وبل الغمامة في شرح عمدة الفقه لابن قدامةكِتابُ الصَّدَاقِ
أهل الأثرالأرشيف العلمي

(1)  (1)

قوله «كِتابُ الصَّدَاقِ»:

الصداق: بفتح الصاد هو مهر النكاح، مأخوذ من الصِّدق لأنه يشعر الزوج برغبته في زوجته.
وفي الشرع: هو العوض الواجب بعقد نكاح أو ما أُلحق به.
وقيل أيضاً: هو فرض يسمى في عقد النكاح أو بعده قولنا «عقد النكاح» قد سبق الإشارة إليه وإلى شروطه وأركانه.
وقولنا «أو ما أُلحق به» كالوطء بشبهة, فهنا يجب الصداق بالوطء, لأن هذا الوطء ليس بحرام لاعتقاد الواطئ أن هذه المرأة زوجته، كما لو تزوج امرأة ثم تبين له أنها أخته من الرضاع إلا بعد العقد.

حكم الصداق

: نقل ابن عبد البر الإجماع على وجوبه فقال: «أجمع علماء المسلمين أنه لا يجوز له وطء في نكاح بغير صداق مسمى ديناً أو نقداً» 1. وهل هو شرط لصحة العقد؟ نقول اختلف الفقهاء في هذه المسألة: فذهب بعضهم إلى أنه شرط في العقد لا يصح العقد بدونه, لقوله تعالى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ 2، فإبطاله وإسقاطه معصية لأمرين: الأول: لأن الله تعالى قيد الحل بقوله: ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾ 3، ولأن=

الجزء: 6 - الصفحة: 196

كُلُّ مَا جَازَ أَنْ يَكُوْنَ ثَمَناً، جَازَ أَنْ يَكُوْنَ صَدَاقاً، قَلِيْلاً كَانَ أَوْ كَثِيْرًا (1)،  =النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يعذر الفقير الذي لم يجد خاتماً من حديد حتى ألزمه أن يعلمها القرآن.
وذهب جمهور أهل العلم (1) إلى أنه لا يبطل بِاستحقاق الصداق، لأنه ليس شرطًا لصحة النكاح، وهذا هو الصواب.
ومع القول بأن الصداق شرط من شروط العقد إلا أننا نقول بأن العقد يصح بدونه لأن هذا الشرط يعود على معنى زائد في العقد.

(1)

قوله «كُلُّ مَا جَازَ أَنْ يَكُوْنَ ثَمَناً، جَازَ أَنْ يَكُوْنَ صَدَاقاً، قَلِيْلاً كَانَ أَوْ كَثِيْرًا»:

شرع المؤلف في بيان ما يجوز أن يكون صداقاً, فكل ما صح عقد البيع عليه أو عقد الإجارة عليه صح أن يكون مهراً للمرأة، فهذا ضابط في الصداق، فعلى هذا يصح بالنقود، أو الذهب، أو الفضة لأنها تصح ثمناً, ويصح بالأعيان كما لو أصدقها ثوباً، أو سيارة، أو أرضاً، أو بيتاً، وغير ذلك، وكذا يصح بالمنافع كما لو أصدقها سكن بيت, أو أصدقها خدمة عبده، ونحو ذلك، وسيأتي الخلاف في جواز جعل المنافع صداقاً قريباً إن شاء الله.
وفهم من قوله «كل ما جاز أن يكون ثمناً» أن ما لا يجوز أن يكون ثمناً لا يكون صداقاً, فلو أصدقها ما يحرم بيعه كخنزير، أو خمر، أو معازف، =4

الجزء: 6 - الصفحة: 197

لِقَوْلِ رَسُوْلِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- لِلَّذِيْ قَالَ لَهُ: زَوِّجْنِيْ هَذِهِ الْمَرْأَةَ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكَ بِهَا حَاجَةٌ، التَمِسْ وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيْدٍ (1)،  =أو تمثال، أو صنم، ونحو ذلك فإنه لا يصح أن يكون مهراً لأنه لا يصح الأجرة عليه.
وقوله «قليلاً كان أو كثيراً»: أي يصح الصداق بما ذكرناه أنفاً سواء كان قليلاً أو كثيراً.
قلت: وذهب أبو حنيفة (1)، ومالك (2) أنه يتقدر أول الصداق بما تقطع به يد السارق مع اختلافهم في قدره، فعند أبي حنيفة عشرة دراهم، أو دينار, وعند الإمام مالك ربع دينار، أو ثلاثة دراهم.
والصحيح عندي: ما ذهب إليه المؤلف أنه لا حد لأقله حتى لو كان درهماً، وهو اختيار شيخنا -رحمه الله- (3).

(1)

قوله «لِقَوْلِ رَسُوْلِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- لِلَّذِيْ قَالَ لَهُ: زَوِّجْنِيْ هَذِهِ الْمَرْأَةَ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكَ بِهَا حَاجَةٌ التَمِسْ وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيْدٍ»:

هذا الحديث عن سهل ابن سعد الساعدي -رضي الله عنه- «أَنَّ امْرَأَةً جَاءَتْ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللهِ جِئْتُ لأَهَبَ لَكَ نَفْسِي فَنَظَرَ إِلَيْهَا رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- فَصَعَّدَ النَّظَرَ إِلَيْهَا وَصَوَّبَهُ ثُمَّ طَأْطَأَ رَأْسَهُ فَلَمَّا رَأَتِ الْمَرْأَةُ أَنَّهُ لَمْ يَقْضِ فِيهَا شَيْئًا جَلَسَتْ فَقَامَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللهِ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكَ بِهَا حَاجَةٌ=567

الجزء: 6 - الصفحة: 198

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =فَزَوِّجْنِيهَا، فَقَالَ: هَلْ عِنْدَكَ مِنْ شَيْءٍ فَقَالَ: لا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللهِ قَالَ اذْهَبْ إِلَى أَهْلِكَ فَانْظُرْ هَلْ تَجِدُ شَيْئًا فَذَهَبَ ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ: لا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللهِ مَا وَجَدْتُ شَيْئًا قَالَ انْظُرْ وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ فَذَهَبَ ثمَّ رَجَعَ فَقَالَ: لا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللهِ، وَلا خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ وَلَكِنْ هَذَا إِزَارِي - قَالَ سَهْلٌ مَا لَهُ رِدَاءٌ - فَلَهَا نِصْفُهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- مَا تَصْنَعُ بِإِزَارِكَ إِنْ لَبِسْتَهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهَا مِنْهُ شَيْءٌ وَإِنْ لَبِسَتْهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْكَ شَيْءٌ فَجَلَسَ الرَّجُلُ حَتَّى طَالَ مَجْلِسُهُ ثُمَّ قَامَ فَرَأَىهُ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- مُوَلِّيًا فَأَمَرَ بِهِ فَدُعِيَ فَلَمَّا جَاءَ قَالَ مَاذَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ قَالَ مَعِي سُورَةُ كَذَا وَسُورَةُ كَذَا وَسُورَةُ كَذَا عَدَّهَا قَالَ أَتَقْرَؤُهُنَّ عَنْ ظَهْرِ قَلْبِكَ قَالَ نَعَمْ قَالَ اذْهَبْ فَقَدْ مَلَّكْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ» 8، وهذا الحديث فيه فوائد عظيمة منها: 1 - جواز عرض المرأة نفسها، أو الرجل ابنته، على رجل من أهل الخير والصلاح.
2 - جواز نظر من له رغبة في الزواج إلى المرأة التي يريد الزواج منها، وقد سبق الإشارة إلى ذلك في أول كتاب النكاح.
3 - ولاية الإمام على المرأة التي ليس لها ولي من أقربائها.
4 - أنه لابد من الصداق، لأنه أحد العوضين.

الجزء: 6 - الصفحة: 199

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  5 - جواز أن يكون الصداق يسيراً لقوله -صلى الله عليه وسلم- «التمس ولو خاتماً من حديد» 6 - جواز أن يكون الصداق منفعة كتعليم قرآن، أو أدب، أو صنعة، أو خدمة عبد، ونحو ذلك.

ذكر بعض الفوائد

:

- الفائدة الأولى: هل يصح أن تكون المنافع صداقاً كتعليم القرآن وغيره؟

الجواب: على روايتين في المذهب 9: الرواية الأولى: الكراهة أي يكره أن يكون القرآن صداقاً، لأن الفروج لا تستباح إلا بالأموال لقوله تعالى: ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾، وقوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً أَنْ يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ 10، والطول المال، ولأن تعليم القرآن لا يجوز أن يقع إلا قربة لفاعله، فلم يصح أن يكون صداقاً كالصلاة، والصيام، وغيرها، وهذا قول أبي حنيفة 11. الرواية الثانية: أنه يجوز أن يكون تعليم القرآن صداقاً للحديث المتقدم، ولأن تعليم القرآن منفعة معينة مباحة فجاز جعلها صداقاً، وكذا لو كان الصداق خدمة الرجل وغيره من المنافع المباحة، وليس فيه امتهان ولا تحقير للزوج كرعي غنم، أو زراعة أرضها، وغير ذلك من المنافع التي=

الجزء: 6 - الصفحة: 200

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =تقوَّم بالمال لقوله تعالى: ﴿قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَةَ حِجَجٍ﴾ 12، فجعل الرعي صداقاً، وشرع من قبلنا شرع لنا ما لم يخالف شرعنا.
قلت: وهذا هو الصحيح، وهو قول جمهور أهل العلم.

  • الفائدة الثانية: هل يصح أن يكون المصحف مهراً؟ من قال بعدم جواز بيع المصحف فلم يجعله صداقاً، ومن قال بجواز بيعه وهو الصحيح كما سبق في كتاب البيوع فإنه يجعله صداقاً.
  • الفائدة الثالثة: إذا عجزت المرأة عن حفظ ما كان صداقاً، كأن يجعل صداقها سورة البقرة، أو سورة آل عمران، أو سورة النساء، ونحو ذلك ثم تعجز المرأة عن حفظها فهل يسقط الصداق؟ الذي يظهر أنه لا يسقط، بل يقدر لها أجرة المثل، ولا يقال يجب مهر المثل لأن مسمى المثل لم يبطل، ولكن عجز عن إيفائه.
  • الفائدة الرابعة: ورد في الحديث أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال للرجل: «لا تَكُونُ لأَحَدٍ بَعْدَكَ مَهْرًا» 13: هذه الزيادة غير صحيحة عند أهل الحديث فلا تكون حجة في ترك مسمى الصداق، فيفرض لها أجرة تعليم هذه السورة مثلاً، فإن قيل: هذه السورة يعلمها معلم الصبيان في العادة بمائة ريال كان مهرها مائة ريال.

الجزء: 6 - الصفحة: 201

فَإِذا زَوَّجَ الرَّجُلُ ابْنَتَهُ بِأَيِّ صَدَاقٍ كَانَ جَازَ (1)، وَلا يَنْقُصُهَا غَيْرَ الأَبِ مِنْ مَهْرِ مِثْلِهَا إِلاَّ بِرِضَاهَا (2)،  (1)

قوله «فَإِذا زَوَّجَ الرَّجُلُ ابْنَتَهُ بِأَيِّ صَدَاقٍ كَانَ جَازَ»:

كما سبق سواء كان كثيراً أو قليلاً فإنه يجوز أن يكون صداقاً.
(2)

قوله «وَلا يَنْقُصُهَا غَيْرَ الأَبِ مِنْ مَهْرِ مِثْلِهَا إِلاَّ بِرِضَاهَا»:

أي إن زوج الأب ابنته بأقل من مهر مثلها صح النكاح وثبت المسمى وإن لم ترض البنت، وذلك لأن تمام شفقته وحرصه على ابنته يقتضي أنه لا يتنازل عن مهر المثل إلا لتحصيل مصالح عظيمة فيها خير لابنته.
وقد قال عمر -رضي الله عنه- «لا تُغَالُوا بِصُدُقِ النِّسَاءِ فَإِنَّهَا لَوْ كَانَتْ مَكْرُمَةً فِى الدُّنْيَا أَوْ تَقْوَى عِنْدَ اللَّهِ لَكَانَ أَوْلاكُمْ بِهَا النَّبِىُّ -صلى الله عليه وسلم- مَا أَصْدَقَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- امْرَأَةً مِنْ نِسَائِهِ وَلا أُصْدِقَتِ امْرَأَةٌ مِنْ بَنَاتِهِ أَكْثَرَ مِنْ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ أُوقِيَّةً» (1) وقال ذلك بمحضر من الصحابة ولم ينكره أحد منهم، فكان ذلك اتفاقاً منهم.

ذكر بعض الفوائد

:

  • فائدة الأولى: هل هناك فرق بين البكر والثيب في الحكم؟ الجواب: ظاهر كلام المؤلف أنه لا فرق بينهما وهو الصواب.

الفائدة الثانية: هل يجوز لغير الأب أن يصدقها أقل من مهر المثل؟

الجواب: ظاهر كلام المؤلف أن غير الأب لا يزوج بأقل من مهر المثل إلا بإذنها، فإذا أذنت صح لأن الحق لها، فإذا رضيت بإسقاطه سقط، فإن=14

الجزء: 6 - الصفحة: 202

وَإِذَا أَصْدَقَهَا عَبْدًا بِعَيْنِهِ فَوَجَدَتْهُ مَعِيْبًا، خُيِّرَتْ بَيْنَ أَرْشِهِ وَرَدِّهِ وَأَخْذِ قِيْمَتِهِ (1)،  =فعل غير الأب فزوجها بأقل من مهر المثل بدون إذنها، فالمذهب أنه يجب لها مهر المثل ويكمل من زَوَّجها ما بقي من مهر المثل، لعدم الإذن منها، وهذا أحد القولين في المسألة (1). القول الثاني: أن الزوج هو الذي يكمل المهر، لعدم الإذن ولفساد تسمية المهر والأول هو الأظهر، أي يكون ما بقي من مهر المثل على الولي، كما لو وكله في بيع سلعة فباعها بدون الثمن، فيصح ويلزم الوكيل تمام الثمن، وهذا هو اختيار شيخ الإسلام (2).

(1)

قوله «وَإِذَا أَصْدَقَهَا عَبْدًا بِعَيْنِهِ فَوَجَدَتْهُ مَعِيْبًا، خُيِّرَتْ بَيْنَ أَرْشِهِ وَرَدِّهِ وَأَخْذِ قِيْمَتِهِ»:

أي لو أصدقها عبداً معيباً، أو غيره كسيارة معيبة ونحوها فوجدته معيباً كأن يكون العبد فيه عرج أو به شلل، أو السيارة غير صالحة خيرت بين إمساك ذلك وأرشه وقد سبق تعريف الأَرش في كتاب البيوع - وهو الفرق بين قيمته معيباً وقيمته سليماً - أو رده وأخذ قيمته إن كان متقوُّماً، وذلك لأن العيب ينقص المهر، فكان موجباً للخيار، كالعيب في المبيع، وذهب أبو حنيفة 17 وغيره إلى أن المرأة ليس لها إلا إمساك من غير أرش أو رده والمطالبة بالقيمة أو بالمثل لأن المطالبة بالأرش معاوضة جديدة لا بد=1516

الجزء: 6 - الصفحة: 203

وَإِنْ وَجَدَتْهُ مَغْصُوْبًا أَوْ حُرًّا، فَلَهَا قِيْمَتُهُ (1)،  =فيها من رضا الطرفين، ووجود عيب يمكن معه رده مضرة للمرأة وتطالب بالقيمة أو بالمثل، وهذا هو الأقرب، أي ليس للمرأة إلا أمران: الأول: إما أن تقبل المهر على ما هو عليه.
الثاني: أو ترده وتأخذ قيمته إن كان مما يتقوم أو مثله إن كان مثلياً.

(1)

قوله «وَإِنْ وَجَدَتْهُ مَغْصُوْبًا أَوْ حُرًّا، فَلَهَا قِيْمَتُهُ»:

أي إن وجدت هذا العبد الذي جعل صداقاً لها مغصوباً أو حراً فلها قيمته إذا كانت غير عالمة بحاله وقت العقد فليس لها هنا إلا القيمة, لأنها رضيت بما سمى لها, وتسليمه ممتنع, لكنه غير قابل لجعله صداقاً, فوجب الانتقال إلى القيمة لأنها بدله, ولا تستحق مهر المثل, لأنها لما رضيت بما سمي لها لم يكن لها الانتقال إلا إلى بدل ما رضيت به.
وخلاصة ما سبق ذكره إذا ما كان هناك عيب في الصداق ما يلي: الأول: أن يكون الصداق معيباً وحكمه كما ذكر المؤلف أن لها الخيار بين الإمساك والمطالبة بالأرش، أو بين رده وأخذ قيمته، أو مثله، وذكرنا الراجح فيها.
الثاني: أن تجد المهر محرماً كأن يصدقها خمراً، أو لحم ميتة، أو لحماً محرماً كلحم الخنزير، أو المعازف، ونحو ذلك مما هو محرم، فهذه ليس لها فيه إلا قيمة هذا المحرم, فينظر كم يساوي هذا العصير مثلاً الذي أصدقها به فتعطي ثمنه, أو كم يساوي هذا اللحم فيعطيها قيمته، وهكذا وذلك لما ذكرناه أنفاً لأنها رضيت بما سمي لها.

الجزء: 6 - الصفحة: 204

وَإِنْ كَانَتْ عَالِمَةً بِحُرِّيَّتِهِ أَوْ غَصْبِهِ حِيْنَ العَقْدِ، فَلَهَا مَهْرُ مِثْلِهَا (1)، وَإِنْ تَزَوَّجَهَا عَلى أَنْ يَشْتَرِيَ لَهَا عَبْدًا بِعَيْنِهِ، فَلَمْ يَبِعْهُ سَيِّدُهُ أَوْ طَلَبَ بِهِ أَكْثَرَ مِنْ قِيْمَتِهِ، فَلَهَا قِيْمَتُهُ (2)،  الثالث: أن تجد الصداق مستحقاً لغيرها كما لو أصدقها عبداً فبان حراً، أو أصدقها معيناً فبان مغصوباً فليس لها إلا قيمة هذا المغصوب فيقدر قيمته فيعطي لها.

(1)

قوله «وَإِنْ كَانَتْ عَالِمَةً بِحُرِّيَّتِهِ أَوْ غَصْبِهِ حِيْنَ العَقْدِ، فَلَهَا مَهْرُ مِثْلِهَا»:

أي وإن أصدقها عبداً وقد علمت بحريته، أو علمت بأنه مغصوب صح عقد النكاح, لأنه عقد لا يفسد بجهالة العوض, فلا يفسد بكونه محرماً، ولأن فساد العوض لا يزيد على عدمه, ولو عدم فالنكاح صحيح كما سبق فكذا إذا فسد, وقلنا يكون لها مهر المثل لأن فساد العوض يقتضي رد عوضه وقد تعذر رده لصحة النكاح فوجب رد قيمته وهو مهر المثل بالغاً ما بلغ, وعن الإمام أحمد أنه يعجبه استقبال النكاح لأنه جعل عوضه محرماً أشبه نكاح الشغار (1). (2)

قوله «وَإِنْ تَزَوَّجَهَا عَلى أَنْ يَشْتَرِيَ لَهَا عَبْدًا بِعَيْنِهِ، فَلَمْ يَبِعْهُ سَيِّدُهُ أَوْ طَلَبَ بِهِ أَكْثَرَ مِنْ قِيْمَتِهِ، فَلَهَا قِيْمَتُهُ»:

أي لو تزوجها على أن يكون صداقها أن يشتري لها عبد فلان, فلم يبعه إليه إلا بطلب أكثر من قيمته فلها قيمة العبد لأن العبرة بسعره فيما يتبايع به الناس, ولأن العقد وقع على التسمية فكان لها قيمته.18

الجزء: 6 - الصفحة: 205

فَصْلٌ فِيْ المُفَوَّضَةِ

(1)  (1)

قوله «فَصْلٌ فِيْ المُفَوَّضَةِ»:

المفوضة في اللغة اسم فاعل من التفويض، والتفويض جعل الأمر إلى غيره يقال: فوض الأمر إليه أي جعل له التصرف فيه.
أما في الاصطلاح: فهي المرأة التي نكحت بلا مهر, أو على أن لا مهر لها، وسميت مفوِّضة بكسر الواو, لتفويضها أمرها إلى الزوج أو إلى الولي بلا مهر، أو لأنها أهملت المهر, وتسمى مفوَضة بالفتح إذا فوض وليها أمرها إلى الزوج بلا مهر.

  • فائدة: التفويض نوعان:

الأول: تفويض البضع

  • أي الفرج - وذلك بأن يزوج الرجل ابنته أو تأذن امرأة لوليها أن يزوجها بلا مهر أي بدون تسمية مهر فيصح العقد.
    مثاله: أن يقول رجل لآخر «زوجني ابنتك»، فشاور ابنته فقبلت فقال: «زوجتك ابنتي»، فقال: «قبلت»، ولم يتكلموا عن المهر، فهذا يسمى تفويض البضع، فيجب لها مهر المثل كما سيأتي إن شاء الله.
    حكم هذه الصورة: ذهب جمهور الفقهاء إلى جواز هذه الصورة.
    وخالف في ذلك المالكية 19، فقالوا ببطلان عقد النكاح في هذه الصورة, لأن التزام هذا الشرط يجعلها كالموهوبة التي اختص بها النبي -صلى الله عليه وسلم- وعلى ذلك العقد يفسخ لفساد النكاح من جهة عقده.
    =

الجزء: 6 - الصفحة: 206

وَإِنْ تَزَوَّجَهَا بِغَيْرِ صَدَاقٍ، صَحَّ (1)،  =والصواب كما ذكرنا سابقاً: هو ما ذهب إليه جمهور الفقهاء من صحة العقد ويجب لها مهر قال تعالى: ﴿لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ (1)، فإن الله تعالى أباح لنا أن لا نفرض لهن فريضة وهذا تفويض في البضع, فإذا حصل الدخول قبل أن يفرض المهر فالواجب مهر المثل, وإن طلقها قبل الدخول فلها المتعة لقوله تعالى: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ ... مَتَاعاً بِالْمَعْرُوفِ﴾ (2).

الثاني: تفويض المهر،

وهو أن يذكر المهر بدون تعيينه, مثاله أن يقول: «زوجني ابنتك»، فقال «كم ستعطيني مهراً»، فقال «ما تريده ابنتك»، أو «الذي تريده أفرضوه»، والفرق بين تفويض البضع وتفويض المهر, أن تفويض البضع - الفرج - لا يذكر فيه مهر إطلاقاً, وتفويض المهر يذكر فيه ولكن لا يعينه.
(1)

قوله «وَإِنْ تَزَوَّجَهَا بِغَيْرِ صَدَاقٍ، صَحَّ»:

أي وإن تزوجها من غير أن يعين أو يسمى لها صداقاً صح العقد، وهذه تسمى مفوضة البضع وقد سبق بيان حكمها، فالحاصل أن مفوضة البضع التي زوجها وليها من غير مهر زواجها صحيح لقوله تعالى: {لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمْ=2021

الجزء: 6 - الصفحة: 207

فَإِنْ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُوْلِ، لَمْ يَكُنْ لَهَا إِلاَّ الْمُتْعَةَ (1)،  =النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً} (1)، وسيأتي حديث بروع بنت واشق لما مات زوجها ولم يدخل بها ولم يفرض لها، وأن لها مهر نسائها لا وكس ولا شطط.
وقد سبق ما ذهب إليه المالكية في هذه المسألة، والراجح كما سبق صحة الزواج بغير صداق.

(1)

قوله «فَإِنْ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُوْلِ، لَمْ يَكُنْ لَهَا إِلاَّ الْمُتْعَةَ»:

أي فإن طلقها ولم يسم لها صداقاً وكان الطلاق قبل الدخول بها لم يكن لها إلا المتعة لقوله تعالى: ﴿لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعاً بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ 23، والمتعة: هي ما تمتع به المرأة المطلقة من كسوة أو غيرها, ووجه الدلالة من الآية أن الله تعالى أمر بالمتعة لا بغيرها، والأمر للوجوب، والأصل براءة ذمته من غيرها, وهذا هو المذهب، وهو قول جمهور الفقهاء 24، وإيجاب المتعة لما فيه من جبر قلب الزوجة لقوله تعالى: ﴿حَقّاً عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾.
وذهب أحمد في رواية 25 عنه أنه يجب لها نصف مهر المثل, لأنه نكاح=22

الجزء: 6 - الصفحة: 208

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =صحيح يوجب مهر المثل بعد الدخول, فيوجب نصفه بالطلاق قبله كما لو سمى صداقاً محرماً.
والصحيح من القولين: ما ذهب إليه جمهور الفقهاء من وجوب المتعة عليه لدلالة الآية لمن يسم لها إذا طلقت قبل الدخول, ونصف المسمى لمن سمى لها كما في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ (1).

ذكر بعض الفوائد

:

  • الفائدة الأُولى: قول المؤلف «فإن طلقها قبل الدخول بها»: الدخول هنا بمعنى أنه لم يخلو بها خلوة بينه وبينها يمكن معها الاستمتاع فلا بد من تقييده بهذا القيد، فإن خلى بها خلوة يمكنه معها الاستمتاع فهنا يجب المهر كما سيأتي في كلام المؤلف قريباً وبيان الخلاف في ذلك، والراجح من أقوال أهل العلم.

الفائدة الثانية: هل تجب المتعة لكل مطلقة؟

الجواب: هذه المسألة على أقوال: الأول: أنه يجب المتعة لكل مطلقة لعموم قوله تعالى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ 27، ولقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ=26

الجزء: 6 - الصفحة: 209

عَلى الْمُوْسِعِ قَدَرُهُ وَعَلى الْمُقْتِرِ قَدَرُه (1)،  =وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً} (1)، وجه الدلالة أن أزواج النبي -صلى الله عليه وسلم- كان مفروضاً لهن ومدخولاً بهن.
القول الثاني: أنه تجب للمطلقة إذا طلقت قبل المسيس وإن كانت مفروضاً لها لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمْ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً﴾، والآية صريحة في الأمر بالمتعة لمن لم يدخل بها وقد فرض لها فريضة.
القول الثالث: هو ما ذكرناه آنفاً وهو أن المتعة إنما تجب للمطلقة إذا لم يدخل بها ولم يفرض لها, فإن كان قد دخل بها وجب لها مهر مثلها إذا كانت مفوضة كما سيأتي إن شاء الله.
والراجح من هذه الأقوال الثلاثة: أن المتعة إنما تجب للمطلقة إذا لم يدخل بها ولم يفرض لها, وما عداها فالمتعة مستحبة في حقها.

(1)

قوله «عَلى الْمُوْسِعِ قَدَرُهُ وَعَلى الْمُقْتِرِ قَدَرُه»:

الموسع هو الغني, والمقتر هو الفقير، والمعنى أنه إن طلقها قبل الدخول لم يكن له عليها إلا المتعة على الموسع قدره وعلى المقتر قدره، هذا هو الصحيح من المذهب 29 أي أن الاعتبار في وجوب المتعة بحال الزوج.
وقيل: بأن الاعتبار يكون بحال المرأة, وقيل الاعتبار بحالهما، وفي =28

الجزء: 6 - الصفحة: 210

وَأَعْلاهَا خَادِمٌ، وَأَدْنَاهَا كِسْوَةٌ يَجُوْزُ لَهَا الصَّلاةُ فِيْهَا (1)، فَإِنْ مَاتَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ الدُّخُوْلِ وَالفَرْضِ، فُرِضَ لَهَا مَهْرُ نِسَائِهَا، لا وَكْسَ وَلا شَطَطَ، وَلِلْباقِيْ مِنْهُمَا الْمِيْرَاثُ (2)،  = رواية عن الإمام أحمد (1) أنه يرجع في تقديرها إلى الحاكم، وسيأتي بيان الراجح من الأقوال قريباً إن شاء الله تعالى.

(1)

قوله «وَأَعْلاهَا خَادِمٌ، وَأَدْنَاهَا كِسْوَةٌ يَجُوْزُ لَهَا الصَّلاةُ فِيْهَا»:

أي أعلى المتعة، فهذه المرأة التي لم يفرض لها صداق ولم يدخل بها عليه أن يشتري لها مملوكة تخدمها, وأدناها كسوة تستر عورتها في الصلاة.
وهل هذا حكمٌ شرعيٌ لا يجوز مخالفته أم هو قضاء يرجع فيه إلى الأزمنة والأمكنة والأشخاص؟ الصواب: القول الثاني؛ فما ذكروه كان موافقاً لواقعهم، فالله تعالى لم يحدد المتعة في الآية بما حدده هؤلاء, فيبني الأمر في كل زمان ومكان على حسب ما يليق, فالحاصل أن المتعة تختلف بحسب الأزمان والبلدان والأشخاص والأحوال، فحال الجدب ليس مثل حال الرخاء, وحال الكساء ليس مثل حال الرفاهية والغنى.

(2)

قوله «فَإِنْ مَاتَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ الدُّخُوْلِ وَالفَرْضِ، فُرِضَ لَهَا مَهْرُ نِسَائِهَا، لا وَكْسَ وَلا شَطَطَ، وَلِلْباقِيْ مِنْهُمَا الْمِيْرَاثُ»:

أي فإن مات أحد الزوجين قبل أن يدخلا, ولم يكن كذلك قد فرض لها مهراً فهنا=30

الجزء: 6 - الصفحة: 211

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =يكون لها مهر مثلها، وهذا هو المذهب 31، وهو أيضاً مذهب الحنفية 32 وقول الشافعية 33، واستدلوا على ذلك بقضاء ابن مسعود في مثل ذلك، فقد سئل عن رجل تزوج امرأة ولم يفرض لها صداقاً, ولم يدخل بها حتى مات فقال ابن مسعود -رضي الله عنه-: «لَهَا مِثْلُ صَدَاقِ نِسَائِهَا لا وَكْسَ وَلا شَطَطَ وَعَلَيْهَا الْعِدَّةُ وَلَهَا الْمِيرَاثُ.
فَقَامَ مَعْقِلُ بْنُ سِنَانٍ الأَشْجَعِىُّ فَقَالَ قَضَى فِينَا رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فِي بِرْوَعَ بِنْتِ وَاشِقٍ امْرَأَةٍ مِنَّا - مِثْلَ مَا قَضَيْتَ.
فَفَرِحَ ابْنُ مَسْعُودٍ -رضي الله عنه-» 34. وذهب مالك 35، والشافعية 36 في قول آخر أنه لا فرض لها, قياساً للموت على الطلاق, فإن الطلاق قبل الدخول لا شيء فيه، فمثله الموت، وقالوا عن أثر ابن مسعود السابق بأنه مضطرب.
والراجح ما ذهب إليه أصحاب القول الأول؛ فإذا مات الرجل عن =

الجزء: 6 - الصفحة: 212

وَلا وَكْسَ وَلا شَطَطَ (1)، لأَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- قَضَى فِيْ بَرْوَعَ بِنْتِ وَاشِقٍ، لَمَّا مَاتَ زَوْجُهَا (2)، وَلَهَا الْمِيْرَاثُ، وَعَلَيْهَا العِدَّةُ (3)،  =امرأته التي لم يدخل بها، ولم يسم لها صداقاً فإنه يكون لها ثلاثة أشياء: الأول: الميراث؛ وهذا بإجماع أهل العلم، فلها الربع من تركته لقوله تعالى: ﴿وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ﴾ (1). الثاني: يلزمها العدة؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً﴾.
الثالث: المهر؛ وهذا مذهب جمهور أهل العلم ويكون مثل مهر نسائها.
(1) قوله «لا وَكْسَ وَلا شَطَطَ»: لا وكس؛ أي لا نقص عن مهر مثيلاتها, ولا شطط؛ أي لا زيادة عن مهر مثيلاتها من النساء كما ذكر ذلك ابن مسعود في الأثر السابق.

(2)

قوله «لأَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- قَضَى فِيْ بَرْوَعَ بِنْتِ وَاشِقٍ، لَمَّا مَاتَ زَوْجُهَا»:

هذا الحديث تم تخريجه وبيان الاستدلال به.
(3)

قوله «وَلَهَا الْمِيْرَاثُ، وَعَلَيْهَا العِدَّةُ»:

أي إذا مات أحد الزوجين فكليهما يرث الآخر، فالرجل يرث المرأة، وكذا المرأة ترث الرجل وذلك إذا مات أحدهما قبل الآخر ولم يكن هناك دخول، وقد سبق الإشارة إلى ذلك كما في أثر ابن مسعود المتقدم، وكذلك يجب على المرأة العدة لقوله=37

الجزء: 6 - الصفحة: 213

وَلَوْ طَالَبَتْهُ قَبْلَ الدُّخُوْلِ أَنْ يَفْرِضَ لَهَا، فَلَهَا ذلِكَ (1)، فَإِنْ فَرَضَ لَهَا مَهْرَ نِسَائِهَا أَوْ أَكْثَرَ، فَلَيْسَ لَهَا غَيْرُهُ، وَكَذلِكَ لَوْ فَرَضَ لَهَا أَقَلَّ مِنْهُ فَرَضِيَتْهُ (2)،  =تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً﴾ (1) والآية عامة في كل من توفى عنها زوجها سواء كانت مدخولاً بها أو غير مدخول بها.
(1) قوله «لَوْ طَالَبَتْهُ قَبْلَ الدُّخُوْلِ أَنْ يَفْرِضَ لَهَا، فَلَهَا ذلِكَ»: أي وإن طالبته المرأة بأن يعين لها صداقاً قبل الدخول بها فلها ذلك لأن المهر واجب في النكاح ومن حقها أن تطالبه به قبل الدخول, فمتى فرض لها شيئاً فرضيت به فهو مهرها ليس لها غيره.

فائدة: القاعدة في مهر المثل

: أنه إذا بطل المسمى فللمرأة مهر المثل.
(2)

قوله «فَإِنْ فَرَضَ لَهَا مَهْرَ نِسَائِهَا أَوْ أَكْثَرَ، فَلَيْسَ لَهَا غَيْرُهُ، وَكَذلِكَ لَوْ فَرَضَ لَهَا أَقَلَّ مِنْهُ فَرَضِيَتْهُ»:

المرأة مع الصداق لها أحوال: الأول: أن يفرض لها مهر نسائها فليس لها غيره لأنه قد فرض لها ما يجب لها ولا يلزمه أكثر من ذلك.
الثاني: أن يفرض لها أكثر من مهر نسائها، فليس لها غيره لما ذكرناه في الحال الذي قبله, ولأنه أعطاها حقها وزيادة.
الثالث: أن يفرض لها أقل من مهر مثلها فترضى به فليس لها غيره لأنها قد رضيت بأقل مما يجب لها وقد أسقطت حقها برضاها فليس لها غير ما سماه لها.38

الجزء: 6 - الصفحة: 214

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =وهنا نلخص ما ذكرناه فيما سبق من الصداق: الأول: الصداق ملك للمرأة ليس لوليها منه شيء, إلا ما سمحت به عن طيب نفس كما قال تعالى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً﴾ 39، ولأبيها خاصة أن يأخذ من صداقها, ولو لم تأذن, ما لا يضرها ولا تحتاج إليه لقوله -صلى الله عليه وسلم-: «أَنْتَ وَمَالُكَ لأَبِيكَ» 40. ثانياً: يبدأ تملك المرأة لصداقها من العقد, كما في البيع ويتقرر كاملاً بالوطء أو الخلوة بها, وبموت أحدهما كما مر بنا، وكما سيأتي إن شاء الله تعالى.
ثالثاً: إذا طلقها قبل الدخول أو الخلوة, وقد سمي لها صداقاً, فلها نصفه لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ وأيهما عفا عن نصيبه لصاحبه صح عفوه لقوله: ﴿إِلاَّ أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾، ثم رغب في العفو فقال تعالى: ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ 41. رابعاً: كل ما قبض بسبب النكاح ككسوة لأبيها أو أخيها فهو من المهر.
خامساً: إذا أصدقها مالاً مغصوباً، أو محرماً صح العقد ووجب لها مهر=

الجزء: 6 - الصفحة: 215

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =المثل بدل الصداق المحرم.
سادساً: إذا عقد النكاح ولم يجعل للمرأة مهراً صح النكاح ويسمى ذلك بالتفويض، وقد سبق بيانه وأحكامه.
سابعاً: للمرأة قبل الدخول أن تمنع نفسها من الزوج حتى تقبض صداقها الحال, لأنها لو سلمت نفسها ثم أرادت الامتناع حتى تقبض صداقها فليس لها ذلك كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
ثامناً: يستحب تسمية الصداق عند العقد, لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يكن يخلى ما يعقده من عقود النكاح من تسميته الصداق كما جاء في حديث: «الْتَمِسْ وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ» 42، وتسميته عند العقد أقطع للنزاع والخلاف بين الزوجين حيث تدخل المرأة في هذه العلاقة على بصيرة بما بذله الزوج مقابل بذلها نفسها, على أن ذلك ليس شرطاً في صحة العقد كما سبق بخلاف من قال بأن العقد لا يصح إلا بتسميته.
والصحيح: أنه لو تم من غير تسمية صح العقد وحدد مقداره لاحقاً، وهذا ما أفتت به اللجنة الدائمة 43. تاسعاً: يجوز تأجيل الصداق كله أو بعضه، فإذا اتفق الزوجان على تحديد جزء من الصداق معجلاً وتحديد الجزء الآخر مؤجلاً يكون ديناً في ذمة الزوج، فإذا كان المؤجل معروف الأجل التزم الزوج ذلك من غير خلاف.

الجزء: 6 - الصفحة: 216

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =أما إذا لم يتم تحديد أجله كأن يكتفيا بتحديد نصف الصداق معجلاً والنصف الآخر مؤجلاً مثلاً ولم يحددوا أجله، فقد اختلف في ذلك الفقهاء في وقت استحقاق المطالبة بالصداق على ثلاثة أقوال: القول الأول: أن هذا المؤخر لا يستحق المطالبة به إلا عند الموت أو حصول الفرقة بين الزوجين، وهذا هو المفتى به عند الحنفية 44 والصحيح من مذهب الحنابلة 45، وهو اختيار شيخ الإسلام 46. القول الثاني: أن للمرأة الحق في المطالبة بالصداق حالاً، وهذا هو ظاهر الرواية عند الحنفية 47، ومذهب الشافعية 48. القول الثالث: أن النكاح يفسخ بذلك قبل البناء، ويثبت بعده بصداق المثل، ويكون حالاً، وهذا هو المشهور من مذهب المالكية 49 والعمل عليه عندهم، كما أنهم يرون أن الصداق إذا أُجل كله أو بعضه إلى ما يزيد عن خمسين سنة فسد النكاح لأن التقدير بذلك مظنة إسقاطه.
والراجح من الأقوال هو القول الأول فلا تكون المطالبة به إلا بموت الزوج أو حصول الفرقة لأنه يتفق مع القياس والنظر وذلك لأن =

الجزء: 6 - الصفحة: 217

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =المطلق من العقود ينصرف إلى العرف، والعادة عند المتعاقدين كما في النقد والسكة والصفة والوزن، والعادة جارية بين الأزواج بترك المطالبة بالصداق إلا بالموت أو الفراق فجرت العادة مجرى الشرط, ولأن عقد النكاح يخالف سائر العقود، ولهذا نافاه التوقيت المشترط في غيره من العقود على المنافع, وإذا ثبت هذا فلا بأس من توثيق الصداق وذلك بالكتابة والإشهاد ونحو ذلك من وسائل التوثيق، وذلك لتكون حجَّة عند الفراق أو الموت 50.

الجزء: 6 - الصفحة: 218

فَصْلٌ فَيْ سُقُوْطِ الْمَهْرِ وَثُبُوْتِهِ

(1) وَكُلُّ فُرْقَةٍ جَاءَتْ مِنَ الْمَرْأَةِ (2)، قَبْلَ الدُّخُوْلِ (3)، كَإِسْلامِهَا (4)، أَوِ ارْتِدَادِهَا (5)، أَوْ إِرْضَاعِهَا أَوْ ارْتِضَاعِهَا (6)،  (1)

قوله «فَصْلٌ فَيْ سُقُوْطِ الْمَهْرِ وَثُبُوْتِهِ»:

أي هذا فصل في بيان الحالات التي يسقط فيها المهر وكذلك الحالات التي يثبت فيها.
فما هي الحالات التي سيستقر فيها المهر والحالات التي يسقط فيها؟ هذا ما سيذكره المؤلف في هذا الفصل.

(2)

قوله «وَكُلُّ فُرْقَةٍ جَاءَتْ مِنَ الْمَرْأَةِ»:

أي إن كانت الفرقة بسبب المرأة بما سيذكره المؤلف.
(3)

قوله «قَبْلَ الدُّخُوْلِ»:

أي يشترط أن تكون الفرقة هنا قبل الدخول لكي يسقط بها مهرها كما سيأتي في كلام المؤلف.
(4)

قوله «كَإِسْلامِهَا»:

كأن يكون الزوجان على غير دين الإسلام ثم تسلم المرأة أو يرتد الزوج وتكون المرأة مسلمة.
(5)

قوله «أَوِ ارْتِدَادِهَا»:

عكس ما سبق أي يبقى الزوج مسلماً وترتد المرأة.
(6)

قوله «أَوْ إِرْضَاعِهَا أَوْ ارْتِضَاعِهَا»:

إرضاعها كأن ترضع من يحرمها على زوجها, مثل أن ترضع زوجته الصغيرة فتحرم عليه لكونها بنته من الرضاع وصارت المرضعة أم ابنته من الرضاعة فتحرم عليه حينئذ, وارتضاعها كأن ترضع هي من زوجته أو أخته، ونحو ذلك فتحرم عليه.

الجزء: 6 - الصفحة: 219

أَوْ فَسْخٍ لِعَيْبِهَا أَوْ فَسْخِهَا لِعَيْبِهِ (1)، وْ إِعْسَارِهِ (2)، أَوْ عِتْقِهَا (3)، يَسْقُطُ بِهِ مَهْرُهَا (4)، وَإِنْ جَاءَتْ مِنَ الزَّوْجِ، كَطَلاقِهِ وَخُلْعِهِ، تَنَصَّفَ بِهِ مَهْرُهَا بَيْنَهُمَا (5)،  (1)

قوله «أَوْ فَسْخٍ لِعَيْبِهَا أَوْ فَسْخِهَا لِعَيْبِهِ»:

سبق أن ذكرنا العيوب التي يحصل به فسخ النكاح, فمتى حصل فسخ بسبب عيب من العيوب التي في المرأة أو العيوب التي كانت به فإنه يسقط مهرها.
(2) قوله «أَوْ إِعْسَارِهِ»: أي حصل له إعسار فلا يستطيع أن ينفق عليها فتطلب منه الطلاق فيفارقها لذلك.

(3)

قوله «أَوْ عِتْقِهَا»:

كأن تعتق المرأة ويبقى زوجها عبداً فتختار الفسخ, فما حكم الفسخ الذي يحصل بسبب هذه الأشياء التي سبقت؟ قال المؤلف.
(4)

قوله «يَسْقُطُ بِهِ مَهْرُهَا»:

أي كل ذلك يسقط به المهر, وخلاصة ما ذكره المؤلف هنا أن كل فرقة جاءت من قبل المرأة قبل الدخول بها بسبب هذه الأشياء المذكورة وغيرها مما تكون المرأة سبباً فيها، كل ذلك يسقط المهر لأنها أتلفت المعوض قبل التسليم فسقط العوض, كما لو أتلفت المبيع قبل تسليمه, أما كون الزوج يفسخ النكاح لعيبها ويسقط المهر فلأنه سبب من جهتها.
(5)

قوله «وَإِنْ جَاءَتْ مِنَ الزَّوْجِ، كَطَلاقِهِ وَخُلْعِهِ، تَنَصَّفَ بِهِ مَهْرُهَا بَيْنَهُمَا»:

أي وإن جاءت الفرقة من قبل الزوج كطلاقه وخلعه لها بحيث يكون الخلع من جهته هو، كأن يطلب أحد أقارب المرأة كأخيها أو أبيها أن يطلقها ويعطيه مالاً في مقابلة ذلك فطلقها, هذا معنى كلامه «وخلعه» =

الجزء: 6 - الصفحة: 220

إِلاَّ أَنْ يَعْفُوَ لَهَا عَنْ نِصْفِهِ أَوْ تَعْفُوَ هِيَ عَنْ حَقِّهَا وَهِيَ رَشِيْدَةٌ (1)،  = وإلا فالمعروف أن الخلع يكون من قبل المرأة وبه تكون الفرقة بسببها فلا يكون لها مهر.
فالحاصل أن الفرقة إن كانت من جهة الزوج كطلاقه أو خلعه أو ردته, وغير ذلك فإن هذه الفرقة لا تسقط المهر بل تنصفه فيكون لها نصف المهر لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ (1). وهل الإسلام يثبت للمخالف له مهراً؟ قولان لأهل العلم: الأول: ثبوت نصفه عليه لأن المخالفة كانت من قبله فيثبت عليه نصف المهر، وهذا هو المذهب (2) , وقول آخر عن الإمام أحمد (3) أنه إذا أسلم فلا مهر عليه لأنه فعل الواجب عليه وحصلت الفرقة بامتناعها من موافقته على الواجب فكان من جهتها.

(1)

قوله «إِلاَّ أَنْ يَعْفُوَ لَهَا عَنْ نِصْفِهِ أَوْ تَعْفُوَ هِيَ عَنْ حَقِّهَا وَهِيَ رَشِيْدَةٌ»:

دليل ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلاَّ أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلا تَنسَوْا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ 54.515253

الجزء: 6 - الصفحة: 221

فيُكْمَلُ الصَّدَاقُ لِلآخَرِ (1)،  =فللمرأة أن تعفو وكذا الرجل, فلكل منهما العفو عن صاحبه فللزوجة أن تقول أنا لا أريد شيئاً منه, وكذا الزوج يقول أنا لا أريد شيئاً منها, لكن بشرط أن يكونا جائزي التصرف، ولذا قال المؤلف «وهي رشيدة»، والضمير على من يعود في قوله تعالى: ﴿لاَّ أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾؟ اختلف الفقهاء في ذلك: فقال بعضهم على الولي، وقال آخرون: يعود على الزوجة والزوج، وهذا هو الصحيح فليس لولي الزوج أن يعفو وليس لولي الزوجة أن يعفو وذلك لأن المهر مال للمرأة فلم يملك غيرها هبته ولا إسقاطه وولي الزوج، كذلك فهو مال وقد دخل في ملكه كالإرث, فليس لأحد أن يتصرف بهبته ولا إسقاطه, ولأنه لا مصلحة له في ذلك, هذا إذا كانت المرأة رشيدة, فإن كانت غير رشيدة هل إذا عفت عن صداقها يصح؟ نقول: إذا كانت المرأة سفيهة وقالت: «خذ نصف مالي»، أو «خذ المهر كاملاً» , فإنه لا يقبل قولها, لأن هذا المال تعلق به حق أبيها وحق الورثة, فالسفيه لا ينفذ تصرفه في المال.

(1)

قوله «فيُكْمَلُ الصَّدَاقُ لِلآخَرِ»:

أي يكمل كل واحد منهما الصداق للآخر إذا عفا عن حقه, فإن عفت هي عن نصفها وقد كانت قد استكملت منه نصف الصداق ردته إليه كاملاً, وإن كانت لم تستلم من صداقها شيء فلا شيء لها، وكذا هو إن عفا عن نصف الصداق أعطاها الصداق كاملاً,=

الجزء: 6 - الصفحة: 222

وَإِنْ جَاءَتْ مِنْ أَجْنَبِيٍّ (1)، وَمَتَى تَنَصَّفَ الْمَهْرُ وَكَانَ مُعَيَّنًا بَاقِيًا لَمْ تَتَغَيَّرْ قِيْمَتُهُ، صَارَ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ (2)،  = وإن كان قد أعطاها نصفه كمَّل لها نصفه الباقي هذا معنى كلامه -رحمه الله-.

(1)

قوله «وَإِنْ جَاءَتْ مِنْ أَجْنَبِيٍّ»:

أي إذا كانت الفرقة بين الزوجين السبب فيها شخص آخر غير الزوجين وكانت هذه الفرقة قبل الدخول فعلى الزوج أن يعطي المرأة نصف المهر ويرجع به على من كان سبباً في التفريق كالوكيل إذا أتلف مال المشتري فإن المال ثابت في ذمة الوكيل, وقد سبق بيان صور لهذه المسألة, كما لو تزوج رجل بامرأة على زوجته فتأتي الزوجة الكبرى لتفسد على زوجها الزوجة الصغرى وكانت صغيرة فتأتي الكبرى فترضع الصغرى لتفسدها عليه, أو تأتي أخته لتفسد عليه الصغرى فترضعها فيصير خالاً لها من الرضاع، فهنا يعطي هذا الرجل نصف مهر هذه المرأة الصغيرة التى لم يدخل بها ويرجع به على من أفسدها عليه لأنه هو الذي تسبب في إفسادها عليه.

(2)

قوله «وَمَتَى تَنَصَّفَ الْمَهْرُ وَكَانَ مُعَيَّنًا بَاقِيًا لَمْ تَتَغَيَّرْ قِيْمَتُهُ، صَارَ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ»:

المراد بقوله «معيناً» الذي لم يثبت في الذمة, كأن يقول لها مهرك قطعة الأرض هذه, أو مهرك هذه السيارة, أو لك هذه الغنم, فهذا معنى قوله «معيناً» , فإذا حصل منها فرقة قبل الدخول وكان ما أمهرها به من المعين لم يتغير لا بزيادة ولا نقصان فإنه يصير بينهما=

الجزء: 6 - الصفحة: 223

وَإِنْ زَادَ زِيَادَةُ مُنْفَصِلَةً، كَغَنَمٍ وَلَدَتْ (1)، فَالزِّيَادَةُ لَهَا وَالغَنَمُ بَيْنَهُمَا (2)، وَإِنْ زَادَ زِيَادَةً مُتَّصِلَةً، مِثْلُ إِنْ سَمِنَتِ الغَنَمُ (3)،  =نصفين، فإن أصدقها مائة صاع من البر ثم حصل فراق بينهما قبل الدخول فلها خمسون صاعاً هذا إذا لم تتغير لا بزيادة ولا نقصان.

(1)

قوله «وَإِنْ زَادَ زِيَادَةُ مُنْفَصِلَةً، كَغَنَمٍ وَلَدَتْ»:

أي إن زاد المهر المعين زيادة منفصلة، وقد سبق معنى الزيادة المنفصلة والمتصلة في باب الغصب، وقلنا بأن الزيادة المتصلة هي التي يمكن انفكاكها كالسِّمن وتعلم الصنعة في العبد, والمنفصلة هي التي تكون منفصلة عن أصلها كولد الغنم، واللبن، وما أشبه ذلك.
(2)

قوله «فَالزِّيَادَةُ لَهَا وَالغَنَمُ بَيْنَهُمَا»:

أي إن أمهرها زوجها مهراً معيناً كغنم فولدت, أو بعيراً فولدت ولداً فإنه يكون للزوجة خاصة, لأنه نماء منفصل، ويكون هذا منذ العقد إلى الطلاق، وما كان بعد الطلاق فهو بينهما جميعاً.
مثال ذلك: لو أصدقها مائة شاة فأنجبت خمسين أخرى ثم حصلت فرقة بينهما قبل الدخول، فنقول: أعطها الخمسين التى نتجت ثم تقسم المائة بينهما له خمسون ولها خمسون.

(3)

قوله «وَإِنْ زَادَ زِيَادَةً مُتَّصِلَةً، مِثْلُ إِنْ سَمِنَتِ الغَنَمُ»:

أي وإن زاد الصداق الذي هو الغنم التي أصدقها إياها زادت زيادة متصلة كأن تسمن الغنم.

الجزء: 6 - الصفحة: 224

خُيِّرَتْ بَيْنَ دَفْعِ نِصْفِهَا زَائِدًا وَبَيْنَ دَفْعِ نِصْفِ قِيْمَتِهَا يَوْمَ العَقْد (1)، وَإِنْ نَقَصَتْ، فَلَهَا الخِيَارُ بَيْنَ أَخْذِ نِصْفِهَا نَاقِصًا وَبَيْنَ أَخْذِ نِصْفِ قِيْمَتِهَا يَوْمَ العَقْدِ (2)،  (1)

قوله «خُيِّرَتْ بَيْنَ دَفْعِ نِصْفِهَا زَائِدًا وَبَيْنَ دَفْعِ نِصْفِ قِيْمَتِهَا يَوْمَ العَقْدِ»:

سبق أن عرفنا الزيادة المتصلة, ف

إذا زاد صداق المرأة زيادة متصلة فلا يخلو من أقسام إذا كان هناك فرقة قبل الزواج

: القسم الأول: هو ما ذكره المؤلف هنا وهو أن يخير المرأة بين دفع نصفها زائداً، فهذا فضل كرم منها له فيجب عليه القبول.
مثال ذلك: أصدقها أربعين شاة فسمنت وكبرت وزادت قيمتها, فلما حصلت فرقة بينهما قالت له أخذت منك أربعين شاه فهذه عشرون لك وعشرون لي مع أن هناك زيادة في نفس الغنم من جهة سمنها وغلو قيمتها.
القسم الثاني: أن تدفع له نصف قيمتها يوم العقد.
مثال ذلك: أن يصدقها غنماً هزيلة فتتغير الغنم وتصبح نشيطة سمينة فتقول الزوجة التي يريد فراقها أعطيتني أربعين شاة هزيلة قيمة الشاه الواحدة ألف ريال يوم العقد فيصير الجميع قيمته أربعون ألف ريال فتعطيه عشرين ألفاً، وهذا معنى كلام المؤلف.

(2)

قوله «وَإِنْ نَقَصَتْ، فَلَهَا الخِيَارُ بَيْنَ أَخْذِ نِصْفِهَا نَاقِصًا وَبَيْنَ أَخْذِ نِصْفِ قِيْمَتِهَا يَوْمَ العَقْدِ»:

هذا تغير بالنقص مثل لو أعطاها أربعين شاة سمينة=

الجزء: 6 - الصفحة: 225

وَإِنْ تَلِفَتْ، فَلَهُ نِصْفُ قِيْمَتِهَا يَوْمَ العَقْدِ (1)،  =كل واحدة منها تساوي ألف ريال, فنقصت عن قيمتها يوم حصول الفرقة فصارت الواحدة قيمتها خمسمائة ريال.
قال المؤلف «فلها الخيار»، وفي بعض النسخ «فله الخيار»، وهذا هو الأظهر والأولى وذلك لأن الخيار يكون للزوج لا للزوجة, فالزوج هو الذي يخير بين أن يأخذ قيمة الغنم يوم العقد, أو أن يأخذ نصفها بعينها إن رضي وهو بذلك أخذ دون حقه, فالحاصل أن الزوج هنا يخير بين أمرين.
الأول: أن ينظر كم تساوي العشرون من الغنم يوم العقد فيعطى قيمتهما.
الثاني: أن يأخذ العشرين منهم دون النظر إلى ما حصل من نقصان لهذه الغنم فيأخذها ناقصة.

(1)

قوله «وَإِنْ تَلِفَتْ، فَلَهُ نِصْفُ قِيْمَتِهَا يَوْمَ العَقْدِ»:

أي وإن تلفت الغنم فأصيبت بمرض ففنيت جميعها وهي في يدها فإننا نقدر قيمتها يوم إبرام العقد بينهما فيعطي نصف القيمة, فلو قدر أن قيمة هذه الغنم يوم العقد خمسون ألفاً فإنها تعطيه خمساً وعشرين ألف ريال.
وقول المؤلف «فلها نصف قيمتها».
الصواب أن يقال: «فله نصف قيمتها»، ولذا جاء في بعض النسخ «فله» بدل «فلها» وذلك لأن الغنم إنما تلفت وهي بيدها فكان الواجب عليها أنا ترد له نصف قيمتها وذلك لتعذر الرجوع في العين فرجع في القيمة، وخلاصة ما ذكر المؤلف, أن المهر له.

الجزء: 6 - الصفحة: 226

وَمَتَى دَخَلَ بِهَا، اسْتَقَرَّ الْمَهْرُ وَلَمْ يَسْقُطْ بِشَيْءٍ (1)، وَإِنْ خَلا بِهَا بَعْدَ العَقْدِ، وَقَالَ لَمْ أَطَأْهَا، وَصَدَّقَتْهُ، اسْتَقَرَّ الْمَهْرُ وَوَجَبَتِ العِدَّةُ (2)،  =أحوال أربع عند الفرقة بين الزوجين قبل الدخول:

الحال الأولى: لم يتغير المهر

.

الحال الثانية: أن يتغير المهر بزيادة

.

الحال الثالثة: أن يتغير بنقص

.

الحال الرابعة: أن يتلف المال

, فهذه الأحوال الأربع للمهر، أما أحكامها فقد سبق بيان ذلك مفصلاً.
(1)

قوله «وَمَتَى دَخَلَ بِهَا، اسْتَقَرَّ الْمَهْرُ وَلَمْ يَسْقُطْ بِشَيْءٍ»:

أي متى دخل الزوج بالزوجة فإن المهر يستقر, فإن دخل بها وقد فرض لها صداقاً فلها صداقها الذي فرضه, وإن دخل بها ولم يسلم لها صداقاً استقر مهر المثل وذلك لأن الدخول يوجب استقرار المسمى, فكذا مهر المثل لاشتراكهما في المعنى الموجب للاستقرار.
(2)

قوله «وَإِنْ خَلا بِهَا بَعْدَ العَقْدِ، وَقَالَ لَمْ أَطَأْهَا، وَصَدَّقَتْهُ، اسْتَقَرَّ الْمَهْرُ وَوَجَبَتِ العِدَّةُ»:

هذا أيضاً مما يستقر به المهر كاملاً, فيتقرر المهر كاملاً بالخلوة، وهذا هو قول أبي حنيفة 55، ومالك 56 في أحد قوليه والشافعي 57، في القديم, وأحمد 58 في أرجح الروايتين عنه.
=

الجزء: 6 - الصفحة: 227

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =والدليل على ثبوت المهر بالخلوة ما ورد عن زرارة بن أوفى قال «قَضَى الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ الْمَهْدِيُّونَ أَنَّهُ إِذَا أَرْخَى السُّتُورَ وَأَغْلَقَ الْبَابَ فَلَهَا الصَّدَاقُ كَامِلاً، وَعَلَيْهَا الْعِدَّةُ، دَخَل بِهَا أَوْ لَمْ يَدْخُل» 59. واستدلوا أيضاً بقول الله تعالى: ﴿وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾ 60 وجه الدلالة من الآية «ما قاله الفراء»، قال: «الإفضاء أن يخلو بها وإن لم يجامعها» 61، وعلى ذلك يكون معنى الخلوة عندهم هي وجود المرأة مع الرجل في مكان لا يمكن أن يطلع عليها فيه أحداً كغرفة أغلقت أبوابها ونوافذها وأرخيت ستورها وإن لم يحصل مع ذلك وطء.
وذهب مالك 62، وهو قول الشافعي 63 في الجديد، وهو رواية في مذهب أحمد 64 أنه لا يستقر المهر بالخلوة فحسب بل لابد من الوطء فإن الله تعالى: ﴿وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾، والإفضاء هو الجماع كما نقل ذلك ابن كثير عن ابن عباس ومجاهد والسدي وغيرهم، واحتجوا أيضاً بقوله تعالى: {وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ=

الجزء: 6 - الصفحة: 228

وَإِنِ اخْتَلَفَ الزَّوْجَانِ فِيْ الصَّدَاقِ أَوْ قَدْرِهِ، فَالقَوْلُ قَوْلُ مَنْ يَدَّعِيْ مَهْرَ المِثْلِ مِنْهُمَا مَعَ يَمِيْنِهِ (1)،  =لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ} (1)، والمسيس في الآية الجماع.
والراجح من القولين: هو ما ذهب إليه أصحاب القول الأول، فمتى حصلت الخلوة التي يمكن معها الاستمتاع فإنه يثبت المهر وتثبت العدة وإن لم يكن هناك وطء، وهذا هو اختيار شيخنا -رحمه الله- (2). وقوله «وإن قال لم أطأها فصدقته»: أي وإن قال الزوج أنه لم يطأها وصدقته في قوله فإن هذا الكلام لا يؤثر في الحكم ما دام أنه قد حصلت خلوة يمكنه فيها الاستمتاع بالمرأة.

  • فائدة: وخلاصة الكلام هنا أن المهر يستقر كاملاً بما يلي: أولاً: الموت أي موت الزوج.
    ثانياً: الدخول بالمرأة يعنى الجماع.
    ثالثاً: أن يستحل منها ما لا يستحله إلا الزوج من التقبيل، أو اللمس، والنظر إلى الفرج، وما أشبه ذلك.
    رابعاً: الخلوة من مميز ممن يطأ مثله بمثله, أي امرأة يوطأ مثلها.

(1)

قوله «وَإِنِ اخْتَلَفَ الزَّوْجَانِ فِيْ الصَّدَاقِ أَوْ قَدْرِهِ، فَالقَوْلُ قَوْلُ مَنْ يَدَّعِيْ مَهْرَ المِثْلِ مِنْهُمَا مَعَ يَمِيْنِهِ»:

بدأ المؤلف هنا في بيان مسائل الخلاف أي إذا حصل خلاف بين الرجل والمرأة في الصداق, والقاعدة في الخلاف أنه=6566

الجزء: 6 - الصفحة: 229

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =يقبل فيها قول من كان الأصل معه, إلا أن يكون الظاهر أقوى من الأصل فيغلب الظاهر, فالأصل في جميع المبيعات, أو الإجارة, أو الصداق, أو الرهن أو غيرها أن يقبل قول من الأصل معه, لكن لابد من اليمين لقوله -صلى الله عليه وسلم- «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْه» 67 وعلى ذلك ننزل كلام المؤلف, فإن قال الزوج أصدقتك مائة فقالت الزوجة بل مائتين, فالقول قول الزوج لأنهما اتفقا على المائة واختلفا في الزائد فمن ادعاه فعليه البينة, وإلا فالزوج يحلف ويعطيها المائة, وهذا أحد الأقوال في المسألة، وفي رواية أخرى في المذهب ما ذكره المؤلف هنا أنه إذا اختلف الزوجان في الصداق أو قدره فالقول قول من يدعي مهر المثل مع يمينه، صورة هذه الرواية التي ذهب إليها المؤلف 68 أن يختلف الزوجان في قدر الصداق فيقول أصدقتك ثلاثين ألف ريال, وقالت بل أربعين ألف ريال, فالقول قول من يدعي مهر المثل منهما مع يمينه, فإن كان مهر مثلها ثلاثين ألفاً فالقول قول الزوج, وإن كان مهر مثلها أربعين فالقول قول الزوجة مع يمينها, وفي رواية أخرى في المذهب أنهما يتحالفان.
وقال شيخ الإسلام 69 -رحمه الله-: «يتخرج لنا قول كقول مالك إن كان =

الجزء: 6 - الصفحة: 230

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =الاختلاف قبل الدخول تحالفا, وإن كان بعده, فالقول قول الزوج».
وقول المؤلف «وإن اختلف الزوجان في الصداق أو قدره»، في الصداق أي عين الصداق هل كان مالاً أو عيناً كسيارة أو بيت, أو أرض, فتقول له الزوجة: «أنت قد جعلت صداقي هذه السيارة»، فقال لها: «بل جعلت صداقك كذا من المال»، فاختلفا في نوع الصداق المسمى بينهم, فلو قال لها: «أصدقتك هذا البيت الذي قيمته عشرون ألفاً»، فقالت له: «بل أصدقني هذا البيت الذي قيمته خمسون ألفاً»، فهنا ينظر ما هو أقرب لمهر المثل, فإن كان مثلها يكون مهرها خمسين ألفاً قضينا لها بهذا البيت الذي تقدر قيمته بخمسين ألفاً مع يمينها, وإن كانت ممن يكون مهر مثلها عشرين ألفاً قضينا لها بهذا البيت الذي تقدر قيمته بعشرين ألفاً مع يمين الزوج.

الجزء: 6 - الصفحة: 231

بابُ عِشْرَةِ النِّسَاءِ

(1) وَعَلى كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الزَّوْجَيْنِ مَعَاشَرَةُ صَاحِبِهِ بِالْمَعْرُوْفِ (2)،  (1)

قوله «بابُ عِشْرَةِ النِّسَاءِ»:

العشرة في اللغة: بالكسر اسم من المعاشرة والتعاشر وهي المخالطة تقول عاشرته معاشرة إذا خالطته مخالطة، واعشروا، وتعاشروا: أي تخالطوا (1). أما في الاصطلاح: فهي ما يكون بين الزوجين من حسن المخالطة والصحبة.

(2)

قوله «وَعَلى كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الزَّوْجَيْنِ مَعَاشَرَةُ صَاحِبِهِ بِالْمَعْرُوْفِ»:

أي يجب على كل من الزوجين أن يحسن العشرة إلى صاحبه بما يقره الشرع والعرف من الصحبة والقيام بحقه، وكف الأَذى دليل ذلك قوله تعالى ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ 71 أي صاحبوهن وعاملوهن بالمعروف فأدوا ما لهن واصبروا على آذاهن وتقصيرهن، وقال تعالى ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ 72، فالحقوق بين الزوجين متبادلة فكما أن على المرأة حقاً لزوجها، فإن لها أيضاً حقاً عليه إلا أن حق الرجل عليها أعظم وأعلى، لأن عليه الرعاية والحماية والكفاية كما قال تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ 73. =70

الجزء: 6 - الصفحة: 232

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =وقد جاءت نصوص السنة كذلك: فعن عمرو بن الأحوص أَنَّهُ شَهِدَ حَجَّةَ الْوَدَاعِ مَعَ رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-، فَحَمِدَ اللَّهَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَذَكَّرَ وَوَعَظَ، ثُمَّ قَالَ «اسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا، فَإِنَّهُنَّ عِنْدَكُمْ عَوَانٍ، لَيْسَ تَمْلِكُونَ مِنْهُنَّ شَيْئًا غَيْرَ ذَلِكَ، إِلاَّ أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ، فَإِنْ فَعَلْنَ, فَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ، وَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً، إِنَّ لَكُمْ مِنْ نِسَائِكُمْ حَقًّا، وَلِنِسَائِكُمْ عَلَيْكُمْ حَقًّا، فَأَمَّا حَقُّكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ، فَلا يُوَطِئْنَ فُرُشَكُمْ مَنْ تَكْرَهُونَ، وَلا يَأْذَنَّ فِي بُيُوتِكُمْ لِمَنْ تَكْرَهُونَ، أَلا وَحَقُّهُنَّ عَلَيْكُمْ أَنْ تُحْسِنُوا إِلَيْهِنَّ فِي كِسْوَتِهِنَّ وَطَعَامِهِنَّ» 74.

  • فائدة: وقول المؤلف «بالمعروف»: يحتمل فيه أمران: الأول: أن المعروف ما عرفه الشارع وأقره.
    الثاني: أن المعروف ما اعتاده الناس وعرفوه.
    والصواب: أن المعروف يشمل المعنيين جميعاً، أي أنه ما عرفه الشارع وأقره، وكذلك ما اعتاده الناس وعرفوه، لكن ينظر ما عرفه الناس فإن كان الناس اعتادوا أمراً محرماً فإنه لا يجوز العمل به ولو كان هذا عادة لأن الشرع لا يقر المحرم، أما الذي سكت عنه الشارع ولم يقره لكن اعتاده الناس فيما بينهم ولم يكن محرماً فيلزم المرأة القيام به لأن العقود الجارية=

الجزء: 6 - الصفحة: 233

مِنْ غَيْرِ مَطْلٍ وَلا إِظْهَارِ الكَرَاهَةِ لِبَذْلِهِ (1)،  =بين الناس تتضمن كل ما يستلزمه هذا العقد شرعاً أو عرفاً، ولذا قال العلامة ابن سعدي في القواعد الفقهية: والعرف معمول به إذا ورد ... حكم من الشرع الشريف لم يحد

(1)

قوله «مِنْ غَيْرِ مَطْلٍ وَلا إِظْهَارِ الكَرَاهَةِ لِبَذْلِهِ»:

المطل: التأخير، وفيه قوله -صلى الله عليه وسلم- «مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ»

الجزء: 6 - الصفحة: 234

وَحَقُّهُ عَلَيْهَا تَسْلِيْمُ نَفْسِهَا إِلَيْهِ (1)، وَطَاعَتُهُ فِيْ الاِسْتِمْتَاعِ مَتَى أَرَادَهُ (2)،  (1)

قوله «وَحَقُّهُ عَلَيْهَا تَسْلِيْمُ نَفْسِهَا إِلَيْهِ»:

أي إذا تم العقد يجب على المرأة تسليم نفسها في بيت الزوج إذا طلبها وكانت حرة يمكن الاستمتاع بها، لأنه بالعقد استحق الاستمتاع بها وذلك لا يحصل إلا بالتسليم، لكن هذا ليس على إطلاقه فلا بد من مراعاة عرف البلد الذي يسكن فيه الزوجان.
فإن كان العرف السائد في بلدتهم أنه لا يتم الاستمتاع بالزوجة إلا بعد دخولها لبيت زوجها وانتقالها إلى بيت الزوجية فلا يجوز له الاستمتاع بها وهي في دار أبيها أو دار وليها، فلربما حملت منه وهي في دار أبيها فيكون في ذلك تهمة، فالحاصل أنه لا بد من مراعاة عرف البلد الذي تسكن فيه المرأة.

(2)

قوله «وَطَاعَتُهُ فِيْ الاِسْتِمْتَاعِ مَتَى أَرَادَهُ»:

أي يجب على المرأة طاعة الزوج بالاستمتاع بها، والاستمتاع معناه: الوطء، لأن المقصود من النكاح الاستمتاع، دليل ذلك حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «إِذَا دَعَا الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ إِلَى فِرَاشِهِ فَأَبَتْ فَبَاتَ غَضْبَانَ عَلَيْهَا لَعَنَتْهَا الْمَلائِكَةُ حَتَّى تُصْبِحَ»، وفي لفظ: «إِذَا بَاتَتِ الْمَرْأَةُ مُهَاجِرَةً فِرَاشَ زَوْجِهَا لَعَنَتْهَا الْمَلائِكَةُ حَتَّى تَرْجِعَ» 77، وعنه أيضاً عن النبي -صلى الله عليه وسلم- «لا يَحِلُّ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَصُومَ وَزَوْجُهَا شَاهِدٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ» 78.

الجزء: 6 - الصفحة: 235

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  - فائدة: هذا في حق الاستمتاع، أما في حق خدمتها لزوجها فهل يجب عليها ذلك؟ نقول لا خلاف بين الفقهاء في مشروعية خدمة الزوجة لزوجها في بيت الزوجية، ونقل بعض العلماء الإجماع على ذلك، لكن اختلف الفقهاء هل يجب ذلك عليها أم لا على قولين: القول الأول: أن خدمة الزوجة لزوجها ليست بواجبة عليها، لكن الأولى لها خدمته بما جرت به العادة به، وهذا هو قول الجمهور 79، وحجتهم في ذلك أن المعقود عليه هو الاستمتاع بها فلا يلزمها ما سواه، ويؤيده قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيّاً كَبِيراً﴾ 80. القول الثاني: أن المرأة يجب عليها خدمة زوجها، وهذا هو قول الحنفية 81، وجمهور المالكية 82، وبعض الحنابلة 83، لكن اختلفوا فيما تكون الخدمة: فالحنفية على أن الخدمة واجبة ديانة ولا يجوز لها أن تأخذ من زوجها أجراً على خدمتها له، ويستدلون على ذلك بأن النبي -صلى الله عليه وسلم- قسم الخدمة بين علي وفاطمة رضي الله عنهما، فجعل عمل الداخل على فاطمة، =

الجزء: 6 - الصفحة: 236

مَا لَمْ يَكُنْ لَهَا عُذْرٌ (1)،  = وعمل الخارج على علي -رضي الله عنه-.
أما جمهور المالكية فيقيدون ذلك بخدمة المثل في الأعمال الباطنة التي جرت العادة بقيام الزوجة بمثلها كالعجين والكنس والفرش، واستقاء الماء ونحو ذلك.
واستدلوا على ذلك بقوله تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ (1)، وقد جرى عرف المسلمين في بلدانهم على ذلك.
والراجح من الأقوال: هو ما ذهب إليه المالكية، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- (2)، أي يجب على المرأة خدمة زوجها بالمعروف من مثلها لمثله، ويختلف ذلك باختلاف الأحوال.
وهذا ما أفتت به اللجنة الدائمة (3) حيث نصت على أن الواجب في ذلك يختلف باختلاف طبقات الناس، وما جرى به من عرفهم وعاداتهم.

(1)

قوله «مَا لَمْ يَكُنْ لَهَا عُذْرٌ»:

أي ما لم يكن لها عذر يمنعها من الحق الواجب عليها من الاستمتاع وغيره مثل الحيض والنفاس, والصيام الواجب وأداء الصلاة المفروضة, والاحترام بالحج, والمرض ونحو ذلك, والخلاصة أن الرجل له الاستمتاع بالمرأة ما لم يكن هناك عذر=848586

الجزء: 6 - الصفحة: 237

وَإِذَا فَعَلَتْ ذلِكَ (1)، فَلَهَا عَلَيْهِ قَدْرُ كِفَايَتِهَا مِنَ النَّفَقَةِ (2)،  =شرعي يمنعه من ذلك أو كان يلحقها ضرر حال الاستمتاع بها, وكذا يسقط عنها حق خدمته إذا كان فيه مانع من مرض أو سفر أو نحو ذلك فهنا يسقط الواجب عنها لهذه الأعذار.

(1)

قوله «وَإِذَا فَعَلَتْ ذلِكَ»:

أي سلمت نفسها له ومكنت زوجها من الاستمتاع بها وكذالك قامت بأداء الحق الواجب عليها من الخدمة فلا بد لها من المكافأة على ذلك، ولذا قال المؤلف.
(2)

قوله «فَلَهَا عَلَيْهِ قَدْرُ كِفَايَتِهَا مِنَ النَّفَقَةِ»:

أي متى فعلت المرأة من تسليمها نفسها له ومكنته من الاستمتاع بها فإنه يجب عليه النفقة, والمعتبر في هذه النفقة الكفاية بالمعروف لقوله تعالى: ﴿لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾ (1)، وكما سيأتي في حديث امرأة أبي سفيان، وقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالْمَعْرُوفِ» (2)، أي مما يقره الشرع والعرف من غير إسراف ولا تقتير.
قال الحافظ ابن حجر في الفتح في شرحه لهذا الحديث: «المراد بالمعروف: القدر الذي عرف بالعادة أنه الكفاية» (3).

و

هل المعتبر في النفقة حال الزوج أو حال الزوجة؟

نقول اختلف في ذلك الفقهاء على ثلاثة أقوال:878889

الجزء: 6 - الصفحة: 238

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =القول الأول: أن الاعتبار في ذلك بحال الزوجة, وهذا مذهب المالكية 90 وقول عند الشافعية 91، جمهور الحنفية 92 في الرواية المعتمدة، واستدلوا على ذلك بقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ 93، وجه الدلالة من الآية: أن الله تعالى سوى بين النفقة والكسوة قدر حالها فكذلك النفقة، ولحديث هند بنت عتبة رضي الله عنها المتقدم، فاعتبر النبي -صلى الله عليه وسلم- كفايتها دون حال زوجها, ولأن نفقتها حاجتها فكان الاعتبار بما تندفع به حاجتها دون حال من وجبت عليه كنفقة المماليك, ولأنه واجب للمرأة على زوجها بحكم الزوجية لم يقدر فكان معتبراً بها كمهرها وكسوتها.
القول الثاني: أن الاعتبار في تقدير النفقة بحال الزوج في اليسار والإعسار، وهذا هو المشهور من مذهب الشافعية 94، وظاهر الرواية عند الحنفية 95، واستدلوا على ذلك بقوله تعالى: ﴿لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ مَا آتَاهَا﴾ 96.

الجزء: 6 - الصفحة: 239

وَالكِسْوَةِ وَالمَسْكَنِ، بِمَا جَرَتْ بِهِ عَادَةُ أَمْثَالِهَا (1)،  =فهذه الآية نص صريح في اعتبار النفقة بحال الزوجين فيجب العمل به.
القول الثالث: أن الاعتبار بحالهما معاً, أي بحال الزوجية أي كل على حسب حاله، فإن كان أحدهما معسراً والآخر غنياً فإن النفقة تكون ما بين ذلك حسب العرف، وهذا هو قول الحنابلة (1)، قال ابن قدامة في المغني: «وفيه جمع بين الأدلة وعمل بها ورعاية لكلا الجانبين».
قلت: والصواب من هذه الأقوال أن المعتبر في النفقة عند التنازع حال الزوج, لقوة الأدلة فالآية صريحة في ذلك أعنى قوله تعالى: ﴿لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾، فهي دالة دلالة واضحة على أن المعتبر في النفقة هو حال الزوج لأنه هو المخاطب بالآية, فإن كان الزوج غنياً أُلزم بنفقة غني, وإن كان فقيراً أُلزم بنفقة فقير, ولم يلزم بنفقة غني ولا نفقة متوسط حتى لو كانت هي غنية، وهذا هو اختيار شيخنا -رحمه الله- (2).

فائدة: في وقت وجوب النفقة

: يجب على الزوج دفع نفقة الزوجة إليها في صدر نهار كل يوم إذا طلعت الشمس, لأنه أول وقت الحاجة فإن اتفقا على تأخيرها أو تعجيل نفقة عام أو شهر أو لأقل من ذلك جاز لأن الحق لا يعدوهما كالدين.
(1)

قوله «وَالكِسْوَةِ وَالمَسْكَنِ، بِمَا جَرَتْ بِهِ عَادَةُ أَمْثَالِهَا»:

أي ويجب عليه كذلك الكسوة والمسكن للزوجة وذلك لعموم قوله تعالى: {لِيُنفِقْ ذُو=9798

الجزء: 6 - الصفحة: 240

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ}، والكسوة تدخل في عموم الإنفاق المأمور به في الآية, وجاء أيضاً أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال في خطبته يوم عرفة: «اتَّقُوا اللَّهَ فِى النِّسَاءِ فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ اللَّهِ وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللَّهِ وَإِنَّ لَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ فَإِنْ فَعَلْنَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ» (1).

لكن ما هو

حد الكسوة التي يؤمر بها الزوج

؟ نقول: بأن الكسوة تكون على قدر ما يطيقه المأمور به, أي على قدر يساره وإعساره, وعلى قدر الكفاية لها وعلى قدر حالها وما يكسى مثلها في مثل ذلك البلد، فالحاصل أن الكسوة التى تكفيها تكون بما يتناسب مع حال الزوج من جهة الفقر والغنى من الثياب، والأحذية، والخمار، وغيرها من الألبسة الداخلية والخارجية.
فإن كان الزوج موسراً أنفق عليها في الكسوة مثل ما ينفقه على امرأة موسرة, وإن كان فقيراً فإنه ينفق عليها في الكسوة ما ينفق على امرأة فقيرة، وهكذا كما قلنا في النفقة في الإطعام، ويكون ذلك كله بما جرت به عادة أمثالها.
وما قاله العلماء بأن يكون ثياب البلد من الكتان، والحرير، والإبريسم، وأقله قميص، وسراويل، وغير ذلك نقول هذا بناء على لباسهم.99

الجزء: 6 - الصفحة: 241

وَالمَسْكَنِ (1)، بِمَا جَرَتْ بِهِ عَادَةُ أَمْثَالِهَا (2)، فَإِنْ مَنَعَهَا ذلِكَ أَوْ بَعْضَهُ (3)، وَقَدَرَتْ لَهُ عَلى مَالٍ، أَخَذَ مِنْهُ قَدْرَ كِفَايَتِهَا وَوَلَدِهَا بِالْمَعْرُوْفِ (4)،  - فائدة: ذهب بعض الفقهاء إلى أن الكسوة تكون أول السنة: فإذا دخل العام كساها، والمراد بالعام في قولهم أي أول عام حصل فيه الزواج, وذلك لأنه أول وقت الحاجة, فيعطيها كسوة سنة.
والصواب في هذه المسألة: أن الكسوة تابعة للحاجة، أي تابعة لحاجتها لها والعرف, فمتى كانت الكسوة باقية لا يلزمه شيء ولو بعد عام, ومتى بليت وجبت ولو قبل أن ينقضي العام.

(1)

قوله «وَالمَسْكَنِ»:

أي وكذلك يجب عليه المسكن، وحكمه حكم النفقة والكسوة كما سبق.
(2)

قوله «بِمَا جَرَتْ بِهِ عَادَةُ أَمْثَالِهَا»:

أي بما جرت به عادة أمثالها في بلدها على قدر الميسرة من غير إسراف ولا إقتار, وهذا هو أحد القولين في المسألة, والصواب كما سبق أن المسكن للزوجة يكون بقدر كفايتها وبحسب حال الزوج كما سبق الإشارة إلى ذلك.
(3)

قوله «فَإِنْ مَنَعَهَا ذلِكَ أَوْ بَعْضَهُ»:

أي إذا منعها ما تم ذكره من النفقة والكسوة والمسكن ولم يعطها حقها من ذلك كله أو أنقصها شيئاً من ذلك.
(4) قوله «وَقَدَرَتْ لَهُ عَلى مَالٍ، أَخَذَتْ مِنْهُ قَدْرَ كِفَايَتِهَا وَوَلَدِهَا بِالْمَعْرُوْفِ»: أي إن المرأة إن كان زوجها موسراً وماطل في النفقة لها أن تأخذ نفقتها ونفقة أولادها بل ونفقة خادمها إن كان لها خادم، لكن تأخذ ذلك بالمعروف من غير إذنه ولا علمه، كما سيأتي في حديث هند بنت عتبة رضي الله عنها.

الجزء: 6 - الصفحة: 242

لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ لِهِنْدٍ حِيْنَ قَالَتْ لَهُ: إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ شَحِيْحٌ وَلَيْسَ يُعْطِيْنِيْ مِنَ النَّفَقَةِ مَا يَكْفِيْنِيْ وَوَلَدِيْ، فَقَالَ: «خُذِيْ مَا يَكْفِيْكِ وَوَلَدَكِ بِالْمَعْرُوْفِ» 100،  (1)

قوله «لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ لِهِنْدٍ حِيْنَ قَالَتْ لَهُ: إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ شَحِيْحٌ وَلَيْسَ يُعْطِيْنِيْ مِنَ النَّفَقَةِ مَا يَكْفِيْنِيْ وَوَلَدِيْ، فَقَالَ: «خُذِيْ مَا يَكْفِيْكِ وَوَلَدَكِ بِالْمَعْرُوْفِ» (1)»: هذا الحديث عمدة في باب النفقات، وفيه فوائد منها: 1 - أن الأمر في الحديث للإباحة بدليل قوله -صلى الله عليه وسلم- في الرواية الأخرى: «لا حَرَجَ عَلَيْكِ أَنْ تُطْعِمِيهِمْ بِالْمَعْرُوفِ».
2 - المراد بالمعروف في الحديث القدر الذي عرف بالعادة أنه الكفاية.
3 - جواز ذكر الإنسان بما لا يعجبه إذا كان على وجه الاستفتاء والاشتكاء ونحو ذلك، وهو أحد المواضع التي تباح فيها الغيبة.
4 - فيه جواز استماع كلام أحد الخصمين في غيبة الآخر.
5 - فيه أن من نسب إلى نفسه أمراً عليه فيه غصاصة فليقرنه بما يقيم عذره في ذلك.
6 - فيه جواز سماع الأجنبية عند الحكم والإفتاء عند من يقول إن صوتها عورة، ويقول جاز هنا للضرورة.
7 - فيه وجوب نفقة الزوجة وإنها مقدرة بالكفاية وهو قول أكثر العلماء.

الجزء: 6 - الصفحة: 243

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  8 - فيه وجوب النفقة على الأولاد.
9 - فيه وجوب نفقة خادم المرأة على الرجل لأنه من تمام النفقة فيها عليها 10 - وفيه أن من له عند غيره حق وهو عاجز عن استيفائه جاز له أن يأخذ من ماله قدر حقه من غير إذنه، وهو قول الشافعي 101، وجماعة وتسمى مسألة الظفر، والراجح عندهم أنه لا يأخذ من غير جنس حقه إلا بقدر جنس حقه.
وعن أبي حنيفة 102 المنع, وعنه يأخذ جنس حقه ولا يأخذ من غير جنس حقه إلا أحد النقدين بدل الآخر.
وعن مالك 103 ثلاث روايات كهذه الآراء.
وعن الإمام أحمد 104 المنع مطلقاً, وهو الصواب لعموم قوله -صلى الله عليه وسلم- «أَدِّ الأَمَانَةَ إِلَى مَنِ ائْتَمَنَكَ، وَلا تَخُنْ مَنْ خَانَكَ» 105. 11 - فيه اعتماد العرف في الأمور التى لا تحديد فيها من قبل الشرع.

الجزء: 6 - الصفحة: 244

وَإِنْ لَمْ تَقْدِرْ عَلى الأَخْذِ لِعُسْرَتِهِ، أَوْ مَنَعَهَا، فاخْتَارَتْ فِرَاقَهُ، فَرَّقَ الحَاكِمُ بَيْنَهُمَا، سَوَاءٌ كَانَ الزَّوْجُ كَبِيْرًا أَوْ صَغِيْرًا (1)،  (1)

قوله «وَإِنْ لَمْ تَقْدِرْ عَلى الأَخْذِ لِعُسْرَتِهِ، أَوْ مَنَعَهَا، فاخْتَارَتْ فِرَاقَهُ، فَرَّقَ الحَاكِمُ بَيْنَهُمَا، سَوَاءٌ كَانَ الزَّوْجُ كَبِيْرًا أَوْ صَغِيْرًا»:

أي فإن لم تقدر المرأة على أخذ النفقة وذلك إما لعسرته أي صار معسراً لا يستطيع النفقة عليها تريد أن تأخذ وليس عنده شيء, أو حبس المال عنها فلا تستطيع أن تأخذ ذلك أو منعها، فهنا يجوز له أن تطلب الفراق لقوله تعالى: ﴿فَإمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ (1) والفرقة هنا فسخ, لأن الزوج منعها من حقها فعليها أن تطلب الفسخ ف

لو امتنع الزوج من طلاقها فهل يطلقها الحاكم؟

الجواب: نقول لا بل يقوم الحاكم بفسخ العقد ولا يكون طلاقاً بل يكون فسخاً، والفرق بينهما واضح، فإن الحاكم لو طلقها لكان لها عدة المطلقة على الخلاف كما سيأتي، وحسبت عليه طلقة، ويبقى لها طلقتان بخلاف ما لو فسخ الحاكم هذا العقد فلها أن ترجع إليه بما شاءت لأنه فسخ وليس بطلاق.

ذكر بعض الفوائد

:

  • الفائدة الأولى: الأخذ من مال الغير حيث كان له فيه حق, لا يخلو هذا الحق إما أن يكون ظاهراً أو خفياً, فإذا كان الحق ظاهراً فله أن يأخذه=106

الجزء: 6 - الصفحة: 245

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =وإن لم يعلمه، وإن كان خفياً فليس له أن يأخذه إلا بإذنه وعلمه, فلو أن رجلاً له دين عند آخر ثم وضع المدين عند الدائن أمانة وكان قد كتم دينه أو ماطل فيه, فليس له أن يأخذ من المال الذي ائتمنه، أي ليس له أن يأخذ حقه منه وذلك لأن السبب خفي وليس بظاهر، وكذلك ما يفعله بعض الناس من الأخذ من بيت المال، فيأخذ على سبيل الخفية فهذا لا يجوز, وهذه المسألة يسميها الفقهاء الظفر بالحق، وقد سبق ذكرها والخلاف فيها.

- الفائدة الثانية: إذا مضى زمن على الزوج ولم ينفق على المرأة، فهل تسقط النفقة أم لا؟

الصحيح أنها لا تسقط بمضى الزمان، وهذا هو قول جمهور أهل العلم.

- الفائدة الثالثة: إذا اختلف الزوج والزوجة في النفقة

, فقال الزوج أنا أعطيتها النفقة، وقالت لم يعطيني شيئاً، ولا بينة لأحدهما, نقول اختلف الفقهاء في هذه المسألة.
والراجح: أن القول قول الزوج إذا شهد له العرف, لأن دلالة الظاهر أعني ظاهر المال أقوى من دلالة الأصل وذلك لشهادة العرف لها, فدلالة الظاهر أنه حين شكت المرأة زوجها بأنه لا ينفق عليها فما تطعمه وأجرة مسكنها وغير ذلك من الزوج وهذا ظاهر فتعارض الظاهر مع الأصل فقدم الظاهر عليه.
وقول المؤلف «فَرَّقَ الحَاكِمُ بَيْنَهُمَا»: وذلك لأن كل موضع وجب لها=

الجزء: 6 - الصفحة: 246

وَإِنْ كَانَتْ صَغِيْرَةً لا يُمْكِنُ الاِسْتِمْتَاعُ بِهَا، أَوْ لَمْ تُسَلِّمْ إِلَيْهِ، أَوْ لَمْ تُطِعْهُ فِيْمَا يَجِبُ لَهُ عَلَيْهَا، أَوْ سَافَرَتْ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، أَوْ بِإِذْنِهِ فِيْ حَاجَتِهَا، فَلا نَفَقَةَ لَهَا عَلَيْهِ (1)،  =الفسخ لأجل النفقة لم يجر إلا بحكم حاكم لأنه فسخ مختلف فيه فافتقر إلى الحاكم كالفسخ بالعنة, ولا يجوز له الفسخ إلا إذا طلبت المرأة ذلك لأنه لحقها, فلم يجز من غير طلبها كالفسخ للعنة.
وهل هو فسخ أو طلاق؟ ذكرنا الخلاف في ذلك قريباً، وقلنا بأن الصواب أنه فسخ وليس بطلاق.

(1)

قوله «وَإِنْ كَانَتْ صَغِيْرَةً لا يُمْكِنُ الاِسْتِمْتَاعُ بِهَا، أَوْ لَمْ تُسَلِّمْ إِلَيْهِ، أَوْ لَمْ تُطِعْهُ فِيْمَا يَجِبُ لَهُ عَلَيْهَا، أَوْ سَافَرَتْ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، أَوْ بِإِذْنِهِ فِيْ حَاجَتِهَا، فَلا نَفَقَةَ لَهَا عَلَيْهِ»:

ذكر المؤلف هنا بعض الأمور التي تسقط فيها النفقة على المرأة ومنها: 1 - أن تكون الزوجة صغيرة لا يمكن الاستمتاع بها, لأن النفقة إنما تكون من أجل الاستمتاع ولم يوجد هنا لصغر المرأة.
2 - إذا لم تُسلَّم المرأة إليه، أي لم يسلم أولياء الزوجة الزوجة إلى الزوج, أو هي نفسها امتنعت من تسليم نفسها إليه, فلا نفقة لها خلال هذه المدة التي لم يتمكن من الاستمتاع بها فيها, لأن النفقة إنما تجب بالاستمتاع ولم يوجد.
3 - إذا لم تطعه فيما يجب عليها, فهنا أيضاً لا نفقة لها عليه, فمتى=

الجزء: 6 - الصفحة: 247

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =امتنعت الزوجة عن أداء الحق الواجب عليها كأن ترفض الانتقال إلى منزله, أو ترفض السفر معه, وهي لم تشترط البقاء في منزلها, أو منعته من حق الاستمتاع بها, أو غير ذلك من الحقوق التي سبق ذكرها فلا نفقة لها عليه.
4 - أن تسافر بغير إذنه, فليس لها حق النفقة, لأن النفقة كما سبق في مقابل الاستمتاع وقد حالت بسفرها بينها وبينه بسفرها المحرم, ولمعصيتها له بذلك.
5 - أن يسافر لحاجتها هي بإذنه, وقد اختلف الفقهاء في هذه المسألة هل تسقط النفقة بذلك أم لا تسقط؟ وذلك لأن الزوج هو الذي أسقط حقه في الاستمتاع، وهو الأظهر عندي أن لها النفقة إذا سافرت بإذنه.

فائدة: النفقة تجب لأجل ثلاثة أشياء

: 1 - لأجل النكاح.
2 - لأجل القرابة.
3 - لأجل الملك.
وسيأتي إن شاء الله بيان ذلك مفصلاً.

الجزء: 6 - الصفحة: 248

فَصْلٌ: حَقُّ الزَّوْجَةِ فِي الْمَبِيْتِ وَحُكْمُ اِلإِيْلاءِ

(1) وَلَهَا عَلَيْهِ الْمَبِيْتُ عِنْدَهَا لَيْلَةً مِنْ كُلِّ أَرْبَعٍ إِنْ كَانَتْ حُرَّةً (2)،  (1)

قوله «فَصْلٌ: حَقُّ الزَّوْجَةِ فِي الْمَبِيْتِ وَحُكْمُ اِلإِيْلاءِ»:

أي هذا فصل في بيان حق الزوجة من البيتوتة، وكذا حكم الإيلاء، وسيأتي تعريف الإيلاء إن شاء الله تعالى.
(2)

قوله «وَلَهَا عَلَيْهِ الْمَبِيْتُ عِنْدَهَا لَيْلَةً مِنْ كُلِّ أَرْبَعٍ إِنْ كَانَتْ حُرَّةً»:

وجه ذلك أن الزوج لا يجوز له أن يتزوج أكثر من أربع نساء ويجب عليه أن يعدل بينهن, وإن عدل بينهن فسوف يكون لها ليلة من أربع ليال, وهذا هو قضاء كعب بن سوار فقد روى عبد الرزاق وغيره «أَنَّهُ كَانَ جَالِسًا عِنْدَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَجَاءَتِ امْرَأَةٌ فَقَالَتْ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مَا رَأَيْتُ رَجُلاً قَطُّ أَفْضَل مِنْ زَوْجِي، وَاللَّهِ إِنَّهُ لَيَبِيتُ لَيْلَهُ قَائِمًا وَيَظَل نَهَارَهُ صَائِمًا، فَاسْتَغْفَرَ لَهَا وَأَثْنَى عَلَيْهَا، وَاسْتَحْيَتِ الْمَرْأَةُ وَقَامَتْ رَاجِعَةً فَقَال: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ هَلاَّ أَعْدَيْتَ الْمَرْأَةَ عَلَى زَوْجِهَا؟ فَقَال: مَا ذَاكَ؟ فَقَال: إِنَّهَا جَاءَتْ تَشْكُوهُ إِذَا كَانَ هَذَا حَالُهُ فِي الْعِبَادَةِ مَتَى يَتَفَرَّغُ لَهَا؟ فَبَعَثَ عُمَرُ إِلَى زَوْجِهَا وَقَال لِكَعْبٍ اقْضِ بَيْنَهُمَا؛ فَإِنَّكَ فَهِمْتَ مِنْ أَمْرِهِمَا مَا لَمْ أَفْهَمْهُ، قَال: فَإِنِّي أَرَى أَنَّهَا امْرَأَةٌ عَلَيْهَا ثَلاثُ نِسْوَةٍ وَهِيَ رَابِعَتُهُنَّ فَاقْضِ لَهُ بِثَلاثَةِ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهِنَّ يَتَعَبَّدُ فِيهِنَّ وَلَهَا يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ» 107. ووجه الدلالة منه أن أمير المؤمنين أقر كعب بن سوار على قضائه للمرأة=

الجزء: 6 - الصفحة: 249

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =وهذا أحد الأقوال في المسألة.
وذهب شيخ الإسلام 108 إلى أن حال الإنفراد ليس كحال الاجتماع, فمن معه امرأة واحدة يلزمه أن يبيت عندها إلا إذا تراضيا، أو كان معذوراً، وهذا هو الأقرب والأولى في المعاشرة.
وقال بعض أهل العلم: أن الواجب على الزوج أن يبيت عندها بالمعروف, فيجب عليه أن يبيت عندها بما جرت به العادة, قال شيخنا -رحمه الله- 109: «والظاهر أن ما جرت به العادة يكون مقارباً لما قضى به كعب ابن سوار عند التشاح والتنازع, أما في المشورة والإرشاد والنصح فإنه يشار على الزوج فيقال إن هذه زوجتك ولا ينبغي أن تهجرها لأن الله تعالى قال: ﴿وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾ 110، أما مع عدم خوف النشوز فلا ينبغي أن تهجر ولا ليلة إلا إذا جرى العرف بذلك، وهذا هو الصواب» 111. قلت: هذا إذا كانت المرأة منفردة، أما لو كان معها ضرة, فإنه يجب عليه أن يعدل بينهن لقوله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾، وقوله تعالى ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ 112، وسيأتي=

الجزء: 6 - الصفحة: 250

وَمِنْ كُلِّ ثَمَانٍ إِنْ كَانَتْ أَمَةً، إَذا لَمْ يَكُنْ لَهُ عُذْر (1)، وَإِصَابَتُهَا مَرَّةً فِيْ كُلِّ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ عُذْرٌ (2)،  = إن شاء الله تعالى بيان ذلك.
وقول المؤلف «إِنْ كَانَتْ حُرَّةً» سواء كانت هذه الحرة كتابية أو مسلمة فيجب عليه العدل بينهن في المبيت لأن العدل لحق الزواج لا لحق الديانة.

- فائدة: إذا كان للزوج عذر كسفر وعمل ونحوه

فيسقط عنه هذا الحكم لكونه معذوراً.

- فائدة: إذا كان الزوج يعمل ليلاً ولا يتمكن من العمل نهاراً

كالحارس أو الجندي فإنه يلزمه المبيت معها نهاراً.
(1)

قوله «وَمِنْ كُلِّ ثَمَانٍ إِنْ كَانَتْ أَمَةً، إَذا لَمْ يَكُنْ لَهُ عُذْر»:

ويتوجه ذلك إذا كان له ثلاث حرائر وواحدة أمة، فإنه يعطي لكل واحدة من الحرائر ليلتين، فيصبح مجموع ليالي الحرائر ست ليال يتفرغ فيها للعبادة أو العمل، وليلة للأمة لأنها على النصف من الحرائر، وقد روي عن علي -رضي الله عنه- أنه قال: «إِذَا تَزَوَّج الْحُرَّةَ عَلَى الأَمَةِ قَسَمَ لِلأَمَةِ الثُّلُثَ وَلِلْحُرَّةِ الثُّلُثَيْنِ» (1). (2)

قوله «وَإِصَابَتُهَا مَرَّةً فِيْ كُلِّ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ عُذْرٌ»:

أي وجب عليه أن يجامعها في كل أربعة أشهر مرة على الأقل إذا لم يكن المانع من ذلك عذر كمرضه، أو سجنه، أو سفره، أو نحو ذلك، =113

الجزء: 6 - الصفحة: 251

فَإِنْ آلىَ مِنْهَا أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ 114،  =واستدل على ذلك بأن الله تعالى قدّر الإيلاء بأربعة أشهر، فكذلك يجب الجماع في هذه الفترة على غير المولى.
وذهب شيخ الإسلام -رحمه الله- (1) إلى أن وجوب الوطء بقدر كفايتها ما لم ينهك بدنه، أو يشغله عن معيشة من غير تقدير بمدة، قال شيخنا -رحمه الله- 115 «والصواب: أن يطأها بالمعروف, ويفرق بين الشابة والعجوز، فتوطأ كل منهما بما يشبع رغبتها».
قلت: وهذا هو الصواب عندي.
(1) قوله «فَإِنْ آلىَ مِنْهَا أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ»: شرع المؤلف في حكم الإيلاء, والإيلاء في اللغة: معناه الحلف مطلقاً سواء كان على ترك قربان الزوجة أو على شيء آخر.
وفي الشرع: هو حلف زوج بالله تعالى أو صفة من صفاته على ترك وطء زوجته في قبلها أكثر من أربعة أشهر.
فقولهم «حلف زوج» خرج به غير الزوج، فإنه لا يكون يمينه إيلاءً ولا يصح منه، فلو قال: والله لا أجامع هذه المرأة «التي ليست بزوجة له» مدة سنة ثم عقد عليها فلا يكون يمينه إيلاء, لأنه حين قال ذلك لم تكن زوجة له.
وقولهم أيضاً «زوجاً» فإنه لا يكون زوجاً حتى يكون العقد صحيحاً، =

الجزء: 6 - الصفحة: 252

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =وقد سبق متى يكون العقد صحيحاً.
وقولهم «بالله تعالى» سواء باسم الجلالة «الله»، أو بغيره، كالعزيز، أو الحكيم، ونحو ذلك من أسمائه تعالى, وكذلك إذا حلف بصفة من صفاته تعالى كأن يقول «وعزة الله»، «وقدرة الله» لا أجامع زوجتي لمدة سنة.

وهل يحصل الإيلاء بما كان له حكم اليمين،

كأن يقول لله عليّ نذر أن لا أطأ زوجتي, أو قال حرام عليّ أن أطأ زوجتي؟ نقول: هذا محل خلاف، والصواب أن كل ما كان له حكم اليمين فإنه يحصل به الإيلاء, فإذا قال: لله عليّ نذر ألا أجامع زوجتي، فهو إيلاء لأن الله تعالى سمى التحريم يميناً كما في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ * قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ 116، وهذا هو اختيار شيخنا -رحمه الله- 117. وقولهم «على ترك وطء زوجته» خرج بذلك المباشرة بغير الوطء, فلو حلف فقال: والله لا أباشر زوجتي لمدة ستة أشهر ونيته المباشرة دون الفرج فليس بإيلاء، فلابد أن يحلف على ترك الوطء.
وقولهم «أكثر من أربعة أشهر» ظاهر كلامهم أنه لا يسمى إيلاءً إلا إذا كان أكثر من أربعة أشهر, فإذا كان ثلاثة أشهر فليس بإيلاء، وقال=

الجزء: 6 - الصفحة: 253

فَتَرَبَّصَتْ أَرْبَعَةَ أَشْهُر (1)،  =شيخنا -رحمه الله- إنه إيلاء لقوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ (1)، فأثبت الله تعالى الإيلاء, لكن جعل له مدة, فإذا تجاوز هذه المدة فإنه يؤمر بالوطء أو الطلاق، فإن قال: والله لا أجامع زوجتي ثلاثة أشهر, فإنه مول لأنه حلف أنه لا يجامعها, فإذا تمت المدة انحلت اليمين.

(1)

قوله «فَتَرَبَّصَتْ أَرْبَعَةَ أَشْهُر»:

أي انتظرت هذه الفترة التى قال فيها وهي الأربعة أشهر، فما كان دونها فهذا جائز إذا كان فيه مصلحة, كتأديب الزوجة ونحو ذلك.

  • فائدة: كان الرجل في الجاهلية إذا غضب من زوجته حلف أن لا يطأها السنة والسنتين, أو لا يطأها أبداً، ويمضي في يمينه من غير لوم ولا حرج, وقد تقضي المرأة عمرها كالمعلقة, فلا هي زوجته تتمتع بحقوق الزوجة، ولا هي مطلقة تستطيع أن تتزوج برجل آخر, فيغنيها الله من سعته, فلما جاء الإسلام أنصف المرأة، ووضع للإيلاء أحكاماً خففت من أضراره, وحدد للمولى أربعة أشهر, وألزمه إما بالرجوع إلى معاشرة زوجته, وإما بالطلاق عليه.
  • فائدة: يترتب على ما ذكرناه سابقاً أن شروط الإيلاء خمسة: الأول: أن يكون الحلف باسم من أسماء الله، أو صفه من صفاته.
    الثاني: أن يكون الزوج مكلفاً, فلا يصح الإيلاء من زوج مجنون, أو=118

الجزء: 6 - الصفحة: 254

ثُمَّ رَافَعَتْهُ إِلى الحَاكِمِ، فَأَنْكَرَ الإِيْلاء (1)، أَوْ مُضِيَّ الأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ (2)، أَوِ ادَّعَى أَنَّهُ أَصَابَهَا وَكَانَتْ ثَيِّباً (3)،  =مغمى عليه لعدم القصد.
الثالث: أن يكون المحلوف عليها زوجته, سواء كانت مدخولاً بها أو غير مدخول لقوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ (1). الرابع: أن يحلف على ترك الوطء في الفرج, فإن حلف على غير الفرج كأن يحلف على الدبر مثلاً فإنه لا يكون إيلاء.
الخامس: أن لا يكون أكثر من أربعة أشهر، وقد سبق الإشارة إلى ذلك.

(1)

قوله «ثُمَّ رَافَعَتْهُ إِلى الحَاكِمِ، فَأَنْكَرَ الإِيْلاء»:

أي إن ادعت الزوجة الإيلاء وأنكر ذلك الزوج ورفعت أمرها إلى القاضي فإنه يقدم قول الزوج كما سيأتي لأن الأصل عدم الإيلاء.
(2)

قوله «أَوْ مُضِيَّ الأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ»:

أي أو أنكر الزوج مضى مدة الإيلاء وهي الأربعة أشهر والمرأة تدعي انقضاءها فإنه يقدم قول الرجل لأن الأصل بقاء النكاح, والمرأة تدعي رفعه, فدعواه توافق الأصل.
(3)

قوله «أَوِ ادَّعَى أَنَّهُ أَصَابَهَا وَكَانَتْ ثَيِّباً»:

هذه هي آخر الأحوال التي ترفع فيها أمرها إلى الحاكم: فالأولى: أن ينكر الإيلاء.
الثانية: أن ينكر أنه مضى عليه أربعة أشهر.119

الجزء: 6 - الصفحة: 255

فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِيْنِهِ (1)، وَإِنْ أَقَرَّ بِذلِكَ (2)،  الثالثة: أن يدعى أنه أصابها أي وطأها وكانت ثيباً, فالقول قوله لأن الوطء في هذه الحال أمر خفي لا يعلم إلا من جهته إلا إن وجدت قرينة تدل على كذبه, مثل أن تكون المرأة عند أهلها طول مدة الإيلاء.

(1)

قوله «فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِيْنِهِ»:

أي فالقول قول الزوج؛ لأن الأصل بقاء النكاح كما سبق، لكن لابد من اليمين لاحتمال أن يكون قول المرأة صحيحاً، وهذا هو الصواب.
وفي رواية أخرى في المذهب (1) أنه يقدم قوله بلا يمين لأنه لا يقضى فيه بالنكول, والأول هو الراجح أي عند التنازع، القول قول الرجل مع يمينه, فإن أبي أن يحلف قضى عليه بالنكول فيحكم عليه بالطلاق, فإن أبي أن يطلق طلق القاضي.
لكن يستثنى من ذلك إذا كانت هناك قرينة تدل على كذبه كما سبق مثل أن تكون المرأة عند أهلها ويدعي عليها ذلك لأن القرينة تكذبه.

- فائدة: إذا كانت المرأة بكراً أو ادعت البكارة وشهد بذلك امرأة عدل بأن بكارتها لم تزل،

فالقول قولها لأن الظاهر معها، فالبكارة لا تبقى مع الجماع.
(2)

قوله «وَإِنْ أَقَرَّ بِذلِكَ»:

أي إن أقر بما ادعت عليه المرأة من الإيلاء، وأنه مضى على إيلائه أربعة أشهر وأنه كذلك لم يجامعها خلال هذه الفترة إذا أقر بذلك فما الحكم؟ قال المؤلف.120

الجزء: 6 - الصفحة: 256

أُمِرَ بِالفَيْئَةِ، وَهِيَ الجِمَاعُ، فَإِنْ فَاءَ، فَإِنَّ اللهَ غَفُوْرٌ رَحِيْمٌ (1)،  (1)

قوله «أُمِرَ بِالفَيْئَةِ، وَهِيَ الجِمَاعُ، فَإِنْ فَاءَ، فَإِنَّ اللهَ غَفُوْرٌ رَحِيْمٌ»:

أي إن أقر بما سبق ذكره فإنه يلزم بواحد من اثنين: الأول: هو ما ذكره المؤلف هنا أن يؤمر بالجماع، ومعنى «فاء» في الآية أي رجعوا إليهن بالجماع، فإن كان الزوج معذوراً كأن يكون مريضاً، أو مسافراً، أو سجيناً فيكفي في ذلك أن يفيء بلسانه أو قلبه، دليل ذلك ما ذكره المؤلف قوله تعالى: ﴿فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ 121، فإن قَبَّلها أو وطأ دون الفرج فإنه لا يعد رجوعاً ولا فيئاً، فالواجب عليه أن يطأ لأن هذا هو المقصود بالفيئة.

  • فائدة: ختم الله تعالى آية الفيئة بقوله: ﴿فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ 122، وختم آية الطلاق بقوله: ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ 123، فيه إشارة إلى أن الفيئة أحب إليه من الطلاق وذلك ترغيباً منه سبحانه وتعالى على أن تعود الأسرة إلى ما كانت عليه قبل، وأن يعفوا بعضهم عن بعض، وهذا هو السر في ختمه سبحانه وتعالى الآية بهذين الاسمين: ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، أما في الطلاق فقد ختمها ﴿فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾، لما فيها من نوع تهديد وذلك إذا كان في نيته عضل المرأة والإضرار بها.

الجزء: 6 - الصفحة: 257

وَإِنْ لَمْ يَفِئْ، أُمِرَ بِالطَّلاقِ (1)، فَإِنْ طَلَّقَ، وَإِلاَّ طَلَّقَ الحَاكِمُ عَلَيْهِ (2)،  (1)

قوله «وَإِنْ لَمْ يَفِئْ، أُمِرَ بِالطَّلاقِ»:

أي وإن لم يراجعها بالجماع وانقضت المدة التي ضربها الشارع له وهي أربعة أشهر ألزم الزوج بالطلاق كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (1)، ومعنى: ﴿عَزَمُوا الطَّلاقَ﴾، نفذوا الطلاق فإن الله سميع بقولهم عليم بما تُكنه صدورهم من الإضرار أو عضل المرأة.
(2)

قوله «فَإِنْ طَلَّقَ، وَإِلاَّ طَلَّقَ الحَاكِمُ عَلَيْهِ»:

أي فإن أبى أن يفيء وأن يطلق طلق الحاكم عليه, و

هل بانتهاء المدة ينقضي عقد الزوجية؟

الصواب: أن مضي المدة فيه إقرار على بقاء الزوجية فمضي المدة ليس طلاق كما ذهب إلى ذلك بعض الفقهاء.
وهل إذا طلق الحاكم يكون طلاقه بائناً أم رجعياً؟ نقول اختلف في ذلك الفقهاء: القول الأول: إذا فرّق الحاكم بينهما فإنه يكون طلاقاً رجعياً، وهذا عليه جمهور أهل العلم 125. القول الثاني: أنه إذا طلق الحاكم أو القاضي عليه فإن الطلاق يكون بائناً لأنه طلاق شرع لرفع الضرر عن المرأة فأشبهت فرقة العُنَّة، فالعنين يكون الفسخ في حقه بينونة فكذلك الطلاق هنا يكون في حكم البينونة.
والأول هو الأظهر عندي، أي إنما يكون طلاقاً رجعياً، وهذا إحدى=124

الجزء: 6 - الصفحة: 258

ثُمَّ إِنْ رَاجَعَهَا (1)، أَوْ تَرَكَهَا حَتَّى بَانَتْ، ثُمَّ تَزَوَّجَهَا (2)، وَقَدْ بَقِيَ أَكْثَرُ مِنْ مُدَّةِ الإِيْلاءَ (3)، وُقِفَ لَهَا كَمَا وَصَفَتْ (4)،  =الروايتين في المذهب (1)، وهو اختيار شيخنا -رحمه الله- (2).

(1)

قوله «ثُمَّ إِنْ رَاجَعَهَا»:

أي إن طلقها الحاكم ثم راجعها الزوج لكون الطلاق طلاقاً رجعياً.
(2)

قوله «أَوْ تَرَكَهَا حَتَّى بَانَتْ، ثُمَّ تَزَوَّجَهَا»:

هذه هي الحال الثانية، وهي أن يطلقها ولم يراجعها حتى أمضت ثلاثة قروء ثم جاز له ولها أن تتزوج زوجاً غيره فعقد عليها بمهر جديد وتزوجها.
(3)

قوله «وَقَدْ بَقِيَ أَكْثَرُ مِنْ مُدَّةِ الإِيْلاءَ»:

أي وقد بقى من مدة يمين هذا الزوج أكثر من مدة الإيلاء وهي أربعة أشهر وعشرا.
مثاله: حلف على زوجته أن لا يطأها سنة كاملة، فأمهل أربعة أشهر، فأمر بالإيفاء فأبى، ثم أمر بالطلاق فطلق، أو طلق الحاكم عليه ثم راجعها، فيكون ما بقي من مدة إيلائه السابقة ثمانية أشهر، وهي أكثر من مدة الإيلاء التي هي أربعة أشهر.

(4)

قوله «وُقِفَ لَهَا كَمَا وَصَفَتْ»:

أي حبس لها كما سبق أربعة أشهر، فإن فاء وإلا أمر بالطلاق، أو يطلق عليه الحاكم لأنه ممتنع من جماع زوجته بيمين في حال نكاحها فثبت له حكم الإيلاء كما لو لم يطلق.
=126127

الجزء: 6 - الصفحة: 259

وَمَنْ عَجَزَ عَنِ الفَيْئَةِ عِنْدَ طَلَبِهَا (1)، فَلْيَقُلْ: مَتَى قَدَرْتُ جَامَعْتُهَا (2)،  =فالحاصل أنه إذا طلق الحاكم عليه فإن راجعها في نفس المدة ووطئها فلا إشكال لأنه فاء في هذه الحالة، وإن تركها حتى بانت ثم عقد عليها وتزوجها ولكن بقي من مدة الإيلاء فهنا يوقف الأمر كما سبق ويؤمر بالفيئة.
فإن فاء وإلا طلق عليه مرة ثانية كما قال تعالى: ﴿فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (1).

(1)

قوله «وَمَنْ عَجَزَ عَنِ الفَيْئَةِ عِنْدَ طَلَبِهَا»:

أي ومن عجز عن الفيئة وهي الجماع عند طلبها منه كأن يكون العجز شرعياً مثل أن يكون مريضاً، أو أن تكون المرأة حائضاً، أو كانت نفساء، فإنه يقول عند عجزه عن الفيئة ما ذكره المؤلف.
(2)

قوله «فَلْيَقُلْ: مَتَى قَدَرْتُ جَامَعْتُهَا»:

أي إن عجز عن القيام بفعل الجماع فإنه يجزئه الإتيان لذلك بلسانه ويؤخر حتى يقدر عليها، لأن القصد من الفيئة ترك ما قصده من الإضرار بالإيلاء، واعتذاره يدل على ترك الإضرار.

  • فائدة: متى حلف الرجل على زوجته بالإيلاء فإنه ينبني على الفيء بالفعل انحلال الإيلاء، ولزوم مقتضى اليمين لأنه بالجماع يتحقق الحنث، واليمين لا يبقى بعد الحنث، إذ الحنث يقتضي نقض اليمين، والنهي لا يبقى مع وجود ما يناقضه.128

الجزء: 6 - الصفحة: 260

وَيُؤَخَّرُ حَتَّى يَقْدِرُ عَلَيْهَا (1)،  مثال ذلك: إذا قال لزوجته والله، أو قال لها: وعزة الله لا أطأك خمسة أشهر، فإنه بنهاية الأربع يؤمر على الإيفاء, فإن حصلت الفيئة لزمه معها كفارة اليمين لحصول الحنث بالفيئة.

(1)

قوله «وَيُؤَخَّرُ حَتَّى يَقْدِرُ عَلَيْهَا»:

أي يؤخر لحين زوال عجزه الذي حصل له عند طلب الفيئة من الزوجة.

  • فائدة: شروط مطالبة الزوجة لزوجها بالحضور: أولاً: أن يزيد السفر عن ستة أشهر، فإن كان نصف سنة فأقل فليس لها حق المطالبة.
    ثانياً: أن تطلب قدومه، فإن لم تطلب قدومه فلا يلزمه حتى لو بقى سنتين، أو ثلاثاً، أو أربعاً, بشرط أن يكون آمناً عليها.
    ثالثاً: أن يقدر على الرجوع إليها, فإن عجز فلا يلزمه.
    رابعاً: أن لا يكون لطلب رزق يحتاجه, أو في أمر واجب كحجٍ وغزوٍ.
  • فائدة: ذكرنا فيما سبق أنه إذا سافر الزوج فوق نصف سنة وطلبت الزوجة قدومه لزمه ذلك إلا في سفر حج واجب، أو غزو واجب، أو كان لا يقدر على القدوم, فإن أبى القدوم من غير عذر يمنعه وطلبت الزوجة التفريق بينهما فرق بينهما الحاكم بعد مراسلته لأنه ترك حقاً عليه تتضرر الزوجة بتركه، وهذا يقتضي الفسخ.
    وهنا ننبه على أمر يخص الوافدين من المغتربين للعمل وطلب الرزق، =

الجزء: 6 - الصفحة: 261

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =فمن كانت زوجته راضية ووافقت على المدة لا يسوغ أن تضطره للعودة وترك العمل, لكن من حقها ألا يجدد العقد إلا برضاها، ووصيتي لمن حصل له ذلك أن يسترضي زوجته ويطيب خاطرها حتى ترضى لأن الأمر يعنيها.

الجزء: 6 - الصفحة: 262

بَابُ القَسْمِ وَالنُّشُوْزِ

(1) وَعَلى الرَّجُلِ أَنْ يُسَاوِيَ بَيْنَ نِسَائِهِ فِيْ القَسْمِ (2)،  (1)

قوله «بابُ القَسْمِ وَالنُّشُوْزِ»:

القَسْم: بفتح القاف وسكون السين، ولغة الفرز والتفريق.
يقال: قسمت الشيء قسماً فرزته أجزاءً.
والقِسْم: بكسر القاف وسكون السين، الاسم ثم أطلق على الحصة والنصيب.
أما في الاصطلاح: قال البهوتي: «هو توزيع الزمان على زوجاته إن كن ثنتين فأكثر» (1). أما النشوز ففي اللغة: مأخوذ من النشز، وهو المكان المرتفع كالنشاز والنشز.
يقال: نشزت المرأة أي عصت زوجها وامتنعت عليه أو خرجت عليه وأبغضته.
والنشوز يكون من الزوجين وهو كراهية كل واحد منهما لصاحبه، يقال نشز عليها زوجها إذا ضربها وجفاها.
أما في الاصطلاح: فهو خروج المرأة عن الطاعة الواجبة للزوج، وسيأتي إن شاء الله بيان الأحكام المتعلقة به.

(2)

قوله «وَعَلى الرَّجُلِ أَنْ يُسَاوِيَ بَيْنَ نِسَائِهِ فِيْ القَسْمِ»:

أي يجب على الرجل إن كان له أكثر من زوجة أن يساوى بينهن في القسم وهو المبيت لأن ذلك من المعاشرة بالمعروف التى أمر الله بها بقوله تعالى: =129

الجزء: 6 - الصفحة: 263

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  = ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (1)، وليس مع عدم التسوية في القسم بين الزوجات معاشرة لهن بالمعروف.
وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «مَنْ كَانَتْ لَهُ امْرَأَتَانِ فَمَالَ إِلَى إِحْدَاهُمَا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَشِقُّهُ مَائِلٌ» (2).

فائدة: هل يجب على الزوج العدل بين زوجاته في النفقة والكسوة؟

الجواب: اختلف الفقهاء في هذه المسألة: فالمالكية 132، والشافعية 133، والحنابلة 134 إلى أنه لا يجب عليه التسوية بينهن في النفقة والكسوة إذا قام بالواجب لكل واحدة منهن, لكن الأولى له أن يساوي بينهن في ذلك لأنه أبلغ في العدل، هذا ما قاله الشافعية، والحنابلة، وذلك لأن التسوية بينهن في النفقة والكسوة يشق.
وذهب الحنفية 135، واختاره شيخ الإسلام 136 إلى وجوب التسوية بينهن في النفقة لقوله تعالى: {فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ =130131

الجزء: 6 - الصفحة: 264

وَعِمَادُهُ اللَّيْلُ (1)،  = وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلاَّ تَعُولُوا} (1)، فندب الله تعالى إلى نكاح الواحدة عند خوف ترك العدل في الزيادة عليها.
وإنما يخاف من ترك الواجب فدل على أن العدل بين الزوجات في القسم والنفقة واجب ولعموم قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ﴾ (2). قال شيخنا -رحمه الله-: «والصواب أنه يجب أن يعدل بين زوجاته في كل شيء لقوله -صلى الله عليه وسلم-: «من كان له امرأتان فمال إلى إحداهما جاء يوم القيامة وشقه مائل» (3)».
قلت: وهذا هو الصواب؛ فيجب على الزوج أن يسوى بين زوجاته في النفقة والكسوة بل في كل شيء قدر استطاعته.
لكن لو اشترى لإحداهن شيئاً موجوداً عند الأخرى فلا يلزمه أن يشتري لها كأختها لوجوده عندها لأن ذلك يشق وفي إيجاب القيام به حرج.

(1)

قوله «وَعِمَادُهُ اللَّيْلُ»:

أي عماد القسم الأصل فيه الليل لأن الإنسان يأوي إلى منزله ليلاً ويسكن فيه مع أهله وينام على فراشه مع زوجته عادة في الليل، وهكذا كما قال تعالى: {وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاساً * وَجَعَلْنَا=137138139

الجزء: 6 - الصفحة: 265

فَيَقْسِمُ لِلأَمَةِ لَيْلَةً، وَلِلْحُرَّةِ لَيْلَتَيْنِ (1)، وَإِنْ كَانَتْ كِتَابِيَّةً (2)،  =النَّهَارَ مَعَاشاً} (1)، لكن لو قيد ذلك بأن قال: «وعماده الليل لمن كان معاشه بالنهار والعكس بالعكس»، لكان أولى, لكن المؤلف مشى مع الغالب، فإن غالب الناس معاشهم نهاراً وسكونهم ليلاً, أما من كان معاشه في الليل دون النهار، فعماد القسم في حقه النهار، كالحارس الذي يحرس ليلاً، وفي النهار يتفرغ لبيته.

(1)

قوله «فَيَقْسِمُ لِلأَمَةِ لَيْلَةً، وَلِلْحُرَّةِ لَيْلَتَيْنِ»:

أي إن كان من زوجاته حرائر وإماء فإنه يقسم لزوجاته الحرة ليلتين, والأمة ليلة, وبهذا قال على ابن أبي طالب، وسعيد بن المسيب، ومسروق، والشافعي، والحنفية (2). وذهب مالك (3)، واختاره شيخنا -رحمه الله- (4) أنه يجب أن يسوي بين الحرة والأمة في القسم لأنهما سواء في حقوق النكاح من النفقة والسكني وقسم الابتداء فكذلك هنا.

(2)

قوله «وَإِنْ كَانَتْ كِتَابِيَّةً»:

أي يجب على الزوج العدل في القسم بين نسائه, ولو كانت أحدى نسائه كتابية, لأن هذا العدل حق للزوجية وليس حقاً للديانة قال ابن المنذر: «أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن القسم بين المسلمة والذمية سواء» 144.140141142143

الجزء: 6 - الصفحة: 266

وَلَيْسَ عَلَيْهِ الْمُسَاوَاةُ بَيْنَهُنَّ فِيْ الوَطْءِ (1)،  - فائدة: الأصل في المساواة أن يقسم بين نسائه ليلة ليلة, لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- إنما قسم ليلة ليلة, ولأن التسوية واجبة, فإذا بات عند واحدة ليلة, تعينت الليلة الثانية للأخرى، فإن أحب الزيادة على ذلك لم يجز إلا برضاهن.

  • فائدة: يجوز للزوج أن يأتي إلى نسائه في بيوتهن أو غرفهن في غير نوبتهن إذا كان لحاجة يريدها.

(1)

قوله «وَلَيْسَ عَلَيْهِ الْمُسَاوَاةُ بَيْنَهُنَّ فِيْ الوَطْءِ»:

أي لا يجب عليه المساواة بينهن في الوطء وذلك لأن العدل الواجب في القسم يكون فيما يملكه الزوج ويقدر عليه من البيتوتة والتأنيس ونحو ذلك, أما ما لا يملكه الزوج ولا يقدر عليه كالوطء ودواعيه, وكالميل القلبي والمحبة فإنه لا يجب على الزوج العدل بين الزوجات في ذلك, لأنه بنى على النشاط أو دواعيه والشهوة وهو ما لا يملك توجيهه ولا يقدر عليه، قال ابن عباس في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾ 145، يعني في الحب والجماع، وروى أبو داود والنسائي عن عائشة رضي الله عنها أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يقسم ويعدل بين نسائه ثم يقول: «اللَّهُمَّ هَذَا قَسْمِي فِيمَا أَمْلِكُ فَلا تَلُمْنِى فِيمَا تَمْلِكُ وَلا أَمْلِكُ» 146.

الجزء: 6 - الصفحة: 267

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =لكن يستحب للزوج أن يسوي بين الزوجات في جميع الاستمتاعات من الوطء, والقبلة ونحوها لأنه أكمل في العدل بينهن، وهذا ما ذهب إليه جمهور الفقهاء 147. وذهب مالك 148 إلى أن الزوج يترك في الوطء لطبيعته في كل حال إلا لقصد الإضرار لإحدى الزوجات بعدم الوطء سواء تضررت بالفعل أو لا ككفه عن وطئها مع ميل طبعه إليه وهو عندها لتتوفر لذته لزوجته الأخرى فيجب عليه ترك الكف لأنه إضرار لا يحل، قال شيخنا -رحمه الله- 149 «وقال بعض العلماء: بل يجب عليه أن يساوي بينهن في الوطء إذا قدر, وهذا هو الصحيح والعلة تقتضيه لأننا ما دمنا عللنا بأنه لا يجب العدل في الوطء بأن ذلك أمر لا يمكنه العدل فيه, فإذا أمكنه زالت العلة, وبقي الحكم على العدل».
قلت: والأظهر عندي هو ما ذهب إليه الجمهور، أي أنه لا يجب عليه أن يسوى بين زوجاته في الوطء, قال في المبدع: «وليس عليه التسوية بينهن في الوطء بل يستحب، لا نعلم خلافاً أنه لا يجب التسوية بينهن في الجماع لأن طريقه الشهوة والميل، وإن قلبه قد يميل إلى إحداهن قال تعالى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾ 150، =

الجزء: 6 - الصفحة: 268

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =وكالتسوية بين دوابه وكالنفقة والكسوة والسكنى إذا قام بالواجب عليه نصاً، قال الشيخ تقي الدين يقسم في النفقة والكسوة ونصه لا بأس، وقال في الجماع: لا ينبغي أن يدعه عمداً يبقى لنفسه لتلك ليلة وليلة، وقال القاضي وغيره: أو ثلاثاً ثلاثاً» 151. قال تعالى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾، وقد سبق تفسير ابن عباس لها، قال: «الحب والجماع»، ولأن الجماع موقوف على المحبة والميل القلبي, ولا سبيل إلى التسوية في ذلك لكن تستحب التسوية ما أمكن, لأنه أبلغ في العدل، قال ابن القيم -رحمه الله- «إن ترك الجماع لعدم الداعي إليه من المحبة والانتشار فهو معذور, وإن وجد الداعي إليه ولكنه إلى الضُّرة أقرب فليس بمعذور وعليه أن يعدل» 152.

  • فائدة: إذا قام الزوج بالواجب من النفقة والكسوة لكل واحدة منهن من زوجاته, فهل يجوز له بعد ذلك أن يفضل إحداهن على الأخرى في غير ذلك كالهبة, والعطية والهدية وغير ذلك أم يجب عليه أن يسوى بينهن فيما زاد على غير الواجب؟ نقول اختلف الفقهاء في هذه المسألة: فذهب الجمهور 153 إلى أنه لا حرج على الزوج في ذلك إن أقام لكل=

الجزء: 6 - الصفحة: 269

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =واحدة منهن ما يجب لها, فلا حرج أن يوسَّع على من شاء منهن بما شاء, قيل للإمام أحمد 154 الرجل له امرأتان قال: «له أن يفضل إحداهما على الأخرى في النفقة والكسوة إذا كانت الأخرى كفاية ويشتري لهذه أرفع ثياب من هذه وتكون تلك في الكفاية لأن التسوية في هذا يشق، فلو وجب لم يمكنه القيام به إلا بحرج فسقط وجوبه»، لكن قالوا الأولى أن يسوى بين زوجاته في ذلك، وعللوا لذلك بالخروج من الخلاف فيمن أوجبه.
وذهب الحنفية 155 إلى وجوب التسوية في النفقة بين الزوجات.
قال شيخنا -رحمه الله- 156: «والصواب أنه يجب أن يعدل بين زوجاته في كل شيء يقدر عليه لقوله -صلى الله عليه وسلم-: «مَنْ كَانَ لَهُ امْرَأَتَانِ يَمِيلُ لِإِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَحَدُ شِقَّيْهِ مَائِلٌ» 157، جاء في فتاوى اللجنة الدائمة ما يلي: «يجب على الزوج العدل بين زوجاته، والنفقة، والكسوة، والمسكن، والقسم، والهدايا، وغير ذلك من الأمور الظاهرة, ولا يجوز أن يعطي واحدة ويمنع الأخرى إلا برضاها وعفوها عن حقها» 158.

الجزء: 6 - الصفحة: 270

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

- فائدة: هل يلزم أن يساوى بينهن في الحيض والنفاس وغير ذلك مما يكون مانعاً للوطء؟

الجواب: أنه يلزمه العدل في ذلك كله, لأن الأصل كما سبق أن الواجب عليه العدل في المبيت، والنفقة، والكسوة، ولا يلزم من المبيت حصول الوطء كما سبق, لكن يحصل الإيناس والاجتماع, والمرأة لا تحب أن ترى الزوجة الأخرى متفوقة عليها.
ثم إن بعض النساء يطول بها الحيض حتى يصل إلى ثلاثة عشر يوماً وإحداهن قد تحيض يومين أو ثلاثة، ومبيتة عند من لا يطول عليها الحيض يمنع الأخرى من الإيناس والاجتماع بزوجها.
قلت: لكن مع القول بذلك فإن اتفقت الزوجات على أن لا يقسم للحائض هل يجوز؟ نقول: إما إن ضرب مدة معلومة يتساوى فيها الجميع فيقول سأقسم للحائض ما لم يجاوز خمسة أيام مثلاً فهذا يجوز, أما أن يتفقا على أنه في الحيض لا يأتي لإحداهن فهذا قد يحصل فيه شيء في النفوس لأن بعض النساء تحيض أقل من الأخرى, وحتى على اعتبار أنهم رضوا في أول الأمر لكن سوف لا يرضوا في النهاية, ولذا نقول لا ينبغي للزوج أن يفعل ذلك، لكن لو ضرب مدة قريبة تتناسب مع حيضهن جميعهن فلا يأس.

الجزء: 6 - الصفحة: 271

وَلَيْسَ لَهُ البَدَاءَةُ فِيْ القَسْمِ بِإِحْدَاهُنَّ، وَلا السَّفَرُ بِهَا إِلاَّ بِقُرْعَةٍ (1)، فَإِنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- كَانَ إِذَا أَرَادَ سَفَرًا، أَقْرَعَ بَيْنَ نِسَائِهِ فَأَيَّتُهُنَّ خَرَجَ سَهْمُهَا، خَرَجَ بِهَا مَعَهُ (2)،  (1)

قوله «وَلَيْسَ لَهُ البَدَاءَةُ فِيْ القَسْمِ بِإِحْدَاهُنَّ، وَلا السَّفَرُ بِهَا إِلاَّ بِقُرْعَةٍ»:

أي ليس له البداءة بإحدى الزوجات في القسم, وكذا إذا أراد سفراً فإنه لا يجوز له البداءة بإحداهن إلا بالقرعة, لأن البداءة بها تفضيل لها والتسوية واجبة لهن جميعاً لأنهن متساويات في الحق ولا يمكن الجمع بينهن فوجب المصير إلى القرعة, ولأن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يفعله كما في حديث عائشة الذي سيذكره المؤلف.
(2)

قوله «فَإِنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- كَانَ إِذَا أَرَادَ سَفَرًا، أَقْرَعَ بَيْنَ نِسَائِهِ فَأَيَّتُهُنَّ خَرَجَ سَهْمُهَا، خَرَجَ بِهَا مَعَهُ»

الجزء: 6 - الصفحة: 272

وَلِلْمَرْأَةِ أَنْ تَهِبَ حَقَّهَا مِنَ القَسْمِ لِبَعْضِ ضَرَائِرِهَا بِإِذْنِ زَوْجِهَا (1)،  =إحدى الروايات لهذا الحديث عن عائشة أنها قالت: «كان إذا خرج سهم غيري عرف فيه الكراهة» (1). 3 - احتج بعض الفقهاء على عدم اعتبار القرعة بأن بعض النسوة قد تكون أنفع في السفر من غيرها، فلو خرجت القرعة للتي لا نفع بها في السفر لأضر بحال الرجل وكذا بالعكس قد يكون بعض النساء أقوم ببيت الرجل من الأخرى.
قال القرطبي: «ينبغي أن يختلف ذلك باختلاف أحوال النساء وتختص مشروعية القرعة بما إذا اتفقت أحوالهن لئلا تخرج واحدة معه فيكون ترجيحاً بغير مرجح» (2). قلت: والراجح أنه يقرع بين نسائه كلهن لا يخص إحداهن بالقرعة دون الأخرى, وذلك لحديث عائشة المتقدم فإنه يدل على عموم القرعة بينهن ولم تخص إحداهن بها دون الأخرى, ومن وقعت عليها القرعة لا تجبر على السفر مع الزوج بل هي بالخيار.

(1)

قوله «وَلِلْمَرْأَةِ أَنْ تَهِبَ حَقَّهَا مِنَ القَسْمِ لِبَعْضِ ضَرَائِرِهَا بِإِذْنِ زَوْجِهَا»:

المرأة أحياناً ترى زهداً وعدم رغبة من الزوج فيها، فتخاف بأن يطلقها فتهب نوبتها إلى زوجها ليرى فيمن يجعلها في نسائه، أو هي تهديها لمن شاءت منهن, ولا شك أنها ستهبها لمن تعلم أن زوجها يميل إليها كما=161162

الجزء: 6 - الصفحة: 273

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =فعلت سودة رضي الله عنها حيث وهبت نوبتها لعائشة لعلمها بفضلها عند رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، لكن هذا لا يكون إلا بشرطين: الأول: أن يكون هذا برغبة من الزوجة فلا يكرهها الزوج عليه.
الثاني: أن يكون برضا الزوج لأن هذا حق لهما جميعاً فلابد من رضاه, فإن قالت: «وهبت نوبتي لفلانة»، وهو لا يريدها فلا يلزم الزوج قبول ذلك وله أن يقول: «إما أن تجعليها لي وأنا أحدد من أجعلها له أو تجعليها في فلانة» , فإن كانت الزوجة لا تريده أن يصرفه إلى إحداهن فلا يجوز له أن يصرفه إليها إلا برغبة من الزوجة، وهذا معنى ما ذكرناه من الشرطين، فالحاصل أن للمرأة في هبتها قسمها طريقين: الأول: أن تهبه إلى إحدى نسائه وتعينها له كما فعلت أُم المؤمنين سودة رضي الله عنها.
الطريق الثاني: أن تجعلها لزوجها فتقول له: «يومي لك أصرفه كما تشاء»، فله أن يصرفه كما شاء.

  • فائدة: متى رجعت الزوجة في الهبة عاد حقها إليها في المستقبل, لأن ذلك هبة لم تقبض, أما الماضي فليس لها الرجوع فيه, لأنها هبة اتصل بها القبض.
    وعلى هذا إذا رجعت في أثناء ليلتها لزم الزوج الانتقال, وإن لم يعلم حتى أتم الليلة لم يقض لها شيئاً لأن التفريط منها.

الجزء: 6 - الصفحة: 274

وَإِذَا عَرَّسَ عَلى بِكْرٍ، أَقَامَ عِنْدَهَا سَبْعًا، ثُمَّ دَارَ (1)، وَإِنْ عَرَّسَ عَلى ثَيِّبٍ أَقَامَ عِنْدَهَا ثَلاثاً (2)،  (1)

قوله «وَإِذَا عَرَّسَ عَلى بِكْرٍ، أَقَامَ عِنْدَهَا سَبْعًا، ثُمَّ دَارَ»:

الرجل إما أن يتزوج بكراً أو ثيباً, فإن تزوج بكراً وكان تحته نسوة أخرى غيرها فإنه يقيم عند البكر سبع ليال عند دخوله بها ثم يقسم بينهن جميعاً, فيكون الليلة الثامنة عند الزوجة الأولى, دليل ذلك حديث أنس -رضي الله عنه- «السُّنَّةُ إِذَا تَزَوَّجَ الْبِكْرَ أَقَامَ عِنْدَهَا سَبْعًا وَإِذَا تَزَوَّجَ الثَّيِّبَ أَقَامَ عِنْدَهَا ثَلَاثًا» (1)، وهذا دليل أثري، أما من جهة التعليل فلما يأتي: أولاً: أن رغبة الرجل في البكر أكثر من الثيب فأعطاه الشارع مهلة حتى تطيب نفسه.
ثانياً: أن البكر أشد حياءً من الثيب, فجعلت هذه المدة لأجل أن تطمئن وتزول وحشتها وتألف الزوج، وهذا من حكمة الشرع (2).

  • فائدة: هل يلحق بالبكر من زالت بكارتها بغير الجماع كسقوط ونحوه؟ الجواب: نعم تلحق بالبكر (3).

(2)

قوله «وَإِنْ عَرَّسَ عَلى ثَيِّبٍ أَقَامَ عِنْدَهَا ثَلاثاً»:

أي كانت المدخول بها ثيباً فإنه يكون عندها ثلاث ليال وهذا حقّها، دليل ذلك حديث أنس=163164165

الجزء: 6 - الصفحة: 275

لِقَوْلِ أَنَسٍ: مِنَ السُّنَّةِ إِذَا تَزَوَّجَ البِكْرَ عَلى الثَّيِّبِ، أَنْ يُقِيْمَ عِنْدَهَا سَبْعًا، وَإِذَا تَزَوَّجَ الثَّيِّبَ عَلى البِكْرِ، أَقَامَ عِنْدَهَا ثَلاثاً (1)،  =الذي ذكره المؤلف، ولعل الحكمة من ذلك لأن الثيب ألفت الرجال فلا تحتاج لزيادة عدد الأيام لإيناسها.

(1)

قوله «لِقَوْلِ أَنَسٍ: مِنَ السُّنَّةِ إِذَا تَزَوَّجَ البِكْرَ عَلى الثَّيِّبِ، أَنْ يُقِيْمَ عِنْدَهَا سَبْعًا، وَإِذَا تَزَوَّجَ الثَّيِّبَ عَلى البِكْرِ، أَقَامَ عِنْدَهَا ثَلاثاً»

  • فائدة: إذا زفت إليه امرأتان في ليلة واحدة قدم السابقة منهما لأن حقها أسبق, ثم يقيم عند الأخرى.
    قال في الكافي: «يكره أن يزف امرأتين في ليلة واحدة لأنه لا يمكن الجمع بينهما في إيفاء حقهما وتستضر التي يؤخر حقها وتستوحش، فإن فعل بدأ بالتي تدخل عليه أولاً فوفاها حقها لأنها أسبق فإن أدخلتا عليه معا أقرع بينهما، فقدم من تخرج لها القرعة، ثم ثنَّى بصاحبتها، ثم قسم بعد ذلك» 168.

الجزء: 6 - الصفحة: 276

وَإِنْ أَحَبَّتِ الثَّيِّبُ أَنْ يُقِيْمَ عِنْدَهَا سَبْعًا، فَعَلَ، ثُمَّ قَضَاهُنَّ لِلْبَوَاقِيْ (1)،  (1)

قوله «وَإِنْ أَحَبَّتِ الثَّيِّبُ أَنْ يُقِيْمَ عِنْدَهَا سَبْعًا، فَعَلَ، ثُمَّ قَضَاهُنَّ لِلْبَوَاقِيْ»:

أي إن أحبت الثيب أن يكمل لها سبعاً فعل, لكن يقضي مثلهن لزوجاته البواقي دليل ذلك ما رواه مسلم من حديث أم سلمة الذي سيذكره المؤلف، فقد خيّرها النبي -صلى الله عليه وسلم- أن تبقى على ثلاثة أيام وهو حقها وبين أن يسبع لها وحينئذ يسبع للبواقي.
وقوله «ثُمَّ قَضَاهُنَّ لِلْبَوَاقِيْ»

هل يقضي للنساء الأخريات سبع ليال أو يقضي أربع ليال لأن المرأة حقها ثلاث والأربع هذه ليست من حقها؟

نقول اختلف الفقهاء في هذه المسألة على قولين؟ الأول: وهو قول جمهور الفقهاء 169 أنه يقسم لنسائه الأخريات سبعاً وذلك للحديث الذي سيذكره المؤلف، وفيه قوله -صلى الله عليه وسلم-: «إِنْ شِئْتِ سَبَّعْتُ لَكِ، وَإِنْ سَبَّعْتُ لَكِ سَبَّعْتُ لِنِسَائِيْ».
وذهب الحنفية 170 إلى أنه يقسم للبواقي أربعاً لأنه جلس مع زوجته الجديدة أربعاً زائدة ولا فضل للجديدة في القسم على القديمة لقوله تعالى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ﴾ 171، وقوله: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ 172.

الجزء: 6 - الصفحة: 277

لأَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- لَمَّا تَزَوَّجَ أُمَّ سَلَمَةَ، أَقَامَ عِنْدَهَا ثَلاثاً، ثُمَّ قَالَ «لَيْسَ بِكِ هَوَانٌ عَلى أَهْلِكِ إِنْ شِئْتِ سَبَّعْتُ لَكِ، وَإِنْ سَبَّعْتُ لَكِ سَبَّعْتُ لِنِسَائِيْ» (1)،  =والأقرب: ما ذهب إليه أصحاب القول الأول لدلالة النص عليه.

(1)

قوله «لأَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- لَمَّا تَزَوَّجَ أُمَّ سَلَمَةَ، أَقَامَ عِنْدَهَا ثَلاثاً، ثُمَّ قَال «لَيْسَ بِكِ هَوَانٌ عَلى أَهْلِكِ إِنْ شِئْتِ سَبَّعْتُ لَكِ، وَإِنْ سَبَّعْتُ لَكِ سَبَّعْتُ لِنِسَائِيْ»

(1): نقول

خلاصه فقه هذا الحديث

أن صاحب النسوة إذا تزوج امرأة جديدة وعرّس بها قطع الدور, وأقام عندها سبعاً إن كانت بكراً, وثلاثاً إن كانت ثيباً, وتكون السبع والثلاث متتاليات كما سبق ولا يقضيها لزوجاته الباقيات, ثم يعود للدور بين زوجاته لحديث أنس -رضي الله عنه- المتقدم، وإن شاءت الثيب أن يقيم عندها سبعاً فعل, وقضى للبواقي من ضراتها لحديث أم سلمة المتقدم.173

الجزء: 6 - الصفحة: 278

فَصْلٌ فِيْ آدَابِ الجِمَاعِ

(1) وَيُسْتَحَبُّ التَّسَتُّرُ عِنْدَ الجِمَاعِ (2)،  (1)

قوله «فَصْلٌ فِيْ آدَابِ الجِمَاعِ»:

أي فصل فيما يستحب ويسن عند جماع الرجل أهله, وهذا إنما يدل على كمال الدين وعظمته، وأنه راعى كل شيء يؤدي إلى كمال وأخلاق البشرية, فهذه جملة من الآداب الذي ينبغي للإنسان أن يصنعها إذا أراد أن يأتي أهله.
(2)

قوله «وَيُسْتَحَبُّ التَّسَتُّرُ عِنْدَ الجِمَاعِ»:

وذلك لورود النهي عن إتيان الأهل منكشفاً انكشاف العير, دليل ذلك حديث عتبة بن عبد السلمي قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «إِذَا أَتَى أَحَدُكُمْ أَهْلَهُ فَلْيَسْتَتِرْ، وَلا يَتَجَرَّدْ تَجَرُّدَ الْعَيْرَيْنِ» 174، والعيرين تثنية عير وهو حمار الوحش، وهذا الحديث رواه ابن ماجة وغيره وهو ضعيف, لكن أصح ما يحتج به هنا حديث معاوية بن قرة أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «يَا نَبِىَّ اللَّهِ عَوْرَاتُنَا مَا نَأْتِي مِنْهَا وَمَا نَذَرُ.
قَال «احْفَظْ عَوْرَتَكَ إِلاَّ مِنْ زَوْجَتِكَ أَوْ مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ».
فَقُلْتُ: أَرَأَيْتَ إِذَا كَانَ الْقَوْمُ بَعْضَهُمْ مِنْ بَعْضٍ.
قَالَ: «إِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ لا يَرَاهَا أَحَدٌ فَلا يَرَاهَا».
قَالَ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إِذَا كَانَ أَحَدُنَا خَالِيًا.
قَالَ «اللَّهُ أَحَقُّ أَنْ يُسْتَحْيَى مِنَ النَّاسِ» 175، ومعنى أحق أن يستحيا منه أن لا يأتي أهله متكشفاً, =

الجزء: 6 - الصفحة: 279

وَأَنْ يَقُوْلَ مَا رَوَاهُ ابْنُ عَبَّاسٍ -رضي الله عنه-، قَالَ: قَالَ رَسُوْلُ الله -صلى الله عليه وسلم- «لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ إِذا أَتىَ أَهْلَهُ قَالَ: بِسْمِ اللهِ، اللهُمَّ جَنِّبْنَا الشّيْطَانَ، وَجَنِّبِ الشَّيْطَانَ مَا رَزَقْتَنَا، فَقُضِيَ بَيْنَهُمَا وَلَدٌ، لَمْ يَضُرَّهُ الشَّيْطُانُ أَبَدَا» 176،  =أما انكشاف العورة فإنه بطبيعة الحال سوف يرى كل منهما عورة صاحبه.

(1)

قوله «وَأَنْ يَقُوْلَ مَا رَوَاهُ ابْنُ عَبَّاسٍ -رضي الله عنه-، قَالَ: قَالَ رَسُوْلُ الله -صلى الله عليه وسلم-: «لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ إِذا أَتىَ أَهْلَهُ قَالَ: بِسْمِ اللهِ، اللهُمَّ جَنِّبْنَا الشّّيْطَانَ، وَجَنِّبِ الشَّيْطَانَ مَا رَزَقْتَنَا، فَقُضِيَ بَيْنَهُمَا وَلَدٌ، لَمْ يَضُرَّهُ الشَّيْطُانُ أَبَدَا» (1)»: هذا الحديث رواه البخاري ومسلم، وفيه فوائد عظيمة: ففيه استحباب التسمية، وأيضاً بيان بركتها في كل حال، وأن يعتصم بالله وذكره من الشيطان، والتبرك باسمه، والاستعاذة به من جميع الأدواء, وفيه أن الشيطان لا يفارق ابن آدم في حال من الأحوال إلا إذا ذكر الله تعالى, ومن فقه هذا الحديث ما يلي: 1 - أن المشروع أن يقال هذا الحديث قبل البدء, أو عند البدء في الوقاع ويقول ذلك بحيث يسمع نفسه.
2 - هل يقوله الزوجان جميعاً أم أنه مشروع في حق الزوج دون الزوجة؟ اختلف في ذلك أهل العلم: فذهب شيخنا -رحمه الله- 177 إلى أن المرأة لا تقوله لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ إِذا أَتىَ أَهْلَهُ»، ولأن الولد إنما يخلق=

الجزء: 6 - الصفحة: 280

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =من ماء الرجل, وذهب بعض أهل العلم إلى أن الخطاب للجميع للرجل والمرأة، وهذا هو الأظهر، وهو قول اللجنة الدائمة 178. قوله «لَمْ يَضُرَّهُ الشَّيْطُانُ أَبَدَا»: اختلف في معناه: فقال بعض الفقهاء لم يضره الشيطان حين خروجه وذلك لحديث أَبِي هريرة -رضي الله عنه- أَن النبِي -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: «مَا مِنْ مَوْلُودٍ يُولَدُ إِلاَّ وَالشَّيْطَانُ يَمَسُّهُ حِينَ يُولَدُ فَيَسْتَهِلُّ صَارِخًا مِنْ مَسِّ الشَّيْطَانِ إِيَّاهُ إِلاَّ مَرْيَمَ وَابْنَهَا»، ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ: وَاقْرَؤُوا إِنْ شِئْتُمْ ﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾» 179. فالشاهد أنه قال: «لم يضره»، ولم يقل: «لم يصبه»، وفرق بين الأمرين لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- بيّن عدم الضرر ولم يبين عدم الإصابة، أو قد يصاب ولكن ذلك لم يضره.
وقال بعض العلماء: «المراد بأنه لا يضره أي لا يصرعه شيطان»، وقال بعضهم: «لا يطعن فيه الشيطان عند ولادته بخلاف غيره».
قال القاضي عياض: ولم يحمله أحد على العموم في جميع الضرر والوسوسة والإغواء.
قال ابن دقيق العيد: يحتمل أنه لا يضره في دينه ولكن يلزم منه العصمة وليست إلا للأنبياء, وأجيب عليه بأن العصمة في حق الأنبياء على=

الجزء: 6 - الصفحة: 281

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =جهة الوجوب وفي حق من دعي لأجله بهذا الدعاء على جهة الجواز فلا يبعد أن يوجد من لا يصدر منه معصية عمداً وأن لم يكن ذلك واجباً.
وقيل «لم يضره»: أي لم يفتنه في دينه إلى الكفر، وليس المراد عصمته من المعصية, وقيل لم يضره مشاركة الشيطان لأبيه في جماع أمه» 180. قال شيخنا -رحمه الله-: «وقول النبي -صلى الله عليه وسلم- «إنه إن قدر بينهما ولد لم يضره الشيطان أبداً»، لا يشكل على هذا أنه ربما يكون هذا الرجل ملتزماً بالتسمية عند كل جماع، ويأتيه أولادٌ يضرهم الشيطان، فاختلف أهل العلم في ذلك: فقال بعضهم: لم يضره ضرراً بدنياً؛ وذلك أن الشيطان إذا ولد الإنسان فإنه يطعن بيده في خاصرته، فيصرخ الطفل إذا ولد، وأحياناً يرى أثر الضرب أزرق في الخاصرة؛ من أجل أن يهلكه، فيقولون: لا يضره - أي: بطعنه إياه في الخاصرة - لا أنه لا يضره ضرراً دينياً.
وقال بعض العلماء: بل الحديث عام لم يضره الشيطان أبداً، والتأبيد يدل على أن ذلك مستمر.
ولكن الجواب عن الصورة التي ذكرنا، أن يقال: إن هذا سبب، والأسباب قد تتخلف بوجود موانع، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «كل مولودٍ يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه» 181، وإلا فكلام الرسول -صلى الله عليه وسلم- حقٌ وصدق، ولكن هذا سببٌ من الأسباب، وقد=

الجزء: 6 - الصفحة: 282

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =يوجد موانع» 182.

  • فائدة: في بعض آداب الجماع: من الآداب أيضاً ما يلي: 1 - يكره كثرة الكلام عند الوطء والجماع إلا اليسير الذي يزيد ثوران الشهوة فلا بأس به.
    2 - يكره أن ينزع قبل فراغها لحديث أنس بن مالك قال رسول الله «إِذَا جَامَعَ أَحَدُكُمْ أَهْلَهُ فَلْيَصْدُقْهَا، ثُمَّ إِذَا قَضَى حَاجَتَهُ قَبْلَ أَنْ تَقْضِيَ حَاجَتَهَا فَلا يُعْجِلْهَا حَتَّى تَقْضِيَ حَاجَتَهَا» 183، والحديث وإن كان فيه ضعف إلا أنه كما أنك لا تحب أن تنزع قبل أن تنزع، فكذلك هي ينبغي أن لا تعجلها.
    3 - يحرم الوطء بمرأى الناس.
    4 - يحرم التحدث بجماع زوجته، بل هذا إن حصل فإن صاحبه من شر الناس لقوله -صلى الله عليه وسلم- «إِنَّ مِنْ أَشَرِّ النَّاسِ عِنْدَ اللَّهِ مَنْزِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ الرَّجُلَ يُفْضِى إِلَى امْرَأَتِهِ وَتُفْضِي إِلَيْهِ ثُمَّ يَنْشُرُ سِرَّهَ» 184.

الجزء: 6 - الصفحة: 283

فَصْلٌ فِيْ النُّشُوْزِ

(1) وَإِنْ خَافَتِ الْمَرْأَةُ مِنْ زَوْجِهَا نُشُوْزًا أَوْ إِعْرَاضًا، فَلا بَأْسَ أَنْ تَسْتَرْضِيَهُ بِإِسْقَاطِ بَعْضِ حُقُوْقِهَا (2)،  (1)

قوله «فَصْلٌ فِيْ النُّشُوْزِ»:

سبق تعريف النشوز، والنشوز كما سبق يكون من الزوج كما في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزاً أَوْ إِعْرَاضاً﴾ (1)، ويكون من الزوجة كما في قوله تعالى: ﴿وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ﴾ (2). (2)

قوله «وَإِنْ خَافَتِ الْمَرْأَةُ مِنْ زَوْجِهَا نُشُوْزًا أَوْ إِعْرَاضًا، فَلا بَأْسَ أَنْ تَسْتَرْضِيَهُ بِإِسْقَاطِ بَعْضِ حُقُوْقِهَا»:

أي إذا خافت المرأة من نشوز زوجها وذلك بأن يمنعها حقها كالنفقة والقسم, أو أن تجد منه إساءة خلق, أو أن يؤذيها، أو أن يعرض عنها ولا يلبي طلبها الواجب عليه, أو يلبيه ولكن بتركه وتثاقله ونحو ذلك مما يكون فيه نوع نشوز منه, فهنا إن خافت المرأة منه ذلك فلها أن تسترضيه.
وقوله «أو إعراضاً»: أي يعرض عنها ولا يقوم بواجبها لا في الفراش ولا في غير الفراش.
فمتى خافت المرأة من زوجها ذلك فالأحسن أن يصلحا بينهما صلحاً بأن تسمح المرأة عن بعض حقوقها اللازمة لزوجها على وجه تبقى مع زوجها, إما أن ترضى بأقل من الواجب لها من النفقة أو الكسوة أو =185186

الجزء: 6 - الصفحة: 284

كَمَا فَعَلَتْ سَوْدَةُ حِيْنَ خَافَتْ أَنْ يُطَلِّقَهَا رَسُوْلُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- (1)، وَإِنْ خَافَ الرَّجُلُ نُشُوْزَ امْرَأَتِهِ (2)،  = السكن, أو القسم بأن تسقط حقها منه, أو تهب يومها وليلتها لزوجها أو لضرتها، فإذا اتفقا على هذه الحالة فلا جناح عليهما فيها, فيجوز لزوجها البقاء معها على هذه الحال, وهي خير من الفرقة.

(1)

قوله «كَمَا فَعَلَتْ سَوْدَةُ حِيْنَ خَافَتْ أَنْ يُطَلِّقَهَا رَسُوْلُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-»:

هذا الحديث رواه البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: «مَا رَأَيْتُ امْرَأَةً أَحَبَّ إِلَىَّ أَنْ أَكُونَ فِي مِسْلاخِهَا مِنْ سَوْدَةَ بِنْتِ زَمْعَةَ مِنِ امْرَأَةٍ فِيهَا حِدَّةٌ قَالَتْ فَلَمَّا كَبِرَتْ جَعَلَتْ يَوْمَهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- لِعَائِشَةَ قَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ جَعَلْتُ يَوْمِى مِنْكَ لِعَائِشَةَ.
فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَقْسِمُ لِعَائِشَةَ يَوْمَيْنِ يَوْمَهَا وَيَوْمَ سَوْدَةَ» (1). «فِي مِسْلاخِهَا»: المسلاخ: الجلد، ومعناه أن أكون أنا هي, ولم ترد عائشة عيب سودة هنا, بل وصفتها بقوة النفس، وجودة القريحة، وهي الحدة (2).

(2)

قوله «وَإِنْ خَافَ الرَّجُلُ نُشُوْزَ امْرَأَتِهِ»:

أي إن خاف الرجل عصيان زوجته وذلك بعدم إعطائه حقه الذي أوجبه الشارع عليها مثل أن تجيبه متبرمة متثاقلة في الشيء, أو تجيبه متكرهة: أي يظهر وجهها الكراهة=187188

الجزء: 6 - الصفحة: 285

وَعَظَهَا (1)، فَإِنْ أَظْهَرَتْ نُشُوْزًا، هَجَرَهَا فِيْ المَضْجَعِ (2)،  =والبغض لهذا الشيء وربما تسمعه ما لا يليق، أو يقول لها اغسلي ثوبي، أو اصنعي طعامي فتأبى عليه ذلك، فهذا كله نوع نشوز, فالنشوز كما سبق تعريفه هو خروج المرأة عن الطاعة الواجبة للزوج, فإذا حصل من الزوجة النشوز ماذا يفعل الزوج؟ ذكر المؤلف ذلك بقوله.

(1)

قوله «وَعَظَهَا»:

دليل ذلك قوله تعالى: ﴿وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً﴾ (1). الموعظة: هي التذكير؛ فيذكرها بذكر الآيات والأحاديث الدالة على وجوب العشرة بالمعروف، وكذلك الأحاديث التي جاءت في التحذير من عصيان الزوج فهذا معني الوعظ, أما ما يفعله بعض الناس من تهديد الزوجة بالطلاق إن لم تستقيم ونحو ذلك، فهذا مما يزيد من نفورها من الزوج, فلا أحسن ولا أجمل مما أمر الله تعالى به.

(2)

قوله «فَإِنْ أَظْهَرَتْ نُشُوْزًا، هَجَرَهَا فِيْ المَضْجَعِ»:

أي فإن لم تنقد لأمر الله ولا رسوله من الوعظ فهنا ينتقل إلى الهجر أي يتركها في المضجع وهو على ثلاث درجات: الأول: أن لا ينام في حجرتها، وهذا أعلى درجات الهجر بل أشد عليها.
الثاني: أن لا ينام على الفراش معها، وهذا أهون من الذي قبله.
الثالث: أن ينام معها في الفراش ولكن يلقيها ظهره ولا يحدثها، وهذا=189

الجزء: 6 - الصفحة: 286

فَإِنْ لَمْ يَرْدَعْهَا ذلِكَ، فَلَهُ أَنْ يَضْرِبَهَا ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ (1)،  =أهون منها.
ويبدأ الزوج بالأهون فالأهون، فمتى استقامت المرأة وعادت إلى رشدها وانقادت لأمر زوجها فالحمد لله، وهل لذلك مدة معلومة؟ الجواب: ليس لذلك مدة معلومة فقد لا تستقيم إلا بعد يومين، أو ثلاث، أو أربع، أو شهر.
وهل يكون مع الهجر عدم كلام؟ نقول نعم, فإن صحب الهجران في المضجع عدم الكلام فإنه أنفع في استقامة المرأة لكن لا يزيد عن ثلاثة أيام, لقوله -صلى الله عليه وسلم- «لا يَحِلُّ لِرَجُلٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلاثِ لَيَالٍ يَلْتَقِيَانِ فَيُعْرِضُ هَذَا وَيُعْرِضُ هَذَا وَخَيْرُهُمَا الَّذِي يَبْدَأُ بِالسَّلامِ» (1). فله أن يهجر يومين, أو ثلاثة أيام ولا يزيد على ذلك, لكن يزول الهجران بالكلام بعد الثلاث بإلقاء السلام, فإن استمرت الزوجة ولم تنفعها الموعظة ولا الهجران فإنه ينتقل إلى أعلى الدرجات وهو الضرب غير المبرح كما قال المؤلف.

(1)

قوله «فَإِنْ لَمْ يَرْدَعْهَا ذلِكَ، فَلَهُ أَنْ يَضْرِبَهَا ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ»:

دليل ذلك قوله تعالى: ﴿وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ 191، واشترط في الضرب أن يكون غير مبرح أي غير شديد، ولا يضرب الوجه، ولا في المواضع التي يحصل فيها =190

الجزء: 6 - الصفحة: 287

وَإِنْ خِيْفَ الشِّقَاقُ بَيْنَهُمَا، بَعَثَ الحَاكِمُ حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا (1)،  =قتل, كالقلب، والصدر، ونحو ذلك، ولا فيما هو أشد ألماً, لأن المقصود هو التأديب والإصلاح، فعن عبد الله بن زمعة -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «لا يَجْلِدُ أَحَدُكُمُ امْرَأَتَهُ جَلْدَ الْعَبْدِ»، وفي رواية «ضَرْبَ الْفَحْلِ أَوِ الْعَبْدِ ثُمَّ يُجَامِعُهَا فِي آخِرِ الْيَوْمِ» (1)، المراد بالفحل البعير أي يضربها ضرباً كضرب البعير والمماليك، فيكسر فيه العظم.
وقد اشترط الفقهاء للضرب شروطاً أربعة: الأول: أن لا يبدأ به، بل يكون بعد الوعظ والهجر.
الثاني: أن لا يكون ضرباً مبرحاً شديداً.
الثالث: أن لا يزيد على عشرة أسواط.
الرابع: يجب أن يتقي الوجه والمواضع التي يخاف منه.
فإن لم ينفع ذلك كله من الوعظ والهجر والضرب فماذا يفعل الزوج؟ قال المؤلف.

(1)

قوله «وَإِنْ خِيْفَ الشِّقَاقُ بَيْنَهُمَا، بَعَثَ الحَاكِمُ حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا»:

دليل ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحاً يُوَفِّقْ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ 193 أي إذا لم تستقم المرأة بعد إفراغ الوسع بهذه الثلاث المذكورات فإنه=192

الجزء: 6 - الصفحة: 288

مَأْمُوْنَيْنِ (1)،  =يبعث حكماً من كلا الطرفين, وهذان الحكمان يكونان من أهل الزوج ومن أهل الزوجة، ولا يكونان من طرف آخر كما سيأتي الخلاف.
دليل ذلك قوله تعالى: ﴿حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِهَا﴾، ويشترط في الحاكم أن يكون عالماً بالشرع، عالماً بالحال، أي ذا خبرة وأمانة, عدلاً حتى نأمن الحيف, ولا يجوز للحكمين أن ينتصر كل واحد منهما لنفسه وقريبه، إن أرادا التوفيق وفق الله بين الزوجين، وإن أرادا غير ذلك فلا توفيق, وقوله تعالى: ﴿إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحاً يُوَفِّقْ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ (1) على من يعود الضمير؟ قيل: يعود على الزوجين, وقيل يعود على الحكمين, وقيل يعود على الجميع، وهذا هو الأظهر، فيصح أن يقال إن يريد الحكمان الإصلاح وفق الله بينهما, وجمع قولهما على قول واحد واتفقا, وإن أرادا الإصلاح وحكما بأن تبقى الزوجية وفقهما الله لذلك.

(2)

قوله «مَأْمُوْنَيْنِ»:

أي مأمونين من الظلم لأحد من الزوجين، و

هل يشترط أن يكون الحكمان من أهل الزوجين؟

الجواب: اختلف الفقهاء في هذه المسألة: فذهب شيخ الإسلام 195 إلى وجوب كون الحكمين من أهلها، أي من =194

الجزء: 6 - الصفحة: 289

يَجْمَعَانِ إِنْ رَأَيَا وَيُفَرِّقَانِ (1)،  = أهل الزوجين, لدلالة النص القرآني على ذلك، ولأنهما إذا كانا من أهلهما فهما أعلم بحال الزوجية، وأشفق عليهما.
وذهب جمهور أهل العلم (1) إلى أنه لا يشترط كون الحكمين من أهل الزوجين، فيجوز أن يكونا من الأجانب وذلك لأن فائدة الحكمين التعرف على أحوال الزوجين وإجراء الصلح بينهما، وهذا الغرض يؤديه الأجانب كما يؤديه القريب, أما الآية فحملوها على الاستحباب لا الوجوب، وهذا هو الأظهر.

(1)

قوله «يَجْمَعَانِ إِنْ رَأَيَا وَيُفَرِّقَانِ»:

أي يفعلان الأصلح لكلا الزوجين, فإن رأيا أن يجمع بين الزوجين قاما بذلك, وإن رأيا الفرقة أصلح لهما فعلاً.
وهل إذا رأيا الفرقة يلزم به كلا الزوجين؟ الجواب: اختلف الفقهاء في هذه المسألة على قولين: الأول: أنهما يلزمان الزوجين ما يريان فيه المصلحة من طلاق، أو خلع، ولا حاجة لإذن الزوجين في ذلك، وذلك لأن الله تعالى سمى كلا منهما حكماً, ومن شأن الحاكم أن يلزم بالحكم، وهذا هو قول أكثر أهل العلم واختاره شيخ الإسلام 197، وابن القيم 198.196

الجزء: 6 - الصفحة: 290

فَمَا فَعَلا مِنْ ذلِكَ لَزِمَهُمَا (1)،  القول الثاني: أنه ليس للحكمين أن يفرقا بين الزوجين بدون إذنهما لأن الله تعالى قال: ﴿إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحاً﴾ (1)، فلم يضف إليهما إلا الإصلاح فما كان من وراء ذلك فغير مفوض إليهما, ولأنهما وكيلان ولا ينفذ حكمهما إلا برضا الموكل.
قلت: والظاهر ما ذهب إليه أصحاب القول الأول فللحكمين التفريق بينهما ولا يحتاج إلى رضا الزوجين ولا إذنهما، وهذا ما ذهب إليه المؤلف هنا حيث قال.

(1)

قوله «فَمَا فَعَلا مِنْ ذلِكَ لَزِمَهُمَا»:

وهذا محل خلاف كما سبق، وما ذكره المؤلف هنا هو رواية في المذهب 200، اختارها شيخ الإسلام 201، وهي قول الإمام مالك 202، والشافعي 203 في قول، وهي الراجحة إن شاء الله, فيجوز للحكمين أن يفعلا ما يريان من جمع أو تفريق بعوض أو بغير عوض.
والرواية الثانية: وهي المشهورة في المذهب 204، وهي مذهب الحنفية 205، =199

الجزء: 6 - الصفحة: 291

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =وقول الشافعية 206 أنهما لا يجبران على ما يراه الحكمان من الفرقة أو الجمع وذلك لأنهما, رشيدان, والبضع حق للزوج, والمهر حق للزوجة فلم يجبرا على التوكيل فيهما كغيرهما من الحقوق والصحيح كما سبق هو القول الأول.

الجزء: 6 - الصفحة: 292

بابُ الخُلْعِ (1)  (1)

قوله «بابُ الخُلْعِ»:

الخلع في اللغة: بضم الخاء مأخوذ من النزع والإزالة، وهو مأخوذة من خلع الثوب أي نزعه وإزالته، يقال خلع ثوبه خلعاً, وخلع امرأته خلعاً.
أما في الاصطلاح: فمعناه فراق الزوجة بعوض بألفاظ مخصوصة.

ذكر بعض الفوائد

:

  • الفائدة الأولى: لا يختلف الفقهاء أن المرأة إذا كرهت زوجها لخُلُقِه، أو خَلْقِه، أو دينه، أو كبره، أو ضعفه، ونحو ذلك وخشيت أن لا تؤدي حق الله في طاعته جاز لها أن تخالعه بعوض.

الفائدة الثانية: الأصل في مشروعية الخلع

الكتاب والسنة والإجماع: أما دلالة الكتاب: فقوله تعالى: ﴿وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً إِلاَّ أَنْ يَخَافَا أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ 207. أما السنة: فعن ابن عباس -رضي الله عنه- أَنَّ امْرَأَةَ ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ أَتَتِ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللهِ ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ مَا أَعْتُبُ عَلَيْهِ فِي خُلُقٍ، وَلا دِينٍ وَلَكِنِّي أَكْرَهُ الْكُفْرَ فِي الإِسْلامِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ «أَتَرُدِّينَ عَلَيْهِ حَدِيقَتَهُ» قَالَتْ نَعَمْ قَالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- «اقْبَلِ الْحَدِيقَةَ وَطَلِّقْهَا تَطْلِيقَة» 208.

باب الخلع

وكيف الطلاق فيه (5273).

الجزء: 6 - الصفحة: 293

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =أما الإجماع: فقد نقله غير واحد من أهل العلم (1).

  • الفائدة الثالثة: الحكمة في مشروعية الخلع: المرأة قد تكره البقاء مع زوجها لما ذكرناه آنفاً بحيث تخاف إن بقيت معه ألا توفيه حقوقه المشروعة فتكون آثمة لتعديها حدود الله، وهي لا تملك طلاق نفسها فشرع لها الخلع لتتجنب الوقوع في المعصية وتتخلص من البقاء مع الزوج على وجه لا رجعة له عليها إلا برضاها وعقد جديد.

الفائدة الرابعة: الخلع على ثلاثة أضرب

: الأول: مباح: ويكون عندما تكره المرأة البقاء مع زوجها لبغضها له, وتخاف أن لا تؤدي حق الله تعالى فيه، وهو الذي ذكرناه آنفاً، ويسن للزوج إجابتها.
الثاني: مكروه: كما لو خالعته من غير سبب مع استقامة الحال لقوله تعالى: ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ ... ﴾ 210، فنفى الجناح مع استقامة الحال يكون عليها فيه جناح, والجناح هو الإثم.
وروى أهل السنن عن ثوبان -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «أَيُّمَا امْرَأَةٍ سَأَلَتْ زَوْجَهَا طَلاقًا فِي غَيْرِ مَا بَأْسٍ فَحَرَامٌ عَلَيْهَا رَائِحَةُ الْجَنَّةِ» 211.209

الجزء: 6 - الصفحة: 294

وَإِذَا كَانَتِ الْمَرْأَةُ مُبْغِضَةً لِلرَّجُلِ وَخَافَتْ أَنْ لا تُقِيْمَ حُدُوْدَ اللهِ فِيْ طَاعَتِهِ (1)، فَلَهَا أَنْ تَفْتَدِيَ نَفْسَهَا مِنْهُ بِمَا تَرَاضَيَا عَلَيْهِ (2)،  الثالث: محرم: وهو إذا عضل الرجل زوجته بأذاه لها ومنعها حقها ظلماً لتفتدي نفسها منه لقوله تعالى: ﴿وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾، فإن طلقها في هذه الحال بعوض لم يستحقه لأنه عوض أكرهت على بذله بغير حق فلم يستحقه.

(1)

قوله «وَإِذَا كَانَتِ الْمَرْأَةُ مُبْغِضَةً لِلرَّجُلِ وَخَافَتْ أَنْ لا تُقِيْمَ حُدُوْدَ اللهِ فِيْ طَاعَتِهِ»:

أي إذا خافت المرأة بالبقاء مع الزوج من ألا تقوم بالحقوق الواجبة عليها من قبل الشارع لزوجها كتمكينه من الاستمتاع بها أو غير ذلك من الحقوق التي سبق بيانها.
(2)

قوله «فَلَهَا أَنْ تَفْتَدِيَ نَفْسَهَا مِنْهُ بِمَا تَرَاضَيَا عَلَيْهِ»:

أي إذا خافت المرأة مما ذكرنا فلها أن تطلب الخلع إذا خشيت ألا تقيم حدود الله في حق زوجها عليها.
وقوله «بِمَا تَرَاضَيَا عَلَيْهِ» ظاهره أن لها أن تفتدي منه بما بذلت أقل أو أكثر سواء كان مثل المهر أو أكثر من المهر لقوله تعالى: ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ 212. وقد اختلف الفقهاء في هذه المسألة: أي الزيادة على المهر هل هو جائز أم لا؟

الجزء: 6 - الصفحة: 295

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  القول الأول: وهو ظاهر كلام المؤلف أن ذلك جائز بلا كراهة لقوله تعالى: ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ (1)، والإطلاق يفيد العموم فظاهر الآية عدم التقييد.
القول الثاني: وهو مذهب الحنابلة (2) أنه يكره الزيادة على مهر المثل مع الجواز لحديث ثابت بن قيس المتقدم وفيه قال: «أَتَرُدِّينَ عَلَيْهِ حَدِيقَتَهُ» قَالَتْ نَعَمْ وَزِيَادَةً فَقَالَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم-: «أَمَّا الزِّيَادَةُ فَلا» (3)، والحديث فيه ضعف.
القول الثالث: تحريم الزيادة، وهذا رواية في مذهب أحمد (4).

قلت: و

الراجح من هذه الأقوال

الجواز من غير كراهة, لكن المروءة تقتضي أن لا يأخذ أكثر مما أعطاها.

  • فائدة: إن أبى الزوج أن يطلق وأبت المرأة أن تبقى معه: فذهب بعض أهل العلم إلى وجوب الخلع وإن لم يرض الزوج بشرط أن ترد عليه المهر كاملاً، وهذا اختيار شيخنا -رحمه الله- حيث قال: «لأنه مضرة عليها فماله قد جاءه وبقائهما هكذا هي معلقة لا يمكن أن تتزوج وهو كذلك غير موَّفق، هذا النكاح لا ينبغي لا سيما إذا ظهر للقاضي أن البلاء من الزوج، مثل أن يكون لا يصلي وتتعذر إقامة البينة عليه ففي هذه الحال القول بالوجوب=213214215216

الجزء: 6 - الصفحة: 296

وَيُسْتَحَبُّ أَنْ لا يَأْخُذَ مِنْهَا أَكْثَرَ مِمَّا أَعْطَاهَا (1)، فَإِذَا خَالَعَهَا أَوْ طَلَّقَهَا بِعَوْضٍ، بَانَتْ مِنْهُ (2)،  = قوي جداً» (1).

(1)

قوله «وَيُسْتَحَبُّ أَنْ لا يَأْخُذَ مِنْهَا أَكْثَرَ مِمَّا أَعْطَاهَا»:

سبق بيان حكم هذه المسألة وهي الزيادة على المهر في الخلع وقلنا بأن الراجح جواز أن تخالع المرأة نفسها بعوض أكثر من مهرها لكن من المروءة أن لا يأخذ الزوج هذه الزيادة.
(2)

قوله «فَإِذَا خَالَعَهَا أَوْ طَلَّقَهَا بِعَوْضٍ، بَانَتْ مِنْهُ»:

أي متى خالع الرجل المرأة أو طلقها بعوض فإنها تبين منه، فليس للزوج رجعة إلا برضاها وعقد جديد، وقد اختلف الفقهاء في هذه المسألة على ثلاثة أقوال: القول الأول: ما ذهب إليه جمهور الفقهاء من الحنفية 218، والمالكية 219، وهو المعتمد عند الشافعية 220، ورواية في مذهب الإمام أحمد 221، وهو قول اللجنة الدائمة 222، وهو اختيار سماحة شيخنا ابن باز 223 -رحمه الله-، وهو أن الخلع طلاق بائن سواء كان بلفظ الخلع، أو كان بلفظ الفسخ، =217

الجزء: 6 - الصفحة: 297

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =أو بلفظ الطلاق وكان معه عوض, وعلى هذا فالمرأة عليها بحصوله أن تعتد ثلاث حيض، أو ثلاثة أطهار على الخلاف الوارد في معنى القرء، واستدل أصحاب هذا القول بما يلي: 1 - قوله تعالى: ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ 224، وجه الدلالة منها أنه إنما يكون الفداء إذا خرجت من قبضته وسلطانه، ولو كان للزوج عليها رجعة في العدة لم يكن لدفع العوض معنى, ولأن القصد إزالة الضرر عن المرأة فلو جازت الرجعة لعاد الصرر.
2 - واستدلوا أيضاً بحديث ابن عباس المتقدم في امرأة ثابت بن قيس.
قالوا: ووجه الدلالة فيه من طريقين: الأول: أن هذا لفظ صريح في كونه طلاقاً وليس بفسخ إذ لو كان فسخاً لقال له «وأفسخها»، فلما عدل عن الفسخ إلى الطلاق دل على أنه طلاق لا فسخ.
الثاني: أن الطلاق المأمور به من النبي -صلى الله عليه وسلم- هو عوض المال إذ لا يملك الزوج من الفراق غير الطلاق, فالعوض مدفوع له عما يملكه, ولو كان لا يقع به طلاق ما أمره رسول الله -صلى الله عليه وسلم- , لأنه -صلى الله عليه وسلم- لا يأمر بالطلاق, جاء في بداية المجتهد «وجمهور من رأى أنه طلاق يجعله بائناً لأنه لو كان للزوج في العدة منه الرجعة عليها لم يكن لافتدائها معنى» 225.

الجزء: 6 - الصفحة: 298

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  القول الثاني: وهو من مفردات المذهب عند الحنابلة 226، وعليها جماهير الأصحاب أن الخلع فسخ لا ينقص به عدد الطلاق, بشرط ألا يوقعه بلفظ الطلاق, فإن أوقعه بصريح الطلاق كان طلاقاً, وإن خالعها بلفظ الفسخ، أو المفارقة، أو المخالعة صار فسخاً، واحتجوا لذلك بما صح عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: «إن خالعها بلفظ المخالعة فهو فسخ, وإن كانت بلفظ الطلاق يصير طلاقاً سواء كان بعوض أو بغير عوض».
القول الثالث: وهو المنقول عن الإمام أحمد 227، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية 228، وهو قول ابن القيم 229، وهو المنقول عن ابن عباس رضي الله عنهما أن الخلع فسخ لا طلاق, ولو أوقعه بلفظ الطلاق، قال شيخ الإسلام «هذا هو المنقول عن ابن عباس رضي الله عنهما وأصحابه، وهو المنقول عن أحمد وقدماء أصحابه»، قال في الفروع 230 «ومراده ما قال عبد الله: رأيت أبي يذهب إلى قول ابن عباس رضي الله عنهما, وابن عباس صح عنه أنه قال كل شيء أجازه المال فليس بطلاق =

الجزء: 6 - الصفحة: 299

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  = - يعني الخلع -» 231، وعلى هذا فهو فسخ بأي لفظ كان, ما دام أنه بعوض وهذا هو اختيار شيخنا -رحمه الله-.
قال -رحمه الله- 232 «والراجح أنه ليس بطلاق وان وقع بلفظ الصريح, ويدل لهذا القرآن الكريم قال الله عز وجل: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ 233 أي: في المرتين إما أن تمسك وإما أن تسرح فالأمر بيدك: ﴿وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً إِلاَّ أَنْ يَخَافَا أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ 234، إذًا هذا فراق يعتبر فداء، ثم قال عز وجل: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ﴾ 235. فلو أننا حسبنا الخلع طلاقاً لكان قوله ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا﴾ هي الطلقة الرابعة، وهذا خلاف الإجماع والدلالة في الآية واضحة، ثم قال -رحمه الله-: ولهذا ذهب ابن عباس رضي الله عنهما إلى أن كل فراق فيه عوض فهو خلع وليس بطلاق, حتى ولو وقع بلفظ الطلاق وهذا هو القول الراجح».
قلت: وبعد عرض أقوال أهل العلم الذي يترجح عندي هو ما ذهب إليه شيخ الإسلام، وابن القيم، وشيخنا إلا إن أوقعه بلفظ الطلاق، =

الجزء: 6 - الصفحة: 300

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  = أو نواه طلاقاً فإنه يقع طلاقاً، وما عدا ذلك فهو فسخ لا طلاق.
ثمرة الخلاف: تظهر ثمرة الخلاف في هذه المسألة في احتساب عدد الطلقات من عدمه, فمن جعل الخلع فسخاً لم يعتد به في عدد الطلقات, ومن جعله طلاقاً احتسب عليه ذلك.

ذكر بعض الفوائد

:

الفائدة الأولى: هل يملك الزوج مراجعة المعتدة في عدتها؟

نقول: لا خلاف بين الفقهاء أن المختلعة لا يملك زوجها مراجعتها في عدتها, بل ولا تحل له إلا بعقد جديد مع توافر أركان النكاح وشروطه, قال ابن رشد (1): «جمهور العلماء أجمعوا أنه لا رجعة للزوج على المختلعة في العدة, إلا ما روى عن سعيد بن المسيب وابن شهاب أنهما قالا: إن رد لها ما أخذ منها في العدة أشهد على رجعتها»، وقد أفتت اللجنة الدائمة (2) للبحوث العلمية بما عليه جمهور الفقهاء.

الفائدة الثانية: هل يحتاج الخلع إلى حكم القاضي؟

نقول ذهب جمهور الفقهاء 238 إلى أن الخلع لا يحتاج إلى حكم القاضي أو السلطان, بل نقل بعض أهل العلم الإجماع على هذا، وأنه لم يخالف=236237

الجزء: 6 - الصفحة: 301

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =فيه إلا الحسن وابن سيرين لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ 239، وقوله: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِهَا﴾ 240، وجه الدلالة من الآية أن الله جعل الخوف لغير الزوجين ولم يقل إن خافا فاحتاجا إلى حكم القاضي, وأيضاً هذا القول هو المروي عن عمر وعثمان وغيرهما, ولأنه عقد معاوضة فلم يفتقر إلى السلطان كالبيع والنكاح, ولأنه قطع عقد بالتراضي فأشبه الإقالة.
قلت: لو قيل بالتفصيل في ذلك لكان أولى, فإن رغبت الزوجة في الخلع ووافق عليه الزوج بدون مماطلة منه بل عن تراض حصل منهما فهنا لا يحتاج فيه إلى حكم القاضي, وإن طلبت الخلع مع توافر دواعيه كغضب شديد للزوج وكراهة البقاء معه, وخوفها من الوقوع في المعصية بعدم الطاعة ونحو ذلك لكنه رفض أو وافق ثم أنكر فمرد ذلك إلى القاضي ليحكم في هذه القضية، وهذا هو ما أفتت به اللجنة الدائمة 241.

  • الفائدة الثالثة: اتفق الفقهاء على جواز أن يخالع الرجل المرأة وهي حامل أو في طهر لم يجامعها فيه، لكن اختلفوا في حال الحيض أو طهر جامعها فيه, واختلفوا في ذلك على ثلاثة أقوال:

الجزء: 6 - الصفحة: 302

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  القول الأول: جواز الخلع في الحيض وكذا في طهر جامعها فيه، وهذا هو قول الحنفية 242، والمالكية 243 في قول، والشافعية 244، والحنابلة 245، واحتجوا لذلك بقوله تعالى: ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ 246، فقالوا بأن الآية مطلقة، ولأن المنع من الطلاق في الحيض من أجل الضرر الذي يلحق المرأة بطول العدة، والخلع جعل لإزالة الضرر الذي يلحقها بسوء العشرة، والمقام مع من كرهته، وتبغضه، وضرر التقصير في حقه, وكل ذلك أعظم من ضرر طول العدة فجاز دفع أعلاها بأدناها, ولذلك لم يسأل النبي -صلى الله عليه وسلم- المختلعة عن حالها ولأن ضرر تطويل العدة عليه والخلع يحصل بسؤالها فيكون ذلك رضاء منها به ودليلاً على رجحان مصلحتهما فيه.
القول الثاني: لا يجوز الخلع في الحيض ولا في طهر جامها فيه، وهذا هو المشهور في مذهب المالكية 247 قياساً على الطلاق.
القول الثالث: يجوز إيقاعه حالة الحيض ولا يجوز في طهر جامعها فيه=

الجزء: 6 - الصفحة: 303

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =وهو قول عند الشافعية 248، لأن كونه بدعة في حالة الحيض لحقها وقد رضيت فسقط، وها هنا البدعة لحق الولد فلا يسقط حقه برضاها.
قلت: والراجح عندي القول الأول، وهو قول جمهور أهل العلم كما سبق.

  • فائدة: هل للمختلعة عدة؟ الجواب: جمهور أهل العلم 249 على أن المختلعة عليها عدة وعدتها عدة المطلقة، ويستدلون على ذلك لعموم قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ 250، ولأن الخلع فرقة بين الزوجين في الحياة بعد الدخول فكانت العدة ثلاثة قروء كغير الخلع.
    وذهب الحنابلة 251 في رواية إلى أن عدتها حيضة واحدة.
    قال العلامة ابن القيم -رحمه الله- 252 عن هذه الرواية أنها أصح الروايتين دليلاً عن الإمام أحمد، وهو مذهب عثمان، وابن عمر، وابن عباس، وأبان بن عثمان، وإسحاق، وابن المنذر, واحتجوا لذلك بحديث ثابت ابن قيس بن شماس المتقدم، وفيه أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أمر المرأة أن تتربص بحيضة واحدة ثم تلحق بأهلها 253، وسيأتي إن شاء الله قريباً كلام المؤلف في هذه المسألة وبيان الراجح.

الجزء: 6 - الصفحة: 304

وَلَمْ يَلْحَقْهَا طَلاقُهُ بَعْدَ ذلِكَ (1)،  (1)

قوله «وَلَمْ يَلْحَقْهَا طَلاقُهُ بَعْدَ ذلِكَ»:

أي إذا خالع الرجل امرأته بطلاق في فترة الاستمرار لا يلحقها طلاق، وقد سبق الخلاف هل الخلع يوجب العدة أم لا؟ وقلنا بأنه يوجب العدة، لكن اختلف الفقهاء هل يوجب عدة المطلقة تماماً يعني إن كانت تحيض بثلاث حيض، وإن لم تكن من ذوات الحيض بثلاثة أشهر، وإن كانت حاملاً فيوضع الحمل.
والصحيح في هذه المسألة: أن المختلعة لا تعتد وإنما تستبرأ أي لا عدة عليها، إنما عليها استبراء، فإذا حاضت مرة واحدة انتهت عدتها، لأن ظاهر القرآن إنما العدة على المطلقة، وهذا اختيار شيخنا -رحمه الله- 254. وعلى هذا نقول: بأن معنى كلام المؤلف أن المختلعة إذا طلقها في فترة الاستبراء لا يلحقها طلاق.
وهذا قول ابن عباس وابن الزبير رضي الله عنهما ولا يعرف لهما مخالف في عصرهما، ولأنها لا تحل إلا بنكاح جديد ولا يملك بضعها، فلم يلحقها طلاقه كالأجنبية.
وقد سئل ابن عباس عن المختلعة يطلقها زوجها؟ قال لا يلزمها الطلاق، لأنه طلق ما لا يملك 255.

الجزء: 6 - الصفحة: 305

وَإِنْ وَاجَهَهَا بِهِ (1)، وَيَجُوْزُ الخُلْعُ بِكُلِّ مَا يَجُوْزُ أَنْ يَكُوْنَ صَدَاقًا (2)، وَبِالْمَجْهُوْلِ (3)،  (1)

قوله «وَإِنْ وَاجَهَهَا بِهِ»:

أي يواجهها قائلاً لها أنت طالق، أنت طالق، وضد المواجهة أن يقول: فلانة طالقة.
وقد ذهب بعض أهل العلم إلى أن المخالعة إذا واجهها بالطلاق فإنها تطلق، لكنه قول لا دليل عليه، ولذا فالصواب ما ذكره المؤلف بأنها لا يلحقها طلاق وإن واجهها به.

(2)

قوله «وَيَجُوْزُ الخُلْعُ بِكُلِّ مَا يَجُوْزُ أَنْ يَكُوْنَ صَدَاقًا»:

أي يصح الخلع بكل ما صح أن يكون صداقاً كعبد، ودار, وسيارة، أو منفعة مباحة كتعليم علم ونحو ذلك، وقد سبق الإشارة إلى ما يصح أن يكون صداقاً في أول كتاب الصداق، ودليل ما ذكره المؤلف قوله تعالى: ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ (1)، فالآية عامة في الفداء.
(3)

قوله «وَبِالْمَجْهُوْلِ»:

أي يجوز أن يكون الخلع بشيء مجهول كأن تقول خالعني على شاة، أو خالعني على ما في البيت، ونحو ذلك قياساً على الوصية، لأن الخلع إسقاط لحقه من البضع، وليس فيه تمليك شيء والإسقاط تدخله المسامحة، فإن خالعته على ما في بطن البعير مثلاً أو على ما تحمله النخلة هل يصح؟ نقول: يصح الخلع على ذلك مع الجهالة وحصول الغرر، ووجه كونه يصح لأن هذا ليس معاوضة محضة، وإنما الغرض منه التخلص من =256

الجزء: 6 - الصفحة: 306

فَلَوْ قَالَتْ: اخْلَعْنِيْ بِمَا فِيْ يَدِيْ مِنَ الدَّرَاهِمِ، أَوْ مَا فِيْ بَيْتِيْ مِنَ الْمَتَاعِ فَفَعَلَ، صَحَّ، وَلَهُ مَا فِيْهِمَا (1)، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيْهِمَا شَيْءٌ، فَلَهُ ثَلاثَةُ دَرَاهِمَ، وَأَقَلُّ مَا يُسَمَّى مَتَاعًا (2)،  = هذا الزوج، فإذا رضي بأي عوض وهو غير محرم شرعاً فله ذلك.

(1)

قوله «فَلَوْ قَالَتْ: اخْلَعْنِيْ بِمَا فِيْ يَدِيْ مِنَ الدَّرَاهِمِ، أَوْ مَا فِيْ بَيْتِيْ مِنَ الْمَتَاعِ فَفَعَلَ، صَحَّ، وَلَهُ مَا فِيْهِمَا»:

أي لو صالحته على ما في يدها من دراهم أو بما في بيتها من دراهم أو متاع فإن ذلك يصح لأن السبب كما سبق هو التخلص من هذا الزوج وليس بمعاوضة محضة كما سبق، والقاعدة في ذلك: «أن كل ما فيه إسقاط فإنه يتسامح فيه ما لا يتسامح في المعاوضات ولا يسمى غرراً».
(2)

قوله «فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيْهِمَا شَيْءٌ، فَلَهُ ثَلاثَةُ دَرَاهِمَ، وَأَقَلُّ مَا يُسَمَّى مَتَاعًا»:

أي قالت له خالعني على ما في يدي من دراهم أو على ما في بيتي من متاع ثم لم يكن في يدها ولا في بيتها شيء من المال ولا المتاع فهنا له أقل ما يصدق عليه اسم الدراهم وهي ثلاثة دراهم، أو اسم المتاع أي أقل ما يكون متاعاً، لكن يشترط أن لا يكون معيباً، وإن أعطته الوسط من المتاع جاز.
ووجه كون الدراهم ثلاثة لأن أقل الجمع ثلاثة، فإن كان ما في يدها درهمين فليس له إلا الذي في يدها ولو كان بلفظ الجمع وذلك لأنه عين بالذي في يدها فيتقيد به.

الجزء: 6 - الصفحة: 307

وَإِنْ خَالَعَهَا عَلى عَبْدٍ، فَخَرَجَ مَعِيْبًا، فَلَهُ أَرْشُهُ أَوْ رَدُّهُ وَأَخْذُ قِيْمَتِهِ (1)، وَإِنْ خَرَجَ مَغْصُوْبًا أَوْ حُرًّا، فَلَهُ قِيْمَتُهُ (2)،  (1)

قوله «وَإِنْ خَالَعَهَا عَلى عَبْدٍ، فَخَرَجَ مَعِيْبًا، فَلَهُ أَرْشُهُ أَوْ رَدُّهُ وَأَخْذُ قِيْمَتِهِ»:

هذه المسألة قد سبق ذكرها في كتاب البيوع وهي إذا ما اشترى الرجل سلعة فرآها معيبة هل يردها ويطلب القيمة التى اشتراها به, أم يمسكها ويطلب الأرش؟ وقد سبق الخلاف في هذه المسألة, وقلنا المذهب يرى جواز الأمرين، أي هو بالخيار بين رد السلعة وأخذ القيمة أو الإمساك بها مع الأرش, لكن الصواب كما سبق ليس له إلا الرد فقط أو الإمساك معيباً بلا أرش وذلك لأن المطالبة بالأرش معاوضة جديدة تحتاج إلى رضا الطرفين، والقاعدة الفقهية هنا ما قاله النبي -صلى الله عليه وسلم- «لا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلاَّ بِطِيبِ نَفْسِهِ» (1)، وهذا كما سبق هو الأظهر, وعلى ذلك نقول بأن الرجل ليس له الإمساك به مع طلب الأرش ليس له إلا طريق واحد أن يرده ويأخذ قيمته سليماً.

(2)

قوله «وَإِنْ خَرَجَ مَغْصُوْبًا أَوْ حُرًّا، فَلَهُ قِيْمَتُهُ»:

أي وإن خرج هذا العبد - الذي خالعها الزوج به - خرج مغصوباً أو حراً فله قيمته وذلك لأن العوض الذي كان عليه الخلع فاسد، فهو لا يجوز له الإمساك بمغصوب ولا حر، فإذا فسد العوض وجب الانتقال إلى القيمة كالمغصوب، وهل يصح الخلع؟ =257

الجزء: 6 - الصفحة: 308

وَيَصِحُّ الخُلْعُ مِنْ كُلِّ مَنْ يَصِحُّ طَلاقُهُ (1)، وَلا يَصِحُّ بَذْلُ العِوَضِ، إِلاَّ مِمَّنْ يَصِحُّ تَصَرُّفُهُ فِيْ الْمَالِ (2)،  =مثال ذلك: قالت المرأة للرجل خالعني على هذه السيارة فبانت السيارة مستحقة مغصوبة, أو خالعني على هذا فبان خمراً , فهنا يكون العوض محرماً فيكون باطلاً، والباطل لا يصح عوضاً.
فهل يصح العقد ويكون العوض في ذمة الزوجة أم للزوج أن يعود على العقد الذي هو بقاء الزوجة؟ نقول هذه المسألة محل خلاف بين الفقهاء: القول الأول: أن الخلع يكون صحيحاً في قول عامة أهل العلم وعليها أن ترد قيمة العوض.
القول الثاني: أن العقد لا يبقى ويعود الحال إلى ما كان عليه.
والصواب: ما ذهب إليه المؤلف، وهو قول عامة أهل العلم؛ أي يكون الخلع صحيحاً وله قيمته.

(1)

قوله «وَيَصِحُّ الخُلْعُ مِنْ كُلِّ مَنْ يَصِحُّ طَلاقُهُ»:

أي يصح الخلع من كل زوج يصح طلاقه, وهو كل مكلف مميز يعقل الطلاق, بأن يعلم أن النكاح يزول بالخلع وذلك بقياس الخلع على الطلاق في ذلك, بل في الخلع أولى لأنه في مقابل عوض, فإذا صح زوال النكاح بغير شيء كما في الطلاق, فمع وجود العوض يصح بطريق الأولى.
(2)

قوله «وَلا يَصِحُّ بَذْلُ العِوَضِ، إِلاَّ مِمَّنْ يَصِحُّ تَصَرُّفُهُ فِيْ الْمَالِ»:

فإن كانت هذه المرأة محجوراً عليها في مالها لسفه، أو جنون، أو صغر، =

الجزء: 6 - الصفحة: 309

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =وطلبت من الزوج أن يخالعها فرضي ببذل المهر الذي بذله, فأعطته المهر الذي معها, ولكنها محجور عليها فهنا هل يصح هذا الخلع؟ قال المؤلف: بأن هذا لا يصح لأنها ليست أهلاً للتصرف فيه لكونها محجوراً عليها لكنه يقع طلاقاً رجعياً لأنه لم يسلم له العوض، وسواء أذن لها الولي أو لم يأذن لأنه ليس له الإذن في التبرعات وهذا تبرع, ولأنه بذل عوض في عقد معاوضة فلم يصح إلا ممن يصح تصرفه في المال كالبيع.

الجزء: 6 - الصفحة: 310

كِتابُ الطَّلاقِ (1)  (1)

قوله «كِتابُ الطَّلاقِ»:

الطلاق في اللغة: التخلية، والإرسال، والترك، يقال: طَلَقَت الناقة بفتح اللام إذا سرحت حيث شاءت، وطلقت المرأة تَطْلُق طلاقاً، فهي طالق، وطالقة: إذا خُلِّيت من وثاق النكاح (1). أما في الشرع: فهو رفع قيد النكاح أو بعضه بلفظ مخصوص.

ذكر بعض الفوائد

:

- الفائدة الأُولى: في حكم مشروعية الطلاق:

لا خلاف بين الفقهاء في مشروعية الطلاق، والأصل في ذلك الكتاب والسنة والإجماع.
أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ 259، وقوله تعالى: ﴿يا أيها النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ﴾ 260. وأما السنة: فحديث عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- «طَلَّقَ حَفْصَةَ ثُمَّ رَاجَعَهَا» 261. وأيضاً حديث ابن عمر -رضي الله عنه- «أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَهْيَ حَائِضٌ عَلَى عَهْدِ=258

فصول الكتاب · 25 فصل
فصول وبل الغمامة في شرح عمدة الفقه لابن قدامة
المقدمةالمقدمةكِتَابُ الصَّلاةِكتاب الجنائزكِتَابُ الزَّكَاةِكِتَابُ الصِّيَامِكتاب الحجكِتَابُ الْبَيْعِكِتَابُ الْوَقْفِكِتَابُ الْوَصَايَاكتاب الفرائضكتاب النكاحكتاب النِّكاحِكِتابُ الصَّدَاقِ
قوله «كِتابُ الصَّدَاقِ»:حكم الصداققوله «كُلُّ مَا جَازَ أَنْ يَكُوْنَ ثَمَناً، جَازَ أَنْ يَكُوْنَ صَدَاقاً، قَلِيْلاً كَانَ أَوْ كَثِيْرًا»:قوله «لِقَوْلِ رَسُوْلِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- لِلَّذِيْ قَالَ لَهُ: زَوِّجْنِيْ هَذِهِ الْمَرْأَةَ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكَ بِهَا حَاجَةٌ التَمِسْ وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيْدٍ»:ذكر بعض الفوائد- الفائدة الأولى: هل يصح أن تكون المنافع صداقاً كتعليم القرآن وغيره؟قوله «فَإِذا زَوَّجَ الرَّجُلُ ابْنَتَهُ بِأَيِّ صَدَاقٍ كَانَ جَازَ»:قوله «وَلا يَنْقُصُهَا غَيْرَ الأَبِ مِنْ مَهْرِ مِثْلِهَا إِلاَّ بِرِضَاهَا»:ذكر بعض الفوائدالفائدة الثانية: هل يجوز لغير الأب أن يصدقها أقل من مهر المثل؟قوله «وَإِذَا أَصْدَقَهَا عَبْدًا بِعَيْنِهِ فَوَجَدَتْهُ مَعِيْبًا، خُيِّرَتْ بَيْنَ أَرْشِهِ وَرَدِّهِ وَأَخْذِ قِيْمَتِهِ»:قوله «وَإِنْ وَجَدَتْهُ مَغْصُوْبًا أَوْ حُرًّا، فَلَهَا قِيْمَتُهُ»:قوله «وَإِنْ كَانَتْ عَالِمَةً بِحُرِّيَّتِهِ أَوْ غَصْبِهِ حِيْنَ العَقْدِ، فَلَهَا مَهْرُ مِثْلِهَا»:قوله «وَإِنْ تَزَوَّجَهَا عَلى أَنْ يَشْتَرِيَ لَهَا عَبْدًا بِعَيْنِهِ، فَلَمْ يَبِعْهُ سَيِّدُهُ أَوْ طَلَبَ بِهِ أَكْثَرَ مِنْ قِيْمَتِهِ، فَلَهَا قِيْمَتُهُ»:فَصْلٌ فِيْ المُفَوَّضَةِقوله «فَصْلٌ فِيْ المُفَوَّضَةِ»:الأول: تفويض البضعالثاني: تفويض المهر،قوله «وَإِنْ تَزَوَّجَهَا بِغَيْرِ صَدَاقٍ، صَحَّ»:قوله «فَإِنْ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُوْلِ، لَمْ يَكُنْ لَهَا إِلاَّ الْمُتْعَةَ»:ذكر بعض الفوائدالفائدة الثانية: هل تجب المتعة لكل مطلقة؟قوله «عَلى الْمُوْسِعِ قَدَرُهُ وَعَلى الْمُقْتِرِ قَدَرُه»:قوله «وَأَعْلاهَا خَادِمٌ، وَأَدْنَاهَا كِسْوَةٌ يَجُوْزُ لَهَا الصَّلاةُ فِيْهَا»:قوله «فَإِنْ مَاتَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ الدُّخُوْلِ وَالفَرْضِ، فُرِضَ لَهَا مَهْرُ نِسَائِهَا، لا وَكْسَ وَلا شَطَطَ، وَلِلْباقِيْ مِنْهُمَا الْمِيْرَاثُ»:قوله «لأَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- قَضَى فِيْ بَرْوَعَ بِنْتِ وَاشِقٍ، لَمَّا مَاتَ زَوْجُهَا»:قوله «وَلَهَا الْمِيْرَاثُ، وَعَلَيْهَا العِدَّةُ»:فائدة: القاعدة في مهر المثلقوله «فَإِنْ فَرَضَ لَهَا مَهْرَ نِسَائِهَا أَوْ أَكْثَرَ، فَلَيْسَ لَهَا غَيْرُهُ، وَكَذلِكَ لَوْ فَرَضَ لَهَا أَقَلَّ مِنْهُ فَرَضِيَتْهُ»:فَصْلٌ فَيْ سُقُوْطِ الْمَهْرِ وَثُبُوْتِهِقوله «فَصْلٌ فَيْ سُقُوْطِ الْمَهْرِ وَثُبُوْتِهِ»:قوله «وَكُلُّ فُرْقَةٍ جَاءَتْ مِنَ الْمَرْأَةِ»:قوله «قَبْلَ الدُّخُوْلِ»:قوله «كَإِسْلامِهَا»:قوله «أَوِ ارْتِدَادِهَا»:قوله «أَوْ إِرْضَاعِهَا أَوْ ارْتِضَاعِهَا»:قوله «أَوْ فَسْخٍ لِعَيْبِهَا أَوْ فَسْخِهَا لِعَيْبِهِ»:قوله «أَوْ عِتْقِهَا»:قوله «يَسْقُطُ بِهِ مَهْرُهَا»:قوله «وَإِنْ جَاءَتْ مِنَ الزَّوْجِ، كَطَلاقِهِ وَخُلْعِهِ، تَنَصَّفَ بِهِ مَهْرُهَا بَيْنَهُمَا»:قوله «إِلاَّ أَنْ يَعْفُوَ لَهَا عَنْ نِصْفِهِ أَوْ تَعْفُوَ هِيَ عَنْ حَقِّهَا وَهِيَ رَشِيْدَةٌ»:قوله «فيُكْمَلُ الصَّدَاقُ لِلآخَرِ»:قوله «وَإِنْ جَاءَتْ مِنْ أَجْنَبِيٍّ»:قوله «وَمَتَى تَنَصَّفَ الْمَهْرُ وَكَانَ مُعَيَّنًا بَاقِيًا لَمْ تَتَغَيَّرْ قِيْمَتُهُ، صَارَ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ»:قوله «وَإِنْ زَادَ زِيَادَةُ مُنْفَصِلَةً، كَغَنَمٍ وَلَدَتْ»:قوله «فَالزِّيَادَةُ لَهَا وَالغَنَمُ بَيْنَهُمَا»:قوله «وَإِنْ زَادَ زِيَادَةً مُتَّصِلَةً، مِثْلُ إِنْ سَمِنَتِ الغَنَمُ»:قوله «خُيِّرَتْ بَيْنَ دَفْعِ نِصْفِهَا زَائِدًا وَبَيْنَ دَفْعِ نِصْفِ قِيْمَتِهَا يَوْمَ العَقْدِ»:إذا زاد صداق المرأة زيادة متصلة فلا يخلو من أقسام إذا كان هناك فرقة قبل الزواجقوله «وَإِنْ نَقَصَتْ، فَلَهَا الخِيَارُ بَيْنَ أَخْذِ نِصْفِهَا نَاقِصًا وَبَيْنَ أَخْذِ نِصْفِ قِيْمَتِهَا يَوْمَ العَقْدِ»:قوله «وَإِنْ تَلِفَتْ، فَلَهُ نِصْفُ قِيْمَتِهَا يَوْمَ العَقْدِ»:الحال الأولى: لم يتغير المهرالحال الثانية: أن يتغير المهر بزيادةالحال الثالثة: أن يتغير بنقصالحال الرابعة: أن يتلف المالقوله «وَمَتَى دَخَلَ بِهَا، اسْتَقَرَّ الْمَهْرُ وَلَمْ يَسْقُطْ بِشَيْءٍ»:قوله «وَإِنْ خَلا بِهَا بَعْدَ العَقْدِ، وَقَالَ لَمْ أَطَأْهَا، وَصَدَّقَتْهُ، اسْتَقَرَّ الْمَهْرُ وَوَجَبَتِ العِدَّةُ»:قوله «وَإِنِ اخْتَلَفَ الزَّوْجَانِ فِيْ الصَّدَاقِ أَوْ قَدْرِهِ، فَالقَوْلُ قَوْلُ مَنْ يَدَّعِيْ مَهْرَ المِثْلِ مِنْهُمَا مَعَ يَمِيْنِهِ»:بابُ عِشْرَةِ النِّسَاءِقوله «بابُ عِشْرَةِ النِّسَاءِ»:قوله «وَعَلى كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الزَّوْجَيْنِ مَعَاشَرَةُ صَاحِبِهِ بِالْمَعْرُوْفِ»:قوله «مِنْ غَيْرِ مَطْلٍ وَلا إِظْهَارِ الكَرَاهَةِ لِبَذْلِهِ»:المطل: التأخير، وفيه قوله -صلى الله عليه وسلم- «مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ»قوله «وَحَقُّهُ عَلَيْهَا تَسْلِيْمُ نَفْسِهَا إِلَيْهِ»:قوله «وَطَاعَتُهُ فِيْ الاِسْتِمْتَاعِ مَتَى أَرَادَهُ»:قوله «مَا لَمْ يَكُنْ لَهَا عُذْرٌ»:قوله «وَإِذَا فَعَلَتْ ذلِكَ»:قوله «فَلَهَا عَلَيْهِ قَدْرُ كِفَايَتِهَا مِنَ النَّفَقَةِ»:هل المعتبر في النفقة حال الزوج أو حال الزوجة؟فائدة: في وقت وجوب النفقةقوله «وَالكِسْوَةِ وَالمَسْكَنِ، بِمَا جَرَتْ بِهِ عَادَةُ أَمْثَالِهَا»:حد الكسوة التي يؤمر بها الزوجقوله «وَالمَسْكَنِ»:قوله «بِمَا جَرَتْ بِهِ عَادَةُ أَمْثَالِهَا»:قوله «فَإِنْ مَنَعَهَا ذلِكَ أَوْ بَعْضَهُ»:قوله «وَإِنْ لَمْ تَقْدِرْ عَلى الأَخْذِ لِعُسْرَتِهِ، أَوْ مَنَعَهَا، فاخْتَارَتْ فِرَاقَهُ، فَرَّقَ الحَاكِمُ بَيْنَهُمَا، سَوَاءٌ كَانَ الزَّوْجُ كَبِيْرًا أَوْ صَغِيْرًا»:لو امتنع الزوج من طلاقها فهل يطلقها الحاكم؟ذكر بعض الفوائد- الفائدة الثانية: إذا مضى زمن على الزوج ولم ينفق على المرأة، فهل تسقط النفقة أم لا؟- الفائدة الثالثة: إذا اختلف الزوج والزوجة في النفقةفائدة: النفقة تجب لأجل ثلاثة أشياءفَصْلٌ: حَقُّ الزَّوْجَةِ فِي الْمَبِيْتِ وَحُكْمُ اِلإِيْلاءِقوله «فَصْلٌ: حَقُّ الزَّوْجَةِ فِي الْمَبِيْتِ وَحُكْمُ اِلإِيْلاءِ»:قوله «وَلَهَا عَلَيْهِ الْمَبِيْتُ عِنْدَهَا لَيْلَةً مِنْ كُلِّ أَرْبَعٍ إِنْ كَانَتْ حُرَّةً»:- فائدة: إذا كان للزوج عذر كسفر وعمل ونحوه- فائدة: إذا كان الزوج يعمل ليلاً ولا يتمكن من العمل نهاراًقوله «وَمِنْ كُلِّ ثَمَانٍ إِنْ كَانَتْ أَمَةً، إَذا لَمْ يَكُنْ لَهُ عُذْر»:قوله «وَإِصَابَتُهَا مَرَّةً فِيْ كُلِّ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ عُذْرٌ»:وهل يحصل الإيلاء بما كان له حكم اليمين،قوله «فَتَرَبَّصَتْ أَرْبَعَةَ أَشْهُر»:قوله «ثُمَّ رَافَعَتْهُ إِلى الحَاكِمِ، فَأَنْكَرَ الإِيْلاء»:قوله «أَوْ مُضِيَّ الأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ»:قوله «أَوِ ادَّعَى أَنَّهُ أَصَابَهَا وَكَانَتْ ثَيِّباً»:قوله «فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِيْنِهِ»:- فائدة: إذا كانت المرأة بكراً أو ادعت البكارة وشهد بذلك امرأة عدل بأن بكارتها لم تزل،قوله «وَإِنْ أَقَرَّ بِذلِكَ»:قوله «أُمِرَ بِالفَيْئَةِ، وَهِيَ الجِمَاعُ، فَإِنْ فَاءَ، فَإِنَّ اللهَ غَفُوْرٌ رَحِيْمٌ»:قوله «وَإِنْ لَمْ يَفِئْ، أُمِرَ بِالطَّلاقِ»:قوله «فَإِنْ طَلَّقَ، وَإِلاَّ طَلَّقَ الحَاكِمُ عَلَيْهِ»:هل بانتهاء المدة ينقضي عقد الزوجية؟قوله «ثُمَّ إِنْ رَاجَعَهَا»:قوله «أَوْ تَرَكَهَا حَتَّى بَانَتْ، ثُمَّ تَزَوَّجَهَا»:قوله «وَقَدْ بَقِيَ أَكْثَرُ مِنْ مُدَّةِ الإِيْلاءَ»:قوله «وُقِفَ لَهَا كَمَا وَصَفَتْ»:قوله «وَمَنْ عَجَزَ عَنِ الفَيْئَةِ عِنْدَ طَلَبِهَا»:قوله «فَلْيَقُلْ: مَتَى قَدَرْتُ جَامَعْتُهَا»:قوله «وَيُؤَخَّرُ حَتَّى يَقْدِرُ عَلَيْهَا»:بَابُ القَسْمِ وَالنُّشُوْزِقوله «بابُ القَسْمِ وَالنُّشُوْزِ»:قوله «وَعَلى الرَّجُلِ أَنْ يُسَاوِيَ بَيْنَ نِسَائِهِ فِيْ القَسْمِ»:فائدة: هل يجب على الزوج العدل بين زوجاته في النفقة والكسوة؟قوله «وَعِمَادُهُ اللَّيْلُ»:قوله «فَيَقْسِمُ لِلأَمَةِ لَيْلَةً، وَلِلْحُرَّةِ لَيْلَتَيْنِ»:قوله «وَإِنْ كَانَتْ كِتَابِيَّةً»:قوله «وَلَيْسَ عَلَيْهِ الْمُسَاوَاةُ بَيْنَهُنَّ فِيْ الوَطْءِ»:- فائدة: هل يلزم أن يساوى بينهن في الحيض والنفاس وغير ذلك مما يكون مانعاً للوطء؟قوله «وَلَيْسَ لَهُ البَدَاءَةُ فِيْ القَسْمِ بِإِحْدَاهُنَّ، وَلا السَّفَرُ بِهَا إِلاَّ بِقُرْعَةٍ»:قوله «فَإِنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- كَانَ إِذَا أَرَادَ سَفَرًا، أَقْرَعَ بَيْنَ نِسَائِهِ فَأَيَّتُهُنَّ خَرَجَ سَهْمُهَا، خَرَجَ بِهَا مَعَهُ»قوله «وَلِلْمَرْأَةِ أَنْ تَهِبَ حَقَّهَا مِنَ القَسْمِ لِبَعْضِ ضَرَائِرِهَا بِإِذْنِ زَوْجِهَا»:قوله «وَإِذَا عَرَّسَ عَلى بِكْرٍ، أَقَامَ عِنْدَهَا سَبْعًا، ثُمَّ دَارَ»:قوله «وَإِنْ عَرَّسَ عَلى ثَيِّبٍ أَقَامَ عِنْدَهَا ثَلاثاً»:قوله «لِقَوْلِ أَنَسٍ: مِنَ السُّنَّةِ إِذَا تَزَوَّجَ البِكْرَ عَلى الثَّيِّبِ، أَنْ يُقِيْمَ عِنْدَهَا سَبْعًا، وَإِذَا تَزَوَّجَ الثَّيِّبَ عَلى البِكْرِ، أَقَامَ عِنْدَهَا ثَلاثاً»قوله «وَإِنْ أَحَبَّتِ الثَّيِّبُ أَنْ يُقِيْمَ عِنْدَهَا سَبْعًا، فَعَلَ، ثُمَّ قَضَاهُنَّ لِلْبَوَاقِيْ»:هل يقضي للنساء الأخريات سبع ليال أو يقضي أربع ليال لأن المرأة حقها ثلاث والأربع هذه ليست من حقها؟خلاصه فقه هذا الحديثفَصْلٌ فِيْ آدَابِ الجِمَاعِقوله «فَصْلٌ فِيْ آدَابِ الجِمَاعِ»:قوله «وَيُسْتَحَبُّ التَّسَتُّرُ عِنْدَ الجِمَاعِ»:فَصْلٌ فِيْ النُّشُوْزِقوله «فَصْلٌ فِيْ النُّشُوْزِ»:قوله «وَإِنْ خَافَتِ الْمَرْأَةُ مِنْ زَوْجِهَا نُشُوْزًا أَوْ إِعْرَاضًا، فَلا بَأْسَ أَنْ تَسْتَرْضِيَهُ بِإِسْقَاطِ بَعْضِ حُقُوْقِهَا»:قوله «كَمَا فَعَلَتْ سَوْدَةُ حِيْنَ خَافَتْ أَنْ يُطَلِّقَهَا رَسُوْلُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-»:قوله «وَإِنْ خَافَ الرَّجُلُ نُشُوْزَ امْرَأَتِهِ»:قوله «وَعَظَهَا»:قوله «فَإِنْ أَظْهَرَتْ نُشُوْزًا، هَجَرَهَا فِيْ المَضْجَعِ»:قوله «فَإِنْ لَمْ يَرْدَعْهَا ذلِكَ، فَلَهُ أَنْ يَضْرِبَهَا ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ»:قوله «وَإِنْ خِيْفَ الشِّقَاقُ بَيْنَهُمَا، بَعَثَ الحَاكِمُ حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا»:قوله «مَأْمُوْنَيْنِ»:هل يشترط أن يكون الحكمان من أهل الزوجين؟قوله «يَجْمَعَانِ إِنْ رَأَيَا وَيُفَرِّقَانِ»:قوله «فَمَا فَعَلا مِنْ ذلِكَ لَزِمَهُمَا»:قوله «بابُ الخُلْعِ»:ذكر بعض الفوائدالفائدة الثانية: الأصل في مشروعية الخلعباب الخلعالفائدة الرابعة: الخلع على ثلاثة أضربقوله «وَإِذَا كَانَتِ الْمَرْأَةُ مُبْغِضَةً لِلرَّجُلِ وَخَافَتْ أَنْ لا تُقِيْمَ حُدُوْدَ اللهِ فِيْ طَاعَتِهِ»:قوله «فَلَهَا أَنْ تَفْتَدِيَ نَفْسَهَا مِنْهُ بِمَا تَرَاضَيَا عَلَيْهِ»:الراجح من هذه الأقوالقوله «وَيُسْتَحَبُّ أَنْ لا يَأْخُذَ مِنْهَا أَكْثَرَ مِمَّا أَعْطَاهَا»:قوله «فَإِذَا خَالَعَهَا أَوْ طَلَّقَهَا بِعَوْضٍ، بَانَتْ مِنْهُ»:ذكر بعض الفوائدالفائدة الأولى: هل يملك الزوج مراجعة المعتدة في عدتها؟الفائدة الثانية: هل يحتاج الخلع إلى حكم القاضي؟قوله «وَلَمْ يَلْحَقْهَا طَلاقُهُ بَعْدَ ذلِكَ»:قوله «وَإِنْ وَاجَهَهَا بِهِ»:قوله «وَيَجُوْزُ الخُلْعُ بِكُلِّ مَا يَجُوْزُ أَنْ يَكُوْنَ صَدَاقًا»:قوله «وَبِالْمَجْهُوْلِ»:قوله «فَلَوْ قَالَتْ: اخْلَعْنِيْ بِمَا فِيْ يَدِيْ مِنَ الدَّرَاهِمِ، أَوْ مَا فِيْ بَيْتِيْ مِنَ الْمَتَاعِ فَفَعَلَ، صَحَّ، وَلَهُ مَا فِيْهِمَا»:قوله «فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيْهِمَا شَيْءٌ، فَلَهُ ثَلاثَةُ دَرَاهِمَ، وَأَقَلُّ مَا يُسَمَّى مَتَاعًا»:قوله «وَإِنْ خَالَعَهَا عَلى عَبْدٍ، فَخَرَجَ مَعِيْبًا، فَلَهُ أَرْشُهُ أَوْ رَدُّهُ وَأَخْذُ قِيْمَتِهِ»:قوله «وَإِنْ خَرَجَ مَغْصُوْبًا أَوْ حُرًّا، فَلَهُ قِيْمَتُهُ»:قوله «وَيَصِحُّ الخُلْعُ مِنْ كُلِّ مَنْ يَصِحُّ طَلاقُهُ»:قوله «وَلا يَصِحُّ بَذْلُ العِوَضِ، إِلاَّ مِمَّنْ يَصِحُّ تَصَرُّفُهُ فِيْ الْمَالِ»:قوله «كِتابُ الطَّلاقِ»:ذكر بعض الفوائد- الفائدة الأُولى: في حكم مشروعية الطلاق:
كتاب الطلاقكِتابُ الظِّهارِكِتابُ الأَطْعِمَةِكتاب الصيدكِتَابُ الأَيْمَانِكتاب الجناياتكِتابُ الدِّياتِكِتابُ الحُدُوْدِكِتابُ الجِهَادِكِتابُ القَضَاءِكِتابُ الشَّهَادَاتِ
جارٍ التحميل