وبل الغمامة في شرح عمدة الفقه لابن قدامةكِتابُ الجِهَادِ
أهل الأثرالأرشيف العلمي

(1)  (1)

قوله «كِتابُ الجِهَادِ»:

أي في هذا الموضع سأذكر لك جملة من الأحكام والمسائل المتعلقة بشعيرة الجهاد.
والجهاد: مصدر جاهد، وهو من الجهد - بفتح الجيم وضمها - أي الطاقة والمشقة، وقيل: الجهد - بفتح الجيم - هو المشقة، وبالضم الطاقة.
والجهاد القتال مع العدو كالمجاهدة، قال تعالى: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾ (1)، وفي حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: «لا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ، وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ» (2)، يقال: جاهد العدو مجاهدة وجهاداً إذا قاتله.
والجهاد اصطلاحاً: قتال مسلم كافراً غير ذي عهد بعد دعوته للإسلام وإبائه إعلاءً لكلمة الله.

ذكر بعض الفوائد

:

الفائدة الأولى: الحكمة في مشروعية الجهاد

: القصد من الجهاد دعوة غير المسلمين إلى الإسلام، أو الدخول في ذمة المسلمين ودفع الجزية، وجريان أحكام الإسلام عليهم، وبذلك ينتهي تعرضهم للمسلمين، واعتداؤهم على بلادهم، ووقوفهم في طريق نشر=12

الجزء: 8 - الصفحة: 187

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =الدعوة الإسلامية، وينقطع دابر الفساد، قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلا عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ (1). وقال عز وجل: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَل رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ (2). وقد مضت سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وسيرته، وسيرة الخلفاء الراشدين من بعده على جهاد الكفار، وتخييرهم بين ثلاثة أمور مرتبة، وهي: الأول: قبول الدخول في الإسلام.
الثاني: البقاء على دينهم مع أداء الجزية وعقد الذمة.
الثالث: فإن لم يقبلوا، فالقتال.

الفائدة الثانية: في أقسام الجهاد

: ينقسم الجهاد إلى ثلاثة أقسام: جهاد النفس، وجهاد المنافقين، وجهاد الكفار المبارِزين المعاندين.
أما النوع الأول: فهو جهاد النفس: وهو إرغامها على طاعة الله، ومخالفتها في الدعوة إلى معصية الله، وهذا الجهاد يكون شاقًّا على الإنسان مشقة شديدة، لا سيما إذا كان في بيئة فاسقة، فإن البيئة قد تعصف به حتى ينتهك حُرُمات الله، ويدع ما أوجب الله عليه.
أما النوع الثاني: فهو جهاد المنافقين، ويكون بالعلم، لا بالسلاح؛ =34

الجزء: 8 - الصفحة: 188

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =لأن المنافقين لا يقاتَلون، فإن النبي -صلى الله عليه وسلم- استؤذن أن يُقْتَلَ المنافقون الذين علم نفاقهم فقال: «لا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أَنَّهُ كَانَ يَقْتُلُ أَصْحَابَه» 5. والدليل على أنهم يُجاهَدون قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ 6. ولما كان جهاد المنافقين بالعلم، فالواجب علينا أن نتسلح بالعلم أمام المنافقين الذين يوردون الشبهات على دين الله، ليصدوا عن سبيل الله، فإذا لم يكن لدى الإنسان علم فإنه ربما تكثر عليه الشبهات والشهوات والبدع ولا يستطيع أن يردها.
أما النوع الثالث: فهو جهاد الكفار المبارِزين المعاندين المحاربين: وهذا يكون بالسلاح، وقد يقال: إن قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ 7، يشمل النوعين: جهاد المنافقين بالعلم، وجهاد الكفار بالسلاح، ولكنّ قول الرسول -صلى الله عليه وسلم-: «أَلا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيْ» 8، يؤيد أن المراد بذلك السلاح، والمقاتلة.

  • الفائدة الثالثة: الجهاد قد يكون: بالقلب كالعزم عليه، أو بالدعوة إلى الإسلام وشرائعه، أو بإقامة الحجة على المبطل، أو ببيان الحق وإزالة=

الجزء: 8 - الصفحة: 189

وَهُوَ فَرْضُ كِفَايَةٍ، إِذَا قَامَ بِهِ مَنْ يَكْفِيْ، سَقَطَ عَنِ البَاقِيْنَ (1)،  =الشبهة، أو بالرأي والتدبير فيما فيه نفع المسلمين، أو بالقتال بنفسه، فيجب الجهاد بغاية ما يمكنه.

الفائدة الرابعة: هل يكون الجهاد بالمال أو بالنفس أو بهما؟ .

نقول: أنه تارة يجب بالمال في حال من لا يقدر على الجهاد ببدنه، وتارة يجب بالبدن في حال من لا مال له، وتارة يجب بالمال والبدن في حال القادر ماليّاً وبدنيّاً.
وكما في القرآن الكريم فإن الله - عزّ وجل - يذكر الجهاد بالمال والجهاد بالنفس، ويقدم الجهاد بالمال في أكثر الآيات؛ لأن الجهاد بالمال أهون على النفوس من الجهاد بالنفس، وربما يحتاج الجند إلى المال أكثر مما يحتاجون إلى الرجال.

(1)

قوله «وَهُوَ فَرْضُ كِفَايَةٍ، إِذَا قَامَ بِهِ مَنْ يَكْفِيْ، سَقَطَ عَنِ البَاقِيْنَ»:

هذا هو حكم الجهاد؛ فهو فرض كفاية إذا قام به من يكفي سقط عن سائر الناس، وإلا أثم الكل، لأنه واجب في الجملة، وليس واجباً على الأعيان، أما كونه واجباً في الجملة فلقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَال وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ 9، وقوله تعالى: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالاً وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيل اللَّهِ﴾ 10، وقوله -صلى الله عليه وسلم-: «مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَغْزُ وَلَمْ يُحَدِّثْ نَفْسَهُ بِالغَزْوِ مَاتَ عَلَى شُعْبَةٍ مِنَ النِفَاقٍ» 11، وقد أجمع المسلمون في =

الجزء: 8 - الصفحة: 190

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =الجملة على وجوبه.
وأما كونه ليس واجباً على الأعيان فلقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلٍّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ﴾ 12، وقوله تعالى: ﴿فَضَّل اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّل اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ 13، فأثبت للمجاهد والقاعدين الأجر.
ولو كان فرض عين لكان القاعد آثماً، ولأن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يبعث السرايا ويقيم هو وأصحابه، فإذا لم يجب في الجملة ولم يجب على الأعيان، لزم كونه فرض كفاية.
وأما قوله تعالى: ﴿إِلاَّ تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ 14، فقد قال ابن عباس رضي الله عنهما: نسخها قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾ 15 16، ويحتمل أنه أراد حينما استنفرهم النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى غزوة تبوك، ولذا هجر النبي -صلى الله عليه وسلم- كعب بن مالك -رضي الله عنه- ومن تخلف معه حتى تاب الله عليهم.
ومعنى الكفاية في الجهاد: أن ينهض إليه قوم يكفون في جهادهم، =

الجزء: 8 - الصفحة: 191

وَيَتَعَيَّنُ عَلى مَنْ حَضَرَ الصَّفَّ، أَوْ حَصَرَ العَدُوُّ بَلَدَهُ (1)،  =إما أن يكونوا جنداً لهم دواوين من أجل ذلك، أو يكونوا أعدوا أنفسهم له تطوعاً بحيث إذا قصدهم العدو حصلت المنعة بهم، ويكون في الثغور من يدفع العدو عنها، ويبعث في كل سنة جيشاً يغيرون على العدو في بلادهم.

(1)

قوله «وَيَتَعَيَّنُ عَلى مَنْ حَضَرَ الصَّفَّ، أَوْ حَصَرَ العَدُوُّ بَلَدَهُ»:

ذهب جمهور الفقهاء إلى أنه يصير الجهاد فرض عين في كل من الحالات الآتية:

الحالة الأولى: إذا التقى الزحفان، وتقابل الصفان

، حرم على من حضر الانصراف، وتعين عليه المقام لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلَحُونَ * وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (1).

الحالة الثانية: إذا هجم العدو على قوم بغتة

، فيتعين عليهم الدفع ولو كان امرأةً أو صبياً، أو هجم على من بقربهم، وليس لهم قدرة على دفعه، فيتعين على من كان بمكان مقارب لهم أن يقاتلوا معهم إن عجز من فجأهم العدو عن الدفع عن أنفسهم، ومحل التعين على من بقربهم إن لم يخشوا على نسائهم وبيوتهم من عدو بتشاغلهم بمعاونة من فجأهم العدو، وإلا تركوا إعانتهم.

الحالة الثالثة: إذا استنفر الإمام قوما

ً لزمهم النفير معه إلا من له عذر قاطع؛ لقول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُوا=17

الجزء: 8 - الصفحة: 192

وَلا يَجِبُ إِلاَّ عَلى ذَكَرٍ حُرٍّ، بَالِغٍ، عَاقِلٍ، مُسْتَطِيْعٍ (1)،  = فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ} (1)، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «لا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ وَإِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا» (2)، وذلك لأن أمر الجهاد موكول إلى الإمام واجتهاده ويلزم الرعية طاعته فيما يراه من ذلك.

(1)

قوله «وَلا يَجِبُ إِلاَّ عَلى، ذَكَرٍ، حُرٍّ، بَالِغٍ، عَاقِلٍ، مُسْتَطِيْعٍ»:

أي إنما يجب الجهاد على من تحققت فيه هذه الشروط: 1 -

أن يكون ذَكراً،

فلا يجب على المرأة، لحديث عائشة رضي الله عنها أنها قالت: يَا رَسُولَ اللَّهِ، عَلَى النِّسَاءِ جِهَادٌ؟ قَالَ: «نَعَمْ، جِهَادٌ لا قِتَالَ فِيهِ، الحَجُّ وَالعُمْرَةُ» 20، ولأن المرأة ليست من أهل القتال، لضعفها وَخَوَرِها، وعلى ذلك فلا يجب عليهن الجهاد ما لم يتعين في الأحوال الثلاثة المتقدمة.
أما إخراج النساء مع المجاهدين فيكره في سرية لا يؤمن عليها؛ لأن فيه تعريضهن للضياع، ويمنعهن الإمام من الخروج للافتتان بهن، ولسن من أهل القتال لاستيلاء الخور والجبن عليهن؛ ولأنه لا يؤمن ظفر العدو بهن، فيستحلون منهن ما حرم الله تعالى.
=1819

الجزء: 8 - الصفحة: 193

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =وصرح الحنابلة (1) باستثناء امرأة الأمير لحاجته، أو امرأةً طاعنةً لمصلحة فقط، فإنه يؤذن لمثلهما؛ فعن الربيع بنت معوذ قالت: «كنا نغزو مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فنسقي القوم ونخدمهم الماء، ونرد الجرحى والقتلى إلى المدينة» (2).

2 -

أن يكون حُرَّاً،

فلا يجب الجهاد على العبد، لحديث جابر -رضي الله عنه- قال: جَاءَ عَبْدٌ فَبَايَعَ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- وَلَمْ يَشْعُرْ أَنَّهُ عَبْدٌ، فَجَاءَ سَيِّدُهُ يُرِيدُهُ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم-: «بِعْنِيهِ»، فَاشْتَرَاهُ بِعَبْدَينِ أَسْوَدَينِ، ثُمَّ لَمْ يُبَايِعْ أَحَداً بَعْدُ حَتَّى يَسْأَلَهُ: «أَعَبْدٌ هُوَ؟ » (3)، ولأن الجهاد عبادة تتعلق بقطع مسافة، فلم يجب على العبد، كالحج.

3 -

أن يكون مُكَلفَاً،

وهو من اجتمع فيه وصفان البلوغ والعاقل، لأن غير المكلف لا يجب عليه شيء من فروع الإسلام، فكذلك الجهاد.
4 -

أن يكون مُستَطِيعَاً،

فلا يجب على غير المستطيع، كالمريض، والأعمى، والأعرج، وغير القادر على نفقته، وما يحمله، وما يقاتل به، لأنه عاجز، والعجز ينفي الوجوب شرعاً، قال تعالى: ﴿لَّيْسَ عَلَى الضُّعَفَاء وَلا عَلَى الْمَرْضَى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلّهِ وَرَسُولِهِ﴾ 24.212223

الجزء: 8 - الصفحة: 194

وَالجِهَادُ أَفْضَلُ التَّطَوُّعُ؛ لِقَوْلِ أَبِيْ هُرَيْرَةَ: سُئِلَ رَسُوْلُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، أَيُّ الأَعْمَالِ أَفْضَلُ، أَوْ أَيُّ الأَعْمَالِ خَيْرٌ؟ قَالَ: «إِيْمَانٌ بِاللهِ وَرَسُوْلِهِ» قَالَ: ثُمَّ أَيُّ شَيْءٍ؟ قَالَ: «الجِهَادُ فِيْ سَبِيْلِ اللهِ، ثُمَّ حَجٌّ مَبْرُوْرٌ».
وَعَنْ أَبِيْ سَعِيْدٍ قَالَ: سُئِلَ رَسُوْلُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: أَيُّ النَّاسِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «رَجُلٌ يُجَاهِدُ فِيْ سَبِيْلِ اللهِ بِمَالِهِ وَنَفْسِهِ» 25،  (1)

قوله «وَالجِهَادُ أَفْضَلُ التَّطَوُّعُ؛ لِقَوْلِ أَبِيْ هُرَيْرَةَ: سُئِلَ رَسُوْلُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، أَيُّ الأَعْمَالِ أَفْضَلُ، أَوْ أَيُّ الأَعْمَالِ خَيْرٌ؟ قَالَ: «إِيْمَانٌ بِاللهِ وَرَسُوْلِهِ» قَالَ: ثُمَّ أَيُّ شَيْءٍ؟ قَالَ: «الجِهَادُ فِيْ سَبِيْلِ اللهِ، ثُمَّ حَجٌّ مَبْرُوْرٌ» (1). وَعَنْ أَبِيْ سَعِيْدٍ قَالَ: سُئِلَ رَسُوْلُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: أَيُّ النَّاسِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «رَجُلٌ يُجَاهِدُ فِيْ سَبِيْلِ اللهِ بِمَالِهِ وَنَفْسِهِ»

26. ذكر المؤلف بعض الأدلة التي تدل على فضل الجهاد في سبيل الله.
فالجهاد عظيم، وحاصله بذل الإنسان نفسه ابتغاء مرضاة الله تعالى، وتقرباً بذلك إليه سبحانه وتعالى.
فلقد فضل الله المجاهدين على القاعدين في قوله عز وجل: ﴿لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيل اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّل اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّل اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ 27، وقوله تعالى: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا =

الجزء: 8 - الصفحة: 195

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} 28، وقَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيل اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيل وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ 29، وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيل اللَّهِ أَمْوَاتًا بَل أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ 30. أما أدلة السنة فهي كثيرة جداً، فمن ذلك ما ذكره المؤلف هنا: 1 - كما قي حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- حيث جعله من أفضل الأعمال: فعن أبي هريرة قال: سئل رسول الله أَي الْعمل أَفضل؟ قال: «إِيمَانٌ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ.
قِيل: ثُمَّ مَاذَا؟ قَال: الْجِهَادُ فِي سَبِيل اللَّهِ» 31، وكما في حديث أبي سعيد -رضي الله عنه- حيث جعل المجاهد في سبيل الله من أفضل الناس.
2 - ومن ذلك أيضاً: حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: «مَثَل الْمُجَاهِدِ فِي سَبِيل اللَّهِ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَنْ يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِهِ - كَمَثَل الصَّائِمِ الْقَائِمِ، وَتَوَكَّل اللَّهُ لِلْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِهِ، بِأَنْ يَتَوَفَّاهُ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، أَوْ يُرْجِعَهُ سَالِمًا مَعَ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ» 32.

الجزء: 8 - الصفحة: 196

وَغَزْوُ البَحْرِ أَفْضَلُ مِنْ غَزْوِ البَرِّ (1)، وَيُغْزَى مَعَ كُلِّ بِرٍّ وَفَاجِرٍ (2)،  3 - أن أفضل ما يتطوع به الجهاد، قال الإمام أحمد بن حنبل (1): «لا أعلم شيئاً بعد الفرائض أفضل من الجهاد».

(1)

قوله «وَغَزْوُ البَحْرِ أَفْضَلُ مِنْ غَزْوِ البَرِّ»:

أي إن الغزو في البحر أفضل من الغزو في البر، لما روى أنس -رضي الله عنه- قال: نَامَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- القَيلولةَ عِنْدَ أُمِّ حَرَامٍ بِنْتِ مِلحَانَ، ثُمَّ اسْتَيْقَظَ وَهُو يَضْحَكُ، قُلتُ: مَا يُضْحِكُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ: «نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي عُرِضُوا عَلَيَّ غُزَاةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ، يَرْكَبُونَ ثَبَجَ هَذَا البَحْرِ، مُلُوكاً عَلَى الأَسِرَّةِ، أَو مِثْلَ المُلُوكِ عَلَى الأَسِرَّةِ .. » الحديث (2). وعن أم حرام رضي الله عنها أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «المَائِدُ فِي البَحْرِ - الَّذِي يُصِيبُهُ القَيءُ - لَهُ أَجْرُ شَهِيدٍ، وَالغَرِقُ لَهُ أَجْرُ شَهِيدَينِ» (3). ولأن شهيد البحر أعظم خطراً ومشقةً، لأنه بين خطر العدو وخطر الغرق، ولا يتمكن من الفرار إلا مع أصحابه، فكان أفضل من غيره.

(2)

قوله «وَيُغْزَى مَعَ كُلِّ بِرٍّ وَفَاجِرٍ»:

صرح بذلك جمهور الفقهاء، يعني يجاهد مع كل إمام براً كان أو فاجراً، ولأن ترك الجهاد مع الفاجر يفضي إلى قطعه، وظهور الكفار على المسلمين، واستئصالهم، وظهور كلمة=333435

الجزء: 8 - الصفحة: 197

وَيُقَاتِلُ كُلُّ قَوْمٍ مَنْ يَلِيْهِمْ مِنَ العَدُوِّ (1)،  =الكافر، وفيه فساد عظيم، قال الله تعالى: ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ (1)

- فائدة: قال الإمام أحمد لا يعجبني أن يخرج مع الإمام أو القائد إذا عرف بالهزيمة وتضييع المسلمين

وإنما يغزو مع من له شفقة وحيطة على المسلمين، فإن كان يُعرف بشرب الخمر والغلول يغزى معه إنما ذلك في نفسه، ويروى عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: «وَإِنَّ اللَّهَ لَيُؤَيِّدُ هَذَا الدِّينَ بِالرَّجُلِ الْفَاجِرِ» (2) (3). (1)

قوله «وَيُقَاتِلُ كُلُّ قَوْمٍ مَنْ يَلِيْهِمْ مِنَ العَدُوِّ»:

الأصل في هذا قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ 39، ولأن الأقرب أكثر ضرراً، وفي قتاله دفع ضرره عن المقاتل له وعمن وراءه، ولأن الاشتغال بالبعيد عنه يمكنه من انتهاز الفرصة في المسلمين لاشتغالهم عنه، إلا أن تدعو الحاجة إلى البداءة بغيرهم، إما لانتهاز فرصة فيهم، أو خوف الضرر تركهم، أو لمانع من قتال الأقرب؛ فيبدأ بالأبعد لذلك.363738

الجزء: 8 - الصفحة: 198

وَتَمَامُ الرِّبَاطِ أَرْبَعُوْنَ يَوْمًا، وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- أَنَّهُ قَالَ: «رِبَاطُ يَوْمٍ فِيْ سَبِيْلِ اللهِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ يَوْمٍ فِيْمَا سِوَاهُ» وَقَالَ: «رِبَاطُ يَوْمٍ فِيْ سَبِيْلِ اللهِ خَيْرٌ مِنْ صِيَامِ شَهْرٍ وَقِيَامِهِ 41،  (1)

قوله «وَتَمَامُ الرِّبَاطِ أَرْبَعُوْنَ يَوْمًا، وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- أَنَّهُ قَالَ: «رِبَاطُ يَوْمٍ فِيْ سَبِيْلِ اللهِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ يَوْمٍ فِيْمَا سِوَاهُ» (1). وَقَالَ: «رِبَاطُ يَوْمٍ فِيْ سَبِيْلِ اللهِ خَيْرٌ مِنْ صِيَامِ شَهْرٍ وَقِيَامِهِ»

الجزء: 8 - الصفحة: 199

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =واحدة حصل له أجر، قال الإمام «أحمد يوم رباط وليلة رباط وساعة رباط» (1)، وتمامه أربعون يوماً، والرباط على أنواع منها:

الأول: الرباط على الثغور

: وهذا هو المراد من كلام المؤلف، وعليه تحمل النصوص التي وردت في فضل الرباط.
لأن المرابط على الثغر رابط في نحر العدو وهذا هو أعلى درجات المرابطة.

الثاني: الرباط على الخير وحبس النفس على طاعة الله سبحانه

وتعالى: كما في حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «أَلا أَدُلُّكُمْ عَلَى مَا يَمْحُو اللَّهُ بِهِ الْخَطَايَا وَيَرْفَعُ بِهِ الدَّرَجَاتِ، قَالُوا بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: إِسْبَاغُ الْوُضُوءِ عَلَى الْمَكَارِهِ وَكَثْرَةُ الْخُطَا إِلَى الْمَسَاجِدِ وَانْتِظَارُ الصَّلاةِ بَعْدَ الصَّلاةِ فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ ثَلاثاً» (2).

الثالث: جهاد النفس

: وذلك بكفها عن فعل الشر وإلزامها بفعل الخير وحضها عليه، وهذا النوع من الرباط في بعض الأحيان يكون أعظم من جهاد العدو، وذلك أن جهاد النفس أعظم فتنة، ولربما انتكس الإنسان إذا لم يوفق فيه بخلاف جهاد العدو، ومن هنا قالوا إن الرباط على الطاعة أفضل وأكمل وذلك أن الإنسان إذا رابط على هذه الخصال وداوم عليها رزق المرابطة على الخير.4445

الجزء: 8 - الصفحة: 200

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ذكر بعض الفوائد

:

  • الفائدة الأُولى: لا يستحب لمن رابط أن يحمل نساءه وذريته في المواضع المخوفة: لئلا يظفر العدو بذلك الثغر فيستولي على من فيه من نساء المسلمين وذراريهم، فهو موضع مخوف يحتمل في كل وقت أن يظفر فيه العدو، بل إن القول بالتحريم يقوى في تلك المواضع، فلا ينبغي للمسلمين أن يحملوا نساءهم وذراريهم إلى تلك المواضع المخوفة.
    ويستثنى من ذلك أهل الثغر، أي أهل تلك البلدة فإنه لا قرار لحياتهم إلا بذلك، فهم أهل الثغر وسكانه.
    أما من يأتي إليهم من المرابطين في سبيل الله فليس لهم أن يحملوا نساءهم وذراريهم.
  • الفائدة الثانية: من الأعمال الفاضلة: الحراسة في سبيل الله: 1 - فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: سمعت رسول اللَّه -صلى الله عليه وسلم- يقول: «عَيْنَانِ لا تَمَسُّهُمَا النَّارُ عَيْنٌ بَكَتْ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَعَيْنٌ بَاتَتْ تَحْرُسُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» 46. 2 - وقال -صلى الله عليه وسلم- لأنس بن أبي مرثد الغنوي -رضي الله عنه- وقد بات يحرسهم ليلة: «قَدْ أَوْجَبْتَ فَلا عَلَيْكَ أَنْ لا تَعْمَلَ بَعْدَهَا» 47.

الجزء: 8 - الصفحة: 201

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  -

الفائدة الثالثة: في المفاضلة بين طلب العلم والجهاد في سبيل الله

: المشهور من مذهب الإمام أحمد 48 أن الجهاد في سبيل الله أفضل الأعمال، فهو أفضل من سائر النوافل، واستدلوا لذلك بما ثبت في الصحيحين أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قيل له: أي الناس أفضل؟ فقال: «مُؤْمِنٌ يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ» 49، ولاشك أن تفضيل المتصف بهذه الصفة وجعله أفضل من غيره يدل على أن هذه الصفة أفضل من غيرها من الصفات، وعن أَبي هريرة -رضي الله عنه-: أَنَّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- سئل: أَي العمل أَفضل؟ فَقَالَ: «إِيمَانٌ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ» قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: «الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: «حَجٌّ مَبْرُورٌ» 50. والرواية الثانية: أن تعلّم العلم وتعليمه أفضل من الجهاد في سبيل الله.
قلت: الظاهر أن العلم تعلماً وتعليماً نوع من أنواع الجهاد في سبيل الله وأن تفضيل أحد النوعين على الآخر راجع إلى المصلحة العامة.
فإذا كان الاشتغال بالعلم أصلح للأمة من الاشتغال بالجهاد - كما في هذه الأزمان - فإن العلم أفضل، وأما إن كانت الأمة محتاجة إلى الجهاد في سبيل الله وإلى المجاهدين فإن الاشتغال بالجهاد في سبيل الله أفضل من العلم.

الجزء: 8 - الصفحة: 202

وَمَنْ مَاتَ مُرَابِطًا فِيْ سَبِيْلِ اللهِ، جَرَى لَهُ أَجْرُهُ إِلى يَوْمِ القِيَامَةِ وَوُقِيَ الفَتَّانُ» (1)، وَلا يُجَاهِدُ مَنْ أَحَدُ أَبَوَيْهِ مُسْلِمٌ، إِلاَّ بِإِذْنِهِ، إِلاَّ أَنْ يَتَعَيَّنَ عَلَيْهِ (2)،  (1)

قوله «وَمَنْ مَاتَ مُرَابِطًا فِيْ سَبِيْلِ اللهِ، جَرَى لَهُ أَجْرُهُ إِلى يَوْمِ القِيَامَةِ وَوُقِيَ الفَتَّانُ»:

وذلك لحديث «رِبَاطُ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ خَيْرٌ مِنْ صِيَامِ شَهْرٍ وَقِيَامِهِ وَإِنْ مَاتَ جَرَى عَلَيْهِ عَمَلُهُ الَّذِي كَانَ يَعْمَلُهُ وَأُجْرِىَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ وَأَمِنَ الْفَتَّانَ» (1)، فهذه فضيلة مختصة به، أي أن عمله يجرى له أجره بعد موته.
وقد جاء هذا مبينًا في قوله -صلى الله عليه وسلم-: «كُلُّ مَيِّتٍ يُخْتَمُ عَلَى عَمَلِهِ إِلاَّ الَّذِي مَاتَ مُرَابِطًا فِي سَبِيلِ اللهِ، فَإِنَّهُ يَنْمُو عَمَلُهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَيَأْمَنُ فِتْنَةَ الْقَبْرِ» (2).

(2)

قوله «وَلا يُجَاهِدُ مَنْ أَحَدُ أَبَوَيْهِ مُسْلِمٌ، إِلاَّ بِإِذْنِهِ، إِلاَّ أَنْ يَتَعَيَّنَ عَلَيْهِ»:

أي: لا يجوز الجهاد إلا بإذن الأبوين المسلمين، أو بإذن أحدهما إن كان الآخر كافراً، إلا إذا تعين، كأن ينزل العدو بقوم من المسلمين، ففرض على كل من يمكنه إعانتهم أن يقصدهم مغيثاً لهم، أَذِنَ الأبوان أم لم يأذنا، إلا أن يضيعا، أو أحدهما بعده، فلا يحل له ترك من يضيع منهما لحديث عبد الله بن عمرو بن العاص -رضي الله عنه- قال: جاء رجل إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فاستأذنه في الجهاد، فقال -صلى الله عليه وسلم-: «أَحَيٌّ وَالِدَاكَ؟ » قَال: نَعَمْ.
قَال: =5152

الجزء: 8 - الصفحة: 203

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  = «فَفِيهِمَا فَجَاهِدْ» 53. فدل على أن بر الوالدين مقدم على الجهاد، ولأن الأصل في الجهاد أنه فرض على الكفاية ينوب عنه غيره فيه، وبر الوالدين فرض يتعين عليه؛ لأنه لا ينوب عنه فيه غيره.
وأما إن كان الأبوان كافرين أو أحدهما، فيرى جمهور الفقهاء أنه يجوز أن يجاهد من غير إذنهما؛ لأن أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كانوا يجاهدون، وفيهم من له أبوان كافران من غير استئذانهما، منهم أبو بكر الصديق وأبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة كان مع النبي -صلى الله عليه وسلم- وأبوه رئيس المشركين، ولأن الكافر متهم في الدين بالمنع من الجهاد لمظنته قصد توهين الإسلام.
وقال الحنفية 54 «إنه لا يخرج إلا بإذن الأبوين الكافرين أو أحدهما إذا كره خروجه مخافةً ومشقةً، وأما إذا كان لكراهة قتال أهل دينه فلا يطيعه ما لم يخف عليه الضيعة.
إذ لو كان معسراً محتاجاً إلى خدمته فرضت عليه ولو كافراً، وليس من الصواب ترك فرض عين ليتوصل إلى فرض كفاية، وذلك لعموم الأحاديث»، وإنما يجب استئذان الأبوين في الجهاد إذا لم يكن متعيناً، ولكن إذا تعين عليه الجهاد فلا إذن لهما من غير خلاف بين الفقهاء؛ لأنه صار فرض عين، وتركه معصية، ولا طاعة لأحد في معصية الله.

الجزء: 8 - الصفحة: 204

وَلا يَدْخُلُ مِنَ النِّسَاءِ أَرْضَ الحَرْبِ إِلاَّ امْرَأَةً طَاعِنَةً فِيْ السِّنِّ؛ لِسَقْيِ المَاءِ وَمُعَالَجَةِ الجَرْحَى (1)، وَلا يُسْتَعَانُ بِمُشْرِكٍ إِلاَّ عِنْدَ الحَاجَةِ إِلَيْهِ (2)،  (1)

قوله «وَلا يَدْخُلُ مِنَ النِّسَاءِ أَرْضَ الحَرْبِ إِلاَّ امْرَأَةً طَاعِنَةً فِيْ السِّنِّ؛ لِسَقْيِ المَاءِ وَمُعَالَجَةِ الجَرْحَى»:

يكره، وقيل: بل يحرم دخول النساء الشواب أرض العدو لأنهن لسن من أهل القتال وقلما ينتفع بهن فيه لاستيلاء الجبن والخور عليهن ولا يؤمن ظفر العدو بهن فيستحلون ما حرم الله منهن، فأما المرأة الطاعنة في السن وهي الكبيرة إذا كان فيها نفع مثل سقي الماء ومعالجة الجرحى فلا بأس به، فقد كانت أم سليم ونسيبة بنت كعب تغزوان مع النبي -صلى الله عليه وسلم-، فأما نسيبة فكانت تقاتل وقُطِعتْ يدها يوم اليمامة، وقالت الربيع كنا نغزو مع النبي -صلى الله عليه وسلم- لسقي الماء ومعالجة الجرحى.
وقال أنس كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- «يغزو بأم سليم ونسوة معها من الأنصار يسقين الماء ويداوين الجرحى»؟ . (2)

قوله «وَلا يُسْتَعَانُ بِمُشْرِكٍ إِلاَّ عِنْدَ الحَاجَةِ إِلَيْهِ»:

أي لا يستعان بالمشركين على المشركين، وقد اختلف العلماء رحمهم الله في حكم الاستعانة بالكفار في قتال الكفار على ثلاثة أقوال: أحدهما: المنع من ذلك، واحتجوا على ذلك بحديث عائشة رضي الله عنها قالت: «خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قِبَلَ بَدْرٍ فَلَمَّا كَانَ بِحَرَّةِ الْوَبَرَةِ أَدْرَكَهُ رَجُلٌ قَدْ كَانَ يُذْكَرُ مِنْهُ جُرْأَةٌ وَنَجْدَةٌ فَفَرِحَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- حِينَ رَأَوْهُ فَلَمَّا أَدْرَكَهُ قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- جِئْتُ لأَتَّبِعَكَ وَأُصِيبَ مَعَكَ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ قَالَ لا، قَالَ: «فَارْجِعْ فَلَنْ أَسْتَعِينَ=

الجزء: 8 - الصفحة: 205

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  = بِمُشْرِكٍ»، قَالَتْ: ثُمَّ مَضَى حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالشَّجَرَةِ أَدْرَكَهُ الرَّجُلُ فَقَالَ لَهُ كَمَا قَالَ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- كَمَا قَالَ أَوَّلَ مَرَّةٍ قَالَ: «فَارْجِعْ فَلَنْ أَسْتَعِينَ بِمُشْرِكٍ»، قَالَ: ثُمَّ رَجَعَ فَأَدْرَكَهُ بِالْبَيْدَاءِ فَقَالَ لَهُ كَمَا قَالَ أَوَّلَ مَرَّةٍ «تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ» قَالَ: نَعَمْ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- «فَانْطَلِقْ» 55. القول الثاني: وهو رواية في مذهب أحمد 56، وهو ظاهر كلام الخرقي وقول الشافعي 57، واختيار المؤلف وهي أن للإمام أن يأذن للمشركين أن يغزوا معه، ويستعين بهم بشرطين: أحدهما: أن يكون في المسلمين قلة بحيث تدعو الحاجة إلى ذلك.
الثاني: أن يكون من يستعان به حسن الرأي في المسلمين، فإن كان غير مأمون عليهم لم تجز الاستعانة به، لأننا إذا منعنا الاستعانة بمن لا يؤمن من المسلمين مثل المخذل والمرجف فالكافر أولى.
القول الثالث: وهو قول أبي حنيفة 58: يستعان بهم ويعاونون على الإطلاق، ومتى كان حكم الإسلام هو الغالب الجاري عليهم، فإن كان حكم الشرك هو الغالب كره.
قلت: والأظهر عندي هو القول الثاني، وهو اختيار ابن القيم 59، وشيخنا 60. =

الجزء: 8 - الصفحة: 206

وَلا يَجُوْزُ الجِهَادُ إِلاَّ بِإِذْنِ الأَمِيْرِ (1)،  =وقوله -صلى الله عليه وسلم-: «فَارْجِعْ فَلَنْ أَسْتَعِينَ بِمُشْرِكٍ»، هذا حين لم تكن المصلحة ظاهرة في الاستعانة به، وأما إذا كانت المصلحة ظاهرة في الاستعانة به وأمن شره فإن الاستعانة به جائزة لا حرج فيها جلباً للمصلحة ودرءًا للمفسدة، وأما عند الضرورة فلا إشكال في جوازه فإن المحرمات تباح عند الضرورة إليها.

(1)

قوله «وَلا يَجُوْزُ الجِهَادُ إِلاَّ بِإِذْنِ الأَمِيْرِ»:

أي لا يجوز غزو الجيش إلا بإذن الإمام مهما كان الأمر؛ لأن المخاطب بالغزو والجهاد هم ولاة الأمور، وليس أفراد الناس، فأفراد الناس تبع لأهل الحل والعقد، فلا يجوز لأحد أن يغزو دون إذن الإمام إلاّ على سبيل الدفاع، وإذا فاجأهم عدو يخافون كلَبه فحينئذ لهم أن يدافعوا عن أنفسهم لتعين القتال إذاً.
وإنما لم يجز ذلك؛ لأن الأمر منوط بالإمام، فالغزو بلا إذنه افتيات وتعدٍّ على حدوده، ولأنه لو جاز للناس أن يغزوا بدون إذن الإمام لأصبحت المسألة فوضى، كل من شاء ركب فرسه وغزا، ولأنه لو مكن الناس من ذلك لحصلت مفاسد عظيمة، فقد تتجهز طائفة من الناس على أنهم يريدون العدو، وهم يريدون الخروج على الإمام، أو يريدون البغي على طائفة من الناس، كما قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ 61، فلهذه الأمور الثلاثة ولغيرها - أيضاً - لا يجوز الغزو إلا بإذن الإمام.

الجزء: 8 - الصفحة: 207

إِلاَّ أَنْ يَفْجَأَهُمْ عَدُوٌّ يَخَافُوْنَ كَلَبَهُ، أَوْ تَعْرِضَ فُرْصَةٌ يَخَافُوْنَ فَوْتَهَا (1)، وَإِذَا دَخَلُوْا أَرْضَ الحَرْبِ، لَمْ يَجُزْ لِأَحَدٍ أَنْ يَخْرُجَ مِنَ العَسْكَرِ لِتَعَلُّفٍ، أَوِ احْتِطَابٍ، أَوْ غَيْرِهِ، إِلاَّ بِإِذْنِ الأَمِيْرِ (2)، وَمَنْ أَخَذَ مِنْ دَارِ الحَرْبِ مَالَهُ قِيْمَةٌ، لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَخْتَصَّ بِهِ (3)،  (1)

قوله «إِلاَّ أَنْ يَفْجَأَهُمْ عَدُوٌّ يَخَافُوْنَ كَلَبَهُ، أَوْ تَعْرِضَ فُرْصَةٌ يَخَافُوْنَ فَوْتَهَا»:

أي لا يحتاج إلى إذن الإمام في مسألتين:

الأولى: «أن يفجأهم عدو يخافون كلَبه»:

أي شره وأذاه، فلا يحتاجون إلى الإذن، لأن دفع الصائل عن الحرمة والدين واجب إجماعاً.

الثانية: إذا عرض فرصة للإيقاع بالعدو

، فلا يحتاج إذن الإمام، لئلا تضيع هذه الفرصة.
(2)

قوله «وَإِذَا دَخَلُوْا أَرْضَ الحَرْبِ، لَمْ يَجُزْ لِأَحَدٍ أَنْ يَخْرُجَ مِنَ العَسْكَرِ لِتَعَلُّفٍ، أَوِ احْتِطَابٍ، أَوْ غَيْرِهِ، إِلاَّ بِإِذْنِ الأَمِيْرِ»:

لقوله سبحانه: ﴿وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ﴾ (1). ولأنه أعرف بحال الناس والمواضع ومكامن العدو وحاله وقربه وبعده، ولأنهم إن خرجوا من غير إذنه لم يأمنوا أن يكون في الموضع الذي يذهبون إليه عدو فيظفر بهم، وربما ارتحل الأمير بالناس وبقي الخارج فيضيع.
(3)

قوله «وَمَنْ أَخَذَ مِنْ دَارِ الحَرْبِ مَالَهُ قِيْمَةٌ، لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَخْتَصَّ بِهِ»:

وذلك لأنه مال ذو قيمة مأخوذ من دار الحرب بقوة المسلمين فكان غنيمة كالمطعومات.62

الجزء: 8 - الصفحة: 208

إِلاَّ الطَّعَامَ وَالعَلَفَ، فَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ (1)،  =مثاله: أن يغنم مع المجاهدين شيئاً، ويكتمه يريد أن يختص به لنفسه، فهذا قد فعل إثماً عظيماً وأتى كبيرة من كبائر الذنوب.
قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ (1). ولما كانت المسألة كبيرة ومتعلقة بعموم المسلمين، امتنع النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يصلي على الغال، نكالاً لمن يأتي بعده، ولا تسقط الصلاة عن بقية المسلمين، فيجب عليهم أن يصلوا عليه.
ودليل ذلك: ما روى زيد بن خالد -رضي الله عنه- قال: «توفي رجل من جهينة يوم خيبر فذكر ذلك لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: «صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ»، فتغيرت وجوه القوم، فلما رأى ما بهم قال: «إِنَّ صَاحِبَكُمْ غَلَّ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» فَفَتَّشْنَا مَتَاعَهُ، فَوَجَدْنَا خَرَزًا مِنْ خَرَزِ الْيَهُودِ، لا يُسَاوِي دِرْهَمَيْنِ» (2).

(1)

قوله «إِلاَّ الطَّعَامَ وَالعَلَفَ، فَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ»:

أي إذا دخل الغزاة أرض الحرب فلهم أن يأكلوا ما وجدوا من الطعام ويعلفوا دوابهم من علفهم، لحديث عبد الله بن أبي أوفى قال: «أَصَبْنَا طَعَامًا يَوْمَ خَيْبَرَ فَكَانَ الرَّجُلُ يَجِيءُ فَيَأْخُذُ مِنْهُ مِقْدَارَ مَا يَكْفِيهِ ثُمَّ يَنْصَرِفُ» 65. وكتب صاحب جيش الشام إلى عمر: إنا أصبنا أرضاً كثيرة الطعام =6364

الجزء: 8 - الصفحة: 209

فَإِنْ بَاعَهُ، رَدَّ ثَمَنَهُ فِيْ المَغْنَمِ (1)، وَإِنْ فَضَلَ مَعَهُ مِنْهُ شَيْءٌ بَعْدَ رُجُوْعِهِ إِلى بَلَدِهِ، لَزِمَهُ رَدُّهُ، إِلاَّ أَنْ يَكُوْنَ يَسِيْرًا، فَلَهُ أَكْلُهُ وَهَدِيَّتُهُ (2)،  =والعلف وكرهت أن أتقدم في شيء من ذلك، فكتب إليه عمر -رضي الله عنه- «دع الناس يأكلون ويعلفون فمن باع منهم شيئاً بذهب أو فضة ففيه خمس الله وسهام المسلمين» (1)، وعن عبد الله بن مغفل قال دلي جراب من شحم يوم خيبر فالتزمته، وقلت والله لا أعطي أحداً منه شيئاً فالتفت فإذا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يضحك فاستحييت منه» (2)، ولأن الحاجة تدعو إلى هذا، وفي المنع منه مضرة بالجيش وبدوا بهم فانه يعسر عليهم نقل الطعام والعلف من دار الإسلام ولا يجدون بدار الحرب ما يشترونه.

(1)

قوله «فَإِنْ بَاعَهُ، رَدَّ ثَمَنَهُ فِيْ المَغْنَمِ»

أي: فإن باع ما أُبيح له أخذه من الطعام وعلف الدواب، ونحوه مما يحتاجه فإن الواجب عليه رده إلى الغنائم لقول عمر المتقدم «فمن باع منهم شيئاً بذهب أو فضة ففيه خمس الله وسهام المسلمين».
(2)

قوله «وَإِنْ فَضَلَ مَعَهُ مِنْهُ شَيْءٌ بَعْدَ رُجُوْعِهِ إِلى بَلَدِهِ، لَزِمَهُ رَدُّهُ، إِلاَّ أَنْ يَكُوْنَ يَسِيْرًا، فَلَهُ أَكْلُهُ وَهَدِيَّتُهُ»:

أي فان فضل منه ما لا حاجة به إليه رده على المسلمين إذا كان كثيراً لأنه إنما أبيح له ما يحتاج إليه فما بقي تبينا أنه أخذ أكثر مما يحتاجه فيبقى على أصل التحريم إلا أن يكون يسيراً فله =6667

الجزء: 8 - الصفحة: 210

وَيَجُوْزُ تَبْيِيْتُ الكُفَّارِ وَرَمْيُهُمْ بِالْمَنْجَنِيْقِ، وَقِتَالُهُمْ قَبْلَ دُعَائِهِمْ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - أَغَارَ عَلى بَنِيْ المُصْطَلِقِ وَهُمْ غَارُّوْنَ وَأَنْعَامُهُمْ تُسْقَى عَلى الْمَاءِ، فَقَتَلَ مُقَاتِلَتَهُمْ، وَسَبَى ذَرَارِيَّهُمْ 68،  =أكله وإهداؤه لأن اليسير مما تجري فيه المسامحة، قال الأوزاعي: أدركت الناس يقدمون بالقديد فيهديه بعضهم لبعض ولا ينكره أحد (1).

(1)

قوله «وَيَجُوْزُ تَبْيِيْتُ الكُفَّارِ وَرَمْيُهُمْ بِالْمَنْجَنِيْقِ، وَقِتَالُهُمْ قَبْلَ دُعَائِهِمْ؛ لأَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - أَغَارَ عَلى بَنِيْ المُصْطَلِقِ وَهُمْ غَارُّوْنَ وَأَنْعَامُهُمْ تُسْقَى عَلى الْمَاءِ، فَقَتَلَ مُقَاتِلَتَهُمْ، وَسَبَى ذَرَارِيَّهُمْ»:

تبييت الكفار معناه: بأن يغير المسلمون عليهم ليلاً على حين غفلة منهم.
وقد ذهب جمهور الفقهاء بأنه يجوز ذلك ولو قتل في هذا التبييت من لا يجوز قتله من امرأة وصبي، وغيرهما كمجنون وشيخ فان إذا لم يقصدوا، لحديث الصعب بن جثامة -رضي الله عنه- قال: سمعت النبي -صلى الله عليه وسلم- يُسأل عن ديار المشركين يبيتون فيصاب من نسائهم وذراريهم فقال: «هُمْ مِنْهُمْ» 69. فإن قيل: قد نهى النبي -صلى الله عليه وسلم- عن قتل النساء والذرية.
نقول: هذا محمول على التعمد لقتلهم.
والجمع بينهما ممكن بحمل النهي على التعمد والإباحة على ما عداه.

الجزء: 8 - الصفحة: 211

وَلا يُقْتَلُ مِنْهُمْ صَبِيٌّ، وَلا مَجْنُوْنٌ، وَلا امْرَأَةٌ، وَلا رَاهِبٌ، وَلا شَيْخٌ فَانٍ، وَلا زَمِنٌ، وَلا أَعْمَى، وَلا مَنْ لا رَأْيَ لَهُمْ (1)، إِلاَّ أَنْ يُقَاتِلُوْا (2)،  (1)

قوله «وَلا يُقْتَلُ مِنْهُمْ صَبِيٌّ، وَلا مَجْنُوْنٌ، وَلا امْرَأَةٌ، وَلا رَاهِبٌ، وَلا شَيْخٌ فَانٍ، وَلا زَمِنٌ، وَلا أَعْمَى، وَلا مَنْ لا رَأْيَ لَهُمْ»:

أما كون الصبي والمرأة والشيخ الفاني لا يقتلون فلأن النبي -صلى الله عليه وسلم-: «نَهَى عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ» (1)، ولأن الشيخ الفاني ليس من أهل القتال، فلا يقتل، كالمرأة.
وأما كون الراهب لا يقتل، فكما في حديث أبي بكر -رضي الله عنه- في وصيته ليزيد ابن أبي سفيان: «سَتَمُرُّونَ عَلَى قَومٍ فِي صَوَامِعَ لَهُم، وَاحتَبَسُوا أنفُسَهُم فِيهَا، فَدَعُوهُم حَتَّى يُمِيتَهُمُ الله عَلَى ضَلالَتِهِم» (2). ولأن الراهب لا يقاتل تَدَيُّناً، فأشبه من لا يقدر على القتال.
وأما الزَّمن - بفتح الزاي المشددة وكسر الميم، وهو الضعيف الذي لا يقدر على القيام - والأعمى فبالقياس على الشيخ الفاني، لاشتراكهم في عدم النكاية.

(2)

قوله «إِلاَّ أَنْ يُقَاتِلُوْا»:

هذا شرط في عدم قتل المذكورين، وهو ألا يكون لهم رأي في القتال أو مشاركة، فإن كان أحدهم يقاتل أو كان له رأي فإنه يُقتل، لأن الرأي من أعظم المؤنة في الحرب، بل ربما كان أبلغ من القتال.
وأما كون من قاتل يقتل، فلحديث رباح بن الربيع -رضي الله عنه- قال: كُنَّا مَعَ =7071

الجزء: 8 - الصفحة: 212

وَيُخَيَّرُ الإِمَامُ فِيْ أُسَارَى الرِّجَالِ، بَيْنَ القَتْلِ، وَالاِسْتِرْقَاقِ، وَالفِدَاءِ، وَالْمَنِّ (1)،  = رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فِي غَزْوَةٍ، فَرَأَى النَّاسَ مُجْتَمِعِينَ عَلَى شَيءٍ، فَبَعَثَ رَجُلاً فَقَالَ: «انْظُرْ عَلامَ اجْتَمَعَ هَؤُلاءِ؟ » فَجَاءَ فَقَالَ: عَلَى امْرَأَةٍ قَتِيلٍ، فَقَالَ: «مَا كَانَتْ هَذِهِ لِتُقَاتِلَ ... » الحديث (1).

(1)

قوله «وَيُخَيَّرُ الإِمَامُ فِيْ أُسَارَى الرِّجَالِ، بَيْنَ القَتْلِ، وَالاِسْتِرْقَاقِ، وَالفِدَاءِ، وَالْمَنِّ»:

هذه هي الخصال التي تفعل في المقاتلة، فالإمام مخيّر بين هذه الخصال الأربع:

الخصلة الأولى: القتل

: لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنّاً بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾ (2). 2 - وروى البيهقي عن سعيد بن جبير أن النبي -صلى الله عليه وسلم- «قُتِل يوم بدر ثلاثة صبراً» (3). وقال بعض الفقهاء: لا يجوز قتل الأسير، لأن ظاهر قول الله تعالى: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنّاً بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاء﴾، أنه ليس للإمام بعد الأسر إلا المنّ أو الفداء، والراجح جواز قتلهم.

الخصلة الثانية: المن

ّ: أي أن يطلق من غير مال، فقد قال -صلى الله عليه وسلم- في أسارى=727374

الجزء: 8 - الصفحة: 213

وَلا يَخْتَارُ إِلاَّ الأَصْلَحَ لِلْمُسِلِمِيْنَ (1)،  =بدر: «لَو كَانَ المُطْعِمُ بْنُ عَدِيٍّ حَيّاً، ثُمَ سَألَني هَؤُلاءِ النَّتْنَى لأَطْلَقْتُهُمْ لَهُ» (1). «وقد مَنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- عَلَى ثُمَامَة بْن أُثَال» (2)، «ومَنَّ عَلَى أَبِي العَاصِ بنِ الرَّبِيعِ» (3).

الخصلة الثالثة: الفداء

: أي يفدي نفسه بمال، قال تعالى: ﴿فَإِمَّا مَنّاً بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاء﴾ (4)

الخصلة الرابعة: الاسترقاق

، أي أن يكون رقيقاً.
(1)

قوله «وَلا يَخْتَارُ إِلاَّ الأَصْلَحَ لِلْمُسِلِمِيْنَ»:

أي هذه التخييرات الأربع حسب المصلحة، لأن القاعدة الشرعية «أن كل من يتصرف لغيره إذا خيِّر بين شيئين فإن تخييره للمصلحة وليس للتشهي».
فالإمام يخيّر بين أن يقتل الأسير، وإن شاء جعله رقيقاً، وإن شاء قبل فيه المال فدية، وإن شاء منَّ عليه، هذا كله تحت خياره، وعلى حسب المصلحة التي يراها.75767778

الجزء: 8 - الصفحة: 214

وَإِنِ اسْتَرَقَّهُمْ أَوْ فَادَاهُمْ بِمَالٍ، فَهُوَ غَنِيْمَةٌ (1)، وَلا يُفَرَّقُ فِيْ السَّبْيِ بَيْنَ ذَوِيْ رَحِمٍ مَحْرَمٍ، إِلاَّ أَنْ يَكُوْنُوْا بِالغِيْنِ (2)،  (1)

قوله «وَإِنِ اسْتَرَقَّهُمْ أَوْ فَادَاهُمْ بِمَالٍ، فَهُوَ غَنِيْمَةٌ»:

أي ما أخذ الإمام من فدية الأسرى فهو غنيمة، لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- قسم فداء أسارى بدر بين الغانمين، ولأنه مال حصل بقوة الجيش أشبه الخيل والسلاح.
و

هل الهدية من جنس الفداء فتدخل في الغنيمة؟

نقول في ذلك تفصيل: فان كان في حال الغزو فهي غنيمة، لأن الظاهر أنه لا يفعل ذلك إلا لخوف من المسلمين، فظاهر هذا يدل على أن ما أهدي لآحاد الرعية فهو له، وإن كانت الهدية من دار الحرب إلى دار الإسلام فهي لمن أهديت له سواء كان الإمام أو غيره لان النبي -صلى الله عليه وسلم- قبل هدية المقوقس فكانت له دون غيره.

(2)

قوله «وَلا يُفَرَّقُ فِيْ السَّبْيِ بَيْنَ ذَوِيْ رَحِمٍ مَحْرَمٍ، إِلاَّ أَنْ يَكُوْنُوْا بِالغِيْنِ»:

أي وإن حصل بعد القتال سَبْيٌ لم يجز التفريق ببيع، أو قسمة، أو هبة بين ذوي رحم محرم، وهو القريب قرابة سببها الولادة، كأب وابن، وكأخوين، وأختين، وكالعمة مع ابن أخيها والخالة مع ابن أختها ونحو ذلك، لما ورد عن علي ابن أبي طالب -رضي الله عنه- قال: أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- أَنْ أَبِيعَ غُلامَينِ أَخَوَينِ فَبِعْتُهُمَا فَفَرَّقْتُ بَينَهُمَا، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ: «أَدْرِكْهُمَا فَارْتَجِعْهُمَا، وَلا تَبِعْهُمَا إِلا جَمِيعاً» 79.

الجزء: 8 - الصفحة: 215

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =وعن أبي موسى -رضي الله عنه- قال: «لَعَن رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- مَنْ فَرَّقَ بَينَ الوَالِدِ وَوَلَدِهِ، وَبَينَ الأَخِ وأَخِيهِ» 80. وذهب بعض أهل العلم إلى أنه لا يحرم التفريق بين القرابة إلا في الأخوة، لثبوت النص، وأما من عداهم من الأرحام فليس عليه دليل، وإلحاقه بالقياس فيه نظر، لأنه لا تحصل منهم بالمفارقة مشقة، كما تحصل بالمفارقة بين الوالد والولد، وبين الأخ وأخيه، فلا إلحاق لوجود الفارق، وينبغي الوقوف على ما تناوله النص، وهذا اختيار الشوكاني 81. أما التفريق بين الأم وولدها الصغير فهذا حرام بالإجماع، لما روى أبو أيوب الأنصاري -رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: «مَنْ فَرَّقَ بَينَ وَالِدَةٍ وَوَلَدِهَا فَرَّقَ اللَّهُ بَيْنَهُ وَبَينَ أَحِبَّتِهِ يَومَ القِيَامَةِ» 82. وقوله: «إِلاَّ أَنْ يَكُوْنُوْا بِالغِيْنِ»: أي فيجوز التفريق بعد البلوغ، وهو رواية عن الإمام أحمد، والمذهب أنه لا يجوز ولو بعد البلوغ 83. ودليل الجواز قول سلمة بن الأكوع -رضي الله عنه-: «غَزَونَا فَزَارَةَ وَعَلَينَا أَبُو بَكْرٍ -رضي الله عنه- أَمَّرَهُ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- عَلَينَا، فَلَمَّا كَانَ بَينَنَا وَبَينَ المَاءِ سَاعَةٌ أَمَرَنَا أَبُو بَكْرٍ فَعَرَّسْنَا، ثُمَّ شَنَّ الغَارَةَ، فَوَرَدَ المَاءَ، فَقَتَلَ مَن قَتَلَ عَلَيهِ، وَسَبَى، وَأَنْظُرُ=

الجزء: 8 - الصفحة: 216

وَمَنِ اشْتُرِيَ مِنْهُمْ عَلى أَنَّهُمْ ذَوُوْ رَحِمٍ، فَبَانَ خِلافُهُ، رُدَّ الفَضْلُ الَّذِيْ فِيْهِ بِالتَّفْرِيْقِ (1)،  =إِلَى عُنُقٍ مِنْ النَّاسِ فِيهِم الذَّرَارِيُّ، فَخَشِيتُ أَنْ يَسْبِقُونِي إِلَى الجَبَلِ، فَرَمَيتُ بِسَهْمٍ بَينهُمْ وَبَينَ الجَبَلِ، فَلَمَّا رَأَوا السَّهْمَ وَقَفُوا، فَجِئْتُ بِهِمْ أَسُوقُهُمْ، وَفِيهِمْ امْرَأَةٌ مِنْ بَنِي فَزَارَةَ عَلَيهَا قَشْعٌ مِنْ أَدَمٍ، مَعَهَا ابْنَةٌ لَهَا مِنْ أَحْسَنِ العَرَبِ، فَسُقْتُهُمْ حَتَّى أَتَيتُ بِهِمْ أَبَا بَكْرٍ، فَنَفَّلَنِي ابْنَتَهَا ... » الحديث (1). قال النووي: «فيه جواز التفريق بين الأم وولدها البالغ، ولا خلاف في جوازه عندنا» (2). فأما من ليس بينهما رحم مُحرَّم فلا يُمنع من التفريق بينهم، لعدم النص فيهم، وامتناع قياسهم على المنصوص، فيجوز التفريق بين الأم من الرضاع وولدها، والأخت من الرضاع وأخيها.

(1)

قوله «وَمَنِ اشْتُرِيَ مِنْهُمْ عَلى أَنَّهُمْ ذَوُوْ رَحِمٍ، فَبَانَ خِلافُهُ، رُدَّ الفَضْلُ الَّذِيْ فِيْهِ بِالتَّفْرِيْقِ»:

أي ومن اشترى الأسرى على أنهم ذوو رحم فبان خلافه رد الفارق لأنه إذا اشتراهم على أنهم ذوو رحم ثم بان أنهم ليس بينهم رحم فإن قيمتهم تزيد بذلك، فإنه إذا اشترى امرأتين على أن إحداهما بنت الأخرى لم يتمكن من وطئهما جميعاً ومتى وطئ إحداهما حرمت الأخرى على التأبيد, ولا يتمكن من بيعها فإذا بانت أجنبية حل وطئها وبيعها وهبتها فتزيد قيمتها بذلك فيجب عليه رد =8485

الجزء: 8 - الصفحة: 217

وَمَنْ أُعْطِيَ شَيْئًا يَسْتَعِيْنُ بِهِ فِيْ غَزْوِهِ، فَإِذَا رَجَعَ، فَلَهُ مَا فَضَلَ (1)، إِلاَّ أَنْ يَكُوْنَ لَمْ يُعْطَ لِغَزْوَةٍ بِعَيْنِهَا، فَيَرُدُّ الفَضْلَ فِيْ الغَزْوِ (2)، وَإِنْ حُمِلَ عَلى فَرَسٍ فِيْ سَبِيْلِ اللهِ، فَهِيَ لَهُ إِذا رَجَعَ، إِلاَّ أَنْ يُجْعَلَ حَبِيْسًا (3)،  =الفضل كما لو أخذ دراهم بحقه فبانت أكثر عددا مما حسبت عليه.

(1)

قوله «وَمَنْ أُعْطِيَ شَيْئًا يَسْتَعِيْنُ بِهِ فِيْ غَزْوِهِ، فَإِذَا رَجَعَ، فَلَهُ مَا فَضَلَ»:

لأنه أعطى على سبيل المعاونة والنفقة لا على سبيل الإجارة فكان له الفاضل، كما لو أوصى أن يحج عنه حجة بألف فإن الفضل له.
(2)

قوله «إِلاَّ أَنْ يَكُوْنَ لَمْ يُعْطَ لِغَزْوَةٍ بِعَيْنِهَا، فَيَرُدُّ الفَضْلَ فِيْ الغَزْوِ»:

هذا مستثنى مما قبله، فإن كان ما أعطاه الإمام لغزوة بعينها فإنه يرد ما فضل في الغزو لأنه أعطاه شيئاً ينفقه في الغزو أو في سبيل الله ففضل منه فضل أنفقه في غزوة أخرى لأنه أعطاه الجميع في سبيل الله مطلقاً فلزمه امتثال ما أمره به.
(3)

قوله «وَإِنْ حُمِلَ عَلى فَرَسٍ فِيْ سَبِيْلِ اللهِ، فَهِيَ لَهُ إِذا رَجَعَ، إِلاَّ أَنْ يُجْعَلَ حَبِيْسًا»:

أي إن حمل على فرس يعني أعطيها ليغزو عليها فإذا غزا عليها ملكها كما يملك النفقة المدفوعة إليه إلا أن تكون لصاحبه أو حبيسا فيبقى حبيساً بحاله، قال عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-: «حملت على فرس عتيق في سبيل الله فباعه صاحبه الذي كان عنده فأردت أن أشتريه وظننت أنه يبيعه برخص فسألت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: «لا تَشْتَرِهِ وَإِنْ أَعْطَاكَهُ بِدِرْهَمٍ وَاحِدٍ فَإِنَّ الْعَائِدَ فِي صَدَقَتِهِ كَالْكَلْبِ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ» 86.

الجزء: 8 - الصفحة: 218

وَمَا أُخِذَ مِنْ أَهْلِ الحَرْبِ مِنْ أَمْوَالِ المُسْلِمِيْنَ، رُدَّ إِلَيْهِمْ، إِذَا عُلِمَ صَاحِبُهُ قَبْلَ القَسْمِهِ، وَإِنْ قُسِمَ قَبْلَ عِلْمِهِ، فَلَهُ أَخْذُهُ بِثَمَنِهِ الَّذِيْ حُسِبَ بِهِ عَلى آخِذِهِ 87،  (1)

قوله «وَمَا أُخِذَ مِنْ أَهْلِ الحَرْبِ مِنْ أَمْوَالِ المُسْلِمِيْنَ، رُدَّ إِلَيْهِمْ، إِذَا عُلِمَ صَاحِبُهُ قَبْلَ القَسْمِهِ، وَإِنْ قُسِمَ قَبْلَ عِلْمِهِ، فَلَهُ أَخْذُهُ بِثَمَنِهِ الَّذِيْ حُسِبَ بِهِ عَلى آخِذِهِ»:

أما قبل القسمة فقد اتفق الفقهاء على أنه يرد إلى صاحبه إذا علم، دليل ذلك ما ورد عن ابن عمر -رضي الله عنه- أن غلاماً له أبق إلى العدو فظهر عليه المسلمون فرده رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى ابن عمر ولم يقسم» (1). أما بعد القسمة فقد اختلفت الرواية عن الإمام أحمد 88 ففي رواية عنه أن صاحبه أحق به بالثمن الذي حسب به على من هو في يده، وكذلك إن بيع ثم قسم ثمنه فهو أحق به بالثمن، لئلا يفضي إلى ضياع الثمن على المشتري، وحرمان آخذه من الغنيمة، وحقها ينجبر بالثمن، فرجوع صاحب المال في عين ماله بثمنه جمع بين الحقين، كأخذ الشقص بالشفعة.
والرواية الثانية أنه إذا قسم فلا حق له فيه, وهذا هو الصواب.
قال الإمام أحمد: أما قول من قال هو أحق به بالقيمة فهو قول ضعيف عن مجاهد.

الجزء: 8 - الصفحة: 219

وَإِنْ أَخَذَهُ مِنْهُمْ أَحَدُ الرَّعِيَّةِ بِثَمَنٍ، فَلِصَاحِبِهِ أَخْذُهُ بِثَمَنِهِ (1)، وَإِنْ أَخَذَهُ بِغَيْرِ شَيْءٍ، رَدَّهُ (2)، وَمَنِ اشْتَرَى أَسِيْرًا مِنَ العَدُوِّ، فَعَلى الأَسِيْرِ أَدَاءُ مَا اشْتَرَاهُ بِهِ (3)،  (1)

قوله «وَإِنْ أَخَذَهُ مِنْهُمْ أَحَدُ الرَّعِيَّةِ بِثَمَنٍ، فَلِصَاحِبِهِ أَخْذُهُ بِثَمَنِهِ»:

أي ولو باع مال المسلم آخذه من الكفار أخذه بثمنه إن أخذ منهم بشراء لأنه اشتراه بثمن، فلم يجز أخذه منه بغير شيء.
(2)

قوله «وَإِنْ أَخَذَهُ بِغَيْرِ شَيْءٍ، رَدَّهُ»:

دليل ذلك حديث عمران بن حصين -رضي الله عنه-: «أسرت امرأة من الأنصار وأصيبت العضباء فكانت المرأة في الوثاق وكان القوم يريحون نعمهم بين يدي بيوتهم فانفلتت ذات ليلة من الوثاق فأتت الإبل فجعلت إذا دنت من البعير رغا فتتركه حتى تنتهي إلى العضباء فلم ترغ قال وناقة منوقة فقعدت في عجزها ثم زجرتها فانطلقت ونذروا بها فطلبوها فأعجزتهم - قال - ونذرت لله إن نجاها الله عليها لتنحرنها فلما قدمت المدينة رآها الناس.
فقالوا العضباء ناقة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقالت إنها نذرت إن نجاها الله عليها لتنحرنها.
فأتوا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فذكروا ذلك له.
فقال: «سُبْحَانَ اللَّهِ بِئْسَمَا جَزَتْهَا نَذَرَتْ لِلَّهِ إِنْ نَجَّاهَا اللَّهُ عَلَيْهَا لَتَنْحَرَنَّهَا لا وَفَاءَ لِنَذْرٍ فِي مَعْصِيَةٍ وَلا فِيمَا لا يَمْلِكُ الْعَبْدُ» (1). (3)

قوله «وَمَنِ اشْتَرَى أَسِيْرًا مِنَ العَدُوِّ، فَعَلى الأَسِيْرِ أَدَاءُ مَا اشْتَرَاهُ بِهِ»:

أي فإن تطوع أحد من المسلمين بشراء أسير من المسلمين فعلم الأسير=89

الجزء: 8 - الصفحة: 220

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =المسلم أداء ما اشتراه به لقول عمر -رضي الله عنه-: « ..... وأيما حر اشتراه التجار فإنه يرد إليهم رؤوس أموالهم فإن الحر لا يباع ولا يشترى»، فحكم للتجار برؤوس أموالهم؛ ولأن الأسير يجب عليه فداء نفسه ليتخلص من حكم الكفار ويخرج من تحت أيديهم فإذا ناب عنه غيره في ذلك وجب عليه قضاؤه كما لو قضى الحاكم عنه ما امتنع من أدائه.

الجزء: 8 - الصفحة: 221

بابُ الأَنْفالِ

(1)  (1)

قوله «بابُ الأَنْفالِ»:

الأنفال: جمع نفل، والنَّفَل في اللغة: الزيادة، فإذا زاد الشيء على الأصل فإنه يقال: هذا نافلة.
أي: شيء زائد، ومنه سميت نافلة الصلوات؛ لأنها زائدة على الفريضة التي أوجب الله، فالنَّفَل هو: زيادة على حظ الإنسان في الغنيمة، كما سيذكر ذلك المؤلف.
وقد ذهب جمهور الفقهاء إلى مشروعية التنفيل مطلقاً.
وذهب المالكية 90 والشافعية 91 إلى أنه لا تنفيل إلا إذا مسّت الحاجة بأن كثر العدو وقل المسلمون، واقتضى الحال بعث السرايا، وحفظ المكامن؛ لذلك نفل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في بعض الغزوات دون بعض.
وقال الحنفية 92 هو مستحب، لأنه نوع من التحريض على الجهاد.
والأظهر عندي ما ذهب إليه جمهور الفقهاء: أي أنه مشروع مطلقاً، لما فيه من التحريض على القتال، والله تعالى يقول ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ﴾ 93، فلا بأس أن يُنفِّل الإمام في حال القتال، ويحرض بالنَّفَل على القتال، فيقول: من قتل قتيلاً فله سلبه، أو يقول لسرية: قد جعلت لكم الربع، أو النصف بعد أخذ الخمس، لما فيه من تقوية القلوب، وإغراء المقاتلة على المخاطرة وإظهار الجلادة رغبة في القتال.

الجزء: 8 - الصفحة: 222

وَهِيَ: الزِّيادَةِ عَلى السَّهْمِ المُسْتَحَقِّ، وَهِيَ ثَلاثَةُ أَضْرُبٍ (1): أَحَدُهَا: سَلَبُ المَقْتُوْلِ غَيْرُ مَخْمُوْسٍ لِقَاتِلِهِ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ قَتَلَ قَتِيْلاً فَلَهُ سَلَبُهُ (2)، : «وَهُوَ مَا عَلَيْهِ مِنْ لِبَاسٍ، وَحَلْيٍ، وَسِلاحٍ، وَفَرَسِهِ بِآلَتِهِ (3)،  (1)

قوله «وَهِيَ: الزِّيادَةِ عَلى السَّهْمِ المُسْتَحَقِّ، وَهِيَ ثَلاثَةُ أَضْرُبٍ»:

النفل: سبق تعريفه، وهو ما يعطاه المجاهد زيادة على سهمه، وهي على ثلاثة أضرب.
(2)

قوله «أَحَدُهَا: سَلَبُ المَقْتُوْلِ غَيْرُ مَخْمُوْسٍ لِقَاتِلِهِ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم-: «مَنْ قَتَلَ قَتِيْلاً فَلَهُ سَلَبُهُ»

(1): هذا هو الضرب الأول من ضروب النفل، وحقيقته: أن كل مَن قتل رجلاً بعينه فإنه يستحق سَلَبه.
والسَّلَب كما سيأتي: هو ما على المقتول من سلاح، وثياب، ودابته، وحلي، وكل ما عليه، فهذا الشيء يستحقه، وله أخذه، والأصل في ذلك ما ذكره المؤلف وهو قوله -صلى الله عليه وسلم- كما في الصحيحين: «مَن قتل قتيلاً فله سَلَبُه».
فإذا قتل قتيلاً وله عليه علامة أي: بينة، فإن من حقه أن يأخذ سلبه، لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- نفَّل السَّلَب.

(3)

قوله «وَهُوَ مَا عَلَيْهِ مِنْ لِبَاسٍ، وَحَلْيٍ، وَسِلاحٍ، وَفَرَسِهِ بِآلَتِهِ»:

هذا هو

تعريف السلب الوارد في الحديث

، فالسلب: هو ما على القتيل من ثيابه وحليه، وسلاحه، وإن كثر.
=94

الجزء: 8 - الصفحة: 223

وَإِنَّمَا يَسْتَحِقُّهُ مَنْ قَتَلَهُ حَالَ قِيَامِ الحَرْبِ غَيْرَ مُثْخَنٍ، وَلا مُمْتَنِعٍ مِنَ القِتَالِ (1)،  =و

هل الدابة وآلتها من السلب؟

فيها روايتان: الأولى: هي من السلب لأنها يستعان بها في الحرب فهي كالسلاح، وهذا هو الصواب.
والثانية: ليست منه لأن السلب ما كان على البدن والدابة ليست كذلك.

(1)

قوله «وَإِنَّمَا يَسْتَحِقُّهُ مَنْ قَتَلَهُ حَالَ قِيَامِ الحَرْبِ غَيْرَ مُثْخَنٍ، وَلا مُمْتَنِعٍ مِنَ القِتَالِ»:

هذه هي

الشروط التي يستحق بها القاتل سلب قتيله

.

الأول: أن يقتله وهو مقبل على الحرب

، وهذا معنى قوله «غَيْرَ مُثْخَنٍ»، فإن قتل مثخناً، يعني مجروحاً لم يستحقه لأن ابن مسعود ذفف على أبي جهل يوم بدر فلم يعط سلبه، ولأن استحقاق السلب للمخاطرة والتغرير بالنفس ولا خطر هاهنا.

الثاني: أن لا يكون «مُمْتَنِعاً مِنَ القِتَالِ»

حراً كان، أو عبداً رجلاً، أو صبياً، أو امرأة لعموم الخبر، وإن لم يكن ذا حق كالمخذل، والمرجف، والكافر إذا حضر بغير إذن لم يستحقه لأنه لا حق له في السهم الثابت فغيره أولى.
الثالث: أن يقتله لأن الخبر خصّ القاتل بالسلب فاختص به دون غيره، فإن أسره لم يستحق سلبه كذلك.
وقيل: له سلبه سواء قتله الإمام، أو منّ عليه، أو فاداه، وله فداؤه لأن مال حصل بسبب تغريره في تحصيله أشبه سلب القتيل.

الجزء: 8 - الصفحة: 224

الثَّانِيْ: أَنْ يُنَفِّلَ الأَمِيْرُ مَنْ أَغْنَى عَنِ المُسْلِمِيْنَ غَنَاءً مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ، كَمَا أَعْطَى النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - سَلَمَةَ بْنَ الأَكْوَعِ يَوْمَ ذِيْ قَرَدٍ سَهْمَ فَارِسٍ وَرَاجِلٍ، وَنَفَّلَهُ أَبُوْ بَكْرٍ -رضي الله عنه- لَيْلَةَ جَاءَهُ بِتِسْعَةِ أَهْلِ أَبْيَاتٍ امْرَأَةً مِنْهُمْ 95،  (1)

قوله «الثَّانِيْ: أَنْ يُنَفِّلَ الأَمِيْرُ مَنْ أَغْنَى عَنِ المُسْلِمِيْنَ غَنَاءً مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ، كَمَا أَعْطَى النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- سَلَمَةَ بْنَ الأَكْوَعِ يَوْمَ ذِيْ قَرَدٍ سَهْمَ فَارِسٍ وَرَاجِلٍ، وَنَفَّلَهُ أَبُوْ بَكْرٍ -رضي الله عنه- لَيْلَةَ جَاءَهُ بِتِسْعَةِ أَهْلِ أَبْيَاتٍ امْرَأَةً مِنْهُمْ»:

هذا هو الضرب الثاني: وهو أن يخص الإمام بعض الغانمين بشيء لغنائه وبأسه أو لمكروه تحمله ككونه طليعة أو عيناً فيجوز من غير شرط لما روى سلمة بن الأكوع قال: «أغار عبد الرحمن بن عيينة على إبل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فتبعتهم ... »، وذكر الحديث إلى قوله: «فأعطاني رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الفارس والراجل» (1). وعنه -رضي الله عنه-: «أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أمَّر أبا بكر فبيتنا عدونا فقتلت منهم تسعة أهل أبيات فأخذت منهم امرأة فنفلنيها أبو بكر -رضي الله عنه- فلما قدمت المدينة استوهبها مني رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فوهبتها له» 96. ولأن في هذا تحريضا على القتال ونفعاً للمسلمين والدفع عنهم فجاز كإعطاء السهم.

الجزء: 8 - الصفحة: 225

الثَّالِثُ: مَا يُسْتَحِقُّ بِالشَّرْطِ، وَهُوَ نَوْعَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَقُوْلَ الأَمِيْرُ، مَنْ دَخَلَ النَّقْبَ، أَوْ صَعِدَ السُّوْرَ، فَلَهُ كَذَا، وَمَنْ جَاءَ بِعَشْرٍ مِنَ البَقَرِ، أَوْ غَيْرِهَا، فَلَهُ وَاحِدَةٌ مِنْهَا، فَيَسْتَحِقُّ مَا جُعِلَ لَهُ 97،  (1)

قوله «الثَّالِثُ: مَا يُسْتَحِقُّ بِالشَّرْطِ، وَهُوَ نَوْعَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَقُوْلَ الأَمِيْرُ، مَنْ دَخَلَ النَّقْبَ، أَوْ صَعِدَ السُّوْرَ، فَلَهُ كَذَا، وَمَنْ جَاءَ بِعَشْرٍ مِنَ البَقَرِ، أَوْ غَيْرِهَا، فَلَهُ وَاحِدَةٌ مِنْهَا، فَيَسْتَحِقُّ مَا جُعِلَ لَهُ»:

هذا هو الضرب الثالث من ضروب النفل، وهو ما كان مشروطاً.
وهو نوعان: الأول كما ذكر المؤلف، ومعناه أن يجعل الأمير جعلاً لمن يعمل عملاً فيه غناءً عن المسلمين مثل أن يقول: من طلع هذا الحصن فله كذا، أو من نقبه، أو من جاء بأسير فله كذا، ومن جاء بعشرة رؤوس فله رأس، وأشباه هذا مما يراه الإمام مصلحة للمسلمين فيجوز لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «مَنْ قَتَلَ قَتِيْلاً فَلَهُ سَلَبُهُ» (1). ويجوز أن يجعل الجعل من مال المسلمين ومما يؤخذ من المشركين، فإن جعله من مال المسلمين لم يجز إلا معلوماً مقدراً كالجعل في المسابقة ورد الضالة.
وإن كان من الكفار جاز مجهولاً لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- جعل الثلث والربع وسلب المقتول وهو مجهول، ولأنه لا ضرر فيه على المسلمين، فجاز مع الجهالة كسلب القتيل.

الجزء: 8 - الصفحة: 226

الثَّانِيْ: أَنْ يَبْعَثَ الأَمِيْرُ فِيْ البَدَاءَةِ سَرِيَّةً، وَيَجْعَلَ لَهَا الرُّبُعَ، وَفِي الرَّجْعَةِ أُخْراى، وَيَجْعَلَ لَهَا الثُّلُثَ، فَمَا جَاءَتْ بِهِ، أَخْرَجَ خُمُسَهُ، ثُمَّ أَعْطَى السَّرِيَّةَ مَا جَعَلَ لَهَا، وَقَسَّمَ البَاقِيَ فِيْ الجَيْشِ وَالسَّرِيَّةَ مَعًا (1)،  (1)

قوله «الثَّانِيْ: أَنْ يَبْعَثَ الأَمِيْرُ فِيْ البَدَاءَةِ سَرِيَّةً، وَيَجْعَلَ لَهَا الرُّبُعَ، وَفِي الرَّجْعَةِ أُخْراى، وَيَجْعَلَ لَهَا الثُّلُثَ، فَمَا جَاءَتْ بِهِ، أَخْرَجَ خُمُسَهُ، ثُمَّ أَعْطَى السَّرِيَّةَ مَا جَعَلَ لَهَا، وَقَسَّمَ البَاقِيَ فِيْ الجَيْشِ وَالسَّرِيَّةَ مَعًا»:

هذا هو النوع الثاني من الضرب الثالث.
ومعناه أن الأمير إذا دخل دار الحرب غازياً بعث سرية بين يديه تغير على العدو ويجعل لهم الربع بعد الخمس، فإذا قفل بعث سرية تغير ويجعل لهم الثلث بعد الخمس، فما قدمت به السرية خمسه، ثم أعطى السرية ما جعل لها ثم قسم الباقي في الجيش والسرية معه.
وهل تجوز الزيادة على الثلث؟ نقول: لا تجوز الزيادة على الثلث لأن نفل النبي -صلى الله عليه وسلم- انتهى إليه ويجوز النقص منه لأنه إذا جاز أن لا ينفل شيئاً فلأن يجوز تنفيل القليل أولى ولا يستحق هذا النفل إلا بالشرط لأن استحقاقه بغير شرط إنما يثبت بالشرع، ولم يرد الشرع باستحقاقه على الإطلاق.

الجزء: 8 - الصفحة: 227

فَصْلٌ فِيْ الرَّضْخِ لِمَنْ لا سَهْمَ لَهُ

(1) وَيَرْضَخُ لِمَنْ لا سَهْمَ لَهُ مِنَ النِّسَاءِ، وَالصِّبْيَانِ، وَالعَبِيْدِ، وَالكُفَّارِ، فَيُعْطِيْهِمْ عَلى قَدْرِ غِنَائِهِمْ (2)،  (1)

قوله «فَصْلٌ فِيْ الرَّضْخِ لِمَنْ لا سَهْمَ لَهُ»:

الرضخ: بفتح أوله وسكون ثانيه، مصدر رَضَخَ، ومعناه هنا: هو أن يعطى من لا سهم له وهم العبيد والنساء والصبيان شيئاً من الغنيمة دون السهم ولا تقدير لما يعطونه بل ذلك إلى اجتهاد الإمام، فإن رأى التسوية بينهم سوى، وإن رأى التفضيل فضل، وهذا قول أكثر العلماء.

هل يخرج الرضخ قبل الخمس أم بعده؟

قولان لأهل العلم: القول الأول: أن الرضخ يخرج قبل أن تخمس الغنيمة قياساً على أجرة الحامل والحافظ للغنيمة.
القول الثاني: أن الرضخ يخرج بعد الخمس، لأنه أخذ بسبب حضور الوقعة فأشبه سهام الغانمين، وهذا هو الأظهر.

(2)

قوله «وَيَرْضَخُ لِمَنْ لا سَهْمَ لَهُ مِنَ النِّسَاءِ، وَالصِّبْيَانِ، وَالعَبِيْدِ، وَالكُفَّارِ، فَيُعْطِيْهِمْ عَلى قَدْرِ غِنَائِهِمْ»:

أي فيعطى هؤلاء ممن شهدن المعركة من الغنائم، دليل ذلك أما النساء فلقول ابن عباس رضي الله عنهما: «كَانَ رَسُولُ الله -صلى الله عليه وسلم- يَغْزُو بِالنِّسَاءِ فَيدَاوِينَ الجَرْحَى، وَيُحْذَينَ مِنْ الغَنِيمَة، وَأَمَّا بِسَهْمٍ فَلَمْ يَضْرِب لَهُنَّ» 98. وقوله: «يحذين» أي: يعطين.
=

الجزء: 8 - الصفحة: 228

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =وأما الصبيان فلقول سعيد بن المسيب: «كان الصبيان يُحْذَونَ من الغنيمة إذا حضروا الغزو» 99، ولأنه ليس من أهل القتال فلم يسهم له.
وأما العبيدُ، فلما جاء عن عمير مولى أبي اللحم 100، قال: «شَهِدْتُ خَيبَرَ مَعَ سَادَتِي، فَكَلَّمُوا فِيَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فَأَمَرَ بِي فَقُلِّدْتُ سَيفاً فَإِذَا أَنَا أَجُرُّهُ، فَأُخْبِرَ أَنِّي مَمْلُوكٌ، فَأَمَرَ لِي بِشَيءٍ مِنْ خُرْثِيِّ المَتَاعِ» 101، والخُرثي - بضم الخاء المعجمة -: سَقَطُ المتاع، وما لا قيمة له كبيرة، كالقدر ونحوه.
وعن نجدة بن عامر الحروري حين سأل ابن عباس رضي الله عنهما عن العبد والمرأة يحضران المغنم هل يقسم لهما؟ قال «ليس لهما شيء إلا أن يحذيا من غنائم القوم»، أي إلا أن يُعطَى ويُمنَح من الغنائم.
وأما الكافر إذا غزا مع الإمام بإذنه ففيه روايتان: الأولى: أنه يرضخ له، ولا يسهم له، لأنه من غير أهل الجهاد، فَرُضِخَ له، كالعبد، وهذا قول الأئمة الثلاثة أيضاً.
الثانية: أنه يسهم له، كالمسلم، وهذا هو المذهب 102، لأن صفوان بن أمية خرج مع النبي -صلى الله عليه وسلم- يوم حنين وهو على شِركه، فأسهم له، قال الزبير: أعطاه من الغنائم فأكثر، فقال: أشهد ما طابت بهذا إلا نفس نبِي، فأسلم 103. =

الجزء: 8 - الصفحة: 229

وَلا يَبْلُغُ بِالرَّاجِلِ مِنْهُمْ سَهْمَ رَاجِلٍ، وَلا بِالفَارِسِ مِنْهُمْ سَهْمَ فَارِسٍ (1)،  =ولأن الكفر نقص في الدين فلم يمنع استحقاق السهم كالفسق، وبهذا فارق العبد، فإن نقصه في دنياه وأحكامه، قال ابن مُنَجَّا: «وهذه الرواية أصح» (1).

(1)

قوله «وَلا يَبْلُغُ بِالرَّاجِلِ مِنْهُمْ سَهْمَ رَاجِلٍ، وَلا بِالفَارِسِ مِنْهُمْ سَهْمَ فَارِسٍ»:

أي ولا يبلغ العطاء لهؤلاء المذكورين سهم غيرهم من الرجال والفرسان الأحرار.
ومعنى الراجل: هو الماشي على رجليه، لكونه لا مركوب له، والفارس: راكب الفرس.
وذهب بعض الفقهاء إلى التسوية بين الراجل من هؤلاء بالراجل من هؤلاء، وكذا الفارس بالفارس وبخاصة إذا كان فيهم نفع بالمسلمين لأنهم تساووا فأشبهوا الرجال الأحرار لما جاء عن سفيان بن وهب الخولاني قال: «قسم عمر بين الناس غنائمهم، فأعطى كل إنسان ديناراً وجعل سهم المرأة والرجل سواء، فإذا كان الرجل مع امرأته أعطاه ديناراً, وإذا كان وحده أعطاه نصف دينار» 105، وعن عائشة رضي الله عنها أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أتى بظبية «الظبية جراب صغير من جلد ظبي» فيها خرز فقسمها للحرة والأمة.
قالت عائشة كان أبي -رضي الله عنه- يقسم للحر والعبد» 106، تعني: أنه كان يسوي بين الأحرار والعبيد، وأنه يعطي هؤلاء ويعطي هؤلاء.104

الجزء: 8 - الصفحة: 230

وَإِنْ غَزَا العَبْدُ عَلى فَرَسٍ لِسَيِّدِهِ، قُسِمَ لِسَيِّدِهِ سَهْمُ الفَرَسِ، وَرُضِخَ لِلْعَبْدِ (1)،  (1)

قوله «وَإِنْ غَزَا العَبْدُ عَلى فَرَسٍ لِسَيِّدِهِ، قُسِمَ لِسَيِّدِهِ سَهْمُ الفَرَسِ، وَرُضِخَ لِلْعَبْدِ»:

أما الرضخ للعبد فلما تقدم من الأدلة، وأما الفرس الذي تحته فيستحق مالكها سهمها.
وقال أبو حنيفة 107، والشافعي 108 لا يسهم للفرس لأنه تحت من لا يسهم له، فلم يسهم له كما لو كان تحت مخذل.
والصواب الأول لأنه فرس حضر الوقعة وقوتل عليه فأسهم له كما لو كان السيد راكبه.

الجزء: 8 - الصفحة: 231

بابُ الغَنَائِمِ وَقِسْمَتِهَا

(1) وَهُوَ نَوْعَانِ: أَحَدُهُمَا: الأَرْضُ، فَيُخَيَّرُ الإِمَامِ بَيْنَ قَسْمِهَا وَوَقْفِهَا لِلْمُسْلِمِيْنَ، وَيَضْرِبُ عَلَيْهَا خَرَاجًا مُسْتَمِرًّا، يُؤْخَذُ مِمَّنْ هِيَ فِيْ يَدِهِ كُلَّ عَامٍ أَجْرًا لَهَا (2)،  (1)

قوله «بابُ الغَنَائِمِ وَقِسْمَتِهَا»:

الغنائم: جمع غنيمة على وزن فعيلة بمعنى مفعولة، أي: مغنومة، واشتقاقها من الغُنْم، وهو الربح والفضل.
والمراد بها: ما أُخِذَ من مال حربي قهراً بقتال، وما ألحق به، كالمأخوذ فدية، وما أهداه حربي لأمير الجيش، فخرج بقولنا «من مال حربي»: ما يؤخذ من أموال أهل الذمة من جزية وخراج، ونحو ذلك.
وبقولنا «قهراً بقتال»: أي ما رحلوا عنه وتركوه فزعاً، خرج منه ما يؤخذ من العشر، من تجار أهل الحرب وأهل الذمة إذا اتجروا إلينا.

(2)

قوله «وَهُوَ نَوْعَانِ: أَحَدُهُمَا: الأَرْضُ، فَيُخَيَّرُ الإِمَامِ بَيْنَ قَسْمِهَا وَوَقْفِهَا لِلْمُسْلِمِيْنَ، وَيَضْرِبُ عَلَيْهَا خَرَاجًا مُسْتَمِرًّا، يُؤْخَذُ مِمَّنْ هِيَ فِيْ يَدِهِ كُلَّ عَامٍ أَجْرًا لَهَا»:

أي الغنيمة نوعان: فإن كانت الغنيمة أرضاً فإن الإمام يخُيِّر بين أمرين: الأول: قَسْمُها بين الغانمين، كالأشياء المنقولة، ودليل ذلك قول عمر -رضي الله عنه-: «لَولا آخِرُ المُسْلِمِينَ مَا فَتَحْتُ قَرْيَةً إِلا قَسَمْتُهَا بَينَ أَهْلِهَا، كَمَا قَسَمَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- خَيبَرَ»، وفي رواية: «وَلَكِنِّي أَتْرُكُهَا خِزَانَةً لَهُمْ يَقْتَسِمُونَهَا» 109. وعن سهل ابن حثمة -رضي الله عنه- قال: «قَسَمَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- خَيبَرَ نِصْفَينِ: نِصْفاً لِنَوَائِبِهِ وَحَاجَتِهِ، وَنِصْفاً بَينَ المُسْلِمِينَ، قَسَمَهَا بَينَهُمْ، عَلَى ثَمَانِيَةَ عَشَرَ=

الجزء: 8 - الصفحة: 232

وَمَا وَقَفَهُ الأَئِمَّةُ مِنْ ذلِكَ، لَمْ يَجُزْ تَغْيِيْرُهُ وَلا بَيْعُهُ (1). الثَّانِيْ: سَائِرُ الأَمْوَالِ (2)، فَهِيَ لِمَنْ شَهِدَ الوَقْعَةَ، مِمَّنْ يُمْكِنُهُ القِتَالُ، وَيَسْتَعِدُّ لَهُ (3)،  =سَهْماً» (1). والأمر الثانِي: أن يقفها على المسلمين، فيقرها بحالها، ويضرب عليها خراجاً مستمراً، يؤخذ ممن هي بيده، يكون أجرة لها كل عام، كما فعل عمر -رضي الله عنه- فيما فتحه من أرض الشام ومصر والعراق، ودليل ذلك ما تقدم من قول عمر -رضي الله عنه- فإنه رأى أن توقف الأرض المغنومة عنوة، ويضرب عليها خراجاً يدوم نفعه للمسلمين، ولهذا قال: «وَلَكِنِّي أَتْرُكُهَا خِزَانَةً لَهُمْ يَقْتَسِمُونَهَا» أي: يقتسمون خراجها.

(1)

قوله «وَمَا وَقَفَهُ الأَئِمَّةُ مِنْ ذلِكَ، لَمْ يَجُزْ تَغْيِيْرُهُ وَلا بَيْعُهُ»:

أي ليس لأحد نقضه ولا تغييره, ولا بيعه لأن الوقف لا يجوز بيعه.
(2)

قوله «الثَّانِيْ: سَائِرُ الأَمْوَالِ»:

ما يناله المسلمون من الأعداء: إما أن يكون أرضاً ودوراً ونحوها، فهذه تسمى: العقارات كالأراضي، والدور، والمزارع، وغيرها، وهذه سبق الحديث عنها آنفاً.
وإما أن يكون من الأموال كالذهب، والفضة، والدواب، والسلاح، والكراع، ونحوها مما يُغْنَم، فشرع المؤلف -رحمه الله- في بيانه هنا.

(3)

قوله «فَهِيَ لِمَنْ شَهِدَ الوَقْعَةَ، مِمَّنْ يُمْكِنُهُ القِتَالُ، وَيَسْتَعِدُّ لَهُ»:

هذا شرط في إعطاء من حضر من الغنيمة، وهو أن يكون قادراً على القتال، ومستعداً=110

الجزء: 8 - الصفحة: 233

مِنَ التُّجَّارِ وَغَيْرِهِمْ (1)، سَوَاءٌ قَاتَلَ أَوْ لَمْ يُقَاتِلْ عَلى الصِّفَةِ الَّتِيْ شَهِدَ الوَقْعَةَ فِيْهَا، مِنْ كَوْنِهِ فَارِسًا، أَوْ رَاجِلاً، أَوْ عَبْدًا، أَوْ مُسْلِمًا، أَوْ كَافِرًا (2)،  =له، قاتل أو لم يقاتل، لعموم ما تقدم عن عمر -رضي الله عنه-، ولأنه رِدْءٌ للمقاتل، ومستعد له، أشبه المقاتل.
أما العاجز عن القتال من مريض ونحوه فلا حق له في الغنيمة، لأنه ليس من أهل الجهاد، أشبه العبد.

(1)

قوله «مِنَ التُّجَّارِ وَغَيْرِهِمْ»:

كالصانع، والخياط، والخباز، والبيطار، ونحوهم.
(2)

قوله «سَوَاءٌ قَاتَلَ أَوْ لَمْ يُقَاتِلْ عَلى الصِّفَةِ الَّتِيْ شَهِدَ الوَقْعَةَ فِيْهَا، مِنْ كَوْنِهِ فَارِسًا، أَوْ رَاجِلاً، أَوْ عَبْدًا، أَوْ مُسْلِمًا، أَوْ كَافِرًا»:

أي يسهم لهم إذا حضروا قاتلوا أو لم يقاتلوا.
وقال مالك 111، وأبو حنيفة 112 لا يسهم لهم إلا أن يقاتلوا.
والصواب القول الأول لما جاء عن عمر -رضي الله عنه- أنه قال: «الغَنِيمَةُ لِمَنْ شَهِدَ الوَقْعَةَ» 113. ولأن غير المقاتل ردء له معين ومستعد للقتال، فأشبه المقاتلين فشاركه كردء المحارب.

الجزء: 8 - الصفحة: 234

وَلا يُعْتَبَرُ مَا قَبْلَ ذلِكَ وَلا بَعْدَهُ (1)، وَلا حَقَّ فِيْهَا لِعَاجِزٍ عَنِ القِتَالِ بِمَرَضٍ أَوْ غَيْرِهِ (2)، وَلا لِمَنْ جَاءَ بَعْدَ مَا تَنْقَضِيْ الحَرْبُ مِنْ مَدَدٍ، أَوْ غَيْرِهِ (3)،  (1)

قوله «وَلا يُعْتَبَرُ مَا قَبْلَ ذلِكَ وَلا بَعْدَهُ»:

أي والاعتبار في كونه عبداً، أَو فارِساً، أو راجلاً، أَو كافراً، أَو مسلماً حال الحرب ونشوب المعركة، فلو دخل دار الحرب فارساً، ثم حضر الوقعة راجلاً حتى فرغت الحرب لموت فرسه أو شروده أو مرضه فله سهم راجل ولو صار فارساً بعد الوقعة، اعتباراً بحال شهودها، ولو دخل دار الحرب راجلاً ثم ملك فرساً أو استعاره وشهد به الوقعة فله سهم فارس ولو صار بعد الوقعة راجلاً، لأن الفرس حيوان يُسهم له فاعتبر وجوده حالة القتال، فيسهم له مع الوجود، ولا يسهم مع العدم، كالآدمي.
(2)

قوله «وَلا حَقَّ فِيْهَا لِعَاجِزٍ عَنِ القِتَالِ بِمَرَضٍ أَوْ غَيْرِهِ»:

أي أما العاجز عن القتال من مريض ونحوه فلا حق له في الغنيمة، لأنه ليس من أهل الجهاد، أشبه العبد.
وقيل في ذلك تفصيل: فإن كان مرضه يسير لا يخرجه عن كونه من أهل القتال كالصداع والحمى لم يسقط سهمه، وإن خرج عن كونه من أهل القتال كالزمن والأشل سقط سهمه؛ لأنه ليس من أهل القتال والجهاد أشبه العبد.

(3)

قوله «وَلا لِمَنْ جَاءَ بَعْدَ مَا تَنْقَضِيْ الحَرْبُ مِنْ مَدَدٍ، أَوْ غَيْرِهِ»:

أي فإذا جاء بعدها فلم يشهدها فلا سهم له، ولأنه قد جاء وقد ملكت وصارت للغانمين الذين حضروها فلم يبق له فيها نصيب, وروى أبو هريرة -رضي الله عنه- =

الجزء: 8 - الصفحة: 235

وَمَنْ بَعَثَهُ الأَمِيْرُ لِمَصْلَحَةِ الجَيْشِ، أَسْهَمَ لَهُ (1). وَيُشَارِكُ الجَيْشُ سَرَايَاهُ فِيْمَا غَنِمَتْ، وَتُشَارِكُهُ فِيْمَا غَنِمَ (2)،  =أن أبان بن سعيد وأصحابه قدموا على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بخيبر بعد أن فتحها فقال أبان: اقسم لنا يا رسول الله، فقال أَبُو هريرة: لا تقسم لهم يا رسول الله، فقال أَبان: أَنْت بِها يا وبْر، تحدَّر من رأْس ضال، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «اجْلِسْ يَا أَبَانُ» (1)، ولم يقسم لهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.
وعن طارق بن شهاب -رضي الله عنه-: إن أهل البصرة غزوا نهاوند فأمدهم أهل الكوفة فكتب في ذلك إلى عمر -رضي الله عنه- فكتب عمر: «الغَنِيمَةُ لِمَنْ شَهِدَ الوَقْعَةَ» (2).

(1)

قوله «وَمَنْ بَعَثَهُ الأَمِيْرُ لِمَصْلَحَةِ الجَيْشِ، أَسْهَمَ لَهُ»:

أي ومن بعثه الأمير لمصلحة الجيش مثل الرسول والدليل والجاسوس وأشباههم فانه يسهم له وان لم يحضر لأنه في مصلحة الجيش أشبه السرية ولأنه إذا أسهم للمتخلف عن الجيش فهؤلاء أولى.
(2)

قوله «وَيُشَارِكُ الجَيْشُ سَرَايَاهُ فِيْمَا غَنِمَتْ، وَتُشَارِكُهُ فِيْمَا غَنِمَ»:

وجملة ذلك أن الجيش إذا فصل غازياً فخرجت منه سرية أو أكثر فأيهما غنم شاركه الآخر في قول عامة العلماء لأن الجيش واحد، والمراد سراياه التي يبثها إذا دخل دار الحرب، وما غنمته السرايا يضم إلى غنيمة الجيش، وكذلك غنائم الجيش تضم إلى غنائم السرايا.
=114115

الجزء: 8 - الصفحة: 236

وَيَبْدَأُ بِإِخْرَاجِ مُؤْنَةِ الغَنِيْمَةِ؛ لِحِفْظِهَا وَنَقْلِهَا، وَسَائِرِ حَاجَاتِهَا (1)، ثُمَّ يَدْفَعُ الأَسْلابَ إِلى أَهْلِهَا (2)، وَالأَجْعَالَ لأَصْحَابِهَا (3)،  = لكن سبق أن للإمام أن ينفل الثلث في الرجعة والربع في البدأة.
عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده عبد الله بن عمرو، قال: لما دخل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مكة عام الفتح، قام في الناس خطيباً، فقال «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّهُ مَا كَانَ مِنْ حِلْفٍ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَإِنَّ الإِسْلامَ لَمْ يَزِدْهُ إِلاَّ شِدَّةً، وَلا حِلْفَ فِي الإِسْلامِ، وَالْمُسْلِمُونَ يَدٌ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ، تَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ، يُجِيرُ عَلَيْهِمْ أَدْنَاهُمْ، وَيَرُدُّ عَلَيْهِمْ أَقْصَاهُمْ، تُرَدُّ سَرَايَاهُمْ عَلَى قَعَدِهِمْ، لا يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِكَافِرٍ، دِيَةُ الْكَافِرِ نِصْفُ دِيَةِ الْمُسْلِمِ .. » (1).

(1)

قوله «وَيَبْدَأُ بِإِخْرَاجِ مُؤْنَةِ الغَنِيْمَةِ؛ لِحِفْظِهَا وَنَقْلِهَا، وَسَائِرِ حَاجَاتِهَا»:

لأن أجرتهم منها والفاضل للغانمين كما يبدأ بأجرة العامل على الزكاة.
(2)

قوله «ثُمَّ يَدْفَعُ الأَسْلابَ إِلى أَهْلِهَا»:

أي ثم يدفع سلب المقتول لقاتله.
(3)

قوله «وَالأَجْعَالَ لأَصْحَابِهَا»:

وهم من جعل لهم الأمير جعلاً، فيقوم الإمام بإعطائهم ما وعدهم به من الجعل، كأن يقول: من فعل كذا أعطيه كذا، أو يعطيه أيضاً من باب التشجيع، ويعطي أيضاً تنفيل السرايا، وقد سبق ذلك.116

الجزء: 8 - الصفحة: 237

ثُمَّ يُخَمِّسُ بَاقِيَهَا، فَيَقْسِمُ خُمْسَهَا خَمْسَةَ أَسْهُمٍ: سَهْمٌ للهِ تَعَالى وَلِرَسُوْلِهِ -صلى الله عليه وسلم-، يُصْرَفُ فِي السَّلامِ وَالكُرَاعِ، وَمَصَالِحِ المُسْلِمِيْنَ (1)،  (1)

قوله «ثُمَّ يُخَمِّسُ بَاقِيَهَا، فَيَقْسِمُ خُمْسَهَا خَمْسَةَ أَسْهُمٍ: سَهْمٌ للهِ تَعَالى وَلِرَسُوْلِهِ -صلى الله عليه وسلم-، يُصْرَفُ فِي السَّلامِ وَالكُرَاعِ، وَمَصَالِحِ المُسْلِمِيْنَ»:

أي ثم يقسم الغنيمة إلى خمسة أقسام، أو خمسة أجزاء متساوية، وهذا ما يسمى «بالتخميس»، والخمس هو الواحد من الخمسة، ويصرف لمن ذكرهم الله في القرآن في قوله تعالى ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ 117، فهؤلاء خمسة، والجمهور أنه لا يتعدى الخُمس هذه الأصناف المنصوص عليها، وقد نسب القرطبي لجمهور العلماء أن هذه الآية ناسخة لما في أول السورة من أن حكم الأنفال، وهي الغنائم مختص بالله ورسوله، فيقسمها الرسول -صلى الله عليه وسلم- حسب أمر الله فيها، وأن ذلك كان في أول الإسلام، وقد قسم النبي - صلى الله عليه وسلم - غنائم بدر على ما أراه الله من غير أن يخمِّسها 118، ثم نزلت آية الخمس، فنسخت الآية الأولى 119. والقول الثانِي: أن آية ﴿يَسْأَلُونَك عَنْ الْأَنْفَالِ قُلْ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ 120، محكمة وليست بمنسوخة، وهذا اختيار ابن جرير 121، =

الجزء: 8 - الصفحة: 238

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =وابن الجوزي 122 وهؤلاء اختلفوا، فمنهم من قال: إن المراد بالأنفال: الزيادة التي ينفلها الإمام لبعض السرايا من الأسلاب فوق نصيبهم من الغنيمة، ومنهم من قال: إن الأنفال هي الغنائم وتكون الآية عامة، ثم نزلت آية الخمس وبيَّنت مصرف الخمس من الغنائم 123. والراجح من الأقوال أن سهم الله تعالى وسهم رسوله -صلى الله عليه وسلم- واحد، وكونه سبحانه وتعالى استفتح بذِكْرُ اسمه تعالى فإنه من باب التعظيم، قال بذلك ابن عباس -رضي الله عنه- وجماعة من السلف 124. ويؤيد ذلك ما رواه عبد الله بن شقيق عن رجل من بلقين قال: أتَيتُ رَسُولَ الله -صلى الله عليه وسلم- وَهوَ بِوَادِي القُرَى وَهوَ يَعرِضُ فَرَسَاً، فَقُلتُ: يا رسول الله، مَا تَقُولُ فِي الغَنِيمَة؟ فَقَالَ: «للَّهِ خُمُسهَا، وَأربَعةُ أخْمَاسٍ لِلجَيشِ» 125. فما لله ولرسوله يدخل في بيت المال، ويصرف في مصالح المسلمين 126، لحديث عبد الله بن عمرو بأن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّهُ لَيسَ لِي مِنْ هَذَا الفَيءِ شَيءٌ، وَلا هَذَا - وَرَفَعَ أُصْبُعَيهِ - إِلا الخُمُسَ، وَالخُمُسُ مَرْدُودٌ عَلَيْكُمْ» 127.

الجزء: 8 - الصفحة: 239

وَسَهْمٌ لِذَوِي القُرْبى، وَهُمْ بَنُوْ هَاشِمٍ وَبَنُوْ المُطَّلِبِ غَنِيُّهُمْ وَفَقِيْرُهُمْ، لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ (1)، وَسَهْمٌ لِلْيَتَامَى الفُقُرَاءِ (2)،  (1)

قوله «وَسَهْمٌ لِذَوِي القُرْبى، وَهُمْ بَنُوْ هَاشِمٍ وَبَنُوْ المُطَّلِبِ غَنِيُّهُمْ وَفَقِيْرُهُمْ، لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ»:

هذا هو السهم الثانِي من أسهم الخمس، وهو لذوي قربى النبي -صلى الله عليه وسلم-، وهم بنو هاشم وبنو عبد المطلب أبناء عبد مناف دون غيرهم من بني نوفل وبني عبد شمس، لقوله تعالى: ﴿وَلِذِي الْقُرْبَى﴾، وقد أعطاهم النبي -صلى الله عليه وسلم- كما في حديث جبير بن مطعم قال: مشيت أنا وعثمان بن عفان إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقلنا يا رسول الله أعطيت بني المطلب وتركتنا ونحن وهم منك بمنزلة واحدة، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ﴿إِنَّمَا بَنُو الْمُطَّلِبِ وَبَنُو هَاشِمٍ شَيْءٌ وَاحِدٌ﴾ (1)، وكيف يقسم بينهم؟ قيل: يقسم بينهم بحسب الحاجة، وقيل: بل للذكر مثل حظ الأنثيين، وقيل: بل الذكر والأنثى سواء.
والأقرب الأول وهو أننا نراعي الحاجة، فإن كانوا كلهم سواء في الغنى أو في الحاجة أعطيناهم بالتساوي.

(2)

قوله «وَسَهْمٌ لِلْيَتَامَى الفُقُرَاءِ»:

هذا هو السهم الثالث من أسهم الخُمس، وهو لليتامى - جمع يتيم -، وهو من مات أبوه قبل أن يبلغ، وسواء كان ذكراً أو أنثى، وهل يختص بالفقراء منهم أو لا يختص؟ اشترط المصنف فقرهم، وهذا هو المذهب، لأن اسم اليتيم يطلق في العرف للرحمة، ومن أُعطي لذلك اعتبرت فيه الحاجة.128

الجزء: 8 - الصفحة: 240

وَسَهْمٌ لِلْمَسَاكِيْنِ (1)، وَسَهْمٌ لِأَبْنَاءِ السَّبِيْلِ (2)، ثُمَّ يُخْرِجُ بَاقِيَ الأَنْفَالِ، وَالرَّضْخِ (3)،  والقول الثانِي: أنه لا يختص بالفقير، بل يعطي اليتيم الغني، وبه قال بعض الحنابلة (1)، واختاره شيخنا (2) -رحمه الله-، وهو الصحيح أي أنه لا يختص، لأننا لو جعلناه خاصاً بالفقراء لم يكن لعطف المساكين عليهم فائدة.
فالصواب أن اليتيم يستحق خمس الخمس من الغنيمة ولو كان غنيّاً؛ جبراً للنقص الذي حصل له بفقد أبيه، ولا سيما إذا كان اليتيم مترعرعاً في الشباب، أي يعرف قدر وجود أبيه، ويعرف ما يفوته بفقد أبيه، لكن لا شك أن من كان أحوج فهو أحق.

(1)

قوله «وَسَهْمٌ لِلْمَسَاكِيْنِ»:

هذا هو السهم الرابع، لقوله تعالى: ﴿وَالْمَسَاكِينِ﴾، والمراد بهم: أهل الحاجة، فيدخل الفقراء في عمومهم.
(2)

قوله «وَسَهْمٌ لِأَبْنَاءِ السَّبِيْلِ»:

وهم المسافرون الذين انقطع بهم السفر، فيعطون ما يوصلهم إلى سفرهم، يعطون تذكرة، أو متاعاً، أو ما أشبه ذلك مما يحتاجون إليه، لقوله تعالى: ﴿وَابْنِ السَّبِيلِ﴾.
(3)

قوله «ثُمَّ يُخْرِجُ بَاقِيَ الأَنْفَالِ، وَالرَّضْخِ»:

أي بعد الخُمس يُخرج الإمام الأنفال، والرضخ التي ينفرد بها بعض الغانمين لمصلحةٍ، كما سبق نحو قول الأمير: من طلع حصناً أو نَقَبَهُ فله كذا، أو من جاء بأسير فله كذا، أو دل على قلعة أو ماء فله كذا.
=129130

الجزء: 8 - الصفحة: 241

ثُمَّ يَقْسِمُ مَا بَقِيَ لِلرَّاجِلِ سَهْمٌ، وَلِلْفَارِسِ ثَلاثَةُ أَسْهُمٍ، لَهُ سَهْمٌ وَلِفَرَسِهِ سَهْمَانِ؛ لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ: أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - جَعَلَ لِلْفَرَسِ سَهْمَيْنِ، لِصَاحِبِهِ سَهْمًا (1)،  =وإنما كانت الأنفال بعد الخُمس أي: من أربعة أخماسها لقوله -صلى الله عليه وسلم- «لا نَفَلَ إِلا بَعْدَ الخُمُسِ» (1)، ولأنه مال يستحق بالتحريض على القتال، فكان من أربعة أخماس الغنيمة، كسهم الفارس والرَّاجل، وهذا هو الراجح.

(1)

قوله «ثُمَّ يَقْسِمُ مَا بَقِيَ لِلرَّاجِلِ سَهْمٌ، وَلِلْفَارِسِ ثَلاثَةُ أَسْهُمٍ، لَهُ سَهْمٌ وَلِفَرَسِهِ سَهْمَانِ؛ لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ: أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - جَعَلَ لِلْفَرَسِ سَهْمَيْنِ، لِصَاحِبِهِ سَهْمًا»:

أي ثم يقسم باقي الغنيمة وهو الأربعة أخماس، للراجل سهم، وللفارس ثلاثة أسهم، سهم له وسهمان لفرسه؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- فعل ذلك في خيبر، جعل للراجل - الذي على رِجْله - سهماً واحداً، وللفارس ثلاثة أسهم.
و

هل يقاس على الخيل ما في حروب اليوم من الدبابات والطائرات؟

نقول نعم؛ يقاس كل شيء بما يشبهه، فالراجل الذي ليس فرس وله سهم واحد يقاس عليه القناص فيكون له سهم واحد، والطيارة والدبابة تقاس على الخيل، فهما يشبهان الخيل بسرعتهما وتزيدان في الخطر على العدو، فيكون للطيار وسائق الدبابة سهم، وللطائرة والدبابة سهمان، ويرجع سهما الطائرة والدبابة إلى بيت مال المسلمين لأنهما غير =131

الجزء: 8 - الصفحة: 242

وَإِنْ كَانَ الفَرَسُ غَيْرَ عَرَبِيٍّ، فَلَهُ سَهْمٌ وَلِصَاحِبِهِ سَهْمٌ (1)، وَإِنْ كَانَ مَعَ الرَّجُلِ فَرَسَانِ، أُسهِمَ لَهُمَا، وَلا يُسْهَمُ لِأَكْثَرَ مِنْ فَرَسَيْنِ (2)،  = مملوكتين لسائقيهما، وإذا رأى ولي الأمر أن يعطي السهمين لقائد الطائرة أو الدبابة فلا بأس لأن في ذلك تشجيعا لهما.

(1)

قوله «وَإِنْ كَانَ الفَرَسُ غَيْرَ عَرَبِيٍّ، فَلَهُ سَهْمٌ وَلِصَاحِبِهِ سَهْمٌ»:

وغير العربي هو البرذون، وهو الهجين أي الذي أبوه عربي وأمه برذونة أو العكس.
وقد اختلفت الرواية عن الإمام أحمد (1) فيما يستحقه هذا النوع من الخيول، وقد حكي عنه أنه سهم واحد، وعنه أسهم مثل سهم العربي أي سهمين لأن الله سبحانه قال: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا﴾ (2) , وهذا من الخيل، ولأنه حيوان ذو سهم فاستوى فيه العربي وغيره كالآدمي, وفي رواية أخرى عنه أنه لا يسهم له، وعنه رواية رابعة أنه إذا أدركت أسهم لها مثل الفرس لأنها عملت عمل العراب فأعطيت سهمها، وهذا هو الأظهر عندي، وبه قضى عمر -رضي الله عنه-.

(2)

قوله «وَإِنْ كَانَ مَعَ الرَّجُلِ فَرَسَانِ، أُسهِمَ لَهُمَا، وَلا يُسْهَمُ لِأَكْثَرَ مِنْ فَرَسَيْنِ»:

أي إذا كان مع الرجل أكثر من فرسين أسهم لفرسين أربعة أسهم ولصاحبهما سهما ولم يزد على ذلك.
وذهب الجمهور 134 أنه لا يسهم لأكثر من فرس واحد لأنه لا يمكن أن=132133

الجزء: 8 - الصفحة: 243

وَلا يُسْهَمُ لِدَابَّةٍ غَيْرِ الخَيْلِ (1)،  =يقاتل على أكثر منها فلم يسهم لما زاد عليها كالزائد على الفرسين.
وهذا هو الأقرب لحديث ابن عمر -رضي الله عنه- السابق: «أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - جَعَلَ لِلْفَرَسِ سَهْمَيْنِ، لِصَاحِبِهِ سَهْمًا».

(1)

قوله «وَلا يُسْهَمُ لِدَابَّةٍ غَيْرِ الخَيْلِ»:

أي لا شيء لغير الخيل من البهائم، كفيلٍ، وبغلٍ، وبعيرٍ، ونحوها، ولو عَظُمَ غِناؤها وقامت مقام الخيل لأنه -صلى الله عليه وسلم- لم يسهم لها، وكذا أصحابه، ولا خلاف في ذلك، مع أنه لم تخل غزوة منها، وذلك لأن صاحبها لا يحتاج إلى ما يحتاج إليه الفارس من الكلفة، ولأن غير الخيل لا يلحق بها في التأثير في الحرب، ولا يصلح للكر والفر، قال ابن المنذر: «أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم أن من غزا على بعير فله سهم راجل لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يسهم لغير الخيل» 135، وفي رواية أخرى عن الإمام أحمد 136 أنه إذا غزا على بعير وهو لا يقدر على غيره أسهم له ولبعيره سهمان, وعنه يسهم للبعير سهم ولم يشترط عجز صاحبه عن غيره لقوله سبحانه: ﴿فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكَابٍ﴾ 137، والركاب الإبل؛ ولأنه حيوان يجوز المسابقة عليه فيسهم له كالفرس، واختار أبو الخطاب أنه لا يسهم له، وهو قول أكثرهم.
قلت: ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية أن قياس الأصول أن يُرضخ لها، كما يرضخ لمن لا سهم له من النساء والعبيد والصبيان 138.

الجزء: 8 - الصفحة: 244

فَصْلٌ فِيْ الفَيْءِ

(1)  (1)

قوله «فَصْلٌ فِيْ الفَيْءِ»:

الفيء في اللغة: مصدر فاء يفيء فيئاً: إذا رجع، وفي الاصطلاح: كما سيأتي في كلام المؤلف هو ما أخذ من كافر بلا قتال، كالجزية، والخراج، والعشر، وما تركه الكفار فزعاً منا، يعني حينما علموا بأن المسلمين أقبلوا عليهم هربوا وتركوا الأموال، فهذه الأموال أخذت بغير قتال فتكون فيئاً، وذلك لأن المقاتلين لم يتعبوا في تحصيلها فلا تقسم بينهم، بل تكون فيئاً يصرف في مصالح المسلمين العامة، كرَزْقِ القضاة، والمؤذنين، والأئمة، والفقهاء، والمعلمين، وغير ذلك من مصالح المسلمين كما سيأتي ذلك قريباً إن شاء الله تعالى.
وسمي فيئاً لأنه رجع من الكفار الذين هم غير مستحقين له إلى المسلمين الذين لهم الحق الأوفر فيه، وهذا كفيء بني النضير الذين نزلوا على حكم النبي -صلى الله عليه وسلم- ومكنوه من أنفسهم وأموالهم.

وبذلك يتبين لنا أن

الفيء ضربان

: أحدهما: ما انجلوا عنه: أي هربوا عنه خوفاً من المسلمين، أو بذلوه للكف عنهم.

و

الثاني: ما أخذ من غير خوف

: كالجزية، والخراج الصلحي، والعشور.
فبين الفيء والجزية عموم وخصوص.
فالفيء أعم من الجزية على ما سيأتي بيانه قريباً إن شاء الله تعالى في الفرق بين الفيء والغنيمة.

الجزء: 8 - الصفحة: 245

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ذكر بعض الفوائد

:

  • الفائدة الأُولى: موارد الفيء متعددة منها: 1 - ما جلا عنه الكفار خوفاً من المسلمين من الأراضي والعقارات.
    2 - ما تركه الكفار وجلوا عنه من المنقولات.
    3 - ما أخذ من الكفار من خراج، أو أجرة عن الأراضي التي ملكها المسلمون، ودفعت بالإجارة لمسلم أو ذمي، أو عن الأراضي التي أقرت بأيدي أصحابها من أهل الذمة صلحاً أو عنوة على أنها لهم، ولنا عليها الخراج.
    4 - الجزية.
    5 - عُشور أهل الذمة.
    6 - ما صولح عليه الحربيون من مال يؤدونه إلى المسلمين.
    7 - مال المرتد إن قتل أو مات.
    8 - مال الذمي إن مات ولا وارث له وما فضل من ماله عن وارثه فهو فيء.
    9 - الأراضي المغنومة بالقتال وهي الأراضي الزراعية عند من يرى عدم تقسيمها بين الغانمين.

- الفائدة الثانية: الفرق بين الغنيمة والفيء:

الغنيمة والفيء بينهما عموم وخصوص، فالفيء أحياناً يدخل تحت الغنيمة وأحياناً ينفرد عنها، فالفيء يكون من غير قتال، كأن يأتي المسلمون إلى موضع فيه كفار فيسمع الكفار بالمسلمين فيفرون، =

الجزء: 8 - الصفحة: 246

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =ويتركون أموالهم وديارهم، فهذا يعتبر من الفيء، كما وقع في جلاء بني النضير وغيرهم، بخلاف الغنيمة، فإنها لا تكون إلا من وقعة، والغالب أنها تكون بالجهاد ومقابلة العدو وقتاله، فالغنيمة هي نتاج الغزوة، والخلاصة في الفرق بين الغنيمة والفيء: أن الغنيمة ما أخذ من أهل الحرب عنوة والحرب قائمة، والفيء ما أخذ من أهل الحرب بغير قتال ولا إيجاف خيل.
ومن الفروق أيضاً: أن الفيء لا يخمس كما تخمس الغنيمة، فللمجاهدين أربعة أخماس، والخمس الأخير هو الذي يصرف في مصارف الفيء فقط، فمن هنا يقول بعض العلماء: إن بينهما عموماً وخصوصاً من هذا الوجه.

الفائدة الثالثة: هل الفيء كالزكاة؟

بمعنى أنه يجوز الاقتصار على واحد من هؤلاء المذكورين في قوله تعالى: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ 139، أو يجب التعميم؟ المشهور من المذهب أنه يجب التعميم بحسب القدرة والطاقة، فلا يجزئ أن نعطي ثلاثة منهم ونقول بأن هذا أقل الجمع، بل لابد من إعطاء كل يتيم في البلد من هذا الذي هو خمس الخمس، أما مستحق الزكاة فقد=

الجزء: 8 - الصفحة: 247

وَمَا تَرَكَهُ الكُفَّارُ فَزَعًا وَهَرَبُوْا، لَمْ يُوْجَفْ عَلَيْهِ بِخَيْلٍ وَلا رِكَابٍ، وأُخِذَ مِنْهُمْ بِغَيْرِ قِتَالٍ (1)، فَهُوَ فَيْءٌ يُصْرَفُ فِيْ مَصَالِحِ المُسْلِمِيْنَ (2)،  =سبق أنه يجوز الاقتصار على واحد.
(1) قوله «وَمَا تَرَكَهُ الكُفَّارُ فَزَعًا وَهَرَبُوْا، لَمْ يُوْجَفْ عَلَيْهِ بِخَيْلٍ وَلا رِكَابٍ، وأُخِذَ مِنْهُمْ بِغَيْرِ قِتَالٍ»: هذا هو معنى الفيء الذي سبق بيانه مفصلاً.
وقوله «لَمْ يُوْجَفْ» أصل الإيجاف التحريك، والمراد هنا الحركة في السير فمعنى ﴿فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ﴾ أي: ما أجلبتموه وحشدتموه، ولم تتعبوا بتحصيله، لا بأنفسكم ولا بمواشيكم، بل قذف الله في قلوبهم الرعب، فهذا هو الفيء الذي سيأتي بيان أحكامه.

(2)

قوله «فَهُوَ فَيْءٌ يُصْرَفُ فِيْ مَصَالِحِ المُسْلِمِيْنَ»:

ذهب جمهور الفقهاء 140 إلى أن الفيء لا يخمس، بل يصرف في مصالح المسلمين، وأن الإمام يعطي منه للمقاتلين، والولاة، والقضاة، والعمال، والأئمة، والمؤذنين، والفقهاء، وكل من يحتاج إليه المسلمون، ويصرف على بناء القناطر، والمساجد، وشق الطرق وغير ذلك، ويبدأ الإمام بالأهم فالمهم، فإن بقي بعد ذلك منه شيء قسمه بين المسلمين، ولا فرق بين الأغنياء والفقراء.
واستدلوا لذلك بقوله تعالى: {وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ=

الجزء: 8 - الصفحة: 248

وَمَنْ وَجَدَ كَافِرًا ضَالاً عَنِ الطَّرِيْقِ أَوْ غَيْرِهِ فِيْ دَارِ الإِسْلامِ، فَأَخَذَهُ فَهُوَ لَهُ (1)،  =وَاللَّهُ عَلَى كُل شَيْءٍ قَدِيرٌ} (1). وذهب الشافعية (2) وهو إحدى الروايتين عن الإمام أحمد (3) إلى تخميس الفيء وصرف خمسه إلى من يصرف إليه خمس الغنيمة لقول الله تعالى: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ (4)، فذكر الأصناف في هذه الآية من باب التعديد للأصناف الذين يستحقون هذا المال ومن ثم فلا يتعدى به هؤلاء.
وقال القاضي من الحنابلة (5): إن الفيء لأهل الجهاد خاصة دون غيرهم من الأعراب ومن لا يعد نفسه للجهاد؛ لأن ذلك كان للنبي -صلى الله عليه وسلم- لحصول النصرة به، فلما مات أعطي لمن يقوم مقامه في ذلك، وهم المقاتلة دون غيرهم.

(1)

قوله «وَمَنْ وَجَدَ كَافِرًا ضَالاً عَنِ الطَّرِيْقِ أَوْ غَيْرِهِ فِيْ دَارِ الإِسْلامِ، فَأَخَذَهُ فَهُوَ لَهُ»:

وذلك لأنه وجده في دار الإسلام، فأشبه المباحات، والصيد، واللقطة، وفي رواية أنه يكون فيئاً، لأنه لم يوجف عليه وهو من مال الكفار، فأشبه ما لو أخذ من دراهم.141142143144145

الجزء: 8 - الصفحة: 249

وَإِنْ دَخَلَ قَوْمٌ لا مَنَعَةَ لَهُمْ أَرْضَ الحَرْبِ مُتَلَصِّصِيْنَ بِغَيْرِ إِذْنِ الإِمَامِ، فَمَا أَخَذُوْا، فَهُوَ لَهُمْ بَعْدَ الخُمُسِ (1)،  (1)

قوله «وَإِنْ دَخَلَ قَوْمٌ لا مَنَعَةَ لَهُمْ أَرْضَ الحَرْبِ مُتَلَصِّصِيْنَ بِغَيْرِ إِذْنِ الإِمَامِ، فَمَا أَخَذُوْا، فَهُوَ لَهُمْ بَعْدَ الخُمُسِ»:

في هذه المسألة ثلاث روايات: الأولى: أن غنيمتهم كغنيمة غيرهم يخمسها الإمام ويقسم الباقي بينهم لقوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ 146 , وبالقياس على ما إذا دخلوا بإذن الإمام، وهذا هو الأظهر، وهو قول عمر بن عبد العزيز -رحمه الله-.
الثانية: أن ما أخذوه فهو لهم من غير أن يخمس لأنه اكتساب مباح من غير جهاد أشبه الاحتطاب، فإن الجهاد إنما يكون بإذن الإمام أو من طائفة لهم منعة, فأما هذا فتلصص وسرقة ومجرد اكتساب.
الثالثة: أنه فيء لا حق لهم فيه لأنهم عصاة بفعلهم فلم يكن لهم فيه حق والأولى أولى 147.

الجزء: 8 - الصفحة: 250

بابُ الأَمانِ

(1)  (1)

قوله «بابُ الأَمانِ»:

الأمان في اللغة: عدم توقع مكروه في الزمن الآتي، وأصل الأمن طمأنينة النفس وزوال الخوف، وعرفه الفقهاء بأنه: رفع استباحة دم الحربي، ورقه، وماله حين قتاله، أو الغرم عليه، مع استقراره تحت حكم الإسلام.
والعقود التي تفيد الكفار بالأمان ثلاثة: الأمان، والهدنة، والجزية، لأنه إن تعلق بمحصور فالأمان، أو بغير محصور، فإن كان إلى غاية فالهدنة، وإلا فالجزية، وهما مختصان بالإمام، بخلاف الأمان فعام، كما سيأتي.
والمراد بالأمان هنا: العهد للمحارب بعدم الاعتداء على نفسه، وماله، وعرضه، ودينه.
فَيُؤَمَّنُ الكافر مدة محدودة حتى يبيع تجارته ويرجع، أو حتى يشاهد بلاد المسلمين ويرجع، أو حتى يسمع كلام الله ويرجع.
والأصل فيه قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ﴾ 148، ومعنى ﴿اسْتَجَارَكَ﴾: طلب منك الجوار وهو الأمان، وقوله -صلى الله عليه وسلم-: «ذِمَّةُ المُسْلِمِينَ وَاحِدَةٌ يَسْعَى بهَا أَدْنَاهُمْ» 149، وهو من مكايد الحرب ومصالحه.

الجزء: 8 - الصفحة: 251

وَمَنْ قَالَ لِحَرْبِيٍّ: قَدْ أَجَرْتُكَ، أَوْ أَمَّنْتُكَ، أَوْ لا بَأْسَ عَلَيْكَ، وَنَحْوَ هَذَا، فَقَدْ أَمَّنَهُ (1)، وَيَصِحُّ الأَمَانُ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ، عَاقِلٍ، مُخْتَارٍ (2)،  (1)

قوله «وَمَنْ قَالَ لِحَرْبِيٍّ: قَدْ أَجَرْتُكَ، أَوْ أَمَّنْتُكَ، أَوْ لا بَأْسَ عَلَيْكَ، وَنَحْوَ هَذَا، فَقَدْ أَمَّنَهُ»:

هذه هي الألفاظ التي يحصل بها الأمان.
فمتى تلفظ المسلم بشيءٍ منها لأهل الحرب حرم قتلهم، ومالهم، والتعرض لهم.

(2)

قوله «وَيَصِحُّ الأَمَانُ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ، عَاقِلٍ، مُخْتَارٍ»:

هذه هي

الشروط التي يجب أن تتحقق فيمن يعطي الأمان

:

الأول: أن يكون مسلما

ً، فلا يصح الأمان من كافر ليهودي، أو نصراني أو مشرك، لأنه متهم في الدين، فلا يؤمن على ذلك لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «ذِمَّةُ المُسْلِمِينَ وَاحِدَةٌ يَسْعَى بهَا أَدْنَاهُمْ» (1)، فجعل الذمة للمسلمين فلا تحصل لغيرهم، فقد يكون تأمينه لغيره مصدر ضرر للمسلمين.

الثانِي: أن يكون عاقلاً،

فلا يصح الأمان من مجنون، لأن المجنون لا عقل له ولا قصد له فلا يعتد بأمانه.

الثالث: أن يكون مختارا

ً، فلا يصح أمان المكره، لأن قول المكره لا يترتب عليه حكم شرعي، فلو دخل كافر مسلح، ووجد رجلاً من المسلمين وقال له: أمّنِّي وإلا قتلتك، فأمَّنه مكرهاً، فهذا الأمان لا يصح.150

الجزء: 8 - الصفحة: 252

حُرًّا كَانَ أَوْ عَبْدًا، رَجُلاً أَوِ امْرَأَةً؛ لِقَوْلِ رَسُوْلِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «الْمُؤْمِنُوْنَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ، وَيَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ» (1)،  (1)

قوله «حُرًّا كَانَ أَوْ عَبْدًا، رَجُلاً أَوِ امْرَأَةً؛ لِقَوْلِ رَسُوْلِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «الْمُؤْمِنُوْنَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ، وَيَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ»

الجزء: 8 - الصفحة: 253

وَيَصِحُّ أَمَانُ آحَادِ الرَّعِيَّةِ لِلْجَمَاعَةِ اليَسِيْرَةِ (1)، وَأَمَانُ الأَمِيْرِ لِلْبَلَدِ الَّذِيْ أُقِيْمَ بِإِزَائِهِ (2)، وَأَمَانُ الإِمَامِ لِجَمِيْعِ الكُفَّارِ (3)، وَمَنْ دَخَلَ دَارَهُمْ بِأَمَانِهِمْ، فَقَدْ أَمَّنَهُمْ مِنْ نَفْسِهِ (4)،  (1)

قوله «وَيَصِحُّ أَمَانُ آحَادِ الرَّعِيَّةِ لِلْجَمَاعَةِ اليَسِيْرَةِ»:

أي ويصح الأمان من واحد من الرعية، يعني عامة المسلمين للجماعة القليلة كعشرة رجال أو أكثر، وذلك لعموم حديث: «قَدْ أَجَرْنَا مَنْ أَجَرْتِ يَا أُمَّ هَانِئٍ» (1). و

هل لذلك عدد معين؟

نقول اختلفت الرواية (2) في ذلك فقيل: لقافلة صغيرة وحصن صغير، وأطلق في الروضة لحصن أو بلد، وأنه يستحب استحباباً أن لا يجار على الأمير إلا بإذنه، وقيل لمائة.
والأظهر عندي أنه لا يصح أمانه لأهل بلدة كبيرة، لأنه يفضي إلى تعطيل الجهاد والافتيات على الإمام.

(2)

قوله «وَأَمَانُ الأَمِيْرِ لِلْبَلَدِ الَّذِيْ أُقِيْمَ بِإِزَائِهِ»:

أي ويصح الأمان من الأمير لأهل بلدة جُعل بإزائهم، أي: بحذائهم، لأن له الولاية على من بإزائه دون غيره، فاختص به.
(3)

قوله «وَأَمَانُ الإِمَامِ لِجَمِيْعِ الكُفَّارِ»:

أي ويصح أمان الإمام لجميع الكفار، لأن له الولاية على جميع المسلمين، فجاز أن يكون تأمينه عاماً.
(4)

قوله «وَمَنْ دَخَلَ دَارَهُمْ بِأَمَانِهِمْ، فَقَدْ أَمَّنَهُمْ مِنْ نَفْسِهِ»:

أي متى أعطوه الأمان فلا يجوز لهم أن يتعرضوا له بسوءٍ، لأنهم إنما أعطوه الأمان=156157

الجزء: 8 - الصفحة: 254

وَإِنْ خَلَّوْا أَسِيْرًا مِنَّا بِشَرْطِ أَنْ يَبْعَثَ إِلَيْهِمْ مَعْلُوْمًا، لَزِمَهُ الوَفَاءُ لَهُمْ (1)، فَإِنْ شَرَطُوْا عَلَيْهِ أَنْ يَعُوْدَ إِلَيْهِمْ، إِنْ عَجِزَ عَنْهُ، لَزِمَهُ العَوْدُ (2)،  =مشروطاً بأمنه إياهم من نفسه وترك خيانتهم حتى وإن لم يكن ذلك مذكوراً حال إعطاءهم الأمان، فهو معلوم في المعنى ولا يصلح في ديننا الغدر.

(1)

قوله «وَإِنْ خَلَّوْا أَسِيْرًا مِنَّا بِشَرْطِ أَنْ يَبْعَثَ إِلَيْهِمْ مَعْلُوْمًا، لَزِمَهُ الوَفَاءُ لَهُمْ»:

لأن الله سبحانه قال: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ﴾ (1)، ولأن النبي -صلى الله عليه وسلم- صالح أهل الحديبية على رد من جاءه فوفى لهم، ولأنه لا يصلح في ديننا الغدر، ولأن في الوفاء مصلحة للأسرى وفي منعه مفسدة في حقهم لأنهم لا يأمنون بعده أسيراً، والحاجة داعية إلى ذلك فلزم الوفاء به كما يلزم الوفاء بعقد الهدنة.
(2)

قوله «فَإِنْ شَرَطُوْا عَلَيْهِ أَنْ يَعُوْدَ إِلَيْهِمْ، إِنْ عَجِزَ عَنْهُ، لَزِمَهُ العَوْدُ»:

هذا في إحدى الروايتين في المذهب 159، لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- عاهد أهل الحديبية على رد من جاء مسلماً فرد أبا جندل وأبا بصير، ولأنه لا يصلح في ديننا الغدر.
والرواية الأخرى: لا يرجع لأن الرجوع إليهم معصية فلم يلزم بالشرط كما لو كان امرأة، وكما لو شرط شرب الخمر أو قتل مسلم.158

الجزء: 8 - الصفحة: 255

إِلاَّ أَنْ تَكُوْنَ امْرَأَةً فَلا تَرْجِعُ إِلَيْهِمْ (1)،  (1)

قوله «إِلاَّ أَنْ تَكُوْنَ امْرَأَةً، فَلا تَرْجِعُ إِلَيْهِمْ»:

أي فإن كان الأسير امرأة لم ترجع إليهم ولم يحل لها ذلك لقول الله تعالى: ﴿فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ 160، ولأن في رجوعها تسليطاً لهم على وطئها حراماً، وقد منع الله رسوله رد النساء إلى الكفار.

الجزء: 8 - الصفحة: 256

فَصْلٌ فِيْ الهُدْنَةِ

(1) وَتَجُوْزُ مُهَادَنَةُ الكُفَّارِ (2)، إِذا رَأَى الإِمَامُ المَصْلَحَةَ فِيْهَا (3)،  (1)

قوله «فَصْلٌ فِيْ الهُدْنَةِ»:

الهدنة: مشتقة من هَدَنْتُ الصبي إذا سكنته، والمراد بها هنا: الاتفاق على وقف القتال بين المتحاربين مدة معينة، بعوض أو غيره، مع استمرار حالة الحرب.
(2)

قوله «وَتَجُوْزُ مُهَادَنَةُ الكُفَّارِ»:

لا خلاف بين الفقهاء في ذلك دليل ذلك قوله تعالى: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ (1)، وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا﴾ (2). أما من السنة فمن ذلك: مهادنته -صلى الله عليه وسلم- قريشاً عام الحديبية عشر سنين.
وقد أجمعت الأمة على مشروعية الهدنة مع غير المسلمين في الجملة.
وهي جائزة لا واجبة كما ذكر المؤلف.
وقد تجب لضرورة كأن يترتب على تركها إلحاق ضرر بالمسلمين لا يتدارك.

(3)

قوله «إِذا رَأَى الإِمَامُ المَصْلَحَةَ فِيْهَا»:

هذا شرط في الهدنة، وهو أن يكون فيها مصلحة للمسلمين لأن ما لا مصلحة للمسلمين فيه لا يجوز للإمام فعله.161162

الجزء: 8 - الصفحة: 257

وَلا يَجُوْزُ عَقْدُهَا إِلاَّ مِنَ الإِمَامِ أَوْ نَائِبِهِ (1)، وَعَلَيْهِ حِمَايَتُهُمْ مِنَ المُسْلِمِيْنَ (2)، دُوْنَ أَهْلِ الحَرْبِ (3)،  (1)

قوله «وَلا يَجُوْزُ عَقْدُهَا إِلاَّ مِنَ الإِمَامِ أَوْ نَائِبِهِ»:

هذا هو قول جمهور الفقهاء، أي أنه يلزم أن يكون العاقد للهدنة هو الإمام أو نائبه، فلا يصح أن يعقدها غير الإمام أو نائبه، لما فيه من الخطر، ولأن النبي -صلى الله عليه وسلم- هادن بني قريظة بنفسه، وهادن قريشاً بالحديبية بنفسه، وأمَّن صفوان بن أمية عام الفتح بنفسه، ولأن إشراف الإمام على جميع الأمور العامة فهو أعرف بمصالحها من أشتات الناس، ولأن تجويزه لغيره يتضمن تعطيل الجهاد، وفيه افتيات على الإمام.
وذهب الحنفية (1) إلى أنه لا يشترط إذن الإمام، فيجوز عقد الهدنة لفريق من المسلمين كما يجوز للإمام ونائبه ولو بغير إذن الإمام؛ لأن المعول عليه وجود المصلحة في عقدها؛ فحيث وجدت جازت.
والصحيح هو قول الجمهور.

(2)

قوله «وَعَلَيْهِ حِمَايَتُهُمْ مِنَ المُسْلِمِيْنَ»:

أي وعلى الإمام حماية من هادنهم من المسلمين، لأنه أمَّنَهم ممن هو في قبضته وتحت يده، وليس عليه حمايتهم من غير المسلمين، لأن الهدنة التزام الكف عنهم فقط.
(3)

قوله «دُوْنَ أَهْلِ الحَرْبِ»:

أي لا يلزم الإمام حمايتهم من أهل الحرب ولا حماية بعضهم من بعض لأن الهدنة التزام الكف عنهم فقط.163

الجزء: 8 - الصفحة: 258

وَإِنْ خَافَ نَقْضَ العَهْدِ مِنْهُمْ نَبَذَ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ (1)، وَإِنْ سَبَاهُمْ كُفَّارُ آخَرُوْنَ، لَمْ يَجُزْ لَنَا شِرَاؤُهُمْ (2)،  (1)

قوله «وَإِنْ خَافَ نَقْضَ العَهْدِ مِنْهُمْ نَبَذَ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ»:

أي متى خاف الإمام ممن عاهدهم أن ينقضوا العهد لوجود قرائن فإنه يَنْبِذُ إليهم عهدهم، أي يطرحه ويلغيه، ويخبرهم بذلك قبل الهجوم عليهم، لئلا يقع في الخيانة، لقوله تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ (1). ومعنى ﴿عَلَى سَوَاءٍ﴾: أي أعلمهم بنقض عهدهم حتى تصير أنت وهم سواء في العلم، ولا يكفي وقوع ذلك في قلبه حتى يكون عن أمارة تدل عليه.

(2)

قوله «وَإِنْ سَبَاهُمْ كُفَّارُ آخَرُوْنَ، لَمْ يَجُزْ لَنَا شِرَاؤُهُمْ»:

أي فان أغار عليهم قوم آخرون فسبوهم لم يلزمه استنقاذهم وليس للمسلمين شراؤهم لأنهم في عهدهم، ولا يجوز لهم شراؤهم ولا استرقاقهم، ويحتمل جواز ذلك، لأنه لا يجب عليه أن يدافع عنهم فلم يحرم.

ذكر بعض المسائل المتعلقة بالهدنة

:

المسألة الأولى: هل تجوز الهدنة مع الكفار بعوض؟

لا إشكال أنه يجوز أن يكون العوض من الكفار فإنه من جنس الجزية.
لكن: هل يجوز أن يكون العوض من المسلمين؟ نقول اختلف الفقهاء في ذلك، والصحيح من أقوالهم: أن ذلك لا يجوز=164

الجزء: 8 - الصفحة: 259

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  = لما في فيه من ذلة وصغار، ولأنه من جنس الجزية، ولا يجوز للمسلمين أن يرضوا بالصغار والذلة وقد أظهرهم الله، لكن يستثنى من ذلك ما لو اضُطر المسلمون إلى ذلك فإن الضرورات تبيح المحرمات، فإذا خشي المسلمون على أنفسهم، وأموالهم، وذراريهم، وبلادهم وكان للكفار سطوة، وقوة، والمسلمون على ضعف فيجوز إقامة الهدنة بعوض من المسلمين من باب الوقوع في المفسدة الصغرى دفعاً للمفسدة الكبرى.

المسألة الثانية: في مدة الهدنة

: اختلف الفقهاء في اشتراط تحديد مدة معينة لصحة الهدنة: فذهب جمهور الفقهاء إلى أنها لا تنعقد مطلقة، لأن إطلاقها بلا تحديد مدتها يؤدي إلى ترك الجهاد، واختلفوا في المدة المذكورة: فقال المالكية 165 لا حد واجب لمدة الهدنة، بل هي على حسب اجتهاد الإمام ورأيه.
وذهب الشافعية 166 إلى أنها أربعة أشهر إن كان المسلمون بقوة وكانت المصلحة في عقدها رجاء إسلامهم أو بذلهم الجزية أو غير ذلك من المصالح، غير ضعف المسلمين وهي عشر سنين وما دونها إن كان بالمسلمين ضعف؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- هادن صفوان بن أمية أربعة أشهر عام الفتح رجاء إسلامه وكان المسلمون في قوة، وهادن قريشاً عام الحديبية=

الجزء: 8 - الصفحة: 260

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =عشر سنين وكان بالمسلمين ضعف، فإن زاد في الحالة الأولى على أربعة أشهر، وعلى العشر في الحالة الثانية لم يصح العقد.
وذهب الحنابلة 167 إلى أنه متى رأى الإمام أو نائبه المصلحة في عقدها لضعف في المسلمين عن القتال، أو لمشقة الغزو أو لطمعه في إسلامهم، أو في أدائهم الجزية، أو غير ذلك من المصالح جاز له عقدها مدة معلومة.
وإن هادنهم مطلقاً بأن لم يقيد بمدة لم يصح، لأن الإطلاق يقتضي التأييد وذلك يفضي إلى ترك الجهاد بالكلية وهو غير جائز.
وذهب الحنفية 168 إلى أن عقد الهدنة يصح أن يكون مطلقاً عن المدة، ويصح أن يكون مؤقتاً بمدة معينة، فإذا رأى الإمام أن يصالح أهل الحرب أو فريقاً منهم وكان في ذلك الصلح مصلحة للمسلمين فلا بأس به، لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّل عَلَى اللَّهِ﴾ 169، والآية وإن كانت مطلقة لكن أجمع الفقهاء على تقييدها برؤية مصلحة للمسلمين في ذلك بآية أخرى هي قوله تعالى: ﴿فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ﴾ 170، ووادع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أهل مكة عام الحديبية على أن يضع الحرب بينه وبينهم عشر سنين، ولا يقتصر جواز الهدنة على المدة المذكورة في الحديث لتعدي المعنى - وهو حاجة المسلمين - =

الجزء: 8 - الصفحة: 261

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =أو ثبوت مصلحتهم ودفع الشر عنهم إلى ما زاد عليها، لأن مدة الهدنة تدور مع المصلحة، وهي قد تزيد وتنقص.
وهذا هو الأقرب عندي، وهو اختيار شيخنا (1)، فيجوز أن تكون الهدنة مطلقةً بدون تحديد للمصلحة، ولكن تكون عقداً جائزاً، بمعنى أن المسلمين إذا رأوا من أنفسهم القوة نبذوا العهد، ولكن لا بد أن يُعلموا عدوهم بأننا عقدنا معكم هذه الهدنة للحاجة، والآن لا نحتاجها، فإما أن تسلموا، وإما أن نقاتلكم، فالمرجع في ذلك إلى المصلحة، ولو زاد على عشر سنين.

المسألة الثالثة: إذا كان في الهدنة شرط يخالف كتاب الله أو يخالف مقتضى العقد

: فإن الهدنة لا تصح.
فلا يجوز للإمام أن يعقد الهدنة على شروط محظورة قد منع الشرع منها، كأن يهادنهم على خراج يضربونه على بلاد المسلمين، أو على مال يحمله الإمام إليهم، أو على رد ما غنم من سبي ذراريهم؛ لأنها أموال مغنومة، أو على دخول الحرم، أو استيطان الحجاز، أو على ترك القتال أبداً، أو على ألا يستنقذ أسرانا منهم، فهذه وما شاكلها شروط محظورة قد منع الشرع منها، فلا يجوز اشتراطها في عقد الهدنة، فإن شرط بطلت الشروط وعلى الإمام نقضها، لقوله تعالى: ﴿فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ﴾ 172.171

الجزء: 8 - الصفحة: 262

وَتَجِبُ الهَجْرَةُ عَلى مَنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلى إِظْهَارِ دِيْنِهِ فِيْ دَارِ الحَرْبِ (1)،  (1)

قوله «وَتَجِبُ الهَجْرَةُ عَلى مَنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلى إِظْهَارِ دِيْنِهِ فِيْ دَارِ الحَرْبِ»:

الهجرة لغة: مفارقة بلد إلى غيره، وهي اسم من هاجر مهاجرة.
وفي الاصطلاح: الانتقال من دار الكفر إلى دار الإسلام، فإن كانت قربة لله فهي الهجرة الشرعية.
وقد قسم الفقهاء الناس في شأن الهجرة من دار الحرب إلى ثلاثة أضرب:

الأول: من تجب عليه الهجرة

: وهو من يقدر عليها، ولا يمكنه إظهار دينه مع المقام في دار الحرب، وإن كانت أنثى لا تجد محرماً، إن كانت تأمن على نفسها في الطريق، أو كان خوف الطريق أقل من خوف المقام في دار الحرب لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ 173، ففي الآية وعيد شديد، والوعيد الشديد لا يكون إلا في ارتكاب المحرم وترك الواجب، ولحديث: «أَنَا بَرِاءٌ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ يُقِيمُ بَيْنَ أَظْهُرِ الْمُشْرِكِينَ» قالوا يا رسول الله لم: قال «لا تَرَاءَى نَارَاهُمَا» 174. أما حديث: «لا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ» 175، فمعناه لا هجرة من مكة بعد=

الجزء: 8 - الصفحة: 263

وَتُسْتَحَبُّ لِمَنْ قَدِرَ عَلى ذلِكَ (1)،  = فتحها، لصيرورة مكة دار إسلام إلى يوم القيامة.

الثاني: من لا هجرة عليه

وهو من يعجز عنها، إما لمرض، أو إكراه على الإقامة في دار الكفر، أو ضعف كالنساء، والولدان لقوله تعالى: ﴿إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَال وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلاً﴾ (1).

الثالث: من تستحب له الهجرة، ولا تجب عليه

، وهو: من يقدر على الهجرة ويتمكن من إظهار دينه في دار الحرب، فهذا يستحب له الهجرة ليتمكن من الجهاد، وتكثير المسلمين.
وقال الحنفية (2): لا تجب الهجرة من دار الحرب لخبر: «لا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ» (3)، أما حديث: «ادْعُهُمْ إِلَى التَّحَوُّلِ مِنْ دَارِهِمْ إِلَى دَارِ الْمُهَاجِرِينَ» (4) فمنسوخ بحديث: «لا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ».
والصواب عندي قول جمهور الفقهاء، وهو قول المؤلف كما نرى.

(1)

قوله «وَتُسْتَحَبُّ لِمَنْ قَدِرَ عَلى ذلِكَ»:

أي وتستحب الهجرة لمن قدر عليها، وقد سبق بيان ذلك قريباً في أقسام الناس مع الهجرة.176177178179

الجزء: 8 - الصفحة: 264

وَلا تَنْقَطِعُ الهِجْرَةُ مَا قُوْتِلَ الكُفَّارُ، إِلاَّ مِنْ بَلَدٍ بَعْدَ فَتْحِهِ (1)،  (1)

قوله «وَلا تَنْقَطِعُ الهِجْرَةُ مَا قُوْتِلَ الكُفَّارُ، إِلاَّ مِنْ بَلَدٍ بَعْدَ فَتْحِهِ»:

أي وتستحب الهجرة، ولا تجب عليه، لمن قدر عليها ويتمكن من إظهار دينه في دار الحرب كما سبق بيانه.

الجزء: 8 - الصفحة: 265

بابُ الجِزْيَةِ (1)  (1)

قوله «بابُ الجِزْيَةِ»:

الجزية في اللغة: مشتقة من الجزاء والمجازاة، قال الجوهري: الجزية ما يؤخذ من أهل الذمة، والجمع الجزى - بالكسر - مثل لحية ولحى.
وهي عبارة عن المال الذي يعقد الذمة عليه للكتابي، وهي فعلة من الجزاء كأنها جزت عن قتله.
والمراد بها هنا: ما يؤخذ من الكفار جزاء الكف عن قتالهم، أو إسكانهم دار الإسلام.
والأصل فيها: الكتاب والسُّنة والإجماع والمعقول.
أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ 180، ومعنى: ﴿وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾، أي ذليلون عند إعطائها، فلا يرسلون بها رسولاً، ولا يتعاظمون, ولا يُعظَّمون عند تسليمها.
وأما السُّنة فمنها: ما روى المغيرة بن شعبة -رضي الله عنه- أنه قال لجند كسرى يوم نهاوند: «أَمَرَنَا نَبِيُّنَا رَسُولُ رَبِّنَا -صلى الله عليه وسلم- أَنْ نُقَاتِلَكُمْ حَتَّى تَعْبُدُوا اللَّهَ وَحْدَهُ، أَو تُؤَدُّوا الجِزْيَةَ» 181. =

باب الجزية

والموادعة مع أهل الذمة والحرب .. (3159).

الجزء: 8 - الصفحة: 266

وَلا تُؤْخَذُ الجِزْيَةُ إِلاَّ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ، وَهُمُ اليَهُوْدُ وَمَنْ دَانَ بِالتَّوْرَاةِ، وَالنَّصَارَى وَمَنْ دَانَ بِالإِنْجِيْلِ، وَالْمَجُوْسُ إِذَا التَزَمُوْا أَدَاءَ الجِزْيَةِ وَأَحْكَامَ الْمِلَّةِ 182،  =وقد أجمع المسلمون في الجملة على جواز أخذ الجزية.
وأما المعقول فهو أن الذمي يتمتع بحماية الدولة من أيِّ عدوان خارجي أو داخلي، ويُعفى من الخدمة العسكرية، فلابد من دفع ضريبة مقابل تلك الحماية ومقابل استقراره في دار الإسلام وحقن دمه والكفِّ عن قتاله.

(1)

قوله «وَلا تُؤْخَذُ الجِزْيَةُ إِلاَّ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ، وَهُمُ اليَهُوْدُ وَمَنْ دَانَ بِالتَّوْرَاةِ، وَالنَّصَارَى وَمَنْ دَانَ بِالإِنْجِيْلِ، وَالْمَجُوْسُ إِذَا التَزَمُوْا أَدَاءَ الجِزْيَةِ وَأَحْكَامَ الْمِلَّةِ»:

أي إن الجزية لا تؤخذ إلا من كتابي أو مجوسي.
والمراد بالكتابي: اليهودي، والنصراني، والمراد بالكتاب: «التوراة» المنَزلة على موسى، و «الإنجيل» المنَزل على عيسى - عليهما الصلاة والسلام -. ودليل ذلك الآية المتقدمة، وهي قوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ (1). فقوله: ﴿مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ الآية، بيان للذين في قوله: ﴿الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾.
وأما المجوس فهم عَبَدَة النيران، القائلون إن للعالم أصلين: نوراً وظلمة، يقتسمان الخير والشر، والنفع والضر، والصلاح والفساد.

الجزء: 8 - الصفحة: 267

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  والدليل على أخذ الجزية منهم، حديث عبد الرحمن بن عوف -رضي الله عنه-: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- أَخَذَ الجِزْيَةَ مِنْ مَجُوسِ هَجَرَ» 183، وهَجَرُ بالتحريك: اسم بلد معروف بالبحرين.
ويشهد له حديث عمرو بن عوف الأنصاري -رضي الله عنه-: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- بَعَثَ أَبَا عُبَيدَةَ بنَ الجَرَّاحِ إِلَى البَحْرَينِ يَأتِي بِجِزْيَتِهَا» 184. وما ذكره المصنف من أن الجزية إنما تؤخذ من أهل الكتاب ومن المجوس هو المذهب 185، وهو قول الشافعية 186، وابن حزم الظاهري 187، فلا تؤخذ من غيرهم، ولا يقبل منهم إلا الإسلام أو القتال، ودليل ذلك حديث ابن عمر -رضي الله عنه-: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللَّهِ» 188، فدلَّ على وجوب مقاتلة جميع الناس، وخصّ منهم أهل الكتاب بنص القرآن، والمجوس بالسنة، فيبقى سائر الكفار على عموم الحديث، ولا يقبل منهم إلا الإسلام أو القتال.
القول الثانِي: أن الجزية تؤخذ من جميع الكفار إلا عَبَدَة الأوثان من العرب، فلا تؤخذ منهم، ولا يقبل منهم إلا الإسلام أو السيف، وهو=

الجزء: 8 - الصفحة: 268

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =قول الحنفية 189، ورواية عن أحمد 190، واستدلوا بأن الرسول -صلى الله عليه وسلم- لم يأخذها منهم، ولأنهم أغلظ كفراً من غيرهم، لأنهم رهط النبي -صلى الله عليه وسلم-، ونزل القرآن بلغتهم، فكانت المعجزة في حقهم أظهر.
القول الثالث: أن الجزية تؤخذ من جميع الكفار، وهذا قول المالكية 191، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية 192، وتلميذه ابن القيم 193، لحديث بريدة -رضي الله عنه- المتقدم وفيه: «وَإِذَا لَقِيتَ عَدُوَّكَ مِنَ المُشْرِكِينَ فَادْعُهُمْ إِلَى ثَلاثِ خِصَالٍ ... فَإِنْ هُمْ أَبَوا فَسَلهُمْ الجِزْيَةَ، فَإِنْ هُمْ أَجَابُوكَ فَاقْبَل مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ»، وهذا دليل على العموم.
ويدل لذلك أيضاً كون النبي -صلى الله عليه وسلم- كما تقدم أخذها من مجوس هجر 194، مع أنهم ليسوا من أهل الكتاب فيدل على أنها تؤخذ من كل كافر، والمعنى يقتضي ذلك؛ لأنه إذا جاز أخذها من أهل الكتاب والمجوس، فغيرهم مثلهم، لأن المقصود إقرار الكافر على دينه على وجه معين أو مخصوص وهو حاصل لكل كافر، وهذا هو الراجح، وهو اختيار شيخنا -رحمه الله- 195.

الجزء: 8 - الصفحة: 269

وَمَتَى طَلَبُوْا ذلِكَ، لَزِمَ إِجَابَتُهُمْ وَحَرُمَ قِتَالُهُمْ (1). وَتُؤْخَذُ الجِزْيَةُ فِيْ رَأْسِ كُلِّ حَوْلٍ (2). مِنَ المُوْسِرِ ثَمَانِيَةٌ وَأَرْبَعُوْنَ دِرْهَمًا، وَمِنَ الْمُتَوَسِّطِ أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُوْنَ دِرْهَمًا، وَمِمَّنْ دُوْنَهُ اثْنَا عَشَرَ دِرْهَمًا (3)،  (1)

قوله «وَمَتَى طَلَبُوْا ذلِكَ، لَزِمَ إِجَابَتُهُمْ وَحَرُمَ قِتَالُهُمْ»:

أي متى طلبوا منا أن يعطوا إلينا الجزية وأنهم ملتزمون بها، لزم إمام المسلمين قبول ذلك منهم وحرم عليه قتالهم لقوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾، إلى قوله ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ , فجعل إعطاء الجزية غاية لقتالهم فمتى بذلوها لم يجز قتالهم.
(2)

قوله «وَتُؤْخَذُ الجِزْيَةُ فِيْ رَأْسِ كُلِّ حَوْلٍ»:

أي تؤخذ الجزية بداية كل عام، لأنه مال يتكرر بتكرر الحول فلا تجب إلا بأوله كالزكاة والدية.
(3)

قوله «مِنَ المُوْسِرِ ثَمَانِيَةٌ وَأَرْبَعُوْنَ دِرْهَمًا، وَمِنَ الْمُتَوَسِّطِ أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُوْنَ دِرْهَمًا، وَمِمَّنْ دُوْنَهُ اثْنَا عَشَرَ دِرْهَمًا»:

هذا هو القدر الواجب دفعه ممن تلزمه الجزية، وهو شيء زهيد مقابل ما يتمتع به الذمي من الحماية، فمقدارها ثمانية وأربعون درهماً على الغني، وأربعة وعشرون على المتوسط، واثنا عشر على الفقير، لأن عمر -رضي الله عنه- فعل هكذا بمحضر من الصحابة ولم يُنْكَر عليه، بل عمل به من بعده الخلفاء رضي الله عنهم، فصار إجماعاً.
وأما ما تقدم في حديث معاذ -رضي الله عنه- في بعثه إلى أهل اليمن: «خُذْ مِنْ كُلّ حَالِم دِينَاراً» فلأن الفقر كان في اليمن أغلب، فراعى النبي -صلى الله عليه وسلم- حالتهم.
والأظهر عندي، وهو اختيار شيخنا -رحمه الله- أن تقدير الجزية موكول إلى =

الجزء: 8 - الصفحة: 270

وَلا جِزْيَةَ عَلى صَبِيٍّ، وَلا امْرَأَةٍ، وَلا شَيْخٍ فَانٍ، وَلا زَمِنٍ، وَلا أَعْمَى، وَلا عَبْدٍ (1)،  = رأي الإمام، واجتهاده، كما اجتهد عمر -رضي الله عنه-، وذلك لتغير الأحوال، بتغير الأزمان، فيرجع فيها إلى ما يراه ولي الأمر مصلحة، وما يرضى به المعاهدون، وهذا هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية (1).

(1)

قوله «وَلا جِزْيَةَ عَلى صَبِيٍّ، وَلا امْرَأَةٍ، وَلا شَيْخٍ فَانٍ، وَلا زَمِنٍ، وَلا أَعْمَى، وَلا عَبْدٍ»:

هؤلاء هم الأصناف الذين تسقط عنهم الجزية وهم الصبي، أو المرأة، أو زائل العقل، أو شيخٍ فانٍ - أي الضعيف -، أو الزمن - وهو من مرضه يدوم طويلاً -، أو أعمى، ونحوهم فلا جزية عليه، لأن الجزية تؤخذ لحقن الدم، وهؤلاء دماؤهم محقونة بدونها.
وعن نافع، عن أسلم مولى عمر أن عمر -رضي الله عنه- كتب إلى أمراء الأجناد: «أَنْ يَضْرِبُوا الجِزْيَةَ، ولا يَضْرِبُوها عَلَى النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ، ولا يَضْرِبُوها إِلا عَلَى مَنْ جَرَتْ عَلَيهِ المَوَاسِي» 197، يعني: من أنبت.
وعن معاذ -رضي الله عنه- قال: «بَعَثَنِي النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- إِلَى اليَمَنِ فَأَمَرَنِي أَنْ آخُذَ مِنْ كُلِّ حَالِمٍ دِينَاراً، أَو عِدْلَهُ مِنَ المَعَافِر ثِيَابٌ تَكُونُ بِالْيَمَنِ» 198. =196

الجزء: 8 - الصفحة: 271

وَلا فَقِيْرٍ عَاجِزٍ عَنْهَا (1). وَمَنْ أَسْلَمَ بَعْدَ وُجُوْبِهَا، سَقَطَتْ عَنْهُ (2)، وَإِنْ مَاتَ، أُخِذَتْ مِنْ تَرِكَتِهِ (3)،  =فهذا دليل على أن الجزية إنما تجب على الذكر دون الأنثى، لأن الحالم عبارة عن الرجل، كما أن فيه دليلاً على نوع التسامح الإسلامي في الجزية حيث أخذت قيمتها من صنائع أهل الذمة وأموالهم، كالثياب ونحوها.

(1)

قوله «وَلا فَقِيْرٍ عَاجِزٍ عَنْهَا»:

أي لا تجب الجزية على فقير، لقوله تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ (1)، ولأنه مال يجب بحول الحول، فلم يلزم الفقير، كالزكاة والعقل، واشترط المصنف في الفقير العجز عن الأداء، لأنه هو الذي يتعذر عليه، وتشمله الآية، فلو كان قادراً عليها ولو بصنعةٍ وجبت عليه، لأنه في حكم الأغنياء.
(2)

قوله «وَمَنْ أَسْلَمَ بَعْدَ وُجُوْبِهَا، سَقَطَتْ عَنْهُ»:

أي إن من أسلم ممن لزمته الجزية بعد وجوبها عليه سقطت عنه الجزية، لقوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ (2)، ولأن الجزية صَغَارٌ فلا تجب عليه كالمسلم، ولأنها وجبت بسبب الكفر، فوجب أن يسقطها الإسلام، كالقتل.
(3)

قوله «وَإِنْ مَاتَ، أُخِذَتْ مِنْ تَرِكَتِهِ»:

أي فان مات من تلزمه الجزية بعد الحول لم تسقط عنه الجزية لأنه دين وجب عليه في حياته فلم يسقط بموته كديون الآدميين، وقيل: أنها تسقط بالموت لأنها عقوبة فتسقط بالموت كالحدود، ولأنها تسقط بالإسلام فسقطت بالموت كما قبل الحول.199200

الجزء: 8 - الصفحة: 272

وَمَنِ اتَّجَرَ مِنْهُمْ إِلى غَيْرِ بَلَدِهِ، ثُمَّ عَادَ، أُخِذَ مِنْهُ نِصْفُ العُشْرِ (1)،  (1)

قوله «وَمَنِ اتَّجَرَ مِنْهُمْ إِلى غَيْرِ بَلَدِهِ، ثُمَّ عَادَ، أُخِذَ مِنْهُ نِصْفُ العُشْرِ»:

أي ومن أتجر ممن يدفع الجزية إلى غير بلده بأن انتقل من بلد إلى آخر عندنا، أُخذ منه ضريبة تجارة بمقدار نصف العشر في المال الذي يتجرون به مرة في السنة، لما روى أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: «أمَرَنِي عُمَر آخُذُ مِنَ المُسلِمِينَ رُبعَ العُشرِ، وَمِن أهلِ الذِّمَّةِ نِصْفَ العُشرِ» 201. وقال الشافعي 202 ليس عليه إلا الجزية إلا أن يدخل أرض الحجاز فينظر في حاله، فإن كان لرسالة أو نقل ميرة أذن له بغير شيء، وإن كان لتجارة لا حاجة بأهل الحجاز إليها لم يأذن له إلا أن يشترط عليه عوضاً بحسب ما يراه.
والصواب: هو ما ذهب إليه المؤلف لفعل عمر -رضي الله عنه-، وقد عمل الصحابة رضي الله عنهم بفعل عمر -رضي الله عنه- فيكون إجماعاً، قاله ابن قدامة 203، وإنما كان مرة في السنة، لأنه أشبه الزكاة والجزية، فلا يؤخذ إلا مرة في العام، وشرط ذلك بلوغ النصاب، وألا يكون على الذمي دين يستوعب هذا المال، فإن أثبته بالبينة لم يُعَشَّرْ.
وإنما أُخذ من الذمي نصف العشر، لأنه لا يؤخذ من أمواله شيء، سوى ما يؤخذ من أمواله التجارية التي ينتقل بها من بلد إلى بلد، أما أمواله في بلده=

الجزء: 8 - الصفحة: 273

وَإِنْ دَخَلَ إِلَيْنَا تَاجِرٌ حَرْبِيٌّ، أُخِذَ مِنْهُ العُشْرُ (1)، وَمَنْ نَقَضَ العَهْدَ بِامْتِنَاعِهِ مِنِ التِزَامِ الجِزْيَةِ، أَوْ أَحْكامِ الْمِلَّةِ، أَوْ قِتَالِ المُسْلِمِيْنَ وَنَحْوِهِ، أَوِ الْهَرَبِ إِلى دَارِ الحَرْبِ، حَلَّ دَمُهُ وَمَالُهُ (2)،  = وأمواله الباطنة كالذهب، والفضة، وزروعه، وسوائمه، فلا يؤخذ منها شيء، بخلاف المسلم فإنه يدفع زكاة جميع أمواله، وعلى هذا فما يؤخذ من الذمي أقل بكثير مما يؤخذ من المسلم.

(1)

قوله «وَإِنْ دَخَلَ إِلَيْنَا تَاجِرٌ حَرْبِيٌّ، أُخِذَ مِنْهُ العُشْرُ»:

أي إن الحربي - وهو من يحمل جنسية الدولة الكافرة المحاربة للمسلمين - يؤخذ منه عشر المال الذي يتجر به إذا مر في بلدنا، وقال أبو حنيفة (1) لا يؤخذ منهم شيء إلا أن يكونوا يأخذون منا شيئاً فنأخذ منهم مثله.
والصواب: هو القول الأول لأن عمر -رضي الله عنه- أخذ من أهل الحرب العشر (2)، واشتهر فيما بين الصحابة والخلفاء بعده، فكان إجماعاً.

(2)

قوله «وَمَنْ نَقَضَ العَهْدَ بِامْتِنَاعِهِ مِنِ التِزَامِ الجِزْيَةِ، أَوْ أَحْكامِ الْمِلَّةِ، أَوْ قِتَالِ المُسْلِمِيْنَ وَنَحْوِهِ، أَوِ الْهَرَبِ إِلى دَارِ الحَرْبِ، حَلَّ دَمُهُ وَمَالُهُ»:

لأنه عقد بشرط، فمتى لم يوجد الشرط زال حكم العقد، كما لو امتنع من التزام الأحكام فإنه إذا امتنع منها وقد حكم بها حاكم أو من ترك الجزية انتقض عهده، وقد روي أن عمر -رضي الله عنه- رُفع إليه رجل قد أراد استكراه امرأة مسلمة على الزنا فقال: «ما على هذا صالحناكم وأمر به فصلب=204205

الجزء: 8 - الصفحة: 274

وَلا يَنْتَقِضْ عَهْدُ نِسَائِهِ وَأَوْلادِهِ بِنَقْضِهِ (1)، إِلاَّ أَنْ يَذْهَبَ بِهِمْ إِلى دَارِ الحَرْبِ (2)،  =في بيت المقدس؛ ولأن فيه ضرراً على المسلمين فأشبه الامتناع من بذل الجزية».

(1)

قوله «وَلا يَنْتَقِضْ عَهْدُ نِسَائِهِ وَأَوْلادِهِ بِنَقْضِهِ» لان النقض وجد منه دونهم فاختص حكمه به

(2)

قوله «إِلاَّ أَنْ يَذْهَبَ بِهِمْ إِلى دَارِ الحَرْبِ»:

لأنهم صاروا بذلك حربيين مثله بانتقالهم إلى دار الحرب، وقيل: لا يباح سبي الذرية وإن ذهب بهم إلى دار الحرب لأن النقض إنما وجد منه دونهم.

فائدة: في ذكر بعض الأحكام المتعلقة بأهل الذمة

(1): هذه جملة من الأحكام المتعلقة بأهل الذمة والتي لم يذكرها المؤلف -رحمه الله- ذكرتها لأهميتها، فمن هذه الأحكام: 1 -

يلزم أهل الذمة أن يكونوا متميزين

عن المسلمين في الحياة وفي الممات.
أما في الممات فيلزم أن تكون قبورهم منفردة لا يقبرون مع المسلمين، حتى لو كان صبيّاً مات وأبواه كافران فإنه لا يجوز أن يدفن في مقابر المسلمين، بل يتميزون.
وكذلك في الحياة يجب أن يتميزوا عن المسلمين في المظهر والملبس والمركب؛ لئلا يغتر الناس بهم.
فمثلاً: في المظهر قال أهل العلم: يحلقون مقدم رؤوسهم، فتكون لهم قصة للشعر يتميزون بها عن غيرهم من المسلمين، وفي الملبس يشدون=206

الجزء: 8 - الصفحة: 275

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  = أوساطهم بالزِّنّار حتى يعرف أنهم من أهل الذمة.
وكذلك يجعل لهم علامة عند دخول الحمامات، فيجعل لهم جرس صغير أو طوق تطوق به أعناقهم، بشرط ألاّ يكون فيه الصليب، لأنهم يمنعون من إظهار الصليب، إذ إن الصليب شعار دينهم، فيمنعون من إظهاره.
وكذلك أيضاً في المراكب، لا يركبون الخيل أبداً، لأن الخيل هي مادة القتال والجهاد، وإنما يركبون الإبل والحمير، ولا يُسرجونها أي لا يجعلون عليها سَرْجاً، والسَّرج هو عبارة عن «الرحل المنمق المحسن»، بل يركبون بإكاف، وهو البردعة، وهي عبارة عن شيء كالمخدة مستطيل على طول ظهر الحمار، تربط عليه ثم يركب عليها لأنها لا تنبئ عن كبرياء أو شرف، أما السرج فمعروف أنه يكون له نقوش، ووشي، وأشياء تتدلى، ويكون حسناً.
ويجب أن يكون ركوبهم عرضاً ليس كركوب المسلمين، أي إذا ركب الإنسان الدابة يجعل إحدى رجليه عن اليمين والثانية عن اليسار، وهم يجعلون الأرجل إما على اليمين، وإما على اليسار جميعاً، ولا يجعل الرجل اليمنى على اليمين واليسرى على اليسار؛ بل يركبون عرضاً، هكذا جرت الشروط التي بينهم وبين أمير المؤمنين عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-.
وفي عهدنا الآن ليس هناك خيل، ولا حمير تركب وتستعمل؛ ولكن يوجد سيارات، فماذا يركبون من السيارات؟ =

الجزء: 8 - الصفحة: 276

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =الجواب: 1 - أما الأشياء الفخمة فَيُمنعون منها؛ لأن هذا يدعو إلى شرفهم وسيادتهم وأن يشار إليهم بالأصابع.
ويحتمل أن يقال: إنهم منعوا من ركوب الخيل؛ لأنها مادة الحرب وآلة الحرب لا من أجل أن فيها الفخر وفيها الزينة، ولكن الأول أولى، أي أنهم يمنعون من ركوب الأشياء الفخمة قياساً على الخيل.

2 -

لا يجوز أن يكونوا في صدر المجلس بل في آخره،

هذا عند ابتداء الجلوس لا إشكال فيه، أي إذا دخل جماعة من المسلمين، ومعهم أحد من أهل الذمة، فإنه لا يمكن أن يتقدم أهل الذمة حتى يكونوا في صدر المجلس، لأن صدر المجلس إنما هو لأشراف القوم وأسيادهم، وهم ليسوا من أهل الشرف والسيادة.
لكن إذا كانوا في مجلس جالسين، ثم دخل جماعة من المسلمين هل يُقَامُون من صدر المجلس؟ الجواب: نعم إذا كان المجلس عاماً، أما إذا كان المجلس بيتاً لهم فهم في بيوتهم أحرار، وإن كان عامّاً فإنهم لا يصدرون في المجالس؛ لأن الإسلام هو الذي له الشرف، وهو الذي يعلو ولا يُعلى عليه.

3 -

إذا أقبلوا فلا يقام لهم، لأن ذلك إكرام لهم،

ولو كان كبيراً، بأن كان وزيراً، أو كان رئيساً، لكن إذا لم يكن من أهل الذمة وقدم إلى بلد الإسلام فهل يقام له، لأنه من ذوي الشرف والجاه في قومه، ولأن ذلك مما جرت به العادة بين الناس ورؤساء الدول، أو لا يقام له؟ =

الجزء: 8 - الصفحة: 277

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =الجواب: هذا محل نظر، وفرق بين هذه المسألة وبين مسألة أهل الذمة، لأن أهل الذمة تحت ولايتنا، ونحن لنا الولاية عليهم فلا يمكن أن نكرمهم بالقيام لهم.

4 -

لا يجوز أن نبدأهم بالسلام،

فإن سلموا وجب الرد؛ لقول الله تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾، ولقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «إذا سلّم عليكم أهل الكتاب فقولوا: وعليكم»، فأمرنا أن نرد عليهم، أما البداءة فلا.
وهل يجوز أن نبدأهم بكيف أصبحت؟ وكيف أمسيت؟ وما أشبه ذلك؟ الجواب: المذهب لا يجوز؛ لأن النهي عن بداءتهم بالسلام، لئلا نكرمهم بدليل قوله -صلى الله عليه وسلم-: «وإذا لقيتموهم في طريق فاضطروهم إلى أضيقه»، فإذا قلنا: كيف أصبحت؟ كيف أمسيت؟ كيف أنت؟ كيف حالك؟ فهذا نوع من الإكرام.
وقال شيخ الإسلام: يجوز أن نقول له كيف حالك؟ وكيف أصبحت؟ وكيف أنت؟ ؛ لأن الرسول -صلى الله عليه وسلم- إنما نهى عن بداءتهم بالسلام، والسلام يتضمن الإكرام والدعاء؛ لأنك إذا قلت: السلام عليك فأنت تدعو له، أما هذا فهو مجرد ترحيب وتحية.
وينبغي أن يقال: إذا كانوا يفعلون بنا مثل ذلك فلنفعله بهم، أو كان هذا لمصلحة كالتأليف لقلوبهم فلنفعله بهم، أو كان ذلك خوفاً من شرهم فلنفعله بهم.
فإذا قدر مثلاً أنك في شركة مديرها كافر، فإنك لو دخلت عليه لتراجعه=

الجزء: 8 - الصفحة: 278

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =في شأن هذه الشركة ولم تسلم عليه، لكان في قلبه عليك شيء وربما يضرك، فإذا قلت: كيف أصبحت؟ كيف حالك؟ فهذا يزيل ما في قلبه من الضغينة وتَسلم من شره، ولا يدخل هذا في نهي الرسول -صلى الله عليه وسلم- عن بداءتهم بالسلام.
وإذا سلموا فيجب علينا أن نرد عليهم بدلالة القرآن والسنة، ولكن هل نرد عليهم بقول: وعليكم؟ أو نرد عليهم بمثل ما سلموا؟ الجواب: نقول: لا يخلو السلام الذي ألقوه إلينا إما أن يكون صريحاً بقولهم: السلام عليكم، أو صريحاً بقولهم السام عليكم، أو غير صريح، لم يبيّنوا اللام ولم يحذفوها حذفاً واضحاً، فإن صرحوا بقولهم السلام عليكم كما يوجد الآن في الكفار الذين عندنا يقولون: السلام عليكم، صراحة؛ لأن ألسنتهم أعجمية فهم يتعلمون السلام تلقيناً فتجده يقول: السلام عليكم بصراحة، فهنا لنا أن نرد عليهم ونقول: عليكم السلام، ولنا أن نقول: وعليكم، وإن صرحوا بقولهم: السام عليكم فإننا نقول: عليكم السام، أو نقول وهو أولى: وعليكم، ودليل ذلك حديث عروة بن الزبير أن عائشة رضي الله عنها زوج النبي -صلى الله عليه وسلم- قَالَتْ: دَخَلَ رَهْطٌ مِنَ الْيَهُودِ عَلَى رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- فَقَالُوا السَّامُ عَلَيْكُمْ قَالَتْ عَائِشَةُ فَفَهِمْتُهَا فَقُلْتُ وَعَلَيْكُمُ السَّامُ وَاللَّعْنَةُ قَالَتْ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- «مَهْلاً يَا عَائِشَةُ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الرِّفْقَ فِي الأَمْرِ كُلِّهِ»، فَقُلْتُ =

الجزء: 8 - الصفحة: 279

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  = يَا رَسُولَ اللهِ أَوَ لَمْ تَسْمَعْ مَا قَالُوا؟ قَالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: «قَدْ قُلْتُ وَعَلَيْكُمْ» (1).

مسألة: هل يجوز أن نهنئهم، أو نعزيهم، أو نعود مرضاهم أو نشهد جنائزهم؟

الجواب: أما التهنئة بالأعياد فهذه حرام بلا شك، وربما لا يسلم الإنسان من الكفر؛ لأن تهنئتهم بأعياد الكفر رضا بها، والرضا بالكفر كفر، ومن ذلك تهنئتهم بما يسمى بعيد الكريسمس، أو عيد الفَصْح أو ما أشبه ذلك، فهذا لا يجوز إطلاقاً، حتى وإن كانوا يهنئونا بأعيادنا فإننا لا نهنئهم بأعيادهم.
والفرق أنّ تهنئتهم إيانا بأعيادنا تهنئة بحق، وأن تهنئتنا إياهم بأعيادهم تهنئة بباطل، فلا نقول: إننا نعاملهم بالمثل إذا هنئونا بأعيادنا فإننا نهنئهم بأعيادهم للفرق الذي سبق.
وأما تهنئتهم بأمور دنيوية كما لو ولد له مولود، أو وجد له مفقود فهنأناه، أو بنى بيتاً فهنأناه، أو ما أشبه ذلك فهذه ينظر، إذا كان في هذا مصلحة فلا بأس بذلك، وإن لم يكن فيه مصلحة فإنه نوع إكرام فلا يهنَّؤون، ومن المصلحة أن يكون ذلك على وجه المكافأة، مثل أن يكون من عادتهم أن يهنِّئونا بمثل ذلك فإننا نهنئهم.207

الجزء: 8 - الصفحة: 280

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =وأما تعزية أهل الحرب فلا يجوز أن نعزيهم؛ لأن التعزية تسلية للمصاب وجبر لمصيبته، ونحن لا نود أن يَسلَموا من المصائب، بل نقول: ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلاَّ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا﴾ (1)، وهذا لا شك في أهل الحرب، أما أهل الذمة، فقال بعض أهل العلم: تعزيتهم تجوز للمصلحة، كمصلحة التأليف لقلوبهم، أو للمكافأة، إذا فعلوا بنا ذلك فإننا نفعل بهم.
وأما عيادتهم فالصحيح جواز ذلك، لكن للمصلحة أيضاً، بأن يرجى إسلامه بعرض الإسلام عليه، كما زار النبي -صلى الله عليه وسلم- خادماً له يهودياً فعرض عليه الإسلام، فرد بصره إلى أبيه كأنه يشاوره، فقال له أبوه: أطع محمداً، فأسلم فخرج النبي -صلى الله عليه وسلم- وهو يقول: «الْحَمْدُ لِلهِ الَّذِي أَنْقَذَهُ مِنَ النَّارِ» (2)، فإذا كان في عيادتهم مصلحة كالدعوة للإسلام فلا بأس، بل قد تكون مندوبة مستحبة.
5 - يمنع أهل الذمة كذلك من الأمور الآتية:

أولاً: يمنعون من بناء الكنيسة

لأن هذا إحداث شعائر كفرية في بلاد الإسلام.

ثانياً: يمنعون من إحداث بِيَع

وهي متعبد اليهود، كما يمنعون من =208209

الجزء: 8 - الصفحة: 281

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  = إحداث الكنائس.
فإن قال قائل: إذا كانوا لا يمنعوننا من إحداث المساجد في بلادهم، فهل لنا أن نمنعهم من إحداث الكنائس في بلادنا؟ الجواب: نعم، وليس هذا من باب المكافأة أو المماثلة، لأن الكنائس دور الكفر والشرك، والمساجد دور الإيمان والإخلاص، فنحن إذا بنينا المسجد في أرض الله فقد بنيناها بحق، فالأرض لله، والمساجد لله، والعبادة التي تقام فيها كلها إخلاص لله، واتباع لرسوله -صلى الله عليه وسلم-، بخلاف الكنائس والبيع.
ثالثاً: لا يجوز بناء ما انهدم منها، كما لو كان هناك كنائس موجودة قبل فتحنا البلاد واستيلائنا عليها، وصار أهلها أهل ذمة بالنسبة لنا فإننا نمنعهم من بنائها؛ لأن البناء إحداث فنمنعهم منه.
رابعاً: إذا كانوا في حي من الأحياء، وأرادوا أن يبنوا عمارات رفيعة تعلو بناء المسلمين فإننا نمنعهم، ولا فرق بين أن يكونوا مجاورين ملاصقين أو غير ملاصقين، حتى لو كان بينهم وبين المسلم شارع، فإنه لا يجوز أن يمكنوا من تعلية البنيان على المسلم، لما في ذلك من إذلال المسلم واحتمال الأذى له لأن العالي يستطيع أن يطلع على النازل ولا عكس، ونحن لا نأمن هؤلاء الكفار فلذلك يمنعون من تعلية البنيان على المسلم.

خامساً: يمنعون من إظهار الخمر، ومن إظهار أكل لحم الخنزير؛

لأن ذلك عند المسلمين حرام، فيمنعون منه، أما لو شربوه في بيوتهم أو صنعوه في بيوتهم ولم يبيعوه علناً فإننا لا نمنعهم.

الجزء: 8 - الصفحة: 282

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  سادساً: يمنعون كذلك من إظهار صوت ناقوسهم، والجهر بكتابهم لأن ذلك شعار دينهم فمنعوا من ذلك لما في ذلك من الصد عن سبيل الله، ولأنهم في بلاد الإسلام.

وهل يمنعون من هذه الإذاعات التي تنشر الآن عبر المذياع؟

نقول هذه الإذاعات ليس لنا سلطة عليها؛ لأنها تبث من بلادهم، لكن يجب علينا أن نحول بين الناس وبين سماعها بقدر الإمكان، فإذا أمكن أن نشوش عليها بأجهزة التشويش المعروفة، فيجب على المسلمين أن يشوشوا عليها.
فإن قيل: يُخْشَى إذا شوشنا عليهم دعوتهم للنصرانية أن يشوشوا علينا دعوتنا للإسلام، وهذا وارد، فهل نتركهم ونحذر المسلمين من شرهم؟ أم ماذا؟ هذا محل بحث ونظر، وتتنازعه مصالح ومفاسد تقدر في وقتها حسب ما يراه من تعرض عليه، وكل يوم تجد مخترعات وتقنيات تَعْظُم آثارها وأضرارها، فإلى الله المشتكى، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

الجزء: 8 - الصفحة: 283

فصول الكتاب · 25 فصل
فصول وبل الغمامة في شرح عمدة الفقه لابن قدامة
المقدمةالمقدمةكِتَابُ الصَّلاةِكتاب الجنائزكِتَابُ الزَّكَاةِكِتَابُ الصِّيَامِكتاب الحجكِتَابُ الْبَيْعِكِتَابُ الْوَقْفِكِتَابُ الْوَصَايَاكتاب الفرائضكتاب النكاحكتاب النِّكاحِكِتابُ الصَّدَاقِكتاب الطلاقكِتابُ الظِّهارِكِتابُ الأَطْعِمَةِكتاب الصيدكِتَابُ الأَيْمَانِكتاب الجناياتكِتابُ الدِّياتِكِتابُ الحُدُوْدِكِتابُ الجِهَادِ
قوله «كِتابُ الجِهَادِ»:ذكر بعض الفوائدالفائدة الأولى: الحكمة في مشروعية الجهادالفائدة الثانية: في أقسام الجهادالفائدة الرابعة: هل يكون الجهاد بالمال أو بالنفس أو بهما؟ .قوله «وَهُوَ فَرْضُ كِفَايَةٍ، إِذَا قَامَ بِهِ مَنْ يَكْفِيْ، سَقَطَ عَنِ البَاقِيْنَ»:قوله «وَيَتَعَيَّنُ عَلى مَنْ حَضَرَ الصَّفَّ، أَوْ حَصَرَ العَدُوُّ بَلَدَهُ»:الحالة الأولى: إذا التقى الزحفان، وتقابل الصفانالحالة الثانية: إذا هجم العدو على قوم بغتةالحالة الثالثة: إذا استنفر الإمام قوماقوله «وَلا يَجِبُ إِلاَّ عَلى، ذَكَرٍ، حُرٍّ، بَالِغٍ، عَاقِلٍ، مُسْتَطِيْعٍ»:أن يكون ذَكراً،أن يكون حُرَّاً،أن يكون مُكَلفَاً،أن يكون مُستَطِيعَاً،قوله «وَغَزْوُ البَحْرِ أَفْضَلُ مِنْ غَزْوِ البَرِّ»:قوله «وَيُغْزَى مَعَ كُلِّ بِرٍّ وَفَاجِرٍ»:- فائدة: قال الإمام أحمد لا يعجبني أن يخرج مع الإمام أو القائد إذا عرف بالهزيمة وتضييع المسلمينقوله «وَيُقَاتِلُ كُلُّ قَوْمٍ مَنْ يَلِيْهِمْ مِنَ العَدُوِّ»:الأول: الرباط على الثغورالثاني: الرباط على الخير وحبس النفس على طاعة الله سبحانهالثالث: جهاد النفسذكر بعض الفوائدالفائدة الثالثة: في المفاضلة بين طلب العلم والجهاد في سبيل اللهقوله «وَمَنْ مَاتَ مُرَابِطًا فِيْ سَبِيْلِ اللهِ، جَرَى لَهُ أَجْرُهُ إِلى يَوْمِ القِيَامَةِ وَوُقِيَ الفَتَّانُ»:قوله «وَلا يُجَاهِدُ مَنْ أَحَدُ أَبَوَيْهِ مُسْلِمٌ، إِلاَّ بِإِذْنِهِ، إِلاَّ أَنْ يَتَعَيَّنَ عَلَيْهِ»:قوله «وَلا يَدْخُلُ مِنَ النِّسَاءِ أَرْضَ الحَرْبِ إِلاَّ امْرَأَةً طَاعِنَةً فِيْ السِّنِّ؛ لِسَقْيِ المَاءِ وَمُعَالَجَةِ الجَرْحَى»:قوله «وَلا يُسْتَعَانُ بِمُشْرِكٍ إِلاَّ عِنْدَ الحَاجَةِ إِلَيْهِ»:قوله «وَلا يَجُوْزُ الجِهَادُ إِلاَّ بِإِذْنِ الأَمِيْرِ»:قوله «إِلاَّ أَنْ يَفْجَأَهُمْ عَدُوٌّ يَخَافُوْنَ كَلَبَهُ، أَوْ تَعْرِضَ فُرْصَةٌ يَخَافُوْنَ فَوْتَهَا»:الأولى: «أن يفجأهم عدو يخافون كلَبه»:الثانية: إذا عرض فرصة للإيقاع بالعدوقوله «وَإِذَا دَخَلُوْا أَرْضَ الحَرْبِ، لَمْ يَجُزْ لِأَحَدٍ أَنْ يَخْرُجَ مِنَ العَسْكَرِ لِتَعَلُّفٍ، أَوِ احْتِطَابٍ، أَوْ غَيْرِهِ، إِلاَّ بِإِذْنِ الأَمِيْرِ»:قوله «وَمَنْ أَخَذَ مِنْ دَارِ الحَرْبِ مَالَهُ قِيْمَةٌ، لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَخْتَصَّ بِهِ»:قوله «إِلاَّ الطَّعَامَ وَالعَلَفَ، فَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ»:قوله «فَإِنْ بَاعَهُ، رَدَّ ثَمَنَهُ فِيْ المَغْنَمِ»قوله «وَإِنْ فَضَلَ مَعَهُ مِنْهُ شَيْءٌ بَعْدَ رُجُوْعِهِ إِلى بَلَدِهِ، لَزِمَهُ رَدُّهُ، إِلاَّ أَنْ يَكُوْنَ يَسِيْرًا، فَلَهُ أَكْلُهُ وَهَدِيَّتُهُ»:قوله «وَلا يُقْتَلُ مِنْهُمْ صَبِيٌّ، وَلا مَجْنُوْنٌ، وَلا امْرَأَةٌ، وَلا رَاهِبٌ، وَلا شَيْخٌ فَانٍ، وَلا زَمِنٌ، وَلا أَعْمَى، وَلا مَنْ لا رَأْيَ لَهُمْ»:قوله «إِلاَّ أَنْ يُقَاتِلُوْا»:قوله «وَيُخَيَّرُ الإِمَامُ فِيْ أُسَارَى الرِّجَالِ، بَيْنَ القَتْلِ، وَالاِسْتِرْقَاقِ، وَالفِدَاءِ، وَالْمَنِّ»:الخصلة الأولى: القتلالخصلة الثانية: المنالخصلة الثالثة: الفداءالخصلة الرابعة: الاسترقاققوله «وَلا يَخْتَارُ إِلاَّ الأَصْلَحَ لِلْمُسِلِمِيْنَ»:قوله «وَإِنِ اسْتَرَقَّهُمْ أَوْ فَادَاهُمْ بِمَالٍ، فَهُوَ غَنِيْمَةٌ»:هل الهدية من جنس الفداء فتدخل في الغنيمة؟قوله «وَلا يُفَرَّقُ فِيْ السَّبْيِ بَيْنَ ذَوِيْ رَحِمٍ مَحْرَمٍ، إِلاَّ أَنْ يَكُوْنُوْا بِالغِيْنِ»:قوله «وَمَنِ اشْتُرِيَ مِنْهُمْ عَلى أَنَّهُمْ ذَوُوْ رَحِمٍ، فَبَانَ خِلافُهُ، رُدَّ الفَضْلُ الَّذِيْ فِيْهِ بِالتَّفْرِيْقِ»:قوله «وَمَنْ أُعْطِيَ شَيْئًا يَسْتَعِيْنُ بِهِ فِيْ غَزْوِهِ، فَإِذَا رَجَعَ، فَلَهُ مَا فَضَلَ»:قوله «إِلاَّ أَنْ يَكُوْنَ لَمْ يُعْطَ لِغَزْوَةٍ بِعَيْنِهَا، فَيَرُدُّ الفَضْلَ فِيْ الغَزْوِ»:قوله «وَإِنْ حُمِلَ عَلى فَرَسٍ فِيْ سَبِيْلِ اللهِ، فَهِيَ لَهُ إِذا رَجَعَ، إِلاَّ أَنْ يُجْعَلَ حَبِيْسًا»:قوله «وَإِنْ أَخَذَهُ مِنْهُمْ أَحَدُ الرَّعِيَّةِ بِثَمَنٍ، فَلِصَاحِبِهِ أَخْذُهُ بِثَمَنِهِ»:قوله «وَإِنْ أَخَذَهُ بِغَيْرِ شَيْءٍ، رَدَّهُ»:قوله «وَمَنِ اشْتَرَى أَسِيْرًا مِنَ العَدُوِّ، فَعَلى الأَسِيْرِ أَدَاءُ مَا اشْتَرَاهُ بِهِ»:بابُ الأَنْفالِقوله «بابُ الأَنْفالِ»:قوله «وَهِيَ: الزِّيادَةِ عَلى السَّهْمِ المُسْتَحَقِّ، وَهِيَ ثَلاثَةُ أَضْرُبٍ»:قوله «أَحَدُهَا: سَلَبُ المَقْتُوْلِ غَيْرُ مَخْمُوْسٍ لِقَاتِلِهِ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم-: «مَنْ قَتَلَ قَتِيْلاً فَلَهُ سَلَبُهُ»قوله «وَهُوَ مَا عَلَيْهِ مِنْ لِبَاسٍ، وَحَلْيٍ، وَسِلاحٍ، وَفَرَسِهِ بِآلَتِهِ»:تعريف السلب الوارد في الحديثهل الدابة وآلتها من السلب؟قوله «وَإِنَّمَا يَسْتَحِقُّهُ مَنْ قَتَلَهُ حَالَ قِيَامِ الحَرْبِ غَيْرَ مُثْخَنٍ، وَلا مُمْتَنِعٍ مِنَ القِتَالِ»:الشروط التي يستحق بها القاتل سلب قتيلهالأول: أن يقتله وهو مقبل على الحربالثاني: أن لا يكون «مُمْتَنِعاً مِنَ القِتَالِ»فَصْلٌ فِيْ الرَّضْخِ لِمَنْ لا سَهْمَ لَهُقوله «فَصْلٌ فِيْ الرَّضْخِ لِمَنْ لا سَهْمَ لَهُ»:هل يخرج الرضخ قبل الخمس أم بعده؟قوله «وَيَرْضَخُ لِمَنْ لا سَهْمَ لَهُ مِنَ النِّسَاءِ، وَالصِّبْيَانِ، وَالعَبِيْدِ، وَالكُفَّارِ، فَيُعْطِيْهِمْ عَلى قَدْرِ غِنَائِهِمْ»:قوله «وَلا يَبْلُغُ بِالرَّاجِلِ مِنْهُمْ سَهْمَ رَاجِلٍ، وَلا بِالفَارِسِ مِنْهُمْ سَهْمَ فَارِسٍ»:قوله «وَإِنْ غَزَا العَبْدُ عَلى فَرَسٍ لِسَيِّدِهِ، قُسِمَ لِسَيِّدِهِ سَهْمُ الفَرَسِ، وَرُضِخَ لِلْعَبْدِ»:بابُ الغَنَائِمِ وَقِسْمَتِهَاقوله «بابُ الغَنَائِمِ وَقِسْمَتِهَا»:قوله «وَمَا وَقَفَهُ الأَئِمَّةُ مِنْ ذلِكَ، لَمْ يَجُزْ تَغْيِيْرُهُ وَلا بَيْعُهُ»:قوله «الثَّانِيْ: سَائِرُ الأَمْوَالِ»:قوله «فَهِيَ لِمَنْ شَهِدَ الوَقْعَةَ، مِمَّنْ يُمْكِنُهُ القِتَالُ، وَيَسْتَعِدُّ لَهُ»:قوله «مِنَ التُّجَّارِ وَغَيْرِهِمْ»:قوله «سَوَاءٌ قَاتَلَ أَوْ لَمْ يُقَاتِلْ عَلى الصِّفَةِ الَّتِيْ شَهِدَ الوَقْعَةَ فِيْهَا، مِنْ كَوْنِهِ فَارِسًا، أَوْ رَاجِلاً، أَوْ عَبْدًا، أَوْ مُسْلِمًا، أَوْ كَافِرًا»:قوله «وَلا يُعْتَبَرُ مَا قَبْلَ ذلِكَ وَلا بَعْدَهُ»:قوله «وَلا حَقَّ فِيْهَا لِعَاجِزٍ عَنِ القِتَالِ بِمَرَضٍ أَوْ غَيْرِهِ»:قوله «وَلا لِمَنْ جَاءَ بَعْدَ مَا تَنْقَضِيْ الحَرْبُ مِنْ مَدَدٍ، أَوْ غَيْرِهِ»:قوله «وَمَنْ بَعَثَهُ الأَمِيْرُ لِمَصْلَحَةِ الجَيْشِ، أَسْهَمَ لَهُ»:قوله «وَيُشَارِكُ الجَيْشُ سَرَايَاهُ فِيْمَا غَنِمَتْ، وَتُشَارِكُهُ فِيْمَا غَنِمَ»:قوله «وَيَبْدَأُ بِإِخْرَاجِ مُؤْنَةِ الغَنِيْمَةِ؛ لِحِفْظِهَا وَنَقْلِهَا، وَسَائِرِ حَاجَاتِهَا»:قوله «ثُمَّ يَدْفَعُ الأَسْلابَ إِلى أَهْلِهَا»:قوله «وَالأَجْعَالَ لأَصْحَابِهَا»:قوله «ثُمَّ يُخَمِّسُ بَاقِيَهَا، فَيَقْسِمُ خُمْسَهَا خَمْسَةَ أَسْهُمٍ: سَهْمٌ للهِ تَعَالى وَلِرَسُوْلِهِ -صلى الله عليه وسلم-، يُصْرَفُ فِي السَّلامِ وَالكُرَاعِ، وَمَصَالِحِ المُسْلِمِيْنَ»:قوله «وَسَهْمٌ لِذَوِي القُرْبى، وَهُمْ بَنُوْ هَاشِمٍ وَبَنُوْ المُطَّلِبِ غَنِيُّهُمْ وَفَقِيْرُهُمْ، لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ»:قوله «وَسَهْمٌ لِلْيَتَامَى الفُقُرَاءِ»:قوله «وَسَهْمٌ لِلْمَسَاكِيْنِ»:قوله «وَسَهْمٌ لِأَبْنَاءِ السَّبِيْلِ»:قوله «ثُمَّ يُخْرِجُ بَاقِيَ الأَنْفَالِ، وَالرَّضْخِ»:هل يقاس على الخيل ما في حروب اليوم من الدبابات والطائرات؟قوله «وَإِنْ كَانَ الفَرَسُ غَيْرَ عَرَبِيٍّ، فَلَهُ سَهْمٌ وَلِصَاحِبِهِ سَهْمٌ»:قوله «وَإِنْ كَانَ مَعَ الرَّجُلِ فَرَسَانِ، أُسهِمَ لَهُمَا، وَلا يُسْهَمُ لِأَكْثَرَ مِنْ فَرَسَيْنِ»:قوله «وَلا يُسْهَمُ لِدَابَّةٍ غَيْرِ الخَيْلِ»:فَصْلٌ فِيْ الفَيْءِقوله «فَصْلٌ فِيْ الفَيْءِ»:الفيء ضربانالثاني: ما أخذ من غير خوفذكر بعض الفوائد- الفائدة الثانية: الفرق بين الغنيمة والفيء:الفائدة الثالثة: هل الفيء كالزكاة؟قوله «فَهُوَ فَيْءٌ يُصْرَفُ فِيْ مَصَالِحِ المُسْلِمِيْنَ»:قوله «وَمَنْ وَجَدَ كَافِرًا ضَالاً عَنِ الطَّرِيْقِ أَوْ غَيْرِهِ فِيْ دَارِ الإِسْلامِ، فَأَخَذَهُ فَهُوَ لَهُ»:قوله «وَإِنْ دَخَلَ قَوْمٌ لا مَنَعَةَ لَهُمْ أَرْضَ الحَرْبِ مُتَلَصِّصِيْنَ بِغَيْرِ إِذْنِ الإِمَامِ، فَمَا أَخَذُوْا، فَهُوَ لَهُمْ بَعْدَ الخُمُسِ»:بابُ الأَمانِقوله «بابُ الأَمانِ»:قوله «وَمَنْ قَالَ لِحَرْبِيٍّ: قَدْ أَجَرْتُكَ، أَوْ أَمَّنْتُكَ، أَوْ لا بَأْسَ عَلَيْكَ، وَنَحْوَ هَذَا، فَقَدْ أَمَّنَهُ»:قوله «وَيَصِحُّ الأَمَانُ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ، عَاقِلٍ، مُخْتَارٍ»:الشروط التي يجب أن تتحقق فيمن يعطي الأمانالأول: أن يكون مسلماالثانِي: أن يكون عاقلاً،الثالث: أن يكون مختاراقوله «حُرًّا كَانَ أَوْ عَبْدًا، رَجُلاً أَوِ امْرَأَةً؛ لِقَوْلِ رَسُوْلِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «الْمُؤْمِنُوْنَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ، وَيَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ»قوله «وَيَصِحُّ أَمَانُ آحَادِ الرَّعِيَّةِ لِلْجَمَاعَةِ اليَسِيْرَةِ»:هل لذلك عدد معين؟قوله «وَأَمَانُ الأَمِيْرِ لِلْبَلَدِ الَّذِيْ أُقِيْمَ بِإِزَائِهِ»:قوله «وَأَمَانُ الإِمَامِ لِجَمِيْعِ الكُفَّارِ»:قوله «وَمَنْ دَخَلَ دَارَهُمْ بِأَمَانِهِمْ، فَقَدْ أَمَّنَهُمْ مِنْ نَفْسِهِ»:قوله «وَإِنْ خَلَّوْا أَسِيْرًا مِنَّا بِشَرْطِ أَنْ يَبْعَثَ إِلَيْهِمْ مَعْلُوْمًا، لَزِمَهُ الوَفَاءُ لَهُمْ»:قوله «فَإِنْ شَرَطُوْا عَلَيْهِ أَنْ يَعُوْدَ إِلَيْهِمْ، إِنْ عَجِزَ عَنْهُ، لَزِمَهُ العَوْدُ»:قوله «إِلاَّ أَنْ تَكُوْنَ امْرَأَةً، فَلا تَرْجِعُ إِلَيْهِمْ»:فَصْلٌ فِيْ الهُدْنَةِقوله «فَصْلٌ فِيْ الهُدْنَةِ»:قوله «وَتَجُوْزُ مُهَادَنَةُ الكُفَّارِ»:قوله «إِذا رَأَى الإِمَامُ المَصْلَحَةَ فِيْهَا»:قوله «وَلا يَجُوْزُ عَقْدُهَا إِلاَّ مِنَ الإِمَامِ أَوْ نَائِبِهِ»:قوله «وَعَلَيْهِ حِمَايَتُهُمْ مِنَ المُسْلِمِيْنَ»:قوله «دُوْنَ أَهْلِ الحَرْبِ»:قوله «وَإِنْ خَافَ نَقْضَ العَهْدِ مِنْهُمْ نَبَذَ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ»:قوله «وَإِنْ سَبَاهُمْ كُفَّارُ آخَرُوْنَ، لَمْ يَجُزْ لَنَا شِرَاؤُهُمْ»:ذكر بعض المسائل المتعلقة بالهدنةالمسألة الأولى: هل تجوز الهدنة مع الكفار بعوض؟المسألة الثانية: في مدة الهدنةالمسألة الثالثة: إذا كان في الهدنة شرط يخالف كتاب الله أو يخالف مقتضى العقدقوله «وَتَجِبُ الهَجْرَةُ عَلى مَنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلى إِظْهَارِ دِيْنِهِ فِيْ دَارِ الحَرْبِ»:الأول: من تجب عليه الهجرةالثاني: من لا هجرة عليهالثالث: من تستحب له الهجرة، ولا تجب عليهقوله «وَتُسْتَحَبُّ لِمَنْ قَدِرَ عَلى ذلِكَ»:قوله «وَلا تَنْقَطِعُ الهِجْرَةُ مَا قُوْتِلَ الكُفَّارُ، إِلاَّ مِنْ بَلَدٍ بَعْدَ فَتْحِهِ»:قوله «بابُ الجِزْيَةِ»:باب الجزيةقوله «وَمَتَى طَلَبُوْا ذلِكَ، لَزِمَ إِجَابَتُهُمْ وَحَرُمَ قِتَالُهُمْ»:قوله «وَتُؤْخَذُ الجِزْيَةُ فِيْ رَأْسِ كُلِّ حَوْلٍ»:قوله «مِنَ المُوْسِرِ ثَمَانِيَةٌ وَأَرْبَعُوْنَ دِرْهَمًا، وَمِنَ الْمُتَوَسِّطِ أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُوْنَ دِرْهَمًا، وَمِمَّنْ دُوْنَهُ اثْنَا عَشَرَ دِرْهَمًا»:قوله «وَلا جِزْيَةَ عَلى صَبِيٍّ، وَلا امْرَأَةٍ، وَلا شَيْخٍ فَانٍ، وَلا زَمِنٍ، وَلا أَعْمَى، وَلا عَبْدٍ»:قوله «وَلا فَقِيْرٍ عَاجِزٍ عَنْهَا»:قوله «وَمَنْ أَسْلَمَ بَعْدَ وُجُوْبِهَا، سَقَطَتْ عَنْهُ»:قوله «وَإِنْ مَاتَ، أُخِذَتْ مِنْ تَرِكَتِهِ»:قوله «وَمَنِ اتَّجَرَ مِنْهُمْ إِلى غَيْرِ بَلَدِهِ، ثُمَّ عَادَ، أُخِذَ مِنْهُ نِصْفُ العُشْرِ»:قوله «وَإِنْ دَخَلَ إِلَيْنَا تَاجِرٌ حَرْبِيٌّ، أُخِذَ مِنْهُ العُشْرُ»:قوله «وَمَنْ نَقَضَ العَهْدَ بِامْتِنَاعِهِ مِنِ التِزَامِ الجِزْيَةِ، أَوْ أَحْكامِ الْمِلَّةِ، أَوْ قِتَالِ المُسْلِمِيْنَ وَنَحْوِهِ، أَوِ الْهَرَبِ إِلى دَارِ الحَرْبِ، حَلَّ دَمُهُ وَمَالُهُ»:قوله «وَلا يَنْتَقِضْ عَهْدُ نِسَائِهِ وَأَوْلادِهِ بِنَقْضِهِ» لان النقض وجد منه دونهم فاختص حكمه بهقوله «إِلاَّ أَنْ يَذْهَبَ بِهِمْ إِلى دَارِ الحَرْبِ»:فائدة: في ذكر بعض الأحكام المتعلقة بأهل الذمةيلزم أهل الذمة أن يكونوا متميزينلا يجوز أن يكونوا في صدر المجلس بل في آخره،إذا أقبلوا فلا يقام لهم، لأن ذلك إكرام لهم،لا يجوز أن نبدأهم بالسلام،مسألة: هل يجوز أن نهنئهم، أو نعزيهم، أو نعود مرضاهم أو نشهد جنائزهم؟أولاً: يمنعون من بناء الكنيسةثانياً: يمنعون من إحداث بِيَعخامساً: يمنعون من إظهار الخمر، ومن إظهار أكل لحم الخنزير؛وهل يمنعون من هذه الإذاعات التي تنشر الآن عبر المذياع؟
كِتابُ القَضَاءِكِتابُ الشَّهَادَاتِ
جارٍ التحميل