وبل الغمامة في شرح عمدة الفقه لابن قدامةكِتابُ الدِّياتِ
أهل الأثرالأرشيف العلمي

(1)  (1)

قوله «كِتابُ الدِّياتِ»:

الديات جمع دية، وهي في اللغة: مصدر وَدَى القاتل القتيل يديه دية إذا: أدَّى ديته الذي هو بدل النفس.
أما في الاصطلاح: فهي المال المؤدَّى إلى المجني عليه أو وليِّه بسبب الجناية، والأصل في ثبوت الدِّية: الكتاب، والسنة، والإجماع.
دليل الكتاب: قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلاَّ أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾ 1 أما دليل السنة: فقد روى أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كتب إلى أهل اليمن كتاباً فيه الفرائض والسنن والديات وبعث به مع عمرو بن حزم فقرئت على أهل اليمن هذه نسختها: «مِنْ مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- إِلَى شُرَحْبِيل بْنِ عَبْدِ كُلالٍ، وَنُعَيْمِ بْنِ عَبْدِ كُلالٍ، وَالْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ كُلالٍ قَيْل ذِي رُعَيْنٍ وَمَعَافِرَ وَهَمْدَانَ أَمَّا بَعْدُ: » وَكان في كتابه: «إِنَّ مَنِ اعْتَبَطَ مُؤْمِنًا قَتْلاً عَنْ بَيِّنَةٍ فَإِنَّهُ قَوَدٌ إِلاَّ أَنْ يَرْضَى أَوْلِيَاءُ الْمَقْتُول وَأَنَّ فِي النَّفْسِ الدِّيَةَ مِائَةً مِنَ الإِبِل، وَفِي الأَنْفِ إِذَا أُوعِبَ جَدْعُهُ الدِّيَةُ، وَفِي اللِّسَانِ الدِّيَةُ، وَفِي الشَّفَتَيْنِ الدِّيَةُ، وَفِي الْبَيْضَتَيْنِ الدِّيَةُ، وَفِي الذَّكَرِ الدِّيَةُ، وَفِي الصُّلْبِ الدِّيَةُ، وَفِي الْعَيْنَيْنِ الدِّيَةُ، وَفِي الرِّجْل الْوَاحِدَةِ نِصْفُ الدِّيَةِ، وَفِي الْمَأْمُومَةِ ثُلُثُ الدِّيَةِ، وَفِي الْجَائِفَةِ ثُلُثُ الدِّيَةِ، وَفِي الْمُنَقِّلَةِ خَمْسَ عَشْرَةَ مِنَ الإِبِل، وَفِي =

الجزء: 8 - الصفحة: 5

دِيَةُ الحُرِّ المُسْلِمِ (1)،  =كُل أُصْبُعٍ مِنْ أَصَابِعِ الْيَدِ وَالرِّجْل عَشْرٌ مِنَ الإِبِل، وَفِي السِّنِّ خَمْسٌ مِنَ الإِبِل، وَفِي الْمُوضِحَةِ خَمْسٌ مِنَ الإِبِل، وَأَنَّ الرَّجُل يُقْتَل بِالْمَرْأَةِ، وَعَلَى أَهْل الذَّهَبِ أَلْفُ دِينَارٍ وَفِي رِوَايَةٍ زِيَادَةُ وَفِي الْيَدِ الْوَاحِدَةِ نِصْفُ الدِّيَةِ» (1). وقد أجمع أهل العلم على وجوب الدية في الجملة.
والحكمة في مشروعية الدية: لما فيها من الزجر والردع، وحماية الأنفس ليجد من يدفعها الحرج والمشقة، ويدرك عاقبة فعله فيردعه ذلك ويردع غيره.

(1)

قوله «دِيَةُ الحُرِّ المُسْلِمِ»:

هذان شرطان للقدر الذي سيذكره من الدية: الأول: أن يكون حراً، الثاني: أن يكون مسلماً، فقوله: «الحُرِّ» خرج منه الرقيق، وقوله «المُسلمِ» خرج غير المسلم، لأن دية النفس تختلف بالإسلام والحرية وكذا الذكورة وضدها، كما سيأتي ذلك في موضعه إن شاء الله تعالى.
وعموم قول المؤلف: «الحر المسلم» يشمل الكبير والصغير، ويشمل العاقل والمجنون، ويشمل العالم والجاهل، لأنه لم يقيد، ويشمل كذلك الذكر والأنثى، لكن الأنثى سيتبين فيما بعد إخراجها من هذا العموم، ويشمل المريض والصحيح، والأخرس والناطق، والأعمى والبصير، والأصم والسميع، والمريض مرضاً مخوفاً، وغير ذلك.2

الجزء: 8 - الصفحة: 6

أَلفُ مِثقَالِ (1)، أَوِ اثْنَا عَشَرَ أَلْفَ دِرْهَمٍ (2)، أَوْ مِئَةٌ مِنَ الإِبِلِ (3)،  (1)

قوله «أَلفُ مِثقَالِ»:

شرع المؤلف في بيان مقادير الديات، فقال «ألف مثقال» أي من الذهب، وعبَّر بالمثقال دون الدينار، لأن المثقال لم يتغير في جاهلية ولا إسلام، بخلاف الدينار.
فمثلاً: الدينار السعودي ثمانية مثاقيل، بينما كان في عهد النبي -صلى الله عليه وسلم- وفي صدر الإسلام مثقالاً واحداً، والمثقال يساوي «اثنتين وسبعين حبة شعير مقطوعة الطرفين»، وهي تساوي «ثلاثة جرامات ونصف الجرام»، كما تقدم في كتاب «الزكاة»، وألف مثقال ذهب تبلغ بالجنيه السعودي خمسمائة جنيه وواحد وسبعون وثلاثة أسباع جنيه، لأن زنة الجنيه مثقالان إلا ربع مثقال.

(2)

قوله «أَوِ اثْنَا عَشَرَ أَلْفَ دِرْهَمٍ»:

أو هنا للتخيير، واثنا عشر ألف درهم تبلغ بالدراهم السعودية ثلاثة آلاف وسبعمائة وثلاثة وثلاثين وثلث ريال عربي.
(3)

قوله «أَوْ مِئَةٌ مِنَ الإِبِلِ»:

لا خلاف بين الفقهاء في ذلك؛ فدية الذكر الحر المسلم هي مائة من الإبل أو ما يقوم مقامها من البقر والغنم وهي مائَتا بقرة، أو ألفا شاة، ودليل ذلك حديث جابر -رضي الله عنه- قال: «فرض رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الدية عَلَى أَهْلِ الإِبِلِ مِائَةً مِنْ الإِبِلِ، وَعَلَى أَهْلِ البَقَرِ مِائَتَي بَقَرَةٍ، وَعَلَى أَهْلِ الشَّاءِ أَلفَي شَاةٍ» 3. =

الجزء: 8 - الصفحة: 7

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =وعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده أن عمر - رضي الله عنه - قام خطيباً فقال: «إِنَّ الإِبِلَ قَدْ غَلَتْ، قَالَ: فَتُقَوَّمُ عَلَى أَهْلِ الذَّهَبِ أَلفَ دِينَارٍ، وَعَلَى أَهْلِ الوَرِقِ اثْنَي عَشَرَ أَلفاً، وَعَلَى أَهْلِ البَقَرِ مِائَتَي بَقَرَةٍ، وَعَلَى أَهْلِ الشَّاةِ أَلفَي شَاةٍ، وَعَلَى أَهْلِ الحُلَلِ مِائَتَي حُلَّةٍ» (1)، وفي كتاب عمرو بن حزم المتقدم «فِي النَّفْسِ مِائَةٌ مِنَ الإِبِلِ» (2).

- فائدة: فيما تقوَّم به الدية:

اختلفت الرواية في المذهب في الأصل التي تقّوم به الدية، ففي رواية عن الإمام أحمد: أن الإبل هي الأصل، وما عداها فهو مقوَّم بها، وليس أصلاً، وهذا مذهب الجمهور، قال ابن منجَّى: «إن هذه الرواية هي الصحيحة من حيث الدليل، وإن كانت الأولى هي الصحيحة في المذهب ... » 6، وقال الزركشي: «هي أظهر دليلاً» 7، وهي اختيار الخرقي فإنه لم يذكر غير الإبل، واختارها أيضاً ابن قدامة 8، ومن المتأخرين الشيخ عبد الرحمن السعدي 9، ومحمد ابن إبراهيم 10، وهذا هو المعمول به في المحاكم في هذه البلاد، وعليه فتقوَّم الدية بالعملة المعروفة، =45

الجزء: 8 - الصفحة: 8

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =حسب قيمة الإبل، غلاءً ورخصاً، وقد قُوِّمت الدية في المملكة بمائة وعشرة آلاف ريال للعمد وشبهه، وبمائة ألف للخطأ، ومما يؤيد ذلك ما يلي: 1 - قول عمر -رضي الله عنه-: «ألا إِنَّ الإِبِلَ قَدْ غَلَتْ، قَالَ: فَتُقَوَّمُ عَلَى أَهْلِ الذَّهَبِ أَلفَ دِينَارٍ ... إلخ» 11، فهذا يدل على أن الإبل أصل، وما ذكر فهو بدل، ولو كانت أصولاً لم يكن إيجابها تقويماً للإبل، ولا كان لغلاء الإبل أثر في ذلك ولا لذكره معنى.
2 - أن النبي -صلى الله عليه وسلم- فرق بين دية العمد والخطأ فغلَّظ بعضها، وخفف بعضها، والتغليظ والتخفيف لا يتحقق في غير الإبل.
3 - أن ديات الأعضاء والشجاج والغُرَّةِ كل ذلك مقدر بالإبل، فلو كان غيرها أصلاً لثبتت في هذه الأشياء.
الرواية الثانية 12: أن المعول عليه في مقادير الديات هو الذهب والفضة وذلك لأن الإبل تختلف قيمتها باختلاف الأزمان واختلاف الأمكنة، وكذلك مائتا بقرة وألفا شاة تختلف قيمتهما باختلاف الأزمنة والأمكنة، ولا يمكن ضبطها بالدراهم والدنانير، والدراهم والدنانير ثابتة غالباً، وبها يمكن أن نتعرف على مقدار الدية بالذهب والفضة كما هو الحال في نصاب الزكاة في أي مكان، أما الإبل، والبقر، والغنم، فهذه خاضعة=

الجزء: 8 - الصفحة: 9

فَإِنْ كَانَتْ دِيَةَ عَمْدٍ (1)،  =للقبول والعرض، والكثرة والقلة، وتختلف باختلاف الزمان والمكان، فكان الأوْلى أن يكون المعول عليه في مقادير الديات هو الذهب والفضة لإمكان ضبط الدية بهما.
قلت: والأظهر عندي أن الدية مائة من الإبل، وليس الذهب، ولا الفضة، ولا البقر، ولا الغنم أصلاً فيها، وهو قول أكثر أهل العلم كما سبق، واختيار شيخنا (1). قال العلامة ابن سعدي -رحمه الله-: «والصحيح الرواية الأخرى عن الإمام أحمد أن الأصل في الديات الإبل، والباقيات أبدال عنها، ويدل على ذلك أمور منها: رفع عمر دية الفضة في زمانه لما رخصت، ولم ينكر عليه أحد من الصحابة.
ومنها: أن التغليظ والتخفيف خاص في الإبل.
ومنها: أن ديات الأعضاء، والشجاج، والغرة كل ذلك مقدر بالإبل، فلو كان غيرها أصلاً لثبتت فيه هذه الأشياء» (2).

(1)

قوله «فَإِنْ كَانَتْ دِيَةَ عَمْدٍ»:

وهي الدية المغلظة، سواء أوجب فيه القصاص وسقط بالعفو، أو لشبهة أو نحوهما، أم لم يجب أصلاً، كقتل الوالد ولده، وإنما كانت مغلظة لأنها كلها إناث، وهي أكثر رغبة من الذكر.1314

الجزء: 8 - الصفحة: 10

فَهِيَ ثَلاثُوْنَ حِقَّةً، وَثَلاثُوْنَ جَذَعَةً، وَأَرْبَعُوْنَ خَلِفَةً، وَهِيَ الحَوَامِلُ (1)، وَتَكُوْنُ حَالَّةً فِيْ مَالِ القَاتِلِ (2)،  (1)

قوله «فَهِيَ ثَلاثُوْنَ حِقَّةً، وَثَلاثُوْنَ جَذَعَةً، وَأَرْبَعُوْنَ خَلِفَةً، وَهِيَ الحَوَامِلُ»:

اختلفت الرواية عن أحمد (1) في مقدار دية العمد، ففي رواية عنه ما ذكره المؤلف هنا، وفي رواية أخرى أنها أرباع، أي خمس وعشرون حقة، وخمس وعشرون جذعة، وخمس وعشرون بنت مخاض، وخمس وعشرون بنت لبون، ووجه الرواية الأولى حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «مَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا دُفِعَ إِلَى أَوْلِيَاءِ الْمَقْتُولِ، فَإِنْ شَاءُوا قَتَلُوا، وَإِنْ شَاءُوا أَخَذُوا الدِّيَةَ، وَهِيَ ثَلاثُونَ حِقَّةً، وَثَلاثُونَ جَذَعَةً، وَأَرْبَعُونَ خَلِفَةً، وَمَا صَالَحُوا عَلَيْهِ فَهُوَ لَهُمْ، وَذَلِكَ لِتَشْدِيدِ العَقْلِ» (2)، ووجه الرواية الثانية حديث عبد الله بن عمر أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال «أَلا إِنَّ قَتِيلَ الْخَطَإِ قَتِيلَ السَّوْطِ وَالْعَصَا فِيهِ مِائَةٌ مِنْ الإِبِلِ مِنْهَا أَرْبَعُونَ خَلِفَةً فِي بُطُونِهَا أَوْلادُهَا» (3)، والخلفة هي الحامل من الإبل.
(2)

قوله «وَتَكُوْنُ حَالَّةً فِيْ مَالِ القَاتِلِ»:

أي وتكون دية العمد في مال القاتل، لا تحملها العاقلة، دليل ذلك قوله -صلى الله عليه وسلم-: «أَلا لا يَجْنِي جَانٍ إِلاَّ=151617

الجزء: 8 - الصفحة: 11

وَإِنْ كَانَ شِبْهَ عَمْدٍ فَكَذلِكَ فِيْ أَسْنَانِهَا (1)، وَهِيَ عَلى العَاقِلَةِ (2)،  =عَلَى نَفْسِهِ، أَلا لا يَجْنِي جَانٍ عَلَى وَلَدِهِ وَلا مَوْلُودٌ عَلَى وَالِدِهِ» (1)، فالأصل في ضمان المتلفات أنه يكون على الجاني المُتلِف نفسه، ولا يتحمّله غيره.
قال ابن قدامة: «أجمع أهل العلم على أن دية العمد تجب في مال القاتل، لا تحملها العاقلة» (2)، وهذا يقتضيه الأصل، قال تعالى: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (3) انتهى.
وتكون حالة غير مؤجلة، كما هو الأصل في بدل المتلفات، ولأن القاتل، عمداً عدواناً غير معذور، بخلاف شبه العمد.

(1)

قوله «وَإِنْ كَانَ شِبْهَ عَمْدٍ فَكَذلِكَ فِيْ أَسْنَانِهَا»:

جملته أن القول في أسنان دية شبه العمد، كالقول في دية العمد، دليل ذلك حديث عبد الله بن عمر المتقدم أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «أَلا إِنَّ قَتِيلَ الْخَطَإِ قَتِيلَ السَّوْطِ وَالْعَصَا فِيهِ مِائَةٌ مِنْ الإِبِلِ مِنْهَا أَرْبَعُونَ خَلِفَةً فِي بُطُونِهَا أَوْلادُهَا» (4). (2)

قوله «وَهِيَ عَلى العَاقِلَةِ»:

أي ودية شبة العمد على العاقلة، وذلك من أجل التعاون والتخفيف والمواساة للجاني، وهذا هو قول الجمهور، =18192021

الجزء: 8 - الصفحة: 12

فِيْ ثَلاثِ سِنِيْنَ، فِيْ رَأْسِ كُلُّ سَنَةٍ ثُلُثُهَا (1)،  =وفي رواية أُخرى (1) في المذهب، أنها على القاتل كالعمد لأن هذا القتل موجَب فعل قصده الجاني، فلا تتحمله العاقلة عنه كالعمد المحض، ولأن دية هذا القتيل دية مغلظة، فأشبهت دية العمد.
والراجح عندي هو قول الجمهور، والدليل على ذلك حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: «اقْتَتَلَتْ امْرَأَتَانِ مِن هُذَيلٍ، فَرَمَتْ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى بِحَجَرٍ فَقَتَلَتْهَا وَمَا فِي بَطْنِهَا، فَاخْتَصَمُوا إِلَى رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-، فَقَضَى رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: أَنَّ دِيَةَ جَنِينِهَا غُرَّةٌ عَبْدٌ أَو وَلِيدَةٌ، وَقَضَى أَنَّ دِيَةَ المَرْأَةِ عَلَى عَاقِلَتِهَا ... » الحديث (2). وإنما كانت دية شبه العمد والخطأ على العاقلة، لأن ذلك لما وقع بدون قصد من الجاني ناسب مساعدتهم له ولو كان غنياً، ولكن تخفف عنهم بتوزيعها عليهم حسب قربهم وقدرتهم وتؤجل، كما سيأتي.

(1)

قوله «فِيْ ثَلاثِ سِنِيْنَ، فِيْ رَأْسِ كُلُّ سَنَةٍ ثُلُثُهَا»:

أي وتؤدى دية شبه العمد مؤجلة في مدى ثلاث سنين، في رأس كل سنة ثلثها، وكونها في آخر السنة لتتمكن العاقلة دفعها من إنتاج المواسم.
وكونها في كل سنة الثلث، توزيعاً لها على السنين الثلاث، فإذا كانت المصلحة في دفعها حالّة، فإنها تدفع حالة ولا تؤجل، فإذا رأى القاضي أو السلطان أنها تدفع حالة، فلتدفع حالة، كما لو كان يخشى من =2223

الجزء: 8 - الصفحة: 13

وَإِنْ كَانَتْ دِيَةَ خَطَأٍ، فَهِيَ عَلى العَاقِلَةِ كَذلِكَ (1)،  =فوات الحق وهروب من عليه الدية، أو كان من عليهم الدية، وهم العاقلة أغنياء، وأولياء هذا المقتول فقراء.
واختار هذا شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- حيث قال: «والصحيح أن تعجيلها وتأجيلها بحسب الحال والمصلحة، فإن كانوا مياسير ولا ضرر عليهم في التعجيل أخذت حالة، وإن كان في ذلك مشقة جعلت مؤجلة.
وهذا هو المنصوص عن أحمد» (1).

(1)

قوله «وَإِنْ كَانَتْ دِيَةَ خَطَأٍ، فَهِيَ عَلى العَاقِلَةِ كَذلِكَ»:

أي وكذلك دية الخطأ على العاقلة، أجمع على هذا كل من تحفظ عنه من أهل العلم 25، فإن تعذّر أن يكون ذلك على العاقلة، كأن لا يطبَّق هذا في بعض البلدان، أو لا تكون له عاقلة، فعلى من يكون؟ مذهب الجمهور: أنه يكون على بيت المال.
واختار شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: «أنه يكون على الجاني نفسه، فنرجع الدية على الجاني نفسه، لأنها إنما وجبت على عاقلته من باب التخفيف والمواساة له، وإلا فإن الأصل أن ضمان المتلفات على المتلِف نفسه» 26.24

الجزء: 8 - الصفحة: 14

إِلاَّ أَنَّهَا عِشْرُوْنَ بَنُوْ مَخَاضٍ، وَعِشْرُوْنَ بَنَاتِ مَخَاضٍ، وَعِشْرُوْنَ بَنَاتِ لَبُوْنٍ، وَعِشْرُوْنِ حِقَّةً، وَعِشْرُوْنَ جَذَعَةً (1)، وَدِيَةُ الحُرَّةِ المُسْلِمَةِ نِصْفُ دِيَةِ الرَّجُلِ (2)،  (1)

قوله «إِلاَّ أَنَّهَا عِشْرُوْنَ بَنُوْ مَخَاضٍ، وَعِشْرُوْنَ بَنَاتِ مَخَاضٍ، وَعِشْرُوْنَ بَنَاتِ لَبُوْنٍ، وَعِشْرُوْنِ حِقَّةً، وَعِشْرُوْنَ جَذَعَةً»:

أي إن الدية في قتل الخطأ مائة من الإبل وعشرون بَنِي مخاض، وعشرون بنت مخاض، وعشرون بنت لبون، وعشرون حقة، وعشرون جذعة، دليل هذا المقدار حديث ابن مسعود -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «دِيَةَ الخَطَأ أَخْمَاساً: عِشْرُونَ حِقَّةً، وَعِشْرُونَ جَذَعَةً، وَعِشْرُونَ بَنَاتِ مَخَاضٍ، وَعِشْرُونَ بَنَاتِ لَبُونٍ، وَعِشْرُونَ بَنِي لَبُونٍ» (1). وتكون في شبه العمد مائة من الإبل منها: أربعون في بطونها أولادها، كما في حديث عبد الله بن عمرو المتقدم.

(2)

قوله «وَدِيَةُ الحُرَّةِ المُسْلِمَةِ نِصْفُ دِيَةِ الرَّجُلِ»:

أي إن الأنثى من نساء المسلمين ديتها على النصف من دية الذكر، قال الموفَّق: «لا نعلم فيه خلافاً» 28، ونقل عن ابن المنذر وابن عبد البر وابن رشد الإجماع على ذلك 29، واحتجوا لذلك بما رواه ابن أبي شيبة بسنده عن شريح قال: «أتاني عروة البارقي من عند عمر -رضي الله عنه-: «أن جراحات الرجال والنساء =27

الجزء: 8 - الصفحة: 15

وَتُسَاوِيْ جِرَاحُهَا جِرَاحَهُ إِلى ثُلُثِ الدِّيَةِ، فَإِذا زَادَتْ، صَارَتْ عَلى النِّصْفِ (1)،  = تستوي في السِّنِّ والمُوضِحَةِ، وما فوق ذلك فدية المرأة على النصف من دية الرجل» (1). ومن جهة المعقول فإن المرأة في الحقيقة والواقع أنقص حالاً من الرجل، ومنافعها أقل من منافعه، فاقتضى ذلك عدم مساواتها له في الدية.

(1)

قوله «وَتُسَاوِيْ جِرَاحُهَا جِرَاحَهُ إِلى ثُلُثِ الدِّيَةِ، فَإِذا زَادَتْ، صَارَتْ عَلى النِّصْفِ»:

أي تتساوي جراح المرأة جراح الرجل، فلا يُفَضَّلُ عليها إلى ثلث الدية، فإذا زادت على الثلث صارت على النصف من جراح الرجل.
وقد ورد عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن قال: «قَلَتُ لسَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ: كَمْ فِي إِصْبَعِ المَرْأَةِ؟ قَالَ: عَشْرٌ مِنْ الإِبِلِ، فَقُلتُ: كَمْ فِي إِصْبَعَينِ؟ قَالَ: عِشْرُونَ، قُلتُ: فَفِي ثَلاثة أَصَابع؟ قَالَ: ثَلاثُونَ، قُلتُ: فَفِي أَرْبَعٍ؟ قَالَ: عِشْرُونَ، قال: فقلت: لما عَظُمَ جُرحُهَا وَاشتَدَّتْ مُصِيبَتُهَا نَقَصَ عَقلُهَا؟ ! قَالَ سَعِيدٌ: أَعِرَاقِيٌّ أَنْتَ؟ فَقُلتُ: بَل عَالِمٌ مُتَثَبِّتٌ، أَو جَاهِلٌ مُتَعَلِّمٌ، قَالَ: هِيَ السُّنَّةُ يَا بنَ أَخِي» 31. وفي رواية عن الإمام أحمد: «أنَّ المَرأة فِي الجِرَاحِ عَلَى النِّصفِ مِن جِرَاحِ الرَّجُلِ مُطلَقَاً» 32.30

الجزء: 8 - الصفحة: 16

وَدِيَةُ الكِتَابِيِّ نِصْفُ دِيَةِ المُسْلِمِ، وَنِسَاؤُهُمْ عَلى النِّصْفِ مِنْ ذلِكَ (1)،  (1)

قوله «وَدِيَةُ الكِتَابِيِّ نِصْفُ دِيَةِ المُسْلِمِ، وَنِسَاؤُهُمْ عَلى النِّصْفِ مِنْ ذلِكَ»:

الكتابي: هو اليهودي والنصراني، والمقصود بديته هنا أي إن كان معاهداً أو مستأمناً أو ذمياً.
وقد اختلف الفقهاء في تقدير دية غير المسلم: فقال الحنفية 33: إن دية الذمي والمستأمن كدية المسلم، فلا يختلف قدرها بالإسلام والكفر، لتكافؤ الدماء، وعملاً بعموم قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً﴾ 34، قالوا: فقوله «دية» في الموضعين، دليل على عدم الفرق حتى يقوم دليل صحيح على ذلك.
ولأن كلا منهما آدمي، ومن الممكن أن يهدي الله هذا الكافر حتى يكون كالمسلم، وإذا كنا لا نفرق بين أعبد الناس وأطوعهم لله، وبين أفسق الناس وأفجرهم، فكذلك لا نفرق بين الكافر والمسلم، وهذا يدل على أن الدين لا دخل له في الدية ولا يعطي تقويماً فيها، وعلى هذا تكون دية المسلم والكافر - أيا كان نوعه - سواء.
=

الجزء: 8 - الصفحة: 17

وَدِيَةُ الْمَجُوْسِيِّ ثَمَانُ مِائَةِ دِرْهَمٍ (1)،  =وقال المالكية (1)، والحنابلة (2): دية الكتابي «اليهودي والنصراني» المعاهد أو المستأمن نصف دية المسلم، ونساؤهم نصف ديات المسلمين، أي كنساء المسلمات واستدلوا بحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعاً: «دِيَةُ المعَاهد نِصْفُ دِيَةِ المُسْلِمِ»، وفي لفظ: «أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - قضى بَأَنَّ عَقْلَ أَهْلِ الكِتَابِ نِصْفُ عَقْلِ المُسْلِمِينَ» (3). وقال الشافعية (4) دية اليهودي والنصراني والمعاهد والمستأمن ثلث دية المسلم، لما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أنه -صلى الله عليه وسلم- «فَرَضَ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ قَتَلَ رَجُلاً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أَرْبَعَةَ آلافِ دِرْهَمٍ» (5). والصحيح: ما ذهب إليه المالكية، والحنابلة للأحاديث المتقدمة.

(1)

قوله «وَدِيَةُ الْمَجُوْسِيِّ ثَمَانُ مِائَةِ دِرْهَمٍ»:

المجوسي هو الذي لا كتاب له، والمراد به المجوسي المستأمن فديته ثمانمائة درهم، وأن نساءهم نصف دياتهم، أي أربع مئة درهم، هذا باتفاق الفقهاء غير الحنفية، وهو قول=3536373839

الجزء: 8 - الصفحة: 18

وَنِسَاؤُهُمْ عَلى النِّصْفِ مِنْ ذلِكَ (1). وَدِيَةُ العَبْدِ وَالأَمَةِ قِيْمَتُهُمَا بَالِغَةً مَا بَلَغَتْ (2)،  =جماعة من الصحابة: عمر، وعثمان، وابن مسعود وغيرهم (1) رضي الله عنهم.
والقول الثانِي: أن دية الكافر مطلقاً نصف دية المسلم، وهو قول عمر ابن عبد العزيز (2)، واختاره الشوكاني (3)، لحديث عمرو بن شعيب المتقدم، وفي بعض ألفاظه: «دِيَةُ الكَافِرِ نِصْفُ دِيَةِ المُسْلِمِ» (4)، لأن تخصيص الكتابي لا يقتضي تخصيص الحكم به، لأنه ذكر بعض أفراد العام بحكم العام لا يقتضي التخصيص، ثم إن أهل الكتاب كفار كغيرهم.

(1)

قوله «وَنِسَاؤُهُمْ عَلى النِّصْفِ مِنْ ذلِكَ»:

أي كما أن دية المرأة المسلمة على النصف من دية الرجل الذكر المسلم كما سبق، فكذلك دية المرأة الكتابية على النصف من دية الكتابي، ودية المجوسية على النصف من دية المجوسي.
(2)

قوله «وَدِيَةُ العَبْدِ وَالأَمَةِ قِيْمَتُهُمَا بَالِغَةً مَا بَلَغَتْ»:

وذلك لأن الرقيق مال، فتكون ديته قيمته، فإذا قتل عبداً، فإن دية العبد قيمته، فننظر كم يساوي هذا الرقيق، وتكون هي الدية.40414243

الجزء: 8 - الصفحة: 19

وَمَنْ بَعْضُهُ حُرٌّ، فَفِيْهِ بِالحِسَابِ مِنْ دِيَةِ حُرٍّ وَقِيْمَةِ عَبْدٍ (1). وَدِيَةُ الجَنِيْنِ الحُرِّ إِذَا سَقَطَ مَيْتًا غُرَّةٌ؛ عَبْدٌ أَوْ أَمَةٌ، قِيْمَتُهَا خَمْسٌ مِنَ الإِبِلِ مَوْرُوْثَةٌ عَنْهُ (2)، وَلَوْ شَرِبَتِ الحَامِلُ دَوَاءً فَأَسْقَطَتْ بِهِ جَنِيْنَهَا (3)،  (1)

قوله «وَمَنْ بَعْضُهُ حُرٌّ، فَفِيْهِ بِالحِسَابِ مِنْ دِيَةِ حُرٍّ وَقِيْمَةِ عَبْدٍ»:

فإذا كان نصفه حراً ونصفه قنًا كان فيه نصف دية حر ونصف قيمة عبد لأنه لو كان جميعه حراً لوجب دية حر، فيجب في نصفه نصف ديته، ولو كان كله عبداً لوجب فيه كمال قيمته، فيجب في نصفه نصف قيمته.
(2)

قوله «وَدِيَةُ الجَنِيْنِ الحُرِّ إِذَا سَقَطَ مَيْتًا غُرَّةٌ؛ عَبْدٌ أَوْ أَمَةٌ، قِيْمَتُهَا خَمْسٌ مِنَ الإِبِلِ مَوْرُوْثَةٌ عَنْهُ»:

أي ويجب في الجنين إذا كان حراً مسلماً وسقط ميتاً بسبب جناية على أمه يجب فيه «غُرَّةٌ»، والغرة: العبد نفسه أو الأمة، سمي بذلك لأن العبد أو الأمة من أنفس الأموال.
وقوله «قِيمَتُهَا خَمسُ إبِلٍ»، أي: إن الغرة قَدَّرها الفقهاء بخمس من الإبل، لأنه روي عن عمر وزيد رَضِيَ الله عَنْهُمَا، ولأن ذلك أقل ما قدَّره الشرع في الجنايات، لأنه أرش الموضحة ودية السن، فوجب الرد إليه.
والدليل على دية الجنين حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: «اقْتَتَلَتْ امْرَأَتَانِ مِنْ هُذَيلٍ، فَرَمَتْ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى بِحَجَرٍ، فَقَتَلَتْهَا وَمَا فِي بَطْنِهَا، فَاخْتَصَمُوا إِلَى رَسُولِ الله -صلى الله عليه وسلم-، فَقَضَى رَسُولِ الله -صلى الله عليه وسلم- أَنَّ دِيَةَ جَنِينِهَا غُرَّةٌ، عَبْدٌ أَو أَمَة، وَقَضَى بِدِيَةِ المَرْأَةِ عَلَى عَاقِلَتِهَا، وَوَرَّثَهْا وَلَدَهَا وَمَنْ مَعَهُمْ» (1).

(3)

قوله «وَلَوْ شَرِبَتِ الحَامِلُ دَوَاءً»:

كأن تشربه لمرض.44

الجزء: 8 - الصفحة: 20

فَعَلَيْهَا غُرَّةٌ، لا تَرِثُ مِنْهَا شَيْئًا (1). وَإِنْ كَانَ الجَنِيْنُ كِتَابِيًّا، فَفِيْهِ عُشْرُ دِيَةِ أُمِّهِ، وَإِنْ كَانَ عَبْدًا، فَفِيْهِ عُشْرُ قِيْمَةِ أُمِّهِ (2)،  (1)

قوله «فَأَسْقَطَتْ بِهِ جَنِيْنَهَا، فَعَلَيْهَا غُرَّةٌ، لا تَرِثُ مِنْهَا شَيْئًا»:

أي إذا شربت دواءً فسقط الجنين من بطنها، ففيه غرة لأنها هي القاتلة للجنين الجانية عليه فلزمها ضمانه بالغرة، كما لو جنى عليه غيرها.
ولا ترث من الغرة شيئاً، لأن القاتل لا يرث وتكون الغرة لبقية الورثة، وعليها عتق رقبة لأن الله سبحانه قال: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾.
وقد ثبت للجنين الإيمان تبعاً لأبويه، ولأنها نفس مضمونة بالدية فوجب فيها الكفارة كالكبير.

(2)

قوله «وَإِنْ كَانَ الجَنِيْنُ كِتَابِيًّا، فَفِيْهِ عُشْرُ دِيَةِ أُمِّهِ، وَإِنْ كَانَ عَبْدًا، فَفِيْهِ عُشْرُ قِيْمَةِ أُمِّهِ»:

أي وإن كان الجنين كتابياً، ففيه عشر دية أمه، لأن جنين الحرة المسلمة مضمون بعشر دية أمه، فكذا جنين الكافرة، وإن كان الجنين مملوكاً ففيه عشر قيمة أمه، لأن الواجب في الجنين إذا كان حراً غرة قيمتها خمس من الإبل، وذلك عشر دية الحرة، والمقابل لدية الحر قيمة العبد، فإذا كانت أمه تساوي عشرة آلاف فدية جنينها ألف ريال.
وقال بعض العلماء: إن جنين الأمة يضمن بما نقصت أُمِّه لا غير، فتقدر الأمة حاملاً وحائلاً، وما بين القيمتين هو دية الجنين، وهذا القول أقرب إلى القياس كما لو جنى أحد على بهيمة وأسقطت فتقدر حاملاً وحائلاً، وما بينهما قيمة الجنين.

الجزء: 8 - الصفحة: 21

وَإِنْ سَقَطَ الجَنِيْنُ حَيًّا، ثُمَّ مَاتَ مِنَ الضَّرْبَةِ، فَفِيْهِ دِيَةٌ كَامِلَةٌ (1). إِذَا كَانَ سُقُوْطُهُ لِوَقْتٍ يَعِيْشُ فِيْ مِثْلِه (2)،  (1)

قوله «وَإِنْ سَقَطَ الجَنِيْنُ حَيًّا، ثُمَّ مَاتَ مِنَ الضَّرْبَةِ، فَفِيْهِ دِيَةٌ كَامِلَةٌ»:

أي ولو جُني على امرأة فسقط الجنين من بطنها حيًّا، ثم مات من الضربة ففيه الدية كاملة، لأنه حُرٌّ مات بجناية، أشبه ما لو باشره بالقتل، قال الموفَّق: «هذا قول عامة أهل العلم، ونقله ابن المنذر إجماعاً» (1). وتُعلم حياته باستهلاله، وهو صياحه، أو ارتضاعه، أو بِنَفَسِهِ، أو عطاسه، أو غير ذلك من الأمارات التي تعلم بها حياته.
وقد دل كلامه على أنه لا يضمن إلا إذا علم أنه مات بسبب الضربة، ويحصل ذلك بسقوطه في الحال، ثم موته، أو بقائه متألماً إلى أن يموت، أو بقاء أُمِّه متألمة إلى أن تسقطه، فيعلم بذلك أن موته بسبب الجناية.

(2)

قوله «إِذَا كَانَ سُقُوْطُهُ لِوَقْتٍ يَعِيْشُ فِيْ مِثْلِه»:

هذا شرط لوجوب الدية فيه، وهو أن تسقطه لوقت يعيش لمثله، وهو أن تضعه لستة أشهر فصاعداً، لأنه من يولد لأقل من هذه المدة لم تجر العادة ببقائه.
فإن سقط حياً لأقل من ستة أشهر ففيه غرة، لأنه لا تعلم فيه حياة يتصور بقاؤها، فلم تجب فيه الدية، كما لو سقط ميتاً.45

الجزء: 8 - الصفحة: 22

بابُ العَاقِلَةِ وَما تَحْمِلُهُ

(1) وَهِيَ عَصَبَةُ القَاتِلِ كُلُّهُمْ، قَرِيْبُهُمْ وَبَعِيْدُهُمْ، مِنَ النَّسَبِ وَالْمَوَالِيْ (2)،  (1)

قوله «بابُ العَاقِلَةِ وَما تَحْمِلُهُ»:

أي هذا بابٌ في العاقلة، وما تحمله من الدية وما لا تحمله.
(2)

قوله «وَهِيَ عَصَبَةُ القَاتِلِ كُلُّهُمْ، قَرِيْبُهُمْ وَبَعِيْدُهُمْ، مِنَ النَّسَبِ وَالْمَوَالِيْ»:

سبق تعريف العاقلة، وقلنا بأن العاقلة هم عصبات القاتل، والمراد بالعصبة: أي عصباته من النسب، وهم كل ذكر لم يدلي بأنثى، فخرج به الزوج فليس منهم؛ لأنه ليس بعاصب، والأخ من الأم كذلك ليس منهم، لأنه مدل بأم، وأيضا ليس بعاصب، ودخل فيه الإخوة، والأعمام، وأبناء الإخوة، وأبناء الأعمام، وما أشبه ذلك، ودخولُ الآباء والأبناء - في العاقلة هو رواية في مذهب الإمام أحمد 46، وهو قول مالك 47، وأبي حنيفة 48. وقال الشافعي 49، وهو رواية عن أحمد 50: إن الآباء والأبناء ليسوا من العاقلة، لحديث: «اقْتَتَلَتْ امْرَأَتَانِ مِنْ هُذَيلٍ»، وفيه: « ... فَقَضَى رَسُولِ الله -صلى الله عليه وسلم- أَنَّ دِيَةَ جَنِينِهَا غُرَّةٌ، عَبْدٌ أَو أَمَة، وَقَضَى بِدِيَةِ المَرْأَةِ عَلَى عَاقِلَتِهَا، وَوَرَّثَهْا وَلَدَهَا وَمَنْ مَعَهُمْ» 51، ولأنهم أبعاض الجاني، فكما لا يتحمل=

الجزء: 8 - الصفحة: 23

إِلاَّ الصَّبِيَّ وَالْمَجْنُوْنَ وَالفَقِيْرَ، وَمَنْ يُخَالِفُ دِيْنُهُ دِيْنَ القَاتِلِ (1)،  =الجاني لا يتحمل أبعاضه (1). والصواب عندي: هو القول الأول لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: «قَضَى رَسُولُ الله -صلى الله عليه وسلم- أَنَّ عَقْلَ المَرْأَةِ بَينَ عَصَبَتَهَا» (2)، ولأنهم عصبة أشبهوا الإخوة، ولأن العقل مبناه على التناصر، وهم من أهله، ولأن أبناءه وآباءه أحق العصبات بميراثه، فينبغي أن يكونوا أولى بتحمل عقله، ويستثنى من ذلك الأبناء إذا كان القاتل امرأة، وهذه رواية في المذهب، فالابن لا يعقل عن أمه، لأنه من قوم آخرين، قال صاحب المحرر عن هذه الرواية قال: «وهي أصح» (3)، وقال الزركشي: «وعليها يقوم الدليل» (4).

(1)

قوله «إِلاَّ الصَّبِيَّ وَالْمَجْنُوْنَ وَالفَقِيْرَ، وَمَنْ يُخَالِفُ دِيْنُهُ دِيْنَ القَاتِلِ»:

هذه شروط من يحمل الدية من العاقلة: 1 - أن يكون مكلفاً، وهو البالغ العاقل، فلا عقل على صغير ولا مجنون، لأنهما ليسا من أهل النصرة.
2 - أن يكون حراً، فلا عقل على قريب للجاني إذا كان رقيقاً، لما تقدم.
3 - أن يكون غنياً، وهو من يملك نصاب الزكاة فاضلاً عنه، فلا عقل على=52535455

الجزء: 8 - الصفحة: 24

وَيُرْجَعُ فِيْ تَقْدِيْرِ مَا يَحْمِلُهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ إِلى اجْتِهَادِ الإِمَامِ، فَيَفْرِضُ عَلَيْهِ قَدْرًا يَسْهُلُ عَلَيْهِ وَلا يَشُقُّ (1)،  = فقير - على الراجح - لأنه ليس من أهل المواساة.
4 - أن يكون موافقاً لدين الجاني، فلا عقل على مخالف لدينه، لأن العقل مبناه على النصرة، ولا نصرة لمخالف في دينه.

(1)

قوله «وَيُرْجَعُ فِيْ تَقْدِيْرِ مَا يَحْمِلُهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ إِلى اجْتِهَادِ الإِمَامِ، فَيَفْرِضُ عَلَيْهِ قَدْرًا يَسْهُلُ عَلَيْهِ وَلا يَشُقُّ»:

أي ويرجع فيما يحمله كل واحد من العاقلة إلى ما يفرضه عليه الحاكم بقدر حاله، لأن ما يحمله كل واحد من العاقلة غير مقدر، لأن التقدير من الشرع، ولم يرد فيه شيء، فيرجع فيه لاجتهاد الحاكم، والحاكم يفرض على كل فرد ما يسهل ولا يشق، بقدر حاله حسب غناه، ولو اتفقت العاقلة فيما بينهم على تقدير معين جاز، لأن الأمر راجع إليهم.
وهل يحمل الجاني مع العاقلة شيئاً من الدية؟ قولان في المذهب 56: الأول: أن الجاني ليس عليه شيء من الدية ولو كان غنياً، لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- «قضى بالدية على العاقلة ولم يكن الجاني من ضمنها»، وهذا ما ذهب إليه الشافعية 57، وهو المذهب عند الحنابلة 58. والقول الآخر في المذهب: أنه يحمل مع العاقلة، لأنهم حملوا بسببه، ولا ينافي ذلك أن الشارع جعل الدية على العاقلة، فإنها من باب التحمل، =

الجزء: 8 - الصفحة: 25

وَمَا فَضَلَ فَعَلى القَاتِلِ، وَكَذلِكَ الدِّيَةُ فِيْ حَقِّ مَنْ لا عَاقِلَةَ لَهُ 59،  =لأنها في الأصل على المتلف، فإذا تعاونت العصبة على حملها فلا يناسب ألا يحمل القاتل وهو غني، وهذا ما ذهب إليه الحنفية (1)، والمالكية 60، واختار هذا القول الشيخ عبد الرحمن السعدي 61. قلت: والصواب أن العاقلة متى كانت قادرة على دفعها كلها فلا يحمل القاتل شيئاً، لكن إن لم تستطع العاقلة دفعها كاملة فيدفع القاتل باقيها.
ويبدأ بالأقرب فالأقرب؛ فيبدأ بالآباء والأبناء، ثم الإخوة وبنيهم، ثم الأعمام وبنيهم، وهكذا ... ، وإذا امتنعت العاقلة من دفع الدية فإنهم يجبرون، كغيرهم ممن وجب عليه حق فامتنع من أدائه، لكن بشرط ثبوته ببينة شرعية، لا بمجرد اعتراف الجاني الذي لم تصدقه العاقلة، ويراسل الغائب لئلا يكون غيابه حيلة.
(1) قوله «وَمَا فَضَلَ فَعَلى القَاتِلِ، وَكَذلِكَ الدِّيَةُ فِيْ حَقِّ مَنْ لا عَاقِلَةَ لَهُ»: أي وما بقي على القاتل من الدية بأن عجزت العاقلة عن إتمامها، فهو كقاتل لا عاقلة له، وقد سبق الإشارة إلى هذه المسألة عند قول المؤلف «وَإِنْ كَانَتْ دِيَةَ خَطَأٍ، فَهِيَ عَلى العَاقِلَةِ كَذلِكَ»، وذكرنا أن هذه المسألة على قولين: الأول: أن ما لا عاقلة له أو له عاقلة عجزت عن إتمام الدية، أن الدية أو تمامها من بيت المال، وهذا رواية عن أحمد 62، بدليل: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- «وَدَى=

الجزء: 8 - الصفحة: 26

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =الأنصاري المقتول في خيبر من إبل الصدقة» 63، ولأن المسلمين يرثون من لا وارث له، فيعقلون عنه عند عدم العاقلة.
الثانِي: أنه لا يجب في بيت المال شيء، وإنما تؤخذ من القاتل إذا تعذرت العاقلة، وهذا رواية عن أحمد، لعموم قوله تعالى: ﴿وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ 64، ولأن الدية تجب على القاتل ابتداء، ثم تتحملها العاقلة عنه، فإذا لم توجد العاقلة بقيت الدية واجبة عليه بمقتضى الدليل.
وظاهر كلام ابن قدامة تصحيح هذه الرواية 65، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، جاء في الاختيارات: «وتؤخذ الدية من الجاني خطأ عند تعذر العاقلة في أصح قولي العلماء» 66. وأما حديث سهل بن أبي حَثْمَةَ -رضي الله عنه- في قتيل الأنصار فهو غير لازم، لأنه قتيل اليهود، وبيت المال لا يعقل عن الكفار بحال، وإنما تفضل النبي -صلى الله عليه وسلم- بذلك عليهم، وقولهم: إن المسلمين يرثونه، فالجواب: أن صرف ماله إلى بيت المال ليس ميراثاً، بل هو فَيء، ولهذا يؤخذ مال من لا وارث له من أهل الذمة إلى بيت المال، ولا يرثه المسلمون 67.

الجزء: 8 - الصفحة: 27

وَلا تَحْمِلُ العَاقِلَةُ عَمْدًا، وَلا عَبْدًا، وَلا صُلْحًا، وَلا اعْتِرَافًا، وَلا مَا دُوْنَ الثُّلُثِ (1)،  (1)

قوله «وَلا تَحْمِلُ العَاقِلَةُ عَمْدًا، وَلا عَبْدًا، وَلا صُلْحًا، وَلا اعْتِرَافًا، وَلا مَا دُوْنَ الثُّلُثِ»:

شرع المؤلف في بيان الديات التي لا تحملها العاقلة وهي خمس: 1 -

دية قتل العمد:

فلا تحملها العاقلة، بل هي على الجاني، كما تقدم في كتاب الجنايات، لأن العامد غير معذور، فلا يستحق المواساة.
2 -

العبد:

فلا تحمل العاقلة قيمةَ عبدٍ قتله الجاني، أو قطع طَرَفَهُ، لأنه مال، والعاقلة لا تحمل بدل الأموال المتلفة.
3 -

الصلح:

وذلك بأن يُدَّعى على شخص بالقتل، ويصالح عن ذلك بمال، فلا تحمله العاقلة عنه، لأنه ثبت عليه بفعله واختياره، فلم يلزم العاقلة، كالذي ثبت باعترافه، وهذا مجمع عليه.
4 -

الاعتراف:

وذلك بأن يقر على نفسه بجناية خطأ أو شبه خطأْ فتجب عليه الدية، وتنكرها العاقلة، لأنه لا يقبل إقراره على غيره، ولأنه يتهم في أن يواطئ مع من أقر له على الإقرار بالجناية ليوجب العقل على عاقلته ثم يقاسمه.
5 -

ما دون ثلث الدية:

كأن يجني على شخص جناية خطأْ فيما دون النفس، وكانت الدية الواجبة عليه أَقل من ثلث دية القتل، فلا تحمله العاقلة، لأنه قليل يمكن للجاني تحمله، لقول ابن عباس -رضي الله عنه- «لا تَحْمِل العَاقِلَة عَمْداً، وَلا عَبْداً، وَلا صُلحَاً، ولا اِعْتِرَافاً» 68.

الجزء: 8 - الصفحة: 28

وَيَتَعَاقَلُ أَهْلُ الذِّمَّةِ (1)، وَلا عَاقِلَةَ لِمُرْتَدٍّ (2)،

- فائدة: الذين يتسولون في المساجد، ويدَّعون أن عليهم ديات خطأ، هل يعطون؟

نقول: لا يجوز إعطاؤهم من الزكاة، لأن الدية على العاقلة، وأما من الصدقة فالأولى عدم إعطائهم لأن ولي الأمر منع التسول في المسجد، ولأنه يفتح الباب لضعاف النفوس، وشاهد الحال أمام أعين الجميع.

(1)

قوله «وَيَتَعَاقَلُ أَهْلُ الذِّمَّةِ»:

أي إذا جنى ذمي جناية خطأ أو شبه عمد، وكانت هذه الدية أكثر من الثلث فإن عصبته من الذميين يحملونها، وهذه المسألة على روايتين (1) في المذهب: الأولى: ما ذكره المؤلف هنا أي: يتعاقلون قياساً على المسلمين، لأن قرابتهم تقتضي التوريث فاقتضت التعاقل كالمسلمين، ولأن دياتهم ديات أحرار معصومين فأشبهت ديات المسلمين، ولأن قرابتهم تقتضي التوارث فاقتضت التعاقل كالمسلمين.
الثانية: لا يتعاقلون لأن حمل العاقلة ثبت على خلاف الأصل لحرمة قرابة المسلمين فلا يقاس عليهم غيرهم لأنهم لا يساوونهم في الحرمة.
والصواب: القول الأول: أي يعقله من يشاركه في الدين، وهذا هو الصحيح من كلام أهل العلم.

(2)

قوله «وَلا عَاقِلَةَ لِمُرْتَدٍّ»:

أي إن المرتد إذا جنى خطأ فلا يَعْقِلُ عنه أحد، لأنه ليس بمسلم فيعقل عنه المسلمون، ولأنهم كذلك لا يرثونه، =69

الجزء: 8 - الصفحة: 29

وَلا لِمَنْ أَسْلَمَ بَعْدَ جِنَايَتِهِ (1)، أَوِ انْجَرَّ وَلاؤُهُ بَعْدَهَا (2). وَجِنَايَةُ العَبْدِ فِيْ رَقَبَتِهِ (3)،  = فلا يعقلون عنه بل تكون جنايته في ماله قلَّت أو كثرت.
وهل يعقل اليهودي النصراني والعكس؟ نقول: هذا مبني على الخلاف في التوارث، وقد سبق في كتاب الفرائض بيان ذلك.
لكن على كل حال لا يعقلهم بيت مال المسلمين.

(1)

قوله «وَلا لِمَنْ أَسْلَمَ بَعْدَ جِنَايَتِهِ»:

أي ولا عاقلة لمن أسلم بعد الجناية، وذلك كأن يرمي نصراني صيداً ثم يسلم، ثم يصيب السهم إنساناً فيقتله، فلا عاقلة له، بل تجب الدية في ماله، لأنه لا يمكن إيجابها على عاقلته النصارى، لأنه قَتَلَ وهو مسلم، ولا على عاقلته من المسلمين، لأنه رمى وهو نصراني.
(2)

قوله «أَوِ انْجَرَّ وَلاؤُهُ بَعْدَهَا»:

يعني بعد جنايته, وصورة ذلك إذا تزوج عبد معتقة قوم فأولدها فولاء الوالد لمولاه، فإن جنى الولد فعقله على مولى أمه، فإن أعتق أبوه انتقل الولاء إلى موالي الأب وانقطع عن موالي الأم؛ لأن الولاء انجر عنهم فلا يعقلونهم لأنهم لا يرثونه ولا يعقل عنه موالي الأب لأنه جنى وهو مولى غيرهم، ولو جرح ابن المعتقة رجلاً ثم انجر ولاؤه إلى موالي أبيه ثم سرت الجناية فالحكم كذلك، لأن موالي الأم لا يعقلون لانقطاع الولاء عنهم وموالي الأب لا يعقلون لأن سبب السراية كان قبل حصول الولاء لهم.
(3)

قوله «وَجِنَايَةُ العَبْدِ فِيْ رَقَبَتِهِ»:

أي إن العبد إذا جنى على غيره تعلق ذلك برقبته، لأنه موجب جنايته، فوجب أن يتعلق برقبته، كالقصاص.

الجزء: 8 - الصفحة: 30

إِلاَّ أَنْ يَفْدِيَهُ السَّيِّدُ بِأَقَلِّ الأَمْرَيْنِ، مِنْ أَرْشِهَا أَوْ قِيْمَتِهِ (1)، وَدِيَةُ الجِنَايَةِ عَلَيْهِ مَا نَقَصَ مِنْ قِيْمَتِهِ فِيْ مَالِ الجَانِيْ (2)، وَجِنَايَةُ البَهَائِمِ هَدَرٌ (3)،  (1)

قوله «إِلاَّ أَنْ يَفْدِيَهُ السَّيِّدُ بِأَقَلِّ الأَمْرَيْنِ، مِنْ أَرْشِهَا أَوْ قِيْمَتِهِ»:

أي إن سيد العبد الذي جنى مخير بين أن يفديه بالأقل من أرش الجناية أو قيمته، فإذا كانت قيمته عشرة والجناية بخمسة فداه بخمسة، لأنها أقل، وإن كانت قيمته خمسة والجناية بعشرة فداه بخمسة أيضاً، لأنها الأقل، وذلك لأن السيد إذا فدى عبده بقيمته فقد أدى عوض المحل الذي تعلقت به الجناية، وإذا فداه بأرش الجناية فقد أدى ما استحقه المجني عليه، فلم يملك مطالبته بأكثر من ذلك.
(2)

قوله «وَدِيَةُ الجِنَايَةِ عَلَيْهِ مَا نَقَصَ مِنْ قِيْمَتِهِ فِيْ مَالِ الجَانِيْ»:

أي وإن جُني على العبد في يده أو رجله، أو جناية غير مقدرة وجب ضمانها بما نقص من قيمته، لأن ضمانه ضمان أموال، فيجب فيه ما نقص كالبهائم، وتكون هذه الدية الواجبة بجنايته في مال الجاني وليست على العاقلة، لأن العبد مال والجناية عليه جناية على المال، وقد سبق بيان ذلك.
(3)

قوله «وَجِنَايَةُ البَهَائِمِ هَدَرٌ»:

أي الأصل فيما أتلفت البهيمة عدم الضمان، وهذا بإجماع أهل العلم: والدليل قوله -صلى الله عليه وسلم-: «العجماء جُبار» 70، ما لم يكن عدوان من صاحبها أو تفريط، فإن كان عدوان أو تفريط عومل بما يقتضيه ذلك العدوان والتفريط.

الجزء: 8 - الصفحة: 31

إِلاَّ أَنْ تَكُوْنَ فِيْ يَدِ إِنْسَانٍ، كَالرَّاكِبِ وَالقَائِدِ وَالسَّائِقِ، فَعَلَيْهِ ضَمَانُ مَا جَنَتْ بِيَدِهَا أَوْ فَمِهَا، دُوْنَ مَا جَنَتْ بِرِجْلِهَا أَوْ ذَنَبِهَا (1)،  (1)

قوله «إِلاَّ أَنْ تَكُوْنَ فِيْ يَدِ إِنْسَانٍ، كَالرَّاكِبِ وَالقَائِدِ وَالسَّائِقِ، فَعَلَيْهِ ضَمَانُ مَا جَنَتْ بِيَدِهَا أَوْ فَمِهَا، دُوْنَ مَا جَنَتْ بِرِجْلِهَا أَوْ ذَنَبِهَا»:

أي إلا أن تكون البهيمة في يد إنسان كراكب أو قائد أو سائق فإنه يضمن جناية يدها أو فمها وذلك لأن العادة أنه يتصرف في مقدمها، فإذا كانت بيد راكب أو قائد يقودها بخطامها أو سائق خلفها يسوقها ضمن جناية ما أتلفته بيدها أو فمها إذا عضت أحداً أو وطئته أو رفسته بيدها، ولا يضمن مؤخرها، فإذا نفحت بذنبها إنساناً فأصابت عينيه أو وجهه، فلا غرم على صاحبها، لأنه لا يتصرف في مؤخرها، وكذا لو رمحته برجلها فلا ضمان على صاحبها، وهذا هو المذهب.
والقول الثانِي: أنه يضمن ما وطئت برجلها 71، لأنه يقدر على حبسها، فإن لم يكن صاحبها معها لم يضمن ما أتلفته، لقوله -صلى الله عليه وسلم-: «العَجْمَاءُ جُبَارٌ» 72. لكن لابد من أن نجعل مناط الحكم في هذا - أي فيما يتعلق بالبهائم من الجنايات - هو التعدي أو التفريط، فإذا كان متعدياً أو مفرطاً فعليه الضمان وإلا فلا، والتعدي مثل أن يمر بها إلى جنب شجر - مثلاً - أو إلى جنب أطعمة يعرف أنها سوف تنهش من هذه الثمرة أو من هذه =

الجزء: 8 - الصفحة: 32

وَإِنْ تَعَدَّى بِرَبْطِهَا فِيْ مِلْكِ غَيْرِهِ، أَوْ طَرِيْقٍ، ضَمِنَ جِنَايَتَهَا كُلَّهَا (1)،  =الأطعمة، وذلك لقوله -صلى الله عليه وسلم-: «العَجْمَاءُ جُبَارٌ» (1).

(1)

قوله «وَإِنْ تَعَدَّى بِرَبْطِهَا فِيْ مِلْكِ غَيْرِهِ، أَوْ طَرِيْقٍ، ضَمِنَ جِنَايَتَهَا كُلَّهَا»:

أي وإن ربط دابة في ملك غيره أو ربطها بطريق فعثر بها إنسان ضمن، لأنه متعدٍّ في ربطها في هذا المكان أو هذا الطريق.
و

هل يشترط لوجوب الضمان عليه بأن يكون الطريق ضيقاً؟

نقول قال بذلك بعض العلماء: فلا يضمن إن كان في طريق فسيح.
والأظهر عندي أنه يضمن مطلقاً لأنه في كلا الحالتين معتدٍ، وإذا كان معتدياً فهو ظالم، وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ﴾ 74، فإن ربطها في طريق واسع في أحد جوانبه فلا ضمان.
والسيارات الآن حكمها حكم الدابة، فإذا أوقفها في مكان واسع وليس في طريق الناس، فعثر بها إنسان فإنه لا ضمان على صاحب السيارة، لأنه لم يعتدِ حيث إن العادة جرت بأن الناس يوقفون سياراتهم في الأمكنة الواسعة ولا يعد هذا اعتداءً، فإن أوقفها في مكان واسع في مطرق الناس فعليه الضمان، لأنه متعدٍّ، وإن أوقفها في طريق واسع في جانب الطريق فلا ضمان عليه.
وما هو حد الطريق الذي لا ضمان فيه؟ حده أن يبقى مكان يمكن أن تمر به السيارات، فإذا ترك مكاناً يمكن أن =73

الجزء: 8 - الصفحة: 33

وَمَا أَتْلَفَتْ مِنَ الزَّرْعِ نَهَارًا، لَمْ يَضْمَنْهُ، إِلاَّ أَنْ تَكُوْنَ فِيْ يَدِهِ (1)، وَمَا أَتْلَفَتْ لَيْلاً، فَعَلَيْهِ ضَمَانُهُ (2)،  = تمر به السيارات فهذا ليس بمعتدٍ، والعادة الآن جارية بذلك.
وهل يجب أن نقول: لا بد أن يترك ممراً يستطيع أن ينفذ فيه المتقابلان؟ نقول نعم، لا سيما في الطرقات النافذة، أما غير النافذة فهي إلى أصحابها.

(1)

قوله «وَمَا أَتْلَفَتْ مِنَ الزَّرْعِ نَهَارًا، لَمْ يَضْمَنْهُ، إِلاَّ أَنْ تَكُوْنَ فِيْ يَدِهِ»:

أي وما أتلفته البهيمة من الزرع نهارا فلا يضمن صاحبها ما أتلفته، لحديث حرام بن سعد بن محيِّصة الأنصاري: أن ناقة للبراء بن عازب -رضي الله عنه- دخلت حائط رجل فأفسدته، فقضى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- «على أهل الأموال حفظها بالنهار، وعلى أهل المواشي حفظها بالليل»، وفي لفظ آخر: «وَأَنَّ حِفْظَ المَاشِيَةِ بِاللَّيلِ عَلَى أَهْلِهَا، وَأَنَّ عَلَى أَهْلِ المَاشِيَةِ مَا أَصَابَتْ مَاشِيَتُهُمْ بِاللَّيلِ» (1)، إلا إن كان صاحبها معها فإنه يضمن، لأنها لم تُفْسِدْ إلا بتعديه.
(2)

قوله «وَمَا أَتْلَفَتْ لَيْلاً، فَعَلَيْهِ ضَمَانُهُ»:

أي وما أتلفت البهائم من الزرع والشجر وغيرهما ليلاً ضمنه صاحبها.

ذكر بعض الفوائد

:

- الفائدة الأولى: إذا اقتنى كلباً عقوراً فاعتدى على أحد ضمن صاحبه

لأنه=75

الجزء: 8 - الصفحة: 34

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =متعد باقتنائه له، وكذا لو اقتنى سنوراً يأكل الطيور، لأنه متعد باقتنائه له.

- الفائدة الثانية: يجوز قتل الغراب، والحدأة، والعقرب، والفأرة، والكلب العقور، والوزغ، وكل مؤذٍ وسبع مفترس كالأسد، والنمر، والفهد، والذئب، والثعلب،

ولا ضمان على قاتل ذلك كله.
ولا يجوز قتل النملة والهدهد، والنحلة والصرد كما سبق، ولا يقتل كذلك طير غير مؤذٍ إلا بحقه، وهو أن يأكله، أو يأكله غيره، أما قتله عبثاً فلا يجوز.

- الفائدة الثالثة: إذا أخذ ولي الدم الدية، فلا يحل له بعد ذلك أن يقتل القاتل،

وقد روي «لا أعفي من قتل بعد أخذ الدية» 76.

الجزء: 8 - الصفحة: 35

بابُ دِيَاتِ الجِرَاحِ

(1) كُلُّ مَا فِيْ الإِنْسَانِ مِنْهُ شَيْءٌ وَاحِدٌ، فَفِيْهِ دِيَةٌ، كَلِسَانِهِ، وَأَنْفِهِ، وَذَكَرِهِ، وَسَمْعِهِ، وَبَصَرِهِ، وَشَمِّهِ، وَعَقْلِهِ، وَكَلامِهِ، وَبَطْشِهِ، وَمَشْيِهِ (2)،  (1)

قوله «بابُ دِيَاتِ الجِرَاحِ»:

الجراح نوعان:

أحدهما: الشجاج؛ وهي ما كان في رأس أو وجه.

النوع

الثاني: ما كان في سائر البدن

، وينقسم قسمين: أحدهما: قطع عضو كيد، أو رجل، أو لسان ونحو ذلك.
الثاني: قطع لحم، وذلك كله مضمون من الآدمي، ويضاف إليه تفويت المنفعة كالسمع والبصر، ونحوها.

(2)

قوله «كُلُّ مَا فِيْ الإِنْسَانِ مِنْهُ شَيْءٌ وَاحِدٌ، فَفِيْهِ دِيَةٌ، كَلِسَانِهِ، وَأَنْفِهِ، وَذَكَرِهِ، وَسَمْعِهِ، وَبَصَرِهِ، وَشَمِّهِ، وَعَقْلِهِ، وَكَلامِهِ، وَبَطْشِهِ، وَمَشْيِهِ»:

جملة ذلك أن كل عضو لم يخلق الله سبحانه منه إلا واحداً كالأنف واللسان ونحو ذلك مما ذكره المؤلف ففيه دية كاملة لأن في إتلافه إذهاب منفعة الجنس وإذهابها كالنفس، وهذه قاعدة ديات الأعضاء ومنافعها، فمن أتلف ما في الإنسان منه شيء واحد، كالأنف واللسان والذكر ففيه الدية كاملة، لما ورد في كتاب عمرو بن حزم المتقدم: «وَفِي الأَنْفِ إِذَا أُوعِبَ جَدْعُهُ الدِّيَةُ، وَفِي اللِّسَانِ الدِّيَةُ ... وَفِي الذَّكَرِ الدِّيَةُ ... » 77. =

الجزء: 8 - الصفحة: 36

وَكذلِكَ فِيْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ صَعَرِهِ، وَهُوَ أَنْ يَجْعَلَ وَجْهَهُ فِيْ جَانِبِهِ (1)،  =ومعنى «أُوعِبَ جَدْعُهُ» أي: قطع جميعه، ولأن إتلاف الذي لم يخلق الله منه في الإنسان إلا شيئاً واحداً ذهابُ منفعة الجنس، وإذهابها كالنفس.

(1)

قوله «وَكذلِكَ فِيْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ صَعَرِهِ، وَهُوَ أَنْ يَجْعَلَ وَجْهَهُ فِيْ جَانِبِهِ»:

هذه أيضاً بعض أنواع الجنايات التي تجب فيها الدية، فمن ذلك قوله: «والصَّعَرِ» بفتح الصاد المهملة والعين المهملة، من صَعِرَ يَصْعَرُ صَعَراً، وقد عرفه المؤلف بقوله «أَنْ يَجْعَلَ وَجْهَهُ فِيْ جَانِبِهِ»، كأن يضربه فيصير الوجه في جانب.
وأصل الصعر: داء يأخذ البعير فيلتوي منه عنقه، قال الله تعالى: ﴿وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ﴾ 78، أي لا تعرض عنهم بوجهك تكبراً كإمالة وجه البعير الذي به الصعر، فمن جنى على إنسان جناية فعوج عنقه حتى صار وجهه في جانب فعليه دية كاملة، دليل ذلك أن زيد بن ثابت -رضي الله عنه- قال: «وَفِي الصَّعَر الدِّيَةُ» 79، ولم يعرف له مخالف من الصحابة، فكان إجماعاً، ولأنه أذهب الجمال والمنفعة، فإنه لا يقدر على النظر أمامه واتقاء ما يحذره إذا مشى، وقال الشافعي 80: فيه حكومة، لأنه إذهاب جمال من غير منفعة.
قلت: والأول أظهر.

الجزء: 8 - الصفحة: 37

وَتَسْوِيْدِ وَجْهِهِ، وَخَدَيْهِ (1)، وَاسْتِطْلاقِ بَوْلِهِ أَوْ غَائِطِهِ (2)، وَقَرْعِ رَأْسِهِ، وَلِحْيَتِهِ دِيَةٌ (3)، وَمَا فِيْهِ مِنْهُ شَيْئَانِ، فَفِيْهِمَا الدِّيَةُ (4)،  (1) قوله «وَتَسْوِيْدِ وَجْهِهِ وَخَدَيْهِ»: أي إذا جنى عليه بتسويد وجهه كأن يصب عليه ماء حاراً أو يصب عليه ماء نارٍ فيجعل وجهه أسود بزوال بشرة وجهه بعد أن كان أبيض ففيه دية كاملة، لأنه بذلك يذهب كمال الجمال، فوجب فيه كمال الدية.

(2)

قوله «وَاسْتِطْلاقِ بَوْلِهِ أَوْ غَائِطِهِ»:

أي ففيهما كمال الدية، لأن كلا منهما منفعة كبيرة مقصودة ليس في البدن مثلها، أشبه السمع والبصر، فوجب في تفويتها دية كاملة، كسائر الأعضاء، فإن فاتت المنفعتان ولو بجناية واحدة فديتان، كما لو أذهب سمعه وبصره.
(3)

قوله «وَقَرْعِ رَأْسِهِ، وَلِحْيَتِهِ دِيَةٌ»:

القَرَعُ، بفتحتين: الصَّلَعُ، وهو مصدر قَرِعَ الرأس، من باب تَعِبَ: إذا لم يبق عليه شعر.
فإذا جُني على شعر رأسه ولم يعد، ففيه الدية، وكذا إذا جُني على شعر لحيته ولم تعد، لأن في إذهاب كل واحد منهما ذهاب منفعة جنس، فأشبهت اليدين والرجلين ونحوهما.
(4)

قوله «وَمَا فِيْهِ مِنْهُ شَيْئَانِ، فَفِيْهِمَا الدِّيَةُ»:

أي وما في الإنسان منه شيئان كاليدين والرجلين والعينين ففيهما الدية، وفي كل واحد منهما نصف الدية كما سيأتي.
وما فيه ثلاثة كالأنف يشتمل على المنخرين والحاجز بينهما، ففيه الدية، وفي كل واحد منها ثلثها، وما فيه أكثر ففيها الدية، وفي كل واحد منها قسطه من الدية، لأن في إتلاف ذلك كله ذهاب منفعة الجنس، وذلك=

الجزء: 8 - الصفحة: 38

وَفِيْ أَحَدِهِمَا نِصْفُهَا، كَالعَيْنَيْنِ، وَالحَاجِبَيْنِ، وَالشَّفَتَيْنِ، وَالأُذُنَيْنِ، وَاللِّحْيَيْنِ، وَاليَدَيْنِ، وَالثَّدْيَيْنِ، وَالأَلْيَتَيْنِ، وَالإِسْكَتَيْنِ، وَالرِّجْلَيْنِ (1)، وَفِي الأَجْفَانِ الأَرْبَعَةِ الدِّيَةُ، وَفِيْ أَهْدَابِهَا الدِّيَةُ، وَفِيْ كُلِّ وَاحِدٍ رُبْعُهَا، فَإِنْ قَلَعَهَا بِأَهْدَابِهَا، وَجَبَتْ (2)،  =كإتلاف النفس، وأما كون أحدهما فيه نصفها فلأن في إتلافه إذهاب نصف منفعة الجنس.

(1)

قوله «وَفِيْ أَحَدِهِمَا نِصْفُهَا، كَالعَيْنَيْنِ، وَالحَاجِبَيْنِ، وَالشَّفَتَيْنِ، وَالأُذُنَيْنِ، وَاللِّحْيَيْنِ، وَاليَدَيْنِ، وَالثَّدْيَيْنِ، وَالأَلْيَتَيْنِ، وَالإِسْكَتَيْنِ، وَالرِّجْلَيْنِ»:

سبق الإشارة إلى ذلك قريباً، فما فيه منه شيئان وأتلفا جميعاً ففيهما الدية، وفي أحدهما نصف الدية، كما ذكر المؤلف هنا، وقوله: «وَاللِّحْيَيْنِ» هما العظمان النابت عليهما الأسنان، فإذا أتلفهما ففيهما دية النفس، وفي أحدهما نصف الدية، وقوله: «وَالأَلْيَتَيْنِ» مثنى «ألية» وهي المقعدة التي يقعد عليها الإنسان، فإذا جنى عليهما شخص ففيهما الدية، وفي الواحدة نصف الدية، وقوله «وَالإِسْكَتَيْنِ» بفتح الهمزة وكسرها، وهما حافتا فرج المرأة، فلو جنى عليهما إنسان وقطعهما ففيهما الدية، وفي إحداهما نصف الدية، وقوله: «وَالثَّدْيَيْنِ» يعني ثديي المرأة وهذا واضح، فلو جنى عليهما إنسان وقطعهما ففيهما الدية، وفي إحداهما نصف الدية.
(2)

قوله «وَفِي الأَجْفَانِ الأَرْبَعَةِ الدِّيَةُ، وَفِيْ أَهْدَابِهَا الدِّيَةُ، وَفِيْ كُلِّ وَاحِدٍ رُبْعُهَا، فَإِنْ قَلَعَهَا بِأَهْدَابِهَا، وَجَبَتْ دِيَةٌ وَاحِدَةٌ»:

الأجفان هما غطاء=

الجزء: 8 - الصفحة: 39

وَفِيْ أَصَابِعِ اليَدَيْنِ الدِّيَةُ، وَفِيْ أَصَابِعِ الرِّجْلَيْنِ الدِّيَةُ، وَفِيْ كُلِّ إِصْبَعٍ عُشْرُهَا (1)،  = العينين، وفي كل عين غطاءان، أحدهما فوق والآخر تحت، ففي كل جفن ربع الدية، وفي الجميع الدية كاملة، وفي الثلاثة ثلاثة أرباع الدية، ولا فرق في الدية بين الأعلى والأسفل، ووجه كون الدية فيها لأن في إتلافها إذهاب منفعة الجنس، فأشبهت اليدين، لأن في الأجفان جمالاً وكمالاً ونفعاً كثيراً، لأنها تقي العينين مما يؤذيهما، وسواء في هذا البصير والأعمى، لأن العمى عيب في غيرها، وهذا هو المشهور في المذهب (1)، وهو قول الحنفية (2). والقول الثاني في المسألة: وهو مذهب المالكية (3)، والشافعية (4) أنه ليس فيه دية، وذلك لأن الأصل في مال المسلم العصمة ولا نص ولا إجماع ولا قياس يدل على ما ذكره الحنابلة، ولا شك أنها لا تصل إلى المنافع التي تقدم ذكرها، فإنها جمال وليست بمنفعة تشبه منفعة السمع والبصر، فلا يقال إنها تقاس على السمع والبصر، وعليه فلو اعتدى على لحيته أو شعر رأسه ففيه حكومة وليس فيه دية.

(1)

قوله «وَفِيْ أَصَابِعِ اليَدَيْنِ الدِّيَةُ، وَفِيْ أَصَابِعِ الرِّجْلَيْنِ الدِّيَةُ، وَفِيْ كُلِّ إِصْبَعٍ عُشْرُهَا»:

أي وفي أصابع اليدين الدية وكذا أصابع الرجلين، =81828384

الجزء: 8 - الصفحة: 40

وَفِيْ كُلِّ أَنْمُلَةٍ ثُلُثُ عَقْلِهَا، إِلاَّ الإِبْهَامَ فِيْ كُلِّ أَنْمُلَةٍ نِصْفُ عَقْلِهَا (1)، وَفِيْ كُلِّ سِنٍّ خَمْسٌ مِنَ الإِبِلِ إِذَا لَمْ تَعُدْ (2)،  =فما كان في البدن منه عشر، ففي كل واحد منه عشر الدية، فأصابع اليدين عشر، ففيها الدية كاملة، وفي كل إصبع عشر الدية، لا فرق بين الخنصر والإبهام، لما ورد في كتاب عمرو بن حزم -رضي الله عنه- المتقدم: «وَفِي كُلِّ أُصْبُعٍ مِنْ أَصَابِعِ اليَدِ وَالرِّجْلِ عَشْرٌ مِنْ الإِبِلِ»، ولما ورد عن ابن عباس -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «دِيَةِ الأَصَابِعِ، اليَدَينِ وَالرِّجْلَينِ سَوَاءٌ، عَشْرٌ مِنْ الإِبِلِ لِكُلِّ أُصْبُعٍ» (1).

(1)

قوله «وَفِيْ كُلِّ أَنْمُلَةٍ ثُلُثُ عَقْلِهَا، إِلاَّ الإِبْهَامَ فِيْ كُلِّ أَنْمُلَةٍ نِصْفُ عَقْلِهَا»:

أي أن كل أنملة فيها ثلاث من الإبل وثلث، وكل أصبع من الأصابع فيه ثلاثة أنامل ما عدا الإبهام، ففيه أنملتان، فالدية تقسم على الاثنين، فيكون في كل مفصل نصف عشر الدية، يعني خمساً من الإبل.
(2)

قوله «وَفِيْ كُلِّ سِنٍّ خَمْسٌ مِنَ الإِبِلِ إِذَا لَمْ تَعُدْ»:

فدية السن خمس من الإبل لا فرق بين ضرس ولا ثنية، وهي نصف عشر الدية، لما ورد في كتاب عمرو بن حزم المتقدم: «وفِي السِّنِّ خَمسٌ مِنَ الإبِلِ».
واشترط المؤلف عدم عود السن مرة أُخرى فإن عادت فليس فيه شيء.
وكذلك الظفر فيه خمس من الإبل، هذا إذا لم يرجع الظفر، أما إذا=85

الجزء: 8 - الصفحة: 41

وَفِيْ مَارِنِ الأَنْفِ، وَحَلَمَةِ الثَّدْيِ، وَالكَفِّ، وَالقَدَمِ، وَحَشَفَةِ الذَّكَرِ، وَمَا ظَهَرَ مِنَ السِّنِّ، وَتَسْوِيْدِهَا دِيَةُ العُضْوِ كُلِّهِ (1)، وَفِيْ بَعْضِ ذلِكَ بِالْحِسَابِ مِنْ دِيَتِهِ (2)،  =رجع فليس فيه شيء إلا أن يكون فيه شيء من التشويه فيكون فيه حكومة كما تقدم.

(1)

قوله «وَفِيْ مَارِنِ الأَنْفِ، وَحَلَمَةِ الثَّدْيِ، وَالكَفِّ، وَالقَدَمِ، وَحَشَفَةِ الذَّكَرِ، وَمَا ظَهَرَ مِنَ السِّنِّ، وَتَسْوِيْدِهَا دِيَةُ العُضْوِ كُلِّهِ»:

سبق تعريف هذه المذكورات، فمتى تعدى عليها بجناية ففيها دية العضو كله، وذلك لأن قطع بعض عضو تتعطل به جل منفعته قطع له، فوجبت فيه الدية كاملة، فقطع مارن الأنف - مثلاًـ يذهب الجمال أشبه الأنف كله، وكذا حشفة الذكر لأن منفعته كمنفعة اليد بالأصابع، وحلمتي الثديين لأنه ذهب من الثديين ما تذهب المنفعة بذهابه فوجب دية كاملة، وفي كسر ظاهر السن ديته وهو ما ظهر من اللثة لأن ذلك هو المسمى سنا فيدخل في عموم النص، وهكذا.
(2)

قوله «وَفِيْ بَعْضِ ذلِكَ بِالْحِسَابِ مِنْ دِيَتِهِ»:

أي فإن كانت الجناية في بعض هذه المذكورات فإنها تكون بالحساب من ديته يقدر بالأجزاء كالثلث والربع ثم يؤخذ مثله من الدية، لأن ما وجبت الدية في جميعه وجبت في بعضه، فإن كان الذاهب النصف وجب نصف الدية، وان كان الثلث وجب ثلثها، وان كان أقل أو أكثر وجب بحساب ذلك، كما تقسط دية اليد على الأصابع.

الجزء: 8 - الصفحة: 42

وَفِي الأشل مِنَ اليَدِ وَالرِّجْلِ وَالذَّكَرِ، وَذَكَرِ الخَصِيِّ وَالعِنِّيْنِ، وَلِسَانِ الأَخْرَسِ، وَالعَيْنِ القَائِمَةِ، وَالسِّنِّ السَّوْدَاءِ، وَالذَّكَرِ دُوْنَ حَشَفَتِهِ، وَالثَّدْيِ دُوْنَ حَلَمَتِهِ، وَالأَنْفِ دُوْنَ أَرْنَبَتِهِ، وَالزَّائِدِ مِنَ الأَصَابِعِ وَغَيْرِهَا، حُكُوْمَةٌ 86،  (1)

قوله «وَفِي الأشل مِنَ اليَدِ وَالرِّجْلِ وَالذَّكَرِ، وَذَكَرِ الخَصِيِّ وَالعِنِّيْنِ، وَلِسَانِ الأَخْرَسِ، وَالعَيْنِ القَائِمَةِ، وَالسِّنِّ السَّوْدَاءِ، وَالذَّكَرِ دُوْنَ حَشَفَتِهِ، وَالثَّدْيِ دُوْنَ حَلَمَتِهِ، وَالأَنْفِ دُوْنَ أَرْنَبَتِهِ، وَالزَّائِدِ مِنَ الأَصَابِعِ وَغَيْرِهَا، حُكُوْمَةٌ»:

هذه جملة من الأعضاء التي تعطل النفع بها قبل الجناية عليها من قِبل الجاني، فمن ذلك اليد الشلاء وهي اليابسة التي ذهبت منها منفعة البطش وكذلك الرجل مثلها في الحكم قياساً عليها والعين القائمة التي ذهب بصرها وصورتها باقية كصورة الصحيحة والسن السوداء المتعطل نفعها، فأما إذا لم يتعطل ففيها ديتها كاملة، والذكر الأشل يعني المتعطل نفعه، وغير ذلك مما ذكره المؤلف، متى جني عليها إذا قطعت فإن فيها حكومة، كما هو مذهب جمهور العلماء، وهو أحد الروايتين (1) عن الإمام أحمد.
والرواية الثانية: أن في اليد الشلاء أو في السن السوداء وفي العين القائمة السادة محلها، أن في ذلك كله ثلث ديتها فاليد الشلاء فيها ثلث دية اليد الصحيحة، وهذا هو القول الراجح، ودليله: حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: «قَضَى رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فِي العَيْنِ القَائِمَةِ السَّادَّةِ لِمَكَانِهَا، أَي: البَاقِيَة فِي مَكَانهَا عَلَى مَا كَانتْ عَلَيه وَلَمْ يَذْهَب جْمَال=

الجزء: 8 - الصفحة: 43

وَفِيْ الأَشَلِّ مِنَ الأُذُنِ وَالأَنْفِ الأَخْشَمِ، وَأُذُنِ الأَصَمِّ دِيَتُهَا كَامِلَةً (1)،  =الوَجْه، لَكن ذَهَبَ إبصارهَا ثُلُثِ دِيَتِهَا، وَفِي اليَدِ الشَّلاءِ إِذَا قُطِعَتْ ثُلُثِ دِيَتِهَا، وَفِي السِّنِّ السَّودَاءِ إِذَا قُلِعَتْ ثُلُثُ دِيَتِهَا» (1). وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن عمر -رضي الله عنه- قال: «فِي العَيْنِ القَائِمَةِ، وَالسِّنِّ السَّودَاءِ، وَاليَدِ الشَّلاءِ ثُلُثُ دِيَتِهَا» (2)، ولأنها كاملة الصورة فكان فيها مقدر كالصحيحة.
وقوله: «حُكُوْمَةٌ»: الحكومة: أصلها من الحكم بمعنى القضاء، ومعناها: أن يقوَّم المجني عليه كأنه عبد لا جناية فيه، ثم يقوم وهي به قد برئت، فما نقص من القيمة فله مثله من الدية، والمراد دية النفس، فلو كانت قيمته وهو عبد صحيح عشرة آلاف، وقيمته وهو عبد به الجناية تسعة آلاف، فيكون فيه عُشر ديته، لأن الناقص واحد من عشرة، وهكذا.

(1)

قوله «وَفِيْ الأَشَلِّ مِنَ الأُذُنِ وَالأَنْفِ الأَخْشَمِ، وَأُذُنِ الأَصَمِّ دِيَتُهَا كَامِلَةً»:

أي متى جنى على هذه المذكورات فقد وجبت عليه الدية كاملة، وذلك لأن نفعها وجمالها باق بعد شللها، فإن منفعة الأذن جمع الصوت، ومنع دخول الماء، والهوام في صماخه، فإذا قطعها وجبت ديتها ولأنه قطع أذنا فيها الجمال والنفع فأشبه ما لو قطعها قبل الشلل,=8788

الجزء: 8 - الصفحة: 44

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  = والأنف الأشل كذلك لأنه قطع أنفاً فيه الجمال والنفع فوجبت ديته كغير الأشل، وأنف الأخشم - يعني الذي لا يشم - تجب ديته كما لو قطع أذن الأصم فإنه يجب ديتها كاملة لما ذكرناه.

الجزء: 8 - الصفحة: 45

بابُ الشِّجاجِ وَغَيْرِهَا

(1) الشِّجَاجُ هِيَ: جُرُوْحُ الرَّأْسِ وَالوَجْهِ (2). وَهِيَ تِسْعٌ (3)،  (1)

قوله «بابُ الشِّجاجِ وَغَيْرِهَا»:

أي في هذا الباب سأذكر لك جملة من الأحكام والمسائل التي تتعلق بالجناية، والاعتداء بالشجاج، وغير ذلك ككسر العظام.
(2)

قوله «الشِّجَاجُ هِيَ: جُرُوْحُ الرَّأْسِ وَالوَجْهِ»:

الشجاج: جمع شجة، تقول العرب: شج المفازة إذا قطعها، وأصل الشج في لغة العرب: القطع، و

الشجاج لا يكون إلا في الرأس والوجه

كما ذكر المؤلف، ومن هنا تختص بالجناية على الرأس والوجه، وتشمل الشجة ما كان في مقدم الرأس عند الناصية، وما كان في وسط الرأس عند الهامة، وما كان آخر الرأس، وكذلك أيضاً تشمل الشجة ما كان في أعراض الرأس، مثل أن تكون في العظم الذي يلي الأذن، سواءً من الأذن اليمنى أو اليسرى، فكل هذا تقع الجناية عليه وتسمى: بالشجة، فتارة تكون جرحاً للجلدة، وتارة تنفذ من الجلدة إلى اللحم، وتارة تنفذ من اللحم إلى العظم، وتارة تكسر العظم وتهشمه، وتارة تكسره وتهشمه وتنقله، وتارة تصل إلى خريطة الدماغ، كما إذا كانت الضربة في جهة الدماغ، هذا بالنسبة للشجاج في الرأس.
(3)

قوله «وَهِيَ تِسْعٌ»:

أي الشجات، أو الشجاج، أو الجنايات المتعلقة بالرأس والوجه تسع، وهذا إجمالٌ قبل البيان والتفصيل.
وهذه التسع منقسمة إلى قسمين: الخمس الأولى التي فيها الحكومة وليس فيها مقدر ولا دية، والباقي هي التي فيها مقدر.

الجزء: 8 - الصفحة: 46

أَوَّلُهَا الحَارِصَةُ: الَّتِيْ تَشُقُّ الجِلْدَ شَقًّا لا يَظْهَرُ مِنْهُ دَمٌ (1)، ثُمَّ البَازِلَةُ: الَّتِيْ يَنْزِلُ مِنْهَا دَمٌ يَسِيْرٌ (2)، ثُمَّ البَاضِعَةُ: الَّتِيْ تَبْضَعُ اللَّحْمَ بَعْدَ الجِلْدِ (3)، ثُمَّ الْمُتَلاحِمَةُ: الَّتِيْ أَخَذَتْ فِيْ اللَّحْمِ (4)،  (1)

قوله «أَوَّلُهَا الحَارِصَةُ: الَّتِيْ تَشُقُّ الجِلْدَ شَقًّا لا يَظْهَرُ مِنْهُ دَمٌ»:

الحارصة، وتسمى: القاشرة، وهي الجرح الذي يكون في الوجه أو الرأس، يقشر الجلد ولكنه لا يخرج معه الدم، فهي سهلة جداً كحكة الظفر، فلو أنه ضربه على رأسه ضربة قشرت جلدة الرأس ولم يخرج الدم منها، فهذه تسمى: بالحارصة وبالقاشرة.
فهذه فيها حكومة وليس فيها دية مقدرة عن الشرع.
(2)

قوله «ثُمَّ البَازِلَةُ: الَّتِيْ يَنْزِلُ مِنْهَا دَمٌ يَسِيْرٌ»:

هذا النوع الثاني: وهي ما تسمى بالبازلة أو الدامية أو الدامعة فهذه ثلاثة أسماء لها، فالدامعة هي أن يضربه على رأسه أو وجهه ضربة تقشر الجلد، ثم يخرج الدم ويسيل، وسميت دامعة، لأن الدم يخرج ويسيل مثل دمع العين، وسميت دامية، لأنها أدمته فأسالت الدم منه، وسميت البازلة، لأنها بزلت الدم فأخرجته.
(3)

قوله «ثُمَّ البَاضِعَةُ: الَّتِيْ تَبْضَعُ اللَّحْمَ بَعْدَ الجِلْدِ»:

هذا هو النوع الثالث، وهي الباضعة، وأصل البضع القطع، فالباضعة تقطع اللحم لكنها لا تغوص فيه، يعني: تأتي إلى مشارف اللحم فتقطع فيه.
(4)

قوله «ثُمَّ الْمُتَلاحِمَةُ: الَّتِيْ أَخَذَتْ فِيْ اللَّحْمِ»:

هذا هو النوع الرابع وهو المتلاحمة، ودرجتها فوق الباضعة، والشق فيها أمكن، ويأتي=

الجزء: 8 - الصفحة: 47

ثُمَّ السِّمْحَاقُ: الَّتِيْ بَيْنَهَا وَبَيْنَ العَظْمِ قِشْرَةٌ رَقِيْقَةٌ (1)، فَهَذِهِ الخَمْسُ لا تَوْقِيْتَ فِيْهَا، وَلا قِصَاصَ بِحَالٍ (2)،  =بالضربات الشديدة سواءً في الوجه أو في الرأس، وسواءً في الخطأ أو في العمد، فتبضع اللحم ثم تغوص فيه، كما لو ضربه بسكين أو بآلة حادة، وغاصت هذه السكين في لحمه دون أن تصل إلى العظم فهي متلاحمة.

(1)

قوله «ثُمَّ السِّمْحَاقُ: الَّتِيْ بَيْنَهَا وَبَيْنَ العَظْمِ قِشْرَةٌ رَقِيْقَةٌ»:

السِّمحاق: هي التي تقطع اللحم وتظهر الجلدة الرقيقة التي بين اللحم والعظم.
وهذه القشرة رقيقة أشبه بالماء أو بالزجاج حينما تظهر ترى العظم من ورائها، فسميت الشجة بها لوصولها إليها.
(2)

قوله «فَهَذِهِ الخَمْسُ لا تَوْقِيْتَ فِيْهَا، وَلا قِصَاصَ بِحَالٍ»:

أي أن هذه الخمس الجنايات المذكورات آنفاً لا مقدر فيها شرعاً فإنه لم يثبت ذلك عن الشارع، وللعلماء في هذه الخمس وجهان: الوجه الأول: أن هذه الخمس فيها الحكومة، وليس فيها تقديرٌ شرعي، وحينئذٍ نقدر هذه الجناية في المجني عليه، فننزله منزلة العبد ونقدره قبل الجناية، ثم نقدره بعد الجناية، ثم نوجب على الجاني أن يدفع الفرق بينهما، وهذه هي الحكومة وهو قول المؤلف هنا.
ثم هذا التقدير يتأثر فربما يأتي يضربه ضربة فيها حارصة فتشين وجهه، يعني: إذا شفي واندمل الجرح وبرئ تبقى آثار تشين الوجه؛ لأنها في الوجه تظهر، بخلاف ما إذا كانت في الرأس فهي مستترة، وللعلماء في =

الجزء: 8 - الصفحة: 48

ثُمَّ الْمُوْضِحَةُ، وَهِيَ الَّتِيْ وَصَلَتْ إِلى العَظْمِ، وَفِيْهَا خَمْسٌ مِنَ الإِبِلِ، وَالقِصَاصُ إِذا كَانَتْ عَمْدًا (1)،  =في هذا الشين وجهان: بعض العلماء يقول: تقدر الجناية حكومة، ثم يقدر الشين استقلالاً، يعني ينظر إلى أثر هذا الشين ويدفع له حقه فيه.
الوجه الثاني: إن هذه الخمس لها نسبة من الموضحة، إذا كان في الموضحة فيعطى خمساً من الإبل، فهذه الخمس نقسط الجناية التي دون الموضحة على حسبها، فنجعل لكل جناية من الجنايات قدراً ينزل عن حصة الخمس من الخمس، يعني: عن البعير، حتى تصل إلى حد الموضحة.
والوجه الأول هو الأظهر عندي.

(1)

قوله «ثُمَّ الْمُوْضِحَةُ، وَهِيَ الَّتِيْ وَصَلَتْ إِلى العَظْمِ، وَفِيْهَا خَمْسٌ مِنَ الإِبِلِ، وَالقِصَاصُ إِذا كَانَتْ عَمْدًا»:

شرع المؤلف ببيان الجناية على العظم، فإن وقعت الجناية، ووصلت إلى العظم ولم تصبه فإنها تكون الموضحة، أما لو وصلت إلى العظم فهشمته وكسرته كسراً يسيراً أو كثيراً متفاحشاً، منحصراً في الموضع، أو متفرقاً في نفس الموضع فإنه تكون الجناية بالهاشمة، وسيأتي بيانها قريباً.
والموضحة فيها خمس من الإبل، ودليل ذلك ما ثبت في حديث عمرو بن حزم المتقدم أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «دية الموضحة خمس من الإبل» 89.

الجزء: 8 - الصفحة: 49

ثُمَّ الْهَاشِمَةُ، وَهِيَ الَّتِيْ تُوْضِحُ العَظْمَ وَتُهَشِّمُهُ، وَفِيْهَا عَشْرٌ مِنَ الإِبِلِ (1)، ثُمَّ الْمُنَقِّلَةُ وَهِيَ الَّتِيْ تُوْضِحُ وَتُهَشِّمُ وَتَنْقُلُ عِظَامَهَا، وَفِيْهَا خَمْسَ عَشَرَةَ مِنَ الإِبِلِ (2)،  (1)

قوله «ثُمَّ الْهَاشِمَةُ، وَهِيَ الَّتِيْ تُوْضِحُ العَظْمَ وَتُهَشِّمُهُ، وَفِيْهَا عَشْرٌ مِنَ الإِبِلِ»:

الهاشمة: هي التي توضح العظم وتهشمه، والهشم الكسر للعظم، ويقال: هشم الشيء إذا فكَّه وكسره، فالهاشمة هي التي تهشم العظم في الوجه والرأس، وفيها عشر من الإبل.

وللعلماء في هذه العشر وجهان

: الوجه الأول: أن خمساً من العشر لكونها أوضحت العظم، والخمس الثانية؛ لأنها هشمت العظم.
الوجه الثاني: أن الهاشمة فيها عشرٌ من الإبل ولا يفصل.

و

فائدة الخلاف بين الوجهين

: أنه لو ضربه فهشم عظمه دون أن يجرحه، يعني هشم العظم داخل الجلد دون جرح، فعلى القول الأول لا يجب عليه إلا خمس من الإبل؛ لأنه لم يقع إلا الهشم، ولم تقع الموضحة، وعلى القول الثاني يجب عليه عشرٌ من الإبل، سواء كان هناك جرح وإيضاح للعظم، أو لم يكن هناك جرحٌ وإيضاح للعظم.
(2)

قوله «ثُمَّ الْمُنَقِّلَةُ وَهِيَ الَّتِيْ تُوْضِحُ وَتُهَشِّمُ وَتَنْقُلُ عِظَامَهَا، وَفِيْهَا خَمْسَ عَشَرَةَ مِنَ الإِبِلِ»:

المنَقَّلَة بتشديد القاف مع الكسر هي التي تنقل العظم من مكانه، فتفصله عن بعض حتى ينتقل، ويعرف ذلك الآن عن طريق الأشعة، وكانوا في القديم يعرفون ذلك بالسبر، ويلاحظون العظم=

الجزء: 8 - الصفحة: 50

ثُمَّ الْمَأْمُوْمَةُ وَهِيَ الَّتِيْ تَصِلُ إِلى جِلْدَةِ الدِّمَاغِ، وَفِيْهَا ثُلُثُ الدِّيَةِ (1)، فِيْ الجَائِفَةِ ثُلُثُ الدِّيَةِ، وَهِيَ الَّتِيْ تَصِلُ إِلى الجَوْفِ (2)،  =ويلاحظون انتقاله، ويكون ذلك من أهل الخبرة كالأطباء.
فإذا ضربه في رأسه أو ضربه في وجهه فكسر عظمه وانتقل هذا العظم المكسور، فإنه حينئذٍ يلزمه خمس عشرة من الإبل؛ ودليل ذلك حديث عمرو بن حزم المتقدم أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «وفي المنقّلة خمسة عشر من الإبل» (1).

(1)

قوله «ثُمَّ الْمَأْمُوْمَةُ وَهِيَ الَّتِيْ تَصِلُ إِلى جِلْدَةِ الدِّمَاغِ، وَفِيْهَا ثُلُثُ الدِّيَةِ»:

أُمُّ الشيء أصله، وأم الدماغ خريطة الدماغ، فإذا ضربه على دماغه ضربة أوضحت عظم الدماغ، فإنها يقال لها: مأمومة، وأم الدماغ.
وهذه غالباً ما تحدث أضراراً توجب الديات مثل أن تخرسه فلا يتكلم، أو يصبح أصمّ لا يسمع، خاصة إذا جاءت على مواضع الحواس، فالشاهد عندنا أنه إذا ضربه على دماغه ضربة كشفت خريطة الدماغ، فحينئذٍ يجب عليه ثلث الدية، وهذا قضاء رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في كتابه لعمرو بن حزم «أن المأمومة فيها ثلث الدية» (2).

(2)

قوله «فِيْ الجَائِفَةِ ثُلُثُ الدِّيَةِ، وَهِيَ الَّتِيْ تَصِلُ إِلى الجَوْفِ»:

الجائفة تكون في غير الرأس والوجه، فتكون جائفة في البطن، وجائفة في =9091

الجزء: 8 - الصفحة: 51

فَإِنْ خَرَجَتْ مِنْ جَانِبٍ آخَرَ، فَهِيَ جَائِفَتَانِ (1)، وَفِيْ الضَّلَعِ بَعِيْرٌ (2)،  =الصدر، وتكون الجائفة في ثغرة النحر، وتكون جائفة فيما بين السبيلين، وهذه الجائفة فيها ثلث الدية، فلو طعنه بسكين ودخلت السكين إلى جوفه فأبانت أحشاءه فهي جائفة، وهكذا لو ضربه من ظهره فأظهر عظمه فهي جائفة، ولو ضربه على صدره فأبان جوف الصدر فهي جائفة.

(1)

قوله «فَإِنْ خَرَجَتْ مِنْ جَانِبٍ آخَرَ، فَهِيَ جَائِفَتَانِ»:

قال ابن قدامة في المغني:

هذا هو قول أكثر أهل العلم

منهم.
قال ابن عبد البر: «لا أعلمهم يختلفون في ذلك، وحكي عن بعض أصحاب الشافعي أنه قال هي جائفة واحدة، وحكي أيضاً عن أبي حنيفة وهي قول في المذهب، وعللوا لذلك بقولهم لأن الجائفة هي التي تنفذ من ظاهر البدن إلى الجوف، وهذه الثانية إنما نفذت من الباطن إلى الظاهر» (1). والصحيح: هو القول الأول، فقد قضى بذلك أبو بكر -رضي الله عنه- بثلثي الدية، ولأنه أنفذه في موضعين فأشبه ما إذا كان من الظاهر إلى الباطن.

(2)

قوله «وَفِيْ الضَّلَعِ بَعِيْرٌ»:

أي لو كَسَرَ ضلعاً من المجني عليه ففيه بعير، وهذا مروي عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- حين كتب إلى عامله: أن في كل ضلع وترقوة بعيراً.
فإذا كسر أحد أضلع شخص فإنه يجب عليه ضمان الكسر ببعير، لكن=92

الجزء: 8 - الصفحة: 52

وَفِيْ التَّرْقُوَتَيْنِ بَعِيْرَانِ (1)، وَفِيْ الزَّنْدَيْنِ أَرْبَعَةُ أَبْعِرَةٍ (2)،  = لو أنه كسر هذا العظم أو هذا الضلع ثم برئ مستقيماً فلا إشكال، وإن برئ مشوهاً معوجاً ففيه وجهان للعلماء: الأول: أنه يأخذ فقط المقدر ولا شيء زائد.
الثاني: وهو الصحيح أن فيه حكومة في الشين، والحكومة في هذا تتبع الشين، وتتبع الضرر، وتتبع الألم، فلو أنه كسر الضلع أو مثلاً الترقوة فحصل شيء مثلاً في الترقوة كأن ينعقد العظم، ويصبح موضع الإصابة مثل الكرة عند الالتحام، فهذا الشين يقدر بحكومة، ينظر إليها أهل الخبرة، وسيأتي معنا الحكومة، فنقدر كم تضرر؟ وكم نسبة هذا الضرر؟ فيعطى حقه في ذلك.
لو حصل أيضاً ألم، حيث برئ ورجع العظم على صفته، ولكن يوجد ألم في الموضع إذا قام وإذا قعد، وإذا تنفس فينظر في هذا الألم، وقدر تضرره ويقدر له حقه.

(1)

قوله «وَفِيْ التَّرْقُوَتَيْنِ بَعِيْرَانِ»:

الترقوتان هما العظمان المحيطان بالعُنُق، ففي كل ترقوة بعير، وفي الثنتين بعيران.
(2)

قوله «وَفِيْ الزَّنْدَيْنِ أَرْبَعَةُ أَبْعِرَةٍ»:

الزندان: هما عند مفصل الكف مع الساعد، الزند الأعلى والأسفل، فهذان العظمان الناتئان هما زندا اليد وفي كل يد زندان، ففي الزندين أربعة أبعرة، وهذا له أصل من كتاب عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- أيضاً، فإنه كتب إلى عامله بذلك، ومن هنا عمل به جمهور العلماء رحمهم الله على أن فيه بعيرين.

الجزء: 8 - الصفحة: 53

وَمَا عَدَا هَذَا مِمَّا لا مُقَدَّرَ فِيْهِ، وَلا هُوَ فِيْ مَعْنَاهُ، فَفِيْهِ حُكُوْمَةٌ (1): وَهِيَ أَنْ يُقَوَّمَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ كَأَنَّهُ عَبْدٌ لا جِنَايَةَ بِهِ، ثَمَّ يُقَوَّمَ، وَهِيَ بِهِ قَدْ بَرَأَتْ، فَمَا نَقَصَ مِنْ قِيْمَتِهِ، فَلَهُ بِقِسْطِهِ مِنْ دِيَتِهِ (2)،  (1)

قوله «وَمَا عَدَا هَذَا مِمَّا لا مُقَدَّرَ فِيْهِ، وَلا هُوَ فِيْ مَعْنَاهُ، فَفِيْهِ حُكُوْمَةٌ»:

أي وما عدا ذلك من الجراح وكسر العظام ففيه حكومة.
(2)

قوله «وَهِيَ أَنْ يُقَوَّمَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ كَأَنَّهُ عَبْدٌ لا جِنَايَةَ بِهِ، ثَمَّ يُقَوَّمَ، وَهِيَ بِهِ قَدْ بَرَأَتْ، فَمَا نَقَصَ مِنْ قِيْمَتِهِ، فَلَهُ بِقِسْطِهِ مِنْ دِيَتِهِ»:

سبق تعريف الحكومة: وقلنا هي أن يقدر هذا المجني عليه وينزل منزلة العبد، فيقدر قبل الجناية ويقدر بعد الجناية، وينظر كم أنقصته الجناية من القيمة، وهذه النسبة تكون مقدرة من دية المجني عليه، وسميت بحكومة؛ لأنها راجعة إلى الحكام وهم القضاة، فلا يقدر هذا التقدير ولا يجتهد هذا الاجتهاد ولا يبين حكم هذه المسائل إلا الحكام والقضاة، ومن هنا وصفت بكونها حكومة.
وقوله: «ثَمَّ يُقَوَّمَ، وَهِيَ بِهِ قَدْ بَرَأَتْ» أي: بعد البرء فينظر ماذا حدث في الجسم أو في العضو من النقص؟ فإذا قوم قبل الجناية بمائة، ثم قوم بعد الجناية بخمس وتسعين أو بسبع وتسعين ونصف، فيكون قد نقص نصف نصف عشره، فيقدر ذلك القدر الذي نقص من الدية؛ لأنه لا تقدير في تلك الجناية.

- فائدة: في شروط صحة الحكومة في الأمور التي لا تقدير فيها:

يشترط في صحة الحكومة ما يلي: =

الجزء: 8 - الصفحة: 54

إِلاَّ أَنْ تَكُوْنَ الجِنَايَةُ عَلى عُضْوٍ فِيْهِ مُقَدَّرٌ، فَلا يُجَاوِزُ بِهِ أَرْشَ الْمُقَدَّرِ، مِثْلَ أَنْ يَشُجَّهُ دُوْنَ الْمُوْضِحَةِ، فَلا يَجِبُ أَكْثَرُ مِنْ أَرْشِهَا، أَوْ يَجْرَحُ أَنْمُلَةً، فَلا يَجِبُ أَكْثَرُ مِنْ دِيَتِهَا (1)،  =

الشرط الأول: أن تكون الجناية لا تقدير فيها في الشرع

، فهذا محل اتفاق على أن هذا الأمر - وهو الحكومة - يختص بالجنايات التي لا تقدير لها في الشرع، هذا أول شرط.

الشرط الثاني: أن يكون من يقدرها من ذوي الخبرة والنظر والمعرفة

،

الشرط الثالث: أن لا يبلغ التقدير أكثر من قيمة العضو الذي فيه الجناية.

(1) قوله «إِلاَّ أَنْ تَكُوْنَ الجِنَايَةُ عَلى عُضْوٍ فِيْهِ مُقَدَّرٌ، فَلا يُجَاوِزُ بِهِ أَرْشَ الْمُقَدَّرِ، مِثْلَ أَنْ يَشُجَّهُ دُوْنَ الْمُوْضِحَةِ، فَلا يَجِبُ أَكْثَرُ مِنْ أَرْشِهَا، أَوْ يَجْرَحُ أَنْمُلَةً، فَلا يَجِبُ أَكْثَرُ مِنْ دِيَتِهَا»: أي وإن كانت الحكومة في محل له مقدر، كاليد والرجل فإنه لا يُبلغ بها أرش المقدر، فإذا شجه دون الموضحة لم يبلغ بهذه الشجة دية الموضحة، وهي خمس من الإبل، فنعطيه خمساً من الإبل إلا قليلاً، وهكذا لو كانت في إصبع فإنه لا يُبلغ بها دية الإصبع.

الجزء: 8 - الصفحة: 55

بابُ كَفاَّرَةِ القَتْلِ

(1) وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا أَوْ ذِمِّيًّا بِغَيْرِ حَقٍّ، أَوْ شَارَكَ فِيْهِ، وفِيْ إِسْقَاطِ جَنِيْنٍ، فَعَلَيْهِ كَفَّارَةٌ (2)، أَوْ ذِمِّيًّا بِغَيْرِ حَقٍّ (3)،  (1)

قوله «بابُ كَفاَّرَةِ القَتْلِ»:

شرع المؤلف -رحمه الله- في هذا الباب ببيان كفارة القتل، وهذه الكفارة قد دل عليها قول الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُل مُؤْمِنًا إِلاَّ خَطَأً وَمَنْ قَتَل مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلاَّ أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ (1). (2)

قوله «وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا أَوْ ذِمِّيًّا بِغَيْرِ حَقٍّ، أَوْ شَارَكَ فِيْهِ، وفِيْ إِسْقَاطِ جَنِيْنٍ، فَعَلَيْهِ كَفَّارَةٌ»:

هذه بعض الصور التي تجب بها كفارة القتل: أولها أن يقَتَلَ مسلماً أو ذمياً بغير حق، أو يشارك في قتله فيجب عليه كفارة القتل، وهي عتق رقبة مؤمنة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، للآية السابقة، وقد أجمع العلماء على أن القاتل خطئًا عليه كفارة، سواء كان المقتول ذكراً أو أنثى، صغيراً أو كبيراً (2).

(3)

قوله «أَوْ ذِمِّيًّا بِغَيْرِ حَقٍّ»:

الذمي هو اليهودي أو النصراني ممن عقدت له الذمة، بأن يقيم في بلاد المسلمين مع دفع الجزية، فالإسلام مسيطر =9394

الجزء: 8 - الصفحة: 56

أَوْ شَارَكَ فِيْهِ (1)،  = عليه وخاضع لأحكامه، فهذا متى قتله المسلم خطأً أو شبه عمدٍ فعليه الكفارة، والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ (1)، والميثاق: هو العهد، والذمِّي له ميثاق.

(1)

قوله «أَوْ شَارَكَ فِيْهِ»:

أي أو شارك في القتل فعليه الكفارة، وعليه وعلى شريكه دية واحدة، فالدية واحدة والكفارة متعددة.
مثال ذلك: أن يصطدم اثنان بسيارتيهما وكلاهما مخطئ، وهذا يحصل كثيراً ويموت رجل بينهما، فعليهما دية واحدة وكفارتان، ولو مات شخصان فعليهما ديتان وأربع كفارات، وهكذا، وهذا هو القول الأول في المسألة، وهو مذهب الجمهور من أهل العلم، لأن الكفارة لا تتبعض، وهي من موجَب قتل الآدمي، فكُملت في حق كل واحد من المشتركين، بخلاف الدية فإنها تتبعض.
والقول الثانِي: أن على الجميع كفارة واحدة، وهي رواية عن أحمد، حكاها أبو الخطاب 96، لقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُل مُؤْمِنًا إِلاَّ خَطَأً وَمَنْ قَتَل مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ 97، قالوا: لفظ ﴿وَمَنْ﴾ =95

الجزء: 8 - الصفحة: 57

أَوْ فِيْ إِسْقَاطِ جَنِيْنٍ (1)، وَهِيَ تَحْرِيْرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ، فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ، تَوْبَةً مِنَ اللهِ (2)،  =يتناول الواحد والجماعة، ولم يوجب إلا كفارة واحدة ودية، والدية لا تتعدد فكذلك الكفارة.
وهذا القول في الحقيقة بالنسبة للعتق قد يقال: إنه ممكن، بأن يشتركا في شراء رقبة وعتقها، ولكن بالنسبة للصيام فغير ممكن؛ لأنه إذا صام شهراً، والآخر شهراً، لم يكن كل واحد منهما صام شهرين كفارة القتل، ولا يصدق عليه أنه صام شهرين، وهي كفارة القتل.
ولهذا فالأحوط في المسألة هو القول الأول، وهو أن على كل واحد كفارة مستقلة، سواء كانت عتقاً أو صياماً، وهذا هو اختيار شيخنا -رحمه الله- (1).

(1)

قوله «أَوْ فِيْ إِسْقَاطِ جَنِيْنٍ»:

أي وتجب الكفارة كذلك بإسقاط المرأة، فإذا جُني على امرأة فألقت جنينها ميتاً أو حياً، ثم مات فعلى الجاني الكفارة، لأنه قتل نفساً محرمة، أشبه قتل الآدمي بالمباشرة.
(2)

قوله «وَهِيَ تَحْرِيْرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ، فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ، تَوْبَةً مِنَ اللهِ»:

أي والواجب في هذه الكفارة عتق رقبة مؤمنة، فإن عجز فلم يجدها عدل إلى الصوم وهو صيام شهرين متتابعين ودليلها قول الله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلاَّ أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ=98

الجزء: 8 - الصفحة: 58

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا} (1).

ذكر بعض الفوائد

:

الفائدة الأولى: هل تجب الكفارة في قتل العمد؟

قولان للفقهاء: الأول: وجوب الكفارة في قتل العمد، لأنه إذا وجبت الكفارة في الخطأ ففي العمد من باب أولى؛ لأن العمد أشد إثماً، فإذا أوجب الله - عزّ وجل - الكفارة في الخطأ، فهو إشارة وإيماءٌ إلى وجوب الكفارة في العمد.
الثاني: أنه لا كفارة في العمد، واستدلوا بأن الله تعالى شرط لوجوب الكفارة أن يكون خطأ فقال: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً﴾، ثم أتى بعد ذلك بقوله: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾، فلم يجعل له شيئاً يقيه من النار، ولأن العمد أعظم جرماً من أن تدخله الكفارة، وليس فيه إلا هذا الوعيد الشديد، وهذا القول هو الصواب.

الفائدة الثانية: هل تجب الدية والكفارة على من قتل نفسه؟

نقول اختلف الفقهاء في هذه المسألة: فذهب الجمهور 100، وهو رواية عن أحمد 101 أن من قتل نفسه خطأ =99

الجزء: 8 - الصفحة: 59

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =لا تجب الدية بقتله ولا تحمل العاقلة ديته، لأن عامر بن الأكوع قتل نفسه خطأ ولم يأمر النبي -صلى الله عليه وسلم- فيه بكفارة، ولم يقض فيه بدية، ولو وجبت لبينه؛ ولأنه جنى على نفسه فلم يضمنه غيره كالعمد.
وقال الحنابلة في الأظهر من الروايتين 102: إن على عاقلته ديته لورثته إن قتل نفسه، أو أرش جرحه لنفسه إذا كان أكثر من الثلث، واستدلوا بأن رجلاً ساق حماراً فضربه بعصا كانت معه فطارت منها شظية ففقأت عينه فجعل عمر -رضي الله عنه- ديته على عاقلته، ولم يعرف له مخالف في عصره».
وأما بالنسبة للكفارة فقد قال الشافعي 103، والحنابلة 104: تجب فيه الكفارة.
وقال أبو حنيفة 105 ومالك 106: لا تجب؛ لأن الكفارة مشروطة بعدم القتل فإذا حصل القتل بطل الخطاب بها كما تسقط ديته عن العاقلة لورثته.
والأظهر عندي عدم وجوب الدية والكفارة على من قتل نفسه، وهذا هو قول الموفق 107، واختاره الشيخ السعدي 108.=

الجزء: 8 - الصفحة: 60

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =ويدل عليه حديث عامر بن الأكوع 109، فلم يوجب النبي -صلى الله عليه وسلم- الكفارة في ماله.

  • الفائدة الثالثة: تجب الكفارة كما سبق في حوادث السيارات لكل آدميٍّ معصوم ركب باختياره وإذن السائق، ومات بالحادث إذا حصل بتعدٍّ أو بتفريط: والتعدي: فعل ما لا يسوغ، كأن يحمل عليها حملاً يكون سبباً للحادث، أو يسرع بها سرعة تكون سبباً له.
    والتفريط: ترك ما يجب، كأن يتهاون في تعبئة العجلات بالهواء، أو تبديل غير الصالح، أو يتهاون في شَدِّ مسترخٍ يحتاج إلى شَدٍّ ونحو ذلك.
    فإن كان الحادث بتصرف من السائق يريد به السلامة من الخطر، كأن يقابله ما يخشى الضرر باصطدامه به، فينحرف ليتفادى الخطر، أو يكون الحادث بغير سبب منه، كأن ينفجر إطار السيارة، فلا كفارة عليه، لأنه في المسألة الأولى أمين قائم بما يجب عليه، وفي الثانية أمين لم يحصل منه تعدٍّ ولا تفريط، لأنه لم يكن منه تسبب في هذا الحادث.
    فإن كانت الإصابة في غير الركاب، وإنما هي بسبب من المصاب نفسه، كأن تقابله سيارة في خط سيره لا يمكن الخلاص منها، فلا ضمان على سائق السيارة، لأن المصاب هو الذي تسبب في قتل نفسه أو إصابته، وعلى سائق السيارة المقابلة الضمان لتعديه.
    =

الجزء: 8 - الصفحة: 61

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =فإن كانت الإصابة بسبب من المصيب، كأن يدهس شخصاً يسير أمامه في الطريق، أو يرجع إلى الوراء فيصيب شخصاً، فعليه كفارة القتل، والدية على العاقلة (1).

الفائدة الرابعة: لا تسقط الكفارة بعفو الورثة عن الدية

، لأن الكفارة حق لله تعالى، والدية حق الآدمي، ولا دخل لهذه في تلك 111.

  • الفائدة الخامسة: اختلف الفقهاء فيمن لا يستطيع الصيام: هل يجب عليه إطعام ستين مسكيناً، كما في كفارة الظهار؟ فمنهم من قال: يجب عليه الإطعام، لأنها كفارة فيها عتق وصيام، فكان فيها إطعام، وإنما لم يذكرها هنا، لأن هذا مقام تهديد وتخويف وتحذير، فلا يناسب أن يذكر فيه الإطعام، لما فيه من التسهيل والترخيص، وهذا رواية عن أحمد، وقول للشافعي 112. والقول الثانِي: لا يعدل إلى الإطعام، لأنه لو كان واجباً لما أُخِّرَ بيانه عن وقت الحاجة، وهذا هو المذهب، والأظهر عند الشافعية 113، وعلى هذا فيثبت الصيام في ذمته، ولا يجب شيء آخر، لكن إذا كان الذي وجب عليه الصيام كبيراً فإنه يسقط عنه، ولا يجب عليه الإطعام، لأن الله تعالى لم يوجبه في حالة عدم استطاعة الصيام، وإن كان مريضاً مرضاً لا يرجى=110

الجزء: 8 - الصفحة: 62

سَوَاءٌ كَانَ مُكَلَّفًا أَوْ غَيْرَ مُكَلَّفٍ (1)،  =برؤه فهو كالكبير، فإن كان ضعيفاً ضعفاً يمنعه من الصيام ولا يتضرر به فيبقى الصيام في ذمته، فمتى قدر عليه فعله، لأنه لا يكلف الله نفساً إلا وسعها.

الفائدة السادسة: القتل بحق لا كفارة فيه

: كقتل الباغي أو قتله دفعاً عن نفسه، أو قتله حداً أو قصاصاً، وغير ذلك، لأن هذا قتل مأذون فيه لم تجب فيه الكفارة.
(1)

قوله «سَوَاءٌ كَانَ مُكَلَّفًا أَوْ غَيْرَ مُكَلَّفٍ»:

أي تجب الكفارة على الجاني سواءً كان بالغاً عاقلاً أو غير بالغ أو غير عاقل، وهذا مذهب جمهور أهل العلم، واستدلوا لذلك بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ 114، فقوله «ومن» اسم شرط، وأسماء الشرط للعموم، فيشمل كل قاتل، حتى الصغير، والمجنون، والحر، والعبد، والذكر، والأنثى.
وأيضاً فإن الله أوجب الكفارة في الخطأ فدل ذلك على عدم اشتراط القصد، وإنما يشترط التكليف في العبادات من أجل القصد الصحيح، والصغير والمجنون لا قصد لهما فلا تجب عليهما العبادات، ووجوب الكفارة في القتل ليس من شرطها القصد بدليل وجوبها على المخطئ.
وذهب جماعة من العلماء: إلى أنه لا كفارة على الصغير والمجنون، قالوا: لأن الكفارة حق لله، وليست حقاً مالياً محضاً؛ لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: =

الجزء: 8 - الصفحة: 63

حُرًّا أَوْ عَبْدًا (1). فَلَوْ تَصَادَمَ نَفْسَانِ فَمَاتَا، فَعَلى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا كَفَّارَةٌ (2)،  = «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلاثَةٍ» (1)، ومنهم الصغير والمجنون، فلا تلزمهما الكفارة؛ لأنهما ليسا من أهل التكليف، وهذا هو الأقرب إلى الصواب.

فائدة: هل النائم مثل الصغير والمجنون؟

بمعنى أنه لو نامت امرأة على طفلها، ولم تشعر به فمات، فهل عليها كفارة؟ نعم؛ عليها الكفارة، فهي وإن كانت مرفوعاً عنها القلم، لأنها من أهل التكليف، والنوم مانع، وليس فوات شرط، بخلاف الصغير والمجنون فإن الصفة فيهما فوات شرط، وأما الصفة في النائمة فهي وجود مانع، وإلا فهي من أهل التكليف.

(1)

قوله «حُرًّا أَوْ عَبْدًا»:

أي وتجب الكفارة على الجاني سواءً كان حراً أو عبداً في قول أكثر أهل لعموم قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً﴾، ولأنه يجب بقتله القصاص في الجملة فوجب بقتله الكفارة كالحر، ولأنه مؤمن أشبه الحر.
(2)

قوله «فَلَوْ تَصَادَمَ نَفْسَانِ فَمَاتَا، فَعَلى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا كَفَّارَةٌ»:

أي إذا ارتطم رجلان، وكان كل واحد منهما مخطئاً، فماتا جميعاً فعلى كل واحد منهما الكفارة لأن كل واحد منهما قتل صاحبه بصدمته له فوجبت عليه كفارة كما لو لكمه فقتله.115

الجزء: 8 - الصفحة: 64

وَدِيَةُ صَاحِبِهِ عَلى عَاقِلَتِهِ (1)، وَإِنْ كَانَا فَارِسَيْنِ، فَمَاتَ فَرَسَاهُمَا فَعَلى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ضَمَانُ فَرَسِ الآخَرِ (2)، وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا وَاقِفًا وَالآخَرُ سَائِرًا، فَعَلى السَّائِرِ ضَمَانُ دَابَّةِ الوَاقِفِ، وَعَلى عَاقِلَتِهِ دِيَتُهُ (3)،  (1) قوله «وَدِيَةُ صَاحِبِهِ عَلى عَاقِلَتِهِ»: أي وعلى عاقلة كل واحد منهما دية صاحبه لأن كل واحد منهما مات من صدمة صاحبه.
(2) قوله «وَإِنْ كَانَا فَارِسَيْنِ، فَمَاتَ فَرَسَاهُمَا فَعَلى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ضَمَانُ فَرَسِ الآخَرِ»: أي وإن كان المتصادمان فارسين فاصطدما جميعاً فمات فرسهما فعلى كل واحد منهما ضمان فرس صاحبه لأن التلف حصل بفعليهما فيستويان في الضمان سواء استوى فعلاهما أو اختلف.
وقال بعض الفقهاء: يجب على كل واحد منهما نصف قيمة دابة الآخر لأنهما استويا في الاصطدام فكل منهما مات في الفعلين فوجب على كل واحد نصف قيمة دابة الآخر كما لو جرح كل واحد منهما نفسه وجرح صاحبه.
والصواب: أن يقال أنه يجب على المتصادمين أو على عاقلتهما من الدية والضمان بقدر خطأ كل منهما، لأن الإنسان لا يلزمه إلا بقدر ما أخطأْ فيه، ولا يكلف شيئاً من جناية غيره.

(3)

قوله «وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا وَاقِفًا وَالآخَرُ سَائِرًا، فَعَلى السَّائِرِ ضَمَانُ دَابَّةِ الوَاقِفِ، وَعَلى عَاقِلَتِهِ دِيَتُهُ»:

أي وإن كان أحد المصطدمين واقفاً أو قاعداً والآخر سائراً فضمان دابة الواقف أو القاعد على السائر لأنه الصادم المتلف، وديتهما أي الواقف والقاعد على عاقلته أي السائر لحصول التلف بصدمه.
وإن انحرف الواقف فصادفت الصدمة انحرافهما كالسائرين =

الجزء: 8 - الصفحة: 65

إِلاَّ أَنْ يَكُوْنَ الوَاقِفُ مُتَعَدِّياًّ بِوُقُوْفِهِ، كَالقَاعِدِ فِيْ طَرِيْقٍ ضَيِّقٍ، أَوْ مِلْكِ السَّائِرِ (1)، عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ وَضَمَانُ السَّائِرِ وَدَابَّتِهِ، وَلا شَيْءَ عَلى السَّائِرِ وَلا عَلى عَاقِلَتِهِ (2). وَإِذَا رَمَى ثَلاثَةٌ بِالْمَنْجَنِيْقِ، فَقَتَلَ الحَجَرُ مَعْصُوْمًا، فَعَلى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ كَفَّارَةٌ (3)،  = «كما لو كانا» أي الواقف والقاعد «بطريق ضيق مملوك لهما» وصدمهما السائر فيضمنهما وما يتلف من مالهما لتعديه بسلوكه في ملك غيره بلا إذنه و «لا» يضمنهما ولا ما تلف لهما السائر.

(1)

قوله «إِلاَّ أَنْ يَكُوْنَ الوَاقِفُ مُتَعَدِّياًّ بِوُقُوْفِهِ، كَالقَاعِدِ فِيْ طَرِيْقٍ ضَيِّقٍ، أَوْ مِلْكِ السَّائِرِ»:

أي فإن كان الواقف متعدياً بوقوفه كالقاعد بطريق ضيق أو واقفاً في ملك السائر وصدمه السائر فلا يضمنه السائر؛ لتعديه بالوقوف في الطريق الضيق أو بتعديه بالوقوف في ملك غيره.
(2)

قوله «عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ وَضَمَانُ السَّائِرِ وَدَابَّتِهِ، وَلا شَيْءَ عَلى السَّائِرِ وَلا عَلى عَاقِلَتِهِ»:

أي فإن كان المصاب بالاصطدام هو السائر فيجب على المتعدي بالوقوف أو القعود ضمان ما أتلفه في السائر ودابته، ولا شيء على السائر ولا على عاقلته، لأن السائر لم يتعد، وإنما المتعدي هو الواقف.
(3)

قوله «وَإِذَا رَمَى ثَلاثَةٌ بِالْمَنْجَنِيْقِ، فَقَتَلَ الحَجَرُ مَعْصُوْمًا، فَعَلى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ كَفَّارَةٌ»:

المنجنيق بمنزلة المدفع الآن، وقد كانوا في الأول يضعون المنجنيق بين خشبتين وعليهما خشبة معترضة، وفيها حبال قوية، ثم يُجعل الحجر بحجم الرأس أو نحوه في شيء مقبب، ثم يأتي رجال أقوياء يشدونه ثم يطلقونه، وإذا انطلق الحجر انطلق بعيداً، =

الجزء: 8 - الصفحة: 66

وَعَلى عَاقِلَتِهِ ثُلُثُ دِيَتِهِ (1)، وَإِنْ قُتِلَ أَحَدُهُمْ فَكَذلِكَ، إِلاَّ أَنَّهُ يَسْقُطُ ثُلُثُ دِيَتِهِ فِيْ مُقَابَلَةِ فِعْلِهِ (2)،  =فكانوا يستعملونه في الحروب، فإذا اشترك ثلاثة برمي هذا الحجر فأصاب معصوماً، فقد وجب على كل واحد من هؤلاء الثلاثة الكفارة لقوله سبحانه: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ , ولأن كل واحد منهم مشارك في إتلاف آدمي معصوم

(1)

قوله «وَعَلى عَاقِلَتِهِ ثُلُثُ دِيَتِهِ»:

أي وعلى عاقلة كل واحد منهم ثلث الدية، لأنه ليس لكل قتيل سوى دية واحدة فيشتركون فيها جميعاً يكون على عاقلة كل واحد منهم ثلثها.
(2)

قوله «وَإِنْ قُتِلَ أَحَدُهُمْ فَكَذلِكَ، إِلاَّ أَنَّهُ يَسْقُطُ ثُلُثُ دِيَتِهِ فِيْ مُقَابَلَةِ فِعْلِهِ»:

أي إذا اشترك ثلاثة في الرمي، فأصيب أحد هؤلاء الثلاث أثناء الرمي فَقُتِل فإنه لم تسقط الكفارة عنه، لأنه شارك في قتل نفسه والكفارة تجب بحق الله تعالى فوجبت عليه بالمشاركة في قتل نفسه كما تجب بالمشاركة في قتل غيره.
وأما الدية ففيها ثلاثة أوجه: أحدها: أن على عاقلة كل واحد منهم ثلث الدية، ويجب ثلثها على عاقلة المقتول لورثته، وهذا ينبني على إحدى الروايتين في أن جناية المرء على نفسه خطأ تحملها عاقلته.
الوجه الثاني: أن ما قابل فعل المقتول هدر لا تضمنه العاقلة ولا غيرها ويجب الثلثان الباقيان على عاقلة شريكيه وهذا ينبني على الرواية =

الجزء: 8 - الصفحة: 67

وَإِنْ كَانُوْا أَكْثَرَ مِنْ ثَلاثَةٍ، سَقَطَتْ حِصَّةُ القَتِيْلِ وَبَاقِيْ الدِّيَةِ فِيْ أَمْوَالِ البَاقِيْنَ (1).  =الأخرى في أن جناية الإنسان على نفسه هدر.
الوجه الثالث: أن يلغى فعل المقتول في نفسه وتجب ديته بكمالها على عاقلة الآخرين.
والأظهر عندي كما سبق عدم وجوب الكفارة على من قتل نفسه، ويدل عليه حديث عامر بن الأكوع، فلم يوجب النبي -صلى الله عليه وسلم- الكفارة في ماله (1).

(1)

قوله «وَإِنْ كَانُوْا أَكْثَرَ مِنْ ثَلاثَةٍ، سَقَطَتْ حِصَّةُ القَتِيْلِ وَبَاقِيْ الدِّيَةِ فِيْ أَمْوَالِ البَاقِيْنَ»:

أي فإن كان المشاركون في القتل عن طريق الرمي بالمنجنيق أكثر من ثلاثة والمقتول واحد منهم، سقطت حصة القتيل، وباقي الدية في أموال الباقين من الرماة ولا يتحمل العاقلة شيء من الدية لأنها أقل من الثلث وما كان أقل من الثلث في الدية فلا تحمله العاقلة لأنه قليل وقد سبق بيان ذلك.116

الجزء: 8 - الصفحة: 68

بابُ القَسَامَةِ

(1)  (1)

قوله «بابُ القَسَامَةِ»:

القَسَامَةُ، بالفتح: اسم القسم أقيم مقام المصدر من قولهم: أقسم إقساماً، وقسامة، والقسامة: هي اليمين، سميت بذلك، لأنها تقسم اليمين على أولياء الدم، يقال: قُتل فلان بالقسامة: إذا اجتمع الأولياء وادعوا على رجل أنه قتل صاحبهم، وحلفوا خمسين يميناً.
وشرعاً: أيمان مكررة في دعوى قتل معصوم.
فقولنا: «أيمان مكررة»: أي لابد أن تتكرر اليمين في القسامة بخلاف سائر الدعاوى، وذلك لعظم شأن الدماء.
وقولنا: «في قتل»: يفيد أنه لا قسامة فيما دون النفس من الأطراف والجراح، لأن القسامة ثبتت في النفس لحرمتها، فاختصت بها دون الأطراف، ولأنها ثبتت لأن المجني عليه لا يمكنه التعبير عن نفسه وتعيين قاتله، ومن قطع طرفه يمكنه ذلك.
وقولنا: «معصوم»: يخرج به غير معصوم الدم كالمرتد، وهذا يدل على أنه لا أيمان ولا دعوى أصلاً في قتيل غير معصوم.

ذكر بعض الفوائد

:

- الفائدة الأُولى: ذهب جمهور الفقهاء إلى أن القسامة مشروعة:

وأنه يثبت بها القصاص أو الدية إذا لم تقترن الدعوى ببينة أو إقرار، ووجد اللوث، واستدلوا على مشروعيتها بحديث سهل بن أبي حَثْمَةَ -رضي الله عنه- قال: انْطَلَقَ عَبْدُ اللَّهِ بنُ سَهْلٍ، وَمُحَيِّصَةُ بنُ مَسْعُودِ، إِلَى خَيبَرَ - وَهِيَ يَومَئِذٍ=

الجزء: 8 - الصفحة: 69

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =صُلحٌ - فَتَفَرَّقَا، فَأَتَى مُحَيِّصَةُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بنِ سَهْلٍ، وَهُوَ يَتَشَحَّطُ فِي دَمِهِ قَتِيلاً فَدَفَنَهُ، ثُمَّ قَدِمَ المَدِينَةَ، فَانْطَلَقَ عَبْدُالرَّحْمَنِ بنُ سَهْلٍ وَمُحَيِّصَةُ وَحُوَيِّصَةُ ابْنَا مَسْعُودٍ إِلَى النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم-، فَذَهَبَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ يَتَكَلَّمُ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: «كَبِّرْ كَبِّر» - وَهُوَ أَحْدَثُ القَومِ - فَسَكَتَ -، فَتَكَلَّمَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: «أَتَحْلِفُونَ، وَتَسْتَحِقُّونَ قَاتِلَكُمْ، أَو صَاحِبَكُمْ؟ » قَالُوا: كَيفَ نَحْلِفُ، وَلَمْ نَشْهَدْ، وَلَمْ نَرَ، قَالَ: «فَتُبْرِئُكُمْ يَهُودُ بأَيْمَانِ خَمْسِينَ مِنهم» فَقَالُوا: كَيفَ نَأْخُذُ أَيْمَانَ قَومٍ كُفَّارٍ؟ فَعَقَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - مِنْ عِنْدِهِ»، وفي رواية فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «يُقْسِمُ خَمْسُونَ مِنْكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ، فَيُدْفَعُ بِرُمَّتِهِ؟ » قَالُوا: أَمْرٌ لَمْ نَشْهَدْهُ كَيفَ نَحْلِفُ؟ قَالَ: «فَتُبْرِئُكُمْ يَهُودُ بِأَيْمَانِ خَمْسِينَ مِنْهُمْ» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ قَومٌ كُفَّارٌ؟ فَوَدَاهُ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - مِنْ قِبَلِهِ»، وفي رواية أخرى: «فَكَرِهَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- أَنْ يُبْطِلَ دَمَهُ، فَوَدَاهُ مِائَةً مِنْ إِبِلِ الصَّدَقَةِ» 117. وذهب بعض أهل العلم 118، إلى عدم الأخذ بالقسامة، وعدم وجوب العمل بها؛ لأنها مخالفة لأصول الشرع المجمع على صحتها.
ومن هذه الأصول: أن لا يحلف أحد إلا على ما علم قطعاً أو شاهد حسًّا، وإذا كان كذلك فكيف يقسم أولياء الدم وهم لم يشاهدوا القاتل، بل قد يكونون في بلد والقاتل في بلد آخر، واستدلوا على =

الجزء: 8 - الصفحة: 70

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =ذلك بحديث: «لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ لادَّعَى نَاسٌ دِمَاءَ رِجَالٍ وَأَمْوَالَهُمْ وَلَكِنَّ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ» (1). والراجح: هو ما ذهب إليه جمهور الفقهاء من الصحابة والتابعين وفقهاء الأمصار من أن القسامة مشروعة، ويثبت بها القصاص أو الدية لما ذكرناه من هذه الأدلة السابقة.

الفائدة الثانية: الحكمة في مشروعية القسامة

: قال الفقهاء: شرعت القسامة لصيانة الدماء وعدم إهدارها، حتى لا يهدر دم في الإسلام، وكي لا يفلت مجرم من العقاب.
قال علي لعمر رضي الله عنهما فيمن مات من زحام يوم الجمعة، أو في الطواف: «يا أمير المؤمنين لا يطل دم امرئ مسلم، إن علمت قاتله، وإلا فأعطه ديته من بيت المال» 120. فالشريعة الإسلامية تحرص أشد الحرص على حفظ الدماء وصيانتها وعدم إهدارها، ولما كان القتل يكثر بينما تقل الشهادة عليه؛ لأن القاتل يتحرى بالقتل مواضع الخلوات، جعلت القسامة حفظا للدماء 121.119

الجزء: 8 - الصفحة: 71

رَوَى سَهْلُ بْنُ أَبِيْ حَثْمَةَ، وَرَافِعُ بْنُ خَدِيْجٍ: أَنَّ مُحَيِّصَةَ، وَعَبْدَ اللهِ بْنَ سَهْلٍ انْطَلَقَا قَبْلَ خَيْبَرَ فَقُتِلَ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَهْلٍ، فَاتُّهِمَ اليَهُوْدُ بِهِ، فَقَالَ رَسُوْلُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: «يُقْسِمُ خَمْسُوْنَ مِنْكُمْ عَلى رَجُلٍ مِنْهُمْ، فَيُدْفَعُ بِرُمَّتِهِ» فَقَالُوْا: أَمْرٌ لَمْ نَشْهَدْهُ، فَكَيْفَ نَحْلِفُ؟ قَالَ: «فَتُبَرِّئُكُمْ يَهُوْدٌ بِأَيْمَانِ خَمْسِيْنَ مِنْهُمْ» قَالُوْا: قُوْمٌ كُفَّارٌ، فَوَدَاهُ رَسُوْلُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - مِنْ قِبَلِهِ» (1):  -

الفائدة الثالثة: صفة القسامة

: هي أن يدعي قومٌ أن مورِّثَهم قتله فلان، ويحلفون على أنه هو القاتل، ويكررون الأيمان، فإذا فعلوا ذلك وتمت شروط القسامة أُعطي المدَّعَى عليه لهؤلاء يقتلونه، فليس فيها بيِّنة، وإنما فيها هذه الأيمان فقط.
مثال ذلك: ادعى ورثة زيد على شخص بأنه هو الذي قتل مورثهم، فقال الشخص: لم أقتله، وقالوا: بل أنت القاتل، ثم تحاكموا إلى القاضي، فقال لهم: أتحلفون على هذا أنّه قتل مُورِّثكم؟ قالوا: نعم، نحلف، فإذا حلفوا خمسين يميناً على هذا الرجل أنه قاتل مورثهم، أُخذ وقتل.

122

قوله «رَوَى سَهْلُ بْنُ أَبِيْ حَثْمَةَ، وَرَافِعُ بْنُ خَدِيْجٍ: أَنَّ مُحَيِّصَةَ، وَعَبْدَ اللهِ بْنَ سَهْلٍ انْطَلَقَا قَبْلَ خَيْبَرَ فَقُتِلَ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَهْلٍ، فَاتُّهِمَ اليَهُوْدُ بِهِ، فَقَالَ رَسُوْلُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: «يُقْسِمُ خَمْسُوْنَ مِنْكُمْ عَلى رَجُلٍ مِنْهُمْ، فَيُدْفَعُ بِرُمَّتِهِ» فَقَالُوْا: أَمْرٌ لَمْ نَشْهَدْهُ، فَكَيْفَ نَحْلِفُ؟ قَالَ: «فَتُبَرِّئُكُمْ يَهُوْدٌ بِأَيْمَانِ خَمْسِيْنَ مِنْهُمْ» قَالُوْا: قُوْمٌ كُفَّارٌ، فَوَدَاهُ رَسُوْلُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - مِنْ قِبَلِهِ»

(1): هذا الحديث بجميع طرقه التي سبق بيانها هو العمدة في باب القسامة ولأهميته نتعرف على بعض الأحكام المتعلقة به.
=

الجزء: 8 - الصفحة: 72

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  = 1 - هذا الحديث أًصل في مسألة القسامة كما سبق.
2 - أنه لابد في صحة دعوى المدَّعِي من قرينة العداوة بين المقتول والمدعى عليه، وهو ما يسمى «باللوث»، فإن لم يكن ثَمَّ عداوة، فلا قسامة، وسيأتي في ثنايا الشرح مزيد إيضاح لهذه المسألة مع ذكر الخلاف فيها وبيان الراجح من الأقوال.
3 - دعوى القسامة خالفت سائر الدعاوى بأمور: الأول: أن اليمين توجهت على المدعي، وبقية الدعاوى، البينة على المدَّعي واليمين على المدعى عليه المنكر.
الثاني: أنه يبدأ بأيمان المدعي أو المدعين، إن كانوا أكثر.
الثالث: تكرير اليمين، وفي سائر الدعاوى يمين واحدة.
4 - إذا وجد القتيل المجهول القاتل، ووجدت القرائن على قاتله، حلف أولياء المقتول خمسين يميناً على صحة دعواهم، فيستحقون دم المدعى عليه إذا كان القتل عمداً محضاً، وإن كان القتل غير عمد وثبت القود على المتهم فعليه الدية.
5 - إذا نكل المدعون عن الدعوى، أو كانوا من غير أهل الأيمان «النساء والصبيان» توجهت الأيمان على المتهمين في القتل فيحلفون خمسين يمينا، أنهم لم يقتلوه، وأنهم لا يعلمون قاتله فإذا حلفوا برئوا، وإن نكلوا، أُدِينُوا بصدق الدعوى عليهم.
6 - إذا نكل أولياء المقتول عن الأيمان، وحلف المدعى عليهم فحينئذ=

الجزء: 8 - الصفحة: 73

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =تكون دية القتيل من بيت المال، حتى لا يضيع دمه.
ومثله المقتول في زحام حج، أو مسجد، أو حفل، أو وجد مقتولاً ولا يعلم قاتله، ولا تدل القرائن على قاتل.
كل هؤلاء ونحوهم تكون دياتهم من خزينة الدولة.
7 - أن اليمين تكون في جانب الأقوى من المتخاصمين.
ففي «دعوى القسامة» توجهت الأيمان على أولياء المقتول أولاً، لأن جانبهم تقوى بالقرائن الدالة على صحة دعواهم في قتل صاحبهم.
والقرائن إذا قويت، فإنها من البينات الواضحة.
فإن نكلوا عن الأيمان، دل نكولهم على قوة جانب المدعى عليهم فيحلفون ويبرأون من التهمة.
8 - استحباب تقديم الأكبر سنا في الأمور، لما له من شرف السن، وكثرة العبادة، وممارسة الأمور، وكثرة الخبرة 9 - قوله: «فوداه بمائة من إبل الصدقة»: استدل به من يقول بجواز صرف الزكاة في المصالح العامة، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿وَفِي سَبِيل الله﴾، فسبيل الله، كل مصلحة عامة، فيها نفع للمسلمين.
وقد ذكرنا الخلاف في هذه المسألة مع بيان الراجح فيها في كتاب الزكاة.
10 - جواز الوكالة في المطالبة بالحدود.
11 - وفيه دليل على رد اليمين على المدَّعِي من المدَّعَى عليه، أو عند نكول المدعي عليه.
12 - وعلى أن الدعوى بين المسلم والذمي، كالدعوى بين المسلمين، وأن الأيمان تُقَبل من الكفار.

الجزء: 8 - الصفحة: 74

فَمَتىَ وُجِدَ قَتِيْلٌ، فَادَّعَى أَوْلِيَاؤُهُ عَلى رَجُلٍ قَتْلَهُ، وَكَانَتْ بَيْنَهُمْ عَدَاوَةٌ وَلَوْثٌ، كَمَا كَانَ بَيْنَ الأَنْصَارِ، وَأَهْلِ خَيْبَرَ، أَقْسَمَ الأَوْلِيَاءُ عَلى وَاحِدٍ مِنْهُمْ خَمْسِيْنَ يَمِيْنًا، وَاسْتَحَقُّوْا دَمَهُ (1)،  (1)

قوله «فَمَتىَ وُجِدَ قَتِيْلٌ، فَادَّعَى أَوْلِيَاؤُهُ عَلى رَجُلٍ قَتْلَهُ، وَكَانَتْ بَيْنَهُمْ عَدَاوَةٌ وَلَوْثٌ، كَمَا كَانَ بَيْنَ الأَنْصَارِ، وَأَهْلِ خَيْبَرَ، أَقْسَمَ الأَوْلِيَاءُ عَلى وَاحِدٍ مِنْهُمْ خَمْسِيْنَ يَمِيْنًا، وَاسْتَحَقُّوْا دَمَهُ»:

هذه هي

الشروط المعتبرة في القسامة

.

فالشرط الأول: هو اتفاق أولياء المقتول في الدعوى

، فإن ادعى بعضهم وأنكر بعض لم تثبت القسامة، لأنه دعوى قتل، فاشترط اتفاق جميع الأولياء، كالقصاص في غير القسامة، كما لو قال القتيل قبل موته: قتلني فلان عمداً، وقالوا: بل قتله خطأ أو العكس، فإنه لا قسامة لهم وبطل حقهم، وليس لهم أن يرجعوا إلى قول الميت بعد ذلك، ولا يجابون لذلك، لأنهم كذبوا أنفسهم.

الشرط الثاني: أن يكون هناك لوث

: واللوث هو الجراحات والمطالبات بالأحقاد، وهو في الاصطلاح: أمر ينشأ عنه غلبة الظن بصدق المدعي.
واختلفت الرواية في المذهب 123 في اللوث المشترط في القسامة.
فالرواية الأولى: وهي المذهب أن اللوث هو العداوة الظاهرة كنحو ما كان بين الأنصار وأهل خيبر، وكما بين القبائل التي يطلب بعضها بعضاً بثأر، وما بين الشرط واللصوص، وكل من بينه وبين المقتول ضغن=

الجزء: 8 - الصفحة: 75

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  = يغلب على الظن قتله.
والرواية الثانية: أن اللوث ما يغلب على الظن صدق المدعي وذلك من وجوه.
أحدها: العداوة المذكورة.
الثاني: أن يتفرق جماعة عن قتيل.
الثالث: أن يوجد قتيل لا يوجد بقربه إلا رجل معه سيف أو سكين ملطخ بالدم، ولا يوجد غيره ممن يغلب على الظن أنه قتله.
الرابع: أن يقتتل فئتان فيفترقون عن قتيل من إحداهما فاللوث على الأخرى.
الخامس: أن يشهد جماعة بالقتل ممن لا يثبت القتل بشهادتهم.
واختار هذه الرواية شيخ الإسلام ابن تيمية، قال صاحب الإنصاف: «وهو الصواب» 124، ووجه تفسير اللوث بذلك لأن غلبة الظن مُنَزَّلةٌ مَنْزِلة العلم في كثير من المواضع، فلأن تُنَزَّلَ منْزلة العداوة الظاهرة بطريق الأولى، قال الحافظ ابن حجر: «اتفقوا على أنها لا تجب القسامة لمجرد دعوى الأولياء حتى تقترن بها شبهة يغلب على الظن الحكم بها» 125. وقوله: «أَقْسَمَ الأَوْلِيَاءُ عَلى وَاحِدٍ مِنْهُمْ خَمْسِيْنَ يَمِيْنًا، وَاسْتَحَقُّوْا دَمَهُ» هذه كيفية القسامة وهي: أن يحلف المدعي على تعيين القاتل خمسين=

الجزء: 8 - الصفحة: 76

فَإِنْ لَمْ يَحْلِفُوْا حَلَفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ خَمْسِيْنَ يَمِيْنًا، وَبَرِئَ (1)،  = يميناً، تعظيماً لشأن الدم، فإذا حلف، استحق دم الذي يزعم أنه القاتل، إن كان القتل عمداً، أو استحق الدية إن كان خطأ.

(1)

قوله «فَإِنْ لَمْ يَحْلِفُوْا حَلَفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ خَمْسِيْنَ يَمِيْنًا، وَبَرِئَ»:

أي فإن امتنع الورثة من الحلف خمسين يميناً، وقالوا: لا نحلف على شيء لم نره، أو عن بعضها، أو كان الورثة نساء، لأن النساء لا مدخل لهن في القسامة، لقوله -صلى الله عليه وسلم-: «يُقْسِمُ خَمْسُونَ رَجُلاً» حلف المدعى عليه خمسين يميناً، وبرئ من التهمة، لقوله -صلى الله عليه وسلم-: «فَتُبْرِئُكُمْ يَهُودُ بِخَمْسِينَ يَمِيناً» 126. أي: يخلصونكم من الأيمان، بأن يحلفوا خمسين يميناً، فإذا حلفوا انتهت الخصومة، ولم يثبت عليهم شيء، وخلصتم أنتم من اليمين.
وظاهر كلام المؤلف -رحمه الله-: «حَلَفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ خَمْسِيْنَ يَمِيْنًا» أنه يُبدأ بأيمان المدعين، وأنه إن كان الوارث واحداً حلف خمسين يميناً، لأن أيمان القسامة أيمان في دعوى، فلم تشرع في حق غير الوارث، كسائر الأيمان، ولأن الوارث الواحد قائم مقام الجماعة في استحقاق الدية، فكذلك يجب أن يقوم مقامهم في الأيمان، وهذا هو المذهب.
والقول الثانِي: أنه لابد من خمسين رجلاً، سواء كانوا وارثين أم لا، على كل واحد منهم يمين، لقوله -صلى الله عليه وسلم- للأنصار: «يَحلِفُ خَمْسُونَ مِنْكُمْ» ولم يقل: تحلفون خمسين يميناً، مع علمه -صلى الله عليه وسلم- أنه لم يكن لعبد الله بن سهل -رضي الله عنه- منهم خمسون رجلاً وارثاً، لأنه لا يرثه إلا أخوه أو مَن هو في درجته=

الجزء: 8 - الصفحة: 77

فَإِنْ نَكَلُوْا فَعَلَيْهِمُ الدِّيَةُ (1)،  = أو أقرب منه نسباً، ولأنه خاطب بذلك ابني عمه، وهما غير وارثين، ولأن هذا أحوط وأبلغ، لأن هؤلاء الجماعة، أو القبيلة إذا علموا أنه لا بد أن يحلف خمسون منهم، قد ينصح بعضهم بعضاً، ويقول: اتق الله ولا تؤثمنا مثلاً، وحينئذٍ يكون فيه فائدة ومصلحة.
وهذا القول الأقرب إلى ظاهر الأدلة، أنه لا بد من حَلِف خمسين رجلاً.

(1)

قوله «فَإِنْ نَكَلُوْا فَعَلَيْهِمُ الدِّيَةُ»:

أي إذا قال الورثة لا نحلف على شيء لم نره، فتوجه اليمين إلى المدّعى عليه، فأبوأْ أن يحلفوا لزمتهم الدية، لأنه حكم ثبت بالنكول فيثبت في حقهم ها هنا بالنكول كسائر الدعاوى ولا يثبت القود لأن القود لا يثبت في النكول وإنما يثبت الدية.
وفي رواية أخرى: أنهم يحبسون حتى يحلفوا أو يقروا، وهذا مذهب الحنفية 127، والمالكية 128، والشافعية 129، وأحد الروايتين في مذهب أحمد 130. قلت: والصواب عندي أنهم لا يحبسون لأنها يمين مشروعة في حق المدعى عليه فلم يحبس عليها كسائر الأيمان ولا يجب القصاص؛ لأن النكول حجة ضعيفة فلا يتغلظ بها الدم كالشاهد واليمين، ويديه الإمام من بيت المال لأنه مال وجب لامتناع الأيمان في القسامة فكانت الدية في=

الجزء: 8 - الصفحة: 78

فَإِنْ لَمْ يَحْلِفِ الْمُدَّعُوْنَ، وَلَمْ يَرْضَوْا بِيَمِيْنِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَدَاهُ الإِمَامُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ (1)، وَلا يُقْسِمُوْنَ عَلى أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدٍ (2)، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمْ عَدَاوَةٌ، حَلَفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ يَمِيْنًا وَاحِدَةً، وَبَرِئَ (3)،  =بيت المال كما لو امتنع المدعون منها ودليل ذلك حديث: «فَكَرِهَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- أَنْ يُبْطِلَ دَمَهُ، فَوَدَاهُ مِائَةً مِنْ إِبِلِ الصَّدَقَةِ» (1).

(1)

قوله «فَإِنْ لَمْ يَحْلِفِ الْمُدَّعُوْنَ، وَلَمْ يَرْضَوْا بِيَمِيْنِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَدَاهُ الإِمَامُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ»:

أي فإن نكل المدعى عليه وأبى أن يحلف، أو لم يرض المدعون يمينه ودي القتيل من بيت المال، لأن أولياء عبد الله بن سهل - رضي الله عنه - لم يحلفوا ولم يرضوا بأيمان اليهود، وقالوا: كيف بأيمان قوم كفار؟ أي: وهم يقدمون على الكذب والأيمان الفاجرة، وقوله في الحديث: «فَوَدَاهُ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- بِمِائَةٍ مِنْ إِبِلِ الصَّدَقَةِ» يدل على أن دية القتيل في بيت المال، وهذا لا يعارض قوله: «فَعَقَلَهُ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- من عِندِهِ» لأن معناها: تحت أمره وحكمه.
(2)

قوله «وَلا يُقْسِمُوْنَ عَلى أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدٍ»:

أي ولا يقسم أولياء المقتول على أكثر من واحد يتهمونه بقتل مورثهم (3)

قوله «وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمْ عَدَاوَةٌ، حَلَفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ يَمِيْنًا وَاحِدَةً، وَبَرِئَ»:

أي فإن لم يكن بين المدعين والمدعى عليهم عداوة ولا لوث، حلف المدعى عليه يميناً واحداً وبرئ لقوله -صلى الله عليه وسلم-: «لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ لادَّعَى نَاسٌ دِمَاءَ رِجَالٍ وَأَمْوَالَهُمْ وَلَكِنَّ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ» 132.131

الجزء: 8 - الصفحة: 79

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ومن الشروط الأُخرى التي لابد منها في القسامة:

1 -

أن يكون المتهم بالقتل مكلفاً حتى تصح الدعوى بالقسامة

حيث لا قسامة على الصبي والمجنون، هذا عند الشافعية (1)، والحنابلة (2). أما غيرهم فعلى عدم اشتراطه، وأن المكلف وغيره سواء في القسامة.

2 -

أن يكون المدعي مكلفاً،

فلا تسمع دعوى صبي ولا مجنون، بل يدعي لهما الولي أو يوقف إلى كمالهما، ولو كان صبياً أو مجنوناً وقت القتل كاملاً مكلفاً عند الدعوى سمعت؛ لأنه قد يعلم الحال بالتسامع، وله أن يحلف إذا عرف ما يحلف عليه بإقرار الجاني، أو بسماع ممن يثق به.
3 -

أن يكون أولياء القتيل ذكوراً مكلفين:

فيشترط فيمن يحلف الأيمان أن يكون ذكرا مكلفاً، وأما النساء فلا يحلفن في العمد، وأما إن كانت الدعوى بالقتل خطأ، فإن الذي يحلف أيمان القسامة هو من يرث المقتول ذكوراً كانوا أو إناثاً.
ودليل ذلك قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «يُقْسِمُ خَمْسُوْنَ مِنْكُمْ عَلى رَجُلٍ مِنْهُمْ، فَيُدْفَعُ بِرُمَّتِهِ» 135، ولأنها حجة يثبت بها قتل العمد، فلا تسمع من النساء كالشهادة؛ ولأن الجناية المدعاة التي تجب القسامة عليها هي القتل، ولا مدخل للنساء في إثباته.133134

الجزء: 8 - الصفحة: 80

فصول الكتاب · 25 فصل
فصول وبل الغمامة في شرح عمدة الفقه لابن قدامة
المقدمةالمقدمةكِتَابُ الصَّلاةِكتاب الجنائزكِتَابُ الزَّكَاةِكِتَابُ الصِّيَامِكتاب الحجكِتَابُ الْبَيْعِكِتَابُ الْوَقْفِكِتَابُ الْوَصَايَاكتاب الفرائضكتاب النكاحكتاب النِّكاحِكِتابُ الصَّدَاقِكتاب الطلاقكِتابُ الظِّهارِكِتابُ الأَطْعِمَةِكتاب الصيدكِتَابُ الأَيْمَانِكتاب الجناياتكِتابُ الدِّياتِ
قوله «كِتابُ الدِّياتِ»:قوله «دِيَةُ الحُرِّ المُسْلِمِ»:قوله «أَلفُ مِثقَالِ»:قوله «أَوِ اثْنَا عَشَرَ أَلْفَ دِرْهَمٍ»:قوله «أَوْ مِئَةٌ مِنَ الإِبِلِ»:- فائدة: فيما تقوَّم به الدية:قوله «فَإِنْ كَانَتْ دِيَةَ عَمْدٍ»:قوله «فَهِيَ ثَلاثُوْنَ حِقَّةً، وَثَلاثُوْنَ جَذَعَةً، وَأَرْبَعُوْنَ خَلِفَةً، وَهِيَ الحَوَامِلُ»:قوله «وَتَكُوْنُ حَالَّةً فِيْ مَالِ القَاتِلِ»:قوله «وَإِنْ كَانَ شِبْهَ عَمْدٍ فَكَذلِكَ فِيْ أَسْنَانِهَا»:قوله «وَهِيَ عَلى العَاقِلَةِ»:قوله «فِيْ ثَلاثِ سِنِيْنَ، فِيْ رَأْسِ كُلُّ سَنَةٍ ثُلُثُهَا»:قوله «وَإِنْ كَانَتْ دِيَةَ خَطَأٍ، فَهِيَ عَلى العَاقِلَةِ كَذلِكَ»:قوله «إِلاَّ أَنَّهَا عِشْرُوْنَ بَنُوْ مَخَاضٍ، وَعِشْرُوْنَ بَنَاتِ مَخَاضٍ، وَعِشْرُوْنَ بَنَاتِ لَبُوْنٍ، وَعِشْرُوْنِ حِقَّةً، وَعِشْرُوْنَ جَذَعَةً»:قوله «وَدِيَةُ الحُرَّةِ المُسْلِمَةِ نِصْفُ دِيَةِ الرَّجُلِ»:قوله «وَتُسَاوِيْ جِرَاحُهَا جِرَاحَهُ إِلى ثُلُثِ الدِّيَةِ، فَإِذا زَادَتْ، صَارَتْ عَلى النِّصْفِ»:قوله «وَدِيَةُ الكِتَابِيِّ نِصْفُ دِيَةِ المُسْلِمِ، وَنِسَاؤُهُمْ عَلى النِّصْفِ مِنْ ذلِكَ»:قوله «وَدِيَةُ الْمَجُوْسِيِّ ثَمَانُ مِائَةِ دِرْهَمٍ»:قوله «وَنِسَاؤُهُمْ عَلى النِّصْفِ مِنْ ذلِكَ»:قوله «وَدِيَةُ العَبْدِ وَالأَمَةِ قِيْمَتُهُمَا بَالِغَةً مَا بَلَغَتْ»:قوله «وَمَنْ بَعْضُهُ حُرٌّ، فَفِيْهِ بِالحِسَابِ مِنْ دِيَةِ حُرٍّ وَقِيْمَةِ عَبْدٍ»:قوله «وَدِيَةُ الجَنِيْنِ الحُرِّ إِذَا سَقَطَ مَيْتًا غُرَّةٌ؛ عَبْدٌ أَوْ أَمَةٌ، قِيْمَتُهَا خَمْسٌ مِنَ الإِبِلِ مَوْرُوْثَةٌ عَنْهُ»:قوله «وَلَوْ شَرِبَتِ الحَامِلُ دَوَاءً»:قوله «فَأَسْقَطَتْ بِهِ جَنِيْنَهَا، فَعَلَيْهَا غُرَّةٌ، لا تَرِثُ مِنْهَا شَيْئًا»:قوله «وَإِنْ كَانَ الجَنِيْنُ كِتَابِيًّا، فَفِيْهِ عُشْرُ دِيَةِ أُمِّهِ، وَإِنْ كَانَ عَبْدًا، فَفِيْهِ عُشْرُ قِيْمَةِ أُمِّهِ»:قوله «وَإِنْ سَقَطَ الجَنِيْنُ حَيًّا، ثُمَّ مَاتَ مِنَ الضَّرْبَةِ، فَفِيْهِ دِيَةٌ كَامِلَةٌ»:قوله «إِذَا كَانَ سُقُوْطُهُ لِوَقْتٍ يَعِيْشُ فِيْ مِثْلِه»:بابُ العَاقِلَةِ وَما تَحْمِلُهُقوله «بابُ العَاقِلَةِ وَما تَحْمِلُهُ»:قوله «وَهِيَ عَصَبَةُ القَاتِلِ كُلُّهُمْ، قَرِيْبُهُمْ وَبَعِيْدُهُمْ، مِنَ النَّسَبِ وَالْمَوَالِيْ»:قوله «إِلاَّ الصَّبِيَّ وَالْمَجْنُوْنَ وَالفَقِيْرَ، وَمَنْ يُخَالِفُ دِيْنُهُ دِيْنَ القَاتِلِ»:قوله «وَيُرْجَعُ فِيْ تَقْدِيْرِ مَا يَحْمِلُهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ إِلى اجْتِهَادِ الإِمَامِ، فَيَفْرِضُ عَلَيْهِ قَدْرًا يَسْهُلُ عَلَيْهِ وَلا يَشُقُّ»:قوله «وَلا تَحْمِلُ العَاقِلَةُ عَمْدًا، وَلا عَبْدًا، وَلا صُلْحًا، وَلا اعْتِرَافًا، وَلا مَا دُوْنَ الثُّلُثِ»:دية قتل العمد:العبد:الصلح:الاعتراف:ما دون ثلث الدية:- فائدة: الذين يتسولون في المساجد، ويدَّعون أن عليهم ديات خطأ، هل يعطون؟قوله «وَيَتَعَاقَلُ أَهْلُ الذِّمَّةِ»:قوله «وَلا عَاقِلَةَ لِمُرْتَدٍّ»:قوله «وَلا لِمَنْ أَسْلَمَ بَعْدَ جِنَايَتِهِ»:قوله «أَوِ انْجَرَّ وَلاؤُهُ بَعْدَهَا»:قوله «وَجِنَايَةُ العَبْدِ فِيْ رَقَبَتِهِ»:قوله «إِلاَّ أَنْ يَفْدِيَهُ السَّيِّدُ بِأَقَلِّ الأَمْرَيْنِ، مِنْ أَرْشِهَا أَوْ قِيْمَتِهِ»:قوله «وَدِيَةُ الجِنَايَةِ عَلَيْهِ مَا نَقَصَ مِنْ قِيْمَتِهِ فِيْ مَالِ الجَانِيْ»:قوله «وَجِنَايَةُ البَهَائِمِ هَدَرٌ»:قوله «إِلاَّ أَنْ تَكُوْنَ فِيْ يَدِ إِنْسَانٍ، كَالرَّاكِبِ وَالقَائِدِ وَالسَّائِقِ، فَعَلَيْهِ ضَمَانُ مَا جَنَتْ بِيَدِهَا أَوْ فَمِهَا، دُوْنَ مَا جَنَتْ بِرِجْلِهَا أَوْ ذَنَبِهَا»:قوله «وَإِنْ تَعَدَّى بِرَبْطِهَا فِيْ مِلْكِ غَيْرِهِ، أَوْ طَرِيْقٍ، ضَمِنَ جِنَايَتَهَا كُلَّهَا»:هل يشترط لوجوب الضمان عليه بأن يكون الطريق ضيقاً؟قوله «وَمَا أَتْلَفَتْ مِنَ الزَّرْعِ نَهَارًا، لَمْ يَضْمَنْهُ، إِلاَّ أَنْ تَكُوْنَ فِيْ يَدِهِ»:قوله «وَمَا أَتْلَفَتْ لَيْلاً، فَعَلَيْهِ ضَمَانُهُ»:ذكر بعض الفوائد- الفائدة الأولى: إذا اقتنى كلباً عقوراً فاعتدى على أحد ضمن صاحبه- الفائدة الثانية: يجوز قتل الغراب، والحدأة، والعقرب، والفأرة، والكلب العقور، والوزغ، وكل مؤذٍ وسبع مفترس كالأسد، والنمر، والفهد، والذئب، والثعلب،- الفائدة الثالثة: إذا أخذ ولي الدم الدية، فلا يحل له بعد ذلك أن يقتل القاتل،بابُ دِيَاتِ الجِرَاحِقوله «بابُ دِيَاتِ الجِرَاحِ»:أحدهما: الشجاج؛ وهي ما كان في رأس أو وجه.الثاني: ما كان في سائر البدنقوله «كُلُّ مَا فِيْ الإِنْسَانِ مِنْهُ شَيْءٌ وَاحِدٌ، فَفِيْهِ دِيَةٌ، كَلِسَانِهِ، وَأَنْفِهِ، وَذَكَرِهِ، وَسَمْعِهِ، وَبَصَرِهِ، وَشَمِّهِ، وَعَقْلِهِ، وَكَلامِهِ، وَبَطْشِهِ، وَمَشْيِهِ»:قوله «وَكذلِكَ فِيْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ صَعَرِهِ، وَهُوَ أَنْ يَجْعَلَ وَجْهَهُ فِيْ جَانِبِهِ»:قوله «وَاسْتِطْلاقِ بَوْلِهِ أَوْ غَائِطِهِ»:قوله «وَقَرْعِ رَأْسِهِ، وَلِحْيَتِهِ دِيَةٌ»:قوله «وَمَا فِيْهِ مِنْهُ شَيْئَانِ، فَفِيْهِمَا الدِّيَةُ»:قوله «وَفِي الأَجْفَانِ الأَرْبَعَةِ الدِّيَةُ، وَفِيْ أَهْدَابِهَا الدِّيَةُ، وَفِيْ كُلِّ وَاحِدٍ رُبْعُهَا، فَإِنْ قَلَعَهَا بِأَهْدَابِهَا، وَجَبَتْ دِيَةٌ وَاحِدَةٌ»:قوله «وَفِيْ أَصَابِعِ اليَدَيْنِ الدِّيَةُ، وَفِيْ أَصَابِعِ الرِّجْلَيْنِ الدِّيَةُ، وَفِيْ كُلِّ إِصْبَعٍ عُشْرُهَا»:قوله «وَفِيْ كُلِّ أَنْمُلَةٍ ثُلُثُ عَقْلِهَا، إِلاَّ الإِبْهَامَ فِيْ كُلِّ أَنْمُلَةٍ نِصْفُ عَقْلِهَا»:قوله «وَفِيْ كُلِّ سِنٍّ خَمْسٌ مِنَ الإِبِلِ إِذَا لَمْ تَعُدْ»:قوله «وَفِيْ مَارِنِ الأَنْفِ، وَحَلَمَةِ الثَّدْيِ، وَالكَفِّ، وَالقَدَمِ، وَحَشَفَةِ الذَّكَرِ، وَمَا ظَهَرَ مِنَ السِّنِّ، وَتَسْوِيْدِهَا دِيَةُ العُضْوِ كُلِّهِ»:قوله «وَفِيْ بَعْضِ ذلِكَ بِالْحِسَابِ مِنْ دِيَتِهِ»:قوله «وَفِيْ الأَشَلِّ مِنَ الأُذُنِ وَالأَنْفِ الأَخْشَمِ، وَأُذُنِ الأَصَمِّ دِيَتُهَا كَامِلَةً»:بابُ الشِّجاجِ وَغَيْرِهَاقوله «بابُ الشِّجاجِ وَغَيْرِهَا»:قوله «الشِّجَاجُ هِيَ: جُرُوْحُ الرَّأْسِ وَالوَجْهِ»:الشجاج لا يكون إلا في الرأس والوجهقوله «وَهِيَ تِسْعٌ»:قوله «أَوَّلُهَا الحَارِصَةُ: الَّتِيْ تَشُقُّ الجِلْدَ شَقًّا لا يَظْهَرُ مِنْهُ دَمٌ»:قوله «ثُمَّ البَازِلَةُ: الَّتِيْ يَنْزِلُ مِنْهَا دَمٌ يَسِيْرٌ»:قوله «ثُمَّ البَاضِعَةُ: الَّتِيْ تَبْضَعُ اللَّحْمَ بَعْدَ الجِلْدِ»:قوله «ثُمَّ الْمُتَلاحِمَةُ: الَّتِيْ أَخَذَتْ فِيْ اللَّحْمِ»:قوله «ثُمَّ السِّمْحَاقُ: الَّتِيْ بَيْنَهَا وَبَيْنَ العَظْمِ قِشْرَةٌ رَقِيْقَةٌ»:قوله «فَهَذِهِ الخَمْسُ لا تَوْقِيْتَ فِيْهَا، وَلا قِصَاصَ بِحَالٍ»:قوله «ثُمَّ الْمُوْضِحَةُ، وَهِيَ الَّتِيْ وَصَلَتْ إِلى العَظْمِ، وَفِيْهَا خَمْسٌ مِنَ الإِبِلِ، وَالقِصَاصُ إِذا كَانَتْ عَمْدًا»:قوله «ثُمَّ الْهَاشِمَةُ، وَهِيَ الَّتِيْ تُوْضِحُ العَظْمَ وَتُهَشِّمُهُ، وَفِيْهَا عَشْرٌ مِنَ الإِبِلِ»:وللعلماء في هذه العشر وجهانفائدة الخلاف بين الوجهينقوله «ثُمَّ الْمُنَقِّلَةُ وَهِيَ الَّتِيْ تُوْضِحُ وَتُهَشِّمُ وَتَنْقُلُ عِظَامَهَا، وَفِيْهَا خَمْسَ عَشَرَةَ مِنَ الإِبِلِ»:قوله «ثُمَّ الْمَأْمُوْمَةُ وَهِيَ الَّتِيْ تَصِلُ إِلى جِلْدَةِ الدِّمَاغِ، وَفِيْهَا ثُلُثُ الدِّيَةِ»:قوله «فِيْ الجَائِفَةِ ثُلُثُ الدِّيَةِ، وَهِيَ الَّتِيْ تَصِلُ إِلى الجَوْفِ»:قوله «فَإِنْ خَرَجَتْ مِنْ جَانِبٍ آخَرَ، فَهِيَ جَائِفَتَانِ»:هذا هو قول أكثر أهل العلمقوله «وَفِيْ الضَّلَعِ بَعِيْرٌ»:قوله «وَفِيْ التَّرْقُوَتَيْنِ بَعِيْرَانِ»:قوله «وَفِيْ الزَّنْدَيْنِ أَرْبَعَةُ أَبْعِرَةٍ»:قوله «وَمَا عَدَا هَذَا مِمَّا لا مُقَدَّرَ فِيْهِ، وَلا هُوَ فِيْ مَعْنَاهُ، فَفِيْهِ حُكُوْمَةٌ»:قوله «وَهِيَ أَنْ يُقَوَّمَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ كَأَنَّهُ عَبْدٌ لا جِنَايَةَ بِهِ، ثَمَّ يُقَوَّمَ، وَهِيَ بِهِ قَدْ بَرَأَتْ، فَمَا نَقَصَ مِنْ قِيْمَتِهِ، فَلَهُ بِقِسْطِهِ مِنْ دِيَتِهِ»:- فائدة: في شروط صحة الحكومة في الأمور التي لا تقدير فيها:الشرط الأول: أن تكون الجناية لا تقدير فيها في الشرعالشرط الثاني: أن يكون من يقدرها من ذوي الخبرة والنظر والمعرفةالشرط الثالث: أن لا يبلغ التقدير أكثر من قيمة العضو الذي فيه الجناية.بابُ كَفاَّرَةِ القَتْلِقوله «بابُ كَفاَّرَةِ القَتْلِ»:قوله «وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا أَوْ ذِمِّيًّا بِغَيْرِ حَقٍّ، أَوْ شَارَكَ فِيْهِ، وفِيْ إِسْقَاطِ جَنِيْنٍ، فَعَلَيْهِ كَفَّارَةٌ»:قوله «أَوْ ذِمِّيًّا بِغَيْرِ حَقٍّ»:قوله «أَوْ شَارَكَ فِيْهِ»:قوله «أَوْ فِيْ إِسْقَاطِ جَنِيْنٍ»:قوله «وَهِيَ تَحْرِيْرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ، فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ، تَوْبَةً مِنَ اللهِ»:ذكر بعض الفوائدالفائدة الأولى: هل تجب الكفارة في قتل العمد؟الفائدة الثانية: هل تجب الدية والكفارة على من قتل نفسه؟الفائدة الرابعة: لا تسقط الكفارة بعفو الورثة عن الديةالفائدة السادسة: القتل بحق لا كفارة فيهقوله «سَوَاءٌ كَانَ مُكَلَّفًا أَوْ غَيْرَ مُكَلَّفٍ»:فائدة: هل النائم مثل الصغير والمجنون؟قوله «حُرًّا أَوْ عَبْدًا»:قوله «فَلَوْ تَصَادَمَ نَفْسَانِ فَمَاتَا، فَعَلى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا كَفَّارَةٌ»:قوله «وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا وَاقِفًا وَالآخَرُ سَائِرًا، فَعَلى السَّائِرِ ضَمَانُ دَابَّةِ الوَاقِفِ، وَعَلى عَاقِلَتِهِ دِيَتُهُ»:قوله «إِلاَّ أَنْ يَكُوْنَ الوَاقِفُ مُتَعَدِّياًّ بِوُقُوْفِهِ، كَالقَاعِدِ فِيْ طَرِيْقٍ ضَيِّقٍ، أَوْ مِلْكِ السَّائِرِ»:قوله «عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ وَضَمَانُ السَّائِرِ وَدَابَّتِهِ، وَلا شَيْءَ عَلى السَّائِرِ وَلا عَلى عَاقِلَتِهِ»:قوله «وَإِذَا رَمَى ثَلاثَةٌ بِالْمَنْجَنِيْقِ، فَقَتَلَ الحَجَرُ مَعْصُوْمًا، فَعَلى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ كَفَّارَةٌ»:قوله «وَعَلى عَاقِلَتِهِ ثُلُثُ دِيَتِهِ»:قوله «وَإِنْ قُتِلَ أَحَدُهُمْ فَكَذلِكَ، إِلاَّ أَنَّهُ يَسْقُطُ ثُلُثُ دِيَتِهِ فِيْ مُقَابَلَةِ فِعْلِهِ»:قوله «وَإِنْ كَانُوْا أَكْثَرَ مِنْ ثَلاثَةٍ، سَقَطَتْ حِصَّةُ القَتِيْلِ وَبَاقِيْ الدِّيَةِ فِيْ أَمْوَالِ البَاقِيْنَ»:بابُ القَسَامَةِقوله «بابُ القَسَامَةِ»:ذكر بعض الفوائد- الفائدة الأُولى: ذهب جمهور الفقهاء إلى أن القسامة مشروعة:الفائدة الثانية: الحكمة في مشروعية القسامةالفائدة الثالثة: صفة القسامةالشروط المعتبرة في القسامةفالشرط الأول: هو اتفاق أولياء المقتول في الدعوىالشرط الثاني: أن يكون هناك لوثقوله «فَإِنْ لَمْ يَحْلِفُوْا حَلَفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ خَمْسِيْنَ يَمِيْنًا، وَبَرِئَ»:قوله «فَإِنْ نَكَلُوْا فَعَلَيْهِمُ الدِّيَةُ»:قوله «فَإِنْ لَمْ يَحْلِفِ الْمُدَّعُوْنَ، وَلَمْ يَرْضَوْا بِيَمِيْنِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَدَاهُ الإِمَامُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ»:قوله «وَلا يُقْسِمُوْنَ عَلى أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدٍ»:قوله «وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمْ عَدَاوَةٌ، حَلَفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ يَمِيْنًا وَاحِدَةً، وَبَرِئَ»:أن يكون المتهم بالقتل مكلفاً حتى تصح الدعوى بالقسامةأن يكون المدعي مكلفاً،أن يكون أولياء القتيل ذكوراً مكلفين:
كِتابُ الحُدُوْدِكِتابُ الجِهَادِكِتابُ القَضَاءِكِتابُ الشَّهَادَاتِ
جارٍ التحميل