وبل الغمامة في شرح عمدة الفقه لابن قدامةكتاب الجنايات
أهل الأثرالأرشيف العلمي

؛ فمرادهم: الاعتداء على النفس بقتلها، وإزهاقها، والاعتداء على البدن - الذي هو أجزاء البدن - إما بقطع يد أو رجل، وإما أن يعمي بصر أو يضر بسمعه، أو نحو ذلك.

ذكر بعض الفوائد

:

الفائدة الأولى: الحكمة في مشروعية القصاص

: الحكمة في مشروعية=

الجزء: 7 - الصفحة: 271

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =القصاص أن الله خلق الخلق لعبادته، لكن من الناس من لا يستجيب لضعف عقيدته، فيحصل منه الاعتداء على الآخرين في أبدانهم أو أموالهم أو أعراضهم، فشرعت العقوبة في الدنيا لتمنع من اقتراف مثل ذلك، وصدق الله العظيم حيث قال: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (1).

الفائدة الثانية: الحقوق قسمان

: الأول: حقوق بين العبد وربه: وأعظمها التوحيد والصلاة.
الثاني: حقوق بين العبد وغيره من الخلق، وأعظمها الدماء، فأول ما يحاسب عليه العبد في حقوق الله الصلاة، وأول ما يقضى فيه بين العباد الدماء.

الفائدة الثالثة: القتل بغير حق من أكبر الكبائر بعد الشرك بالله

: ولا يزال المسلم في فسحة من دينه ما لم يصب دماً حراماً، قال الله تعالى ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً﴾ 2، وقال -صلى الله عليه وسلم- «أَكْبَرُ الْكَبَائِرِ الإِشْرَاكُ بِاللَّهِ وَقَتْلُ النَّفْسِ وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ وَقَوْلُ الزُّورِ» 3، فقتل النفس بغير حق محرم بالإجماع، قال تعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ﴾ 4، وحكم =1

الجزء: 7 - الصفحة: 272

القَتْلُ بِغَيْرِ حَقٍّ يَنْقَسِمُ ثَلاثَةَ أَقْسَامٍ (1):  = القاتل أنه فاسق، وأمره إلى الله، إن شاء عذبه، وإن شاء غفر له، قال الله تعالى ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ ... ﴾ (1)، وهذا إذا لم يتب، فإن تاب توبة نصوحاً فتوبته مقبولة، قال تعالى ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً .. ﴾ (2).

(1)

قوله «القَتْلُ بِغَيْرِ حَقٍّ يَنْقَسِمُ ثَلاثَةَ أَقْسَامٍ»:

أي الجناية على النفس، وهي القتل تنقسم إلى ثلاثة أقسام: عمد، وشبه عمد، وخطأ، ففي القرآن ورد العمد والخطأ وذلك في قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا * وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ 7. أما السنة فقد جاءت بإثبات شبه العمد، كما في حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-: «اقْتَتَلَتِ امْرَأَتَانِ مِنْ هُذَيْلٍ فَرَمَتْ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى بِحَجَرٍ فَقَتَلَتْهَا وَمَا فِي بَطْنِهَا، فَاخْتَصَمُوا إِلَى رَسُول اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فَقَضَى رَسُول اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- أَنَّ =56

الجزء: 7 - الصفحة: 273

أَحَدُهَا: العَمْدُ الْمَحْضُ، وَهُوَ: أَنْ يَقْتُلَهُ بِجُرْحٍ، أَوْ فِعْلٍ يَغْلِبُ عَلى الظَّنِّ أَنَّهُ يَقْتُلُهُ (1)،  = دِيَةَ جَنِينِهَا غُرَّةٌ عَبْدٌ أَوْ وَلِيدَةٌ، وَقَضَى أَنَّ دِيَةَ الْمَرْأَةِ عَلَى عَاقِلَتِهَا» (1).

(1)

قوله «أَحَدُهَا: العَمْدُ الْمَحْضُ، وَهُوَ: أَنْ يَقْتُلَهُ بِجُرْحٍ، أَوْ فِعْلٍ يَغْلِبُ عَلى الظَّنِّ أَنَّهُ يَقْتُلُهُ»:

هذا هو تعريف قتل العمد.
وقد اختلف الفقهاء في تعريف القتل العمد: فذهب الجمهور 9 إلى أن القتل العمد هو الضرب بمحدد أو غير محدد، والمحدد هو ما يقطع، ويدخل في البدن كالسيف والسكين وأمثالهما مما يحدد ويجرح، وغير المحدد هو ما يغلب على الظن حصول الزهوق به عند استعماله كحجر كبير، أو خشبة كبيرة أو بفعل كخنق أو حرق ونحو ذلك مما سيذكره المؤلف.
وذهب أبو حنيفة 10 إلى أن القتل العمد هو أن يتعمد ضرب المقتول في أي موضع من جسده بآلة تفرق الأجزاء، كالسيف، والليطة «قِشرة القصب»، والمروة «بسكون الراء، الحجارة البيض البراقة، تقدح منها النار، وكانوا يذبحون بها لحدتها»، لأن العمد فعل القلب؛ لأنه القصد، ولا يوقف عليه إلا بدليله، وهو مباشرة الآلة الموجبة للقتل عادة، =8

الجزء: 7 - الصفحة: 274

كَضَرْبِهِ بِمُثَقَّلٍ كَبِيْرٍ (1)، أَوْ يُكَرِّرُهُ بِصَغِيْرٍ (2)، أَوْ إِلْقَائِهِ مِنْ شَاهِقٍ (3)، أَوْ خَنْقِهِ أَوْ تَحْرِيْقِهِ، أَوْ تَغْرِيْقِهِ (4)،  = وهذا بخلاف المثقل فليس القتل به عمداً عنده -رحمه الله-.

(1)

قوله «كَضَرْبِهِ بِمُثَقَّلٍ كَبِيْرٍ»:

بدأَ المؤلف بذكر بعض الأوصاف التي يحصل بها قتل العمد فذكر من ذلك «كَضَرْبِهِ بِمُثَقَّلٍ كَبِيْرٍ»، كمطرقة أو سندان أو حجر ثقيل أو خشبة كبيرة، أو يلقي عليه حائطاً أو صخرةٍ عظيمة أو ما أشبهه.
(2)

قوله «أَوْ يُكَرِّرُهُ بِصَغِيْرٍ»:

أي أو يكرر ضربه بالشيء الصغير الذي يحصل القتل بتكرير الضرب به، ففيه القود، لأنه قتله بما يقتل مثله غالبا فأشبه الضرب بمثقل كبير.
(3)

قوله «أَوْ إِلْقَائِهِ مِنْ شَاهِقٍ»:

أي أو يلقي المجني عليه من مكان مرتفع فيحصل قتله به كأن يلقيه من على رأس جبل أو حائط عال وما أشبه ذلك.
(4)

قوله «أَوْ خَنْقِهِ أَوْ تَحْرِيْقِهِ، أَوْ تَغْرِيْقِهِ»:

كل هذه أوصاف لقتل العمد، فمتى حصل للمجني عليه شيء من ذلك فمات به كان القتل عمداً، كأن يجعل في عنقه خراطة، ثم يعلقه في خشبة أو شيء بحيث يرتفع عن الأرض فيختنق ويموت، فهذا عمد سواء مات في الحال أو بقي زمناً، لأن هذا أشد أنواع الخنق، وكذا أن يخنقه وهو على الأرض بيديه أو بمنديل أو بحبل، أو شيء يضعه على فمه وأنفه، أو يضع يديه عليهما فيموت، فهذا إن فعل به ذلك مدة يموت في مثلها غالباً فمات فهو =

الجزء: 7 - الصفحة: 275

أَوْ سَقْيِهِ سُمًّا (1)، أَوِ الشَّهَادَةِ عَلَيْهِ زُوْرًا بِمَا يُوْجِبُ قَتْلَهُ (2)، أَوِ الحُكْمَ عَلَيْهِ بِهِ، وَنَحْوِ هَذَا (3)،  = عمد فيه القصاص.
واشترط بعض الفقهاء شرطاً وهو ألا يمكنه التخلص لضعفه، فإن أمكنه التخلص فلا شيء على الجاني، وقيل: بل يضمنه بالدية إذا كان يمكنه التخلص منهما، لأنه جان بالإلقاء المفضي إلى الهلاك (1). قلت: والصواب عندي أن فيه القصاص مطلقاً أذا حصل بذلك القتل.

(1)

قوله «أَوْ سَقْيِهِ سُمًّا»:

أي أو يسقيه قاتلاً أو يطعمه قاتلا فيموت به فهو عمد إذا كان مثله يقتل غالبا.
(2)

قوله «أَوِ الشَّهَادَةِ عَلَيْهِ زُوْرًا بِمَا يُوْجِبُ قَتْلَهُ»:

أي ومن القتل العمد أن يشهد على المجني عليه زوراً عند القاضي بما يوجب قتله، كأن يشهد رجلان على رجل بما يوجب قتله فيقتل بشهادتهما ثم يرجعان ويعترفان بتعمد القتل فيجب عليهما القتل قصاصاً، لأنهما توصلا إلى قتله بسبب يقتل غالباً فأشبه المكره.
(3)

قوله «أَوِ الحُكْمَ عَلَيْهِ بِهِ، وَنَحْوِ هَذَا»:

أي ومن القتل العمد أن يحكم الحاكم على رجل بالقتل ظلماً عالماً بذلك متعمداً قتله فيقتل ويعترف بذلك فيجب القصاص عليه.

  • فائدة: إذا وضع رجل السحر لشخص حتى أثَّر فيه ومات، فإن هذا يكون قتلاً عمداً، لأن السحر يقتل مثله غالباً، ويجتمع في حق الساحر=11

الجزء: 7 - الصفحة: 276

قَاصِدًا (1)،  =سببان يقتل بهما: الأول: قتله لحقِّ الله - عزّ وجل - إذا لم نقل بكفره.
الثاني: قتله لحق أولياء المقتول، فهنا تعارض عندنا حقان؛ حق أولياء المقتول، وحق الله عزّ وجل، فأيهما يقدم؟ نقول: يقدم حق أولياء المقتول، فإذا قال أولياء المقتول: ما دام أن الرجل سيقتل فنحن نريد الدية فلهم ذلك، وإن قالوا: نريد أن نقتله ونشفي صدورنا منه فلهم ذلك.
وعلى هذا فنقول لأولياء المقتول بالسحر: إن شئتم أعطيناكم هذا الساحر فاقتلوه أنتم قصاصاً، وإن شئتم قَتَلَه وليُّ الأمر حداً، ولكم الدية.

(1)

قوله «قَاصِدًا»:

هذه هي الشروط التي يتحقق بها قتل العمد، فلابد من هذين الشرطين:

الأول قصد الجناية بالقتل:

أي أن يكون الجاني قاصداً وهو أن يقتل ويزهق النفس المحرمة بنية، وإذا تخلفت النية فليس بعمد، قال تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ 12، فجعل قصد القلب للشيء عمداً، ومن هنا قالوا: لا يمكن أن يحكم بقتل العمد إلا إذا وجد قصد ونية للقتل، فلو أنه رمى ولم يقصد القتل، كأن يرمي صيداً وهو لا يقصد القتل، ومثاله أيضاً: المعلم يعذب طالباً =

الجزء: 7 - الصفحة: 277

عَالِمًا بِكَوْنِ الْمَقْتُوْلِ آدَمِيًّا مَعْصُوْمًا، فَهَذَا يُخَيَّرُ الوَلِيُّ فِيْهِ بَيْنَ القَوَدِ وَالدِّيَّةِ (1)،  =ثم يموت الطالب، فهذا لم يقصد القتل وإنما قصد التأديب، فإذا أردنا أن نحكم بالعمد فلا بد من وجود نية للقتل.
وكذا يشترط في القاتل لوجوب القصاص عليه أن يكون مكلفاً، أي عاقلاً بالغاً عند القتل، فلا يجب القصاص على القاتل إذا كان صغيراً أو مجنوناً جنوناً مطبقاً عند القتل، وذلك لأنه ليس لغير المكلف قصد صحيح.

(1)

قوله «عَالِمًا بِكَوْنِ الْمَقْتُوْلِ آدَمِيًّا مَعْصُوْمًا، فَهَذَا يُخَيَّرُ الوَلِيُّ فِيْهِ بَيْنَ القَوَدِ وَالدِّيَّةِ»:

هذا هو الشرط الثاني الذي يتحقق به قتل العمد وهو أن يعلم كونه آدمياً.
فقوله «آدَمِيًّا»، خرج منه قتل الحيوان، فإذا قتل حيواناً فلا يوجب القصاص، فلو أنه رأى شيئاً فظن أنه حيوان أو ظبي أو وعل - كأن يكون في البرـ فرماه فوجده آدمياً، أو رأى شخصاً نائماً فظنه حيواناً - صيداً - فقتله، أو ظنه سبعاً مفترساً فقتله، فإنه لم يقصد آدمياً معصوم الدم، ولم يرد قتل الآدمي، وإنما أراد قتل السبع ليدافع عن نفسه، أو أراد قتل حيوان صيداً.
وخرج بقوله «مَعْصُوْمًا» غير معصوم الدم، كأن يكون حربياً، ففي الجهاد إذا قتل المسلم الكافر فإنه قتل غير معصوم، فلا يوجب هذا القتل قصاصاً عليه.

الجزء: 7 - الصفحة: 278

لِقَوْلِ رَسُوْلِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيْلٌ، فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ، إِمَّا أَنْ يُقْتَلَ، وَإِمَّا أَنْ يُفْدَى (1)،  (1)

قوله «لِقَوْلِ رَسُوْلِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيْلٌ، فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ، إِمَّا أَنْ يُقْتَلَ، وَإِمَّا أَنْ يُفْدَى»

الجزء: 7 - الصفحة: 279

وَإِنْ صَالَحَ القَاتِلُ بِأَكْثَرَ مِنَ الدِّيَّةِ جَازَ (1)،  =فكون الجاني قريباً لهذا لا يلزم أن يكون جانياً، أو يكون مذنباً، بل الجناية تتعلق بالمعتدي، فهو الذي يؤخذ منه الحق دون غيره، وهذا هو حكم الله تعالى.

  • فائدة: من الشروط أيضاً التي لابد من تحققها في قتل العمد: أن يقع القتل وأن يحصل، فلو أنه نوى وقصد المعصوم ولم يحصل القتل، فلا يجب القصاص.
    فمثلاً: لو جاء رجل وهجم على شخص يريد أن يقتله عمداً عدواناً، وكان يعلم أن هذا الشخص معصوم الدم ومحرم النفس، فرماه بسلاحه فكسر رجله، فهو قاصد لقتل المعصوم، ولكن لم يقع القتل، فلا قصاص بالقتل، وإنما يقتص منه بمثل ما آذاه، والجروح قصاص، وينظر في الجرح هل مثله يمكن القصاص به أو لا؟ كما سيأتينا إن شاء الله تعالى في كتاب القصاص.
    إذاً: يشترط لقتل العمد وجود القصد، وأن يكون المقصود آدمياً معصوم الدم، وأن يقع القتل.

(1)

قوله «وَإِنْ صَالَحَ القَاتِلُ بِأَكْثَرَ مِنَ الدِّيَّةِ جَازَ»:

أي أنه إذا اختار القصاص، ثم إن القاتل وأهله قالوا لولي المقتول: لا تقتله، ونحن نعطيك بدل الدية ديتين، أو ثلاث ديات، أو أربعاً، أو عشراً، أو ما أردت، فهذا جائز.
وذهب بعض الفقهاء ومنهم ابن القيم -رحمه الله- أنه ليس له إلاّ الدية فقط، =

الجزء: 7 - الصفحة: 280

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =واحتجوا لقولهم بقوله -صلى الله عليه وسلم-: «مَنْ أُصِيبَ بِدَمٍ أَوْ خَبْلٌ - وَالْخَبْلُ عَرَجُ - فَهُوَ بِالْخِيَارِ بَيْنَ إِحْدَى ثَلاثٍ فَإِنْ أَرَادَ الرَّابِعَةَ فَخُذُوا عَلَى يَدَيْهِ بَيْنَ أَنْ يَقْتَصَّ أَوْ يَعْفُوَ أَوْ يَأْخُذَ الْعَقْلَ فَإِنْ قَبِلَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ، ثُمَّ عَدَا بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ النَّارُ خَالِدًا فِيهَا مُخَلَّدًا» (1)، فقوله «فَخُذُوا عَلَى يَدَيْهِ»، أي: لا توافقوه، ولأن الشرع ما جعل له إلاّ هذا، أو هذا، فإمّا أن تقتص أو الدية.
قلت: والصواب ما ذهب إليه المؤلف لقوله -صلى الله عليه وسلم- «مَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا دُفِعَ إِلَى أَوْلِيَاءِ الْمَقْتُولِ فَإِنْ شَاءُوا قَتَلُوا وَإِنْ شَاءُوا أَخَذُوا الدِّيَةَ وَهِىَ ثَلاثُونَ حِقَّةً وَثَلاثُونَ جَذَعَةً وَأَرْبَعُونَ خَلِفَةً وَمَا صَالَحُوا عَلَيْهِ فَهُوَ لَهُمْ» (2)، وذلك لتشديد القتل.
ولأنه عوض عن غير مال، فجاز الصلح عنه بما اتفقوا عليه، كالصداق، وعوض الخلع.

  • فائدة: قتل العمد فيه ثلاثة حقوق:

الأول: حق الله

، وهذا يسقط بالتوبة.

الثاني: حق أولياء المقتول

، ويسقط بتسليم نفسه لهم.2021

الجزء: 7 - الصفحة: 281

الثَّانِيْ: شِبْهُ العَمْدِ، وَهُوَ: أَنْ يَتَعَمَّدَ الجِنَايَةِ عَلَيْهِ بِمَا لا يَقْتُلُهُ غَالِبًا (1)،

الثالث: حق المقتول

، وهذا لا يسقط؛ لأن المقتول قد قُتل وذهب، ولكن هل يؤخذ من حسنات القاتل، أو أن الله تعالى بفضله يتحمَّل عنه؟ الصواب: أن الله بفضله يتحمل عنه إذا علم صدق توبة هذا القاتل.
(1)

قوله «الثَّانِيْ: شِبْهُ العَمْدِ، وَهُوَ: أَنْ يَتَعَمَّدَ الجِنَايَةِ عَلَيْهِ بِمَا لا يَقْتُلُهُ غَالِبًا»:

هذا هو النوع الثاني من أنواع الجناية، وسمي شبه العمد لأنه قصد الضرب وأخطأ في القتل، ويسمى خطأ العمد وعمد الخطأ، فهو ليس عمداً محضاً، ولا خطأً محضاً، لكنه بينهما، وذلك لأن الجاني قصد الجناية لكن بشيء لا يقتل غالباً، فشبه العمد أن يقصد جناية لا تقتل غالباً، مثل ما لو ضرب إنساناً بالسوط، والعصا الصغيرة، فيؤدي إلى موته، وذلك لأن المعنى غير موجود في مثل هذه الأفعال؛ لأنها لا تقتل عادة، ويقصد به غير القتل، كالتأديب ونحوه، فكان شبه العمد، والجمهور 22 على ثبوت هذا النوع من أقسام القتل، وأنكر مالك 23 في رواية شبه العمد، وقال: القتل إما عمد وإما خطأ لأنه ليس في كتاب الله تعالى إلا العمد والخطأ، وجعل شبه العمد في حكم العمد، وروي عنه أنه قال بشبه العمد.
قلت: والسُنَّة حجَّة على خلاف ما ذهب إليه الإمام مالك إذا ثبت ذلك عنه، فقد ثبت في الصحيحين عن أبى هريرة -رضي الله عنه- قال: «اقْتَتَلَتِ امْرَأَتَانِ مِنْ هُذَيْلٍ فَرَمَتْ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى بِحَجَرٍ قَتَلَتْهَا وَمَا فِي بَطْنِهَا =

الجزء: 7 - الصفحة: 282

فَلا قَوَدَ فِيْهِ (1)،  = فَاخْتَصَمُوا إِلَى النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- فَقَضَى أَنَّ دِيَةَ جَنِينِهَا غُرَّةٌ عَبْدٌ، أَوْ وَلِيدَةٌ وَقَضَى دِيَةَ الْمَرْأَةِ عَلَى عَاقِلَتِهَا» (1)، فإن هذا القتل ليس بخطأ، ومع ذلك فإن النبي -صلى الله عليه وسلم- قد قضى بأن دية المرأة على العاقلة، وقتل العمد الديةُ على القاتل نفسه اتفاقاً لا على العاقلة، فكان قسماً ثالثاً لأنه ليس بخطأ ولا عمدٍ.
ويدل عليه أيضاً، أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «أَلا إِنَّ دِيَةَ الْخَطَإِ شِبْهِ الْعَمْدِ مَا كَانَ بِالسَّوْطِ وَالْعَصَا مِائَةٌ مِنَ الإِبِلِ مِنْهَا أَرْبَعُونَ فِي بُطُونِهَا أَوْلادُهَا» (2). والشاهد قوله -صلى الله عليه وسلم- «أَلا إِنَّ دِيَةَ الْخَطَإِ شِبْهِ الْعَمْدِ»، وكذلك قوله بعد ذلك «مِنْهَا أَرْبَعُونَ فِي بُطُونِهَا أَوْلادُهَا» وهي الدية المغلظة، والدية المغلّظة تكون لشبه العمد، وأما الخطأ فديته، مخففة كما سيأتي، فالصحيح ما ذهب إليه الجمهور.

(1)

قوله «فَلا قَوَدَ فِيْهِ»:

القود هو القصاص، وقتل القاتل بدل القتيل، وقطع العضو بدل العضو، وسمي بذلك لأن القاتل يقاد برُمَّته إلى أولياء المقتول بحبل ويقتل، وقوله «فَلا قَوَدَ فِيْهِ»: أي أن قتل شبه العمد لا =2425

الجزء: 7 - الصفحة: 283

وَالدِّيَّةُ عَلى العَاقِلَةِ (1)،  = قصاص فيه، إنما القصاص في العمد.

(1)

قوله «وَالدِّيَّةُ عَلى العَاقِلَةِ»:

العاقلة: جمع عاقل، وهو دافع الدية، وسميت الدية عقلا تسمية بالمصدر، لأن الإبل كانت تعقل بفناء ولي المقتول، ثم كثر الاستعمال حتى أطلق العقل على الدية وإن لم تكن من الإبل.
وقيل: إنما سميت عقلا لأنها تعقل لسان ولي المقتول، أو من العقل وهو المنع؛ لأن العشيرة كانت تمنع القاتل بالسيف في الجاهلية، ثم منعت عنه في الإسلام بالمال.
وعاقلة الإنسان عصبته، وهم الأقرباء من جهة الأب كالأعمام وبنيهم، والإخوة وبنيهم.
وقد اتفق الفقهاء على أن العاقلة تتحمل دية الخطأ، ودية شبه العمد عند الأئمة الثلاثة: أبي حنيفة 26، والشافعي 27، وأحمد 28. أما مالك 29 فلا يثبت شبه العمد في القتل أصلاً.
واستدلوا لذلك بحديث أبي هريرة -رضي الله عنه- المتقدم: أن امرأتين اقتتلتا، فحذفت إحداهما الأخرى بحجر فقتلتها وما في بطنها، «فَقَضَى رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- أَنَّ دِيَةَ جَنِينِهَا غُرَّةٌ عَبْدٌ أَوْ وَلِيدَةٌ وَقَضَى بِدِيَةِ الْمَرْأَةِ عَلَى =

الجزء: 7 - الصفحة: 284

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =عَاقِلَتِهَا» 30. وقالوا بأن النفس محترمة فلا وجه لإهدارها، وأن الخطأ يعذر فيه الإنسان، وإيجاب الدية في ماله ضرر كبير عليه من غير ذنب تعمده، فلا بد من إيجاب بدله، فكان من محاسن الشريعة الإسلامية وقيامها بمصالح العباد أن أوجبت بدله على من عليه نصرة القاتل، فأوجبت عليهم إعانته على ذلك كإيجاب النفقات على الأقارب.
وهل يتحمل الجاني مع العاقلة شيئاً من الدية؟ قولان للفقهاء: الأول: لا يؤدي الجاني من الدية شيئا مع العاقلة لأن الرسول -صلى الله عليه وسلم- قضى بالدية على العاقلة ولم يكن الجاني من ضمنها، وهذا ما ذهب إليه الشافعية 31، والحنابلة 32. الثاني: وهو ما ذهب إليه الحنفية 33، والمالكية 34: إن الجاني يلزمه من الدية مثل ما يلزم أحد العاقلة؛ لأن الوجوب عليهم باعتبار النصرة، ولا شك أنه ينصر نفسه كما ينصر غيره، وأن العاقلة تتحمل جناية وجدت منه وضمانا وجب عليه، فكان هو أحق بالتحمل.
قلت: والصواب أن العاقلة متى كانت قادرة على دفعها كلها فلا يحمَّل=

الجزء: 7 - الصفحة: 285

الثَّالِثُ: الخَطَأُ (1) وَهُوَ نَوْعَانِ (2). أَحَدُهَمَا: أَنْ يَفْعَلَ فِعْلاً لا يُرِيْدُ بِهِ الْمَقْتُوْلَ، فَيُفْضِيْ إِلى قَتْلِهِ (3)،  =القاتل شيئاً، لكن إن لم تستطع العاقلة دفعها كاملة فيدفع القاتل باقيها.

  • فائدة: لا خلاف بين الفقهاء على أن الدية مؤجلة في ثلاث سنين في آخر كل سنة ثلثها: قال ابن قدامة -رحمه الله-: «لا أعلم في أنها تجب مؤجلة خلافاً بين أهل العلم، وروي ذلك عن عمر وعلي وابن عباس رضي الله عنهم» (1).

(1)

قوله «الثَّالِثُ: الخَطَأُ»:

أي النوع الثالث من أنواع القتل هو قتل الخطأْ، والخطأ: ضد الصواب، وأخطأ في الشيء إذا لم يصبه، والمراد هنا: أنه لا يقصد القتل ولا يريده، وهو يقع على صور منها: أن يرمي شيئاً يظنه صيداً فيصيب آدمياً ويقتله، وهو معصوم الدم، أو - مثلاًـ يأتي بقصد الإحسان، كالطبيب يريد أن يعالج، فيهمل في بعض الأشياء بدون قصد للقتل، فيحصل به إزهاق النفس وموت المريض ونحو ذلك، وسيأتي إن شاء الله تعالى الكلام عليه.

(2)

قوله «وَهُوَ نَوْعَانِ»:

أي والقتل الخطأ نوعان (3)

قوله «أَحَدُهَمَا: أَنْ يَفْعَلَ فِعْلاً لا يُرِيْدُ بِهِ الْمَقْتُوْلَ، فَيُفْضِيْ إِلى قَتْلِهِ»:

هذا هو النوع الأول من أنواع قتل الخطأْ: وهو الخطأ في الفعل: فهو أن يقصد رمي شاخص أو رمي صيد فيخطئ لا يريد به المجني عليه «المقتول»، فيصيب آدمياً فيقتله.
وحكم هذا النوع من القتل أنه تجب به الدية على العاقلة والكفارة في =35

الجزء: 7 - الصفحة: 286

أَوْ يَتَسَبَّبُ إِلى قَتْلِهِ بِحَفْرِ بِئْرٍ وَنَحْوِهِ (1). وَقَتْلُ النَّائِمِ وَالصَّبِيِّ وَالْمَجْنُوْنِ (2)،  = مال القاتل بغير خلاف بدليل قوله سبحانه: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾ (1).

(1)

قوله «أَوْ يَتَسَبَّبُ إِلى قَتْلِهِ بِحَفْرِ بِئْرٍ وَنَحْوِهِ»:

أي ومن أوجه قتل الخطأْ بالفعل هو أن يحفر شخص بئراً في طريق فيقع فيها آخر فيهلك، فهذا لا يعتبر عمدًا، لأنه لم يقصد الفعل إطلاقاً، لكنه ضامن ما لم يقم بعمل الاحتياطات اللازمة كأن يضع أمام الحفرة علامات أو أنواراً تميزها في الطريق عن غيرها، فإن عمل الاحتياطات فسيكون التفريط من الساقط، فحينئذٍ لا ضمان عليه.
(2)

قوله «وَقَتْلُ النَّائِمِ وَالصَّبِيِّ وَالْمَجْنُوْنِ»:

أي وكذلك من أوجه قتل الخطأْ بالفعل قتل فاقد العقل كالنائم والصبي والمجنون، فإذا تعمد هؤلاء القتل فهو خطأ، أما المجنون فظاهر، لأن من شروط العمد القصد، والمجنون لا قصد له.
وأما الصبي والمراد به هنا من دون البلوغ فعمده خطأ، لحديث: «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلاثٍ عَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنِ الصَّبِىِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ، وَعَنِ الْمَجْنُونِ حَتَّى يُفِيقَ» 37، وكذلك النائم فعمده خطأ.
=36

الجزء: 7 - الصفحة: 287

فَحُكْمُهُ حُكْمُ شِبْهِ العَمْدِ (1)،  =وهل يمكن للنائم أن يقتل؟ نعم فبعضهم يمشي وهو نائم، وقد ذكر شيخنا (1) -رحمه الله- أن بعض الناس وهو نائم يخرج إلى الوادي شمال البلد، وهو واضع رأسه على كتفه، وبعضهم يقوم يشرب ثم يرجع وهو لا يعلم، فعمد النائم - أيضاً - يعتبر من الخطأ؛ لأنه لم يقصد، ومن شروط العمد القصد.

مسألة في عمد السكران

: قال شيخنا -رحمه الله-: «عمد السكران على المذهب عمد، لأنه لا يعذر به، وكل أقوال السكران وأفعاله معتبرة، ولهذا يقع طلاقه، ويصح إقراره، وعتقه، وإيقافه، لكن الصحيح أن السكران لا يؤاخذ بأقواله فلا يقع عتقه، ولا طلاقه، ولا وقفه، ولا إقراره.
كذلك أفعال السكران موضع خلاف، لكن الصحيح أنه لا يؤاخذ بفعله أيضاً، إلاّ إذا قال: إنه سيسكر لأجل أن يقتل، يعني أنه عرف أنه لو ذهب إلى فلان وقتله وهو صاحٍ أنه سيقتل به، فأراد أن يسكر لأجل أن يقتل هذا الرجل، فهذا لا شك أنه عمد؛ لأنه قصد الجناية قبل أن يسكر» (2).

(1)

قوله «فَحُكْمُهُ حُكْمُ شِبْهِ العَمْدِ»:

أي فحكم الخطأْ هو حكم شبه العمد.
قلت: لكن يشترك الخطأ وشبه العمد في أمور، ويفترقان في أمور، =3839

الجزء: 7 - الصفحة: 288

النَّوْعُ الثَّانِيْ: أَنْ يَقْتُلَ مُسْلِمًا فِيْ دَارِ الحَرْبِ يَظُنُّهُ حَرْبِيًّا، أَوْ يَقْصِدَ رَمْيَ صَفِّ الكُفَّارِ، فَيُصِيْبُ سَهْمُهُ مُسْلِمًا (1)،  =فيشتركان فيما يلي: 1 - أنه لا قصاص فيهما.
2 - أن فيهما الدية.
3 - أن الدية على العاقلة.
ويختلفان فيما يلي: 1 - أن شبه العمد قصد، والخطأ ليس بقصد.
2 - أن دية شبه العمد مغلظة، ودية الخطأ غير مغلظة.
3 - أن شبه العمد فيه إثم، والخطأ لا إثم فيه.

  • فائدة: يفارق الخطأ العمد فيما يلي: 1 - أن العمد فيه قصاص، والخطأ لا قصاص فيه.
    2 - العمد ديته مغلظة، والخطأ مخففة.
    3 - العمد ديته على القاتل، والخطأ على العاقلة.
    4 - العمد لا كفارة فيه، والخطأ فيه كفارة.
    5 - العمد فيه إثم عظيم، والخطأ لا إثم فيه.

(1)

قوله «النَّوْعُ الثَّانِيْ: أَنْ يَقْتُلَ مُسْلِمًا فِيْ دَارِ الحَرْبِ يَظُنُّهُ حَرْبِيًّا، أَوْ يَقْصِدَ رَمْيَ صَفِّ الكُفَّارِ، فَيُصِيْبُ سَهْمُهُ مُسْلِمًا»:

هذا هو النوع الثاني من قتل الخطأْ وهو الخطأْ في القصد أو الاعتقاد وذلك بأن يرمى من يظنه مباح الدم فيتبين آدمياً معصوماً مثل ما ذكره المؤلف وهو أن يقتل في =

الجزء: 7 - الصفحة: 289

فَفِيْهِ كَفَّارَةٌ بِلا دِيَةٍ؛ لِقَوْلِ اللهِ تَعَالى: ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ (1)،  = دار الحرب أو في صف الكفار من يظنه حربياً فيتبين مسلماً، أو يتترس الكفار بمسلم ويخاف على المسلمين إن لم يرموا فيرميهم قصداً لهم فيصيب المسلم.

(1)

قوله «فَفِيْهِ كَفَّارَةٌ بِلا دِيَةٍ؛ لِقَوْلِ اللهِ تَعَالى: {فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾»

الجزء: 7 - الصفحة: 290

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  = السَّوْطِ وَالْعَصَا مِئَةٌ مِنَ الإِبِلِ مِنْهَا أَرْبَعُونَ فِي بُطُونِهَا أَوْلادُهَا» 47، ولأنه قتل مسلما خطأ فوجبت ديته كما لو كان في دار الإسلام.

الجزء: 7 - الصفحة: 291

بابُ شُرُوْطِ وُجُوْبِ القِصَاصِ وَاسْتِيْفَائِهِ

(1) وَيُشْتَرَطُ لِوُجُوْبِهِ أَرْبَعَةُ شُرُوْطٍ (2): أَحَدُهَا: كَوْنُ القَاتِلِ مُكَلَّفًا، فَأَمَّا الصَّبِيُّ وَالْمَجْنُوْنُ فَلا قِصَاصَ عَلَيْهِمَا (3)،  (1)

قوله «بابُ شُرُوْطِ وُجُوْبِ القِصَاصِ وَاسْتِيْفَائِهِ»:

أي القود، فإذا فقد شرط من شروطه سقط القصاص.
(2)

قوله «وَيُشْتَرَطُ لِوُجُوْبِهِ أَرْبَعَةُ شُرُوْطٍ: »:

أي يشترط لوجوب القصاص على الجاني شروط أربعة، وهذه الشروط على سبيل الاستقراء والتتبع.
(3)

قوله «أَحَدُهَا: كَوْنُ القَاتِلِ مُكَلَّفًا، فَأَمَّا الصَّبِيُّ وَالْمَجْنُوْنُ فَلا قِصَاصَ عَلَيْهِمَا»:

التكليف يقوم على أساسين: البلوغ والعقل.
فإذا كان القاتل غير مكلف، كصبي قتل رجلاً أو قتل صبياً، فإنه لا يقتص من هذا الصبي؛ لأنه مرفوع عنه القلم وغير مكلف وغير مؤاخذ.
وكذلك أيضاً إذا قتل مجنون رجلاً أو قتل جماعة، فإنه لا يقتص منه؛ لأنه غير مؤاخذ، وهذا بإجماع العلماء رحمهم الله.
وفي الصبي خلاف إذا كان مميزاً، والصواب أن التفريق بين الصبي المميز وغير المميز قول ضعيف.
فالحاصل أن عمد الصبي والمجنون خطأ، فالصبي إذا قتل فلا يجب القصاص ولكن تجب الدية.
وهكذا لو أن الصبي قطع عضواً أو ضرب شخصاً فأتلف له عضواً أو نحو ذلك، فإنه يجب ضمان هذه الجناية، ولا يجب القصاص والقود.

الجزء: 7 - الصفحة: 292

الثَّانِيْ: كَوْنُ الْمَقْتُوْلِ مَعْصُوْمًا (1)،  (1)

قوله «الثَّانِيْ: كَوْنُ الْمَقْتُوْلِ مَعْصُوْمًا»:

هذا هو الشرط الثاني فيما يشترط لوجوب القصاص.
والمراد بهذا الشرط أننا لا نحكم بوجوب القصاص إلا إذا كان المقتول معصوم الدم، وهذه العصمة يحكم بها الشرع، بمعنى: أن الشريعة حرمت قتل هذا المقتول، فإذا ثبتت العصمة للمقتول؛ فإن من قتله بدون حق يجب عليه القصاص.
والأصل في هذا: أن الله حرم قتل المعصوم، كما قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً﴾ 48، فبين أن الإيمان عصمة للإنسان، وأنه لا يجوز قتل المؤمن إلا على وجه الحق.
وقال تعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ 49، قيل في تفسيرها أي: لا تقتلوا إخوانكم، فدل هذا على أن الإيمان عصمة.
ودلت السنة أيضاً على هذا، كما في الصحيح من حديث عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «لا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ يَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللهِ إِلاَّ بِإِحْدَى ثَلاثٍ النَّفْسُ بِالنَّفْسِ وَالثَّيِّبُ الزَّانِي وَالْمَارِقُ مِنَ الدِّينِ التَّارِكُ الْجَمَاعَةَ» 50، فقوله: «لا يَحِلُّ» عبر بهذه الصيغة المقتضية للتحريم.
=

الجزء: 7 - الصفحة: 293

فَإِنْ كَانَ حَرْبِيًّا (1)، أَوْ مُرْتَدًّا (2)، أَوْ قَاتِلاً فِيْ الُمَحَارَبَةِ (3)، أَوْ زَانِيًا مُحْصَنًا (4)،  =فإن كان المقتول غير معصوم الدم أو مباح الدم، مثل الحربي، فإنه لا يقتص من المسلم في قتل الحربي؛ لأن الحربي لا عصمة له في الشرع، وليس بمعصوم الدم.

(1)

قوله «فَإِنْ كَانَ حَرْبِيًّا»:

الحربي هو الكافر الذي بيننا وبينه حرب، وليس بيننا وبينه عهد، مثل اليهود الذين احتلوا فلسطين، فهؤلاء ليس بيننا وبينهم عهد.
وما ذكره المؤلف هو تمثيل على الدم المهدر وهو دم الحربي، فإذا قتله المسلم لم يضمنه بقصاص ولا دية.
(2)

قوله «أَوْ مُرْتَدًّا»:

أي وكذلك لا يقتل الجاني بقتله للمرتد ولم يضمنه، لأنه غير معصوم الدم، لكنه يعاقب على قتله، فيعزره الإمام، لأنه ليس لأحد أن يفتات على الإمام، أو نائبه.
والردة تكون بالأقوال أو بالأفعال الموجبة للخروج من الإسلام، مثل أن يستهزئ بالله، أو برسوله -صلى الله عليه وسلم-، أو يجحد فريضة معلومة من فرائض الإسلام، أو يترك الصلاة تركاً مطلقاً على القول الصحيح، أو ما أشبه ذلك.

(3)

قوله «أَوْ قَاتِلاً فِيْ الُمَحَارَبَةِ»:

كأن تقوم حرب بين طائفتين من المسلمين فيقتل فيها، فيسقط عن القاتل القصاص ولا يضمن.
(4)

قوله «أَوْ زَانِيًا مُحْصَنًا»:

أي وكذلك مما يسقط به القصاص والضمان، أن يكون المجني عليه زانياً محصناً «يعني متزوجاً» لأن الزاني المحصن غير معصوم الدم.
=

الجزء: 7 - الصفحة: 294

أَوْ قَتْلُهُ دَفْعًا عَنْ نَفْسِهِ، أَوْ مَالِهِ، أَوْ حُرْمَتِهِ (1)،  =وقد اختلف العلماء فيمن قتله، فبعض العلماء يرى أن المحصن مهدر الدم، وأنه إذا قتله القاتل فلا قصاص عليه، قالوا: لأن دمه مستحق بالشرع، فإذا قتل فإنه لا عصمة له حتى نقتل من قتله، فأسقطوا القصاص لعدم وجود العصمة.
ومن أهل العلم من قال: إن قتل الزاني المحصن أمر إلى ولي الأمر والقاضي، فهو مستحق بحكم الشرع، وليس لأحد أن يأتي ويقتله، لأن هذا لا يستند إلى ولاية بالقتل، وقد جعل الله عز وجل ولاية قتله للسلطان ومن يقوم مقامه، ولأنه في بعض الأحيان يكون قتله حميةً، كما لو جاء ووجده مع زوجته وهو محصن فقتله، أو شهد الشهود الأربعة على أنه زنى بزوجته فقتله، قالوا في هذه الحالة: يكون قتله أشبه بالغيرة، وليس قياماً بحق الشرع، لأنه ليس على الصفة المعتبرة شرعاً، وهذا هو الصواب.

(1)

قوله «أَوْ قَتْلُهُ دَفْعًا عَنْ نَفْسِهِ، أَوْ مَالِهِ، أَوْ حُرْمَتِهِ»:

هذه المسألة تسمى بدفع الصائل، والصائل هو: الشخص الذي يهجم على الإنسان؛ إما من أجل أن يضره في نفسه كأن يريد قتله، أو يضره في عرضه أو يصول على ماله، ولكن هناك ضوابط لابد من مراعاتها قبل دفع الصائل بالقتل منها: أولاً: أن الأصل العام يقتضي أن دم المسلم حرام ولا يجوز للمسلم أن يقتل غيره أو يتلف شيئاً من جسده إلا إذا أذن الشرع بذلك؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم- =

الجزء: 7 - الصفحة: 295

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =: «إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ» 51، وقوله -صلى الله عليه وسلم- «لا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ يَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللهِ إِلاَّ بِإِحْدَى ثَلاثٍ النَّفْسُ بِالنَّفْسِ وَالثَّيِّبُ الزَّانِي وَالْمَارِقُ مِنَ الدِّينِ التَّارِكُ الْجَمَاعَةَ» 52. هذه الأصول الشرعية تدل على أنه لا يجوز لأحد أن يقتل المسلم إلا إذا دلَّ الشرع على جواز ذلك القتل وحله.
فلو أن شخصاً مسالماً هجم عليه شخص في البيت ومعه سلاح ويريد قتله أو يريد أن يعتدي على عرضه، ففي هذه الحالة ينبغي علينا أن نبقي على الأصل ونقول: لا يجوز أن تتعرض لهذا الذي هجم فتقتله إذا كنت تستطيع دفع ضرره بالأخف.
فلو أمكن الشخص أن يستغيث - بعد الله - بأشخاص يأتون من أجل أن ينقذوه دون أن يحصل قتل لم يجز له أن يقتله.
ولو أمكن أن يستخدم وسيلة تحول بينه وبين هجوم الشخص عليه كقفل الباب، فحينئذ يجب عليه قفل بابه أو ركوب سيارته والهروب إذا أمكن أن يهرب، فإذا تلافى هذا الضرر دون أن يحدث ضرر عليه فعل.
أما إذا أصبح أمام الموت بحيث هجم عليه هجوماً لا يمكن معه أن يدفع ضرره إلا بالقتل، فحينئذ يحل له شرعاً قتله، لقوله -صلى الله عليه وسلم- «مَنْ قُتِلَ دُونَ=

الجزء: 7 - الصفحة: 296

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ» (1)، أما إذا أمكنه إذا هجم عليه هجوماً أن يدفع الضرر بضرر في نفس هذا الصائل دون قتله كأن يصيبه في بدنه فلا يجوز أن يقتله.

ثانياً: أن يكون صائلاً بظلم لا صائلاً بشبهة،

بمعنى: لو أن اثنين اختلفا في أرض فجاء أحدهما ودخلها بحكم أنه يعتقد أن الأرض أرضه، فلا نقول: إن هذا صائل لأن الأرض ما ثبت أن فلاناً يملكها.

ثالثاً: أن يكون الشخص الذي صال يخشى منه الضرر على النفس أو على المال أو على العرض،

ويكون ضرراً مؤثراً، فإذا كان المال شيئاً تافهاً، كما لو جاء يريد أن يأخذ قلماً أو كتاباً، فلا نقول: إنه يباح قتله؛ لأن هذا شيء تافه في مقابلة حرمة الدم، وقد أخبر النبي -صلى الله عليه وسلم- أن زوال الدنيا أهون عند الله من إراقة دم امرئٍ مسلم، فليست دماء المسلمين رخيصة بهذا الشكل فتستباح بشيء تافه حقير.

رابعاً: أن يذكره بالله عز وجل، وينصحه إذا أمكن ذلك،

فيعذر إليه ويحذره ويمنعه إذا أمكنه ذلك، فيقول له: إذا هجمت أو دخلت دون إذني سأقتلك، أو إذا اعتديت علي سأقتلك، فيعذر إليه وينبهه لاحتمال أن يكون مخطئاً، ودخل الدار خطأً ويظن صاحب المنزل أنه صائل وهو ليس بصائل.53

الجزء: 7 - الصفحة: 297

فَلا ضَمَانَ فِيْهِ (1). الثَّالِثُ: كَوْنُ الْمَقْتُوْلِ مُكَافِئًا لِلْقَاتِل، فَيُقْتَلُ الحُرُّ المُسْلِمُ بِالحُرِّ المُسْلِمِ (2)،

خامساً: ألا يتمكن من دفع ضرره إلا بالقتل كما سبق،

فإذا لم يمكنه دفع ضرره إلا بالقتل وكان الضرر على النفس أو على العرض أو على المال، فإنه يجوز له أن يدفع ذلك الضرر ولو بإزهاق روحه؛ لثبوت النص عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بسقوط حرمته.
(1)

قوله «فَلا ضَمَانَ فِيْهِ»:

أي فإن كان المقتول حربياً أو مرتداً أو قاتلاً في المحاربة أو زانياً محصناً أو قتله دفعاً عن نفسه أو ماله أو حرمته فلا ضمان فيه، لأنه غير معصوم.
(2)

قوله: «الثَّالِثُ: كَوْنُ الْمَقْتُوْلِ مُكَافِئًا لِلْقَاتِلِ فَيُقْتَلُ الحُرُّ المُسْلِمُ بِالحُرِّ»:

ذهب جمهور 54 الفقهاء إلى أن من شروط وجوب القصاص في القتل المكافأة بين القاتل والقتيل في الدين والحرية أو الرق، فلا يقتل الأعلى بالأدنى، ولكن يقتل الأدنى بالأعلى وبالمساوي مع اختلافهم في الأوصاف التي تعتبر للمكافأة.
واحتجوا لذلك بقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بِالأُنثَى﴾ 55. وخالف الحنفية 56 فقالوا لا يشترط في القصاص في النفس المساواة بين القاتل والقتيل إلا أنه لا يقتل عندهم المسلم ولا الذمي بالحربي، لا =

الجزء: 7 - الصفحة: 298

ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثى (1)،  = لعدم المساواة بل لعدم العصمة.
قوله: «فَيُقْتَلُ الحُرُّ المُسْلِمُ بِالحُرِّ المُسْلِمِ»: أي فإذا كان القاتل حراً مسلماً اشترط كون المقتول حراً مسلماً لتحقق الكفاءة بينهما لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بِالأُنثَى﴾ (1)، وقد أجمع أهل العلم على أن الحر المسلم يقاد به قاتله وإن كان مجدع الأطراف معدوم الحواس والقاتل صحيحاً سوي الخلق أو كان بالعكس، وكذلك إن تفاوتا في العلم والشرف، والغنى والفقر، والصحة والمرض، والقوة والضعف، والكبر والصغر، والسلطان والسوقة، ونحو هذا من الصفات لم يمنع القصاص بالاتفاق وقد دلت عليه الآية السابقة، وقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «الْمُؤْمِنُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ» (2)، ولأن اعتبار التساوي في الصفات والفضائل يفضي إلى إسقاط القصاص بالكلية وفوات حكمة الردع والزجر فوجب أن يسقط اعتباره كالطول والقصر والسواد والبياض.

(1)

قوله «ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثى»:

أي يستوي في ذلك الذكر والأُنثى فيقتل الذكر بالأنثى والأنثى بالذكر، وفي رواية عن الإمام أحمد 59: أن الرجل لا=5758

الجزء: 7 - الصفحة: 299

وَلا يُقْتَلُ حُرٌّ بِعَبْدٍ (1)، وَلا مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «لا يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِكَافِرٍ» (2)،  =يقتل بالمرأة وإنما يدفع إليه نصف ديته لأن ديتها نصف ديته، فإذا قتل بها بقي له بقية فاستوفيت ممن قتله.
والصحيح هو القول الأول لعموم قوله تعالى: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾، وقوله: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ﴾ مع عموم سائر النصوص، وقد ثبت أن النبي -صلى الله عليه وسلم- «قتل يهودياً رض رأس جارية من الأنصار» (1)، ولأنهما شخصان يحد كل واحد منهما بقذف صاحبه فقتل كل واحد منهما بالآخر كالرجلين، ولا يجب مع القصاص شيء لأنه قصاص واجب فلم يجب معه شيء على المقتص كسائر القصاص.

(1)

قوله «وَلا يُقْتَلُ حُرٌّ بِعَبْدٍ»:

سواء كان عبده أو عبداً لغيره، لقول الله تعالى: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾ (2)، فيدل على أنه لا يقتل به الحر، وعن علي -رضي الله عنه- أنه قال: «من السنة ألا يقتل حر بعبد» (3). (2)

قوله «وَلا مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «لا يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِكَافِرٍ»

الجزء: 7 - الصفحة: 300

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =وخالف في ذلك الحنفية 65 فقالوا: يقتل المسلم بالذمي، واحتجوا بعموم قوله تعالى ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾، وقوله ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ﴾، ولأنه معصوم عصمة مؤبدة فيقتل به قاتله كالمسلم.
والصحيح: ما ذهب إليه الجمهور، أي لا يقاد مسلم بكافر لحديث أبي جحيفة قال: قلت لعلي هل عندكم كتاب قال: لا، إلا كتاب الله، أو فهم أعطيه رجل مسلم، أو ما في هذه الصحيفة قال: قلت فما في هذه الصحيفة قال «الْعَقْلُ وَفَكَاكُ الأَسِيرِ وَلا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ»، وفي رواية عن قيس بن عباد قال انطلقت أنا والأشتر إلى على -رضي الله عنه- فقلنا هل عهد إليك رسول الله -صلى الله عليه وسلم- شيئًا لم يعهده إلى الناس عامة؟ قال لا إلا ما في كتابي هذا - قال مسدد قال - فأخرج كتاباً فإذا فيه: «الْمُؤْمِنُونَ تَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ وَهُمْ يَدٌ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ وَيَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ أَلا لا يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِكَافِرٍ وَلا ذُو عَهْدٍ فِي عَهْدِهِ مَنْ أَحْدَثَ حَدَثًا فَعَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَحْدَثَ حَدَثًا أَوْ آوَى مُحْدِثًا فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ» 66. وعن علي -رضي الله عنه- أنه قال «مِنَ السُّنَّةِ أَنْ لا يُقْتَلَ مُؤْمِنٌ بِكَافِرٍ، وَلا حُرٌّ بِعَبْدٍ» 67، ولأن الكافر منقوص بالكفر فلا يقتل به المسلم كالمستأمن.
وأما أدلة الحنفية فهي أدلة عامة مخصوصة بهذه الأدلة التي ذكرناها، =

الجزء: 7 - الصفحة: 301

وَيُقْتَلُ الذِّمِّيُّ بالذِّمِّيِّ وَالمُسْلِمِ (1)، وَيُقْتَلُ العَبْدُ بِالعَبْدِ (2)، وَالحُرِّ بِالحُرِّ (3)،  =وأما حديثهم أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أقاد مسلماً بذمي وقال «أنا أحق من وفي بذمته»، فهو حديث ضعيف، بل ليس له إسناد.

(1)

قوله «وَيُقْتَلُ الذِّمِّيُّ بالذِّمِّيِّ وَالمُسْلِمِ»:

الذمِّي هو الذي بيننا وبينه عهد وذمة أن يبقى في دارنا آمناً، تحفظ له حقوقُه، ولا يعتدى عليه لكن عليه الجزية.
فلو قتل هذا الذمِّي ذمياً مثله فإنه يقاد به، سواء اتفقت أديانهم أو اختلفت فيقتل النصراني باليهودي والمجوسي.
وكذلك إن تعدى ذمِّي على مسلم بالقتل فإنه يقتل به لا العكس كما سبق، لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- «قتل اليهودي الذي رض رأس جارية من الأنصار على أوضاح لها» (1)، ولأنه إذا قتل بمثله فبمن فوقه أولى.

(2)

قوله «وَيُقْتَلُ العَبْدُ بِالعَبْدِ»:

لعموم قوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بِالأُنثَى﴾ (2)، ولأن الكل عبيد ويقتل العبد بالعبد مطلقاً.
وفي رواية أُخرى (3) إن كان القاتل أغلى قيمة لا يقتل.

(3)

قوله «وَالحُرِّ بِالحُرِّ»:

للآية السابقة، وقد سبق بيان ذلك.686970

الجزء: 7 - الصفحة: 302

الرَّابِعُ: أَنْ لا يَكُوْنَ أَباًّ لِلْمَقْتُوْلِ، فَلا يُقْتَلُ وَالِدٌ بِوَلَدِهِ وَإِنْ سَفَلَ، وَالأَبَوَانِ فِيْ هَذَا سَوَاءٌ (1)، وَلَوْ كَانَ وَلِيُّ الدَّمِ وَلَدًا، أَوْ لَهُ فِيْهِ حَقٌّ وَإِنْ قَلَّ، لَمْ يَجِبِ القَوَدُ (2)،  (1)

قوله «الرَّابِعُ: أَنْ لا يَكُوْنَ أَباًّ لِلْمَقْتُوْلِ، فَلا يُقْتَلُ وَالِدٌ بِوَلَدِهِ وَإِنْ سَفَلَ، وَالأَبَوَانِ فِيْ هَذَا سَوَاءٌ»:

هذا ما ذهب إليه جمهور الفقهاء (1) أي أنه لا يقتص منه، فالوالد لا يقاد بولده ذكراً أو أنثى، والجد لا يقاد بولد ولده وإن نزلت درجته، وسواء في ذلك ولد البنين وولد البنات.
وفصَّل المالكية (2) فقالوا: لا يقاد الأب بالابن إلا أن يضجعه فيذبحه أو يبقر بطنه، فأما إذا حذفه بالسيف أو بالعصا فقتله لم يقتل به، وكذلك الجد مع حفيده.
وقال بعض العلماء في بيان العلة في عدم قتل الوالد بولده: أن الوالد يؤدب ولده، والغالب ألا يقتل والد ولده عمداً عدواناً، لكن هناك شبهة التربية والتأديب، وأنه لا يقدم على ضربه حتى يموت، لما جبل عليه الوالد من الرحمة والعطف عليه، فالشبهة قائمة، والشبهة تسقط القصاص.

(2)

قوله «وَلَوْ كَانَ وَلِيُّ الدَّمِ وَلَدًا، أَوْ لَهُ فِيْهِ حَقٌّ وَإِنْ قَلَّ، لَمْ يَجِبِ القَوَدُ»:

فلو كان رجل له زوجة وله منها ابن فقتل أحد الزوجين الآخر لم يجب القصاص لأنه لو ثبت لثبت للابن والابن لا يجب له القصاص على=7172

الجزء: 7 - الصفحة: 303

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =والده لأنه إذا لم يجب بالجناية عليه فلأنه لا يجب عليه بجناية على غيره أولى.

فائدة: هل هناك قصاص باليد، والعصا، والسوط؟

قال بعض أهل العلم فيه قصاص، وقال بعضهم: بل فيه التعزير، ورجح شيخ الإسلام وابن القيم وغيرهما أن فيه القصاص، وقالوا: بأن هذا هو المأثور عن الصحابة، وقد قص الرسول -صلى الله عليه وسلم- من نفسه، وهذا ما صرح به عمر وفعله، والله يقول: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ ... ﴾ (1).

فائدة: لا يجمع في عضو واحد بين دية وقصاص

: بل إن اقتص سقطت الدية، وإن أخذ الدية فلا قصاص.73

الجزء: 7 - الصفحة: 304

فَصْلٌ فِيْ شُرُوْطِ اسْتِيْفَاءِ القِصَاصِ

(1) وَيُشْتَرَطُ لِجَوَازِ اسْتِيْفَاءِ القِصَاصِ ثَلاثَةٌ: أَحَدُهَا: أَنْ يَكُوْنَ لِمُكَلَّفٍ (1)،  (1)

قوله «فَصْلٌ فِيْ شُرُوْطِ اسْتِيْفَاءِ القِصَاصِ»:

أي شروط تنفيذه واستيفائه، المعتبرة في ورثة المقتول، والمعنى أي: في هذا الموضع سأذكر لك الأمور المعتبرة للحكم باستيفاء أولياء المقتول حقهم من القاتل، وذلك بالقصاص والقود.
(2)

قوله «وَيُشْتَرَطُ لِجَوَازِ اسْتِيْفَاءِ القِصَاصِ ثَلاثَةٌ: أَحَدُهَا: أَنْ يَكُوْنَ لِمُكَلَّفٍ»:

هذا هو الشرط الأول: أي أن يكون مستحق القصاص مكلفاً؛ أي: بالغاً عاقلاً، وذلك لأن استيفاء القصاص ولاية، قال تعالى: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلا يُسْرِفْ فِى الْقَتْلِ﴾ 74، والصبي والمجنون لا ولاية لهما، فإن كان مستحق القصاص أو بعض مستحقيه صبياً أو مجنوناً، لم يستوفه لهما وليهما، لأن القصاص لما فيه من التشفي والانتقام ولا يحصل ذلك لمستحقه باستيفاء غيره، فيجب الانتظار في تنفيذ القصاص، ويحبس الجاني إلى حين بلوغ الصغير وإفاقة المجنون، لأن معاوية حبس هدبة بن خشرم في قصاص، حتى بلغ ابن القتيل، وكان ذلك في عصر الصحابة، ولم ينكر، فكان إجماعاً من الصحابة الذين في عصر معاوية -رضي الله عنه-.
وفي قول آخر اختاره الشيخ عبد الرحمن بن سعدي 75، أن لوليهما=

الجزء: 7 - الصفحة: 305

فَإِنْ كَانَ لِغَيْرِهِ، أَوْ لَهُ فِيْه حَقٌّ وَإِنْ قَلَّ، لَمْ يَجُزِ اسْتِيْفَاؤُهُ (1)،  =العفو إلى الدية وكذا الوصي والحاكم، وذلك: لأنه يقوم مقامه في تصرفاته كلها، فكذلك هنا؛ ولأن ترك ذلك يترتب عليه فوات الحق أو تفويته، فقد يموت الجاني قبل أن يقتل، وقد يهرب، أو يحصل ما يمنع من إقامة الحد عليه بفعل ظالم ونحو ذلك، فلكي لا يفوت الحق فإنا نقيم الولي مقامه، ولأن المصلحة هنا وهي مصلحة عدم تفويت الحق وفواته أرجح من مصلحة التشفي، ولا شك أنه يحصل له تشفي عندما يختار وليه القتل، ويحصل له انتفاع بالدية إذا اختار الدية والولي يختار ما فيه مصلحة.

  • فائدة: قال شيخنا -رحمه الله-: «استثنى بعض العلماء من هذه المسألة ما إذا كان القتل غيلة»: أي: أن يقتله على غِرَّة - فإنه يقتل القاتل بكل حال، سواء اختار أولياء المقتول القتل أم الدية، وبناءً على هذا القول فإنه لا يحبس الجاني حتى يبلغ أولياء المقتول، لأن قتل الغيلة فيه مفسدة عظيمة، ولأنه لا يمكن التحرز منه، إلاّ أن يكون مَلِكاً أو أميراً له جنود وحاشية يحرسونه فيمكنه التحرز منه، لكن عامة الناس لا يمكنهم التحرز منه» (1).

(1)

قوله «فَإِنْ كَانَ لِغَيْرِهِ، أَوْ لَهُ فِيْه حَقٌّ وَإِنْ قَلَّ، لَمْ يَجُزِ اسْتِيْفَاؤُهُ»:

أي فإن كان حق استيفاء القصاص لغير مكلف، كأن يكون صغير قتل أباه ولا وارث له غيره، أو كان هذا الصغير له فيه حق وإن قل، لم يجز استيفاء=76

الجزء: 7 - الصفحة: 306

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =القصاص من قبل ولي الصغير أو غيره، كما لو قتل رجل، وورثه أبوه وابنه الصغير، فليس للأب أن يستوفي القصاص، لأن أحد مستحقيه صغير لم يبلغ، وذلك لأن القصاص فيه من التشفي والانتقام ولا يحصل ذلك إلا إذا استوفاه الوارث بنفسه، فيجب الانتظار في تنفيذ القصاص، ويحبس الجاني إلى حين بلوغ الصغير وإفاقة المجنون الذي يرجى إفاقته من جنونه.
وفي رواية أخرى أنه يجوز للمكلف استيفاؤه لأن الحسن بن علي -رضي الله عنه- قتل ابن ملجم قصاصاً وفي الورثة صغار فلم ينكر ذلك، ولأن ولاية القصاص عبارة عن استحقاق استيفائه وليس للصغير هذه الولاية.
والصواب القول الأول وذلك لأنه قصاص غير متحتم ثبت لجماعة غير معينين فلم يجز لأحدهم استيفاؤه استقلالاً كما لو كان بين حاضر وغائب أو أحد بدلي النفس فلم ينفرد به بعضهم كالدية.
فأما ابن ملجم فقد قيل: إنه قتله لكفره لأنه قتل علياً مستبيحاً دمه، معتقداً كفره، وقيل لسعيه في الأرض بالفساد وإظهاره السلاح فيكون قتله متحتماً إلى الإمام, وكان الحسن -رضي الله عنه- الإمام.
فإذا كان من له حق استيفاء القصاص غير المكلف مجنوناً أو معتوهاً أو شيخاً هرماً، فهؤلاء إذا كانوا لا يرجى برؤهم، فالأقرب أن ولي كل واحد منهم يقوم مقامه، فيختار ما فيه مصلحة لهذا الوارث من القصاص أو الدية، وذلك لأن تأخير القصاص في مثل هذه الحالة فيه=

الجزء: 7 - الصفحة: 307

وَإِنِ اسْتَوْفَى غَيْرُ الْمُكَلَّفِ حَقَّهُ بِنَفْسِهِ، أَجْزَأَ ذلِكَ (1). الثَّانِيْ: اتِّفَاقُ جَمِيْعِ الْمُسْتَحِقِّيْنَ عَلى اسْتِيْفَائِهِ (2)،  = مفاسد منها إضاعة حق بقية الورثة في القصاص، ومنها تضرر هذا الوارث غير المكلف، لأنه قد يكون محتاجاً إلى حقه من الدية، فيحرم منها.

(1)

قوله «وَإِنِ اسْتَوْفَى غَيْرُ الْمُكَلَّفِ حَقَّهُ بِنَفْسِهِ، أَجْزَأَ ذلِكَ»:

أي إذا قام الصغير أو المجنون فاستوفى حقه من القاتل فقام بقتله، أجزأه ذلك وذلك لتحقق ما شرع من أجله القصاص.
(2)

قوله «الثَّانِيْ: اتِّفَاقُ جَمِيْعِ الْمُسْتَحِقِّيْنَ عَلى اسْتِيْفَائِهِ»:

هذا هو الشرط الثاني لاستيفاء القصاص وهو اتفاق الأولياء على طلب القتل، فلو أن للمقتول عشرة من الأولياء، وهم قرابته الذين لهم حق القصاص، فسامح واحد منهم، أو عفا واحد منهم، سواءٌ عفا إلى دية أم عفا بدون دية، فإنه يسقط القصاص ويُعدل إلى الدية لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ 77 ولأنه إذا عفي عن القاتل جزء من دمه فإن القتل لا يتبعض، فإذا كان الورثة ستة، وعفا واحد منهم، فلا يمكن أن نقتل القاتل خمسة من ستة من القتل، ونبقي واحداً من ستة، فلمَّا كان جزء من القاتل لا بد أن يبقى حيًّا، وكان لا يمكن حياة هذا الجزء إلاّ بحياة الباقي، كان عفو بعض الورثة مانعاً من القتل.

الجزء: 7 - الصفحة: 308

فَإِنْ لَمْ يَأْذَنْ فِيْهِ بَعْضُهُمْ، أَوْ كَانَ فِيْهِمْ غَائِبٌ، لَمْ يَجُزِ اسْتِيْفَاؤُهُ (1)، فَإِنِ اسْتَوْفَاهُ بَعْضُهُمْ، فَلا قِصَاصَ عَلَيْهِ، وَعَلَيْهِ بَقِيَّةُ دِيَتِهِ لَهُ (2)، وَلِشُرَكَائِهِ حَقُّهُمْ فِيْ تَرِكَةِ الْجَانِيْ (3)، وَيَسْتَحِقُّ القِصَاصَ كُلُّ مَنْ يَرِثُ الْمَالَ عَلى قَدْرِ مَوَارِيْثِهِمْ (4)،  (1)

قوله «فَإِنْ لَمْ يَأْذَنْ فِيْهِ بَعْضُهُمْ، أَوْ كَانَ فِيْهِمْ غَائِبٌ، لَمْ يَجُزِ اسْتِيْفَاؤُهُ»:

أي فإن لم يأذن في القصاص بعضهم لكونه صغيراً، أو غائباً فإنه لا يجوز لبعض ورثة المقتول استيفاء القصاص لأنه حق لجميع الورثة، فلم يكن لبعضهم الاستقلال به.
(2)

قوله «فَإِنِ اسْتَوْفَاهُ بَعْضُهُمْ، فَلا قِصَاصَ عَلَيْهِ، وَعَلَيْهِ بَقِيَّةُ دِيَتِهِ لَهُ»:

أي فإن قام بعض الورثة بقتل الجاني بغير إذن شريكه، كأن يكون المستحقون للقصاص ثلاثة إخوة، فقام بعضهم بقتل القاتل، فهذا لا يجوز، ويجب أن يعزر، لكن لا قصاص عليه لأنه مشارك في استحقاق القصاص.
(3)

قوله «وَلِشُرَكَائِهِ حَقُّهُمْ فِيْ تَرِكَةِ الْجَانِيْ»:

أي فإن قال أولياء المقتول الأول نريد الدية، فلهم ذلك، ويرجعون على تركة الجاني بالدية، وورثة الجاني يرجعون على الأخ القاتل بما أُخذ منهم، لأنه هو الذي فوَّته عليهم.
(4)

قوله «وَيَسْتَحِقُّ القِصَاصَ كُلُّ مَنْ يَرِثُ الْمَالَ عَلى قَدْرِ مَوَارِيْثِهِمْ»:

الذي يستحق القصاص هم ورثة المقتول، كما سبق سواء كانوا يرثونه بالسبب كالزوجية والولاء، أو بالنسب وهم القرابة، أو بالرحم =

الجزء: 7 - الصفحة: 309

الثَّالِثُ: الأَمْنُ مِنَ التَّعَدِّيْ فِيْ الاِسْتِيْفَاءِ، ، فَلَوْ كَانَ الجَانِيْ حَامِلاً، لَمْ يَجُزِ اسْتِيْفَاءُ الْقِصَاصِ مِنْهَا فِيْ نَفْسٍ وَلا جُرْحٍ، وَلا اسْتِيْفَاءُ حَدٍّ مِنْهَا، حَتَّى تَضَعَ وَلَدَهَا، وَيَسْتَغْنِيَ عَنْهَا 78،  =بالفرض، أو بالتعصيب.
دليل ما ذكره المؤلف هو قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «وَمَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ فَهْوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ إِمَّا يُودَى وَإِمَّا يُقَادُ» (1).

(1)

قوله «الثَّالِثُ: الأَمْنُ مِنَ التَّعَدِّيْ فِيْ الاِسْتِيْفَاءِ، فَلَوْ كَانَ الجَانِيْ حَامِلاً، لَمْ يَجُزِ اسْتِيْفَاءُ الْقِصَاصِ مِنْهَا فِيْ نَفْسٍ وَلا جُرْحٍ، وَلا اسْتِيْفَاءُ حَدٍّ مِنْهَا، حَتَّى تَضَعَ وَلَدَهَا، وَيَسْتَغْنِيَ عَنْهَا»:

أي الشرط الثالث لاستيفاء القصاص هو أن يؤمن الاستيفاء من أن يتعدى الجاني، فالأصل أن القاتل يُقتل، ولا يُقتل معه غيره، فلا يؤخذ بجريمته من لا جريمة له.
مثال ذلك: ما ذكره المؤلف في المرأة الحامل، ففي بطنها جنين لا ذنب له، وحينئذٍ لو قتلناها قتلنا نفسين بنفس واحدة، والله عز وجل يقول: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ 79، ويقول سبحانه وتعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ 80. وبناءً على ذلك: لا يقتل هذا الجنين؛ لأنه لا ذنب له، فينتظر إلى وضعها، فذكر العلماء هذا الشرط تنبيهاً على هذه المسألة: أنه لا تقتل المرأة الحامل حتى تضع ما في بطنها، والأصل في ذلك في الحدود: قصة كل من =

الجزء: 7 - الصفحة: 310

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  = المرأتين اللتين زنتا وأتي بهما إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهما محصنتان، فأمر النبي -صلى الله عليه وسلم- ولي المرأة أن يبقى معها حتى تضع ما في بطنها ثم يأتي بها إليه، وفي الثانية قال: حتى ترضعه؛ لأنه لم يوجد من يقوم به ويرضعه، فهذا يدل على أنه لا يجوز التعدي على المرأة الحامل؛ لأن الجنين لا ذنب له، ثم ينظر إذا وضعت ما في بطنها أمرت بسقيه اللبن، لأنه يكون به حياته، ولا بد له منه، ثم ننظر في رضاعته، فإن وجدت امرأة بدلها ترضعه وتقوم عليه أُخذت أمه واقتص منها وقتلت، وإن لم يوجد امرأة ترضعه والولد متعلق بأمه لا يريد إلا أمه ولا يرتضع إلا من أمه، فإنه في هذه الحالة لو قتلنا أمه لقتلناه معها، لأنه سيمتنع من الرضاعة وسيموت، أو يتضرر في صحته، فحينئذ يكون قد حصل القصاص من الجاني وزيادة، وهي زيادة الضرر على الجنين، فننتظر إلى أن ترضعه وتفطمه، ثم بعد ذلك يُقتص من هذه الأم.

الجزء: 7 - الصفحة: 311

فَصْلٌ فِيْ سُقُوْطِ القِصَاصِ

(1) وَيَسْقُطُ بَعْدَ وُجُوْبِهِ بِأُمُوْرٍ ثَلاثَةٍ (2): أَحَدُهَا: العَفْوُ عَنْهُ، أَوْ عَنْ بَعْضِهِ (3)،  (1)

قوله «فَصْلٌ فِيْ سُقُوْطِ القِصَاصِ»:

بعد أن بين المصنف -رحمه الله- الشروط الموجبة للقصاص وشروط استيفاءه، شرع فيما يسقط به القصاص، فهذا الفصل يتعلق بعفو ولي المقتول عن حقه في القود، وذلك لأن الله سبحانه وتعالى جعل لولي المقتول الحق في أن يأخذ بحقه فيقتص، وبين أن يسامح فيعفو، فقوله: «فَصْلٌ فِيْ سُقُوْطِ القِصَاصِ» أي في هذا الموضع سأذكر لك جملة من الأحكام والمسائل التي تتعلق بسقوط القصاص وذلك بعفو ولي المقتول عن القصاص والقود.
(2)

قوله «وَيَسْقُطُ بَعْدَ وُجُوْبِهِ بِأُمُوْرٍ ثَلاثَةٍ»:

أي ويسقط القصاص بعد تحقق شروطه وانتفاء موانعه بأُمور ثلاثة.
(3)

قوله «أَحَدُهَا: العَفْوُ عَنْهُ، أَوْ عَنْ بَعْضِهِ»:

شرع المؤلف ببيان الأمر الأول الذي يحصل به سقوط القصاص عن المقتول وهو «العفو»، فمن مسقطات القصاص العفو وهو مما أجمع الفقهاء على جوازه وأنه مستحب.
قال النووي -رحمه الله-: «هو مستحب فإن عفا بعض المستحقين، سقط القصاص وإن كره الباقون، ولو عفا عن عضو من الجاني، سقط القصاص كله» 81. والأصل في مشروعية القصاص قوله تعالى: {فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ=

الجزء: 7 - الصفحة: 312

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ} 82، فرغم أن القصاص حق لصاحب الدم، وهو بذلك مخول أن يستوفي هذا الحق بإنزال عقوبة القصاص على الجاني، لكنه مع ذلك يجب التنبيه على أن العفو خير وأفضل من القصاص، وذلك لما في العفو من إحياء لنفس عسى أن تتوب إلى ربها بصالح الأعمال، وفي أفضلية العفو يقول الله سبحانه: ﴿وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ 83، وقوله تعالى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ﴾ 84. وقوله: ﴿وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ﴾ 85 وقوله تعالى: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ 86، والمقصود أحياها بالعفو.
فيستدل بهذه النصوص على أفضلية العفو وأنه خير من القصاص، وقوله «عَنْهُ أَوْ عَنْ بَعْضِهِ»: أي قد يكون العفو عن القصاص كله وذلك بأن يعفو جميع الورثة أو يعفو بعضهم فيسقط القصاص لأنه مما لا يتبعض فهو كالطلاق والعتق، ولأن القصاص حق مشترك بينهم لا يتبعض ومبناه على الإسقاط فإذا أسقط بعضهم سرى إلى الباقي كالعتق.

الجزء: 7 - الصفحة: 313

فَلَوْ عَفَى بَعْضُ الوَرَثَةِ عَنْ حَقِّهِ أَوْ عَنْ بَعْضِهِ، سَقَطَ كُلُّهُ، وَلِلْبَاقِيْنَ حَقُّهُمْ مِنَ الدَّيَةِ (1)، وَإِنْ كَانَ العَفْوُ عَلى مَالٍ، فَلَهُ حَقُّهُ مِنَ الدِّيَةِ، وَإِلاَّ فَلَيْسَ لَهُ إِلاَّ الثَّوْابُ (2).  (1)

قوله «فَلَوْ عَفَى بَعْضُ الوَرَثَةِ عَنْ حَقِّهِ أَوْ عَنْ بَعْضِهِ، سَقَطَ كُلُّهُ، وَلِلْبَاقِيْنَ حَقُّهُمْ مِنَ الدَّيَةِ»:

أي متى عفا بعض الورثة عن القاتل واسقط حقه عن المطالبة بالقصاص، فإن القصاص يسقط كله وليس لباقي الورثة إلا حق المطالبة بالدية، وفد سبق بيان ذلك مع ذكر الأدلة.
(2)

قوله «وَإِنْ كَانَ العَفْوُ عَلى مَالٍ، فَلَهُ حَقُّهُ مِنَ الدِّيَةِ، وَإِلاَّ فَلَيْسَ لَهُ إِلاَّ الثَّوْابُ»:

أي إذا عفا بعض الورثة عن القصاص على مال فله حقه من الدية إن كان العفو على الدية، وذلك لأن العفو عفوان عفو على عوض كأن يعفو عن القاتل في مقابل بذل الدية، أو مال، وهو ما ذكره المؤلف، وعفو بلا عوض أي عفو مجاني بلا دية، أي بدون أن يأخذ شيئاً وهذا أفضل؛ لأنه إذا فعل ذلك تولى الله تعالى أجره وثوابه كما سبق في الآيات، ولأن غاية الإحسان أن يعفو عمَّن ظلمه وعمَّن آذاه، ولا يأخذ منه شيئاً، وإنما ينتظر من ربه العوض والخلف، ولو أنه عفا ثم أخذ الدية فلا يلام، فله حقه من الدية إن كان العفو على الدية، فإن قال عفوت ولم يذكر مالاً فقد ذكر المؤلف أنه ليس له إلا الثواب، لأنه لما لم يذكر الدية عند عفوه فدل ذلك على تنازله عنها.
وقول آخر في هذه المسألة أنه إذا قال: عفوت ولم يقيده بقصاص ولا دية فله الدية لانصراف العفو إلى القصاص لأنه المطلوب الأعظم، ولأن=

الجزء: 7 - الصفحة: 314

الثَّانِيْ: أَنْ يَرِثَ القَاتِلُ، أَوْ بَعْضِ وَلَدِهِ شَيْئًا مِنْ دَمِهِ (1).  =القصاص والدية كلاهما بدل عن النفس المقتولة والوارث مخير بينهما، فإذا عفا عن القصاص بقي حقه في البدل الآخر، وهو الدية، فله المطالبة بها، وهذا هو الأقرب عندي.

(1)

قوله «الثَّانِيْ: أَنْ يَرِثَ القَاتِلُ، أَوْ بَعْضِ وَلَدِهِ شَيْئًا مِنْ دَمِهِ»:

هذا هو الأمر الثاني الذي يسقط به القصاص، فمتى ورث القاتل شيئاً من دم المقتول سقط القصاص عن القاتل، لأنه لو لم يسقط عنه لترتب عليه أن يقتصَّ الإنسان من نفسه، ولم يقل أحد بذلك.
فإذا قتل أحدُ الولدين أباه، ثم مات غير القاتل ولا وارث له سوى القاتل، فقد ورث القاتل دم نفسه كله، ووجب القصاص لنفسه على نفسه، فيسقط القصاص.
ولو قتل الزوج أخا زوجته فورثته، ثم ماتت الزوجة فورثها القاتل أو ورثها ولده سقط القصاص، وسواء كان لها ولد من غيره أو لا، لسقوط القصاص فيما ورثه ولده منها، فيسقط جميعه.
وقوله «أَوْ بَعْضِ وَلَدِهِ شَيْئًا مِنْ دَمِهِ» بأن كان في ورثة المقتول ولد للقاتل سقط القصاص، لأنه لو لم يسقط لوجب للولد على أبيه، والولد لا يجب له قصاص على أبيه، لأنه إذا لم يجب بالجناية عليه قصاص، فلأن لا يجب عليه له قصاص بالجناية على غيره أولى.
ولو قتل أحد الزوجين صاحبه ولهما ولد لم يجب القصاص، لأنه لو وجب لوجب لولده عليه، ولا يجب للولد قصاص على والده.

الجزء: 7 - الصفحة: 315

الثَّالِثُ: أَنْ يَمُوْتَ القَاتِلُ، فَيَسْقُطُ، وَتَجِبُ الدِّيَةُ فِيْ تَرِكَتِهِ (1)، وَلَوْ قَتَلَ وَاحِدٌ اثْنَيْنِ عَمْدًا، فَاتَّفَقَ أَوْلِيَاؤُهُمَا عَلى قَتْلِهِ بِهِمَا، جَازَ (2)، وَإِنْ تَشَاحُّوْا فِيْ المُسْتَوْفِيْ، قُتِلَ بِالأَوَّلِ، وَلِلثَّانِيْ الدِّيَةُ (3)،  (1)

قوله «الثَّالِثُ: أَنْ يَمُوْتَ القَاتِلُ، فَيَسْقُطُ، وَتَجِبُ الدِّيَةُ فِيْ تَرِكَتِهِ»:

هذا هو الأمر الثالث الذي يحصل به سقوط القصاص وهو موت الجاني، فإذا مات الجاني فهنا تتعين الدية، وذلك لتعذر القصاص، وتكون الدية في تركة القاتل.
(2)

قوله «وَلَوْ قَتَلَ وَاحِدٌ اثْنَيْنِ عَمْدًا، فَاتَّفَقَ أَوْلِيَاؤُهُمَا عَلى قَتْلِهِ بِهِمَا، جَازَ»:

أي وإن قتل شخص واحد اثنين عمداً واتفق أولياؤهم على قتله جاز قتله، لأن الحق لهم وقد اتفقوا على استيفائه، ولا شيء لهم غير القتل، وإن طلب أحدهم القصاص والباقون الدية فلهم ذلك، لأن كل واحد له حق مستقل، فإذا صار القصاص لواحد فللباقين الدية.
(3)

قوله «وَإِنْ تَشَاحُّوْا فِيْ المُسْتَوْفِيْ، قُتِلَ بِالأَوَّلِ، وَلِلثَّانِيْ الدِّيَةُ»:

أي وإن تشاح أولياء المقتولين فيمن يقتله منهم، قُتل الجاني قوداً للمقتول الأول، لأن المحل لا يتسع للكل، وَحَقُّ الأول سابق، فقدم لسبقه، وللَثاني الدِيةُ لأن القتل إذا فات بقيت الدية.
مثال آخر: أن يقتل هذا الجاني أربعة أشخاص، تعلق به أربع رقاب، فإذا اختار أولياء المقتول الأول القصاص وقتل، فهنا يتعين للآخرين الدية، لكن نبدأ بالأول فالأول، فإن كان القتل في وقت واحد قدم أحدهم بالقرعة، فمن خرجت له القرعة أُقيد له.

الجزء: 7 - الصفحة: 316

فَإِنْ سَقَطَ قِصَاصُ الأَوَّلِ، فَلِأَوْلِيَاءِ الثَّانِيْ اسْتِيْفَاؤُهُ (1)، وَيُسْتَوْفَى القِصَاصُ بِالسَّيْفِ فِيْ العُنُقِ (2)،  (1)

قوله «فَإِنْ سَقَطَ قِصَاصُ الأَوَّلِ، فَلِأَوْلِيَاءِ الثَّانِيْ اسْتِيْفَاؤُهُ»:

أي إذا أسقط ورثة المقتول الأول حقهم في القصاص بأن عفو مطلقاً أو اختاروا الدية فلأولياء المقتول الثاني استيفاؤه لأنه حقهم فكان لهم استيفاؤه كما لو لم يكن قتل غيره.
(2)

قوله «وَيُسْتَوْفَى القِصَاصُ بِالسَّيْفِ فِيْ العُنُقِ»:

أي يستوفى القصاص في النفس بضرب العنق بالسيف، سواء وقعت الجناية بالسيف أم بغيره، وهذا هو المذهب 87، وهو قول أبي حنيفة 88، ودليلهم على ذلك حديث النعمان ابن بشير -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «لا قَوَدَ إِلا بِالسَّيفِ» 89، ولأن السيف أمضى الآلات وأسرع في إزهاق روح الجاني، لئلا يقع الحيف والظلم على الجاني، ولا يؤمن ذلك إلا إذا كان التنفيذ بالسيف.
وذهب جمهور الفقهاء 90، وهو رواية عن أحمد 91، اختارها شيخ الإسلام ابن تيمية 92 أن عقوبة القصاص تنفذ بمثل ما قَتَلَ به الجاني، إلا إذا كان =

الجزء: 7 - الصفحة: 317

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =قتله بوسيلة محرمة، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ 93، وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ﴾ 94. وعن أنس - رضي الله عنه -: «أَنَّ جَارِيَةً وُجِدَ رَأْسُهَا قَدْ رُضَّ بَينَ حَجَرَينِ، فَسَأَلُوهَا: مَنْ صَنَعَ بِكِ هَذَا؟ فُلانٌ، فُلانٌ؟ حَتَّى ذَكَرُوا يَهُودِيَّاً، فَأَومَتْ بِرَأْسِهَا، فَأُخِذَ اليَهُودِيُّ، فَأَقَرَّ، فَأَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - أَنْ يُرَضَّ رَأْسُهُ بَينَ حَجَرَينِ» 95. ومن النظر أيضاً قالوا: كيف يمثل هذا الجاني بالمقتول، ويقتله بأبشع قتلة ويمزقه تمزيقاً، ثم نقول له: سنضربك بالسيف؟ فهذا ليس بعدل، والله تعالى يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ﴾ 96، إلاّ إذا قتله بوسيلة محرّمة فإننا لا نقتله بها، مثل أن يقتله باللواط والعياذ بالله، أو بالسحر، أو أن يقتله بإسقاء الخمر حتى يموت فإنه لا يفعل به كذلك.
والظاهر في هذه المسألة: أنه إذا كان المقصود إزهاق نفس الجاني وأن ذلك يكون بأسرع آلة، فلا مانع أن يترك ذلك لرأي الإمام، فله أن يختار أيَّ آلة تكون أسرع من السيف وأقل إيلاماً.

الجزء: 7 - الصفحة: 318

وَلا يُمَثَّلُ بِهِ، إِلاَّ أَنْ يَفْعَلَ شَيْئًا، فَيُفْعَلُ بِهِ مِثْلُهُ (1)،  (1)

قوله «وَلا يُمَثَّلُ بِهِ، إِلاَّ أَنْ يَفْعَلَ شَيْئًا، فَيُفْعَلُ بِهِ مِثْلُهُ»:

أي ولا يمثل بالجاني إلا إذا مثَّل الجاني بالمقتول، بأن قطع يده، ثم قتله، أو قتله بحجر، أو أغرقه بالماء، أو غير ذلك من أنواع القتل، فللأولياء أن يفعلوا بالجاني مثل فعله، كما في حديث أنس المتقدم.

الجزء: 7 - الصفحة: 319

بابُ الاِشْتِرَاكِ فِي القَتْلِ

(1) وَتُقْتَلُ الجَمَاعَةُ بِالوَاحِدِ (2)، فَإِنْ تَعَذَّرَ قَتْلُ أَحَدِهِمْ؛ لِأُبُوَّتِهِ (3)،  (1)

قوله «بابُ الاِشْتِرَاكِ فِي القَتْلِ»:

وهو أن يشترك أكثر من واحد في القتل.
(2)

قوله «وَتُقْتَلُ الجَمَاعَةُ بِالوَاحِدِ»:

أي إذا اجتمع جماعة على قتل إنسان فإنهم يقتلون جميعاً به، لكن لا بد من شرط، وهو أن يتمالئوا على قتله، أو يصلح فعل كل واحد للقتل لو انفرد.
والدليل على ذلك ما ورد عن عمر -رضي الله عنه- في جماعة اشتركوا في قتل رجل من أهل اليمن، فأمر عمر -رضي الله عنه- أن يقتلوا جميعاً، وقال: «لَوْ تَمَالأَ عَلَيْهِ أَهْلُ صَنْعَاءَ لَقَتَلْتُهُمْ بِهِ جَمِيعًا» (1)، أي: لو اتفق أهل بلد كامل على قتله لقتلتهم به، وعمر -رضي الله عنه- ممن اشتهر بالعدالة، ومع ذلك قتلهم جميعاً به، فالحُكْم ليس بجَور.
ولأن هؤلاء الجماعة قتلوا نفساً عمداً، وتجزئة القتل عليهم مُحال؛ إذ لا يمكن أن نقتل كل واحد خمس قتلة، والقتل لا يمكن أن يتبعَّض، ورفع القتل عنهم ظلم للمقتول؛ لأنهم أعدموه وأزهقوا نفسه، فكيف لا تزهق أنفسهم؟ !

(3)

قوله «فَإِنْ تَعَذَّرَ قَتْلُ أَحَدِهِمْ؛ لِأُبُوَّتِهِ»:

كما إذا اشترك في القتل أب وأجنبي في قتل الولد، فالأجنبي يقتل بالولد، والأب لا يقتل بولده كما مر، فالقتل هنا اجتمع فيه سببان: أحدهما: يثبت به القود، والثاني: لا يثبت به القود، فيكون القود على الشريك، والثاني لا قود عليه؛ =97

الجزء: 7 - الصفحة: 320

أَوْ عَدَمِ مُكَافَأَةِ القَتِيْلِ لَهُ، أَوِ العَفْوِ عَنْهُ، قُتِلَ شُرَكَاؤُهُ (1)،  = لوجود المانع وهو الأبوة، وأما الأجنبي فلا مانع في حقه فينفذ فيه القود، فإذا نفَّذنا القصاص على الأجنبي فإن الأب يكون عليه نصف الدية؛ لأن الدية تتبعض، والقصاص لا يتبعض، وفي رواية عن الإمام أحمد (1) لا يقتل شريك الأب لأنه شارك من لا قصاص عليه فلم يجب عليه قصاص كشريك الخاطئ.
والصواب هو القول الأول.

(1)

قوله «أَوْ عَدَمِ مُكَافَأَةِ القَتِيْلِ لَهُ، أَوِ العَفْوِ عَنْهُ، قُتِلَ شُرَكَاؤُهُ»:

سبق أن ذكرنا أن من شروط وجوب القصاص في القتل المكافأة بين القاتل والقتيل في الدين والحرية أو الرق، فلا يقتل الأعلى بالأدنى، ولكن يقتل الأدنى بالأعلى، فإذا اشترك اثنان في قتل شخص غير مكافأْ لأحدهما، كأن يشترك مسلم وكافر في قتل كافر، وقد سبق أنه لا يقتل المسلم بالكافر، فالكافر يجب قتله، والمسلم عليه نصف الدية.
وكذلك رقيق وحر اشتركا في قتل رقيق، فالحر لا يقتل بالرقيق، والرقيق يقتل به، ففي هذه الحال يقتل الرقيق ولا يقتل الحر، ولكن عليه نصف ديته، أي: نصف قيمته.
وكذلك إذا تعذر قتل أحد الشريكين للعفو عنه فإن القصاص يجب على شريكه لأن سقوطه عنه للعفو عنه وهو معنى لا يتعدى إلى شريكه فلم يسقط عنه القصاص.98

الجزء: 7 - الصفحة: 321

وَإِنْ كَانَ بَعْضُهُمْ غَيْرَ مُكَلَّفٍ (1)، أَوْ خَاطِئًا، لَمْ يَجِبِ القَوَدُ عَلى وَاحِدٍ مِنْهُمْ (2)،  (1)

قوله «وَإِنْ كَانَ بَعْضُهُمْ غَيْرَ مُكَلَّفٍ»:

أي إذا كان الشريك في القتل غير مكلف كالصبي والمجنون والآخر مكلفا لم يجب القود على المكلف, وفي رواية (1) يجب عليه لأن القصاص يجب عليه جزاء لفعله لا عن فعل غيره فيجب أن يكون الاعتبار بفعله فمتى تمحض عمداً أو عدواناً وجب القود إذا كان المقتول مكافئا له, وإنما يسقط عن الصبي والمجنون لمعنى فيهما وهو عدم التكليف فلم يقتض سقوطه عن شريكهما كشريك الأب, وهذا هو الصواب عندي، لأنهم تعمدوا قتله، فوجب عليهم القصاص.
(2)

قوله «أَوْ خَاطِئًا، لَمْ يَجِبِ القَوَدُ عَلى وَاحِدٍ مِنْهُمْ»:

أي وكذلك لو اشترك عامد ومخطئ في قتل إنسان، فإنه لا قصاص عليهما؛ لأن جناية أحدهما لا تصلح للقصاص وهي الخطأ، ولا نعلم هل مات بالخطأ أو بالعمد، وحينئذٍ نرفع حكم القصاص، وفي رواية 100 أخرى أن العامد يقتل، وعلى المخطئ نصف الدية.
مثال ذلك: رجل تعمد قتل إنسانٍ، وآخر رمى صيداً، فأصاب هذا الإنسان فمات بهما، فهنا يقتل العامد، ولا يُقتل المخطئ.
وهذا هو الصواب لما ذكرناه في المسألة السابقة.99

الجزء: 7 - الصفحة: 322

وَإِنْ أَكْرَهَ رَجُلٌ رَجُلاً عَلى القَتْلِ، فَقَتَلَ (1)،  (1)

قوله «وَإِنْ أَكْرَهَ رَجُلٌ رَجُلاً عَلى القَتْلِ، فَقَتَلَ»:

أي: لو أُكره إنسان على القتل فَقَتَل فالقصاص عليهما، أما المكرِه: فلأنه تسبب بما يقتل غالباً، حيث أكره هذا المكلف القادر على القتل، ولأنه تسبب في قتله بشيء يُفضي إليه غالباً، فوجب عليه القصاص، كما لو ألسعه حية، أو ألقاه إلى أسد في زريبة 101، وأما المُكرَه - بفتح الراء - فلأنه قتل شخصاً ظلماً لاستبقاء نفسه، أشبه ما لو قتله في المخمصة ليأكله.
وهذا هو المذهب، وهو قول الجمهور 102. والقول الثانِي: أن القصاص على المكرَه دون المكرِه لأنه مباشر، وليس له أن يقتل غيره لاستبقاء نفسه.
والقول الثالث: أن القَوَد يختص بالمُكرِه لأنه هو الملجئ لغيره، والمُكرَه مضطر، ولولا إكراه ذلك ما قتله، لكن هذا تعليل ضعيف بالنسبة للتعليل المتقدم، وهذا قول أبي حنيفة 103. والأظهر أنه على المُكرَه أو عليهما جميعاً، لأنهما شريكان في ارتكاب الجريمة، وحينئذ فينظر القاضي ما هو الأصلح للناس في هذه المسألة، فإن رأى قتلهما جميعاً فله ذلك 104.

الجزء: 7 - الصفحة: 323

أَوْ جَرَحَ أَحَدُهُمَا جُرْحًا وَالآخَرُ مِئَةً (1)، أَوْ قَطَعَ أَحَدُهُمَا مِنَ الكُوْعِ وَالآخَرُ مِنَ الْمِرْفَقِ، فَهُمَا قَاتِلانِ، وَعَلَيْهِمَا القِصَاصُ (2)، وَإِنْ وَجَبَتِ الدِّيَةُ، اسْتَوَيَا فِيْهَا (3)،  (1)

قوله «أَوْ جَرَحَ أَحَدُهُمَا جُرْحًا وَالآخَرُ مِئَةً»:

أي فإنه يجب عليهما القصاص إذا مات المجروح وإن صار الأمر إلى الدية فهما فيها سواء، لأنه يجوز أن يموت من الجرح دون الجراحات فسقط اعتبار عددها ولأن الجراح إذا صارت نفساً أوجبت دية واحدة كما لو قطع يده فمات ولو كانت إحدى الجراحتين أعمق من الأخرى فمات منها فالقود عليهما لأن ذلك لا يمنع من تساويهما كما لا يمنع زيادة عدد الجراحات.
(2)

قوله «أَوْ قَطَعَ أَحَدُهُمَا مِنَ الكُوْعِ وَالآخَرُ مِنَ الْمِرْفَقِ، فَهُمَا قَاتِلانِ، وَعَلَيْهِمَا القِصَاصُ»:

أي فهما سواء لأنهما جرحان حصل الزهوق عقيبهما فأشبه ما لو كانا في يدين.
أما إذا برأت جراحة الأول قبل قطع الثاني فالقاتل الثاني وحده وعليه القود أو الدية كاملة إن عفا عن قتله فله قطع يد الأول أو نصف الدية وان لم تبرأ فهما قاتلان وعليهما القصاص في النفس أو الدية إن عفا عنهما.

(3)

قوله «وَإِنْ وَجَبَتِ الدِّيَةُ، اسْتَوَيَا فِيْهَا»:

أي إذا أسقط الورثة القصاص عن الجناة وقبلوا الدية استويا فيها فيكون على كل واحد منهم نصفها لاشتراكهما في القتل.

الجزء: 7 - الصفحة: 324

وَإِنْ ذَبَحَهُ أَحَدُهُمَا، ثُمَّ قَطَعَ الآخَرُ يَدَهُ، أَوْ قَدَّهُ نِصْفَيْنِ، فَالقَاتِلُ الأَوَّلُ (1)،  (1)

قوله «وَإِنْ ذَبَحَهُ أَحَدُهُمَا، ثُمَّ قَطَعَ الآخَرُ يَدَهُ، أَوْ قَدَّهُ نِصْفَيْنِ، فَالقَاتِلُ الأَوَّلُ»:

أي إذا اتفق اثنان على قتل شخص، فجاءا وفعلا فعلاً أزهق روحه، فإن كان الفعل الذي أزهق الروح صدر منهما معاً؛ فهما قاتلان بلا إشكال.
مثال ذلك: لو أن شخصين أمسكا آلة قتل بالسيف وبقرا به بطن المقتول، فهما قاتلان.
أما ما ذكره المؤلف هنا وهو أن ينفرد كل منهما بفعل، فإذا انفرد كل منهما بفعل، فإما أن يكون فعل كل منهما مزهقاً، وإما أن يكون فعل أحدهما مزهقاً والآخر لا يزهق، فإن كان فعل كل منهما مزهقاً، فإما أن يكون وقوع الفعلين مع بعضهما، كأن يكون أحدهما طعنه في بطنه، والآخر طعنه في قلبه، وحصلت الطعنتان مع بعضهما، فالإزهاق حصل بالطعنتين، فكلاهما قاتل، وإما أن يتأخر أحدهما عن الآخر، فإن تأخر أحدهما عن الآخر، فينظر: فإن كان الأول قد فعل الفعل، فاندمل جرحه، أو ضعف عن القتل، أو برئ، ثم جاء الآخر وأزهق، أو فعل الفعل القاتل، فالقاتل هو الثاني دون الأول، وإن كان الأول قد ضرب مقتلاً، وأصاب المقتل، ثم جاء الثاني بعده وضرب مقتلاً بعد المقتل الأول، فالقاتل هو الأول دون الثاني.
وهذا هو مقصود المؤلف هنا، وعبر عنه بقوله: «وَإِنْ ذَبَحَهُ أَحَدُهُمَا، ثُمَّ قَطَعَ الآخَرُ يَدَهُ، أَوْ قَدَّهُ نِصْفَيْنِ، فَالقَاتِلُ الأَوَّلُ»، وذلك لأن الإزهاق=

الجزء: 7 - الصفحة: 325

وَإِنْ قَطَعَهُ أَحَدُهُمَا، ثُمَّ ذَبَحَهُ الثَّانِيْ، قُطِعَ القَاطِعُ، وَذُبِحَ الذَّابِحُ (1)، فَإِنْ أَمَرَ مَنْ يَعْلَمُ تَحْرِيْمَ القَتْلِ بِهِ، فَقَتَلَ، فَالقِصَاصُ عَلى الْمُبَاشِرِ، وَيُؤَدَّبُ الآمِرُ (2)،  =وقع بالأول دون الثاني، لكن يشترط هنا أن يتأخر فعل الثاني تأخراً يقوى به الإزهاق بالفعل الأول، فإن لم يتأخر، ولم يتراخ، فكلاهما قاتل.

(1)

قوله «وَإِنْ قَطَعَهُ أَحَدُهُمَا، ثُمَّ ذَبَحَهُ الثَّانِيْ، قُطِعَ القَاطِعُ، وَذُبِحَ الذَّابِحُ»:

أي فإن قطع أحد الجناة أحد أعضاء المجني عليه كأن يقطع يده مثلاً، ثم جاء الثاني فقام بذبحه، فالحكم هنا أن تقطع يد القاطع فيقتص منه بقدر ما جناه، أو الدية لأنه حصل بجنايته، وأما الآخر فهو الذي قتل الميت، فيقتل به، لكن يشترط أن لا يقعا في وقت واحد، وإلا فكلاهما قاتل.
(2)

قوله «فَإِنْ أَمَرَ مَنْ يَعْلَمُ تَحْرِيْمَ القَتْلِ بِهِ، فَقَتَلَ، فَالقِصَاصُ عَلى الْمُبَاشِرِ، وَيُؤَدَّبُ الآمِرُ»:

أي وإن أمر إنسان شخصاً بالقتل حالة كونه عالماً بتحريم القتل ففعل ما أُمر به، وجب القصاص على القاتل، لأنه مباشر مكلف عالم بتحريم ما فعله، فكان القصاص عليه دون غيره، ولأنه غير معذور في فعله، لقوله -صلى الله عليه وسلم-: «لا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ الخَالِقِ» 105، ويؤدَّب الآمر بالقتل ظلماً بما يراه الإمام لارتكابه معصية، ولأنه متسبب في القتل.

الجزء: 7 - الصفحة: 326

وَإِنْ أَمَرَ مَنْ لا يَعْلَمُ تَحْرِيْمَهُ بِهِ، أَوْ لا يُمَيِّزُ، فَالقِصَاصُ عَلى الآمِرِ (1)، وَإِنْ أَمْسَكَ إِنْسَاناً لِلْقَتْلِ، فَقُتِلَ، قُتِلَ القَاتِلُ، وَحُبِسَ الْمُمْسِكُ حَتَّى يَمُوْتَ (2)،  (1)

قوله «وَإِنْ أَمَرَ مَنْ لا يَعْلَمُ تَحْرِيْمَهُ بِهِ، أَوْ لا يُمَيِّزُ، فَالقِصَاصُ عَلى الآمِرِ»:

أي إذا أمر من يعلم تحريم القتل وأن هذا الشخص معصوم الدم أمر غير مكلف أن يقتل، كأن يأمر صبياً وأعطاه سلاحاً، أو يأمر مجنوناً وأعطاه سلاحاً وقال: اقتل هذا الإنسان فالقصاص على الآمر؛ لأن هذا غير مكلف، مرفوع عنه القلم.
كذلك إذا كان المأمور جاهلاً بالحكم لا يدري هل القتل حرام أو حلال كمن نشأ في غير بلاد الإسلام فقتل، أو لا يدري هل هذا المقتول مستحق للقتل أو غير مستحق، ويظن أن هذا الآمر لا يأمر إلا بقتل من يستحق القتل.

(2)

قوله «وَإِنْ أَمْسَكَ إِنْسَاناً لِلْقَتْلِ، فَقُتِلَ، قُتِلَ القَاتِلُ، وَحُبِسَ الْمُمْسِكُ حَتَّى يَمُوْتَ»:

أي وإن أمسك إنساناً لآخر ليقتله، فقتله، قتل القاتل، لأنه مباشر للقتل الموجب للقَوَد، ويحبس الممسك حتى يموت، لأنه حبس المجني عليه حتى مات، فالجزاء من جنس العمل، وهذا هو المذهب.
وفي رواية أخرى 106: أنه يقتل الممسك - أيضاً -، لأن القتل حصل من إمساكه ومباشرة رفيقه، وذلك يوجب الاشتراك في القتل، وهو يوجب القصاص منهما معاً.
قلت: والذي يظهر لي أن في ذلك تفصيلاً؛ فإن كانا قد تمالئا على قتله=

الجزء: 7 - الصفحة: 327

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =فأمسكه أحدهما وباشر الآخر القتل فإنهما يقتلان به، وإن كان يظن أنه لا يريد قتله بل يعتدي عليه بما هو دون القتل، حبس المجني عليه حتى يموت، والله تعالى أعلم.

الجزء: 7 - الصفحة: 328

بابُ القَوَدِ فِي الجُرُوْحِ

(1) يَجِبُ القَوَدُ فِيْ كُلِّ عُضْوٍ بِمِثْلِهِ (2)، فَتُؤْخَذُ العَيْنُ بِالعَيْنِ، وَالأَنْفُ بِالأَنْفِ (3)،  (1)

قوله «بابُ القَوَدِ فِي الجُرُوْحِ»:

القود كما سبق تعريفه هو القصاص، وهو نوعان: إما أن يكون في النفس وهذا ما سبق بيانه، فيقتل القاتل بمن قتله.
وإما أن يكون فيما دون النفس كالعضو، مثل اليد والرِّجل وغيرهما، وهذا ما سيذكره المؤلف في هذا الباب.

(2)

قوله «يَجِبُ القَوَدُ فِيْ كُلِّ عُضْوٍ بِمِثْلِهِ»:

القصاص فيما دون النفس نوعان: أحدهما: في الطرف، فتؤخذ العين، والأنف، والأذن، والسن، والجفن، والشفة، واليد، والرجل، والإصبع، والكف، والمرفق، والذكر، والخصية، والإلية، والشفر، كل واحد من ذلك بمثله.
النوع الثاني: الجراح، فيقتص في كل جرح ينتهي إلى عظم، كالموضحة، وسيأتي بيان ذلك مفصلاً إن شاء الله تعالى.

(3)

قوله «فَتُؤْخَذُ العَيْنُ بِالعَيْنِ، وَالأَنْفُ بِالأَنْفِ»:

هذا بإجماع أهل العلم، دليل ذلك قوله تعالى: ﴿وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنفَ بِالأَنفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ 107، أي: فتؤخذ العين بالعين، اليمنى باليمنى، واليسرى باليسرى، فالعين الأولى عين الجاني، تؤخذ بالعين الثانية التي هي عين المجني عليه، وأن يكون هذا على سبيل المماثلة=

الجزء: 7 - الصفحة: 329

وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الجَفْنِ وَالشَّفَةِ، وَالِّلسَانِ وَالسِّنِّ، وَاليَدِ وَالرِّجْلِ (1)، وَالذَّكَرِ، وَالأُنْثَيَيْنِ بِمِثْلِهِ (2)،  =ولكن بالشروط التي سيأْتي بيانها.

(1)

قوله «وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الجَفْنِ وَالشَّفَةِ، وَالِّلسَانِ وَالسِّنِّ، وَاليَدِ وَالرِّجْلِ»:

أي متى تعدى على واحدة من هذه المذكورات فأتلفها وجب فيها القصاص بالمثل، لقوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنفَ بِالأَنفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ﴾ (1) (2)

قوله «وَالذَّكَرِ، وَالأُنْثَيَيْنِ بِمِثْلِهِ»:

أي وكذلك الذكر إذا جنى عليه بقطعه، فإنه يقتص من الجاني، فيقطع ذكره كما قطع ذكر المجني عليه، والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ 109، وهذا بالإجماع، سواءٌ قطعه كاملاً مع الخصيتين أم قطع العضو وحده دون الخصيتين، فيُقطع منه مثلما قطع من المجني عليه.
وقوله «وَالأُنْثَيَيْنِ» هما الخصيتان فلو جنى على خصيتيه، فقطعها قطعنا منه مثلما قطع، وهذا كله بشرط أمن الحيف، كما سيأتي، أي: أن يكون القطع بطريقة يمكن أن يقتص منه فيها، ولا تكون هناك زيادة عند القصاص، أما إذا لم تؤمن الزيادة فلا.
ولو جنى عليه جناية في خصيته عطلت منافعه فأصبح عقيماً، فيفعل به مثلما فعل بالمجني عليه إذا أمكن ذلك وأمن الحيف؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم-: «كِتَابُ=108

الجزء: 7 - الصفحة: 330

وَكَذلِكَ كُلُّ مَا أَمْكَنَ القِصَاصُ فِيْهِ (1)، وَيُعْتَبَرُ كَوْنُ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ مُكَافِئًا لِلْجَانِيْ (2)،  =اللهِ الْقِصَاصُ» (1)، وكذلك لو اعتدى عليه فعطل منفعة الذكر فأصبح لا ينتشر، فيفعل به ما يمنع انتشار ذكره.

(1)

قوله «وَكَذلِكَ كُلُّ مَا أَمْكَنَ القِصَاصُ فِيْهِ»:

أي وكذلك يكون القصاص فيما أمكن القصاص فيه منها، وفيما وجد منه محل القصاص، ولم يخش منه تلف النفس كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
(2)

قوله «وَيُعْتَبَرُ كَوْنُ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ مُكَافِئًا لِلْجَانِيْ»:

شرع المؤلف ببيان الشروط التي إذا وجدت حكمنا بالقصاص، وإذا فقدت أو فقد بعضها لا يُحكم به، وقد سبق ذكر بعض هذه الشروط، منها ما ذكره المؤلف هنا وهو المكافئة بين المجني عليه والجاني، وهو أن يكون القاتل مساوياً للمقتول في الدين والحرية، فلا يقتل مسلم بكافر، لقوله -صلى الله عليه وسلم-: «لا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ» 111، ولا يقتل حر بعبد على قول جمهور الفقهاء، لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بِالأُنثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاء إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ 112، فمقتضى ظاهر الآية أن الحر لا يقتل=110

الجزء: 7 - الصفحة: 331

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =إلا بالحر، وأن العبد لا يقتل إلا بالعبد، ولما ورد عن ابن عباس مرفوعاً: «لا يُقْتَلُ حُرٌّ بِعَبْدٍ» 113، وعن علي -رضي الله عنه- قال: «إنَّ السُّنَّة: أَنْ لا يُقْتَلَ حُرٌّ بِعَبْدٍ» 114. والقول الثانِي: أن الحر يقتل إذا قتل العبد، وهو قول ذهب إليه أبو حنيفة وشيخ الإسلام ابن تيمية 115، وهو رواية عن أحمد 116، وداود الظاهري 117، قال شيخنا -رحمه الله- 118: وهذا القول هو الصواب، وذلك لعموم الأدلة في وجوب القصاص، ولقوله -صلى الله عليه وسلم-: «المُؤْمِنُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ» 119، فدل الحديث على أن دماء المؤمنين متكافئة، وأن العبرة بأصل الإيمان، وليست العبرة بالحرية أو الرِّق».
وهذا هو الراجح إن شاء الله، لقوة أدلته، ولأنه يتمشى مع ما تهدف إليه الشريعة من حقن الدماء والحفاظ على الأرواح من أن تزهق بغير حق.
وأما الآية فلا دلالة فيها على المُدَّعَى لأمرين:

الجزء: 7 - الصفحة: 332

وَكَوْنُ الجِنَايَةِ عَمْدًا (1)، وَالأَمْنُ مِنَ التَّعَدِّيْ (2)،  1 - أنها لم ترد لبيان مقابلة الجنس بجنسه وحتمية ذلك، وإنما وردت - والله أعلم - رداً على أناس حصل بينهم قتال في الجاهلية، ولم يقتصوا إلا بعد الإسلام، وحلفوا ألا يرضوا إلا بالحر بدل العبد، والرجل بدل المرأة (1). 2 - أن الاستدلال بها عن طريق مفهوم المخالفة، لا يعتبر حجة إذا عارضه المنطوق، وهو ما تقدم من الأدلة.
وأما الأحاديث التي احتجوا بها فهي ضعيفة لا تقوم بها الحجة كما هو مبين في تخريجها.

(1)

قوله «وَكَوْنُ الجِنَايَةِ عَمْدًا»:

هذا هو الشرط الثاني من شروط استيفاء القصاص فيما دون النفس، فإن كانت الجناية عن خطأ لم يقتص منه كما في قتل الخطأ.
(2)

قوله «وَالأَمْنُ مِنَ التَّعَدِّيْ»:

هذا هو الشرط الثالث، وهو «الأمن من الحيف»: أي من الزيادة في القصاص على مقدار الجناية، وهو أن يؤمن التعدي إلى غير الجاني حال التنفيذ، لقوله تعالى: ﴿فَلا يُسْرِف فِّي الْقَتْلِ﴾ 121، والإسراف مجاوزة الحد، إما أن يمثل بالقاتل أو يقتله بغير ما قتل به أو يقتل غير القاتل، وإذا أفضى القصاص إلى التعدي كان فيه إسراف، وهو محرم.
ومن الأدلة على ذلك أيضاً أن الله تعالى أوجب القصاص، ولا يمكن =120

الجزء: 7 - الصفحة: 333

بِأَنْ يُقْطَعَ مِنْ مِفْصَلٍ (1)،  =أن يتحقق القصاص مع وجود الزيادة، أن الجاني حينها يكون مظلوماً، ولذا قال الفقهاء لو غلب على الظن أننا سنزيد ولا نأمن أن تحدث مضاعفات، وقد يموت الجاني، فيسقط القصاص عندها وينتقل إلى البدل وهو الدية.
مثال ذلك لو أن شخصاً مصاب بمرض السكر تعدى على شخص آخر فقطع أصبع من أصابعه، ومعلوم أن مرض السكر تحصل معه مضاعفات قد تؤدي بحياة الجاني فهنا يسقط عنه القصاص في هذا العضو وينتقل إلى البدل، لأن الجناية التي فعلها الجاني لا يمكننا أن نفعل مثلها بالجاني، وحينئذٍ لا يتحقق القصاص الذي أوجب الله عز وجل وفرضه.

(1)

قوله «بِأَنْ يُقْطَعَ مِنْ مِفْصَلٍ»:

أي ويكون الأمن من التعدي بأن يكون القطع من مفصل فإن كان من غير مفصل فلا قصاص فيه من موضع القطع، فمثلا في الأصبع من مفصل الأنملة، وفي الكف من مفصل الرسغ، وفي الذراع من مفصل المرفق، وفي العضد من مفصل الكتف، فلو أن رجلا قطع يد رجل من مفصل اليد تماماً فإنه يقتص منه، ولو قطعه من نصف الذراع فلا يقتص منه، لأن القطع ليس من مفصل، وهذا ما عليه جمهور الفقهاء 122، وفي رواية أخرى في المذهب 123، وهو مذهب الشافعية 124، أنه يقتص من المفصل الذي دونه، وهذا هو =

الجزء: 7 - الصفحة: 334

أَوْ حَدٍّ يَنْتَهِيْ إِلَيْهِ، كَالْمُوْضِحَةِ الَّتِيْ تَنْتَهِيْ إِلَيْهِ العِظَامُ (1)،  =الصحيح عندي.
وهل له أرش على الزائد أم لا؟ قولان في مذهب الإمام أحمد (1): أصحهما ثبوت الأرش له وذلك لتعذر الاستيفاء، فإذا تعذر الاستيفاء وجب الأرش.
إذاً الصحيح أنه إذا كان القطع من غير مفصل فله القود من المفصل الذي دونه، وله في أصح القولين الأرش، أي الارش الذي يكون مقابلاً لهذا القطع من طرفه.
فعندنا ثلاثة احتمالات على خلاف كلام المؤلف: الأول: أن يقتص من المفصل الذي دون القطع، ويأخذ أرش الزائد.
الثاني: أن يقتص من مكان القطع إذا أمكن.
الثالث: أن يقتص من دون محل القطع، وفوق المفصل ويسقط المجني عليه الزائد (2).

(1)

قوله «أَوْ حَدٍّ يَنْتَهِيْ إِلَيْهِ، كَالْمُوْضِحَةِ الَّتِيْ تَنْتَهِيْ إِلَيْهِ العِظَامُ»

أو أن تكون الجناية إلى حد تنتهي إليه، وإن لم يكن مفصل، فأما ما سوى ذلك فلا قصاص فيه لعدم أمن الحيف وضرب المؤلف مثالاً فقال: «كَالْمُوْضِحَةِ الَّتِيْ تَنْتَهِيْ إِلَيْهِ العِظَامُ» الموضحة، وهي الجناية التي توضح العظم وتبرزه، هي الشجة التي توضح العظم، كالشجة التي =125126

الجزء: 7 - الصفحة: 335

فَأَمَّا كَسْرُ العِظَامِ، وَالقَطْعُ مِنَ السَّاعِدِ وَالسَّاقِ، فَلا قَوَدَ فِيْهِ (1). وَلا قَوَدَ فِيْ الجَائِفَةِ (2)،  = في الوجه، أو التي في الرأس إذا وصلت إلى العظم، ولكن العظم لم ينكسر، فهذه يجوز القصاص فيها لإمكان الاستيفاء بلا حيف، ولا زيادة.
أما لو وصلت إلى العظم فهشمته وكسرته فهي الجناية بالهاشمة ولا يجب فيها قصاص، لأن المماثلة غير ممكنة وله أن يقتص عنها موضحة، وسيأتي ذلك في موضعه إن شاء الله.

(1)

قوله «فَأَمَّا كَسْرُ العِظَامِ، وَالقَطْعُ مِنَ السَّاعِدِ وَالسَّاقِ، فَلا قَوَدَ فِيْهِ»:

اتفق الفقهاء على أنه لا قصاص في كسر العظام - بما فيها الضلع - لعدم الوثوق بالمماثلة لأنه لا يعلم موضعه، فلا يؤمن فيه التعدي.
وقال المالكية (1): يجري فيها القود كسائر جراحات الجسم، إلا ما عظم خطره منها، كعظم الصدر والصلب، وعظام العنق والفخذ، أما ما لا خطر في إجراء القصاص فيه ففيه القود، كالزندين، والذراعين، والعضدين، والساقين، ونحوها.

(2)

قوله «وَلا قَوَدَ فِيْ الجَائِفَةِ»:

الجائفة: هي التي تصل إلى الجوف، من البطن أو الظهر أو الحلق أو من غير ذلك، تكون في غير الرأس والوجه، فتكون في البطن، وفي الصدر، وفي ثغرة النحر، وتكون جائفة فيما بين السبيلين، وهذه الجائفة فيها ثلث الدية كما سيأتي، فلو طعنه بسكين ودخلت السكين إلى جوفه فأبانت أحشاءه فهي جائفة، وهكذا لو =127

الجزء: 7 - الصفحة: 336

وَلا فِيْ شَيْءٍ مِنْ شِجَاجِ الرَّأْسِ، إِلاَّ الْمُوْضِحَةِ (1)، إِلاَّ أَنْ يَرْضَى فِيْمَا فَوْقَ المُوْضِحَةِ بِمُوْضِحَةٍ (2)،  =ضربه من ظهره فأظهر عظمه فهي جائفة، ولو ضربه على صدره فأبان جوف الصدر فهي جائفة.
وقد اتفق الفقهاء على أنه لا قصاص في الجائفة، وأن فيها ثلث الدية سواء أكانت عمداً أم خطئًا، وعليه الإجماع؛ ولأنه لا تؤمن الزيادة فيها فلم يجب فيها قصاص، ولحديث ابن عباس: «لا قَوَدَ فِي الْمَأْمُومَةِ وَلا الْجَائِفَةِ» (1).

(1)

قوله «وَلا فِيْ شَيْءٍ مِنْ شِجَاجِ الرَّأْسِ، إِلاَّ الْمُوْضِحَةِ»:

الشجاج جمع شجة، والشجة الجراحة في الوجه أو الرأس، ولا تكون في غيرهما من الجسد، فهذه إن كانت موضحة ففيها القصاص باتفاق الفقهاء، وهذا معنى قوله «إِلاَّ الْمُوْضِحَةِ» لقوله تعالى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ (2) ولأنه يمكن الاستيفاء فيها بغير حيف ولا زيادة لأن لها حداً تنتهي إليه السكين وهو العظم، وإن كانت الشجة فوق الموضحة كالمنقلة والآمة فلا قصاص فيها، لأنه لا يؤمن الزيادة والنقصان فيها فلا يوثق باستيفاء المثل من غير حيف بخلاف الموضحة.
(2)

قوله «إِلاَّ أَنْ يَرْضَى فِيْمَا فَوْقَ المُوْضِحَةِ بِمُوْضِحَةٍ»:

أي يجوز للمجني عليه جناية فوق الموضحة أن يقتص موضحة؛ لأنه يقتص بعض حقه، ويقتص من محل جنايته، وإذا اقتص موضحة كان له أرش ما زاد =128129

الجزء: 7 - الصفحة: 337

وَلا فِيْ الأَنْفِ إِلاَّ مِنَ الْمَارِنِ، وَهُوَ مَا لانَ مِنْهُ (1)،  =على الموضحة، لأنه تعذر القصاص فيه فانتقل إلى البدل، مثال ذلك أن يجني عليه جناية هشمت عظامه، أو نقلت العظم، فإنه يُمكن جرحه موضحة.

وهل له أن يطالب أرش ما زاد على الموضحة؟

قولان للفقهاء: الأول: أنه له أن يأمر الجاني بدفع الفرق بين الموضحة وبين الجناية وذلك لأنه جنى عليه جناية يتعذر القصاص فيها، فأخذ بعض حقه، وبقي له الآخر، كما لو قطع له أصبعين، فاقتص من أحدهما وأخذ قيمة الثاني، وكما لو كان الأصبع الثاني مشلولاً فقال المجني عليه: أريد أن تقطعوا منه مثل ما قطع مني، وآخذ أرش الباقي لي من الأصبع المشلول، فلا أريد القصاص فيه، فله ذلك، وبناءً على ذلك فإن الأصل يقتضي أن يطالب بحقه كاملاً، وهو القصاص، فلما تعذر أن يأخذ بالقصاص كان من حقه أن يقتص موضحة، فالموضحة فيها خمس من الإبل، فإذا كانت الجناية هاشمة ففيها عشر من الإبل، فيدفع خمساً من الإبل باقية عليه.
القول الثاني: أنه ليس له أرش ما زاد على الموضحة؛ لأنه جرح واحد فلا يجمع فيه بين قصاص ودية.

(1)

قوله «وَلا فِيْ الأَنْفِ إِلاَّ مِنَ الْمَارِنِ، وَهُوَ مَا لانَ مِنْهُ»:

أي ولا قود في الأنف إلا ما لان منه، وهو العضو البارز في الوجه، يعني: الزائد عن حد الوجه، وهو الذي يسمى: مارن الأنف، وفيه ثلاثة أشياء: المنخر الأيمن، والمنخر الأيسر، والحاجز بينهما.
=

الجزء: 7 - الصفحة: 338

وَيُشْتَرَطُ التَّسَاوِيْ فِي الاِسْمِ وَالْمَوْضِعِ (1)، فَلا تُؤْخَذُ وَاحِدَةٌ مِنَ اليُمْنى وَاليُسْراى وَالعُلْيَا وَالسُّفْلى إِلاَّ بِمِثْلِهَا (2)، وَلا تُؤْخَذُ إِصْبَعٌ وَلا أَنْمُلَةٌ وَلا سِنٌّ إِلاَّ بِمِثْلِهَا (3)،  =فلو أنه قطع الجزء المارن من الأنف وهو ما عبر عنه بقوله «ما لان منه» ففيه القصاص لإمكان الاستيفاء بلا حيف لأن للمارن حدا ينتهي إليه، أشبه اليد، فإن قطع قصبة الأنف فلا قصاص وله الدية.

(1)

قوله «وَيُشْتَرَطُ التَّسَاوِيْ فِي الاِسْمِ وَالْمَوْضِعِ»:

هذا هو الشرط الربع من الشروط المعتبرة لاستيفاء القصاص، فلابد من المماثلة والتَسَاوِي في محل العضْوين، فلا تؤخذ يمين بيسار، ولا يسار بيمين، ولا خنصر ببنصر، لأنهما جوارح مختلفة المنافع والأماكن، فلم يؤخذ بعضها ببعض، كالعين بالأنف، ولو تراضيا فهو حرام، لكن تجزئ ولا ضمان، وكذا لو قطعها غلطاً أو ظناً أنها تجزئ، وقوله: «فِي الاِسْمِ وَالْمَوْضِعِ» الاسم تكون يداً بيد، وكذلك خنصر بخنصر، هذا اسم، والموضع يمين بيمين مثلاً.
(2)

قوله «فَلا تُؤْخَذُ وَاحِدَةٌ مِنَ اليُمْنى وَاليُسْراى وَالعُلْيَا وَالسُّفْلى إِلاَّ بِمِثْلِهَا»:

فلا تؤخذ يمين بيسار، ولا يسار بيمين، كالأيدي والأرجل والأعين والآذان ونحوها؛ ولا تؤخذ الشفة العليا بالسفلى لأن كل واحد منها يختص باسم، وله منفعة خاصة؛ فلا تماثل، ولا تؤخذ خنصر ببنصر من الأصابع؛ للاختلاف في الاسم، ولا يؤخذ عضو أصلي بعضو زائد.
(3)

قوله «وَلا تُؤْخَذُ إِصْبَعٌ وَلا أَنْمُلَةٌ وَلا سِنٌّ إِلاَّ بِمِثْلِهَا»:

أي وكذلك لا تؤخذ إصبع بإصبع إلا أن يتفقا في الاسم والموضع، فلا تؤخذ خنصر=

الجزء: 7 - الصفحة: 339

وَلا تُؤْخَذُ كَامِلَةُ الأَصَابِعِ بِنَاقِصَةٍ (1)،  =ببنصر من الأصابع؛ للاختلاف في الاسم، ولا تؤخذ أنملة بأنملة إلا أن يتفقا في ذلك, ولا يؤخذ السن بالسن إلا أن يتفق موضعهما واسمهما ولا يؤخذ سن ولا إصبع أصلية بزائدة ولا زائدة بأصلية ولا زائدة بزائدة في غير محلها لما ذكرناه.

(1)

قوله «وَلا تُؤْخَذُ كَامِلَةُ الأَصَابِعِ بِنَاقِصَةٍ»:

أي لو كان الجاني كامل الأصابع والمجني عليه أصابعه ناقصة، فلا تؤخذ يد الجاني بيد المجني عليه، لأن أصابع يد المجني عليه ناقصة فلا يتم القصاص، وهذا أحد الأقوال في المسألة.
وذهب الحنفية 130، والشافعية 131، والحنابلة على الصحيح من المذهب 132، إلى أنه تؤخذ كاملة الأصابع بناقصة الأصابع مع عدم المماثلة وعدم المساواة، وذلك لأن أصابع اليد الناقصة فيها منفعة، كالحركة والإحساس، ومثل ما لو قتل شخص رجلا مقطع الأربع، يعني قد قطعت يداه ورجلاه، فإن الجاني يقتل، ولو كان كامل الأطراف، فهذه مثلها.
قال شيخنا -رحمه الله-: «والقول بأنه يقتص من كاملة الأصابع بالناقصة أقوى من الأول» 133.

الجزء: 7 - الصفحة: 340

وَلا صَحِيْحَةٌ بِشَلاَّءَ (1)، وَتُؤْخَذُ النَّاقِصَةُ بِالكَامِلَةِ (2)،  (1)

قوله «وَلا صَحِيْحَةٌ بِشَلاَّءَ»:

هذا أيضا شرط لاستيفاء القصاص فلابد من استواؤهما في الصحة والكمال، أي: لا تؤخذ اليد الصحيحة باليد الشلاء ولا رجلٌ صحيحة برجلٍ شلاء، ولا أصبعٌ صحيحة بأصبعٍ شلاء، والدليل على هذا قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ﴾، وهذا يقتضي أن يكون هناك تماثلٌ، وقوله سبحانه وتعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنفَ بِالأَنفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ﴾ (1) إلى آخر الآية.
فالمقصود من هذه الآية الكريمة العدل بين الجاني والمجني عليه، فإذا كان طرف الجاني المماثل للطرف المجني عليه أكمل، فإنه لا يمكن أن يتحقق العدل بقطع ذلك الطرف الكامل بالطرف الناقص.
فالحاصل أنه لا تقطع يد صحيحة «كاملة» بيدٍ شلاء، سواءٌ أكانت مشلولة بكاملها أم كان الشلل في بعضها، وسواءٌ أكان الشلل في أكثر اليد أم في بعض اليد، فلابد من وجود التماثل (2).

(2)

قوله «وَتُؤْخَذُ النَّاقِصَةُ بِالكَامِلَةِ»:

أي فإذا كانت يد القاطع ناقصة ويد المجني عليه كاملة فإنها تؤخذ بها، لأنها دون حقه.
وهل له أخذ دية الأصابع الناقصة؟ على وجهين: «أحدهما» له ذلك، وهو قول الشافعي 136.134135

الجزء: 7 - الصفحة: 341

وَالشَّلاَّءُ بِالصَّحِيْحَةِ إِذَا أُمِنَ التَّلَفُ (1)،  والثاني: ليس له مع القصاص إرش، وهو مذهب أبي حنيفة (1) لئلا يفضي إلى الجمع بين قصاص ودية في عضو واحد.

(1)

قوله «وَالشَّلاَّءُ بِالصَّحِيْحَةِ إِذَا أُمِنَ التَّلَفُ»:

أي فإذا كان القاطع أشل والمقطوعة سالمة فاختار القصاص فله ذلك لأنه رضي بدون حقه اللهم إلا أن يخاف من القصاص التلف فإنه يسقط القصاص ولأنه لا يجوز أخذ نفس بطرف وإن أمن هذا كله فله القصاص, وليس له أرش معه لأن الشلاء كالصحيحة في الخلقة وإنما نقصت عنها في الصفة فلم يكن له أرش، فإن اختار المجني عليه دية يده فله ذلك لا نعلم فيه خلافا؛ لأنه عجز عن استيفاء حقه على الكمال بالقصاص فكانت له الدية كما لو لم يكن للقاطع يد.137

الجزء: 7 - الصفحة: 342

فَصْلٌ فِي الجِنايَةِ عَلى بَعْضِ العُضْوِ

(1) وَإِذَا قَطَعَ بَعْضَ لِسَانِهِ أَوْ مَارِنِهِ أَوْ شَفَتِهِ أَوْ حَشَفَتِهِ أَوْ أُذُنِهِ، أُخِذَ مِثْلُهُ، يُقَدَّرُ بِالأَجْزَاءِ، كَالنِّصْفِ وَالثُّلُثِ وَنَحْوِهِمَا (2)،  (1)

قوله «فَصْلٌ فِي الجِنايَةِ عَلى بَعْضِ العُضْوِ»:

الجناية على الأعضاء لها ثلاث حالات

:

الأولى: أن تذهب حاسته كاملة

، كأن تذهب حاسة الشم للأنف وتتعطل منافعه في هذه الحالة، وهذا لا إشكال فيه.

الثانية: أن يذهب العضو كاملا

ً كقطع اليد أو الرجل أو شلل أصابها.

الثالثة: أن يقطع بعض العضو

، وهذا هو مراد المؤلف في هذا الفصل.
(2)

قوله «وَإِذَا قَطَعَ بَعْضَ لِسَانِهِ أَوْ مَارِنِهِ أَوْ شَفَتِهِ أَوْ حَشَفَتِهِ أَوْ أُذُنِهِ، أُخِذَ مِثْلُهُ، يُقَدَّرُ بِالأَجْزَاءِ، كَالنِّصْفِ وَالثُّلُثِ وَنَحْوِهِمَا»:

أي إذا قطع بعض أذنه أو مارنه أي «ما لان من أنفه»، كما سبق أو لسانه أو شفته أو حشفته، يعني «حشفة ذكره» أخذ منه مثله بأن يقدر ذلك بنسبة الأجزاء كالنصف والثلث والربع، وفي رواية أخرى لا يؤخذ بعض اللسان ببعض، قال أبو الخطاب وهو الأصح 138. قلت: والصواب عندي هو القول الأول لعموم قوله تعالى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ 139، ولأن له حداً ينتهي إليه.

الجزء: 7 - الصفحة: 343

وَإِنْ أُخِذَتْ دِيَتُهُ، أُخِذَ بِالقِسْطِ مِنْهَا (1)، وَإِنْ كُسِرَ بَعْضُ سِنِّهِ، بُرِدَ مِنْ سِنِّ الجَانِيْ مِثْلُهُ، إِذَا أُمِنَ انْقِلاعُهَا (2)، وَلا يُقْتَصُّ مِنَ السِّنِّ حَتَّى يَيْأَسَ مِنْ عَوْدِهَا (3)،  (1)

قوله «وَإِنْ أُخِذَتْ دِيَتُهُ، أُخِذَ بِالقِسْطِ مِنْهَا»:

أي إن قطع الجاني نصف هذه المذكورات كأن يقطع نصف اللسان أو نصف أُذن وما شابه ذلك وعدل المجني عليه عن القصاص إلى الدية أو تعذر القصاص، أخذ منه نصف ديته أي نصف دية هذا العضو وإن كان أكثر أو أقل فبالحساب.
(2)

قوله «وَإِنْ كُسِرَ بَعْضُ سِنِّهِ، بُرِدَ مِنْ سِنِّ الجَانِيْ مِثْلُهُ، إِذَا أُمِنَ انْقِلاعُهَا»:

أي إذا كسر بعض سن المجني عليه فإنه يقتص من الجاني بقدر جنايته، وذلك بأن نحكه بالمبرد، حتى يتحقق القصاص، ويكون القصاص بالنسبة لا بالقدر؛ لأن سن الجاني قد يكون قدر سن المجني عليه مرتين، فإذا كسر نصف سن المجني عليه، وقلنا: القصاص بالقدر، فإننا نأخذ ربع سن الجاني، لكننا إذا قلنا بالنسبة، فإننا نأخذ نصف سن الجاني، لكن يشترط أمن الحيف كما ذكرنا سابقاً ولذا قيده المؤلف هنا بقوله «إِذَا أُمِنَ انْقِلاعُهَا».
(3)

قوله «وَلا يُقْتَصُّ مِنَ السِّنِّ حَتَّى يَيْأَسَ مِنْ عَوْدِهَا»:

وذلك لأنه مما يحتمل العود فلا يجب شيء مع الاحتمال وإنما يعرف ذلك بقول عدلين من أهل الخبرة كالأطباء ونحوهم، فإن عاد بدل السن على صفتها في موضعها فلا شيء على الجاني، وإن عادت مائلة عن محلها أو متغيرة عن صفتها كان عليه حكومة لأنها لو لم تعد ضمن السن فإذا عادت ناقصة=

الجزء: 7 - الصفحة: 344

وَلا مِنَ الجُرْحِ حَتَّى يَبْرَأَ (1)، وَسِرَايَةُ القَوَدِ مُهْدَرَةٌ (2)،  =ضمن ما نقص، وإن عادت قصيرة ضمنه بالحساب: ففي نصفها نصف ديتها، وفي ربعها ربع ديتها, وإن مضى زمان عودها ولم تعد سئل أهل العلم بالطب فإن قالوا قد يئس من عودها فالمجني عليه بالخيار بين القصاص أو دية السن.

(1)

قوله «وَلا مِنَ الجُرْحِ حَتَّى يَبْرَأَ»:

أي ولا يقتص من الجاني حتى يبرأَ المجني عليه من جرحه وذلك لأن الجرح لا يدرى أقتل هو أم ليس بقتل فينبغي أن ينتظر ليعلم ما حكمه وما الواجب فيه.
(2)

قوله «وَسِرَايَةُ القَوَدِ مُهْدَرَةٌ»:

السراية: هي أن ينتقل الشيء من مكان إلى آخر، فيسري الجرح من المكان الأول إلى مكان آخر ويتسع، وكذلك الأعضاء، كما لو قطع أصبعاً فتآكلت الكف كلها، أو قطع أنملة فتآكل الأصبع كله، أو جرح موضحة بقدر الظفر ثم اتسعت حتى صارت بقدر الكف.
وقوله «وَسِرَايَةُ القَوَدِ مُهْدَرَةٌ»: أي فلو قطع طرفاً قودًا كأن تقطع رجلاه أو يداه فسرى إلى النفس، فتسبب القطع في وفاة الجاني فلا شيء على قاطع، لعدم تعديه، ولأن «ما ترتب على المأذون فليس بمضمون»، قال الوزير: «اتفقوا على أن الإمام إذا قطع يد السارق، وسرى إلى نفسه، فلا ضمان عليه» 140. =

الجزء: 7 - الصفحة: 345

وَسِرَايَةُ الجِنَايَةِ مَضْمُوْنَةٌ بِالقِصَاصِ وَالدِّيَةِ (1)، إِلاَّ أَنْ يُسْتَوْفَى قِصَاصُهَا قَبْلَ بُرْئِهَا، فَيَسْقُطُ ضَمَانُهَا (2)،  =يستثنى هنا ما إذا اقتص منه في حال يخشى فيه من السراية، مثل أن يكون في شدة حر، أو في شدة برد، أو إنسان فيه داء السكري، فإن هذا في الغالب لا يبرأ، ويخشى فيه السراية، فإذا كان كذلك، قال أهل العلم: إن السراية في هذه الحال تكون مضمونة، لأنها مترتبة على شيء غير مأذون فيه.

(1)

قوله «وَسِرَايَةُ الجِنَايَةِ مَضْمُوْنَةٌ بِالقِصَاصِ وَالدِّيَةِ»:

أي إذا كانت السراية من جناية فإنها مضمونة، مثل لو قطع أصبع إنسان عمدا فنزف الدم حتى مات، فهنا نقتل الجاني، فإذا قال الجاني: أنا لم أقطع إلا الأصبع، فنقول له: لكن هذه الجناية سرت إلى النفس، وأنت السبب، وربما أنك لم تقصد أن تقتل هذا الشخص، لكنه مات بسببك فتكون ضامنا.
وهذا الضابط مبني على قاعدة معروفة عند أهل العلم، وهي: «ما ترتب على غير المأذون فهو مضمون»، فكل شيء ترتب على شيء لم يؤذن فيه، لا شرعاً ولا عرفاً، فإنه يكون مضموناً وقد تقع السراية بالأسلحة والآلات المسمومة، كما لو ضربه بسكين مسمومة، أو ضربه بسكين كآلة وحصل تلوث بسببها، فإنه يكون ضامناً لهذه النفس، فإما القصاص وإما الدية.

(2)

قوله «إِلاَّ أَنْ يُسْتَوْفَى قِصَاصُهَا قَبْلَ بُرْئِهَا، فَيَسْقُطُ ضَمَانُهَا»:

سبق أن ذكرنا أنه لا يقتص من الجاني حتى يبرأَ المجني عليه من جرحه، فإذا=

الجزء: 7 - الصفحة: 346

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =استعجل المجني عليه القصاص أو الدية فقال أريد أن أقتص، فقال له القاضي: انتظر حتى تبرأ، مخافة سراية الجناية، فأصر على حقه ليقتص فوراً، فإنه يُمَكَّن من حقه، فإذا مُكن من حقه، ثم سرت الجناية بعد اقتصاصه، كما لو قُطع أصبعه، فقال: أريد القصاص وأريد أن آخذ بحقي، فمكنه القاضي، فقطع أصبع الجاني، ثم بعد القطع سرت الجناية حتى سقطت كفه، فسريان الجناية هدر.
وقال بعض العلماء: له القصاص، والصحيح ما ذكرناه، دليل ذلك حديث جابر أن رجلاً طعن رجلاً بقرن في ركبته فأتى النبي -صلى الله عليه وسلم- يستقيد فقيل له «حَتَّى تَبْرَأَ فَأَبَى وَعَجَّلَ فَاسْتَقَادَ قَالَ فَعَنِتَتْ رِجْلُهُ وَبَرِئَتْ رِجْلُ الْمُسْتَقَادِ مِنْهُ فَأَتَى النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- فَقَالَ لَهُ لَيْسَ لَكَ شَيْءٌ إِنَّكَ أَبَيْتَ» 141.

الجزء: 7 - الصفحة: 347

وَبَلُ الغَمَامَةِ في شَرْحِ عُمْدَةِ الفِقْهِ لابْنِ قُدَامَة شرح لعبارة المؤلف مع التمثيل لها والاستدلال وتخريج الأحاديث وذكر أقوال أهل العلم وبيان الراجح في كل مسألة (الديات - الحدود - الجهاد - القضاء - الشهادات) تأليف الأستاذ الدكتور/ عبد الله بن محمد بن أحمد الطيار أستاذ الدراسات العليا بكلية الشريعة وأصول الدين بجامعة القصيم المملكة العربية السعودية - الزلفي - ص. ب: 188 - الرمز البريدي: 11932 هاتف: 064226000 - فاكس: 064225666 - جوال: 0505123100 موقع منار الإسلام www.m-islam.net البريد الإلكتروني: a@m-islam.net m-islam 1@hotmail.com الجزء الثامن مدار الوطن للنشر

الجزء: 8 - الصفحة: 1

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الجزء: 8 - الصفحة: 2

وَبَلُ الغَمَامَةِ في شَرْحِ عُمْدَةِ الفِقْهِ لابْنِ قُدَامَة (الديات - الحدود - الجهاد - القضاء - الشهادات)

الجزء: 8 - الصفحة: 3

جميع الحقوق محفوظة الطبعة الأولى 1432 هـ - 2011 م مدار الوطن للنشر - الرياض هاتف: 4792042 (5 خطوط) فاكس: 4723941 - ص. ب: 245760 فرع السويدي: هاتف: 4267177 - فاكس: 4267377 منطقة الرياض: 0503269316 المنطقة الغربية: 0504143198 المنطقة الشرقية: 0503193268 المنطقة الشمالية والقصيم: 0504130728 المنطقة الجنوبية: 0504130727 التوزيع الخيري: 0506436804 - 2831453 التسويق والمعارض الخارجية: 0506495625 البريد الإلكتروني: pop@dar-alwatan.com موقعنا على الإنترنت: www.madar-alwatan.com

الجزء: 8 - الصفحة: 4

فصول الكتاب · 25 فصل
فصول وبل الغمامة في شرح عمدة الفقه لابن قدامة
المقدمةالمقدمةكِتَابُ الصَّلاةِكتاب الجنائزكِتَابُ الزَّكَاةِكِتَابُ الصِّيَامِكتاب الحجكِتَابُ الْبَيْعِكِتَابُ الْوَقْفِكِتَابُ الْوَصَايَاكتاب الفرائضكتاب النكاحكتاب النِّكاحِكِتابُ الصَّدَاقِكتاب الطلاقكِتابُ الظِّهارِكِتابُ الأَطْعِمَةِكتاب الصيدكِتَابُ الأَيْمَانِكتاب الجنايات
ذكر بعض الفوائدالفائدة الأولى: الحكمة في مشروعية القصاصالفائدة الثانية: الحقوق قسمانالفائدة الثالثة: القتل بغير حق من أكبر الكبائر بعد الشرك باللهقوله «القَتْلُ بِغَيْرِ حَقٍّ يَنْقَسِمُ ثَلاثَةَ أَقْسَامٍ»:قوله «أَحَدُهَا: العَمْدُ الْمَحْضُ، وَهُوَ: أَنْ يَقْتُلَهُ بِجُرْحٍ، أَوْ فِعْلٍ يَغْلِبُ عَلى الظَّنِّ أَنَّهُ يَقْتُلُهُ»:قوله «كَضَرْبِهِ بِمُثَقَّلٍ كَبِيْرٍ»:قوله «أَوْ يُكَرِّرُهُ بِصَغِيْرٍ»:قوله «أَوْ إِلْقَائِهِ مِنْ شَاهِقٍ»:قوله «أَوْ خَنْقِهِ أَوْ تَحْرِيْقِهِ، أَوْ تَغْرِيْقِهِ»:قوله «أَوْ سَقْيِهِ سُمًّا»:قوله «أَوِ الشَّهَادَةِ عَلَيْهِ زُوْرًا بِمَا يُوْجِبُ قَتْلَهُ»:قوله «أَوِ الحُكْمَ عَلَيْهِ بِهِ، وَنَحْوِ هَذَا»:قوله «قَاصِدًا»:الأول قصد الجناية بالقتل:قوله «عَالِمًا بِكَوْنِ الْمَقْتُوْلِ آدَمِيًّا مَعْصُوْمًا، فَهَذَا يُخَيَّرُ الوَلِيُّ فِيْهِ بَيْنَ القَوَدِ وَالدِّيَّةِ»:قوله «لِقَوْلِ رَسُوْلِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيْلٌ، فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ، إِمَّا أَنْ يُقْتَلَ، وَإِمَّا أَنْ يُفْدَى»قوله «وَإِنْ صَالَحَ القَاتِلُ بِأَكْثَرَ مِنَ الدِّيَّةِ جَازَ»:الأول: حق اللهالثاني: حق أولياء المقتولالثالث: حق المقتولقوله «الثَّانِيْ: شِبْهُ العَمْدِ، وَهُوَ: أَنْ يَتَعَمَّدَ الجِنَايَةِ عَلَيْهِ بِمَا لا يَقْتُلُهُ غَالِبًا»:قوله «فَلا قَوَدَ فِيْهِ»:قوله «وَالدِّيَّةُ عَلى العَاقِلَةِ»:قوله «الثَّالِثُ: الخَطَأُ»:قوله «وَهُوَ نَوْعَانِ»:قوله «أَحَدُهَمَا: أَنْ يَفْعَلَ فِعْلاً لا يُرِيْدُ بِهِ الْمَقْتُوْلَ، فَيُفْضِيْ إِلى قَتْلِهِ»:قوله «أَوْ يَتَسَبَّبُ إِلى قَتْلِهِ بِحَفْرِ بِئْرٍ وَنَحْوِهِ»:قوله «وَقَتْلُ النَّائِمِ وَالصَّبِيِّ وَالْمَجْنُوْنِ»:مسألة في عمد السكرانقوله «فَحُكْمُهُ حُكْمُ شِبْهِ العَمْدِ»:قوله «النَّوْعُ الثَّانِيْ: أَنْ يَقْتُلَ مُسْلِمًا فِيْ دَارِ الحَرْبِ يَظُنُّهُ حَرْبِيًّا، أَوْ يَقْصِدَ رَمْيَ صَفِّ الكُفَّارِ، فَيُصِيْبُ سَهْمُهُ مُسْلِمًا»:قوله «فَفِيْهِ كَفَّارَةٌ بِلا دِيَةٍ؛ لِقَوْلِ اللهِ تَعَالى: {فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾»بابُ شُرُوْطِ وُجُوْبِ القِصَاصِ وَاسْتِيْفَائِهِقوله «بابُ شُرُوْطِ وُجُوْبِ القِصَاصِ وَاسْتِيْفَائِهِ»:قوله «وَيُشْتَرَطُ لِوُجُوْبِهِ أَرْبَعَةُ شُرُوْطٍ: »:قوله «أَحَدُهَا: كَوْنُ القَاتِلِ مُكَلَّفًا، فَأَمَّا الصَّبِيُّ وَالْمَجْنُوْنُ فَلا قِصَاصَ عَلَيْهِمَا»:قوله «الثَّانِيْ: كَوْنُ الْمَقْتُوْلِ مَعْصُوْمًا»:قوله «فَإِنْ كَانَ حَرْبِيًّا»:قوله «أَوْ مُرْتَدًّا»:قوله «أَوْ قَاتِلاً فِيْ الُمَحَارَبَةِ»:قوله «أَوْ زَانِيًا مُحْصَنًا»:قوله «أَوْ قَتْلُهُ دَفْعًا عَنْ نَفْسِهِ، أَوْ مَالِهِ، أَوْ حُرْمَتِهِ»:ثانياً: أن يكون صائلاً بظلم لا صائلاً بشبهة،ثالثاً: أن يكون الشخص الذي صال يخشى منه الضرر على النفس أو على المال أو على العرض،رابعاً: أن يذكره بالله عز وجل، وينصحه إذا أمكن ذلك،خامساً: ألا يتمكن من دفع ضرره إلا بالقتل كما سبق،قوله «فَلا ضَمَانَ فِيْهِ»:قوله: «الثَّالِثُ: كَوْنُ الْمَقْتُوْلِ مُكَافِئًا لِلْقَاتِلِ فَيُقْتَلُ الحُرُّ المُسْلِمُ بِالحُرِّ»:قوله «ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثى»:قوله «وَلا يُقْتَلُ حُرٌّ بِعَبْدٍ»:قوله «وَلا مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «لا يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِكَافِرٍ»قوله «وَيُقْتَلُ الذِّمِّيُّ بالذِّمِّيِّ وَالمُسْلِمِ»:قوله «وَيُقْتَلُ العَبْدُ بِالعَبْدِ»:قوله «وَالحُرِّ بِالحُرِّ»:قوله «الرَّابِعُ: أَنْ لا يَكُوْنَ أَباًّ لِلْمَقْتُوْلِ، فَلا يُقْتَلُ وَالِدٌ بِوَلَدِهِ وَإِنْ سَفَلَ، وَالأَبَوَانِ فِيْ هَذَا سَوَاءٌ»:قوله «وَلَوْ كَانَ وَلِيُّ الدَّمِ وَلَدًا، أَوْ لَهُ فِيْهِ حَقٌّ وَإِنْ قَلَّ، لَمْ يَجِبِ القَوَدُ»:فائدة: هل هناك قصاص باليد، والعصا، والسوط؟فائدة: لا يجمع في عضو واحد بين دية وقصاصفَصْلٌ فِيْ شُرُوْطِ اسْتِيْفَاءِ القِصَاصِقوله «فَصْلٌ فِيْ شُرُوْطِ اسْتِيْفَاءِ القِصَاصِ»:قوله «وَيُشْتَرَطُ لِجَوَازِ اسْتِيْفَاءِ القِصَاصِ ثَلاثَةٌ: أَحَدُهَا: أَنْ يَكُوْنَ لِمُكَلَّفٍ»:قوله «فَإِنْ كَانَ لِغَيْرِهِ، أَوْ لَهُ فِيْه حَقٌّ وَإِنْ قَلَّ، لَمْ يَجُزِ اسْتِيْفَاؤُهُ»:قوله «وَإِنِ اسْتَوْفَى غَيْرُ الْمُكَلَّفِ حَقَّهُ بِنَفْسِهِ، أَجْزَأَ ذلِكَ»:قوله «الثَّانِيْ: اتِّفَاقُ جَمِيْعِ الْمُسْتَحِقِّيْنَ عَلى اسْتِيْفَائِهِ»:قوله «فَإِنْ لَمْ يَأْذَنْ فِيْهِ بَعْضُهُمْ، أَوْ كَانَ فِيْهِمْ غَائِبٌ، لَمْ يَجُزِ اسْتِيْفَاؤُهُ»:قوله «فَإِنِ اسْتَوْفَاهُ بَعْضُهُمْ، فَلا قِصَاصَ عَلَيْهِ، وَعَلَيْهِ بَقِيَّةُ دِيَتِهِ لَهُ»:قوله «وَلِشُرَكَائِهِ حَقُّهُمْ فِيْ تَرِكَةِ الْجَانِيْ»:قوله «وَيَسْتَحِقُّ القِصَاصَ كُلُّ مَنْ يَرِثُ الْمَالَ عَلى قَدْرِ مَوَارِيْثِهِمْ»:فَصْلٌ فِيْ سُقُوْطِ القِصَاصِقوله «فَصْلٌ فِيْ سُقُوْطِ القِصَاصِ»:قوله «وَيَسْقُطُ بَعْدَ وُجُوْبِهِ بِأُمُوْرٍ ثَلاثَةٍ»:قوله «أَحَدُهَا: العَفْوُ عَنْهُ، أَوْ عَنْ بَعْضِهِ»:قوله «فَلَوْ عَفَى بَعْضُ الوَرَثَةِ عَنْ حَقِّهِ أَوْ عَنْ بَعْضِهِ، سَقَطَ كُلُّهُ، وَلِلْبَاقِيْنَ حَقُّهُمْ مِنَ الدَّيَةِ»:قوله «وَإِنْ كَانَ العَفْوُ عَلى مَالٍ، فَلَهُ حَقُّهُ مِنَ الدِّيَةِ، وَإِلاَّ فَلَيْسَ لَهُ إِلاَّ الثَّوْابُ»:قوله «الثَّانِيْ: أَنْ يَرِثَ القَاتِلُ، أَوْ بَعْضِ وَلَدِهِ شَيْئًا مِنْ دَمِهِ»:قوله «الثَّالِثُ: أَنْ يَمُوْتَ القَاتِلُ، فَيَسْقُطُ، وَتَجِبُ الدِّيَةُ فِيْ تَرِكَتِهِ»:قوله «وَلَوْ قَتَلَ وَاحِدٌ اثْنَيْنِ عَمْدًا، فَاتَّفَقَ أَوْلِيَاؤُهُمَا عَلى قَتْلِهِ بِهِمَا، جَازَ»:قوله «وَإِنْ تَشَاحُّوْا فِيْ المُسْتَوْفِيْ، قُتِلَ بِالأَوَّلِ، وَلِلثَّانِيْ الدِّيَةُ»:قوله «فَإِنْ سَقَطَ قِصَاصُ الأَوَّلِ، فَلِأَوْلِيَاءِ الثَّانِيْ اسْتِيْفَاؤُهُ»:قوله «وَيُسْتَوْفَى القِصَاصُ بِالسَّيْفِ فِيْ العُنُقِ»:قوله «وَلا يُمَثَّلُ بِهِ، إِلاَّ أَنْ يَفْعَلَ شَيْئًا، فَيُفْعَلُ بِهِ مِثْلُهُ»:بابُ الاِشْتِرَاكِ فِي القَتْلِقوله «بابُ الاِشْتِرَاكِ فِي القَتْلِ»:قوله «وَتُقْتَلُ الجَمَاعَةُ بِالوَاحِدِ»:قوله «فَإِنْ تَعَذَّرَ قَتْلُ أَحَدِهِمْ؛ لِأُبُوَّتِهِ»:قوله «أَوْ عَدَمِ مُكَافَأَةِ القَتِيْلِ لَهُ، أَوِ العَفْوِ عَنْهُ، قُتِلَ شُرَكَاؤُهُ»:قوله «وَإِنْ كَانَ بَعْضُهُمْ غَيْرَ مُكَلَّفٍ»:قوله «أَوْ خَاطِئًا، لَمْ يَجِبِ القَوَدُ عَلى وَاحِدٍ مِنْهُمْ»:قوله «وَإِنْ أَكْرَهَ رَجُلٌ رَجُلاً عَلى القَتْلِ، فَقَتَلَ»:قوله «أَوْ جَرَحَ أَحَدُهُمَا جُرْحًا وَالآخَرُ مِئَةً»:قوله «أَوْ قَطَعَ أَحَدُهُمَا مِنَ الكُوْعِ وَالآخَرُ مِنَ الْمِرْفَقِ، فَهُمَا قَاتِلانِ، وَعَلَيْهِمَا القِصَاصُ»:قوله «وَإِنْ وَجَبَتِ الدِّيَةُ، اسْتَوَيَا فِيْهَا»:قوله «وَإِنْ ذَبَحَهُ أَحَدُهُمَا، ثُمَّ قَطَعَ الآخَرُ يَدَهُ، أَوْ قَدَّهُ نِصْفَيْنِ، فَالقَاتِلُ الأَوَّلُ»:قوله «وَإِنْ قَطَعَهُ أَحَدُهُمَا، ثُمَّ ذَبَحَهُ الثَّانِيْ، قُطِعَ القَاطِعُ، وَذُبِحَ الذَّابِحُ»:قوله «فَإِنْ أَمَرَ مَنْ يَعْلَمُ تَحْرِيْمَ القَتْلِ بِهِ، فَقَتَلَ، فَالقِصَاصُ عَلى الْمُبَاشِرِ، وَيُؤَدَّبُ الآمِرُ»:قوله «وَإِنْ أَمَرَ مَنْ لا يَعْلَمُ تَحْرِيْمَهُ بِهِ، أَوْ لا يُمَيِّزُ، فَالقِصَاصُ عَلى الآمِرِ»:قوله «وَإِنْ أَمْسَكَ إِنْسَاناً لِلْقَتْلِ، فَقُتِلَ، قُتِلَ القَاتِلُ، وَحُبِسَ الْمُمْسِكُ حَتَّى يَمُوْتَ»:بابُ القَوَدِ فِي الجُرُوْحِقوله «بابُ القَوَدِ فِي الجُرُوْحِ»:قوله «يَجِبُ القَوَدُ فِيْ كُلِّ عُضْوٍ بِمِثْلِهِ»:قوله «فَتُؤْخَذُ العَيْنُ بِالعَيْنِ، وَالأَنْفُ بِالأَنْفِ»:قوله «وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الجَفْنِ وَالشَّفَةِ، وَالِّلسَانِ وَالسِّنِّ، وَاليَدِ وَالرِّجْلِ»:قوله «وَالذَّكَرِ، وَالأُنْثَيَيْنِ بِمِثْلِهِ»:قوله «وَكَذلِكَ كُلُّ مَا أَمْكَنَ القِصَاصُ فِيْهِ»:قوله «وَيُعْتَبَرُ كَوْنُ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ مُكَافِئًا لِلْجَانِيْ»:قوله «وَكَوْنُ الجِنَايَةِ عَمْدًا»:قوله «وَالأَمْنُ مِنَ التَّعَدِّيْ»:قوله «بِأَنْ يُقْطَعَ مِنْ مِفْصَلٍ»:قوله «أَوْ حَدٍّ يَنْتَهِيْ إِلَيْهِ، كَالْمُوْضِحَةِ الَّتِيْ تَنْتَهِيْ إِلَيْهِ العِظَامُ»قوله «فَأَمَّا كَسْرُ العِظَامِ، وَالقَطْعُ مِنَ السَّاعِدِ وَالسَّاقِ، فَلا قَوَدَ فِيْهِ»:قوله «وَلا قَوَدَ فِيْ الجَائِفَةِ»:قوله «وَلا فِيْ شَيْءٍ مِنْ شِجَاجِ الرَّأْسِ، إِلاَّ الْمُوْضِحَةِ»:قوله «إِلاَّ أَنْ يَرْضَى فِيْمَا فَوْقَ المُوْضِحَةِ بِمُوْضِحَةٍ»:وهل له أن يطالب أرش ما زاد على الموضحة؟قوله «وَلا فِيْ الأَنْفِ إِلاَّ مِنَ الْمَارِنِ، وَهُوَ مَا لانَ مِنْهُ»:قوله «وَيُشْتَرَطُ التَّسَاوِيْ فِي الاِسْمِ وَالْمَوْضِعِ»:قوله «فَلا تُؤْخَذُ وَاحِدَةٌ مِنَ اليُمْنى وَاليُسْراى وَالعُلْيَا وَالسُّفْلى إِلاَّ بِمِثْلِهَا»:قوله «وَلا تُؤْخَذُ إِصْبَعٌ وَلا أَنْمُلَةٌ وَلا سِنٌّ إِلاَّ بِمِثْلِهَا»:قوله «وَلا تُؤْخَذُ كَامِلَةُ الأَصَابِعِ بِنَاقِصَةٍ»:قوله «وَلا صَحِيْحَةٌ بِشَلاَّءَ»:قوله «وَتُؤْخَذُ النَّاقِصَةُ بِالكَامِلَةِ»:قوله «وَالشَّلاَّءُ بِالصَّحِيْحَةِ إِذَا أُمِنَ التَّلَفُ»:فَصْلٌ فِي الجِنايَةِ عَلى بَعْضِ العُضْوِقوله «فَصْلٌ فِي الجِنايَةِ عَلى بَعْضِ العُضْوِ»:الجناية على الأعضاء لها ثلاث حالاتالأولى: أن تذهب حاسته كاملةالثانية: أن يذهب العضو كاملاالثالثة: أن يقطع بعض العضوقوله «وَإِذَا قَطَعَ بَعْضَ لِسَانِهِ أَوْ مَارِنِهِ أَوْ شَفَتِهِ أَوْ حَشَفَتِهِ أَوْ أُذُنِهِ، أُخِذَ مِثْلُهُ، يُقَدَّرُ بِالأَجْزَاءِ، كَالنِّصْفِ وَالثُّلُثِ وَنَحْوِهِمَا»:قوله «وَإِنْ أُخِذَتْ دِيَتُهُ، أُخِذَ بِالقِسْطِ مِنْهَا»:قوله «وَإِنْ كُسِرَ بَعْضُ سِنِّهِ، بُرِدَ مِنْ سِنِّ الجَانِيْ مِثْلُهُ، إِذَا أُمِنَ انْقِلاعُهَا»:قوله «وَلا يُقْتَصُّ مِنَ السِّنِّ حَتَّى يَيْأَسَ مِنْ عَوْدِهَا»:قوله «وَلا مِنَ الجُرْحِ حَتَّى يَبْرَأَ»:قوله «وَسِرَايَةُ القَوَدِ مُهْدَرَةٌ»:قوله «وَسِرَايَةُ الجِنَايَةِ مَضْمُوْنَةٌ بِالقِصَاصِ وَالدِّيَةِ»:قوله «إِلاَّ أَنْ يُسْتَوْفَى قِصَاصُهَا قَبْلَ بُرْئِهَا، فَيَسْقُطُ ضَمَانُهَا»:
كِتابُ الدِّياتِكِتابُ الحُدُوْدِكِتابُ الجِهَادِكِتابُ القَضَاءِكِتابُ الشَّهَادَاتِ
جارٍ التحميل