كِتَابُ الأَيْمَانِ
(1) (1)
قوله «كِتَابُ الأَيْمَان»:
الأَيْمَانِ: بفتح الهمزة جمع يمين، وهي مؤنثة وتذكر.
وتجمع أيضاً على «أيمن»، ومن معاني اليمين لغة: القوة والقسم، والبركة، واليد اليمنى، والجهة اليمنى.
أما في الشرع، فهي توكيد حكم بذكر معظم على وجه مخصوص.
ووجه كونه تأكيداً: أن هذا الحالف كأنه يقول: بمقدار ما في نفسي من تعظيم هذا المحلوف به، أنا أؤكد لك هذا الشيء.
وقولنا: «بصيغة مخصوصة» أي: لا بكل صيغة، فلو قلنا مثلاً: الله أكبر قدم زيدٌ، فقد قرنته بذكر معظم، لكن ليست بصيغة القسم، فلا يكون قسماً.
ذكر بعض الفوائد
:
- الفائدة الأُولى: قد تكون اليمين محرمة، أو واجبة، أو مستحبة، أو مكروهة:
فتكون واجبة إذا كان المقصود بها إثبات الحق، لذلك أمر الله تعالى نبيه -صلى الله عليه وسلم- أن يقسم في ثلاثة أمور: أن يقسم على أن البعث حق، وعلى أن القرآن حق، وعلى أن الساعة ستأتي، قال الله تعالى: ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ﴾ 1. وقال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ 2. =
الجزء: 7 - الصفحة: 226
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
=وقال تعالى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾ (1)، فإذا كان يتوقف إثبات الحق وطمأنينة المخاطَب على اليمين، فاليمين واجبة.
وكذلك تجب اليمين في دعوى عند الحاكم ليُدفع بها الظلم، مثل لو ادعى رجل على مال يتيم دعوى باطلة، وتوجه اليمين على الولي، فهنا تجب اليمين دفعاً للظلم الذي يحصل على مال هذا اليتيم.
وتكون اليمين محرمة إذا كانت على فعل محرم، أو ترك واجب، مثل لو قال رجل: والله لا أصلي مع الجماعة، ومثل لو قال: والله ليشربن الخمر.
وتكون مستحبة إذا توقف عليها فعل مستحب مثل لو قال: والله لأصلين قيام الليل، أو لأصومن الخميس من كل أُسبوع.
وتكون مكروهة إذا توقف عليها فعل مكروه، كالحلف عند البيع والشراء.
الفائدة الثانية: الأصل في الأيمان أنه لا ينبغي الإكثار منها
: لقول الله تعالى: ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ 4: أي لا تكثروا الأيمان، وهذا أولى، وأسلم للإنسان، وأبرأ لذمته، فإن الإكثار من الحلف مظنةٌ للزلل، وللوقوع في الكذب، وربما حنث في يمينه ولم يستطع الوفاء بما حنث، =3
الجزء: 7 - الصفحة: 227
وَمَنْ حَلَفَ أَلاَّ يَفْعَلَ شَيْئًا، فَفَعَلَهُ، أَوْ لَيَفْعَلَنَّهُ فِيْ وَقْتٍ، فَلَمْ يَفْعَلْهُ فِيْهِ، فَعَلَيْهِ كَفَّارَةٌ (1)، = ثم إن كثرة الحلف أمارة من أمارات النفاق فقد ذكر الله تعالى عن المنافقين أنهم يكثرون من الحلف، ويكثرون من الأيمان قال الله عز وجل: ﴿اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (1)، وقال أيضاً: ﴿وَيَحْلِفُونَ بِاللهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَمَا هُم مِّنْكُمْ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ﴾ (2)، وقال: ﴿يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِن تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللهَ لا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ (3). والآيات في هذا كثيرة، والتي تصف النفاق والمنافقين بأنهم يكثرون من الحلف، ويكثرون من الأيمان الكاذبة، ولهذا ينبغي أن لا يكثر الإنسان من الحلف، ولا يحلف حتى وإن كان صادقاً إلا عند الحاجة إلى الحلف، أما عند عدم الحاجة؛ فلا يحلف.
(1)
قوله «وَمَنْ حَلَفَ أَلاَّ يَفْعَلَ شَيْئًا، فَفَعَلَهُ، أَوْ لَيَفْعَلَنَّهُ فِيْ وَقْتٍ، فَلَمْ يَفْعَلْهُ فِيْهِ، فَعَلَيْهِ كَفَّارَةٌ»:
هذه هي اليمين المنعقدة، وهي أن يحلف على أن يفعل شيئاً في المستقبل فإن فعله فلا كفارة، وإن شاء ألا يفعله فله تركه وعليه الكفارة، وكذا إذا حلف أن لا يفعل فله أن يفعل وعليه كفارة، ويشترط لهذه اليمين ثلاثة شروط:
الشرط الأول: أن تكون اليمين منعقدة
، بأن يقصد الحالف عقدها على=567
الجزء: 7 - الصفحة: 228
إِلاَّ أَنْ يَقُوْلَ: إِنْ شَاءَ اللهُ مُتَّصِلاً بِيَمِيْنِهِ (1)،
=أمر مستقبل ممكن.
دليل ذلك قوله تعالى: ﴿لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ﴾ (1)، فدلت الآية على أن الكفارة لا تجب إلا في الأيمان المنعقدة.
ولا يكون العقد إلا في المستقبل من الزمان دون الماضي، لعدم إمكان البر والحنث فيه، فإن حلف على أمرٍ ماضٍ كاذباً متعمدًا، فهي اليمين الغموس، لأنها تغمسه في الإثم، ثم في النار، ولا كفارة فيها على الصحيح من أقوال أهل العلم، لأنها أعظم من أن تكفر، وهي من الكبائر، وسيأتي بيان ذلك مفصلاً إن شاء الله.
الشرط الثاني: أن يحلف مختارًا،
فإن حلف مكرهاً، لم تنعقد يمينه، لقوله -صلى الله عليه وسلم-: «وُضِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» (2)، فدل على أن المكره على الحلف معفو عنه.
الشرط الثالث: أن يحنث فيها
، ومعنى الحنث: أن يحلف على فعل الشيء ولا يفعله، أو أن يحلف على ترك شيء ويفعله فيخالف الشيء الذي قد حلف عليه، فيقال إنه قد حنث في يمينه، وإذا حنث في يمينه؛ فيترتب عليه كفارة يمين، ولهذا قال: «فَعَلَيْهِ كَفَّارَةٌ».
(1)
قوله «إِلاَّ أَنْ يَقُوْلَ: إِنْ شَاءَ اللهُ مُتَّصِلاً بِيَمِيْنِهِ»:
أي وإن استثنى في يمينه، كما لو قال: والله لأفعلن كذا إن شاء الله، لم يحنث في يمينه إذا نقضها، =89
الجزء: 7 - الصفحة: 229
أَوْ يَفْعَلَهُ مُكْرَهًا أَوْ نَاسِيًا، فَلا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ (1)، وَلا كَفَّارَةَ فِي الْحَلْفِ عَلَى مَاضٍ، سَوَاءٌ تَعَمَّدَ الْكَذِبَ أَوْ ظَنَّهُ كَمَا حَلَفَ، فَلَمْ يَكُنْ (2)،
=بشرط أن يقصد الاستثناء متصلاً باليمين لفظا أو حكما؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم-: «مَنْ حَلَفَ فَقَالَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمْ يَحْنَثْ» (1)، فإن لم يقصد الاستثناء، بل قصد بقوله: إن شاء الله: مجرد التبرك بهذا اللفظ، لا التعليق، أو لم يقل: إن شاء الله؛ إلا بعد مضي وقت انتهاء التلفظ باليمين، من غير عذر، لم ينفعه هذا الاستثناء، وقيل: ينفعه الاستثناء، وإن لم يرده إلا بعد الفراغ من اليمين، حتى لو قال له بعض الحاضرين: قل إن شاء الله؛ فقال: إن شاء الله نفعه.
قال شيخ الإسلام: وهو الصواب.
(1)
قوله «أَوْ يَفْعَلَهُ مُكْرَهًا أَوْ نَاسِيًا، فَلا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ»:
سبق أن ذكرنا أنه يشترط في اليمين المنعقدة أن يكون الحالف مختارًا ذاكرًا ليمينه، فإذا حنث ناسياً ليمينه أو مكرهاً، فلا كفارة عليه، لأنه لا إثم عليه، لقوله -صلى الله عليه وسلم-: «إِنَّ اللَّهَ قَدْ تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ، وَالنِّسْيَانَ، وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» (2). (2)
قوله «وَلا كَفَّارَةَ فِي الْحَلْفِ عَلَى مَاضٍ، سَوَاءٌ تَعَمَّدَ الْكَذِبَ أَوْ ظَنَّهُ كَمَا حَلَفَ، فَلَمْ يَكُنْ»:
سبق أن ذكرنا أنه يشترط في اليمين المعقودة أن تكون على أمر مستقبل، أي أن يُنشئ يمينا لأمر في المستقبل؛ كأن يقول: =1011
الجزء: 7 - الصفحة: 230
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= والله لأفعلن كذا، لكن إذا حلف عن أمر ماض، فهنا لا يخلو إما أن يكون صادقاً أو كاذباً، فإن كان صادقاً، فلا إشكال، وإن كان كاذبا؛ فهذه هي التي تسمى باليمين الغموس وهي الكاذبة عمدا في الماضي أو الحال أو الاستقبال، سواء أكانت على النفي أم على الإثبات كأن يقول: والله ما فعلت كذا، وهو يعلم أنه فعله، أو: والله لقد فعلت كذا، وهو يعلم أنه لم يفعله، أو: والله ما لك علي دين، وهو يعلم أن للمخاطب ديناً عليه، أو: والله لا أموت أبداً، وهل تجب فيها الكفارة؟
نقول اختلف الفقهاء في هذه المسألة:
القول الأول: أنه لا كفارة فيها، وكل ما يجب إنما هو التوبة، ورد الحقوق إلى أهلها إن كان هناك حقوق، وهذا مذهب الحنفية 12، والحنابلة 13، واستدلوا على عدم وجوب الكفارة في اليمين الغموس بما يأتي:
أولاً: قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً أُوْلَئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ وَلا يُكَلِّمُهُمْ اللَّهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ 14، فلم يوجب الله تعالى فيها كفارة بل بين فيها ما أعده في الآخرة لمن ارتكبها فهي أعظم من أن تكفر.
ثانياً: حديث عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «مَنْ=
الجزء: 7 - الصفحة: 231
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
=حَلَفَ عَلَى يَمِينِ صَبْرٍ يَقْتَطِعُ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ وَهْوَ فِيهَا فَاجِرٌ لَقِيَ اللَّهَ وَهْوَ عَلَيْهِ غَضْبَانٌ» 15. وجه الاستدلال بالحديث: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أثبت أن حكم اليمين الغموس أن الله تعالى يوم القيامة يغضب على صاحبها، فمن أوجب الكفارة فقد زاد على النص الوارد في الحديث.
ثالثاً: عن معاذ بن جبل -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «خَمْسٌ لَيْسَ لَهُنَّ كَفَّارَةٌ الإِشْرَاكُ بِاللَّهِ وَقَتْلُ النَّفْسِ بِغَيْرِ حَقٍّ وَبَهْتُ الْمُؤْمِنِ وَالْفِرَارُ مِنَ الزَّحْفِ وَيَمِينٌ صَبْرٌ يَقْطَعُ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ» 16.
القول الثاني: أن فيها الكفارة، وهذا مذهب الشافعية 17، ورواية في مذهب أحمد 18 ذكرها شيخ الإسلام، احتج القائلون بوجوب الكفارة في اليمين الغموس بأنها مكسوبة معقودة، إذ الكسب فعل القلب، والعقد: العزم، ولا شك أن من أقدم على الحلف بالله تعالى كاذباً متعمداً فهو فاعل بقلبه وعازم ومصمم، فهو مؤاخذ.
وقد أجمل الله عز وجل المؤاخذة في سورة البقرة فقال: {لا يُؤَاخِذُكُمْ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ=
الجزء: 7 - الصفحة: 232
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
=حَلِيمٌ} 19، وفصلها في سورة المائدة، فقال: ﴿لا يُؤَاخِذُكُمْ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمْ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ 20، على أن اليمين الغموس أحق بالتكفير من سائر الأيمان المعقودة، لأن ظاهر الآيتين، ينطبق عليها من غير تقدير، فإن الله عز وجل جعل المؤاخذة في سورة البقرة على الكسب بالقلب، وفي سورة المائدة على تعقيد الأيمان وإرادتها، وهذا منطبق أعظم انطباق على اليمين الغموس، لأنها حانثة من حين إرادتها والنطق بها، فالمؤاخذة مقارنة لها، بخلاف سائر الأيمان المعقودة، فإنه لا مؤاخذة عليها إلا عند الحنث فيها، فهي محتاجة في تطبيق الآيتين عليها إلى تقدير، بأن يقال إن المعنى: ولكن يؤاخذكم بالحنث فيما كسبت قلوبكم، وبالحنث في أيمانكم المعقودة، وكذلك قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾، معناه: إذا حلفتم وحنثتم.
القول الثالث: التفصيل، وقد أوضحه المالكية 21 بناء على توسعهم في معناها، فقالوا: من حلف على ما هو متردد فيه أو معتقد خلافه فلا كفارة عليه إن كان ماضياً، سواء أكان موافقا للواقع أم مخالفاً، وعليه=
الجزء: 7 - الصفحة: 233
وَلا فِيْ اليَمِيْنِ الجَارِيَةِ عَلى لِسَانِهِ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ إِلَيْهَا، كَقَوْلِهِ فْيْ عَرْضِ حَدِيْثِهِ: لا وَاللهِ، وَبَلى اوَاللهِ؛ لِقَوْلِ اللهِ تَعَالى: ﴿لا يُؤَاخِذُكُمْ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ 22،
=الكفارة إن كان حاضراً أو مستقبلاً وكان في الحالين مخالفاً للواقع.
والراجح من الأقوال: هو القول الأول، أي أنه لا تجب الكفارة في اليمين الغموس، وهذا هو اختيار شيخنا -رحمه الله- (1).
(1) قوله «وَلا فِيْ اليَمِيْنِ الجَارِيَةِ عَلى لِسَانِهِ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ إِلَيْهَا، كَقَوْلِهِ فْيْ عَرْضِ حَدِيْثِهِ: لا وَاللهِ، وَبَلاوَاللهِ؛ لِقَوْلِ اللهِ تَعَالى: ﴿لا يُؤَاخِذُكُمْ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ 23»: وهي اليمين التي يسبق اللسان إلى لفظها بلا قصد لمعناها، كقولهم «لا والله»، «وبلى والله» سواء أكان ذلك في الماضي أم الحال أم المستقبل، وكذلك من حلف على ماض كاذباً جاهلاً صدق نفسه، أو ظانًّا صدق نفسه، فتبين خلافه لا تنعقد يمينه بل هي لغو.
وهذا هو القول الصحيح في تعريفها من أقوال الفقهاء دليل ذلك ما ثبت عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: أنزلت هذه الآية ﴿لا يُؤَاخِذُكُمْ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾، في قول الرجل: لا والله، وبلى والله» 24.
قال الشوكاني: «إن القرآن الكريم قد دل على عدم المؤاخذة في يمين=
الجزء: 7 - الصفحة: 234
وَلا تَجِبُ الْكَفَّارَةُ إِلاَّ فِي الْيَمِيْنِ بِاللهِ تَعَالَى، أَوِ اسْمٍ مِنْ أَسْمَائِهِ، أَوْ صِفَةٍ مِنْ صِفَاتِ ذَاتِهِ، كَعِلْمِهِ، وَكَلامِهِ، وَعِزَّتِهِ، وَقُدْرَتِهِ، وَعَظَمَتِهِ، وَعَهْدِهِ، وَمِيْثَاقِهِ، وَأَمَانَتِهِ 25، =اللغو، وذلك يعم الإثم والكفارة، فلا يجبان، والمتوجه الرجوع في معرفة معنى اللغو إلى اللغة العربية، وأهل عصره -صلى الله عليه وسلم- أعرف الناس بمعاني كتاب الله تعالى؛ لأنهم مع كونهم من أهل اللغة قد كانوا من أهل الشرع ومن المشاهدين للرسول -صلى الله عليه وسلم- والحاضرين في أيام النزول، فإذا صح عن أحدهم تفسير لم يعارضه ما يرجح عليه أو يساويه وجب الرجوع إليه، وإن لم يوافق ما نقله أئمة اللغة في معنى ذلك اللفظ، لأنه يمكن أن يكون المعنى الذي نقله إليه شرعياً لا لغوياً، والشرعي مقدم على اللغوي كما تقرر في الأصول، فكان الحق فيما نحن بصدده، هو أن اللغو ما قالته عائشة رضي الله عنها» (1).
(1)
قوله «وَلا تَجِبُ الْكَفَّارَةُ إِلاَّ فِي الْيَمِيْنِ بِاللهِ تَعَالَى، أَوِ اسْمٍ مِنْ أَسْمَائِهِ، أَوْ صِفَةٍ مِنْ صِفَاتِ ذَاتِهِ، كَعِلْمِهِ، وَكَلامِهِ، وَعِزَّتِهِ، وَقُدْرَتِهِ، وَعَظَمَتِهِ، وَعَهْدِهِ، وَمِيْثَاقِهِ، وَأَمَانَتِهِ»:
هذا أيضاً أحد الشروط الذي يجب توافرها في اليمين المعقودة، وهو أن اليمين التي تجب بها الكفارة هي اليمين التي يحلف فيها باسم الله أو بصفة من صفاته، كأن يقول: والله، أو: ووجه الله، أو: وعظمته وكبريائه وجلاله وعزته ورحمته، أو وعهده، أو: إرادته، أو: بالقرآن، أو بالمصحف، فلو حلف بغير الله، فإن هذه =
الجزء: 7 - الصفحة: 235
إِلاَّ فِي النَّذْرِ الَّذِيْ يُقْصَدُ بِهِ الْيَمِيْنُ، فَإِنَّ كَفَّارَتَهُ كَفَّارَةُ يَمِيْنٍ (1)، = لا تكون يميناً منعقدة، لأنه يمين غير شرعي، وما ليس بشرعي لا يترتب عليه أثره، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «مَنْ عَمِلَ عَمَلاً لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» (1)، وكل ما خالف الشرع فإنه لا أثر له.
فائدة: لا خلاف بين الفقهاء في أن الحلف بغير الله تعالى لا تجب بالحنث فيه كفارة
، إلا ما روي عن أكثر الحنابلة من وجوب الكفارة على من حنث في الحلف برسول الله -صلى الله عليه وسلم- لأنه أحد شطري الشهادتين اللتين يصير بهما الكافر مسلماً.
وعن بعضهم: أن الحلف بسائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام تجب بالحنث فيه الكفارة أيضاً، لكن الأشهر في مذهبهم أنه لا كفارة بالحنث في الحلف بنبينا وسائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام (2).
(1)
قوله «إِلاَّ فِي النَّذْرِ الَّذِيْ يُقْصَدُ بِهِ الْيَمِيْنُ، فَإِنَّ كَفَّارَتَهُ كَفَّارَةُ يَمِيْنٍ»:
أي إلا إذا أخرج النذر مخرج اليمين، كأن يمنع نفسه أو غيره به شيئاً أو يحنث به على شيء مثل أن يقول: إن كلمت زيداً فعلي الحج أو صدقة مالي أو صوم شهر، فهذا يمين حكمه أنه مخير بين الوفاء بما حلف عليه، فلا يلزمه شيء وبين أن يحنث فيتخير بين فعل المنذور وكفارة يمين, ويسمى هذا نذر اللجاج والغضب، وقد سبق حكمه في باب النذر.2627
الجزء: 7 - الصفحة: 236
وَلَوْ حَلَفَ بِهَذَا كُلِّهِ (1)، وَالْقُرْآنِ جَمِيْعِهِ فَحَنِثَ (2)، (1)
قوله «وَلَوْ حَلَفَ بِهَذَا كُلِّهِ»:
أي ولو حلف فقال: اقسم بالله، وعزة الله وقدرته وعظمته وعلمه، وغير ذلك مما سبق فحنث في يمينه فلا يلزمه إلا كفارة واحدة لأنها يمين واحدة.
(2)
قوله «وَالْقُرْآنِ جَمِيْعِهِ فَحَنِثَ»:
أي وكذلك لو حلف بالقرآن فحنث في يمينه فلا يلزمه إلا كفارة واحدة لأنها يمين واحدة، ولأن الحلف بصفات الله، وتكرار اليمين بها لا يوجب أكثر من كفارة، وهذا هو الصحيح عندي.
وفي رواية عن الإمام أحمد 28: بكل آية كفارة.
لأن ذلك يروى عن مجاهد، وهو أحد تلاميذ ابن مسعود قال «من حلف بسورة من القرآن فعليه بكل آية كفارة يمين صبر فمن شاء بر ومن شاء فجر» رواه الاثرم.
قال أحمد: ما أعلم شيئا يدفعه.
قال في الكافي 29: «ويحتمل أن ذلك ندب غير واجب، لأنه قال: عليه بكل آية كفارة يمين، فإن لم يمكنه، فعليه كفارة يمين.
ورده إلى كفارة واحدة عند العجز دليل على أن الزائد عليها غير واجب».
والحلف على القرآن أو المصحف يمين باتفاق العلماء من مالكية 30، وشافعية 31، وحنابلة 32، وكذا عند الحنفية على ما رجحه الكمال ابن=
الجزء: 7 - الصفحة: 237
أَوْ كَرَّرَ الْيَمِيْنَ عَلَى شَيْءٍ وَاحِدٍ قَبْلَ التَّكْفِيْرِ (1)، أَوْ حَلَفَ عَلَى أَشْيَاءَ بِيَمِيْنٍ وَاحِدَةٍ، لَمْ يَلْزَمْهُ أَكْثَرُ مِنْ كَفَّارَةٍ (2)،
=الهمام، والعيني (1)، وبجواز الحلف به أفتت اللجنة الدائمة (2) وذلك لأن القرآن كلام الله، وكلام الله - تعالى - صفة من صفاته، ولأن الحالف بالمصحف إنما قصد الحلف بالمكتوب فيه: وهو القرآن، فإنه ما بين دفتي المصحف بإجماع المسلمين إلا أن يريد بقوله
«المصحف» الورق أو الجلد أو النقوش.
وقد كان الحنفية يرون أن الحلف بالقرآن أو المصحف ليس يميناً، لأنه حلف بغير الله تعالى، ولكن بما أن القرآن كلام الله فهو من صفاته تعالى، لذا قال ابن الهمام: «ولا يخفى أن الحلف بالقرآن الآن متعارف، فيكون يميناً» (3)، وقال العيني: «وعندي أن المصحف يمين، لا سيما في زماننا» (4).
(1)
قوله «أَوْ كَرَّرَ الْيَمِيْنَ عَلَى شَيْءٍ وَاحِدٍ قَبْلَ التَّكْفِيْرِ»:
أي إن كرر اليمين على شيء واحد كأن يقول: والله لا أفعل، ثم بعد فترة قال: والله لا أفعل كذا على ما حلف عليه سابقاً، ثم بعد فترة أخرى قال مثل ذلك فهنا لا يلزمه إلا كفارة واحدة، ما دام أنه كرر اليمين قبل أن يكفر.
(2)
قوله «أَوْ حَلَفَ عَلَى أَشْيَاءَ بِيَمِيْنٍ وَاحِدَةٍ، لَمْ يَلْزَمْهُ أَكْثَرُ مِنْ كَفَّارَةٍ»:
أي وكذلك إذا حلف على أشياء مختلفة كأن يقول، والله لا آكل، ولا =33343536
الجزء: 7 - الصفحة: 238
وَإِنْ حَلَفَ أَيْمَانًا عَلَى أَشْيَاءَ، فَعَلَيْهِ لِكُلِّ يَمِيْنٍ كَفَّارَتُهَا (1)، =أشرب، ولا ألبس فإنه لا يلزمه إلا كفارة واحدة إذا حنث.
(1)
قوله «وَإِنْ حَلَفَ أَيْمَانًا عَلَى أَشْيَاءَ، فَعَلَيْهِ لِكُلِّ يَمِيْنٍ كَفَّارَتُهَا»:
يعني إذا حلف على أشياء مختلفة: والله لا أكلت، وقال: والله لا شربت، وقال: والله لا لبست؛ والله لا أبيع هذه السيارة، والله لا أركب هذه السيارة فحنث في يمينه فأكل، أو شرب، أو لبس، أو باع، أو ركب فعليه لكل بواحدة كفارة يمين.
والفرق بين هذه المسألة، والمسألة السابقة أن المسألة السابقة يمين واحدة، لأنه قال: لا أكلت، ولا شربت، ولا لبست، لكن هنا حلف أيماناً على أشياء، قال: والله لا أكلت، والله لا شربت، والله لا لبست، والله ما أبيع، فإذا حنث في الجميع؛ فتجب لكل واحدة كفارة.
وهذا ما ذهب إليه جمهور العلماء، وهو الأظهر عندي، وهو اختيار شيخنا 37 -رحمه الله-.
وذلك لعموم الآية: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ 38 وهذه أيمان متعددة فيلزمه كفارات بعددها، كما لو قتل المحرم صيداً كعشر حمامات، فالموجَب واحد وهو مثل ما قتل من النعم، فيلزمه عشر شياه، فهذا مثله، لأن السبب متعدد، وكل يمين مستقلة بنفسها.
وقيل لا يلزمه إلا كفارة واحدة ما دام أنه لم يكفر قياساً على ما إذا تعددت الأحداث، فلا يلزمه إلا وضوء واحد، كرجل نام، وتغوط، وبال، وخرجت منه ريح، وأكل لحم إبل، فهذه خمسة أحداث، ويلزمه =
الجزء: 7 - الصفحة: 239
وَمَنْ تَأَوَّلَ فِيْ يَمِيْنِهِ، فَلَهُ تَأْوِيْلُهُ، إِلاَّ أَنْ يَكُوْنَ ظَالِمًا، فَلا يَنْفَعُهُ تَأْوِيْلُهُ؛ لِقَوْلِ رَسُوْلِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: «يَمِيْنُكَ عَلَى مَا يُصَدِّقُكَ بِهِ صَاحِبُكَ» 39، = الوضوء مرة واحدة، والأظهر عندي كما سبق هو قول الجمهور.
(1)
قوله «وَمَنْ تَأَوَّلَ فِيْ يَمِيْنِهِ، فَلَهُ تَأْوِيْلُهُ، إِلاَّ أَنْ يَكُوْنَ ظَالِمًا، فَلا يَنْفَعُهُ تَأْوِيْلُهُ؛ لِقَوْلِ رَسُوْلِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: «يَمِيْنُكَ عَلَى مَا يُصَدِّقُكَ بِهِ صَاحِبُكَ»
(1): التَّأوُّل في اليمين: هو أن يقصد بيمينه أمراً آخر يخالف ظاهر اللفظ، ولكن اللفظ يحتمله، مثل أن يقول والله هذا أخي، ويريد أُخوة الإسلام، أو يقول والله فلان ما هو بموجود يريد محلاً معيناً، وحكم هذا التَّأوُّل أنه لا بأسَ به في اليمين إلا أن يكون ظالماً، كما ذكر المؤلف فلا ينفعه تأويله؛ لقول رسول الله -صلى الله عليه وسلم- «يَمِيْنُكَ عَلَى مَا يُصَدِّقُكَ بِهِ صَاحِبُكَ»، وقد قسم العلماء التَّأوُّلَ في اليمين إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: أن يكون الحالف مظلوماً، فله أنْ يتأولَ في يمينه، وذلك لأجل أن يدفع الظلم عن نفسه، فإذا كان مظلوماً فلا بأس بالتَّأوُّلِ به، دليل ذلك ما جاء عن سويد بن حنظلة قال: خرجنا نريد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ومعنا وائل بن حجر، فأخذه عدو له، فتحرَّج القوم أن يحلفوا وحلفت أنه أخي فخلى سبيله فأتينا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فأخبرته أن القوم تحرجوا أن يحلفوا وحلفت أنه أخي، قال: «صَدَقْتَ الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ» 40.
الجزء: 7 - الصفحة: 240
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . القسم الثاني: أن يكون الحالفُ ظالماً، كأن يستحلفه الحاكم على حق غيره فهنا لا ينفعه تأويله، وتنصرف اليمين إلى ظاهر اللفظ الذي عناه المستحلف، وهذا معنى قول المؤلف: «إِلاَّ أَنْ يَكُوْنَ ظَالِمًا، فَلا يَنْفَعُهُ تَأْوِيْلُهُ»، والدليل على ذلك ما ذكره المؤلف، وهو قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «يَمِيْنُكَ عَلَى مَا يُصَدِّقُكَ بِهِ صَاحِبُكَ» (1)، ولأنه لو قيل بأن التأويل ينفع، لضاعت الحقوق، ولأدى ذلك إلى جحد الحقوق، فكل إنسان عند القاضي إذا طَلَبَ منه القاضي أن يحلف؛ فسوف يَتَأَوَّلُ في يمينه، ويكون التأويلُ وسيلةً إلى إبطالِ الحقوقِ.
القسم الثالث: أن لا يكون ظالماً، ولا مظلوماً، فلا بأس أن يتأول،
وخاصة إذا احتاج إلى هذا التأويل، ويدل لذلك أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يمزح مع أصحابه، ولكنه لا يقول إلا حقًّا، كما في حديث أنس -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال لرجل: «إِنِّي حَامِلُكَ عَلَى وَلَدِ النَّاقَةِ»، فقال: يا رسول الله، ما أَصنع بولد النَّاقة؟ فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «وَهَلْ تَلِدُ الإِبِلَ إِلاَّ النُّوقُ» 42. لكن لا ينبغي للإنسان أن يُكثرَ من التَّأوُّلِ، لأنه قد يُساء به الظنُّ، وتهتز الثقة به، إذا كان معروفاً بكثرة التَّأوُّل.41
الجزء: 7 - الصفحة: 241
بَابُ جَامِعِ الأَيْمَانِ
(1) وَيُرْجَعُ فِيْهَا إِلَى النِّيَّةِ (2)، فِيْمَا مَا يَحْتَمِلُهُ اللَّفْظُ (3)، فَإِذَا حَلَفَ لا يُكَلِّمَ رَجُلاً، يُرِيْدُ وَاحِدًا بِعَيْنِهِ (4)، (1)
قوله «بَابُ جَامِعِ الأَيْمَانِ»:
أي باب جامع أحكام الأيمان، وهذا الباب يبحث فيه على أي شيء ينزل القسم، هل على العرف، أو على اللغة، أو على النية، أو على السبب؟ (2)
قوله «وَيُرْجَعُ فِيْهَا إِلَى النِّيَّةِ»:
هذه هي المرتبة الأُولى؛ أي يُرجع في الأيمان إلى نية الحالف، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُّمُ الأَيْمَانَ﴾ (1)، ووجه الدلالة من الآية أنه إذا رُجِع إلى النية في أصل اليمين، فلأن يرجع إليها في المراد باليمين من باب أولى.
ومن السنة قول النبي -صلى الله عليه وسلم- «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» (2).
(3)
قوله «فِيْمَا مَا يَحْتَمِلُهُ اللَّفْظُ»:
أما إذا كان اللفظ لا يحتمل؛ فاليمين لا تنصرف للمنع؛ لأنها نية مجردة لا يحتملها اللفظ فأشبه ما لو نوى ذلك بغير يمين؛ فلا بد إذن من أن يكون اللفظ تحتمله النية، أما المخالف لظاهر اللفظ؛ فإنه يتنوع أنواعًا: الأول: أن ينوي بالأمر العامِّ الخاصَّ، ومَثَّلَ له المؤلف بقوله:
(4)
قوله «فَإِذَا حَلَفَ لا يُكَلِّمَ رَجُلاً، يُرِيْدُ وَاحِدًا بِعَيْنِهِ»:
أي إذا حلف=4344
الجزء: 7 - الصفحة: 242
أَوْ لا يَتَغَذَّى، يُرِيْدُ غِذَاءً بِعَيْنِهِ، اخْتَصَّتْ يَمِيْنُهُ بِهِ (1)، وَإِنْ حَلَفَ لا يَشْرَبُ لَهُ الْمَاءَ مِنَ الْعَطَشِ، يُرِيْدُ قَطْعَ مِنَّتِهِ، حَنِثَ بِكُلِّ مَا فِيْهِ مِنَّةٌ (2)، وَإِنْ حَلَفَ لا يَلْبَسُ ثَوْبًا مِنْ غَزْلِهَا، يُرِيْدُ قَطْعَ مِنَّتِهَا، فَبَاعَهُ وَانتَفَعَ بِثَمَنِهِ، حَنِث (3). =فقال: والله لا أكلم رجلاً، ويقصد فلاناً بعينه؛ فهنا تنصرف يمينه إلى فلان الخاص.
(1)
قوله «أَوْ لا يَتَغَذَّى، يُرِيْدُ غِذَاءً بِعَيْنِهِ، اخْتَصَّتْ يَمِيْنُهُ بِهِ»:
أي أو قال: والله ما أتغدى، وهو يقصد غداءً مُعَيَّنًا؛ اختصت يمينه بذلك الغداء المعين، أو حلف على ترك شيء مطلقاً لكنه يقصد وقتاً معيناً: والله ما أفعل كذا، وهو يقصد خلال هذا الشهر فقط، أو خلال هذا اليوم، أو خلال هذا الأسبوع فتنصرف اليمين إلى ما نواه.
فهذا هو القسم الأول الذي ينوي بالعام الخاصَّ.
القسم الثاني: أن ينوي بالخاصِّ العامَّ، ومثل له المؤلف بقوله:
(2)
قوله «وَإِنْ حَلَفَ لا يَشْرَبُ لَهُ الْمَاءَ مِنَ الْعَطَشِ، يُرِيْدُ قَطْعَ مِنَّتِهِ، حَنِثَ بِكُلِّ مَا فِيْهِ مِنَّةٌ»:
أي لو أن رجلاً قال لآخر: والله ما أشرب ماءً عندك ولو عطشت، لكنه أكل عنده، فهنا يحنث، لأنه لما قال: والله لا أشرب عندك ماءً ولو كنت شديد العطش، يريد بذلك قطع منته عليه، ولا فرق في هذا بين الأكلِ وبين الشرب، فهذا مثالٌ للخاصِّ الذي يُراد به العام.
(3)
قوله «وَإِنْ حَلَفَ لا يَلْبَسُ ثَوْبًا مِنْ غَزْلِهَا، يُرِيْدُ قَطْعَ مِنَّتِهَا، فَبَاعَهُ وَانتَفَعَ بِثَمَنِهِ، حَنِث»:
لأن مقصوده لما قال ذلك: قطع المنة، أي لا يريد منها أيَّ شيء، فإذا أخذه وباعه حنث في يمينه.
الجزء: 7 - الصفحة: 243
وَإِنْ حَلَفَ لَيَقْضِيَنَّهُ حَقَّهُ غَدًا، يُرِيْدُ أَنْ لا يَتَجَاوَزَهُ، فَقَضَاهُ الْيَوْمَ، لَمْ يَحْنَثْ (1)، وَإِنْ حَلَفَ أَنْ لا يَبِيْعَ ثَوْبَهُ إِلاَّ بِمِئَةٍ، فَبَاعَهُ بِأَكْثَرَ مِنْهَا، لَمْ يَحْنَثْ، إِذَا أَرَادَ أَنْ لا يَنْقُصَهُ عَنْ مِئَةٍ (2). وَإِنْ حَلَفَ لَيَتَزَوَجَنَّ عَلَى امْرَأَتِهِ، يُرِيْدُ غَيْظَهَا، لَمْ يَبَرَّ إِلاَّ بِتَزْوِيْجٍ يَغِيْظُهَا (3)، وَإِنْ حَلَفَ لَيَضْرِبَنَّهَا، يُرِيْدُ تَأْلِيْمَهَا، لَمْ يَبَرَّ إِلاَّ بِضَرْبٍ يُؤْلِمُهَا (4)، (1)
قوله «وَإِنْ حَلَفَ لَيَقْضِيَنَّهُ حَقَّهُ غَدًا، يُرِيْدُ أَنْ لا يَتَجَاوَزَهُ، فَقَضَاهُ الْيَوْمَ، لَمْ يَحْنَثْ»:
لأنه إذا قضاه اليوم، لم يتجاوز غداً، فلا يحنث، لأن مقتضى هذه اليمين تعجيل القضاء قبل خروج الغد، فإذا قضاه قبله فقد قضاه قبل خروج الغد وزاده خيرا.
(2)
قوله «وَإِنْ حَلَفَ أَنْ لا يَبِيْعَ ثَوْبَهُ إِلاَّ بِمِئَةٍ، فَبَاعَهُ بِأَكْثَرَ مِنْهَا، لَمْ يَحْنَثْ، إِذَا أَرَادَ أَنْ لا يَنْقُصَهُ عَنْ مِئَةٍ»:
لأن مقتضى يمينه أنه لا يبيعه بأقل من المئة، فلو باعه بأكثر منها فإنه لا يحنث، ولهذا قال المؤلف: «إِذَا أَرَادَ أَنْ لا يَنْقُصَهُ عَنْ مِئَةٍ».
(3)
قوله «وَإِنْ حَلَفَ لَيَتَزَوَجَنَّ عَلَى امْرَأَتِهِ، يُرِيْدُ غَيْظَهَا، لَمْ يَبَرَّ إِلاَّ بِتَزْوِيْجٍ يَغِيْظُهَا»:
مثل أن يقول: والله لأتزوجن يريد أن يغيظ زوجته، فإنه لم يبرَّ يمينه إلا إذا تزوج زواجًا يحصل به إغاظة المرأة، لأنه قصد ذلك.
(4)
قوله «وَإِنْ حَلَفَ لَيَضْرِبَنَّهَا، يُرِيْدُ تَأْلِيْمَهَا، لَمْ يَبَرَّ إِلاَّ بِضَرْبٍ يُؤْلِمُهَا»:
كما لو حلف فقال: والله لأضربنك، ونوى بذلك الإيلام، فلا يكفي أن يضرب ضرباً بدون ألم.
الجزء: 7 - الصفحة: 244
وَإِنْ حَلَفَ لَيَضْرِبَنَّهَا عَشْرَةَ أَسْوَاطٍ، فَجَمَعَهَا فَضَرَبَهَا بِهَا ضَرْبَةً وَاحِدَةً، لَمْ يَبَرَّ (1)، فَإِنْ عَدِمَتِ النِّيَّةُ، رَجَعَ إِلَى سَبَبِ الْيَمِيْنِ وَمَا هَيَّجَهَا، فَيَقُوْمُ مَقَامَ نِيَّتِهِ، لِدِلالَتِهِ عَلَيْهَا (2)، (1)
قوله «وَإِنْ حَلَفَ لَيَضْرِبَنَّهَا عَشْرَةَ أَسْوَاطٍ، فَجَمَعَهَا فَضَرَبَهَا بِهَا ضَرْبَةً وَاحِدَةً، لَمْ يَبَرَّ»:
أي فلابد أن يضرب عشرة أسواط، لأنه لا يفهم من ضرب عشرة أسواط إلا عشر ضربات متفرقات فيجب أن تحمل اليمين عليه؛ وأما قول الله تعالى: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِب بِّهِ وَلا تَحْنَثْ﴾ (1) فإنه كان لأيوب خاصَّة، حتى يَبَرَّ بيمينه، ولم تُشرعْ في شرعه كفارةُ اليمين.
أما في شرعنا، فإذا حلف الإنسان مثل هذا، فإنه يكفر كفارة يمين.
لكن لا يكون ضربا مُبَرِّحاً؛ لأن الضرب المبرح جاءت الشريعة بالنهي عنه فربما يكون معصيةٌ؛ فلا يبر به، وهذا هو المذهب.
قلت: والصواب أنه يبرّ لأن الله أباح لأيوب عليه السلام ذلك، ودعوى تخصيص أيوب بذلك غير مسلَّم.
(2)
قوله «فَإِنْ عَدِمَتِ النِّيَّةُ، رَجَعَ إِلَى سَبَبِ الْيَمِيْنِ وَمَا هَيَّجَهَا، فَيَقُوْمُ مَقَامَ نِيَّتِهِ، لِدِلالَتِهِ عَلَيْهَا»:
هذه هي المرتبة الثانية؛ أي: إذا لم يكن للحالف نية، نرجع إلى سبب اليمين وما هيجها يعني: أثارها فتحمل اليمين عليه.: فلو أن إنساناً حلف، فقيل له: ماذا نويت؟ قال: والله ما أدري، أو أنه قال: نسيتُ؛ فهنا نرجع إلى السبب الذي هيج اليمين، فيقوم مقام=45
الجزء: 7 - الصفحة: 245
فَإِنْ عُدِمَ ذلِكَ، حُمِلَتْ يَمِيْنُهُ عَلَى ظَاهِرِ اللَّفْظِ (1)، فَإِنْ كَانَ لَهُ عُرْفٌ شَرْعِيٌّ، كَالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ (2)،
=نيته للدلالة عليه.
مثاله: فلو أنه حصل بين شخص وآخر نزاعٌ فقال: والله لا أدخل هذه الدار بعد اليوم، ثم إن صاحب الدار باعها، ودخلها هذا الحالف، فهل يحنث أم لا؟ فهنا يقال للحالف: ماذا نويت؟ قال: والله ما أدري، أو: نسيت.
فنرجع إلى السبب الذي هَيَّجَ هذه اليمين، والسبب هو النزاع بينه وبين صاحب الدار، فنقول هذه اليمين إنما قصد بها أن لا يدخل هذه الدار التي صاحبها هذا الرجل.
لكن إذا تغير المالك لها؛ فحينئذ زال السبب الذي لأجله حلف.
مثال آخر: لو قال: والله لا أكلم زيداً، لكونه سمع أنه يشرب الدخان، فتبين له أن زيداً رجل لا يشرب الدخان، فهنا نقول: لا حنث عليه؛ لأن السبب الذي جعله يحلف تبين عدمه.
(1)
قوله «فَإِنْ عُدِمَ ذلِكَ، حُمِلَتْ يَمِيْنُهُ عَلَى ظَاهِرِ اللَّفْظِ»:
هذه هي المرتبة الثالثة، فإذا لم يكن له نية، ولم يكن لليمين سبب، حملت على ظاهر اللفظ.
(2)
قوله «فَإِنْ كَانَ لَهُ عُرْفٌ شَرْعِيٌّ، كَالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ»:
ظاهر اللفظ إما أن يكون الاسم له دلالة شرعية، أو دلالة عرفية، أو دلالة حقيقية؛ فيرجع أولا للعرف الشرعيِّ؛ كالصلاة والزكاة، فالصلاة دلالتها الشرعية=
الجزء: 7 - الصفحة: 246
حُمِلَتْ يَمِيْنُهُ عَلَيْهِ، وَتَنَاوَلَتْ صَحِيْحَهُ (1)،
=معروفة: عبادة ذات أقوال وأفعال مخصوصة، مفتتحة بالتكبير، ومختتمة بالتسليم.
لكنَّ معناها وحقيقتها اللغوية الدعاء، فإذا حلف إنسان مثلاً على أن يصلي لله تعالى ركعتين فإننا نحمله على الصلاة بمعناها الشرعي، وليس بمدلولها اللغوي.
وهكذا إذا قال قائل: والله لأصلينَّ قبل أذان العشاء، ثم مدّ يديه إلى السماء وجعل يدعو حتى أذن العشاء، فقيل له: لماذا لم تصلِّ؟ قال: أنا صليت، فهنا إن كان ليس له نية ولا سبب، فإنه يحنث، لأن كلامه يحمل على المعنى الشرعي.
صحيح أن الصلاة في اللغة الدعاء، لكن نحن المسلمين يحمل كلامنا على الأمر الشرعي وهكذا الزكاة، ولهذا قال المؤلف:
(1)
قوله «حُمِلَتْ يَمِيْنُهُ عَلَيْهِ، وَتَنَاوَلَتْ صَحِيْحَهُ»:
أي إن كان لا يوجد سبب ولا نية فيحمل يمينه على المعنى الشرعي مثل البيع، والطهارة، والصلاة، والزكاة، والحج، والصيام، والوقف، وأشياء كثيرة، هذه يختلف فيها الشرع واللغة، ولهذا نقول: الطهارة لغة كذا، وشرعاً كذا، الصلاة لغة كذا، وشرعاً كذا، الزكاة لغة كذا، وشرعاً كذا، الحج لغة كذا، وشرعاً كذا، البيع لغة كذا، وشرعاً كذا، فهذه الأشياء التي اختلف فيها الشرع واللغة، فإن الكلام يحمل على المعنى الشرعي عند إطلاقه.
الجزء: 7 - الصفحة: 247
فَلَوْ حَلَفَ لا يَبِيْعُ، فَبَاعَ بَيْعًا فَاسِدًا، لَمْ يَحْنَثْ (1)، إِلاَّ أَنْ يُضِيْفَهُ إِلَى مَالا يَصِحُّ بَيْعُهُ، كَالْحُرِّ وَالْخَمْرِ، فَتَتَنَاوَلَ يَمِيْنُهُ صُوْرَةَ الْبَيْع (2)، (1)
قوله «فَلَوْ حَلَفَ لا يَبِيْعُ، فَبَاعَ بَيْعًا فَاسِدًا، لَمْ يَحْنَثْ»:
لأن البيع الفاسد لا اعتبار له في الشرع، وقد قلنا: بأن الدلالة تُحمل على الدلالة الشرعية، فلو قال: والله لا أبيع شيئاً فباع دخاناً فإنه لا يحنث، لأن هذا ليس بيعاً شرعيّاً، بل هو بيع فاسد باطل، أو باع خمراً، فإنه لا يحنث، أو باع حملاً في بطن فإنه لا يحنث، لأن هذا وإن سمي بيعاً في اللغة، لكنه في الشرع لا يسمى بيعاً فلا يحنث.
(2)
قوله «إِلاَّ أَنْ يُضِيْفَهُ إِلَى مَالا يَصِحُّ بَيْعُهُ، كَالْحُرِّ وَالْخَمْرِ، فَتَتَنَاوَلَ يَمِيْنُهُ صُوْرَةَ الْبَيْع»:
يعني كأن يقول: والله لا أبيع حرا، أو: والله لا أبيع خمرا، ثم يفعل ذلك؛ فإنه يحنث.
فهذا من الناحية الشرعية ليس ببيع، لأنه فاسد، لكنه لم يأت به مطلقاً بل قيده بأمر تنتفي معه الصحة، حيث قال: والله لا أبيع الخمر، فإذا باعه حنث، وذلك لأنه لا يمكن أن توافق من الناحية الشرعية، لأن الخمر شرعاً لا يباع، فإذا تعذر حمله على الحقيقة والمعنى حملناه على الصورة، فنقول: بمجرد أن يبيع الخمر يحنث، ومثله إذا قال: والله لا أبيع الدخان فباعه، فإنه يحنث، لا لأنه بيع، ولكن لأنه صورة ما حلف عليه، ولو قال: والله لا أتعامل بربا، فذهب فتعامل بها فإنه يحنث، لأنه قيد اليمين بشيء يمنع الصحة، فيحمل على الصورة.
وقال بعض العلماء: إنه لا يحنث إذا باع ما يحرم بيعه، ولو قيده بما يمنع=
الجزء: 7 - الصفحة: 248
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ عُرْفٌ شَرْعِيٌّ وَكَانَ لَهُ عُرْفٌ فِي الْعَادَةِ، كَالرَّاوَيَةِ وَالظَّعِيْنَةِ، حُمِلَتْ يَمِيْنُهُ عَلَيْهِ 46،
=الصحة، لوجود التناقض، لأن قوله: لا أبيع الخمر، كلمة «أبيع» تناقض الخمر، وعلى هذا فنقول: إن باع الخمر فليس ببيع، فمن نظر إلى الصورة حنَّثه، ومن نظر إلى الحقيقة لم يحنثه.
والمسألة فيها قولان وعلى المذهب إنه يحنث بصورة العقد (1).
(1) قوله «وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ عُرْفٌ شَرْعِيٌّ وَكَانَ لَهُ عُرْفٌ فِي الْعَادَةِ، كَالرَّاوَيَةِ وَالظَّعِيْنَةِ، حُمِلَتْ يَمِيْنُهُ عَلَيْهِ»: أي إذا لم يوجد عرف شرعي وهجرت الحقيقة اللغوية، فنرجع إلى العرفي ويتعلق اليمين بالعرف، ويحمل اللفظ على معناه العرفي، حتى وإن كان له في اللغة معنى، ولكنه هجر واشتهر بين الناس المعنى العرفي فإنه يقدم.
إذاً المراتب تُقدم على النحو التالي: الشرع، ثم العرف، ثم اللغة، لأن الناس يعاملون بنياتهم، ولا شك أن العامي إذا أطلق الكلمة فإنما يريد معناها العرفي، فالعامي لأنه لا يعرف اللغة العربية الفصحى، فيكون العرف مقدماً، لأنه هو المنوي ظاهراً، مثاله ما ذكره المؤلف هنا «الرَّاوية»، فهي تطلق في اللغة العربية على التي تحمل الماء، وهي البعير التي يسقى عليها، لكنه في العرف تطلق الرَّاوِية على المَزَادَةِ، وهي عبارة عن جلد يشق، ويؤتى بجلد آخر مثله، ويخاط بعضهما ببعض، فبدل ما كان قربةً واحدة يكون قربتين.
الجزء: 7 - الصفحة: 249
فَلَوْ حَلَفَ لا يَرْكَبُ دَابَّةً، فَيَمِيْنُهُ عَلَى الْخَيْلِ وَالْبِغَالِ وَالْحَمِيْرِ (1)، وَإِنْ حَلَفَ لا يَشَمُّ الرَّيْحَانَ، فَيَمِيْنُهُ عَلَى الْفَارِسِيْ (2)، وَإِنْ حَلَفَ لا يَأْكُلُ شِوَاءً، حَنِثَ بِأَكْلِ اللَّحْمِ الْمَشْوِيِّ دُوْنَ غَيْرِهِ (3)، (1)
قوله «فَلَوْ حَلَفَ لا يَرْكَبُ دَابَّةً، فَيَمِيْنُهُ عَلَى الْخَيْلِ وَالْبِغَالِ وَالْحَمِيْرِ»:
الدابة في اللغة: الاسم كل ما دب على الأرض، سواء كان له رجلان أو أربعة، أو كان مما يمشي على بطنه، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَآبَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ﴾ (1)، فهذه الدابة تعم كل شيء.
وقال الله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ (2)، والدابة في العرف هي ذوات الأربع، وعلى عرف آخر الحمار خاصة، فإذا قال: والله ما ركبت دابة ما عشت فركب حماراً أو خيلاً أو بغالاً فإنه يحنث، لأنه هو الغالب وهو المعروف عند العامة.
(2)
قوله «وَإِنْ حَلَفَ لا يَشَمُّ الرَّيْحَانَ، فَيَمِيْنُهُ عَلَى الْفَارِسِيْ»:
أي إن قال: والله ما شممت ريحاناً، فشم الورد والبنفسج والياسمين فإنه لا يحنث إلا بشمه الريحان الفارسي لأن الريحان في العرف اسم يختص، وهذا في زمن المؤلف أما في وقتنا الحاضر؛ فهذا يختلف من بيئة إلى أخرى.
(3)
قوله «وَإِنْ حَلَفَ لا يَأْكُلُ شِوَاءً، حَنِثَ بِأَكْلِ اللَّحْمِ الْمَشْوِيِّ دُوْنَ غَيْرِهِ»:
أي إن قال: والله لا أكل شواءً، والشواء: هو اللحم المشوي في=4748
الجزء: 7 - الصفحة: 250
وَإِنْ حَلَفَ لا يَطَأُ امْرَأَتَهُ، حَنِثَ بِجِمَاعِهَا (1)، وَإِنْ حَلَفَ لا يَطَأُ دَارًا، حَنِثَ بِدُخُوْلِهَا كَيْفَ مَا كَانَ (2)، وَإِنْ حَلَفَ لا يَأْكُلُ لَحْمًا وَلا رَأْسًا وَلا بَيْضًا، فَيَمِيْنُهُ عَلَى كُلِّ لَحْمٍ وَرَأْسِ كُلِّ حَيَوَانٍ وَبَيْضِهِ (3)، =عرف الناس فإنه لا يحنث إلا بأكله، فإن أكل بيضاً مشوياً فإنه لا يحنث.
(1)
قوله «وَإِنْ حَلَفَ لا يَطَأُ امْرَأَتَهُ، حَنِثَ بِجِمَاعِهَا»:
مثل أن يقول: والله لا أطأ زوجتي، فذهب وجامعها، نقول له: حنثت، فإذا قال: كيف أحنث، والوطء أن أطأها بقدمي؟ ! نقول: لكن العرف غلب على اللغة.
(2)
قوله «وَإِنْ حَلَفَ لا يَطَأُ دَارًا، حَنِثَ بِدُخُوْلِهَا كَيْفَ مَا كَانَ»:
أي إذا قال: والله لا أطأ هذه الدار، ثم دخلها ولو محمولاً فإنه يحنث، لأن هذا هو معنى وطء الدار، وهذا مشهور في عرف الناس، يقول أحدهم: والله ما أطأ هذا المحل، والله ما أطأ دار فلان، والله ما أطأ دكان فلان، فيتعلق بدخوله.
(3)
قوله «وَإِنْ حَلَفَ لا يَأْكُلُ لَحْمًا وَلا رَأْسًا وَلا بَيْضًا، فَيَمِيْنُهُ عَلَى كُلِّ لَحْمٍ وَرَأْسِ كُلِّ حَيَوَانٍ وَبَيْضِهِ»:
وذلك لأن اسم اللحم يتناول ذلك كله إلا أن يكون له نية عند العامة، فإن النية تنصرف إليه، فيقتصر على ما نواه, وفي قول آخر لا يحنث بأكل لحم السمك إلا أن ينويه بيمينه لأنه لا ينصرف إليه إطلاق اسم اللحم فإنه لو أمر وكيله أن يشتري له لحما فاشترى سمكاً لم يلزمه ويصح أن ينفي عنه الاسم فيقول ما أكلت لحماً, وإنما أكلت سمكاً فلم يتعلق به الحنث عند الإطلاق كما لو حلف لا يقعد تحت سقف =
الجزء: 7 - الصفحة: 251
وَالأُدْمُ كُلُّ مَا جَرَتِ الْعَادَةُ بِأَكْلِ الْخُبْزِ بِهِ، مِنْ مَائِعٍ وَجَامِدٍ، كَاللَّحْمِ، وَالْبَيْضِ، وَالْمِلْحِ، وَالْجُبْنِ، وَالزَّيْتُوْنِ (1). وَإِنْ حَلَفَ لا يَسْكُنُ دَارًا، تَنَاوَلَ مَا يُسَمَّى سَكَنًا، فَإِنْ كَانَ سَاكِنًا بِهَا، فَأَقَامَ بِهَا بَعْدَ مَا أَمْكَنَهُ الْخُرُوْجُ مِنْهَا، حَنِثَ (2)، = لا يحنث بقعوده تحت السماء, وقد سماها الله تعالى سقفاً محفوظاً لأنه مجاز كذا ها هنا.
(1)
قوله «وَالأُدْمُ كُلُّ مَا جَرَتِ الْعَادَةُ بِأَكْلِ الْخُبْزِ بِهِ، مِنْ مَائِعٍ وَجَامِدٍ، كَاللَّحْمِ، وَالْبَيْضِ، وَالْمِلْحِ، وَالْجُبْنِ، وَالزَّيْتُوْنِ»:
فلو حلف لا يأتدم، أو لا يأكل إدامًا، فإنه يحنث بما جرت العادة بأن يؤكل الخبز به هذا هو الأُدْم فكل ما يؤكل مع الخبز من مائع وجامد؛ كاللحم، والبيض، والملح، والزيتون، والجبن، والتمر فإنه يُسَمَّى إدامًا، وكذلك الخل ففي الحديث: «نِعْمَ الإِدَامُ الْخَلُّ» (1). (2)
قوله «وَإِنْ حَلَفَ لا يَسْكُنُ دَارًا، تَنَاوَلَ مَا يُسَمَّى سَكَنًا، فَإِنْ كَانَ سَاكِنًا بِهَا، فَأَقَامَ بِهَا بَعْدَ مَا أَمْكَنَهُ الْخُرُوْجُ مِنْهَا، حَنِثَ»:
أي إذا حلف أنه لا يسكن دارًا، فإن اليمين لا تنعقد على ما لا يسمى داراً كعش ونحوه، فإن كان المحلوف عليه يسمى داراً لزمه الخروج بنفسه وأهله ومتاعه المقصود، فإن أقام فوق زمن يمكنه الخروج فيه عادة ولم يخرج حنث، فإن لم يجد مسكناً أو أبت زوجته الخروج معه ولا يمكنه إجبارها فخرج وحده لم يحنث.49
الجزء: 7 - الصفحة: 252
وَإِنْ أَقَامَ لِنَقْلِ قُمَاشِهِ، أَوْ كَانَ لَيْلاً، فَأَقَامَ حَتَّى يَصْبَحَ، أَوْ خَافَ عَلَى نَفْسِهِ، فَأَقَامَ حَتَّى أَمِنَ، لَمْ يَحْنَثْ (1)، (1)
قوله «وَإِنْ أَقَامَ لِنَقْلِ قُمَاشِهِ، أَوْ كَانَ لَيْلاً، فَأَقَامَ حَتَّى يَصْبَحَ، أَوْ خَافَ عَلَى نَفْسِهِ، فَأَقَامَ حَتَّى أَمِنَ، لَمْ يَحْنَثْ»:
أي إن حلف فقال: والله لا أسكن هذه الدار، وكان قد حلف ليلاً، أو أقام بها من أجل نقل متاعه فإنه يغتفر في مثل هذا الشيء اليسير.
لكن قوله: «أَوْ كَانَ لَيْلاً، فَأَقَامَ حَتَّى يَصْبَحَ»، هذا إذا كان الانتقال في الليل أمرا شاقًّا وصعباً، لكن في وقتنا الحاضر مع وجود الكهرباء، وتيسر وسائل النقل كذلك، فربما نقول إنه لو بقي ليلة، فإنه يحنث، لأن الليل أصبح كالنهار في كثير من المجتمعات في الوقت الحاضر، اللهم إلا أن يكون في وقتٍ متأخرٍ من الليل.
الجزء: 7 - الصفحة: 253
بَابُ كَفَّارَةِ الْيَمِيْنِ
(1) (1)
قوله «بَابُ كَفَّارَةِ الْيَمِيْنِ»:
أي باب في الكفارة التي سببها اليمين.
والكفَّارة في اللغة: بتشديد الفاء مأخوذة من الكفر وهو الستر، لأنها تغطي الذنب وتستره، فهي اسم من كفَّر الله عنه الذنب، أي محاه عنه، وكأنه غطى عليه بالكفارة.
وفي الاصطلاح: قال النووي: «الكفارة من الكفر - بفتح الكاف - وهو الستر لأنها تستر الذنب وتذهبه، هذا أصلها، ثم استعملت فيما وجد فيه صورة مخالفة أو انتهاك وإن لم يكن فيه إثم كالقتل خطأ وغيره» 50.
والأصل في مشروعية كفارة اليمين: الكتاب والسنة والإجماع.
فدليل الكتاب: قوله تعالى: ﴿لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾ 51.
وأما دلالة السنة: فمن ذلك حديث عبد الرحمن بن سمرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «لا تَسْأَلِ الإِمَارَةَ فَإِنَّكَ إِنْ أُوتِيتَهَا عَنْ مَسْأَلَةٍ وُكِلْتَ إِلَيْهَا وَإِنْ أُوتِيتَهَا مِنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ أُعِنْتَ عَلَيْهَا، وَإِذَا حَلَفْتَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَيْتَ غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا فَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ وَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ» 52.
الجزء: 7 - الصفحة: 254
وَكَفَّارَتُهَا: إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِيْنَ (1)، وأما الإجماع: «فقد أجمع المسلمون من عصر الرسول -صلى الله عليه وسلم- إلى يومنا هذا على مشروعية الكفارة» (1).
- فائدة: الإطعام، والمطعم في الكفَّارات ينقسمون إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: ما قُدِّرَ فيه ما يُطعم ومن يُطعم،
وهو فدية الأذى؛ فإنها قد ورد تقديرها بنصف صاع، وأيضا أنها تكون للمساكين.
ولذا جاء في الصحيحين في قصة كعب بن عجرة أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ لِكُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفَ صَاعٍ» (2).
القسم الثاني: ما قُدِّرَ فيه ما يُطْعم دون مَنْ يُطْعم،
وهو زكاة الفطر؛ فإنها قد قُدِّرَتْ صاعا، ولم يقدر مَن يُطعم، ولهذا لو قسم هذا الصاع بين عدد من المساكين؛ أجزأ، ولو أنه أعطى مسكينا واحدا أكثر من صاع في زكاة الفطر، أجزأ.
القسم الثالث: قُدِّرَ فيه مَن يُطعم، ولم يُقدر ما يُطعم،
وهو كفارة اليمين، وكفارة الظهار، وكفارة الجماع في نهار رمضان فيطعم المساكين، لكن مقداره لم يبين، ولم يحدد فيرجع في ذلك إلى العرف.
(1)
قوله «وَكَفَّارَتُهَا: إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِيْنَ»:
شرع المؤلف في خصال كفارة اليمين فبدأ بالخصلة الأُولى وهي الإطعام وقد اتفق الفقهاء على وجوبه=5354
الجزء: 7 - الصفحة: 255
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . =في كفارة اليمين بالله تعالى إذا حنث فيها على التخيير بينه وبين الكسوة وتحرير الرقبة، فإن عجز فصيام ثلاثة أيام، لقوله تعالى: ﴿لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾ (1).
ذكر بعض الفوائد
:
- الفائدة الأُولى: فيما يشترط في التكفير بالإطعام:
1 -
التمليك:
ذهب جمهور الفقهاء من المالكية 56، والشافعية 57، والحنابلة 58 إلى أنه يشترط أن يكون الإطعام على وجه التمليك، ككل الواجبات المالية، فإذا قدم المكفر الطعام إلى الفقراء والمساكين على وجه الإباحة لم يجزئه.
واستدلوا بأن التكفير واجب مالي فلا بد أن يكون معلوم القدر ليتمكن الفقير من أخذه، والقول بالإباحة والتمكين لا يفيد ذلك، حيث إن الفقير قد يأخذ حقه كاملاً وقد لا يأخذه لا سيما وأن كل مسكين يختلف عن الآخر صغراً وكبراً، جوعا وشبعاً.55
الجزء: 7 - الصفحة: 256
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وذهب الحنفية (1) إلى إنه لا يشترط تمليك الطعام في الكفارات، بل الشرط هو التمكين، فيكفي عندهم دعوة المساكين إلى قوت يوم فإذا حضروا وتغدوا وتعشوا كان ذلك مجزئاً، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ (2).
والإطعام في اللغة: اسم للتمكين من الطعام لا أن يمتلكه، والمسكنة الحاجة، فهو محتاج إلى أكل الطعام دون تملكه، وبقوله تعالى: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ (3)، والإطعام للأهل يكون على سبيل الإباحة لا على سبيل التملك.
والخلاصة: إن التمليك عند الحنفية ليس بشرط لجواز الإطعام، بل الشرط هو التمكين، فيكفي دعوة المساكين إلى قوت يوم: وهو غداء وعشاء، فإذا حضروا وتغدوا وتعشوا كان ذلك جائزاً.
وعند غير الحنفية: لا بد من التمليك بالفعل أخذاً.
قلت: والذي يظهر لي أنه إذا صنع طعاماً يكفي عشرة مساكين - غداء أو عشاءً - ثم دعاهم إليه جاز ذلك، لأن الله تعالى أطلق فقال: ﴿إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾، فإذا صنع طعاماً وتغدّوا، أو تعشوا فقد أطعمهم.
2 -
المقدار:
وقد اختلف الفقهاء في المقدار الذي يتحقق به الإطعام.
=596061
الجزء: 7 - الصفحة: 257
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
=فذهب الجمهور (1) إلى أنه يشترط أن يعطى كل مسكين مداً واحداً من غالب قوت البلد، ولا يجوز إخراج قيمة الطعام عملاً بنص الآية ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾.
وذهب الحنفية (2) إلى أنه يشترط أن يعطى لكل مسكين مدان، أي نصف صاع من القمح أو صاع من تمر أو شعير، أو قيمة ذلك من النقود أو من عروض التجارة، لأن المقصود دفع الحاجة، وذلك يمكن تحققه بالقيمة.
قلت: والذي يظهر لي أنه ليس هناك دليل يدل على القدر الذي يجب إخراجه في الإطعام، وما دام الشرع لم يقدِّر فيكون المرجع فيه إلى العادة والعرف فإن ما يسمى إطعاماً يكون مجزئاً، حتى الغداء أو العشاء.
3 -
الجنس:
ذهب الحنفية 64 إلى أن المجزئ في الإطعام هو البر، أو الشعير، أو التمر، دقيق كل واحد كأصله كيلاً، أي نصف صاع في دقيق البر، وصاع في دقيق الشعير، وقيل: المعتبر في الدقيق القيمة، لا الكيل، ويجوز إخراج القيمة من غير هذه الأصناف.
وذهب المالكية 65 إلى أن الإطعام يكون من القمح إن اقتاتوه، فلا يجزئ غيره من شعير أو ذرة أو غيرهما، فإن اقتاتوا غير القمح فما يعدله شبعًا لا كيلاً.6263
الجزء: 7 - الصفحة: 258
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= وذهب الشافعية (1) إلى أن الإطعام يكون من الحبوب والثمار التي تجب فيها الزكاة، لأن الأبدان تقوم بها، ويشترط أن يكون من غالب قوت البلد.
وذهب الحنابلة (2) إلى اشتراط أن يكون الإطعام من البر والشعير، ودقيقهما، والتمر والزبيب، ولا يجزئ غير ذلك، ولو كان قوت بلده إلا إذا عدمت تلك الأقوات.
قلت: والذي يظهر لي بعد عرض أقوال الفقهاء أن كل ما كان يؤكل كغداء أو عشاء بشرط أن يكون مما يؤكل في بلده يجوز التكفير به، دليل ذلك حديث أبي سعيد -رضي الله عنه- عن صدقة الفطر: «وكان طعامنا يومئذٍ الشعير والتمر والزبيب والأقط» (3).
ولهذا نرى أن إخراج المكرونة يجزئ في كفارة اليمين ما دامت قوتاً، ومن كان يرى أنه لابد من القدر أي اعتبار الوزن في كفارة اليمين فنقول، بأنها تعتبر بالكيل إذا كانت صغيرة مثل الأرز، أما إذا كانت كبيرة فتعتبر بالوزن.
الفائدة الثانية: فيما يشترط في المستحقين للإطعام
: 1 - أن لا يكون من تصرف إليه الكفارة ممن يلزم المكفر نفقته، كالأصول والفروع، لأن القصد إشعار المكفر بألم حين يخرج جزءًا من ماله =666768
الجزء: 7 - الصفحة: 259
مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُوْنَ أَهْلِيْكُمْ (1)، أَوْ كِسْوَتُهُمْ (2)،
=كفارة عن الذنب الذي ارتكبه، وهذا المعنى لا يتحقق إذا أطعم من تلزمه نفقته.
2 - أن يكونوا مسلمين، فلا يجوز عند الجمهور إطعام الكافر من الكفَّارات ذميًا كان أو حربيًا، وأجاز أبو حنيفة (1) إعطاء فقراء أهل الذمة من الكفَّارات لعموم قوله تعالى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ (2)، من غير تفرقة بين المؤمن وغيره، والصواب ما ذهب إليه الجمهور.
3 - أن لا يكون هاشميًا، لأن الله تعالى جعل لهم ما يكفيهم من خمس الغنائم.
(1)
قوله «مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُوْنَ أَهْلِيْكُمْ»:
دليل ذلك قول الله تعالى: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ (3). و«أوسط» بمعنى وسط، وليس بمعنى الأعلى، كما في قول النبي -صلى الله عليه وسلم- لمعاذ بن جبل -رضي الله عنه- حين بعثه إلى اليمن: «فَإِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ» (4)، فلو أوجبنا الأعلى لكنَّا أخذنا من كرائم الأموال.
(2)
قوله «أَوْ كِسْوَتُهُمْ»:
هذه هي الخصلة الثانية من خصال كفارة اليمين، أي: كسوة العشرة مساكين، سواء كانوا صغاراً أم كباراً، وسيأْتي في=69707172
الجزء: 7 - الصفحة: 260
أوْ تَحْرِيْرُ رَقَبَةٍ (1)، =كلام المؤلف ما تحصل به الكسوة.
- فائدة: اشترط الفقهاء للتكفير بالكسوة شروطاً على اختلافهم في بعضها، فمن ذلك:
1 - أن تكون الكسوة على سبيل التمليك.
2 - أن تكون الكسوة بحيث يمكن الانتفاع بها، فلو كان الثوب قديماً أو جديداً، رقيقاً لا ينتفع به فإنه لا يجزئ.
3 - أن تكون مما يسمى كسوة، فتجزئ الملاءة والجبة والقميص ونحو ذلك، ولا تجزئ العمامة ولا السراويل على الصحيح عند الحنفية (1)، والمالكية (2)، والحنابلة (3)، لأن لابسها لا يسمى مكتسيًا عرفاً بل يسمى عرياناً خلافا للشافعية (4) الذين أجازوا الكسوة بالعمامة والسراويل، لأنه يقع عليها اسم الكسوة.
4 - أن يعطى للمرأة ثوباً ساتراً وخماراً يجزئها أن تصلي فيه.
قلت: وسيأْتي إن شاء الله تعالى مزيد إيضاح في كلام المؤلف عن ذلك.
(1)
قوله «أَوْ تَحْرِيْرُ رَقَبَةٍ»:
هذه هي الخصلة الثالثة من الخصال التي تحصل بها الكفارة، وهي تحرير الرقبة يعني تخليصها من الرق.
وقد اشترط الفقهاء في الرقبة المجزئة في الكفارة ما يلي:73747576
الجزء: 7 - الصفحة: 261
فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ (1)،
1 - أن تكون مملوكة ملكا كاملا للمعتق، فلا يجوز إعتاق عبد مملوك للغير، كما لا يجوز للمكفر أن يعتق نصف عبد مشترك بينه وبين غيره.
2 - أن تكون الرقبة كاملة الرق، فلا يجوز إعتاق المدبر، لأنه سيصبح حرًا بعد وفاة سيده، وكذلك أم الولد، أمَّا المكاتب فيجوز التكفير به عند الحنفية.
3 - أن تكون الرقبة سليمة من العيوب المخلة بالعمل والكسب، فلا يجوز إعتاق مقطوع اليدين أو الرجلين أو أشلهما إلى غير ذلك.
4 - أن تكون الرقبة مؤمنة، خلافاً للحنفية (1) حيث يرون جواز إعتاق الرقبة الكافرة في غير كفارة القتل.
(1)
قوله «فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ»:
هذه هي الخصلة الرابعة من خصال كفارة اليمين وهي الخصلة الأخيرة، فمن لم يجد ما يُطعم به، أو يكسو، أو يعتق، فإنه يصوم، لقوله تعالى ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ﴾ (2).
فائدة: في الشروط المعتبرة لجواز الصيام في الكفارات
:
1 - النية: فلا يجوز صوم الكفارة من غير نية من الليل لأنه صوم واجب.
2 - التتَابع في الصوم: وقد اختلف الفقهاء في اشتراط التتابع في كفارة اليمين إذا كفر بالصوم: فذهب الحنفية 79 وهو الأصح عند الحنابلة 80، =7778
الجزء: 7 - الصفحة: 262
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
=وهو قول للشافعية 81 إلى وجوب التتابع، للقراءة الشاذة لابن مسعود -رضي الله عنه- ﴿فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ مُتَتَابِعَاتٍ﴾، وقراءة ابن مسعود -رضي الله عنه- حجَّة، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «من أراد أن يقرأ القرآن غضّاً كما أنزل فليقرأه على قراءة ابن أم عبد» 82 يعني ابن مسعود؛ فقراءته إذا صحت عنه تكون ثابتة وحجَّة.
وذهب المالكية 83، وهو قول للشافعية 84 إلى جواز صومها متتابعة أو متفرقة، وصومها متتابعة أفضل لأن الأمر بالصيام مطلق، فيبقى على إطلاقه، ولا يجوز تقييده إلا بدليل.
أما قراءة ابن مسعود فهي قراءة شاذة، ولا يستدل بها لأنها ليست قرآناً، ولم تصح هنا حديثاً حتى تكون تفسيراً من النبي -صلى الله عليه وسلم- للآية.
قلت: والراجح عندي أنه يتأكد التتابع في صيام كفارة اليمين على الصحيح، وقيل: التتابع فيها أفضل وأحوط، وهذا هو ما رجحته اللجنة الدائمة 85، واختيار سماحة شيخنا عبد العزيز ابن باز 86 -رحمه الله-.
الجزء: 7 - الصفحة: 263
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ذكر بعض الفوائد
:
- الفائدة الأُولى: لو لم يتمكن الإنسان من إيجاد العتق إلا بكلفة مادية أو مشقة بدنية
فإنه يسقط عنه التكفير بالعتق ويلزمه الإطعام أو الكسوة ولا يجوز العدول عنهما إلى الصوم إلا عند عدم الاستطاعة.
فمثلاً لو أن رجلاً عنده مال وغني، طلب رقبةً فما وَجد، وطلب مساكين فما وجد، فقيل له: إن هناك مساكين في أقصى الشرق، وهو في المغرب الأقصى، فهذا غير واجد.
فالحاصل أن من لم يجد شيئاً يشتري به طعاماً، أو كسوة، أو رقبة أو عنده مال، ولكن لا يجد محلاً لهذا المال، بأن لم يجد رقبة في السوق، أو لا يجد فقراء يطعمهم ويكسوهم، وهذه المشكلة الآن قائمة، فكثيراً ما إذا قيل للناس: عليكم إطعام عشرة مساكين، يقولون: لا نجد فقراء، ولذا ينصحون بأن يطعموا العمالة المسلمة، فإذا أعطوهم من هذا الطعام ما يكفيهم غداءً، أو عشاء يوماً أو يومين، وكانوا عشرة مساكين مسلمين، فقد أجزأت الكفارة.
الفائدة الثانية: الصواب أنه لا يُعطى الكافر من كفارات اليمين: والدليل على أن الكافر لا يعطى من الكفارة القياس على الزكاة، فإن الكافر لا يعطى من الزكاة إلا إذا كان مؤلَّفاً، وقد سبق بيان ذلك فيما يشترط في المستحقين للإطعام.
الجزء: 7 - الصفحة: 264
وَهُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ تَقْدِيْمِ الْكَفَّارَةِ عَلَى الْحِنْثِ وَتَأْخِيْرِهَا عَنْهُ؛ لِقَوْلِ رَسُوْلِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِيْنٍ فَرَأَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا فَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِيْنِهِ وَلْيَأْتِ الَّذِيْ هُوَ خَيْرٌ» 87، - الفائدة الثالثة: يغلط كثير من العوام، فيظنون أنهم مخيرون بين الصيام وبين بقية خصال الكفارة، فيصومون، مع قدرتهم على الإطعام أو الكسوة، والصيام في هذه الحالة لا يجزئهم ولا يبرئ ذمتهم عن كفارة اليمين؛ لأنه لا يجزئ إلا عند العجز عن الإطعام أو الكسوة أو العتق؛ فيجب التنبيه لمثل هذا الأمر.
(1)
قوله «وَهُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ تَقْدِيْمِ الْكَفَّارَةِ عَلَى الْحِنْثِ وَتَأْخِيْرِهَا عَنْهُ؛ لِقَوْلِ رَسُوْلِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِيْنٍ فَرَأَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا فَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِيْنِهِ وَلْيَأْتِ الَّذِيْ هُوَ خَيْرٌ»
(1): أي من وجب عليه التكفير بما ذكرناه فهو مخير بين أن يكفر قبل الحنث أو بعده.
وقد اختلف الفقهاء في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: جواز التكفير قبل الحنث، وإليه ذهب الجمهور من المالكية 88، والشافعية 89، والحنابلة 90.=
الجزء: 7 - الصفحة: 265
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
=وقيد الشافعية 91 جواز التكفير قبل الحنث بما إذا كفر بغير الصوم ولم يكن الحنث معصية.
القول الثاني: لا يجوز التكفير قبل الحنث، وإليه ذهب الحنفية 92.
والراجح عندي هو ما ذهب إليه أصحاب القول الأول؛ من أنه يجوز تقديم الكفارة على الحنث، ويجوز تأخيرها عنه، فإن قدمها، كانت محللة لليمين، وإن أخرها، كانت مكفرة له.
دليل ذلك قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾ 93.
وجه الدلالة من الآية: أن الله تعالى أوجب الكفارة بإرادة الحنث لأن التقدير: إذا حلفتم فأردتم الحنث، كما أن ظاهر الآية يفيد أن الكفارة وجبت بنفس اليمين فيجوز التكفير قبل الحنث، لتكون الكفارة محللة لليمين.
ومن الأدلة أيضاً ما ذكره المؤلف وهو حديث «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِيْنٍ فَرَأَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا فَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِيْنِهِ وَلْيَأْتِ الَّذِيْ هُوَ خَيْرٌ» 94.
وجه الدلالة من الحديث: أنه صريح في تقديم الكفارة على الحنث، حيث أمر -صلى الله عليه وسلم- بالتكفير عن اليمين، ثم عطف الإتيان بغير المحلوف عليه بثَمَّ التي تفيد الترتيب والتراخي، فدل هذا دلالة واضحة على إجزاء=
الجزء: 7 - الصفحة: 266
وَيُجْزِئُهُ فِي الْكِسْوَةِ مَا تَجُوْزُ الصَّلاةُ فِيْهِ، لِلرَّجُلِ ثَوْبٌ، وَلِلْمَرْأَةِ دِرْعٌ وَخِمَارٌ (1)، وَيُجْزِئُهُ أَنْ يُطْعِمَ خَمْسَةَ مَسَاكِيْنَ، وَيَكْسُوَ خَمْسَةً (2)،
=الكفارة قبل الحنث.
ومن الأدلة أيضاً القياس على كفارة الظهار والقتل بعد الجراح، فكما يجوز تقديم كفارة الظهار على العود، والقتل الخطأ بعد الجراح وقبل الموت كذلك يجوز تقديم كفارة اليمين قبل الحنث، لأنه كفر بعد سببه فجاز.
(1)
قوله «وَيُجْزِئُهُ فِي الْكِسْوَةِ مَا تَجُوْزُ الصَّلاةُ فِيْهِ، لِلرَّجُلِ ثَوْبٌ، وَلِلْمَرْأَةِ دِرْعٌ وَخِمَارٌ»:
قال بعضهم: بقدر ما يجزئ في الصلاة، والصحيح أننا كما قلنا في الطعام نقول في الكسوة أي أن المرجع في ذلك إلى العرف، فإن الله تعالى لم يقيدها بشيء، وعلى هذا فأي شيء يطلق عليه كسوة يحصل به المقصود، فمثلاً عندنا في المملكة لو أن شخصاً كسا آخر إزاراً من السُّرة إلى الركبة فهذا لا يسمى كسوة، فهي في كل بلد بحسبه، ففي بلادنا الكسوة تكون درعاً، وهو الثوب، وغترة، وطاقية، أما السراويل فليست لازمة بل هي من كمال الكسوة.
وظاهر الآية الكريمة أنه لا فرق بين الصغير والكبير، والذكر والأنثى، مع أن كسوة الأنثى غالباً أكثر من كسوة الرجل.
(2)
قوله «وَيُجْزِئُهُ أَنْ يُطْعِمَ خَمْسَةَ مَسَاكِيْنَ، وَيَكْسُوَ خَمْسَةً»:
أي لو أراد أن يطعم خمسة مساكين، ويكسو خمسة مساكين آخرين؛ فإن ذلك مجزئ في كفارة اليمين، أما لو كانوا هم نفس الخمسة؛ أطعمهم وكساهم=
الجزء: 7 - الصفحة: 267
لَوْ أَعْتَقَ نِصْفَ رَقَبَةٍ أَوْ أَطْعَمَ خَمْسَةً، أَوْ كَسَاهُمْ، أَوْ أَعْتَقَ نِصْفَ عَبْدَيْنِ، لَمْ يُجْزِئْهُ (1)، وَلا يُكَفِّرُ الْعَبْدُ إِلاَّ بِالصِّيَامِ (2)، وَيُكَفِّرُ بِالصَّوْمِ مَنْ لَمْ يَجِدْ مَا يُكَفِّرُ بِهِ (3)، =فلا يجزئه، فلا بد من عشرة مساكين، كما سيأْتي.
(1)
قوله «لَوْ أَعْتَقَ نِصْفَ رَقَبَةٍ أَوْ أَطْعَمَ خَمْسَةً، أَوْ كَسَاهُمْ، أَوْ أَعْتَقَ نِصْفَ عَبْدَيْنِ، لَمْ يُجْزِئْهُ»:
أي لو أعتق نصف رقبة، وأطعم خمسة مساكين، أو كساهم فهنا لا يجزئ، بينما لو أطعم خمسة، وكسا خمسة أجزأ، لكن لو أعتق نصف رقبة، وأطعم خمسة، أو كسا خمسة؛ فإن ذلك لا يجزئ، وذلك لأن مقصودهما مختلف ومتباين.
(2)
قوله «وَلا يُكَفِّرُ الْعَبْدُ إِلاَّ بِالصِّيَامِ»:
وذلك لأن العبد لا مال له، والعبد وما ملك لسيده؛ فلا يمكن أن يكفر بالإطعام، فينتقل إلى الصيام.
وهل إذا أذن له سيده في التكفير بالمال جاز؟ روايتان (1): إحداهما يجوز تكفيره به لأنه بإذن سيده يصير قادرا على التكفير بالمال فجاز له ذلك كالحر, والرواية الأخرى لا يجزيه لأنه لا يملك المال فيكون تكفيره بغير ماله فلم يصح كما لو أعتق الحر عبد غيره عن كفارته، وعلى الروايتين لا يلزمه التكفير بالمال, وإن أذن له سيده لأن فرضه الصيام فلم يلزمه غيره كما لو أذن موسر لحر معسر في التكفير من ماله.
(3)
قوله «وَيُكَفِّرُ بِالصَّوْمِ مَنْ لَمْ يَجِدْ مَا يُكَفِّرُ بِهِ»:
أي إذا لم يجد الإنسان ما يطعم به عشرة مساكين، أو كسوتهم، أو تحرير رقبة؛ فإنه يعدل =95
الجزء: 7 - الصفحة: 268
فَاضِلاً عَنْ مُؤْنَتِهِ، وَمُؤْنَةِ عِيَالِهِ وَقَضَاءِ دَيْنِهِ (1)، وَلا يَلْزَمُهُ أَنْ يَبِيْعَ فِيْ ذلِكَ شَيْئًا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنْ مَسْكَنٍ، وَخَادِمٍ، وَأَثاثٍ، وَكُتُبٍ، وَآنِيَةٍ، وَبِضَاعَةٍ يَخْتَلُّ رِبْحُهَا الْمُحْتَاجُ إِلَيْهِ (2)، = للصوم؛ لأن الله تعالى قال: ﴿فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ﴾ (1). وقد سبق الإشارة إلى ذلك في بعض الفوائد وقلنا بأنه لا يجوز للمكفِّر أن يعدل إلى الصيام إلا إذا عجز عن إطعام عشرة مساكين، أو كسوتهم، أو تحرير رقبة، فإذا عجز عن الإطعام، والكسوة، وتحرير رقبة؛ فهنا يعدل إلى الصيام، أما كونه يريد أن يصوم ثلاثة أيام، وهو قادر على إطعام عشرة مساكين؛ فليس له ذلك.
(1)
قوله «فَاضِلاً عَنْ مُؤْنَتِهِ، وَمُؤْنَةِ عِيَالِهِ وَقَضَاءِ دَيْنِهِ»:
أي لا بد أن يجد ما يطعم به عشرة مساكين فاضلاً عن مئونته؛ أي نفقته، وما يحتاج إليه، وكذلك نفقة عياله، وقضاء الدين الواجب عليه.
(2)
قوله «وَلا يَلْزَمُهُ أَنْ يَبِيْعَ فِيْ ذلِكَ شَيْئًا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنْ مَسْكَنٍ، وَخَادِمٍ، وَأَثاثٍ وَكُتُبٍ، وَآنِيَةٍ، وَبِضَاعَةٍ يَخْتَلُّ رِبْحُهَا الْمُحْتَاجُ إِلَيْهِ»:
وذلك لأن الكفارة إنما تجب فيما يفضل عن حاجته الأصلية وهذا من حوائجه الأصلية فلا يلزمه بيع شيء من ذلك لأنه يضر به كثيراً.
فمثلاً لو كان عنده سيارة، ولم يجد ما يطعم به عشرة مساكين؛ فهل له أن يعدل إلى الصيام أم نقول: يجب عليك أن تبيع سيارتك لأجل أن تكفر كفارة اليمين؟ =96
الجزء: 7 - الصفحة: 269
وَمَنْ أَيْسَرَ بَعْدَ شُرُوْعِهِ فِيْ الصَّوْمِ، لَمْ يَلْزَمْهُ الاِنْتِقَالُ عَنْهُ (1)، وَمَنْ لَمْ يَجِدْ إِلاَّ مِسْكِيْنًا وَاحِدًا، رَدَّدَ عَلَيْهِ عَشَرَةَ أَيَّامٍ (2). =نقول: لا يجب عليه بيعها، والقاعدة في ذلك أن ما كان من حوائجه الأصلية فهي مقدمة على حقوق الله تعالى، فلا يجب عليه في الأشياء التي يحتاج إليها بيعها، بل له أن يعدل للصوم مباشرة.
(1)
قوله «وَمَنْ أَيْسَرَ بَعْدَ شُرُوْعِهِ فِيْ الصَّوْمِ، لَمْ يَلْزَمْهُ الاِنْتِقَالُ عَنْهُ»:
أي فلو أن إنساناً لم يجد ما يطعم به عشرة مساكين، أو يكسوهم، أو تحرير رقبة، وعدل للصوم، فلما بدأ في الصوم؛ أيسر وساق الله له رزقاً؛ فلا يلزمه الانتقال إلى الإطعام لأن الصيام بدل لا يبطل بالقدرة على المبدل فلم يلزمه الرجوع إلى المبدل بعد الشروع فيه.
(2)
قوله «وَمَنْ لَمْ يَجِدْ إِلاَّ مِسْكِيْنًا وَاحِدًا، رَدَّدَ عَلَيْهِ عَشَرَةَ أَيَّامٍ»:
أي إذا لم يجد المكفر في كفارة اليمين المساكين بكمال عددهم فإنه يردد على الموجودين منهم كل يوم حتى تتم عشرة، فلو قدِّر أنه لم يجد إلا مسكيناً واحداً فله أن يردد الإطعام عليه عشرة أيام، هذا بشرط ألاَّ يجد عشرة مساكين، لكن لو وجد عشرة مساكين، فلا بد من استيعاب العدد.
الجزء: 7 - الصفحة: 270
كِتابُ الْجِنَاياتِ (1) (1)
قوله «كِتابُ الْجِنَاياتِ»:
الجنايات: جمع جناية، وهي لغة: الاعتداء على النفس أو العرض أو المال أو البدن، فكل اعتداء على نفس، مثل القتل، أو الاعتداء على البدن؛ مثل قطع الأعضاء وبترها، والتشويه للخلقة بالوسم والكي ونحو ذلك، والاعتداء على المال بسرقته أو غصبه، والاعتداء على العرض بالقذف أو الزنا كل هذا يعتبر جناية في أصل اللغة، والعرب تسميه جناية؛ لما فيه من الإضرار والأذية وتعدي الحد، ومن فعل ذلك فقد جنى عاقبته؛ لأنه يجر على نفسه الشر، فمن جنى جناية، واعتدى على غيره، فإنه يجني من وراء ذلك العاقبة التي لا تحمد في دينه ودنياه.
واصطلاحاً: التعدي على البدن بما يوجب قصاصاً، أو مالاً.
فهي في الاصطلاح أخص من معناها لغة، وذلك لأن علماء اصطلاح الفقه خصوا الجنايات: بالاعتداء على النفس والبدن، وأفردوا الاعتداء على المال والاعتداء على العرض بكتاب الحدود، فإذا قالوا: