الحلق أو التقصير بزمان ولا مكان،

لكن السنة فعله في أيام النحر، وإليه ذهب الجمهور (2). وذهب الحنفية (3) إلى أن الحلق يختص بأيام النحر ومنطقة الحرم، فلو أخل بأي من هذين لزمه الدم ويحصل له التحلل بهذا الحلق.
والصحيح عندي: ما ذهب إليه الجمهور.

(1)

قوله (وَطَوَافُ الْوَدَاعِ):

أي ومن واجبات الحج طواف الوداع وهذا هو القول الصحيح، وقد ذكرنا الخلاف فيه، والقول الراجح وبعض المسائل المتعلقة به.
(2)

قوله (وَأَرْكَانُ الْعُمْرَةِ: الطَّوَافُ):

الطواف قد سبق بيانه، وأنه ركن في الحج، وهو كذلك ركن في العمرة.
(3)

قوله (وَوَاجِبَاتُهُ الإِحْرَامُ):

إن كان المراد الإحرام من الميقات فهذا صحيح، وإن كان المراد الإحرام الذي هو بمعنى نية الدخول في النسك فهذا ركن من أركان العمرة، كما هو ركن من أركان الحج.
والمراد من قول المؤلف هنا هو الأمر الأول؛ أي الإحرام من الميقات، فمن تركه فعليه دم جبراناً لتركه واجباً من واجبات الحج.489490491

الجزء: 3 - الصفحة: 174

وَالسَّعْيُ (1)، وَالْحَلْقُ (2)، فَمَنْ تَرَكَ رُكْنًا لَمْ يَتِمَّ نُسُكُهُ إِلاَّ بِهِ (3) وَمَنْ تَرَكَ وَاجِبًا، جَبَرَهُ بِدَمٍ (4)، وَمَنْ تَرَكَ سُنَّةً فَلا شَيْءَ عَلَيْهِ (5)، وَمَنْ لَمْ يَقِفْ بِعَرَفَةَ حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ يَوْمَ النَّحْرِ، فَقَدْ فَاتَهُ الْحَجُّ (6)  (1)

قوله (وَالسَّعْيُ):

هذا في إحدى الروايتين في المذهب، والصحيح الرواية الأخرى أنه ركن من أركان العمرة لا تتم العمرة إلا به، وهو قول الشيخين (1). (2)

قوله (وَالْحَلْقُ):

أي ومن واجبات العمرة الحلق، وفي رواية ليس بواجب.
والصحيح: أنه واجب في العمرة كالحج، وأنه نسك من نُسكها.

(3)

قوله (فَمَنْ تَرَكَ رُكْنًا لَمْ يَتِمَّ نُسُكُهُ إِلاَّ بِهِ):

وهذا ظاهر وقد تكلمنا عليه كثيراً، فلا يتم حج أو عمرة من ترك ركناً سهواً أو جهلاً أو عمداً، فلا يسقط الركن بأي حال من الأحوال.
(4)

قوله (وَمَنْ تَرَكَ وَاجِبًا، جَبَرَهُ بِدَمٍ):

هذا هو قول أكثر أهل العلم لقول ابن عباس رضي الله عنهما (مَنْ نَسِىَ شَيْئًا مِنْ نُسُكِهِ أَوْ تَرَكَهُ فَلْيُهْرِقْ دَمًا) (2). وذهب بعض أهل العلم إلى أنه لا يلزم أحد بدم ما لم يأت بدليل على وجوبه لأن أموال المسلمين معصومة بعصمة دمائهم.
والراجح عندي: ما ذهب إليه الجمهور.

(5)

قوله (وَمَنْ تَرَكَ سُنَّةً فَلا شَيْءَ عَلَيْهِ):

أي من ترك سنةً قولية أو فعلية فلا شيء عليه لأنها ليست واجبة، فلم يجب جبرها.
(6)

قوله (وَمَنْ لَمْ يَقِفْ بِعَرَفَةَ حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ يَوْمَ النَّحْرِ، فَقَدْ فَاتَهُ الْحَجُّ):

لأن الوقوف بعرفة ركن كما سبق، وينتهي وقت الوقوف بطلوع فجر يوم =492493

الجزء: 3 - الصفحة: 175

فَيَتَحَلَّلُ بِطَوَافٍ وَسَعْيٍ (1)، وَيَنْحَرُ هَدْيًا إِنْ كَانَ مَعَهُ (2)، وَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ (3)، وَإِنْ أَخْطَأَ النَّاسُ فَوَقَفُوْا فِيْ غَيْرِ يَوْمِ عَرَفَةَ، أَجْزَأَهُمْ ذلِكَ (4) وَإِنْ فَعَلَ ذلِكَ نَفَرٌ مِنْهُمْ، فَقَدْ فَاتَهُمُ الْحَجُّ (5)، وَيُسْتَحَبُّ لِمَنْ حَجَّ زِيَارَةِ قَبْرِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم (6)،  = النحر فمن فاته لعذر كمرض أو ضل الطريق، أو فاته بغير عذر كالتشاغل، والتواني، ونحوه فقد فاته الحج.

(1)

قوله (فَيَتَحَلَّلُ بِطَوَافٍ وَسَعْيٍ):

أي يقلب نية الحج إلى عمرة ليتحلل بذلك، هذا إذا لم يكن اشترط عند إحرامه، فإن لم يكن قد اشترط في إحرامه فإنه يطوف بالبيت، ويسعى، ويحلق أو يقصر فيكون بمنزلة الذي يفسخ الحج إلى العمرة.
(2)

قوله (وَيَنْحَرُ هَدْيًا إِنْ كَانَ مَعَهُ):

أي لا دم عليه إن لم يكن معه.
(3)

قوله (وَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ):

ذكرنا الخلاف في المسألة، والراجح فيها.
فقلنا الراجح أنه إذا كان إحصاره عن فرض أو نذر لزمه القضاء اشترط أم لم يشترط، وإن كان عن نفل فإن اشترط فلا يلزمه القضاء، وإن لم يشترط لزمه القضاء.

(4)

قوله (وَإِنْ أَخْطَأَ النَّاسُ فَوَقَفُوْا فِيْ غَيْرِ يَوْمِ عَرَفَةَ، أَجْزَأَهُمْ ذلِكَ): لأن هذا غاية ما يستطيعونه.

(5)

قوله (وَإِنْ فَعَلَ ذلِكَ نَفَرٌ مِنْهُمْ، فَقَدْ فَاتَهُمُ الْحَجُّ):

أي إذا وقف بعض الناس في غير يوم عرفة ظناً منهم أنه يوم عرفة فقد فاتهم وذلك لتفريطهم.
(6) قوله (وَيُسْتَحَبُّ لِمَنْ حَجَّ زِيَارَةِ قَبْرِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم): الدليل الوارد في استحباب زيارة قبره صلى الله عليه وسلم هو حديث موضوع، ولذا نقل عن بعض أهل العلم الإجماع على عدم استحباب السفر من أجل زيارة قبره صلى الله عليه وسلم.

الجزء: 3 - الصفحة: 176

وَقَبْرِ صَاحِبَيْهِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا (7)  فالصواب في هذه المسألة: أن شد الرحال من أجل مسجد النبي صلى الله عليه وسلم والصلاة فيه فهذا يستحب، ثم يزور قبر النبي صلى الله عليه وسلم، وقبر صاحبيه لقول النبي صلى الله عليه وسلم (إِنِّي كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ فَزُورُوهَا فَإِنَّهَا تُذَكِّرُكُمْ الآخِرَةَ) 494، أما قصد زيارة قبره استقلالاً فهذا لا يشرع لقول النبي صلى الله عليه وسلم (لا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلا إِلَى ثَلاثَةِ مَسَاجِدَ .. ) 495. (7) قوله (وَقَبْرِ صَاحِبَيْهِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا): يعني أبا بكر وعمر رضي الله عنهما.

الجزء: 3 - الصفحة: 177

بَابُ الْهَدْيِ وَالأُضْحِيَّة

(1) وَالْهَدْيُ وَالأُضْحِيَّةُ سُنَّةٌ (2)  (1)

قوله (بَابُ الْهَدْيِ وَالأُضْحِيَّةِ):

الهدي: هو كل ما يهدى إلى الحرم من بهيمة الأنعام، وحكمه أنه سُنَّة، ولا يجب إلا بالنذر، أو التمتع والقران كما سبق.
أما الأضحية: فهو ما يذبح في أيام النحر تقرباً إلى الله تعالى، وسميت بذلك لأنها تذبح ضُحىً بعد صلاة العيد.

(2)

قوله (وَالْهَدْيُ وَالأُضْحِيَّةُ سُنَّةٌ):

وقد اختلف الفقهاء 496 في حكم الأضحية بعد إجماعهم على مشروعيتها: فذهب جمهور الفقهاء إلى أنها سُنَّة مؤكدة، واستدلوا لذلك بقوله صلى الله عليه وسلم (إِذَا دَخَلَتْ الْعَشْرُ وَأَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يُضَحِّيَ فَلا يَمَسَّ مِنْ شَعَرِهِ وَبَشَرِهِ شَيْئًا) 497، وجه الدلالة منه قوله صلى الله عليه وسلم (وَأَرَادَ أَحَدُكُمْ) فجعل الأضحية مفوضة إلى إرادة المضحي.
ومن ذلك أيضاً ما جاء عن أبي بكر وعمر رضي الله عنهما أنهما كانا لا يضحيان السنة والسنتين مخافة أن يرى الناس أن ذلك واجب، وهذا الصنيع منهما يدل على أنهما علما من النبي صلى الله عليه وسلم عدم الوجوب، ولم يرو عن أحد من الصحابة خلاف ذلك.
وذهب الحنفية 498، وهو رواية في مذهب مالك 499 اختارها شيخ الإسلام 500 =

الجزء: 3 - الصفحة: 178

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =إلى أن الأضحية واجبة واستدلوا لذلك بأدلة منها: 1 - قوله تعالى ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ 501، وقد قيل في تفسيرها: صلي صلاة العيد وانحر البدن، ومطلق الأمر للوجوب.
2 - واستدلوا أيضاً بما رواه ابن ماجه والحاكم وصححه وأقره الذهبي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال (مَنْ كَانَ لَهُ سَعَةٌ وَلَمْ يُضَحِّ فَلا يَقْرَبَنَّ مُصَلانَا) 502، قالوا فهذا وعيدٌ على ترك الأضحية والوعيد لا يكون إلا على ترك واجب.
3 - وأيضاً احتجوا بما رواه مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم قال (مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ الصَّلاةِ فَلْيَذْبَحْ مَكَانَهَا أُخْرَى وَمَنْ كَانَ لَمْ يَذْبَحْ حَتَّى صَلَّيْنَا فَلْيَذْبَحْ عَلَى اسْمِ اللَّهِ) 503، وجه الدلالة أنه صلى الله عليه وسلم أمر بذبح الأضحية وإعادتها إذا ذكيت قبل الصلاة وذلك دليل على وجوبها.
قال شيخنا رحمه الله 504: فالقول بالوجوب أظهر من القول بعدم الوجوب، لكن بشرط القدرة.
قلت: والذي يترجح عندي ما ذهب إليه جمهور الفقهاء، فهي سُنَّة يُكره تركها مع القدرة لصراحة الأدلة، وهذا هو ما ذهب إليه سماحة شيخنا ابن باز رحمه الله 505، واللجنة الدائمة 506.

الجزء: 3 - الصفحة: 179

لا تَجِبُ إِلاَّ بِالنَّذْرِ (1) وَالتَّضْحِيَةُ أَفْضَلُ مِنَ الصَّدَقَةِ بِثَمَنِهَا (2)  -

فائدة: هل تصح الأضحية عن الأموات؟

الصحيح: أن الأضحية سُنَّة للأحياء لا للأموات لعدم ورود النص عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك مع كونه له أموات، فلم يضح عن خديجة زوجته رضي الله عنها، ولا عن عمه حمزة رضي الله عنه، ولا عن بناته اللاتي توفين قبله، لكن إن ضحى الإنسان عن نفسه لأهل بيته وأشرك الأموات في أضحيته فلا بأس بذلك، أما جعل أضحيته عن الأموات فقط فهذا لا يشرع لعدم ورود دليل على ذلك.

(1)

قوله (لا تَجِبُ إِلاَّ بِالنَّذْرِ):

لقوله صلى الله عليه وسلم (مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَهُ فَلا يَعْصِهِ) (1)، وهذا باتفاق الفقهاء.
والناذر للأضحية إما أن يكون نذر لمعينة نحو: (لله عليّ أن أضحي بهذه الشاة)، وإما أن يكون نذراً في الذمة لغير معينة كأن يقول لله علي نذر أن أضحي أو يقول: (لله علي أن أضحي بشاة) فإن نذر التضحية بمعينة لزمته، وكذا إن نذر التضحية بغير معينة ثم عين شاة مثلاً عما في ذمته فهنا يلزمه الأضحية بما عينه في الحالتين.
وإن نذر شاة معينة ثم أصيبت بشيء يؤثر على الإجزاء هل يصح نذره؟ نعم يصح نذره، لكن إن أبدل المعينة بخير منها كان أفضل لأن هذا أنفع للفقراء، أما إن نذر معينة ويعلم عيبها المخل بالإجزاء، فهنا لا يصح نذره وعليه أن يبدلها بغيرها.

(2)

قوله (وَالتَّضْحِيَةُ أَفْضَلُ مِنَ الصَّدَقَةِ بِثَمَنِهَا):

هذا هو قول جمهور أهل العلم لأنها سنة مؤكدة وشعيرة من شعائر الإسلام، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم ضحى =507

الجزء: 3 - الصفحة: 180

وَالأَفْضَلُ فِيْهِمَا الإِبِلُ، ثُمَّ الْبَقَرُ ثُمَّ الْغَنَمُ (1)، وَيُسْتَحَبُّ اسْتِحْسَانُهَا وَاسْتِسْمَانُهَا (2) وَلا يُجْزِئُ إِلاَّ الْجَذَعُ مِنَ الضَّأْنِ، وَهُوَ: مَا كَمَلَ لَهُ سِتَّةُ أَشْهُرٍ (3)  =والخلفاء من بعده كذلك، ولو علموا أن الصدقة أفضل لعدلوا إليها، ولأن إيثار الصدقة على الأضحية يفضي إلى ترك سنة سنَّها رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فائدة: الميت الصدقة عنه بثمنها أفضل

، وأما الوصايا فيجب تنفيذها بكل حال.
(1)

قوله (وَالأَفْضَلُ فِيْهِمَا الإِبِلُ، ثُمَّ الْبَقَرُ ثُمَّ الْغَنَمُ):

لأن ذلك أنفع للفقراء، لكن مراده رحمه الله إذا أخرج بعيراً كاملاً أو بقرة كاملة، أما لو أخرج بعيراً عن سبع شياه، فسبع الشياه أفضل من البعير.

فائدة: العقيقة الشاة فيها أفضل من غيرها

لورود النص بتعينها.
(2)

قوله (وَيُسْتَحَبُّ اسْتِحْسَانُهَا وَاسْتِسْمَانُهَا):

دليل ذلك قوله تعالى ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ (1)، قال ابن عباس رضي الله عنهما في تفسيرها: (تعظيمها استسمانها استعظامها واستحسانها) (2) ولأن ذلك أعظم لأجرها وأعظم لنفعها.
(3)

قوله (وَلا يُجْزِئُ إِلاَّ الْجَذَعُ مِنَ الضَّأْنِ، وَهُوَ: مَا كَمَلَ لَهُ سِتَّةُ أَشْهُرٍ): هذا أحد الشروط المعتبرة في الأضحية، فالشرط الأول أنه لابد أن تكون قد بلغت السن المعتبرة شرعاً، فإن كانت دونه فلا تجزئ دليل ما ذكره المؤلف (لا تَذْبَحُوا إِلا مُسِنَّةً إِلا أَنْ يَعْسُرَ عَلَيْكُمْ فَتَذْبَحُوا جَذَعَةً مِنْ الضَّأْنِ) 510 وهذا الشرط متفق عليه عند الفقهاء.508509

الجزء: 3 - الصفحة: 181

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  لكن اختلفوا في تفسير الثنية والجذعة: فقال الحنفية 511، والحنابلة 512 الجذع من الضأن ما أتم ستة أشهر، والثني من الضأن والمعز ما أتم سنة، ومن البقر ابن سنتين، ومن الإبل ابن خمس سنين.
وذهب المالكية 513 إلى أن الجذع من الضأن ما بلغ سنة قمرية ودخل في الثانية ولو مجرد دخول، وفسروا الثنيّ من المعز بما بلغ سنة، ودخل في الثانية دخولاً بيناً كشهر بعد السنة.
وقال الشافعية 514 الجذع ما بلغ سنة، والثني من الماعز ما بلغ سنتين وكذلك البقر.
والراجح عندي: بعد عرض الأقوال هو ما ذهب إليه أصحاب القول الأول.
قال وكيع 515 الجذع من الضان يكون ابن سبعة أشهر، أو ستة أشهر.
قلت: وقد ذكر الخرقي 516 طريقة أخرى يتعرف بها الجذع من الضأن فقال وسمعت أبي يقول: وسألت بعض أهل البادية كيف تعرفون الضأن إذا جذع؟ قالوا: لا تزال الصوفة قائمة على ظهره ما دام حملاً، فإذا نامت الصوفة على ظهره عُلم أنه قد جذع.

الجزء: 3 - الصفحة: 182

وَالثَّنِيُّ مِمَّا سِوَاهُ (1) وَثَنِيُّ الإِبِلِ: مَا كَمَلَ لَهُ خَمْسُ سِنِيْنَ (2) وَمِنَ الْبَقَرِ: مَا لَهُ سَنَتَانِ (3) وَمِنَ الْمَعَزِ: مَا لَهُ سَنَةٌ (4)  (1)

قوله (وَالثَّنِيُّ مِمَّا سِوَاهُ):

أي مما سوى الضأن، وهي كما ذكرنا الإبل والبقر والمعز يجزئ منه في الهدي والأضحية الثني، دليل ذلك قوله صلى الله عليه وسلم (لا تَذْبَحُوا إِلا مُسِنَّةً إِلا أَنْ يَعْسُرَ عَلَيْكُمْ فَتَذْبَحُوا جَذَعَةً مِنْ الضَّأْنِ) (1). (2)

قوله (وَثَنِيُّ الإِبِلِ: مَا كَمَلَ لَهُ خَمْسُ سِنِيْنَ):

أي السن المعتبر لإجزاء الإبل خمس سنين، فما دون الخمس لا يجزئ في الأضحية ولا في الهدي هذا باتفاق عامة أهل العلم.
(3)

قوله (وَمِنَ الْبَقَرِ: مَا لَهُ سَنَتَانِ):

هذا باتفاق الفقهاء.
(4)

قوله (وَمِنَ الْمَعَزِ: مَا لَهُ سَنَةٌ):

الغنم نوعان ضأن ومعز، فالضأن أفضل من المعز لأنه أكثر لحماً منه وأطيب فهو أنفع للفقراء والمساكين.

وهل تجزئ الجذعة من المعز في الأضحية؟

لا تجزئ لحديث أبي بردة بن نيار رضي الله عنه أنه قال ( .. يَا رَسُولَ اللَّهِ فَإِنَّ عِنْدَنَا عَنَاقًا لَنَا جَذَعَةً هِيَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ شَاتَيْنِ أَفَتَجْزِي عَنِّي قَالَ نَعَمْ وَلَنْ تَجْزِيَ عَنْ أَحَدٍ بَعْدَكَ) (2).

فائدة (1): يجوز ذبح الذكر من بهيمة الأنعام

لأن القصد اللحم ولحم الذكر أوفر.

فائدة (2): قال الإمام أحمد رحمه الله: الخصي أحب إلينا من النعجة

لأن لحمه أوفر وأطيب.517518

الجزء: 3 - الصفحة: 183

وَتُجْزِئُ الشَّاةُ عَنْ وَاحِدٍ (1)، وَالْبَدَنَةُ وَالْبَقَرَةُ عَنْ سَبْعَةٍ (2)، وَلا تُجْزِئُ الْعَوْرَاءُ، الْبَيِّنُ عَوَرُهَا (3)  -

فائدة (3): الكبش في الضحية أفضل النعم

لأنها أضحية النبي صلى الله عليه وسلم.
(1)

قوله (وَتُجْزِئُ الشَّاةُ عَنْ وَاحِدٍ)

ومن حيث الثواب تجزئ عنه وعن أهل بيته، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يضحي بالشاة الواحدة عنه وعن أهل بيته.

فائدة: الاشتراك في الثواب لا حد له

، وهو جائز كأن يضحي عن نفسه ومن شاء من أقاربه أحياءً وأمواتاً، وأما الاشتراك في الملك فلا يجوز كأن يشترك شخصان بأضحية من الغنم عن نفسيهما وأهليهما، قال أهل العلم لأن الأضحية عبادة والعبادة لا بد أن تقع على وجهها الشرعي وقتاً وعدداً وكيفية.
(2)

قوله (وَالْبَدَنَةُ وَالْبَقَرَةُ عَنْ سَبْعَةٍ):

وذلك لحديث جابر رضي الله عنهما قال (نَحَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ الْبَدَنَةَ عَنْ سَبْعَةٍ وَالْبَقَرَةَ عَنْ سَبْعَةٍ) (1). وإذا كان الإنسان يضحي بالواحدة عنه وعن أهل بيته، فإنه بالسبع يضحي عنه وعن أهل بيته لأن هذا تشريك في الثواب والتشريك في الثواب لا حصر له، أما التشريك في الملك فلا يزيد على السبعة، فلو اشترك ثمانية في بعير أو بقرة فإنه لا يجزئ، لكن يستثنى من ذلك العقيقة، فإن البدنة لا تجزئ فيها إلا عن واحد فقط.
(3)

قوله (وَلا تُجْزِئُ الْعَوْرَاءُ، الْبَيِّنُ عَوَرُهَا):

هذا هو الشرط الثاني من الشروط المعتبرة في الأضحية وهو السلامة من العيوب.

فائدة: في شروط الأضحية

:519

الجزء: 3 - الصفحة: 184

وَلا الْعَجْفَاءُ الَّتِيْ لا تُنْقِيْ (1)، وَلا الْعَرْجَاءُ، الْبَيِّنُ ظَلَعُهَا (2)  1 - أن تكون من بهيمة الأنعام (الإبل - البقر - الغنم).
2 - أن تبلغ السن المعتبرة شرعاً.
3 - أن تكون سالمة من العيوب.
4 - أن تكون في الوقت المحدد وهو بعد صلاة العيد إلى غروب شمس الثالث عشر من ذي الحجة.
وقوله (الْعَوْرَاءُ، الْبَيِّنُ عَوَرُهَا): الحكمة في ذلك تشويه المنظر من وجه وقلة الغذاء من وجه آخر لأنها لا تنظر إلا من جانب واحد فيقل استيعابها بالغذاء.
ودليل ما ذكره المؤلف وما سيذكره لاحقاً حديث البراء بن عازب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل ما يتقى من الضحايا؟ فقال: (الْعَرْجَاءُ الْبَيِّنُ ظَلْعُهَا وَالْعَوْرَاءُ الْبَيِّنُ عَوَرُهَا وَالْمَرِيضَةُ الْبَيِّنُ مَرَضُهَا وَالْعَجْفَاءُ الَّتِي لا تُنْقِي) (1).

(1)

قوله (وَلا الْعَجْفَاءُ الَّتِيْ لا تُنْقِيْ):

العجفاء هي الهزيلة التي لا مخ فيها، وعدم الإجزاء بها لأنها ضعيفة البنية كريهة المنظر، ومعنى لا تنقى أي ليس فيها نقئُ وهو المخ، أما إن كانت هزيلة ولم يحصل الهزال إلى داخل العظم فإنها تجزئ.
(2)

قوله (وَلا الْعَرْجَاءُ، الْبَيِّنُ ظَلَعُهَا):

وهي التي لا تطيق المشي مع الصحيحة، أما إذا كانت عرجاء وتمشي مع الصحيحة فهذه ليس عرجها بيِّناً، لكن كلما كملت كان أحسن.520

الجزء: 3 - الصفحة: 185

وَلا الْمَرِيْضَةُ، الْبَيِّنُ مَرَضُهَا (1)، وَلا الْعَضْبَاءُ الَّتِيْ ذَهَبَ أَكْثَرُ أُذُنِهَا أَوْ قَرْنِهَا (2)، وَتُجْزِئُ الْبَتْرَاءُ (3)،  والحكمة في كونها لا تجزئ لأنها إذا كانت على هذه الصفة فإنها قد تتخلف عن البهائم في المرعى، ولا تأكل كل ما يكفيها، ويلزم من ذلك أن تكون هزيلة في الغالب.

(1)

قوله (وَلا الْمَرِيْضَةُ، الْبَيِّنُ مَرَضُهَا):

أي لا تجزئ المريضة البيّن مرضها، وعدم إجزائها ثابت بدليل النص كما في حديث البراء بن عازب المتقدم، ولعل الحكمة من عدم إجزائها لأنه يخشى على الإنسان عند أكله من لحمها فيتأثر به.

فائدة: الميشومة: وهي التي انتفخ بطنها

ولم تخرج منه الريح نتيجة لأكل التمر مثلاً، فهنا نقول إذا تبرزت جاز التضحية بها وإلا فلا لأن مرضها بيِّن.
(2)

قوله (وَلا الْعَضْبَاءُ الَّتِيْ ذَهَبَ أَكْثَرُ أُذُنِهَا أَوْ قَرْنِهَا):

دليل ما ذكره المؤلف ما رواه أحمد وغيره عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال (نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنْ يُضَحَّى بِعَضْبَاءِ الْقَرْنِ وَالأُذُنِ) (1). وهذا الحديث فيه ضعف، ولذا فالأظهر عندي أن العضباء يجوز الأضحية بها.
وهذا هو اختيار شبخنا ابن عثيمين رحمه الله (2).

(3)

قوله (وَتُجْزِئُ الْبَتْرَاءُ):

الأبتر مقطوع الذَنَب، وقطع الذنب إما أن يكون خلقة أي أن أصل خلقته بلا ذَنَب، وإما أن يكون قد قطعه أحد وقد فرَّق بعض أهل العلم بين كونها مقطوعة خلقة وبين كونها مقطوعة بفعل، =521522

الجزء: 3 - الصفحة: 186

وَالْجَمَّاءُ (1)، وَالْخَصِيُّ (2)، وَمَا شُقَّتْ أُذُنُهَا، أَوْ خُرِقَتْ أَوْ قُطِعَ أَقَلُّ مِنْ نِصْفِهَا (3)، وَالسُّنَّةُ نَحْرُ الإِبِلِ قَائِمَةً مَعْقُوْلَةً يَدُهَا الْيُسْرَى (4)،  = فأجازوا الأول ولم يجيزوا الثاني.
والصحيح عندي: جواز الأمرين.

فائدة: ما قطعت إليته لا يجوز التضحية به

إلا ما كان في أصل خلقته أنه بلا إلية كالغنم الاسترالية التي ليس لها إلية، فهنا يجوز الضحية بها.
(1)

قوله (وَالْجَمَّاءُ):

أي ويجزئ الأضحية بالجماء، وتسمى الجلحاء، وهي التي خلقت بلا قرن.
لكن أيهما أفضل التضحية بذات القرن أم الجماء؟ الجواب: ذات القرن أفضل بلا شك لأن النبي صلى الله عليه وسلم ضحى بكبشين أقرنين.

(2)

قوله (وَالْخَصِيُّ):

وهو ما قطعت خصيتاه فيجزئ مع أنه ناقص الخلقة، أما إذا قطع مع الخصيتين الذكر فلا يجزئ ويسمى (الخصي المجبوب).
(3)

قوله (وَمَا شُقَّتْ أُذُنُهَا، أَوْ خُرِقَتْ أَوْ قُطِعَ أَقَلُّ مِنْ نِصْفِهَا):

فتجزئ الأضحية بها، لكن حدد الفقهاء القدر الذي تجزئ فيه الأضحية عند شق أذنها وخرقه بالنصف كما ذكر المؤلف، أما ما زاد عن النصف فإنه لا يجزئ.
والصحيح: أن الأصل الإجزاء حتى يقوم الدليل على عدم الإجزاء، ومع قولنا بالجواز إلا أن مراعاة الأكمل في الأضحية هو الأفضل.

(4)

قوله (وَالسُّنَّةُ نَحْرُ الإِبِلِ قَائِمَةً مَعْقُوْلَةً يَدُهَا الْيُسْرَى):

هذا هو السنة لفعل النبي صلى الله عليه وسلم ذلك قال تعالى {فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا) 523 ومعنى وجبت سقطت على الأرض، وتكون اليسرى هي المعقولة، لأن الذابح يأتيها من =

الجزء: 3 - الصفحة: 187

وَذَبْحُ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ (1)، وَيَقُوْلُ عِنْدَ ذلِكَ: بِسْمِ اللهِ وَاللهُ أَكْبَرُ (2)  = الجهة اليمنى، لكن إذا لم يستطع أن يفعل السنة فلا حرج أن ينحرها كيفما شاء.

(1)

قوله (وَذَبْحُ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ):

أي ويسن ذبح البقر والغنم على صفاحهما لما جاء في صحيح البخاري ومسلم عن أنس رضي الله عنهقال (ضَحَّى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِكَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ أَقْرَنَيْنِ ذَبَحَهُمَا بِيَدِهِ وَسَمَّى وَكَبَّرَ وَوَضَعَ رِجْلَهُ عَلَى صِفَاحِهِمَا) (1). إذاً فالسنة عند الذبح أن يريح الذبيحة على الجانب الأيسر فيضع رجله على الجانب الأيمن ليكون أسهل على الذابح في أخذ السكين باليمين وإمساك رأسها بيده اليسرى.
لكن إن كان الذابح أعسر - يعني يذبح بيده اليسرى -، فهنا يضجعها على جانبها الأيمن ولا حرج عليه في ذلك.

(2)

قوله (وَيَقُوْلُ عِنْدَ ذلِكَ: بِسْمِ اللهِ وَاللهُ أَكْبَرُ):

أي عند إرادته للذبح.
وقد اختلف الفقهاء في حكم التسمية عند الذبح على أربعة أقوال: فقيل: بأنها سنة.
وقيل: بأنها واجبة وتسقط بالنسيان والجهل في الذبيحة والصيد.
وقيل: هي شرط في الذبيحة والصيد لكن تسقط سهواً في الذبيحة ولا تسقط سهواً في الصيد.
وقيل: هي شرط في الذبيحة والصيد لا تسقط بالنسيان والجهل.
والراجح عندي: أنه إن ترك التسمية عمداً فإنها لا تحل.524

الجزء: 3 - الصفحة: 188

اللَّهُمَّ هَذَا مِنْكَ وَلَكَ (1) وَلا يُسْتَحَبُّ أَنْ يَذْبَحَهَا إِلاَّ مُسْلِمٌ (2)، وَإِنْ ذَبَحَهَا صَاحِبُهَا فَهُوَ أَفْضَلُ (3)،  =وإن تركها سهواً فإنها تحل لعموم قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا .. ﴾ (1)، وقوله صلى الله عليه وسلم (إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ) (2). أما قول (الله أكبر)، فهو سنة عند الذبح وليس بواجب.

(1)

قوله (اللَّهُمَّ هَذَا مِنْكَ وَلَكَ):

لورود ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا سنة عند الذبح.
ومعنى (اللَّهُمَّ هَذَا مِنْكَ) بمعنى عطاء ورزقاً، وقوله (وَلَكَ) يعني تعبداً، وشرعاً، وإخلاصاً، فهو من الله وهو الذي مَنّ به، وهو الذي أمرنا أن نتعبد له بنحره أو ذبحه.
(2)

قوله (وَلا يُسْتَحَبُّ أَنْ يَذْبَحَهَا إِلاَّ مُسْلِمٌ):

فلا يصح أن يذبحها كتابي ولا غيره لأنها عبادة لم يصح أن يوكل بها غير المسلم، لأن غير المسلم ليس من أهل العبادة والقربة لأنه كافر ولا تقبل عبادته.
أما لو ذبح ذبيحة عادية ليست بعباده فإنه يجوز.
وقوله (وَلا يُسْتَحَبُّ) أي يكره أن يذبحها غير المسلم، فإن ذبحها حلت الذبيحة مع الكراهة.

(3)

قوله (وَإِنْ ذَبَحَهَا صَاحِبُهَا فَهُوَ أَفْضَلُ):

أي الأفضل أن يتولى ذبح أضحيته وكذا هديه ولو امرأة وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتولى ذبح هديه وأضحيته بنفسه.525526

الجزء: 3 - الصفحة: 189

وَوَقْتُ الذَّبْحِ يَوْمَ الْعِيْدِ بَعْدَ صَلاةِ الْعِيْدِ (1)، أَوْ قَدْرِهَا (2)  (1)

قوله (وَوَقْتُ الذَّبْحِ يَوْمَ الْعِيْدِ بَعْدَ صَلاةِ الْعِيْدِ):

هذا مبدأ وقت ذبح الأضحية والهدي الواجب، وكذا التطوع بعد صلاة العيد لمن عليه صلاة عيد أو قدرها كما سيذكره المؤلف، والأفضل أن يكون الذبح بعد الصلاة والخطبة معاً.
أما لو صلى ثم انطلق فذبح أضحيته بعد الصلاة فلا حرج في ذلك، المهم أن تقع بعد الصلاة لقوله صلى الله عليه وسلم فيما رواه البخاري ومسلم عن جندب بن سفيان البجلي قال شهد النبي صلى الله عليه وسلم يوم النحر قال (مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ فَلْيُعِدْ مَكَانَهَا أُخْرَى وَمَنْ لَمْ يَذْبَحْ فَلْيَذْبَحْ) (1). ولمسلم عن أنس رضي الله عنه قال (خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَوْمَ أَضْحًى قَالَ فَوَجَدَ رِيحَ لَحْمٍ فَنَهَاهُمْ أَنْ يَذْبَحُوا قَالَ مَنْ كَانَ ضَحَّى فَلْيُعِدْ) (2). وروى البخاري ومسلم أيضاً عن البراء مرفوعاً ( .. مَنْ ضَحَّى قَبْلَ الصَّلاةِ فَإِنَّمَا ذَبَحَ لِنَفْسِهِ وَمَنْ ذَبَحَ بَعْدَ الصَّلاةِ فَقَدْ تَمَّ نُسُكُهُ وَأَصَابَ سُنَّةَ الْمُسْلِمِينَ) (3).

(2)

قوله (أَوْ قَدْرِهَا):

أي إلى قدر الصلاة لا الخطبة، وهذا يكون في حق من لم تلزمه صلاة العيد كأهل البوادي وغيرهم.527528529

الجزء: 3 - الصفحة: 190

إِلَى آخِرِ يَوْمَيْنِ مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيْقِ (1)، وتَتَعَيَّنُ الأُضْحِيَّةُ بِقَوْلِهِ: هَذِهِ أُضْحِيَّةٌ، وَالْهَدْيُ بِقَوْلِهِ: هَذَا هَدْيٌ (2)،  (1)

قوله (إِلَى آخِرِ يَوْمَيْنِ مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيْقِ):

أيام التشريق ثلاثة: الحادي عشر، والثاني عشر، والثالث عشر من ذي الحجة.
والمؤلف يرى أن آخر وقت للأضحية هو آخر يوم الثاني عشر.
وقد اختلف الفقهاء في هذه المسألة على أقوال: الأول: أن آخر موعد للأضحية هو يوم العيد فقط لأنه هو اليوم الذي يسمى يوم النحر.
الثاني: أن شهر ذي الحجة كله محل لذبح الأضحية.
الثالث: أن أيام التشريق الثلاثة تبع يوم العيد.
الرابع: ما ذكره المؤلف هنا.
والراجح عندي: أن أيام الذبح أربعة: يوم النحر، والثلاثة الأيام التي بعده لقول النبي صلى الله عليه وسلم (كُلُّ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ ذَبْحٌ) (1). ولقوله أيضاً (أَيَّامُ التَّشْرِيقِ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ)، وَزَادَ فِيهِ (وَذِكْرٍ لِلَّهِ) (2). فأيام التشريق كلها يشرع فيها عبادات لم تشرع في غيرها، والذبح داخل في هذه العبادات.

(2)

قوله (وتَتَعَيَّنُ الأُضْحِيَّةُ بِقَوْلِهِ: هَذِهِ أُضْحِيَّةٌ، وَالْهَدْيُ بِقَوْلِهِ: هَذَا هَدْيٌ):

أي الأضحية والهدي يتعينان بالقول لا يتعينان بالنية ولا بالشراء، بل لا بد فيها من القول الدال على التعيين كأن يقول هذه أضحية، أو هذا هدي، أو =530531

الجزء: 3 - الصفحة: 191

أَوْ إِشْعَارِهِ وَتَقْلِيْدِهِ مَعَ النِّيَّةِ (1)،  = يكون بالفعل، وهو خاص بالهدي دون الأضحية وهو كما سيذكره المؤلف الإشعار أو التقليد أو الإشعار مع النية، أما مجرد النية دون فعل فلا يتعين، وهذا هو رأي شيخنا محمد بن صالح العثيمين رحمه الله (1). ويرى بعض أهل العلم أنه يجزئ في التعيين النية فقط.
والراجح عندي: ما ذهب إليه المؤلف وشيخنا رحمهما الله.

(1)

قوله (أَوْ إِشْعَارِهِ وَتَقْلِيْدِهِ مَعَ النِّيَّةِ):

أي ومن وسائل التعيين للهدي الإشعار: وهو أن يشق سنام البعير حتى يخرج الدم ويسيل على الشعر، فإن رآه أحد عرف أنه معد للنحر.
أما التقليد: فهو أن يقلده بالنعال والثياب الخلقة وما شابه ذلك مما يوضع في عنق البهيمة التي يراد الهدي بها، وهذا كان أمراً معروفاً في عهد النبي صلى الله عليه وسلم.
وقد ذهب الحنفية (2) إلى عدم جواز الإشعار لنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن تعذيب الحيوان كما جاء ذلك في صحيح البخاري، ولأن في الإشعار إيلاماً فهو كقطع عضو منه.
وقال مالك إن كانت البقرة ذات سنام فيجوز إشعارها وإلا فلا.
وقوله (بالنية) أي لا بد مع التقليد والإشعار من النية، فلا يكفي مجرد الإشعار أو التقليد لأنها يمكن أن تكون لغير الأضحية والهدي.

فائدة (1): متى تعين الهدي أو الأضحية فإنه لا يجوز بيعها ولا هبتها

لأنها صارت صدقة كالوقف لا يجوز بيعه ولا هبته، ولا يجوز كذلك التصدق =532533

الجزء: 3 - الصفحة: 192

وَلا يُعْطَى الْجَازِرُ بِأُجْرَتِهِ شَيْئًا مِنْهَا (1)  = بها، بل لا بد أن يذبحها.

فائدة (2): من رأى فقراء فأعطاهم هديه أو أضحيته قبل ذبحها؟

فإنه لا يجوز بل لا بد أن يذبح ثم إن شاء أعطاهم وتصدق به عليهم أو إن شاء أبقاه فهو بالخيار.

فائدة (3): إذا أراد المضحي أن يبدل أضحيته بخير منها

فلا بأس لأن هذا أنفع للفقراء وأثمن غالباً هذا إذا أراد إبدالها، أما إن أراد أن يبيعها ثم يشتري بثمنها أفضل منها فإن الأولى عدم بيعها لأنه قد لا يتيسر له أن يشتري غيرها أو يأخذه الطمع فيمتنع عن أضحيته.
(1)

قوله (وَلا يُعْطَى الْجَازِرُ بِأُجْرَتِهِ شَيْئًا مِنْهَا):

وذلك لحديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال (أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عله وسلم أَنْ أَقُومَ عَلَى بُدْنِهِ وَأَنْ أَتَصَدَّقَ بِلَحْمِهَا وَجُلُودِهَا وَأَجِلَّتِهَا وَأَنْ لا أُعْطِيَ الْجَزَّارَ مِنْهَا) (1). أما إن أعطاه منها هدية أو صدقة فهذا يجوز.
وإن كان هذا الجازر يجعل تسعيره لذبحه فيقول الذبح بعشرة ريالات مثلاً فيعطيه العشرة ريالات ولا يجوز إعطاءه بقيمة العشرة ريالات شيئاً من الأضحية.

فائدة (1): لا يجوز الانتفاع من الأضحية بصوفها

إلا إذا كان في جزه نفع لها فإنه يجزه، وهل إذا جزه له أن ينتفع به؟ قولان: أصحهما أنه يجوز له أن ينتفع به لأنه إذا كان له أن ينتفع بالجلد كاملاً فالشعر من باب أولى.534

الجزء: 3 - الصفحة: 193

وَالسُّنَّةُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ أُضْحِيَّتِهِ ثُلُثَهَا، وَيُهْدِيْ ثُلُثَهَا، وَيَتَصَدَّقَ بِثُلُثِهَا (1)  -

فائدة (2): لا يجوز بيع جلد الأضحية ورأسها ولا رجلها ولا كبدها

لأنها تعينت لله بجميع أجزائها وله الانتفاع بذلك كله.
(1)

قوله (وَالسُّنَّةُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ أُضْحِيَّتِهِ ثُلُثَهَا، وَيُهْدِيْ ثُلُثَهَا، وَيَتَصَدَّقَ بِثُلُثِهَا):

وذلك لأجل أن يكون انتفاع الناس على اختلاف طبقاتهم في هذه الأضحية.
وقوله (وَالسُّنَّةُ أَنْ يَأْكُلَ) هذا هو قول الجمهور، وذهب بعض أهل العلم إلى وجوب الأكل منها لقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ (1)، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم (أَمَرَ مِنْ كُلِّ جَزُورٍ بِبَضْعَةٍ فَجُعِلَتْ فِي قِدْرٍ فَأَكَلُوا مِنْ اللَّحْمِ وَحَسَوْا مِنْ الْمَرَقِ) (2). والأظهر عندي: عدم الوجوب، لكن لا ينبغي للإنسان أن يدع الأكل من أضحيته وذلك لفعل النبي صلى الله عليه وسلم، ولأن هذا عنوان على شكر نعمة الله سبحانه وتعالى.

فائدة (1): الفرق بين الصدقة والهدية

: أن ما قصد به التودد والألفة فهو هدية، وما قصد به التقرب إلى الله فهو صدقة.

فائدة (2): لو كانت الأضحية ليتيم

فإنه يأكل منها ويهدي ويتصدق.
وقال بعض العلماء: لا يكون من ذلك إلا مقدار الواجب فقط، وهو أقل ما يقع عليه اسم اللحم، لأن مال اليتيم لا يجوز التبرع منه والصحيح القول الأول.

فائدة (3): هل يشرع أن يضحي من مال اليتيم؟

535536 الجزء: 3 - الصفحة: 194

وَإِنْ أَكَلَ أَكْثَرَ جَازَ (1) وَلَهُ أَنْ يَنْتَفِعَ بِجِلْدِهَا وَلا يَبِيْعُهُ، وَلا شَيْئًا مِنْهَا (2)، فَأَمَّا الْهَدْيُ فَإِنْ كَانَ تَطَوُّعًا، اسْتُحِبَّ لَهُ الأَكْلُ مِنْهُ (3)  الجواب: إن كان قد جرى العادة أنه يضحي من مال اليتيم وأنه إن لم يضح انكسرت قلوب اليتامى فهنا يضحي لأن الأضحية من باب النفقة بالمعروف.

(1)

قوله (وَإِنْ أَكَلَ أَكْثَرَ جَازَ):

أي إن أكل أكثر من الثلث جاز، لكن يجب أن يتصدق ولو بالقليل من الأضحية.
لكن إن أكلها كلها ولم يتصدق منها: فقد قال بعض أهل العلم فإنه يضمن أقل ما يقع عليه اسم اللحم.
وقال بعض أهل العلم: إن أكلها كلها ولم يتصدق بوزن أوقية فإنه يضمن الأوقية لأن الله تعالى قال: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِير﴾ (1).

(2)

قوله (وَلَهُ أَنْ يَنْتَفِعَ بِجِلْدِهَا وَلا يَبِيْعُهُ، وَلا شَيْئًا مِنْهَا):

ذكرنا أنه لا يجوز بيع جلد الضحية، لكن يجوز أن ينتفع به، وكذا يجوز هبته أو التصدق به وذلك لأنها تعينت لله بجميع أجزائها، وما تعين منه فلا يجوز أخذ العوض عليه.
أما دليل عدم بيع جلد الأضحية فما رواه أحمد وغيره عن أبي سعيد أن قتادة بن النعمان أخبره أن النبي صلى الله عليه وسلم قام فقال (إِنِّي كُنْتُ أَمَرْتُكُمْ أَنْ لا تَأْكُلُوا الأَضَاحِيَّ فَوْقَ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ لِتَسَعَكُمْ وَإِنِّي أُحِلُّهُ لَكُمْ فَكُلُوا مِنْهُ مَا شِئْتُمْ قَالَ وَلا تَبِيعُوا لُحُومَ الْهَدْيِ وَالأَضَاحِيِّ فَكُلُوا وَتَصَدَّقُوا وَاسْتَمْتِعُوا بِجُلُودِهَا وَإِنْ أُطْعِمْتُمْ مِنْ لُحُومِهَا شَيْئًا فَكُلُوهُ إِنْ شِئْتُمْ) (2).

(3)

قوله (فَأَمَّا الْهَدْيُ فَإِنْ كَانَ تَطَوُّعًا، اسْتُحِبَّ لَهُ الأَكْلُ مِنْهُ):

وذلك لفعله =537538

الجزء: 3 - الصفحة: 195

لأَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أَمَرَ مِنْ كُلِّ جَزُوْرٍ بِبِضْعَةٍ فَطُبِخَتْ، وَأَكَلَ مِنْ لَحْمِهَا، وَحَسَا مِنْ مَرَقِهَا (1) وَلا يَأْكُلُ مِنْ كُلِّ وَاجِبٍ إِلاَّ مِنْ هَدْيِ الْمُتْعَةِ وَالْقِرَانِ (2)، وَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم مَنْ أَرَادَ أَنْ يُضَحِّيَ فَدَخَلَ الْعَشْرُ، فَلا يَأْخُذْ مِنْ شَعَرِهِ وَلا مِنْ بَشَرَتِهِ شَيْئًا حَتَّى يُضَحِّيَ (3)  = صلى الله عليه وسلم كما سبق وهذا مجمع عليه.

(1)

قوله (لأَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أَمَرَ مِنْ كُلِّ جَزُوْرٍ بِبِضْعَةٍ فَطُبِخَتْ، وَأَكَلَ مِنْ لَحْمِهَا، وَحَسَا مِنْ مَرَقِهَا):

حسا يعني شرب من مرقها، وهذا الحديث عند مسلم، وهو قطعة من حديث جابر بن عبد الله الطويل.
(2)

قوله (وَلا يَأْكُلُ مِنْ كُلِّ وَاجِبٍ إِلاَّ مِنْ هَدْيِ الْمُتْعَةِ وَالْقِرَانِ):

ذكرنا سابقاً أن من الهدي ما يجوز الأكل منه ومنه مالا يجوز الأكل منه، فما يجوز الأكل منه مثل هدي التمتع والقرآن، وما لا يجوز الأكل منه مثل فدية الأذى أو الفدية المترتبة على ترك واجب أو فعل محظور.
أما الأكل من هدي التمتع والقرآن فيشرع لفعل النبي صلى الله عليه وسلم قالت عائشة رضي الله عنها ( .. فَدُخِلَ عَلَيْنَا يَوْمَ النَّحْرِ بِلَحْمِ بَقَرٍ فَقُلْتُ مَا هَذَا فَقِيلَ ذَبَحَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عَنْ أَزْوَاجِهِ) 539. (3) قوله (وَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم مَنْ أَرَادَ أَنْ يُضَحِّيَ فَدَخَلَ الْعَشْرُ، فَلا يَأْخُذْ مِنْ شَعَرِهِ وَلا مِنْ بَشَرَتِهِ شَيْئًا حَتَّى يُضَحِّيَ): هذا الحديث فيه دليل على نهي من أراد أن يضحي ودخل العشر من ذي الحجة أن يأخذ من شعره ولا من أظفاره ولا من بشرته شيئاً.

الجزء: 3 - الصفحة: 196

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  واختلف الفقهاء في حمل النهي هنا، هل يحمل على التحريم أم الكراهة؟ والأظهر عندي: أنه للتحريم.

فائدة: التحريم الوارد في الحديث خاص بمن يضحي

، أما أهل البيت فلا يحرم عليهم ذلك، وكذلك من وكَّل إنساناً على أن يضحي عنه فإن النهي يرد على الموكل، أما الوكيل فلا يحرم عليه ذلك.

الجزء: 3 - الصفحة: 197

بَابُ العَقِيْقَةِ

(1) وَهِيَ سُنَّةٌ (2) عَنِ الْغُلامِ شَاتَانِ مُكَافِئَتَانِ، وَعَنِ الْجَارِيَةِ شَاةٌ (3)  (1)

قوله (بَابُ العَقِيْقَةِ):

العقيقة: تسمى النسيكة، سميت عقيقة لأنها تقطع عروقها عند الذبح.
(2)

قوله (وَهِيَ سُنَّةٌ):

أي سنة مؤكدة لقوله صلى الله عليه وسلم (الْغُلامُ مُرْتَهَنٌ بِعَقِيقَتِهِ يُذْبَحُ عَنْهُ يَوْمَ السَّابِعِ .. ) (1)، وفي رواية (كُلُّ غُلامٍ رَهِينَةٌ بِعَقِيقَتِهِ تُذْبَحُ عَنْهُ يَوْمَ سَابِعِهِ وَيُحْلَقُ وَيُسَمَّى) (2)، ومعنى (مرتهن) - رهينة - قيل لا ينمو نمو مثله حتى يعق عنه.
أما الحكمة في مشروعيتها: فقد قال بعض أهل العلم: إنما شرعت شكراً لله تعالى على نعمة الولد، ولإظهار البشر، ونشر النسب.
وذهب الظاهرية (3)، وهي رواية في مذهب أحمد (4) إلى أن العقيقة واجبة، واحتجوا لذلك بنفس أدلة من قال بالسُنِّية.
والراجح عندي: ما ذهب إليه الجمهور، لكن لا ينبغي للإنسان تركها.

(3)

قوله (عَنِ الْغُلامِ شَاتَانِ مُكَافِئَتَانِ، وَعَنِ الْجَارِيَةِ شَاةٌ):

دليل ذلك حديث أم كرز الخزاعية رضي الله عنها قالت: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول في العقيقة (عَنْ الْغُلامِ شَاتَانِ مُتَكَافِئَتَانِ وَعَنْ الْجَارِيَةِ شَاةٌ) 544.540541542543

الجزء: 3 - الصفحة: 198

تُذْبَحُ يَوْمَ سَابِعِهِ (1)،  -

فائدة (1): العقيقة هي أحد المواضع التي يكون فيها الرجل على ضعف المرأة

، وهناك مواضع أخرى كالفرائض، والدية، والشهادة، والعتق، والصلاة لأن أكثر الحيض خمسة عشر يوماً على المشهور عند أكثر العلماء، وكذلك في العطية.

- فائدة (2): لو أن عند إنسان سبع بنات هل يجزئ أن يذبح عنهن بعيراً؟

الجواب: ذهب الشافعية (1) إلى أنه يجزئ فيها المقدار الذي يجزئ في الأضحية وأقله شاة كاملة، أو السُبع من بدنة أو من بقرة.
وذهب المالكية (2)، والحنابلة (3) إلى أنه لا تجزيء في العقيقة إلا بدنة كاملة، أو بقرة كاملة، وهذا اختيار شيخنا رحمه الله (4).

فائدة (3): وهل يشرع الزيادة عن الشاتين للذكر؟

قال سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم رحمه الله (5) ولا يزيد على اثنتين إلا إن كان من يريد دعوتهم كثيرين، والثنتان لا تكفيهم فلا بأس.
وقال سماحة شيخنا ابن باز رحمه الله (6) السنة في العقيقة للغلام ثنتان، ولكن إن كان الضيوف كثيرين وزاد على ذلك فلا بأس، والزيادة للضيافة لا للعقيقة.

(1)

قوله (تُذْبَحُ يَوْمَ سَابِعِهِ):

وإن ذبحه قبل السابع جاز بخلاف ما ذهب إليه =545546547548549550

الجزء: 3 - الصفحة: 199

وَيُحْلَقُ رَأْسُهُ وَيُتَصَدَّقُ بِوَزْنِهِ وَرِقًا (1)،  = الحنفية (1)، والمالكية (2) إلا أن وقت العقيقة يكون يوم السابع ولا يكون قبله.
لكن من أين تحسب أيام الولادة؟ ذهب جمهور الفقهاء إلى أن وقت الولادة يحسب من السبعة ولا تحسب الليلة التي ولدتها إن ولد ليلاً، بل يحسب اليوم الذي يليها.
وقال المالكية لا يحسب يوم الولادة في حق من ولد بعد الفجر، أما من ولد مع الفجر أو وقته فإنه يحسب.

(1)

قوله (وَيُحْلَقُ رَأْسُهُ وَيُتَصَدَّقُ بِوَزْنِهِ وَرِقًا):

أي فضة؛ وهذا مجمع عليه عند أهل العلم دليل ذلك ما رواه أحمد وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لفاطمة لما ولدت الحسين (احْلِقِي رَأْسَهُ وَتَصَدَّقِي بِوَزْنِ شَعْرِهِ مِنْ فِضَّةٍ عَلَى الْمَسَاكِينِ) (3). وهل يستوي في ذلك الذكر والأنثى يعني في الحلق؟ قولان للفقهاء: فقيل لا فرق في استحباب الحلق بين الذكور والإناث.
وقيل: بل الحلق يختص به الذكور دون الإناث، لأن الإناث يكره في حقهن الحلق.
وهذا هو الأظهر عندي.

فائدة: حلق رأس الغلام إنما يكون لمن أمكنه ذلك

بأن يوجد حلاق يمكنه أن يحلق رأس الصبي، فإن عُدِمَ الحلاق أو خيف على الولد من حلق رأسه من قبل الحلاق فهنا يتصدق بما يقارب وزن شعر الرأس فضة.551552553

الجزء: 3 - الصفحة: 200

فَإِنْ فَاتَ، فَفِيْ أَرْبَعَ عَشْرَةَ، فَإِنْ فَاتَ، فَفِيْ أَحَدَ وَعِشْرِيْنَ (1) وَيَنْزِعُهَا أَعْضَاءً، وَلا يَكْسِرُ لَهَا عَظْمًا (2)  (1)

قوله (فَإِنْ فَاتَ، فَفِيْ أَرْبَعَ عَشْرَةَ، فَإِنْ فَاتَ، فَفِيْ أَحَدَ وَعِشْرِيْنَ):

العقيقة لا تفوت بفوات وقتها المسنون، فإن فات وقتها في السابع سن ذبحها في الرابع عشر، فإن فات ذبحها فيه انتقلت إلى الحادي والعشرين من ولادة المولود، فيسن ذبحها فيه، وهذا مروي عن عائشة - رضي الله عنها - لكن الأثر ضعيف.
قلت: فإن فات الحادي والعشرون ففي أي يوم تيسر للإنسان فيه الذبح.

فائدة (1): من بلغ من الأولاد ولم يعق عنه أحد

فيندب أن يعق عن نفسه.

- فائدة (2): إذا خرج المولود ميتاً قبل نفخ الروح

فلا يعق عنه، وإذا خرج ميتاً بعد نفخ الروح فقولان: أرجحهما أنه يعق عنه.
وإذا خرج حيًّا ثم مات قبل السابع: فقولان أيضاً: أرجحهما أنه يعق عنه.

(2)

قوله (وَيَنْزِعُهَا أَعْضَاءً، وَلا يَكْسِرُ لَهَا عَظْمًا):

أي إن أراد تقطيعها فالمستحب في ذلك أن يجزئها بحسب أعضائها، وإنما يقطعها مع مفاصلها فيجعل الرجل لوحدها واليد لوحدها وهكذا ثم تطبخ وتؤكل هكذا.
وعلل الفقهاء ذلك بأنه تفاؤل بالسلامة لهذا المولود، دليل ذلك ما ذكره المؤلف وهو ما جاء عن عائشة رضي الله عنها قالت لمن أرادت أن تعق بجزء (لا بل السنة عن الغلام شاتان مكافئتان وعن الجارية شاة يطبخ جدولا ولا يكسر لها عظم فيأكل ويطعم ويتصدق يفعل ذلك في اليوم السابع، فإن لم يفعل ففي أربع عشرة، فإن لم يفعل ففي إحدى وعشرين) 554.

الجزء: 3 - الصفحة: 201

وَحُكْمُهَا حُكْمُ الأُضْحِيَّةِ فِيْمَا سِوَى ذلِكَ (1)  (1)

قوله (وَحُكْمُهَا حُكْمُ الأُضْحِيَّةِ فِيْمَا سِوَى ذلِكَ):

أي أن العقيقة كالأضحية في أكثر الأحكام ومنها: 1 - أنه لا بد أن تكون من بهيمة الأنعام، فلا تصح بدجاج ولا نحوه.
2 - لا بد أن تبلغ السن المعتبرة وهي كما ذكرنا ستة أشهر في الضأن، وسنة في المعز، وسنتان في البقر، وخمس سنين في الإبل.
3 - أن تكون سليمة من العيوب المانعة من الإجزاء كالعور البين والمرض البيّن وغيره مما سبق في باب الأضحية، أما ما تخالفها فيه فمن ذلك: أن طبخها أفضل من توزيعها نيئة لأن ذلك أسهل لمن أطعمت له.
أنه لا يكسر عظمها وهذا خاص بها.
أنه لا يجزئ فيها شرك دم كما سبق بيانه.

الجزء: 3 - الصفحة: 202

وَبَلُ الغَمَامَةِ في شَرْحِ عُمْدَةِ الفِقْهِ لابْنِ قُدَامَة شرح لعبارة المؤلف مع التمثيل لها والاستدلال وتخريج الأحاديث وذكر أقوال أهل العلم وبيان الراجح في كل مسألة (من كتاب البيع إلى نهاية باب الشفعة) تأليف الأستاذ الدكتور/ عبد الله بن محمد بن أحمد الطيار أستاذ الدراسات العليا بكلية الشريعة وأصول الدين بجامعة القصيم المملكة العربية السعودية - الزلفي - ص. ب: 188 - الرمز البريدي: 11932 هاتف: 064226000 - فاكس: 064225666 - جوال: 0505123100 موقع منار الإسلام www.m-islam.net البريد الإلكتروني: a@m-islam.net m-islam 1@hotmail.com الجزء الرابع مدار الوطن للنشر

الجزء: 4 - الصفحة: 1

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الجزء: 4 - الصفحة: 2

وَبَلُ الغَمَامَةِ في شَرْحِ عُمْدَةِ الفِقْهِ لابْنِ قُدَامَة (من كتاب البيع إلى نهاية باب الشفعة)

الجزء: 4 - الصفحة: 3

جميع الحقوق محفوظة الطبعة الأولى 1431 هـ - 2010 م مدار الوطن للنشر - الرياض هاتف: 4792042 (5 خطوط) فاكس: 4723941 - ص. ب: 245760 فرع السويدي: هاتف: 4267177 - فاكس: 4267377 منطقة الرياض: 0503269316 المنطقة الغربية: 0504143198 المنطقة الشرقية: 0503193268 المنطقة الشمالية والقصيم: 0504130728 المنطقة الجنوبية: 0504130727 التوزيع الخيري: 0506436804 - 2831453 التسويق والمعارض الخارجية: 0506495625 البريد الإلكتروني: pop@dar-alwatan.com موقعنا على الإنترنت: www.madar-alwatan.com

الجزء: 4 - الصفحة: 4

فصول الكتاب · 25 فصل
فصول وبل الغمامة في شرح عمدة الفقه لابن قدامة
المقدمةالمقدمةكِتَابُ الصَّلاةِكتاب الجنائزكِتَابُ الزَّكَاةِكِتَابُ الصِّيَامِكتاب الحج
قوله (يَجِبُ الْحَجُّ وَالعُمْرَةُ):قوله (مَرَّةً فِي الْعُمُرِ):قوله (عَلَى الْمُسْلِمِ):قوله (الْعَاقِلِ):قوله (الْبَالِغِ):قوله (الْحُرِّ):قوله (إِذَا اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيْلاً):شروط الاستطاعة قسمانقوله (وَالاِسْتِطَاعَةُ أَنْ يَجِدَ زَادًا، وَرَاحِلَةً بِآلَتِهِمَا، مِمَّا يَصْلُحُ لِمِثْلِهِ):قوله (فَاضِلاً عَمَّا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ لِقَضَاءِ دَيْنِهِ):قوله (وَمُؤْنَةِ نَفْسِهِ، وَعِيَالِهِ عَلَى الدَّوَامِ):- فائدة (1): من كان له سكن واسع يَفْضُل عن حاجته بحيث لو باع الجزء الفاضل عن حاجته من الدار الواسعة لوفى ثمنه للحج:قوله (وَيُعْتَبَرُ لِلْمَرْأَةِ وُجُوْدُ مَحْرَمِهَا):ذكر بعض الفوائد المتعلقة بالمحرمفائدة (1): يشترط لوجوب الحج على المرأة أن تكون قادرة على نفقة نفسها ونفقة المحرمفائدة (2): لو امتنع المحرم عن الخروج إلا بأجرة- فائدة (3): اتفق الفقهاء جميعاً على أن حج النفل لا يجوز للمرأة السفر له- فائدة (4): الزوج إذا حجَّ مع امرأته فلها عليه النفقة، نفقة الحضر لا السفر،فائدة (5): هل يجوز للزوج منع زوجته عن الحج؟- فائدة (6): يشترط في المحرم أن يكون رجلاً مأموناً مسلماً بالغاً عاقلاً يحرم على المرأة التأبيدفائدة (7): هل الزوج والمحرم شرط وجوب أم هو شرط للزوم الأداء بالنفس؟قوله (وَهُوَ زَوْجُهَا):قوله (وَمَنْ تَحْرُمُ عَلَيْهِ عَلَى التَّأْبِيْدِ بِنسبَ):قوله (أَوْ سَبَبٍ مُبَاحٍ):قوله (فَمَنْ فَرَّطَ حَتَّى مَاتَ، أُخْرِجَ عَنْهُ مِنْ مَالِهِ، حَجَّةٌ، وَعُمْرَةٌ):فائدة: هل الحج يجب على الفور أم على التراخي؟قوله (وَلا يَصِحُّ الْحَجَّ مِنْ كَافِرٍ):قوله (وَلا مَجْنُوْنٍ):قوله (وَيَصِحُّ مِنَ الصَّبِيِّ، وَالْعَبْدِ):قوله (وَلا يُجْزِئُهُمَا):واختلف الفقهاء في العبد إذا حج بإذن سيده هل إذا اعتق يلزمه حجة أخرى؟قوله (وَيَصِحُّ مِنْ غَيْرِ الْمُسْتَطِيْعِ وَالْمَرْأَةِ بِغَيْرِ مَحْرَمٍ، وَيُجْزِئُهُمَا):قوله (وَمَنْ حَجَّ عَنْ غَيْرِهِ، وَلَمْ يَكُنْ حَجَّ عَنْ نَفْسِهِ، أَوْ عَنْ نَذْرِهِ أَوْ نَفْلِهِ، وَفَعَلَهُ قَبْلَ حَجَّةِ الإِسْلامِ، وَقَعَ حَجُّهُ عَنْ فَرْضِ نَفْسِهِ، دُوْنَ غَيْرهِ):فائدة (1): يشترط في المرأة التي تريد الحج ألا تكون معتدة مدة إمكان السير للحجلكن هل هذا الحكم لكل معتدة؟فائدة (2): لو خالفت المرأة المعتدة وخرجت إلى الحج وهي في العدةفائدة (3): إذا خرجت المرأة من بلدها للحج وطرأت عليها العدةفائدة (4): هل يجوز لمن يقدر على الحج بنفسه أن يستنيب في حج التطوع؟- فائدة (5): من مات أبواه ولم يحجَّابَابُ الْمَوَاقِيْتِقوله (بَابُ الْمَوَاقِيْتِ):فائدة: للحج ميقاتانلكن ما الحكمة من جعل المواقيت المكانية لقاصدي بيت الله العتيق؟قوله (وَمِيْقَاتُ أَهْلِ الْمَدِيْنَةِ: ذُو الْحُلَيْفَةِ):قوله (وَالشَّامِ وَمِصْرَ وَالْمَغْرِبِ: الْجُحْفَةُ):قوله (وَالْيَمَنِ: يَلَمْلَمُ):قوله (وَلِنَجْدٍ: قَرْنٌ):قوله (وَلِلْمَشْرِقِ: ذَاتُ عِرْقٍ):فائدة (2): في تحديد هذه المواقيت- فائدة (3): هذا التعيين فيه آية من آيات نبوة النبي صلى الله عليه وسلم:فائدة (4): أحوال الناس في المواقيت المكانية على ثلاثة أصنافقوله (فَهَذِهِ الْمَوَاقِيْتُ لأَهْلِهَا وَلِكُلِّ مَنْ مَرَّ عَلَيْهَا مِنْ غَيْرِ أَهْلِهَا):قوله (وَمَنْ مَنْزِلُهُ دُوْنَ الْمِيْقَاتِ، فَمِيْقَاتُهُ مِنْ مَوْضِعِهِ):قوله (حَتَّى أَهْلُ مَكَّةَ يُهِلُّوْنَ مِنْهَا لِحَجِّهِمْ):قوله (وَيُهِلُّوْنَ لِلْعُمْرَةِ مِنَ الْحِلِّ):لكن ما الحكمة من جعل إهلالهم للحج من مكانهم وإهلالهم للعمرة من الحل؟فائدة: اختلف الفقهاء في أفضل المواقيت لأهل مكة لمن أراد العمرةقوله (وَمَنْ لَمْ يَكُنْ طَرِيْقُهُ عَلَى مِيْقَاتٍ، فَمِيْقَاتُهُ حَذْوَ أَقْرَبِهَا إِلَيْهِ):فائدة: من مرَّ أو حاذى هذه المواقيت وهو في طريق الجو:من تجاوز الميقات ممن لا يريد النسك له حالتانالأولى: من لا يريد دخول الحرمالثانية: من يريد دخول الحرم إلى مكة أو غيرهاقوله (وَإِنْ جَاوَزَهُ غَيْرَ مُحْرِمٍ):قوله (رَجَعَ فَأَحْرَمَ مِنَ الْمِيْقَاتِ، وَلا دَمَ عَلَيْهِ؛ لأَنَّهُ أَحْرَمَ مِنْ مِيْقَاتِهِ):قوله (فَإِنْ أَحْرَمَ مِنْ دُوْنِهِ، فَعَلَيْهِ دَمٌ، سَوَاءٌ رَجَعَ إِلَى الْمِيْقَاتِ، أَوْ لَمْ يَرْجِعْ):قوله (وَالأَفْضَلُ أَنْ لا يُحْرِمَ قَبْلَ الْمِيْقَاتِ، فَإِنْ فَعَلَ فَهُوَ مُحْرِمٌ):قوله (وَأَشْهُرُ الْحَجِّ: شَوَّالٌ، وَذُو الْقَعْدَةِ، وَعَشْرٌ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ):فائدة (1): في حكم انعقاد الحج قبل أشهره؟- فائدة (3): اتفق الفقهاء على أن من فعل شيئاً من أعمال الحج قبل أشهر الحج لم يجزئه:بَابُ الإِحْرَامِقوله (بَابُ الإِحْرَامِ):لكن اختلف الفقهاء هل هو ركن من أركان الحج أم شرط من شروطه؟فائدة: ما الحكمة من الإحرام؟فائدة: لو اغتسل من أراد الحج أو العمرة في بيتهقوله (وَيَتَنَظَّفَ):قوله (وَيَتَطَيَّبَ):قوله (وَيَتَجَرَّدَ عَنِ الْمَخِيْطِ فِيْ إِزَارٍ وَرِدَاءٍ أَبْيَضَيْنِ نَظِيْفَيْنِ):قوله (ثُمَّ يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ وَيُحْرِمَ عَقِيْبَهُمَا):قوله (وَهُوَ أَنْ يَنْوِيَ الإِحْرَامَ):قوله (وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَنْطِقَ بِمَا أَحْرَمَ بِهِ. وَيَشْتَرِطَ، وَيَقُوْلُ: اللهُمَّ إِنِّيْ أُرِيْدُقوله (فَإِنْ حَبَسَنِيْ حَابِسٌ، فَمَحَلِّيْ حَيْثُ حَبَسْتَنِيْ):ذكر بعض الفوائدفائدة (2): هل للمرأة أن تشترط إذا خافت مجيء الدورة الشهرية لها؟قوله (وَأَفْضَلُهَا التَّمَتُّعُ، ثم الإفراد، ثم القرآن):فائدة: هل التمتع واجب؟قوله (وَالتَّمَتُّعُ: أَنْ يُحْرِمَ بِالْعُمْرَةِ فِيْ أَشْهُرِ الْحَجِّ، وَيَفْرَغُ مِنْهَا، ثُمَّ يُحْرِمَ بِالْحَجِّ فِيْ عَامِهِ): بدأ المؤلف ببيان صفة الأنساك فبدأ بالتمتع لكونه هو الأفضل فذكر فيه ثلاثة أوصاف:قوله (وَالْقِرَانُ: أَنْ يُحْرِمَ بِهِمَا):قوله (أَوْ يُحْرِمَ بِالْعُمْرَةِ ثُمَّ يُدْخِلُ عَلَيْهَا الْحَجَّ):قوله (وَلَوْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ، ثُمَّ أَدْخَلَ عَلَيْهِ العُمْرَةَ، لَمْ يَنْعَقِدْ إِحْرَامُهُ بِالْعُمْرَةِ): هذا هو المشهور في المذهب (1)، وعليه جمهور أهل العلم، وذلك لأن إدخال العمرة على الحج لا يفيد لأنه يدخل الأصغر وهو العمرة على الأكبر وهو الحج، وأفعال الحج هي أعمال العمرة وزيادة وسيبقى على إحرامه إلى يوم العيد.ذكر بعض الفوائدفائدة (1): من أحرم بالعمرة في أشهر الحج- فائدة (2): هل الأفضل للإنسان أن يسوق الهديفائدة (4): عمل المفرد والقارن سواءفائدة (5): من أخذ عمرة في أشهر الحج ثم سافر مسافة قصرقوله (فَإِذَا اسْتَوَى عَلَى رَاحِلَتِهِ لَبَّى):قوله (فَيَقُوْلُ: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ):قوله (لَبَّيْكَ لا شَرِيْكَ لَكَ لَبَّيْكَ):قوله (إِنَّ الحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالمُلْكَ، لا شَرِيْكَ لَكَ):فائدة (1): هل يشرع الزيادة على هذه التلبية؟فائدة (2): هل للإنسان أن يكبر بدل التلبية؟قوله (وَيُسْتَحَبُّ الإِكْثارُ مِنْهَا):لكن كيف يكون رفع الصوت بها؟قوله (لِغَيْرِ النِّسَاءِ):قوله (وَهِيَ آكَدُ فِيْمَا إِذَا عَلا نَشَزًا، أَوْ هَبَطَ وَادِيًا):فائدة: اختلف الفقهاء في هل يلبي وهو جالس أو يلبي وهو سائر؟قوله: (أَوْ سَمِعَ مُلَبِّيًا، أَوْ فَعَلَ مَحْظُوْرًا نَاسِيًا، أَوْ لَقِيَ رَاكِبًا، وَفِيْ أَدْبَارِ الصَّلاةِ، وَبِالأَسْحَارِ، وَإِقْبَالِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ):بَابُ مَحْظُوْرَاتِ الإِحْرَامِقوله (بَابُ مَحْظُوْرَاتِ الإِحْرَامِ):فائدة: المحظورات ثلاثة أقسامالقسم الأول: ما يحرم على الرجال والنساءالقسم الثاني: ما يحرم على الرجال دون النساءالقسم الثالث: ما يحرم على النساء دون الرجالقوله (وَهِيَ تِسْعَةٌ: حَلْقُ الشَّعَرِ، وَقَلْمُ الظُّفُرِ):قوله (فَفِيْ ثَلاثَةٍ مِنْهَا دَمٌ):قوله (وَفِيْ كُلِّ وَاحِدٍ مِمَّا دُوْنَهَا مُدُّ طَعَامٍ، وَهُوَ رُبُعُ الصَّاعِ):فائدة (1): فاعل المحظورات لا يخلو من إحدى ثلاث حالاتفائدة (2): أحوال حلق شعر الرأس بالنسبة للمحرمفائدة (3): هل المتعين في الفدية الدم؟فائدة (4): هل للمحرم أن يحك رأسه؟فائدة (5): المحظورات في الفدية لها أقسامقوله (وَإِنْ خَرَجَ فِيْ عَيْنِهِ شَعَرٌ فَقَلَعَهُ، أَوْ نَزَلَ شَعَرُهُ فَغَطَّى عَيْنَيْهِ، أَوِ انْكَسَرَ ظُفْرُهُ فَقَصَّهُ، فَلا شَيْءَ فِيْهِ):قوله (الثَّالِثُ: لُبْسُ المَخِيْطِ):قوله (إِلاَّ أَنْ لا يَجِدَ إِزَارًا، فَيَلْبَسَ سَرَاوِيْلَ):قوله (أَوْ لا يَجِدَ نَعْلَيْنِ، فَيَلْبَسَ خُفَّيْنِ، وَلا فِدْيَةَ عَلَيْهِ):فائدة (1): هل يلزم قطع الخفين حتى تكون أسفل الكعبين؟- فائدة: هل يلبس المحرم الإزار الذي هو على شكل تنورة؟قوله (الرَّابِعُ: تَغْطِيَةُ الرَّأْسِ، وَالأُذُنَانِ مِنْهُ):ذكر بعض الفوائد- فائدة (2): في حكم لبس القفازين:قوله (الخامِسُ: الطِّيْبُ فِيْ بَدَنِهِ وَثِيَابِهِ):لكن ما الحكمة من نهي المحرم عن التطيب حال إحرامهفائدة (1): هل يجوز شم الطيب للمحرم؟قوله (السَّادِسُ: قَتْلُ صَيْدِ الْبَرِّ):قوله (وَهُوَ: مَا كَانَ وَحْشِيًّا):- فائدة (1) لو استأنس البري هل يجوز للمحرم اصطياده؟فائدة (2) ما يعيش في البر والبحر إلحاقه بالبري أحوطفائدة (3) إذا صاد السمك داخل حدود الحرمقوله (مُبَاحًا):قوله (فَأَمَّا صَيْدُ الْبَحْرِ):قوله (وَالأَهْلِيِّ):قوله (وَمَا حَرُمَ أَكْلُهُ، فَلا شَيْءَ فِيْهِ):قوله (إِلاَّ مَا كَانَ مُتَوَلِّدًا مِنْ مَأْكُوْلٍ وَغَيْرِهِ):- فائدة (1): إذا صاد غير المحرم صيداً فهل يحل للمحرم أكله؟فائدة (2): المحرم إذا صاد الصيد في حال تحريمه عليهفائدة (3): المحرم إذا قتل الصيد فهو حرام عليه وعلى غيرهفائدة (4): من اضطر إلى الأكل فذبح الصيد لذلك- فائدة (5): إذا شارك غير مُحِرمٍ مُحْرماً في قتل صيدقوله (السَّابِعُ: عَقْدُ النِّكَاحِ لا يَصِحُّ مِنْهُ، وَلا فِدْيَةَ فِيْهِ):مسألة (1): في حكم عقد النكاح بعد التحلل الأول:مسالة (2): لو عقد النكاح في حال الإحرام ثم بعد الإحلال دخل رجل بزوجته فأنجبت منه أولادامسألة (3): إذا عقد النكاح وهو لا يدري أن عقد النكاح في حال الإحرام حرامقوله (وَلا فِدْيَةَ فِيْهِ):قوله (الثَّامِنُ: الْمُبَاشَرَةُ لِشَهْوَةٍ فِيْمَا دُوْنَ الْفَرْجِ):قوله (التَّاسِعُ: الْوَطْءُ فِي الْفَرْجِ):قوله (وَوَجَبَ الْمُضِيُّ فِيْ فَاسِدِهِ):قوله (وَالْحَجُّ مِنْ قَابِلٍ):قوله (وَعَلَيْهِ بَدَنَةٌ):قوله (وَإِنْ كَانَ بَعْدَ التَّحَلُّلِ الأَوَّلِ، فَفِيْهِ شَاةٌ):قوله (وَيُحْرِمُ مِنَ التَّنْعِيْمِ؛ لِيَطُوْفَ مُحْرِمًا):وما ذكره المؤلف فيه فائدتانفائدة (1): أن الوطء بعد التحلل الأول لا يفسد الحجفائدة (2): أنه يفسد الإحرام بالوطء بعد جمرة العقبةقوله (وَإِنْ وَطِئَ فِي الْعُمْرَةِ، أَفْسَدَهَا وَعَلَيْهِ شَاةٌ):قوله (وَلا يُفْسِدُ النُّسُكُ بِغَيْرِهِ):قوله (وَالْمَرْأَةُ كَالرَّجُلِ، إِلاَّ أَنَّ إِحْرَامَهَا فِيْ وَجْهِهَا، وَلَهَا لُبْسُ الْمَخِيْطِ):بَابُ الْفِدْيَةِقوله (بَابُ الْفِدْيَةِ):محظورات الإحرام من حيث الفدية أربعقوله (أَحَدُهُمَا: عَلَى التَّخْيِيْرِ):قوله (وَهِيَ فِدْيَةُ الأَذَى وَاللُّبْسِ وَالطِّيْبِ):فائدة (2): أن الشاة هنا ليس المراد بها الأنثى من الضأنفائدة (3): أنه لا فرق بين البر وغيره في فدية الأذىفائدة (4): جميع ما ورد فيه إطعام مساكين فيجوز أن يغديهم أو يعشيهمفائدة (5): يشترط في الهدي وكذا سائر الدماء الواجبة ما يشترط في الأضحيةقوله (وَكَذلِكَ الْحُكْمُ فِيْ كُلِّ دَمٍ وَجَبَ لِتَرْكِ وَاجِبٍ):قوله (وَجَزَاءُ الصَّيْدِ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ):الصيد الذي قتله المحرم نوعانالنوع الأول: نوع له مثل من النعمالنوع الثاني: أن لا يكون له مثل من بهيمة الأنعامقوله (إِلاَّ الطَّائِرَ، فَإِنَّ فِيْهِ قِيْمَتَهُ):قوله (إِلاَّ الْحَمَامَةَ، فَفِيْهَا شَاةٌ):لكن اختلف الفقهاء هل هذا خاص بحمام الحرم أم هو عام في الحرم وغيره؟قوله (وَالنَّعَامَةُ، فَفِيْهَا بَدَنَةٌ):قوله (وَيُخَيَّرُ بَيْنَ إِخْرَاجِ الْمِثْلِ أَوْ تَقْوِيْمِهِ بِطَعَامٍ، فَيُطْعِمُ لِكُلِّ مِسْكِيْنٍ مُدًّا مِنْ بُرٍّ، أَوْ يَصُوْمُ عَنْ كُلِّ مُدٍّ يَوْمًا):- فائدة: من قتل ما نهى عن قتله في الحرم وإن كان محلاًقوله (وَهُوَ هَدْيُ التَّمَتُّعِ):قوله (يَلْزَمُهُ شَاةٌ):قوله (فَإِنْ لَمْ يَجِدْ، فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعَ):فائدة (1): اختلف الفقهاء في المعتبر بالنسبة لوجود الهدي وعدمه- فائدة (2): من كان غنياً وعدم الثمن كأن يكون قد سُرق في أثناء حجه هل له أن يبحث عن شخص يقرضه لشراء هديه؟- فائدة (3): من حج متمتعاً أو قارناً ثم عدم الثمن لعجز كأنْ يكون ليس معه سوى ثمن الهدي ولا يملك غيره ثم فُقد منه:فائدة (4): في صوم العشرة أيام لمن لم يجد الهديقوله (وَفِدْيَةُ الْجِمَاعِ بَدَنَةٌ):- فائدة (1): قوله (وَفِدْيَةُ الْجِمَاعِ بَدَنَةٌ):- فائدة (2): قوله (الْجِمَاعِ)- فائدة (3) إذا أُكرهت الزوجة على الجماع هل يلزمها كفارة؟قوله (فَإِنْ لَمْ يَجِدْ، فَصِيُامُ كَصِيَامِ التَّمَتُّعِ):قوله (وَكَذلِكَ الْحُكْمُ فِي الْبَدَنَةِ الْوَاجِبَةِ بِالْمُبَاشَرَةِ):قوله (وَدَمِ الْفَوَاتِ)فائدة: قال بعض الفقهاء من خاف فوات حجه فله أن يقلب حجه إلى عمرةقوله: (فَإِنْ لَمْ يَجِدْ، فَصِيَامُ عَشَرَةِ أَيَّامٍ):قوله (وَمَنْ كَرَّرَ مَحْظُوْرًا مِنْ جِنْسٍ):قوله (فَكَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ):قوله (إِلاَّ أَنْ يَكُوْنَ قَدْ كَفَّرَ عَنِ الأَوَّلِ فَعَلَيْهِ لِلثَّانِيْ كَفَّارَةٌ):قوله: (وَإِنْ فَعَلَ مَحْظُوْرًا مِنْ أَجْنَاسٍ، فَلِكُلِّ وَاحِدٍ كَفَّارَةٌ):قوله (وَالْحَلْقُ وَالتَّقْلِيْمُ وَالْوَطْءُ وَقَتْلُ الصَّيْدِ يَسْتَوِيْ عَمْدُهُ وَسَهْوُهُ):قوله (وَسَائِرُ الْمَحْظُوْرَاتِ لا شَيْءَ فِيْ سَهْوِهِ):- فائدة (1): من ترك واجباً من واجبات الحج جهلاً أو نسياناً:فائدة (2): لو احتاج المحرم إلى لبس مخيط لبرد شديدفائدة (3): من احتاج إلى لبس مخيط لمصلحة غيره كالجنديقوله (وَكُلُّ هَدْيٍ أَوْ إِطْعَامٍ، فَهُوَ لِمَسَاكِيْنِ الْحَرَمِ):مسألتانالأولى: من هم مساكين الحرم؟الثانية: هدي التمتع والقران هو هدي شكران فيجوز لصاحبه أن يأكل منهقوله (إِلاَّ فِدْيَةَ الأَذَى يُفَرِّقُهَا فِي الْمَوْضِعِ الَّذِيْ حَلَقَ فِيْهِ):قوله (وَهَدْيُ الْمُحْصَرِ يَنْحَرُهُ فِيْ مَوْضِعِهِ):قوله (وَأَمَّا الصِّيَامُ فَيُجْزِئُهُ بِكُلِّ مَكَانٍ):قوله (بابُ دُخُوْلِ مَكَّةَ):قوله (يُسْتَحَبُّ أَنْ يَدْخُلَ مَكَّةَ مِنْ أَعْلاهَا):باب دخول مكةقوله (وَيَدْخُلَ الْمَسْجِدَ مِنْ بَابِ بَنِيْ شَيْبَةَ؛ اقْتِدَاءً بِرَسُوْلِ اللهِ صلى الله عليه وسلم):قوله (فَإِذَا رَأَى البَيْتَ، رَفَعَ يَدَيْهِ، وَكَبَّرَ اللهَ وَهَلَّلَهُ وَحَمِدَهُ، وَدَعَا):قوله (ثُمَّ يَبْتَدِئُ بِطَوَافِ الْعُمْرَةِ، إِنْ كَانَ مُعْتَمِرًا):قوله (أَوْ بِطَوَافِ الْقُدُوْمِ، إِنْ كَانَ مُفْرِدًا أَوْ قَارِنًا):قوله (وَيَضْطَبِعُ بِرِدَائِهِ):قوله (فَيَجْعَلَ وَسْطَهُ تَحْتَ عَاتِقِهِ الأَيْمَنِ وَطَرْفَيْهِ عَلَى عَاتِقَيْهِ الأَيْسَرِ):قوله (وَيَبْدَأُ بِالْحَجَرِ الأَسْوَدِ فَيَسْتَلِمُهُ وَيُقَبِّلُهُ):فائدة (1): إذا لم يستطع الاستلام والتقبيل استلمه بيده وقبل يدهفائدة (2): كيفية الإشارةقوله (وَيَقُوْلُ: بِسْمِ اللهِ، وَاللهُ أَكْبَرُ):قوله (اللهُمَّ إِيْمَانًا بِكَ، وَتَصْدِيْقًا بِكِتَابِكَ، وَوَفَاءً بِعَهْدِكَ، وَاتِّبَاعًا لِسُنَّةِ نَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم):قوله (ثُمَّ يَأْخُذُ عَلَى يَمِيْنِهِ):قوله (وَيَجْعَلُ الْبَيْتَ عَلَى يَسَارِهِ):قوله (فَيَطُوْفُ سَبْعًا):هل يلزم محاذاة الخط الموضوع لذلك؟قوله (يَرْمُلُ فِي الثَّلاثَةِ الأُوَلِ مِنَ الْحَجَرِ إِلَى الْحَجَرِ، وَيَمْشِيْ فِي الأَرْبَعَةِ الأخرى): وذلك لحديث جابر المتقدم، وهذا هو الأمر الثاني الذي يسن =[^fn2825][^fn2826][^fn2827]قوله (وَكُلَّمَا حَاذَى الرُّكْنَ اليَمَانِيَّ وَالْحَجَرَ، اسْتَلَمَهُمَا، وَكَبَّرَ وَهَلَّلَ):قوله (وَيَقُوْلُ بَيْنَ الرُّكْنَيْنِ: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾): أي مما يشرع فيما بين الركن اليماني والحجر الأسود أن يدعو الحاج أو المعتمر بهذا الدعاء ولا يزيد عليه (وأدخلنا الجنة مع الأبرار يا عزيز يا غفار)، لأن هذه الزيادة لم تثبت لكن إن دعا بها مع علمه أنها ليست بسنة وإنما هي دعاء فقط فلا حرج.قوله (وَيَدْعُوْ فِيْ سَائِرِهِ بِمَا أَحَبَّ):قوله (ثُمَّ يُصَلِّيْ رَكْعَتَيْنِ خَلْفَ الْمَقَامِ):قوله (وَيَعُوْدُ إِلَى الرُّكْنِ فَيَسْتَلِمُهُ):ذكر بعض المسائل المتعلقة بالطوافقوله (ثُمَّ يَخْرُجُ إِلَى الصَّفَا مِنْ بَابِهِ):قوله (فَيَأْتِيْهِ):قوله (فَيَرْقَى عَلَيْهِ):قوله (وَيُكَبِّرُ اللهَ وَيُهَلِّلُهُ وَيَدْعُوْهُ):قوله (ثُمَّ يَنْزِلُ فَيَمْشِيْ إِلَى العَلَمِ، ثُمَّ يَسْعَى إِلَى الْعَلَمِ الآخَرِ):قوله (ثُمَّ يَمْشِيْ إِلَى الْمَرْوَةِ):قوله (فَيَفْعَلُ كَفِعْلِهِ عَلَى الصَّفَا):قوله (ثُمَّ يَنْزِلُ، فَيَمْشِيْ فِيْ مَوْضِعِ مَشْيِهِ، وَيَسْعَى فِيْ مَوْضِعِ سَعْيِهِ حَتَّى يُكْمِلَ سَبْعَةَ أَشْوَاطٍ):هل يصعد في كل شوط حتى يصل إلى أعلى الصفاقوله (يَحْتَسِبُ بِالذَّهَابِ سَعْيَةً):قوله (يَفْتَتِحُ بِالصَّفَا وَيَخْتِمُ بِالْمَرْوَةِ):فائدة: لكن إن خالف وبدأ بالمروة قبل الصفا فهل يجزئه؟قوله (ثُمَّ يُقَصِّرُ مِنْ شَعَرِهِ، إِنْ كَانَ مُعْتَمِرًا):قوله (وَقَدْ حَلَّ):قوله (إِلاَّ الْمُتَمَتِّعَ إِنْ كانَ مَعَهُ هَدْيٌ):قوله (وَالْمُفْرِدَ، وَالْقَارِنَ فَإِنَّهُ لا يَحِلُّ):قوله (وَالْمَرْأَةُ كَالرَّجُلِ، إِلاَّ أَنَّهَا لا تَرْمُلُ فِيْ طَوَافٍ وَلا سَعْيٍ):بَابُ صِفَةِ الْحَجِّقوله (بَابُ صِفَةِ الْحَجِّ):قوله (وَإِذَا كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ):فائدة: أيام الحج لها مسمى عند الفقهاءقوله (فَمَنْ كَانَ حَلالاً):قوله (أَحْرَمَ مِنْ مَكَّةَ):فائدة (1): يستحب أن يفعل عند إحرامه هذا ما فعله عند إحرامه من الميقاتفائدة (2): قال بعض الفقهاء: إذا كان بمكة وتجرد من مخيطه ولبس ملابس الإحرامقوله (وَخَرَجَ إِلَى عَرَفَاتٍ):فائدة: هل النزول بنمرة للراحة أم هو نسك؟قوله (فَإِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ يَوْمَ عَرَفَةَ، صَلَّى الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا بِأَذَانٍ وَإِقَامَتَيْنِ):قوله (ثُمَّ يَصِيْرُ إِلَى الْمَوْقِفِ):قوله (وَعَرَفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ، إِلاَّ بَطْنُ عُرَنَةَ):فائدة: وهل بطن عرنة من عرفة؟قوله (وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقِفَ فِيْ مَوْقِفِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم):قوله (أَوْ قَرِيْبًا مِنْهُ):قوله (عِنْدَ الْجَبَلِ قَرِيْبًا مِنَ الصَّخَرَاتِ):قوله (وَيَجْعَلُ حَبْلَ الْمُشَاةِ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَيَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ):قوله (وَيَكُوْنُ رَاكِبًا):قوله (وَيُكْثِرُ مِنْ قَوْلِ: لا إِلهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيْكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، بِيَدِهِ الْخَيْرُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيْرٌ): لورود ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم، فقد روى الترمذي وغيره عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعاً (خَيْرُ الدُّعَاءِ دُعَاءُ يَوْمِ عَرَفَةَ وَخَيْرُ مَا قُلْتُ أَنَا وَالنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِي لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) [^fn2855].فائدة: هل الوقوف يبدأ من أول النهار أم من الزوال؟قوله (وَيَجْتَهِدُ فِي الدُّعَاءِ وَالرَّغْبَةِ إِلَى اللهِ عز وجل):فائدة: الأحسن أن يدعو كل شخص وحدهقوله (إِلَى غُرُوْبِ الشَّمْسِ):قوله (ثُمَّ يَدْفَعُ مَعَ الإِمَامِ إِلَى مُزْدَلِفَةٍ):قوله (عَلَى طَرِيْقِ الْمَأْزِمَيْنِ):قوله (وَعَلَيْهِ السَّكِيْنَةُ وَالْوَقَارُ):قوله (وَيَكُوْنُ مُلَبِّيًا ذَاكِرًا للهِ عز وجل):قوله (فَإِذَا وَصَلَ مُزْدَلِفَةَ صَلىَّ الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ قَبْلَ حَطِّ الرِّحَالِ، يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا): أي إذا وصل إلى مزدلفة صلى المغرب والعشاء جمعاً قبل أن يحطوا رحالهم، وهنا بعض الفوائد المتعلقة بهذه المسألة.[^fn2857][^fn2858]فائدة (1): أن الجمع في المزدلفة جمع تقديم أو تأخيرفائدة (2): من صلى المغرب والعشاء في الطريق قبل الوصول إلى مزدلفةفائدة (3): من خشي خروج وقت العشاء قبل أن يصل إلى مزدلفةفائدة (4): من وصل إلى مزدلفة قبل دخول وقت العشاءفائدة (5): وهل يصلي الوتر هنا؟قوله (ثُمَّ يَبِيْتُ بِهَا):قوله (ثُمَّ يُصَلِّي الْفَجْرَ بِغَلَسٍ):قوله (وَيَأْتِي الْمَشْعَرَ الْحَرَامَ):دليل ما ذكره المؤلفقوله (فَيَقِفُ عِنْدَهُ، وَيَدْعُوْ وَيَكُوْنُ مِنْ دُعَائِهِ: اللهُمَّ كَمَا وَقَفْتَنَا فِيْهِ، وَأَرَيْتَنَا إِيَّاهُ، فَوَفِّقْنَا لِذِكْرِكَ، كَمَا هَدَيْتَنَا، وَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنَا، كَمَا وَعَدْتَنَا بِقَوْلِكِ، وَقَوْلُكَ الْحَقُّ: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوْا اللهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ الآيَتَيْنِ): الصحيح أنه ليس هناك دعاء محدد في مزدلفة، لكن هذا الموقف من المواقف التي يرجى فيها قبول الدعاء فيدعو الإنسان فيها بما أحب من خيري الدنيا والآخرة.قوله (إِلَى أَنْ يُسْفِرَ):قوله (ثُمَّ يَدْفَعُ قَبْلَ طُلُوْعِ الشَّمْسِ):قوله (فَإِذَا بَلَغَ مُحَسِّرًا أَسْرَعَ قَدْرَ رَمْيَةٍ بِحَجَرٍ):فائدة: لم يذكر المؤلف هنا موضع التقاط الحصىقوله (حَتَّى يَأْتِيَ مِنًى):قوله (فَيَبْدَأُ بِجَمْرَةِ الْعَقَبَةِ):قوله (فَيَرْمِيْهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ):فائدة (1): إذا رمى بأقل من سبع هل يلزمه شيء؟فائدة (2): لا يشرع رمي الشاخصفائدة (3): من شك في الحصى هل وقع في الحوض أو لاقوله (كَحَصَى الْخَذْفِ):قوله (يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ، وَيَرْفَعُ يَدَهُ فِي الرَّمْيِ):لكن هل يستقبل القبلة عند رميه؟قوله (وَيَقْطَعُ التَّلْبِيَةَ مَعَ ابْتِدَاءِ الرَّمْيِ):قوله (وَيَسْتَبْطِنُ الْوَادِيَ):فائدة: من رمي من فوق الجسر المبني فوق الجمراتقوله (وَيَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ):قوله (وَلا يَقِفُ عِنْدَهَا):قوله (ثُمَّ يَنْحَرُ هَدْيَهُ):قوله (ثُمَّ يَحْلِقُ رَأْسَهُ أَوْ يُقَصِّرُهُ):فائدة (1): هل يحصل الحلق بالماكينة؟فائدة (2): الحكمة من الحلقفائدة (3): إذا حلق لنفسه بنفسهفائدة (4): هل يقصر بعض رأسه أم لابد من التعميم؟قوله (ثُمَّ قَدْ حَلَّ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ إِلاَّ النِّسَاءِ):فائدة: الأحوط أن لا يعقد الحاج عقد نكاح ولا يخطب بعد التحلل الأولقوله (ثُمَّ يُفِيْضُ إِلَى مَكَّةَ، فَيَطُوْفُ لِلزِّيَارَةِ):قوله (وَهُوَ الطَّوَافُ الَّذِيْ بِهِ تَمَامُ الْحَجِّ):قوله (ثُمَّ يَسْعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، إِنْ كَانَ مُتَمَتِّعًا، أَوْ مِمَّنْ لَمْ يَسْعَ مَعَ طَوَافِ القُدُوْمِ):مسألة: هل يلزم المتمتع سعيانقوله (وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَشْرَبَ مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ لِمَا أحبَّ):قوله (وَيَتَضَلَّعَ مِنْهُ):قوله (ثُمَّ يَقُوْلُ: اللهُمَّ اجْعَلْهُ لَنَا عِلْمًا نَافِعًا، وَرِزْقًا وَاسِعًا، وَرِيًّا وَشِبَعًا، وَشِفَاءً مِنْ كُلِّ دَاءٍ، وَاغْسِلْ بِهِ قَلْبِيْ، وَامْلأْهُ مِنْ حِكْمَتِكَ وَخَشْيَتِكَ): قلت الحديث الوارد في ذلك ضعفه كثير من أهل العلم.بَابُ ما يَفْعَلُهُ بَعْدَ الْحِلِّقوله (بَابُ ما يَفْعَلُهُ بَعْدَ الْحِلِّ):قوله (ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى مِنَى وَلا يَبِيْتُ لَيَالِيَهَا إِلاَّ بِهَا):قوله (فَيَرْمِيْ بِهَا الْجَمَرَاتِ بَعْدَ الزَّوَالِ مِنْ أَيَّامِهَا):قوله (كُلَّ جَمْرَةٍ بِسَبْعٍ حَصَيَاتٍ):قوله (فَيَبْتَدِئُ بِالْجَمْرَةِ الأُوْلَى):قوله (فَيَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ، وَيَرْمِيْهَا بِسَبْعٍ كَمَا رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ):قوله (ثُمَّ يَتَقَدَّمَ قَلِيْلاً، فَيَقِفُ يَدْعُو اللهَ تَعَالَى):قوله (ثُمَّ يَأْتِي الْوُسْطَى، فَيَرْمِيْهَا كَذلِكَ):قوله (ثُمَّ يَرْمِيْ جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ):قوله (وَلا يَقِفُ عِنْدَهَا):قوله (ثُمَّ يَرْمِيْ فِي الْيَوْمِ الثَّانِيْ كَذلِكَ):فائدة (1): هل الترتيب في الرمي بين الجمرات شرط؟فائدة (2): من أخر الرمي كله إلى اليوم الثالثقوله (فَإِنْ أَحَبَّ أَنْ يَتَعَجَّلَ فِيْ يَوْمَيْنِ خَرَجَ قَبْلَ الْغُرُوْبِ):قوله (فَإِنْ غَرَبَتِ الشَّمْسُ وَهُوَ بِمِنًى، لَزِمَهُ الْمَبِيْتُ بِهَا، وَالرَّمْيُ مِنْ غَدٍ):فائدة: من تعجل في يومين وخرج من منى قبل غروب الشمسقوله (فَإِنْ كَانَ مُتَمَتِّعًا أَوْ قَارِنًا، فَقَدِ انقَضَى حَجُّهُ وَعُمْرَتُهُ):قوله (وَإِنْ كَانَ مُفْرِدًا خَرَجَ إِلَى التَّنْعِيْمِ، فَأَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ مِنْهُ):قوله (ثُمَّ يَأْتِيْ مَكَّةَ، فَيَطُوْفُ وَيَسْعَى، وَيَحْلِقُ أَوْ يُقَصِّرُ):قوله (فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ شَعَرٌ، اسْتُحِبَّ أَنْ يُمِرَّ الْمُوْسَى عَلَى رَأْسِهِ):قوله (وَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ وَعُمْرَتُهُ):قوله (لَكِنْ عَلَيْهِ وَعَلَى الْمُتَمَتِّعِ دَمٌ، لِقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ [^fn2940] ذهب جمهور الفقهاء [^fn2941] إلى وجوب الدم على القارن قياساً على المتمتع، ولذا قالوا بوجوب الهدي عليه ووجه القياس عندهم =قوله (وَإِذَا أَرَادَ القُفُوْلَ):قوله (لَمْ يَخْرُجْ حَتَّى يُوَدِّعَ الْبَيْتَ بِطَوَافٍ عِنْدَ فَرَاغِهِ مِنْ جَمِيْعِ أُمُوْرِهِ، حَتَّى يَكُوْنَ آخِرَ عَهْدِهِ بِالبَيْتِ): دليل ذلك ما رواه البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما قال (أُمِرَ النَّاسُ أَنْ يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِمْ بِالْبَيْتِ) (1)، وفي رواية لمسلم (كَانَ النَّاسُ يَنْصَرِفُونَ فِي كُلِّ وَجْهٍ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لا يَنْفِرَنَّ أَحَدٌ حَتَّى يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِ بِالْبَيْتِ) (2).واختلف الفقهاء في حكم طواف الوداع بالنسبة للحاجقوله (فَإِنِ اشْتَغَلَ بَعْدَهُ بِتِجَارَةٍ أَعَادَهُ):قوله (وَيُسْتَحَبُّ لَهُ إِذَا طَافَ أَنْ يَقِفَ فِي الْمُلْتَزَمِ بَيْنَ الرُّكْنِ وَالْبَابِ، فَيَلْتَزِمُ الْبَيْتَ):وقد اختلف الفقهاء في حكم الوقوف في الملتزمقوله (وَيَقُوْلُ: اللهُمَّ هَذا بَيْتُكَ، وَأَنَا عَبْدُكَ وَابْنُ عَبْدِكَ وَابْنُ أَمَتِكَ، حَمَلْتَنِيْ عَلَى مَا سَخَّرْتَ لِيْ مِنْ خَلْقِكَ، وَسَيَّرْتَنِيْ فِيْ بِلادِكَ، حَتَّى بَلَّغْتَنِيْ بِنِعْمَتِكَ إِلَى بَيْتِكَ، وَأَعَنْتَنِيْ عَلَى أَدَاءِ نُسُكِيْ، فَإِنْ كُنْتَ رَضِيْتَ عَنِّيْ، فَازْدَدْ عَنِّيْ رِضًا، وَإِلاَّ فَمُنَّ الآنَ قَبْلَ أَنْ تَنْأَى عَنْ بَيْتِكَ دَارِيْ، فَهَذَا أَوَانُ انْصِرَافِيْ إِنْ أَذِنْتَ لِيْ، غَيْرَ مُسْتَبْدِلٍ بِكَ، وَلا بِبَيْتِكَ وَلا رَاغِبٍ عَنْكَ، وَلا عَنْ بَيْتِكَ. اللَّهُمَّ فَأَصْحِبْنِي الْعَافِيَةَ فِيْ بَدَنِيْ، وَالصِّحَةَ فِيْ جِسْمِيْ، وَالعِصْمَةَ فِيْ دِيْنِيْ، وَأَحْسِنْ مُنْقَلَبِيْ، وَارْزُقْنِيْ طَاعَتَكَ أَبَدًا مَا أَبْقَيْتَنِيْ، وَاجْمَعْ لِيْ بَيْنَ خَيْرَيِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيْرٌ): لم يثبت ما ذكره المؤلف هنا بحديث صحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا أصحابه رضي الله عنهم، فلا يشرع تقصده على =[^fn2950]قوله (وَيَدْعُوْ بِمَا أَحَبَّ):قوله (ثُمَّ يُصَلِّيْ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم):قوله (فَمَنْ خَرَجَ قَبْلَ الْوَدَاعِ، رَجَعَ إِنْ كَانَ قَرِيْبًا):قوله (وَإِنْ كَانَ بَعِيْدًا بَعُثَ بِدَمٍ):قوله (إِلاَّ الْحَائِضَ وَالنُّفَسَاءَ، فَلا وَدَاعَ عَلَيْهِمَا):قوله (وَيُسْتَحَبُّ لَهُمَا الْوُقُوْفُ عِنْدَ بَابِ الْمَسْجِدِ، وَالدُّعَاءُ بِهَذَا): هذا لا دليل عليه، ولذا فالصواب أن الحائض والنفساء لا تقفان عند الباب تدعوان إذ لا دليل على ذلك، بل لم يأمر النبي صلى الله عليه وسلم صفية رضي الله عنها حين نفست بذلك ولا غيرها ممن حج معه في حجة الوداع.[^fn2953]بَابُ أَرْكانِ الْحَجِّ وَالعُمْرَةِقوله (بَابُ أَرْكانِ الْحَجِّ وَالعُمْرَةِ):قوله (أَرْكَانُ الْحَجِّ: الْوُقُوْفُ بِعَرَفَةَ):فائدة: يبدأ وقت الوقوف بعرفة عند الحنابلةذكر بعض الفوائد المتعلقة بعرفةفائدة (1): يشرع التوجه إلى عرفة بعد طلوع شمس اليوم التاسعفائدة (2): يمتد زمن الوقوف بعرفة من طلوع فجر اليوم التاسع إلى طلوع فجر يوم النحرفائدة (3): من لم يتمكن من الوقوف نهارًا ثم وقف ليلاً قبيل الصبحفائدة (4): من لم يتمكن من الوقوف نهارافائدة (5): زمن الوقوف المجمع عليه بين الفقهاءفائدة (6): إذا لم يقف بعد الزوال ولا في الليل عشية عرفاتقوله (وَطَوَافُ الزِّيَارَةِ):فائدة (1): لطواف الإفاضة شروط لا بد منهافائدة (2): متى أخر طواف الإفاضة عن أيام النحر أو أيام شهر ذي الحجة فإنه لا يسقط أبداقوله (وَوَاجِبَاتُهُ):والواجبات في الحج قسمانقوله (الإِحْرَامُ مِنَ الْمِيْقَاتِ):قوله (وَالْوُقُوْفُ بِعَرَفَةَ إِلَى اللَّيْلِ):فائدة: أجمع أهل العلم على أنه يصح وقوف غير الطاهر من الرجال والنساءقوله (وَالْمَبِيْتُ بِمُزْدَلِفَةَ إِلَى نِصْفِ اللَّيْلِ):قوله (وَالسَّعْيُ)وقد اختلف الفقهاء في حكم السعي بين الصفا والمروةذكر بعض الفوائد في السعيفائدة (1): من سعى من غير طهارة أجزأه ذلكفائدة (3): السعي في الطابق العلوي صحيح كالسعي في الأسفلفائدة (4): لا يجب الصعود على الصفا والمروةفائدة (5): المشروع لمن سعى أن يقولقوله (وَالْمَبِيْتُ بِمِنًى):قوله (وَالرَّمْيُ):قوله (وَالْحَلْقُ):- فائدة: لا يختص الحلق أو التقصير بزمان ولا مكان،قوله (وَطَوَافُ الْوَدَاعِ):قوله (وَأَرْكَانُ الْعُمْرَةِ: الطَّوَافُ):قوله (وَوَاجِبَاتُهُ الإِحْرَامُ):قوله (وَالسَّعْيُ):قوله (وَالْحَلْقُ):قوله (فَمَنْ تَرَكَ رُكْنًا لَمْ يَتِمَّ نُسُكُهُ إِلاَّ بِهِ):قوله (وَمَنْ تَرَكَ وَاجِبًا، جَبَرَهُ بِدَمٍ):قوله (وَمَنْ تَرَكَ سُنَّةً فَلا شَيْءَ عَلَيْهِ):قوله (وَمَنْ لَمْ يَقِفْ بِعَرَفَةَ حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ يَوْمَ النَّحْرِ، فَقَدْ فَاتَهُ الْحَجُّ):قوله (فَيَتَحَلَّلُ بِطَوَافٍ وَسَعْيٍ):قوله (وَيَنْحَرُ هَدْيًا إِنْ كَانَ مَعَهُ):قوله (وَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ):قوله (وَإِنْ أَخْطَأَ النَّاسُ فَوَقَفُوْا فِيْ غَيْرِ يَوْمِ عَرَفَةَ، أَجْزَأَهُمْ ذلِكَ): لأن هذا غاية ما يستطيعونه.قوله (وَإِنْ فَعَلَ ذلِكَ نَفَرٌ مِنْهُمْ، فَقَدْ فَاتَهُمُ الْحَجُّ):بَابُ الْهَدْيِ وَالأُضْحِيَّةقوله (بَابُ الْهَدْيِ وَالأُضْحِيَّةِ):قوله (وَالْهَدْيُ وَالأُضْحِيَّةُ سُنَّةٌ):فائدة: هل تصح الأضحية عن الأموات؟قوله (لا تَجِبُ إِلاَّ بِالنَّذْرِ):قوله (وَالتَّضْحِيَةُ أَفْضَلُ مِنَ الصَّدَقَةِ بِثَمَنِهَا):فائدة: الميت الصدقة عنه بثمنها أفضلقوله (وَالأَفْضَلُ فِيْهِمَا الإِبِلُ، ثُمَّ الْبَقَرُ ثُمَّ الْغَنَمُ):فائدة: العقيقة الشاة فيها أفضل من غيرهاقوله (وَيُسْتَحَبُّ اسْتِحْسَانُهَا وَاسْتِسْمَانُهَا):قوله (وَلا يُجْزِئُ إِلاَّ الْجَذَعُ مِنَ الضَّأْنِ، وَهُوَ: مَا كَمَلَ لَهُ سِتَّةُ أَشْهُرٍ): هذا أحد الشروط المعتبرة في الأضحية، فالشرط الأول أنه لابد أن تكون قد بلغت السن المعتبرة شرعاً، فإن كانت دونه فلا تجزئ دليل ما ذكره المؤلف (لا تَذْبَحُوا إِلا مُسِنَّةً إِلا أَنْ يَعْسُرَ عَلَيْكُمْ فَتَذْبَحُوا جَذَعَةً مِنْ الضَّأْنِ) [^fn3013] وهذا الشرط متفق عليه عند الفقهاء.[^fn3011][^fn3012]قوله (وَالثَّنِيُّ مِمَّا سِوَاهُ):قوله (وَثَنِيُّ الإِبِلِ: مَا كَمَلَ لَهُ خَمْسُ سِنِيْنَ):قوله (وَمِنَ الْبَقَرِ: مَا لَهُ سَنَتَانِ):قوله (وَمِنَ الْمَعَزِ: مَا لَهُ سَنَةٌ):وهل تجزئ الجذعة من المعز في الأضحية؟فائدة (1): يجوز ذبح الذكر من بهيمة الأنعامفائدة (2): قال الإمام أحمد رحمه الله: الخصي أحب إلينا من النعجةفائدة (3): الكبش في الضحية أفضل النعمقوله (وَتُجْزِئُ الشَّاةُ عَنْ وَاحِدٍ)فائدة: الاشتراك في الثواب لا حد لهقوله (وَالْبَدَنَةُ وَالْبَقَرَةُ عَنْ سَبْعَةٍ):قوله (وَلا تُجْزِئُ الْعَوْرَاءُ، الْبَيِّنُ عَوَرُهَا):فائدة: في شروط الأضحيةقوله (وَلا الْعَجْفَاءُ الَّتِيْ لا تُنْقِيْ):قوله (وَلا الْعَرْجَاءُ، الْبَيِّنُ ظَلَعُهَا):قوله (وَلا الْمَرِيْضَةُ، الْبَيِّنُ مَرَضُهَا):فائدة: الميشومة: وهي التي انتفخ بطنهاقوله (وَلا الْعَضْبَاءُ الَّتِيْ ذَهَبَ أَكْثَرُ أُذُنِهَا أَوْ قَرْنِهَا):قوله (وَتُجْزِئُ الْبَتْرَاءُ):فائدة: ما قطعت إليته لا يجوز التضحية بهقوله (وَالْجَمَّاءُ):قوله (وَالْخَصِيُّ):قوله (وَمَا شُقَّتْ أُذُنُهَا، أَوْ خُرِقَتْ أَوْ قُطِعَ أَقَلُّ مِنْ نِصْفِهَا):قوله (وَالسُّنَّةُ نَحْرُ الإِبِلِ قَائِمَةً مَعْقُوْلَةً يَدُهَا الْيُسْرَى):قوله (وَذَبْحُ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ):قوله (وَيَقُوْلُ عِنْدَ ذلِكَ: بِسْمِ اللهِ وَاللهُ أَكْبَرُ):قوله (اللَّهُمَّ هَذَا مِنْكَ وَلَكَ):قوله (وَلا يُسْتَحَبُّ أَنْ يَذْبَحَهَا إِلاَّ مُسْلِمٌ):قوله (وَإِنْ ذَبَحَهَا صَاحِبُهَا فَهُوَ أَفْضَلُ):قوله (وَوَقْتُ الذَّبْحِ يَوْمَ الْعِيْدِ بَعْدَ صَلاةِ الْعِيْدِ):قوله (أَوْ قَدْرِهَا):قوله (إِلَى آخِرِ يَوْمَيْنِ مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيْقِ):قوله (وتَتَعَيَّنُ الأُضْحِيَّةُ بِقَوْلِهِ: هَذِهِ أُضْحِيَّةٌ، وَالْهَدْيُ بِقَوْلِهِ: هَذَا هَدْيٌ):قوله (أَوْ إِشْعَارِهِ وَتَقْلِيْدِهِ مَعَ النِّيَّةِ):فائدة (1): متى تعين الهدي أو الأضحية فإنه لا يجوز بيعها ولا هبتهافائدة (2): من رأى فقراء فأعطاهم هديه أو أضحيته قبل ذبحها؟فائدة (3): إذا أراد المضحي أن يبدل أضحيته بخير منهاقوله (وَلا يُعْطَى الْجَازِرُ بِأُجْرَتِهِ شَيْئًا مِنْهَا):فائدة (1): لا يجوز الانتفاع من الأضحية بصوفهافائدة (2): لا يجوز بيع جلد الأضحية ورأسها ولا رجلها ولا كبدهاقوله (وَالسُّنَّةُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ أُضْحِيَّتِهِ ثُلُثَهَا، وَيُهْدِيْ ثُلُثَهَا، وَيَتَصَدَّقَ بِثُلُثِهَا):فائدة (1): الفرق بين الصدقة والهديةفائدة (2): لو كانت الأضحية ليتيمفائدة (3): هل يشرع أن يضحي من مال اليتيم؟قوله (وَإِنْ أَكَلَ أَكْثَرَ جَازَ):قوله (وَلَهُ أَنْ يَنْتَفِعَ بِجِلْدِهَا وَلا يَبِيْعُهُ، وَلا شَيْئًا مِنْهَا):قوله (فَأَمَّا الْهَدْيُ فَإِنْ كَانَ تَطَوُّعًا، اسْتُحِبَّ لَهُ الأَكْلُ مِنْهُ):قوله (لأَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أَمَرَ مِنْ كُلِّ جَزُوْرٍ بِبِضْعَةٍ فَطُبِخَتْ، وَأَكَلَ مِنْ لَحْمِهَا، وَحَسَا مِنْ مَرَقِهَا):قوله (وَلا يَأْكُلُ مِنْ كُلِّ وَاجِبٍ إِلاَّ مِنْ هَدْيِ الْمُتْعَةِ وَالْقِرَانِ):فائدة: التحريم الوارد في الحديث خاص بمن يضحيبَابُ العَقِيْقَةِقوله (بَابُ العَقِيْقَةِ):قوله (وَهِيَ سُنَّةٌ):قوله (عَنِ الْغُلامِ شَاتَانِ مُكَافِئَتَانِ، وَعَنِ الْجَارِيَةِ شَاةٌ):فائدة (1): العقيقة هي أحد المواضع التي يكون فيها الرجل على ضعف المرأة- فائدة (2): لو أن عند إنسان سبع بنات هل يجزئ أن يذبح عنهن بعيراً؟فائدة (3): وهل يشرع الزيادة عن الشاتين للذكر؟قوله (تُذْبَحُ يَوْمَ سَابِعِهِ):قوله (وَيُحْلَقُ رَأْسُهُ وَيُتَصَدَّقُ بِوَزْنِهِ وَرِقًا):فائدة: حلق رأس الغلام إنما يكون لمن أمكنه ذلكقوله (فَإِنْ فَاتَ، فَفِيْ أَرْبَعَ عَشْرَةَ، فَإِنْ فَاتَ، فَفِيْ أَحَدَ وَعِشْرِيْنَ):فائدة (1): من بلغ من الأولاد ولم يعق عنه أحد- فائدة (2): إذا خرج المولود ميتاً قبل نفخ الروحقوله (وَيَنْزِعُهَا أَعْضَاءً، وَلا يَكْسِرُ لَهَا عَظْمًا):قوله (وَحُكْمُهَا حُكْمُ الأُضْحِيَّةِ فِيْمَا سِوَى ذلِكَ):
كِتَابُ الْبَيْعِكِتَابُ الْوَقْفِكِتَابُ الْوَصَايَاكتاب الفرائضكتاب النكاحكتاب النِّكاحِكِتابُ الصَّدَاقِكتاب الطلاقكِتابُ الظِّهارِكِتابُ الأَطْعِمَةِكتاب الصيدكِتَابُ الأَيْمَانِكتاب الجناياتكِتابُ الدِّياتِكِتابُ الحُدُوْدِكِتابُ الجِهَادِكِتابُ القَضَاءِكِتابُ الشَّهَادَاتِ
جارٍ التحميل