كِتَابُ الصِّيَامِ
(1) الشرح:
(1)
قوله (كِتَابُ الصِّيَامِ):
الصيام لغة: الإمساك، والامتناع، والكف.
قال تعالى حكاية عن مريم ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيّاً﴾ (1)، أي إمساكاً عن الكلام.
وقال النابغة:
تحت العجاج وخيل تعلك اللجما ... خيل صيام وخيل غير صائمة
أي خيل ممسكة عن العلف، وخيل غير ممسكة.
يقال صام الفرس: إذا قام على غير اعتلاف.
ويقال: هو الذي أمسك عن الصهيل (2).
قال شيخ الإسلام رحمه الله: (جماع معنى الصيام في اللغة: الكف، والإمساك، والامتناع، وذلك هو السكون، وضده الحركة، ولهذا قرن الله تعالى بين الصوم والصلاة، لأن الصلاة حركة إلى الحق، والصوم سكون عن الشهوات، فيعم الإمساك عن القول والعمل من الناس والدواب وغيرها) (3).
أما
تعريف الصيام في الشرع
: فقد اختلفت فيه أقوال الفقهاء:123
الجزء: 2 - الصفحة: 111
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فقال الحنفية 4 في تعريف الصيام: هو الإمساك عن أشياء مخصوصة، وهي الأكل والشرب والجماع بشرائط مخصوصة.
وقال المالكية 5: هو الإمساك عن شهوتي البطن والفرج وما يقوم مقامهما مخالفة للهوى في طاعة المولى في جميع أجزاء النهار بنية قبل الفجر أو معه إن أمكن فيما عدا زمن الحيض والنفاس وأيام الأعياد.
وقال الشافعية 6: الصيام هو: إمساك مخصوص عن شيء مخصوص في زمن مخصوص من شخص مخصوص.
وقال الحنابلة 7 في تعريفه: بأنه إمساك مخصوص عن أشياء مخصوصة في وقت مخصوص.
ومن خلال تعريفات الفقهاء لمعنى الصوم شرعاً يتبين لنا أن منهم الموسع ومنهم المضيق في تعريفه، لكن المعنى الذي يجمع بين هذه التعريفات هو: الإمساك بنية التعبد لله تعالى عن أشياء مخصوصة في زمن معين من شخص مخصوص بشروط مخصوصة.
ولبيان هذا التعريف نقول:
قولنا: (الإمساك بنية) مؤداه أن الصوم لا يصح إلا بالنية، وقد نقل ابن المنذر الإجماع على ذلك كما نقله البهوتي في كشاف القناع 8.
الجزء: 2 - الصفحة: 112
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقولنا: (التعبد لله) حتى لا يكون مجرد إمساك عن الطعام فقط، وحتى لا يكون تعبداً لغير الله، كأن يصوم رياء وسمعة، أو خوفاً من كلام الناس عليه.
وقولنا: (عن أشياء مخصوصة) المقصود بها مفسدات الصوم، وهي الأكل والشرب وما يقوم مقامهما والجماع.
وما ينبغي الإمساك عنه كاللغو والرفث والفسوق.
وقولنا: (في زمن معين) المراد به من طلوع الفجر الثاني إلى غروب الشمس، قال تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمْ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنْ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنْ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ 9.
وقولنا: (من شخص مخصوص) وهو المسلم البالغ العاقل القادر المقيم، غير الحائض والنفساء، فلا يجوز فعله مع وجود العذر من الحيض والنفاس، بل يجب القضاء مع زوال العذر.
وقولنا: (بشروط خاصة) هناك شروط للإجزاء وشروط للصحة كما سيأتي بيان ذلك بالتفصيل إن شاء الله تعالى.
وبناءً على الكلام الذي ذكرناه يتبين لنا أن أركان الصوم أربعة:
(1) النية.
(2) الإمساك عن المفطرات.
(3) الصائم.
(4) الزمان.
الجزء: 2 - الصفحة: 113
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ذكر بعض الفوائد
:
فائدة (1): متى فرض الصيام
: أجمع أهل العلم على أن صيام رمضان فرض في السنة الثانية من الهجرة، وفرض في أول الأمر على التخيير بين الصيام والإطعام، كما في قوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * أَيَّاماً مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (1)، ثم أمر الله تعالى بفرضه، فقال ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنْ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ .. ﴾ (2)، ثم استثنى بعض أهل الأعذار ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ .. ﴾ (3). والسبب في التدرج - والله أعلم - في فرضيته ليكون أسهل في قبوله كما في تحريم الخمر.
- فائدة (2) في ذكر بعض فضائل الصوم:
وردت أدلة كثيرة تدل على فضل الصيام، وعلى ما أعده الله تعالى للصائمين، فمن ذلك: ما رواه البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ) 13.101112
الجزء: 2 - الصفحة: 114
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وروى البخاري ومسلم عن سهل بن سعد رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إِنَّ فِي الْجَنَّةِ بَابًا يُقَالُ لَهُ الرَّيَّانُ يَدْخُلُ مِنْهُ الصَّائِمُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لا يَدْخُلُ مِنْهُ أَحَدٌ غَيْرُهُمْ يُقَالُ أَيْنَ الصَّائِمُونَ فَيَقُومُونَ لا يَدْخُلُ مِنْهُ أَحَدٌ غَيْرُهُمْ فَإِذَا دَخَلُوا أُغْلِقَ فَلَمْ يَدْخُلْ مِنْهُ أَحَدٌ) (1). ومن فضائله أيضاً ما رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (قَالَ اللَّهُ كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إِلا الصِّيَامَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ .. ) (2).
فائدة (3): في بيان الحكمة من الصوم
: في كل أمر من أوامر الله تعالى، بل وفي كل نهي مما نهى الله عنه تتجلى الحكم، وهذه الحكم قد يعلمها العالم بالأمر والنهي، وقد لا يعلمها، ومما ذكره أهل العلم في بيان الحكمة من الصوم ما يلي: 14 أنه وسيلة للتقوى، وهي الغاية المنشودة، قال تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ 16، فالصوم وسيلة لتحقيق التقوى لأنه إذا انقادت النفس للامتناع عن الحلال طمعاً في مرضات الله تعالى، وخوفاً من أليم عقابه فأولى أن تنقاد للامتناع عن الحرام، فكان الصوم سبباً لاتقاء محارم الله تعالى.15
الجزء: 2 - الصفحة: 115
وَيَجِبُ صِيَامُ رَمَضَانَ (1)
(2) أنه وسيلة إلى شكر النعمة، إذ هو كف النفس عن الأكل والشرب والجماع، وهذه الثلاث من أجل النعم، والامتناع عنها زمناً معتبراً يعرف قدرها، إذ النعم مجهولة فإذا فقدت عرفت، فيحمل ذلك العباد على قضاء حقها بالشكر، وإلى هذا أشار الرب سبحانه وتعالى في آية الصيام بقوله ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمْ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمْ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (1).
(3) أن فيه قهر الطبع وكسر الشهوة، لأن النفس إذا شبعت تمنت الشهوات، وإذا جاعت امتنعت عما تهوى، لذا فقد قال صلى الله عليه وسلم للشباب (يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ مَنْ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ) (2).
(4) أنه موجب للرحمة والعطف على المساكين، فإن الصائم إذا ذاق ألم الجوع في بعض الأوقات فإنه يتذكر من هذا حاله في جميع الأوقات، فيسارع بمد يد العون لهم والرحمة بهم والإحسان إليهم.
وإذا أردنا أن نتلمس الحكمة من تشريع الصوم فيحتاج ذلك إلى وقت طويل ولكن ما ذكرناه فيه غنية ولله الحمد.
(1)
قوله (وَيَجِبُ صِيَامُ رَمَضَانَ):
صيام رمضان هو أحد أركان الإسلام، وفرض من فروض الله، معلوم من الدين بالضرورة وإجماع المسلمين، بل من العلم العام الذي توارثته الأمة خلفاً عن سلف، وقد دل على ركنيته=1718
الجزء: 2 - الصفحة: 116
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
=الكتاب والسنة والإجماع.
وأجمعت الأمة على أن من أنكر وجوبه كفر.
أما دليل الكتاب على ركنيته فقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ .. ﴾ 19. ومعنى كُتب: أي فُرض.
وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ 20. والأمر للوجوب.
وأما دلالة السنة على ركنيته:
فقوله صلى الله عليه وسلم من حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (بُنِيَ الإِسْلامُ عَلَى خَمْسٍ شَهَادَةِ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ وَالْحَجِّ وَصَوْمِ رَمَضَانَ) 21.
أما الإجماع: فقد أجمعت الأمة على فرضيته، وأنه الشهر التاسع من شهور العام بين شعبان وشوال.
وقول المؤلف (ويجب صيام رمضان) بدون ذكر اسم الشهر دليل على جواز تسميته رمضان دون قولنا (شهر رمضان) وقد كره ذلك بعض أهل العلم 22، أي كرهوا أن يقال (رمضان)، بل يقال (شهر رمضان)، وذلك موافقة للفظ القرآن، وأكثر الأحاديث ومنها (لا تَقُولُوا رَمَضَانَ، فَإِنَّ رَمَضَانَ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ، وَلَكِنْ قُولُوا شَهْرُ رَمَضَانَ) 23.
والذي يظهر والله أعلم أنه لا مانع من ذكر (رمضان) مجرداً لورود ذلك في=
الجزء: 2 - الصفحة: 117
عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ (1) =السنة، كما في الحديث الصحيح (إِذَا جَاءَ رَمَضَانُ فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ وَصُفِّدَتْ الشَّيَاطِينُ) (1). وقوله صلى الله عليه وسلم: (مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ) (2). وقوله صلى الله عليه وسلم: (مَنْ صَامَ رَمَضَانَ ثُمَّ أَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّالٍ كَانَ كَصِيَامِ الدَّهْرِ) (3). وغير ذلك مما جاءت به السنة.
(1)
قوله (عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ):
هذا شروع في بيان الشروط المعتبرة في الصائم، فلا يجب على الكافر، أي لا يخاطب بفعله، ولا يجب عليه قضاؤه إذا أسلم، ولا يصح منه ابتداء ولا دوماً، لكن هل يعاقب على تركه في الآخرة إذا لم يسلم؟ نعم يعاقب على تركه في الآخرة، وعلى ترك جميع واجبات الدين لأن الراجح أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة، والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ * وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ * وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ (4). فذكروا أموراً أربعة أوجبت دخولهم النار.
فائدة (1): في حكم من أسلم في رمضان
: من أسلم في رمضان لا يخلو من حالين: الأول: أن يسلم في شهر رمضان بعد غروب شمس يوم منه، فهذا يجب عليه صيام ما يستقبله من بقية شهره بلا خلاف، أما قضاء ما مضى قبل إسلامه=24252627
الجزء: 2 - الصفحة: 118
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
=فمحل خلاف بين الفقهاء.
فالجمهور (1) على عدم القضاء لأن ما مضى عبادة خرجت في حال كفره، فلم يلزمه قضاؤه كرمضان الماضي.
وقال عطاء: عليه قضاؤه.
والصحيح ما ذهب إليه الجمهور فلا يلزم الكافر قضاء ما فاته حال كفره، قال تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ (2).
الثاني: أن يسلم في شهر رمضان في جزء من نهار يوم من أيامه، فهنا يلزمه الإمساك بقية اليوم، وهل يقضي هذا اليوم؟
قولان لأهل العلم:
القول الأول: أنه يلزمه الإمساك والقضاء، وهذا هو المنصوص عن الإمام أحمد (3)، وهو قول ابن قدامة (4).
القول الثاني: لا يلزمه الإمساك ولا القضاء لأنه لم يدرك في زمن العبادة ما يمكنه التلبس بها فيه، فأشبه ما لو أسلم بعد خروج اليوم.
وهذا مذهب مالك (5)، والشافعي (6)، واختاره شيخ الإسلام (7).
فائدة (2): في حكم من ارتد عن الإسلام في رمضان
: من ارتد عن الإسلام في رمضان أفطر وحبط عمله، فإن عاد إلى الإسلام في=28293031323334
الجزء: 2 - الصفحة: 119
بَالِغٍ (1)
=بقية النهار صام ما بقى.
وهل يلزمه قضاء ما أفطر منه بعد الردة أم لا؟ على روايتين:
الأولى: أنه لا يجب عليه قضاؤه إذا أسلم لقوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ (1)، وهذا هو الصحيح من المذهب (2).
والرواية الأخرى: أن القضاء يجب على المرتد إذا أسلم، وهذا هو قول الشافعي (3)، لأنه قد اعتقد وجوبها عليه بخلاف الكافر الأصلي.
والصحيح: أنه لا يجب قضاؤه إذا عاد إلى الإسلام حكمه في ذلك حكم الكافر الأصلي.
(1)
قوله: (بَالِغٍ):
هذا هو الشرط الثاني من الشروط المعتبرة في الصائم، فيشترط فيه كونه بالغاً، والبلوغ لا يكون التكليف إلا به، لأن الغرض من التكليف الامتثال، ولا يحصل التكليف إلا بالقدرة على الفعل والإدراك وهما منعدمان قبل البلوغ.
ويحصل البلوغ كما ذكرنا في كتاب الصلاة بواحد من ثلاثة أشياء للذكر وللأنثى بواحد من أربعة أشياء.
أما الذكر: فيحصل البلوغ فيه بإتمام خمسة عشر عاماً، وإنبات شعر العانة، وإنزال المني بشهوة.
أما الأنثى: فيحصل بواحد من هذه الثلاث المذكورات، ويضاف إليها رابع=353637
الجزء: 2 - الصفحة: 120
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
=وهو الحيض، فإذا حاضت فقد بلغت ولو كانت في سن أقل من خمسة عشر عاماً.
أما دليل عدم وجوب الصوم على غير البالغ فقوله صلى الله عليه وسلم: (رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلاثٍ عَنْ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ وَعَنْ الصَّغِيرِ حَتَّى يَكْبُرَ وَعَنْ الْمَجْنُونِ حَتَّى يَعْقِلَ أَوْ يُفِيقَ) 38.
ومعنى رفع القلم: أي لا يكتب عليه إثم وذلك لعدم تكليفه.
لكن مع القول باشتراط البلوغ للصائم فيجب على ولي الصبي أن يأمره به ليعتاده.
وسيأتي في كلام المؤلف ما يدل على ذلك.
- فائدة: متى بلغ الصبي في جزء من نهار رمضان هل يلزمه الإمساك والقضاء؟
اختلفت الرواية في المذهب 39 في الصبي إذا بلغ في أثناء النهار وهو مفطر، ففي رواية: أنه يلزمه الإمساك، وهذا هو قول أبي حنيفة 40، وعللوا لذلك بأنه معنى لو وجد قبل الفجر أوجب الصيام، فإذا طرأ وجب الإمساك.
والرواية الثانية 41 لا يلزمه الإمساك، وإليه ذهب مالك 42، والشافعي 43، واحتجوا لذلك بما جاء عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: (من أكل أول النهار فليأكل آخره) 44، وأنه أبيح له الفطر أول النهار ظاهراً وباطناً، فإذا=
الجزء: 2 - الصفحة: 121
عَاقِلٍ (1)
=أفطر كان له استدامة الفطر، كما لو دام الضرر.
هذا بالنسبة للإمساك، أما القضاء ففيه أيضاً روايتان (1):
الأولى وهي ظاهر المذهب أنه يجب القضاء لأنه أدرك جزءًا من وقت العبادة، فلزمه القضاء، كما لو أدرك بعض وقت الصلاة.
الثانية: لا يلزمه القضاء، وهو قول مالك (2)، وذلك لأنه لم يدرك وقتًا يمكنه التلبس بالعبادة فيه أشبه ما لو زال عذره بعد الوقت.
والراجح عندي أنه يلزمه الإمساك دون القضاء، وهي رواية كما ذكرنا في المذهب، وهو مذهب الإمام مالك، واختيار شيخ الإسلام (3)، وشيخنا محمد بن صالح العثيمين (4)، ووجه ذلك أنه لا يلزمه الإمساك في أول النهار لعدم شرط التكليف، فلما بلغ في أثناء النهار ووجد شرط التكليف لزمه
الإمساك، ومن أتى بما أمر به لم يكلف الإعادة.
(1)
قوله (عَاقِلٍ):
ضده فاقد العقل من مجنون، ومعتوه، ومهذر 49، والمغمى عليه، وغيرهم ممن فقد عقله، فهؤلاء لا يجب عليهم الصوم وهم في مثل حالتهم هذه لقوله صلى الله عليه وسلم رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلاثٍ عَنْ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ وَعَنْ الصَّغِيرِ حَتَّى يَكْبُرَ وَعَنْ الْمَجْنُونِ حَتَّى يَعْقِلَ أَوْ يُفِيقَ) 50، فإن أفاقوا في أثناء النهار فالخلاف فيهم كالخلاف في الصبي إذا بلغ في أثناء النهار.45464748
الجزء: 2 - الصفحة: 122
قَادِرٍ عَلَى الصَّوْمِ (1)، وَيُؤْمَرُ بِهِ الصَّبِيُّ إِذَا أَطَاقَهُ (2)، (1)
قوله: (قَادِرٍ عَلَى الصَّوْمِ):
هذا هو الشرط الرابع من شروط من يلزمه الصوم في رمضان وهو أن يكون قادراً على الصوم وخرج من هذا الشرط العاجز عن الصيام كالمريض الذي يرجى برؤه يفطر ويقضي بعد شفائه، أما المريض الذي لا يرجى برؤه حسب تقرير الأطباء فيطعم عنه، وكذلك الكبير الذي لا يطيق، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ .. ﴾ (1). أي يطيقونه بمشقة وثبت أن أنس رضي الله عنه أفطر سنتين لما كبر.
والعجز إما أن يكون عجزاً عن الصيام في وقته قادراً عليه بعد خروج وقته، كالحامل والمريض مرضاً يرجى برؤه فإنه
يجب عليهما القضاء، وإما أن يكون عاجزاً عنه في الوقت وبعد الوقت كالشيخ الكبير والمرأة العجوز والمريض مرضاً لا يرجى برؤه فإنهما يفطران ويطعمان كما سيأتي إن شاء الله.
ومن شروطه أيضاً التي لم يذكرها المؤلف: كون الصائم مقيماً فلا يجب على المسافر، وكونه أيضاً
خالياً من الموانع كالحائض والنفساء، فلا يصح منهما الصوم، ولا يجزئهما إن صاما، كما سيأتي ذكر ذلك قريباً إن شاء الله.
(2)
قوله: (وَيُؤْمَرُ بِهِ الصَّبِيُّ إِذَا أَطَاقَهُ):
ذكرنا فيما سبق أنه يشترط في الصائم كونه بالغاً، فلا يجب الصوم على غير البالغ لكن نص جمهور الفقهاء 52 على أن الصبي يؤمر به لسبع كالصلاة إن أطاقه، ويضرب على تركه لعشر، بل51
الجزء: 2 - الصفحة: 123
وَيَجِبُ بِأَحَدِ ثَلاثَةِ أَشْيَاءَ: (1) كَمَالِ شَعْبَانَ (2)،
=قالوا يجب على وليه أمره بالصوم إذا أطاقه، وضربه عليه ليعتاده كالصلاة، ولمَّا كان الصوم أشق اشترطوا له الطاقة لأنه قد يطيق الصلاة ولا يطيق الصوم.
وقال المالكية (1): لا يؤمر الصبيان بل يكره لهم الصوم بخلاف الصلاة، فلا صيام على الصبيان حتى يحتلم الغلام، وتحيض الفتاة، وبالبلوغ لزمتهم أعمال الأبدان فريضة.
والصحيح ما ذهب إليه الجمهور، فقد ثبت عن جماعة من السلف أنهم كانوا يأمرون الصبيان بالصوم إذا أطاقوا، ثبت ذلك عن عروة بن الزبير، ومحمد بن سيرين، وقتادة، والزهري (2).
بل كان صوم الصبيان معهوداً في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، كما في حديث الربيع بنت معوذ المتقدم وفيه قالت: (أَرْسَلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم غَدَاةَ عَاشُورَاءَ إِلَى قُرَى الأَنْصَارِ مَنْ أَصْبَحَ مُفْطِرًا فَلْيُتِمَّ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ وَمَنْ أَصْبَحَ صَائِمًا فَليَصُمْ قَالَتْ فَكُنَّا نَصُومُهُ بَعْدُ وَنُصَوِّمُ صِبْيَانَنَا وَنَجْعَلُ لَهُمْ اللُّعْبَةَ مِنْ الْعِهْنِ فَإِذَا بَكَى أَحَدُهُمْ عَلَى الطَّعَامِ أَعْطَيْنَاهُ ذَاكَ حَتَّى يَكُونَ عِنْدَ الإِفْطَارِ) (3).
(1)
قوله: (وَيَجِبُ بِأَحَدِ ثَلاثَةِ أَشْيَاءَ):
بدأ المؤلف ببيان متى يجب الصوم، فقال: (بأحد ثلاثة أشياء: ) أي يجب صيام رمضان بواحد من ثلاثة أشياء: (2)
قوله: (كَمَالِ شَعْبَانَ):
ويكون الإكمال بجعله ثلاثين يوماً، دليل ذلك ما رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً: (صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا=535455
الجزء: 2 - الصفحة: 124
وَرُؤْيَةِ هِلالِ رَمَضَانَ (1) =لِرُؤْيَتِهِ فَإِنْ غُبِّيَ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ ثَلاثِينَ) (1).
(1)
قوله: (وَرُؤْيَةِ هِلالِ رَمَضَانَ):
أي ويجب الصوم أيضاً برؤية هلال رمضان للحديث المتقدم، ولقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ (2).
ذكر بعض الفوائد
:
فائدة (1): هل يجب الصوم بمقتضى الحساب؟
:
أقول: نظراً لأهمية هذه المسألة، - أعني إثبات الأهلة بالحساب الفلكي - وكثرة من يدندن حولها ويدعوا للأخذ بها وبخاصة في الأزمنة المتأخرة ووقوع الخوض فيها فلابد من بيان الحكم الشرعي، وبيان أقوال الأئمة فيها.
فأقول وبالله التوفيق: ذهب بعض المتأخرين إلى أنه إن لم تمكن رؤية الهلال عدل الناس إلى العمل بالحساب الفلكي، واحتجوا لقولهم بأنه قول بعض التابعين كمطرف بن عبد الله الشخير، وأبي العباس بن سريج من الشافعية، وابن قتيبة من المحدثين، واحتج هؤلاء بحديث ابن عمر مرفوعاً: (صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدِرُوا لَهُ) 58.
فقالوا معنى التقدير هنا هو الحساب، ذكر ذلك العيني في عمدة القاري 59، وابن رشد في المقدمات 60، وغيرهم.5657
الجزء: 2 - الصفحة: 125
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قلت: وذهب جمهور الفقهاء 61 إلى عدم إثبات الأهلة بالحساب الفلكي، بل نقل شيخ الإسلام 62 الإجماع على عدم اعتبار الحساب الفلكي في رؤية الهلال.
وهذا طرف من أقوال الفقهاء في هذه المسألة:
قال الحنفية 63: إن شرط وجوب الصوم والإفطار رؤية الهلال، وأنه لا عبرة بقول المؤقتين ولو عدولا، ومن رجع إلى قولهم فقد خالف الشرع.
وقال المالكية 64: منع مالك من اعتماد الحساب في إثبات الهلال، فقال: (إن الإمام الذي يعتمد على الحساب لا يقتدى به ولا يتبع).
وبيَّن أبو الوليد الباجي 65 من المالكية حكم صيام من اعتمد على الحساب فقال: (فإن فعل ذلك أحد فالذي عندي أنه لا يعتمد بما صام منه على الحساب، ويرجع إلى الرؤية في إكمال العدد، فإن اقتضى ذلك قضاء شيء من صومه قضاه).
وقال النووي من الشافعية: قال أصحابنا 66 وغيرهم لا يجب صوم رمضان إلا بدخوله، ويعلم دخوله برؤية الهلال، فإن غمَّ وجب استكمال شعبان ثلاثين، ثم يصومون سواء كانت السماء مصبحة أو مغيمة غيماً قليلاً أو
الجزء: 2 - الصفحة: 126
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
=كثيراً، وفي هذا حصر طرق إثبات هلال رمضان في الرؤية وإكمال شعبان ثلاثين، وفي هذا الحصر نفي لاعتماد الحساب.
وقال شيخ الإسلام 67 أيضاً: (فإنا نعلم بالاضطرار من دين الإسلام أن العمل في رؤية هلال الصوم والحج أو العدة أو الإيلاء، أو غير ذلك من الأحكام المتعلقة بالهلال بخبر الحاسب أنه يرى أو لا يرى لا يجوز .. ) إلى أن قال: (والنصوص المستفيضة عن النبي صلى الله عليه وسلم بذلك كثيرة، وقد أجمع المسلمون بذلك عليه، ولا يعرف فيه خلاف قديم أصلاً، ولا خلاف حديث، إلا أن بعض المتأخرين من المتفقهة الحادثين بعد المائة الثالثة زعم أنه إذا غم الهلال جاز للحاسب أن يعمل في حق نفسه بالحساب، فإن كان الحاسب دل على الرؤية صام، وإلا فلا.
وهذا القول وإن كان مقيداً بالإغمام ومختصاً بالحاسب (في نفسه) فهو شاذ مسبوق بالإجماع على خلافه، أما اتباع ذلك - يعني الحساب - في الصحو، أو تعليق عموم الحكم العام به فما قاله مسلم).
أما الحنابلة فلا يعتمد أيضاً عندهم الحساب الفلكي ولو كثرت إصابته 68.
قال ابن عبد البر: (لا يصح عن مطرف - يعني الأخذ بالحساب - ونفى نسبة ما عرف عن ابن سريج إلى الشافعي لأن المعروف عنه ما عليه الجمهور.
قلت: أما دليل ما احتج به من قال بجواز الأخذ بالحساب الفلكي في حديث ابن عمر المتقدم فهذا لم يقل به أحد من السلف، فالسلف اختلفوا في معنى التقدير المراد في الحديث، هل معناه إتمام شهر شعبان ثلاثين يوماً؟ أم المراد=
الجزء: 2 - الصفحة: 127
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
=تضييق عدد أيام الشهر وذلك بجعل شعبان تسعة وعشرين يوماً، وسيأتي بحث هذه المسألة قريباً إن شاء الله تعالى.
ومن الأدلة أيضاً على عدم صحة تفسيرهم لهذا الحديث ما رواه البخاري ومسلم من حديث ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إِنَّا أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ لا نَكْتُبُ وَلا نَحْسُبُ الشَّهْرُ هَكَذَا وَهَكَذَا) 69.
يعني مرة تسعة وعشرين، ومرة ثلاثين.
قال ابن حجر رحمه الله في شرح هذا الحديث: (المراد بالحساب هنا حساب النجوم وتسييرها، ولو لم يكونوا يعرفون من ذلك إلا النزر اليسير، فعلق الحكم بالصوم وغيره بالرؤية لدفع الحرج عنهم في معاناة حساب التسيير، واستمر الحكم في الصوم، ولو حدث بعدهم من يعرف ذلك، بل ظاهر السياق يشعر بنفي تعليق الحكم بالحساب أصلاً ويوضحه قوله في الحديث الماضي (فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين)، ولم يقل فسلوا أهل الحساب، والحكمة فيه كون العدد عند الإغماء يستوي فيه المكلفون فيرتفع الاختلاف والنزاع عنهم.
وقال سماحة شيخنا ابن باز 70 رحمه الله: (إن علماء الأمة في صدر الإسلام قد أجمعوا على اعتبار الرؤية في إثبات الشهور القمرية دون الحساب، فلم يعرف أن أحداً منهم رجع إليه في ذلك عند الغيم ونحوه، أما عند الصحو فمن باب أولى).
الجزء: 2 - الصفحة: 128
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقال أيضاً رحمه الله: (الحسابون لا يلتفت إليهم ولا يعول على حسابهم، ولا ينبغي لهم أن ينشروا حسابهم، وينبغي منعهم من نشر حساباتهم لأنهم بذلك يشوشون على الناس.
لا في مسألة رؤية الهلال ولا في مسألة الكسوفات لما في إعلانهم من التشويش على الناس، ولأنه لا يجوز العمل بقولهم).
وقال شيخنا 71 رحمه الله: في قوله صلى الله عليه وسلم (إِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَصُومُوا)، قال: علم منه أنه لا يجب الصوم بمقتضى الحساب، فلو قرر علماء الحساب المتابعون لمنازل القمر أن الليلة من رمضان ولكن لم ير الهلال فإنه لا يصام لأن الشرع علق هذا الحكم بأمر محسوس وهو الرؤية).
قلت: وبعد ذكر هذه الأدلة وأقوال أهل العلم في هذه المسألة أعني الأخذ برؤية الأهلة لا بالحساب الفلكي تبين لنا أن ما تقوم به بلادنا - رعاها الله حكومة وشعباً - من الأخذ برؤية الهلال هو الحق الموافق للشريعة، والموافق لما أجمع عليه الفقهاء، ولا يسوغ لأحد بعد ذلك أن يبدي برأيه في أمر انعقد فيه الإجماع، لأنه بذلك يكون قد خالف النصوص الشرعية التي أمر الله تعالى بالرجوع إليها في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ .. ﴾ 72.
- فائدة (2): في الأخذ بالآلات الحديثة كالمراصد، والدرابيل 73، في رؤية الأهلة:
الجزء: 2 - الصفحة: 129
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قال سماحة شيخنا عبد العزيز بن باز 74 رحمه الله في هذه المسألة: (ظاهر الأدلة الشرعية عدم تكليف الناس بالتماس الهلال بالآلات الحديثة مثل المراصد والدرابيل، بل يكفي رؤية العين، ولكن من طالع الهلال بها وجزم بأنه رآه بواستطها بعد غروب الشمس وهو مسلم عدل فلا أعلم مانعاً من العمل برؤيته الهلال لأنها من رؤية الهلال بالعين).
وقال شيخنا 75 رحمه الله: (فإن كان هناك رؤية ولو عن طريق المراصد الفلكية فإنها معتبرة لعموم قوله صلى الله عليه وسلم (إِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَصُومُوا وَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَأَفْطِرُوا) 76، أما الحساب فإنه لا يجوز العمل به، ولا الاعتماد عليه .. )، إلى أن قال رحمه الله: (وعلى كل حال متى ثبتت رؤيته بأي وسيلة فإنه يجب العمل بمقتضى هذه الرؤية).
- فائدة (2): قد يقول قائل: قول النبي صلى الله عليه وسلم (إِنَّا أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ لا نَكْتُبُ وَلا نَحْسُبُ .. )
هذا باعتبار حالهم وقت النبي صلى الله عليه وسلم، أما الآن فالأمة عندها علماء الحساب والفلك والأرصاد وغيرها مما ينفي عنها صفة الأمية.
نقول: إن من فهم الحديث بهذا الفهم قد غلط في فهمه، لأن الحديث في الحقيقة فيه صفة مدح وكمال للأمة وذلك من وجوه: الأول: من جهة الاستغناء عن الكتاب والحساب بما هو أبين منه وأظهر=
الجزء: 2 - الصفحة: 130
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
=وهو الهلال.
الثاني: أن الكتاب والحساب هنا يدخلها غلط، ولذا لا يخفى على من له معرفة بأحوال الحاسبين من أهل الفلك ما يقع بينهم من الاختلاف في كثير من الأحيان في إثبات ولادة الهلال أو عدمها، وفي
إمكان رؤيته على ولادته أو عدمه، ولو فرضنا إجماعهم في وقت من الأوقات على ولادته لم يكن إجماعهم حجة لأنهم ليسوا معصومين، بل يجوز عليهم الخطأ جميعاً، وإنما الإجماع المعصوم الذي يحتج به هو إجماع سلف الأمة في المسائل الشرعية.
ثالثاً: أن في الكتاب والحساب تعباً كثيراً بلا فائدة، فإن ذلك شغل عن المصالح إذ هذا مقصود لغيره لا لنفسه.
رابعاً: أن دعوى زوال وصف الأمية بعلم النجوم عن الأمة غير مسلمة ولو سلمت فذلك لا يغير حكم الله لأنه تشريع عام للأمة في جميع الأزمنة.
خامساً: أن تعليق إثبات الشهر القمري بالرؤية يتفق مع مقاصد الشريعة السمحة، لأن رؤية الهلال أمرها عام يتيسر لأكثر الناس من العامة والخاصة في الصحاري والبنيان، بخلاف ما لو علق الحكم بالحساب فإنه يحصل به الحرج ويتنافى مع مقاصد الشريعة لأن أغلب الأمة لا يعرف الحساب.
ومن أراد الزيادة في الإجابة على هذه الإشكالية التي قد تقع عنده فليقرأ كلام شيخ الإسلام 77 رحمه الله في هذا الموضوع فإنه من أنفس ما كتب في الرد على هذه الشبهة.
الجزء: 2 - الصفحة: 131
وَوُجُوْدِ غَيْمٍ أَوْ قَتْرٍ لَيْلَةَ الثَّلاثِيْنَ يَحُوْلُ دُوْنَهُ (1) (1)
قوله (وَوُجُوْدِ غَيْمٍ أَوْ قَتْرٍ لَيْلَةَ الثَّلاثِيْنَ يَحُوْلُ دُوْنَهُ):
هذا هو القيد الثالث الذي يجب به صوم رمضان، والغيم هو السحاب، والقتر هو الغبار الذي ينتج عن الرياح فيمنع رؤية الهلال.
وقد اختلف الفقهاء في هذا القيد، فالمشهور من مذهب الإمام أحمد 78 أنه يجب الصوم بذلك، وهذا القول هو قول عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن عمر، وأنس بن مالك، وأبي هريرة، ومعاوية بن أبي سفيان، وعمرو بن العاص، وعائشة، وأسماء بنتا أبي بكر، ذكر ذلك عنهم ابن القيم رحمه الله 79. واحتج أصحاب هذا القول بما يلي:
(1) حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَصُومُوا وَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَأَفْطِرُوا فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدُرُوا لَهُ) 80.
(2) ما رواه الإمام أحمد عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما مرفوعاً: (إِنَّمَا الشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ فَلا تَصُومُوا حَتَّى تَرَوْهُ وَلا تُفْطِرُوا حَتَّى تَرَوْهُ فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدُرُوا لَهُ) قَالَ نَافِعٌ فَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ إِذَا مَضَى مِنْ شَعْبَانَ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ يَبْعَثُ مَنْ يَنْظُرُ فَإِنْ رُئِيَ فَذَاكَ وَإِنْ لَمْ يُرَ وَلَمْ يَحُلْ دُونَ مَنْظَرِهِ سَحَابٌ وَلا قَتَرٌ أَصْبَحَ مُفْطِرًا وَإِنْ حَالَ دُونَ مَنْظَرِهِ سَحَابٌ أَوْ قَتَرٌ أَصْبَحَ صَائِمًا 81.
وفسر هؤلاء قوله صلى الله عليه وسلم: (فَاقْدُرُوا لَهُ)، أي ضيقوا عليه الحساب فاجعلوه تسعة=
الجزء: 2 - الصفحة: 132
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
=وعشرين يوماً.
(3) أنه يحتمل أن يكون الهلال قد هل ولكن منعه وجود الغيم أو القتر فيصام احتياطاً.
القول الثاني في هذه المسألة: هو ما ذهب إليه الحنفية 82، والمالكية 83، والشافعية 84، وهو رواية عن الإمام أحمد 85، واختارها شيخ الإسلام 86، وابن القيم 87: أنه لا يجب صيام هذا اليوم، واحتجوا بما يلي:
(1) ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ فَإِنْ غُبِّيَ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ ثَلاثِينَ) 88، وهذه الرواية مفسرة لقوله صلى الله عليه وسلم: (فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدِرُوا لَهُ) 89. فالتقدير هنا يكون بجعل شعبان ثلاثين يوماً.
(2) ما جاء في النهي عن صيام يوم الشك: فقد روى الإمام البخاري معلقاً مجزوماً به عن عمار بن ياسر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (مَنْ صَامَ الْيَوْمَ الَّذِي يُشَكُّ فِيهِ فَقَدْ عَصَى أَبَا الْقَاسِمِ صلى الله عليه وسلم) 90.
ولا ريب أن هذا اليوم أعني الذي حصل فيه غيم أو قتر هو مشكوك فيه.
الجزء: 2 - الصفحة: 133
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . (3) ما ورد من النهي في أن يتقدم رمضان بصوم يوم أو يومين: فقد روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا تَقَدَّمُوا رَمَضَانَ بِصَوْمِ يَوْمٍ وَلا يَوْمَيْنِ إِلا رَجُلٌ كَانَ يَصُومُ صَوْمًا فَلْيَصُمْهُ) 91. وبالنظر إلى هذه الأدلة يتبين لنا أن الصواب ما ذهب إليه الجمهور: أنه لا يصام هذا اليوم الذي حصل فيه غيم أو قتر، لكن هل النهي عن الصيام هنا للتحريم، أم الكراهة، أم للاستحباب؟ نقول: على خلاف بين الفقهاء، والراجح أن النهي هنا للتحريم، وهو اختيار الشيخين 92 رحمهما الله، فإن وافق هذا اليوم ما كان من عادته صيامه كيوم الاثنين أو الخميس مثلاً فلا يحرم ولا يكره صيامه.
- فائدة: هل يجزيء صيام يوم الثلاثين بأن يقول: (إن كان غداً من رمضان فأنا صائم)؟
قد يقول قائل: ما دام أن الأمر أنه لم تظهر رؤيته لوجود غيم أو قتر فأنا أصبح صائماً إن كان من رمضان فهو عن رمضان، وإلا فهو تطوع، أو يقصد صيام هذا اليوم تطوعاً ولم يجزم في ذلك بنية كونه من رمضان.
فإن بان أن غداً من رمضان فهل يجزئه صومه عن رمضان؟ نقول: اختلف الفقهاء في هذه المسألة: فذهب جمهور المالكية 93، والشافعية 94، والحنابلة 95 أنه لا يجزئه لأنه يجب تعيين النية في كل صوم=
الجزء: 2 - الصفحة: 134
وَإِذَا رَأَى الْهِلالَ وَحْدَهُ، صَامَ (1)، =واجب، وذلك بأن يعتقد أنه يصوم غداً من رمضان، أو من قضائه، أو من كفارته، أو نذره، وذلك لقوله صلى الله عليه وسلم: (إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى .. ) (1). وذهب الحنفية (2)، وهو رواية في مذهب الإمام أحمد (3)، واختارها شيخ الإسلام (4) رحمه الله، وهو أيضاً قول شيخنا (5) أنه يجزئه لأن هذا هو غاية قدرته، وكثير من الناس ينامون في ليلة الثلاثين من شعبان على هذه النية، وهذا هو الراجح - إن شاء الله تعالى -.
(1)
قوله (وَإِذَا رَأَى الْهِلالَ وَحْدَهُ، صَامَ):
أي من رأى هلال رمضان وحده وجب عليه الصوم، ولو ردت شهادته، وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد 101، وهو مذهب الحنفية 102، والمالكية 103، والشافعية 104، واحتجوا بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ 105. وقوله صلى الله عليه وسلم: (صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ.) 106، قالوا هذا الرجل الذي=96979899100
الجزء: 2 - الصفحة: 135
فَإِنْ كَانَ عَدْلاً، صَامَ النَّاسُ بِقَوْلِهِ (1)،
=رآه وحده رأى الهلال وتيقن أنه من رمضان، فلزمه الصوم كما لو حكم به الحاكم.
وذهب الإمام أحمد (1) في رواية عنه، واختارها شيخ الإسلام (2) أنه لا يلزمه الصوم، بل يصوم مع الناس لأن الهلال هو ما هل واستهل واشتهر لا ما رئي، وهذا هو اختيار سماحة شيخنا بن باز (3) رحمه الله، حيث قال: (من رأى الهلال وحده في الدخول أو الخروج ولم يعمل بشهادته فإنه يصوم مع الناس، ويفطر مع الناس، ولا يعمل بشهادة نفسه في أصح أقوال أهل العلم).
أما شيخنا (4) رحمه الله فقال: (بأن الأظهر أنه يصوم إذا رآه وحدده، ولا يفطر إذا رأى هلال شوال وحده عملاً بالأحوط).
والصواب عندي أنه لا يصوم إلا إذا قبلت شهادته أو لم تقبل ولم ترد، أما إذا ردت فلا يصوم وهكذا يقال في الفطر لقوله صلى الله عليه وسلم: (الصَّوْمُ يَوْمَ تَصُومُونَ وَالْفِطْرُ يَوْمَ تُفْطِرُونَ وَالْأَضْحَى يَوْمَ تُضَحُّونَ .. ) (5).
(1)
قوله: (فَإِنْ كَانَ عَدْلاً، صَامَ النَّاسُ بِقَوْلِهِ):
أي متى ثبتت رؤية هلال رمضان من رجل عدل، فالواجب على الناس الصيام بقوله.
وقال المالكية 112 في حالة الغيم والصحو، في المصر الصغير والكبير فلا تثبت=107108109110111
الجزء: 2 - الصفحة: 136
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
=الرؤية إلا بالعدلين في الصوم، والفطر وشهر ذي الحجة، واشترطوا في العدلين ما تقتضيه العدالة من العقل والبلوغ والالتزام بالإسلام.
والصحيح هو القول الأول، فمتى رآه العدل الثقة وجب على الناس الصيام بقوله، وهذا هو المذهب (1)، وهو قول الحنفية (2)، والصحيح عند الشافعية (3).
فائدة:
الشروط المعتبرة فيمن رأى الهلال
: اشترط الفقهاء لمن رأى الهلال شروطاً منها:
(1) العدالة
: وحدها الالتزام بالإسلام، بأن يقوم بالواجبات، ولا يفعل كبيرة ولا يصر على صغيرة، هذا هو حدها الشرعي.
والأظهر عندي والله أعلم ما ذكره شيخنا 116 في حدها حيث قال: (لو قلنا بقول الفقهاء لم نجد عدلاً، فمن يسلم من الغيبة، والسخرية بالناس، والتهاون بالواجبات، وأكل المحرم وغير ذلك.
ولهذا كان الصحيح بالنسبة للشهادة فإنه يقبل منها ما يرجح أنه حق وصدق لقوله تعالى: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنْ الشُّهَدَاءِ﴾ 117، ولأن الله لم يأمرنا برد شهادة الفاسق، بل أمرنا بالتبين فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ 118).113114115
الجزء: 2 - الصفحة: 137
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ذكر بعض الفوائد:
- فائدة (1): يشترط مع العدالة أن يكون قوي البصر، بحيث يحتمل صدقه فيما ادعاه، فإن كان ضعيف البصر لم تقبل شهادته وإن كان عدلاً.
- فائدة (2): لو تراءى عدل الهلال مع جماعة كثيرين وهو قوي البصر ولم يره غيره فهل يصام برؤيته؟ نقول: نعم يصام، وهذا هو المشهور من المذهب، وعليه أكثر أهل العلم.
- فائدة (3): من رأى الهلال وهو ممن يفعل كبيرة كشرب الخمر مثلاً: يلزمه أن يخبر أنه رأى الهلال، ولا يلزم أن يخبر أنه يفعل كبيرة لأن الأحكام تتبعض.
- فائدة (4): في شهادة مستور الحال: مستور الحال هو من تُجهل عدالته، فالمذهب (1) لا تقبل شهادته، والأصح عند الشافعية (2) قبول شهادته.
والأظهر عندي أن هذا راجع للقاضي، فإن وثق به فلا يحتاج للبحث في عدالته، وإن لم يثق بقوله أو تردد في أمره فله أن يسأل عنه.
(2) الحرية
: وهذا هو قول المالكية 121، والشافعية 122، وعللوا لذلك بأن الرؤية من قبيل الشهادة، فلا تقبل فيها شهادة العبد.
والصحيح عندي أنه لا يشترط في ترائي هلال رمضان الحرية، وهذا هو قول الحنفية 123، والحنابلة 124، وذلك لأن الإعلام بالرؤية هو من قبيل الإخبار.119120
الجزء: 2 - الصفحة: 138
صَامَ النَّاسُ بِقَوْلِهِ (1)
(3) الذكورية
: فيشترط فيمن رأى الهلال أن يكون ذكراً، وهذا هو قول المالكية (1)، والشافعية (2)، واختاره سماحة شيخنا بن باز (3) رحمه الله حيث قال: (اختلف العلماء في المرأة هل تقبل شهادتها في الدخول كالرجل؟ على قولين: والأرجح عدم قبولها في هذا الباب، لأن هذا المقام مقام الرجال،
ومما يختص به الرجال ويشاهده الرجال، ولأنهم أعلم بهذا الأمر وأعرف به).
وذهب الحنفية (4)، وهو قول عند الشافعية (5)، والحنابلة (6) أن المرأة إذا أخبرت برؤيتها للهلال قبل قولها لأنه خبر ديني أشبه الرواية والخبر عن القبلة، ودخول وقت الصلاة، وهذا هو الراجح عندي، وهو اختيار شيخنا (7) رحمه الله.
(4) البلوغ
: فلا يقبل في رؤية الهلال المميز ولا الصبي الموثوق به، وهذا هو المذهب عند الشافعية (8)، والحنابلة (9)، وهو الصحيح إن شاء الله تعالى.
(1)
قوله: (صَامَ النَّاسُ بِقَوْلِهِ):
هل المراد عموم الناس، أم هو خاص بطائفة معينة من الناس؟ نقول: هذه المسألة هي ما يسميها الفقهاء: (اعتبار اختلاف المطالع):125126127128129130131132133
الجزء: 2 - الصفحة: 139
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقد اختلف الفقهاء في هذه المسألة: فالمعتمد عند الحنفية 134، وهو ظاهر الرواية عندهم، وهو مذهب المالكية 135، والحنابلة 136 أنه إذا رأى الهلال أهل بلد لزم الناس كلهم الصوم، حتى لو رئي في المشرق ليلة الجمعة، وفي المغرب ليلة الخميس وجب على أهل المغرب العمل بما رآه أهل المشرق، فبثبوت الرؤية يعم الصوم سائر البلاد القريبة والبعيدة، ولا يراعى في ذلك مسافة قصر، ولا اتفاق المطالع ولا عدمها.
واحتج هؤلاء بأن الأدلة التي جاءت بالأمر بالصوم أدلة عامة يستوي فيها القريب والبعيد.
القول الثاني: وهو ما ذهب إليه الشافعية 137 أنه إذا رأي هلال رمضان في بلد ولم ير في غيره نظر؛ فإذا تقارب البلدان فحكمهما حكم بلد واحد، ويلزم أهل البلد الآخر الصوم بلا خلاف عندهم، وإن تباعدا فوجهان؛ أصحهما لا يجب الصوم على أهل البلد الأخرى، والثاني يجب.
قال النووي 138 رحمه الله: (والصحيح الأول، يعني لا يجب الصوم).
لكن ما هو حد التقارب الذي يلزم فيه الصوم عند الشافعية؟ هذه المسألة على ثلاثة أوجه:
الوجه الأول: قال النووي: أصحها أالتباعد يختلف باختلاف المطالع
كالحجاز والعراق وخراسان، والتقارب أن لا يختلف باختلاف المطالع، =
الجزء: 2 - الصفحة: 140
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
=كبغداد، والكوفة، والري، وقزوين، لأن مطلع هؤلاء
مطلع هؤلاء، فإذا رأى هؤلاء فعدم رؤيته للآخرين لتقصيرهم في التأمل أو العارض، بخلاف مختلفي المطالع.
الوجه الثاني: الاعتبار باتحاد الإقليم، واختلافه، فإن اتحدا فمتقاربان وإلا فمتباعدان.
الوجه الثالث: أن التباعد مسافة قصر والتقارب دونها.
انتهى كلامه رحمه الله
القول الثالث في المسألة: أن الناس تبع الإمام، فإذا صام صاموا، وإن أفطر أفطروا، ولو كانت الخلافة عامة لجميع المسلمين فرآه الناس في بلد الخليفة ثم حكم الخليفة بالثبوت لزم من تحت ولايته في مشارق الأرض ومغاربها أن يصوموا أو يفطروا لئلا تختلف الأمة وهي تحت ولاية واحدة، فيحصل التنازع والتفرق.
أما دليلهم على ذلك فهو حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الصَّوْمُ يَوْمَ تَصُومُونَ وَالْفِطْرُ يَوْمَ تُفْطِرُونَ وَالأَضْحَى يَوْمَ تُضَحُّونَ) 139.
ذكر هذا القول ابن حجر 140 في الفتح، وهذا القول هو ما عليه غالب البلدان الآن، فإن عمل الناس اليوم أنه إذا ثبتت عند ولي الأمر لزم جميع من تحت ولايته أن يلتزموا الصوم أو الفطر.
وبعد ذكر الخلاف في هذه المسألة، وذكر أقوال المذاهب فيها، فالذي يترجح
عندي أنه إذا كانت البلاد متقاربة والمطالع متحدة فيلزمهم الصيام، وإلا فلا=
الجزء: 2 - الصفحة: 141
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وهذا هو اختيار شيخنا (1) رحمه الله.
وتوسط سماحة شيخنا ابن باز (2) رحمه الله في هذه المسألة فقال: (الأمر واسع بحمد الله، فلكل أهل بلد رؤيتهم، كما ثبت ذلك عن ابن عباس رضي الله عنهما لما قدم عليه كريب).
وبهذا قال جماعة من أهل العلم، ورأوا أنه لكل أهل بلد رؤيتهم، فإذا ثبتت في المملكة العربية السعودية مثلاً وصام برؤيته أهل الشام ومصر وغيرهم فحسن لعموم الأحاديث، وإن لم يصوموا
وتراءوا الهلال وصاموا برؤيتهم فلا بأس.
ذكر بعض الفوائد
:
فائدة (1): أثر الخطأ في رؤية الهلال
: قد يحصل خطأ في رؤية الهلال في رمضان، ويترتب عليه إفطار يوم من رمضان، أو ينتج عن رؤية هلال شوال خطأ ويترتب عليه إفطار يوم من رمضان، أو صيام يوم العيد، وهذا الخطأ ناتج إما عن وجود غيم أو التقصير في رؤية الهلال، فما الحكم إذاً في هذه المسألة: نقول: روى البخاري ومسلم في صحيحيهما عن أبي بكرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (شَهْرَا عِيدٍ لا يَنْقُصَانِ رَمَضَانُ وَذُو الْحِجَّةِ) 143. قال الطيبي 144: (ظاهر سياق الحديث بيان اختصاص الشهرين بمزية ليست في غيرهما من الشهور، وليس المراد أن ثواب الطاعة في غيرهما ينقص وإنما=141142
الجزء: 2 - الصفحة: 142
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
=المراد رفع عما عسى أن يقع فيه خطأ في الحكم لاختصاصهما بالعيدين، وجواز احتمال وقوع الخطأ فيهما، ومن ثم قال: (شهرا عيد) قبل قوله (شهران لا ينقصان)، ولم يقتصر على قوله: (رمضان وذو الحجة).
قال العيني 145: قال ابن بطال: (قالت طائفة: من وقف بعرفة ........ شامل لجميع أهل الموقف في يوم قبل عرفة أو بعده أنه يجزيء عنه، وهو قول عطاء بن أبي رباح، والحسن البصري، وأبي حنيفة، والشافعي.
واحتج أصحابه على جواز ذلك بصيام من التبست عليه الشهور، وأنه جائز أن يقع صيامه قبل رمضان أو بعده).
وقال ابن حجر 146 رحمه الله: (الحديث يطمئن من صام رمضان تسعة وعشرين ووقف بعرفات في غير يومها اجتهاداً).
قلت: فلو صام الناس ثمانية وعشرين يوماً ثم رأوا هلال شوال أفطروا قطعاً، وقضوا يوماً فقط على الصحيح من المذهب 147.
وفي وجه آخر في المذهب أنهم يقضون يومين.
لكن الصحيح عندي القول الأول.
- فائدة (2): اختلف الفقهاء فيما إذا رئي الهلال نهاراً وذلك لاختلاف الصحابة رضي الله عنهم في هذه المسألة، هل هو لليلة الماضية أم المقبلة؟ فالشافعية 148، والحنابلة 149 على أنه إذا رئي نهاراً فهو لليلة المستقبلة، واحتجوا لذلك بما جاء عن عمر ابن الخطاب رضي الله عنه (أن الأهلة بعضها=
الجزء: 2 - الصفحة: 143
وَلا يُفْطِرُ إِلاَّ بِشَهَادَةِ عَدْلَيْنِ (1)
=أكبر من بعض، فإذا رأيتم الهلال نهاراً فلا تفطروا حتى يشهد رجلان مسلمان أنهما رأياه بالأمس) (1).
وعن الإمام مالك بن أنس (2) رحمه الله: (من رأى هلال شوال نهاراً فلا يفطر ويتم صيام يومه ذلك، فإنما هو هلال الليلة التي تأتي).
وفي رواية أخرى عنه وهي قول أبي يوسف صاحب أبي حنيفة (3): (التفريق بين كونه رئي قبل الزوال أم بعده، فإن رئي قبل الزوال فهو لليلة الماضية، فيمسكون إن وقع ذلك في شعبان، ويفطرون إن وقع ذلك في رمضان، ويصلون العيد، وإذا رئي بعد الزوال فهو للقادمة سواء أصليت الظهر أم لم تصل).
أما أبو حنيفة (4) فقال: (لا يعتبر في رؤية الهلال قبل الزوال ولا بعده، وإنما العبرة لرؤيته بعد غروب الشمس.
وبعد ذكر أقوال الفقهاء في هذه المسألة نقول بأن ما ذهب إليه الشافعية والحنابلة هو الصواب، أي متى رئي الهلال نهاراً فهو لليلة المقبلة لا لليلة الماضية، وهذا هو اختيار شيخنا (5) رحمه الله.
(1)
قوله (وَلا يُفْطِرُ إِلاَّ بِشَهَادَةِ عَدْلَيْنِ):
أي فلا يثبت هلال شوال إلا إذا رآه
عدلان.
(قال الترمذي 155 وغيره: (لم يختلف أهل العلم في الإفطار أنه لا يقبل إلا=150151152153154
الجزء: 2 - الصفحة: 144
وَلا يُفْطِرُ إِذَا رَآهُ وَحْدَهُ (1)،
=شهادة رجلين، أي عدلين يشهدان لأنه مما يطلع عليه الرجال غالباً، وإنما أجزيء بواحد في الصوم احتياطاً للعبادة).
قلت: واحتج لذلك بما رواه عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه صلى الله عليه وسلم قال: ( .. فَإِنْ شَهِدَ شَاهِدَانِ فَصُومُوا وَأَفْطِرُوا) (1).
وقال ابن عبد البر (2) رحمه الله: (أما الشهادة على رؤية الهلال فأجمع العلماء على أنه لا تقبل في شهادة شوال في الفطر إلا رجلان عدلان).
وقال النووي (3) رحمه الله: (فلا يجوز بشهادة عدل واحد على هلال شوال عند جميع العلماء إلا أبا ثور فجوزه بعدل).
قلت: وهذا هو الصواب: أي لا تقبل في الشهادة على الفطر إلا رؤية عدلين بخلاف ما ذهب إليه أبو ثور، والشوكاني (4) كما في نيل الأوطار.
(1)
قوله: (وَلا يُفْطِرُ إِذَا رَآهُ وَحْدَهُ):
وعلل لذلك لاحتمال خطئه وتهمته، فوجب الاحتياط، وهذا هو المذهب 160، وهو مذهب الحنفية 161، والمالكية 162، وذهب الشافعية 163 إلى أنه يفطر سراً، وبه قال بعض الحنفية 164، والحنابلة 165.156157158159
الجزء: 2 - الصفحة: 145
وَإِنْ صَامُوْا بِشَهَادَةِ اثْنَيْنِ ثَلاثِيْنَ يَوْمًا، أَفْطَرُوْا (1)، وَإِنْ كَانَ بِغَيْمٍ، أَوْ قَوْلِ وَاحِدٍ، لَمْ يُفْطِرُوْا، إِلاَّ أَنْ يَرَوْهُ، أَوْ يُكْمِلُوْا الْعِدَّةَ (2)، والصحيح في هذه المسألة ما ذهب إليه شيخ الإسلام (1)، وهو قول الجمهور من أنه لا يفطر وحده، بل يفطر مع الناس، وهو أيضاً اختيار شيخنا (2) رحمه الله.
(1)
قوله: (وَإِنْ صَامُوْا بِشَهَادَةِ اثْنَيْنِ ثَلاثِيْنَ يَوْمًا، أَفْطَرُوْا):
وإن لم يروا الهلال، ودليل ذلك حديث عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال: (فَإِنْ شَهِدَ شَاهِدَانِ فَصُومُوا وَأَفْطِرُوا) (3). ولأن الشهر لا يزيد عن الثلاثين، وهذا هو المذهب (4).
(2)
قوله: (وَإِنْ كَانَ بِغَيْمٍ، أَوْ قَوْلِ وَاحِدٍ، لَمْ يُفْطِرُوْا، إِلاَّ أَنْ يَرَوْهُ، أَوْ يُكْمِلُوْا الْعِدَّةَ):
معنى كلامه رحمه الله أنه إن كان صومهم لرمضان بسبب الغيم أو بشهادة واحد فلابد أن يروا الهلال أو يكملوا رمضان ثلاثين يوماً.
أي إن صام الناس بسبب الغيم لليلة الثلاثين من شعبان أو صاموا بشهادة واحد برؤية هلال رمضان فإنه يلزمهم ثبوت رؤية هلال شوال، أو إكمال رمضان ثلاثين يوماً ليس فيها اليوم الأول لأنه إنما صاموا احتياطاً فلا يجوز الخروج منه للاحتياط أيضاً.
وما ذكره المؤلف فيه مسألتان:
الأولى: أن يصوم الناس ليلة الثلاثين من شعبان بسبب وجود الغيم أو القتر وهذا هو يوم الشك الذي بينا حكمه سابقاً وقلنا لا يشرع صومه، بل يحرم على الصحيح، وإذا قلنا بذلك فإن هذه المسألة لا ترد.
الثانية: أن يصام بشهادة واحد ثلاثين يوماً ولم يروا الهلال، وهذه المسألة=166167168169
الجزء: 2 - الصفحة: 146
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . =على وجهين في المذهب: الوجه الأول: أنهم لا يفطرون لحديث عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب المتقدم (1). الوجه الثاني: أنهم إن صاموا بشهادة واحد ثلاثين يوماً ولم يروا الهلال أفطروا لأن الصوم إذا وجب وجب الفطر لاستكمال العدة لا بالشهادة، ولأن الصوم إنما ثبت بدليل شرعي، وقد صاموا ثلاثين يوماً، ولا يمكن أن يزيد الشهر عن ثلاثين يوماً، وهذا هو الصحيح، وهو رواية في المذهب (2)، واختارها شيخنا (3) رحمه الله.
ذكر بعض الفوائد
:
فائدة (1): لو صام شخص برؤية بلد ثم سافر لبلد آخر قد صاموا بعدهم بيوم
، وأتم هو ثلاثين يوماً ولم ير الهلال في تلك البلد التي سافر إليها فهل يفطر أو يصوم معهم؟
نقول: هذه المسألة على قولين:
الأول: أنه يفطر سراً لأنه لا عبرة باختلاف المطالع، فمتى رئي في بلد لزم الجميع الصوم والفطر على هذه الرؤية.
الثاني: أنه لا يفطر، بل يلزمه الصوم، وإن زاد على ثلاثين يوماً لدخوله في عموم الخطاب الموجه إليهم، ولأن العبرة في بدء صيام رمضان في البلد التي=170171172
الجزء: 2 - الصفحة: 147
وَإِذَا اشْتَبَهَتِ الأَشْهُرُ عَلَى الأَسِيْرِ، تَحَرَّى، وَصَامَ، فَإِنْ وَافَقَ الشَّهْرَ أَوْ مَا بَعْدَهُ، أَجْزَأَهُ، وَإِنْ وَافَقَ ما قَبْلَهُ، لَمْ يَجْزِهِ (1) =سافر منه وفي نهايته في البلد التي قدم إليها، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الصَّوْمُ يَوْمَ تَصُومُونَ وَالْفِطْرُ يَوْمَ تُفْطِرُونَ وَالأَضْحَى يَوْمَ تُضَحُّونَ) (1). وهذا هو القول الصحيح، وهو اختيار اللجنة الدائمة (2)، وشيخنا (3) رحمه الله.
-
فائدة (2): لو صام شخص برؤية بلد، ثم سافر إلى بلد آخر قد صاموا قبلهم بيوم، وأتموا هم تسعة وعشرين يوماً وهو يعتبر في حقه اليوم الثامن والعشرين، ثم رأى الهلال فهل يفطر معهم أم يصوم؟ الصواب في هذه المسألة: أنه يفطر معهم ثم يقضي هذا اليوم الذي يكون في حقه التاسع والعشرون.
فائدة (3): متى يفطر المسافر إذا كان في الطائرة
؟ نقول: الأصل أن لكل شخص في إمساكه في الصيام وإفطاره وأوقات صلاته حكم الأرض التي هو عليها، أو الجو الذي يسير فيه، وعلى ذلك فمن كان في الطائرة وهو يرى الشمس لم تغرب فلا يجوز له الفطر حتى تغرب الشمس، حتى وإن كان غروبها يتأخر عن وطنه بنصف ساعة مثلاً أو أكثر من ذلك أو أقل لأنه كما قلنا لكل صائم حكم المكان الذي هو فيه سواء كان على سطح الأرض أم كان على طائرة.
(1)
قوله: (وَإِذَا اشْتَبَهَتِ الأَشْهُرُ عَلَى الأَسِيْرِ، تَحَرَّى، وَصَامَ، فَإِنْ وَافَقَ الشَّهْرَ أَوْ مَا بَعْدَهُ، أَجْزَأَهُ، وَإِنْ وَافَقَ ما قَبْلَهُ، لَمْ يَجْزِهِ):
جملة ما ذكره المؤلف=173174175
الجزء: 2 - الصفحة: 148
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(1) =في هذه المسألة أن من عمي عن الشهر كالأسير في بلاد الكفار أو المسجون في مكان خفي، أو النائي عن الأمصار وغيرهم ممن عمي عليه الشهر، فهؤلاء الواجب في حقهم أن يجتهدوا ويتحروا في معرفة عين الشهر ودخوله كما يتحرون في معرفة وقت الصلاة وجهة القبلة، وغير ذلك عند الاشتباه لأنه لا يمكنهم أداء العبادة إلا بالتحري والاجتهاد وهذا الاجتهاد والتحري قد يكون صواباً وقد يكون خطأً، فإن كان الاجتهاد والتحري صواباً، بمعنى أنه اجتهد وتحرى في دخول شهر رمضان فوافق اجتهاده وتحريه الشهر فهنا صومه صحيح وليس عليه شيء، وإن كان اجتهاده وتحريه خطأ، بمعنى أنه أخطأ في صيام الشهر فهنا لا يخلو من أحوال:
الأول: أن يصوم قبل شهر رمضان كشعبان مثلاً، فهنا لم يجزئه صومه لأنها عبادة لم يصح قضاؤها في غير وقتها كالصلاة.
الثاني: أن يصوم بعد شهر رمضان كشوال مثلاً، فهنا أجزئه صومه لأن أكثر ما فيه أنه قضاء، وقد نواه أداء، وهذا يجوز في حال الاشتباه كالصلاة.
الثالث: أن يتبين له أنه صام بعضه في رمضان وبعضه قبله، فهنا أجزأه ما صام في رمضان دون ما صام قبله.
الرابع: أن يتبين له أنه صام بعضه في رمضان وبعضه بعده فهنا أجزأه جميع ما صام.
الجزء: 2 - الصفحة: 149
بَابُ أَحْكَامِ الْمُفْطِرِيْنَ فِيْ رَمَضَانَ
(1) وَيُبَاحُ الْفِطْرُ فِيْ رَمَضَانَ لأَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ (2): أَحَدُهَا: الْمَرِيْضُ الَّذِيْ يَتَضَرَّرُ بِهِ (3)، (1)
قوله (بَابُ أَحْكَامِ الْمُفْطِرِيْنَ فِيْ رَمَضَانَ):
المفطرون في رمضان على ثلاثة أقسام: الأول: من يرخص لهم الفطر، ويجب عليهم القضاء، وهم المريض الذي يرجى برؤه، والمسافر.
الثاني: من يرخص لهم الفطر ويجب عليهم الفدية وهم الشيخ الكبير، والمرأة العجوز، والمريض الذي لا يرجى برؤه.
الثالث: من يجب عليهم الفطر والقضاء معاً، وهم الحائض والنفساء.
وسيأتي بيان المؤلف لهؤلاء في هذا الباب.
(2)
قوله (وَيُبَاحُ الْفِطْرُ فِيْ رَمَضَانَ لأَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ):
المباح ما استوى فيه الفعل والترك، أي ما لم يكن في فعله وتركه ثواب ولا عقاب، لكن هل هذا مسلَّم فيما سيذكره المؤلف؟ نقول: لا لأن ممن ذكرهم المؤلف فيمن يباح له الفطر الحائض والنفساء، وهما ممن يحرم عليهما الصوم ويجب عليهما القضاء، وكذا المريض الذي يتضرر بالمرض، وكذا المسافر الذي يشق عليه الصوم، فهؤلاء أيضاً يجب عليهم الفطر كما سنذكره.
(3)
قوله (أَحَدُهَا: الْمَرِيْضُ الَّذِيْ يَتَضَرَّرُ بِهِ):
دليل ذلك: قوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ 176. قال ابن قدامة 177 رحمه الله: (أجمع أهل العلم على إباحة الفطر للمريض في الجملة).
الجزء: 2 - الصفحة: 150
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقوله: (الذي يتضرر به): هذا قيد في المرض المبيح للفطر، فلابد أن يتضرر به كأن يكون بسبب الصوم يزداد ألماً ومشقة، أو يكون الصيام سبباً في زيادة المرض أو بسببه يتأخر شفاء المريض منه.
فمتى حصل للمريض الضرر بذلك أبيح له الفطر، لكن ما هو الطريق الذي يتعرف به على ذلك؟
نقول: هناك طريقان لمعرفة الضرر:
الأول: إما عن طريق التجربة، وذلك عن طريق المريض نفسه كأن يجرب الصوم يوماً أو أكثر ثم يشق عليه أو يزيد وجعه، أو عن طريق رجل آخر عنده نفس المرض فيخبره بمدى الضرر الذي قد يلحقه به إذا صام.
الثاني: أن يخبر الطبيب بما قد يلحقه من ضرر إذا صام، فهنا يجوز له الفطر ولكن ينبغي له أن يسأل الطبيب المتخصص الذي يثق به في طبه، وهل يلزم أن يكون الطبيب مسلماً؟ المذهب (1) يشترط فيه الإسلام، والثقة.
والصحيح: عدم اشتراط الإسلام في الطبيب، بل يكفي كونه ثقة في مهنته، وهذا هو اختيار شيخنا (2) رحمه الله.
ذكر بعض الفوائد
:
- فائدة 178: إذا كان الصوم يضر المريض فيحرم عليه الصوم لقوله تعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ .. ﴾ 180. وجه الدلالة من الآية: أن الله تعالى نهى عن قتل النفس، والنهي عام في=179
الجزء: 2 - الصفحة: 151
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
=قتل النفس بكل ما كان فيه ضرر عليها، لكن إن صام أجزأه صومه.
وقوله: (الذي يتضرر به): فيه أيضاً أنه إذا كان لا يتضرر بالمرض فيجب عليه الصوم.
وقيل: بل يباح الفطر بكل مرض حتى من وجع الأصبع، والضرس، ولا يشترط كونه يضر الصائم لأن الآية عامة في المرض، ولأن المسافر يباح له الفطر من غير حاجة إليه فكذلك المرض.
والذي يظهر لي أنه لابد من اعتبار الضرر والمشقة في المرض الذي يجوز فيه الفطر، فالمرض لا ضابط له، والأمراض تختلف، منها ما يضر صاحبه ومنها ما لا يضر، ولا أثر للصوم عليه، كجرح في الأصبع، ودمل، وزكام يسير، وصداع يسير، وأشباه ذلك، ولا يصلح للمرض ضابط دقيق وعليه فلابد من اعتبار الحكمة هنا وهي ما يخاف منه الضرر.
وخلاصة ما ذكرناه في هذه المسألة: أن للمريض حالات مع الصوم:
الحالة الأولى: أن لا يتأثر بالصوم كيسير المرض مثل الزكام والصداع اليسير، ووجع الأصبع، والضرس، فهؤلاء لا يجوز لهم الفطر، ويجب عليهم الصوم إلا أن يكون الفطر أرفق بهم فهنا يفطرون.
الحالة الثانية: أن يشق عليه الصوم لكن لا يضره فهنا يسن له الفطر ويكره له الصوم.
الحالة الثالثة: أن يشق عليه الصوم ويضره كمرضى الكلى، والسكر، وأشباه ذلك، فهنا يحرم عليه الصوم وإن صام أجزأه.
الحالة الرابعة: أن يستوي عنده الصوم والفطر، فالأفضل له أن يصوم لأمور=
الجزء: 2 - الصفحة: 152
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
=أربعة هي:
181 لأنه بصومه يدرك فضيلة الزمن.
182 ولأن ذلك أسرع في إبراء الذمة.
183 لأن حال النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يصوم في السفر أكثر مما يفطر فيه، وما قيل في السفر يقال في المرض.
(4) ولأن الصيام مع الناس أيسر.
- فائدة (2): إذا خاف الصحيح شدة، أو التعب بسبب الصوم هل له أن يفطر؟
اختلف الفقهاء في هذه المسألة:
فقال الحنفية (1): إذا خاف الصحيح المرض بغلبة الظن فله الفطر، فإن خافه بمجرد الوهم فليس له الفطر.
وقال المالكية (2): إذا خاف حصول أصل المرض بصومه فإنه لا يجوز له الفطر على المشهور، إذ لعله لا ينزل به المرض إذا صام، وقيل: يجوز له الفطر.
وقال الحنابلة (3): والصحيح أن الذي يخشى المرض بالصيام كالمريض الذي يخاف زيادة المرض أنه يباح له الفطر.
قلت: وهذا هو الصحيح، لكن لا يكون ذلك إلا باستشارة طبيب ثقة يخبره بأنه لو صام فإن الصوم يضره، أو بالتجربة كما ذكرنا ذلك في المريض الذي يضره الصوم.
الجزء: 2 - الصفحة: 153
وَالْمُسَافِرُ الَّذِيْ لَهُ الْقَصْرُ (1)، (1)
قوله: (وَالْمُسَافِرُ الَّذِيْ لَهُ الْقَصْرُ):
أي وكذلك المسافر الذي يشرع له قصر الصلاة فيباح له الفطر في رمضان، دليل ذلك قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ 184. وروى مسلم عن حمزة الأسلمي رضي الله عنه قال: قلت يا رسول الله: أجد مني قوة على الصوم في السفر، فهل عليَّ جناح؟ فقال: (هِيَ رُخْصَةٌ مِنْ اللَّهِ فَمَنْ أَخَذَ بِهَا فَحَسَنٌ وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَصُومَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ) 185. وروى مسلم أيضاً عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: سَافَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِلَى مَكَّةَ وَنَحْنُ صِيَامٌ قَالَ فَنَزَلْنَا مَنْزِلا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: (إِنَّكُمْ قَدْ دَنَوْتُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ وَالْفِطْرُ أَقْوَى لَكُمْ فَكَانَتْ رُخْصَةً فَمِنَّا مَنْ صَامَ وَمِنَّا مَنْ أَفْطَرَ، ثُمَّ نَزَلْنَا مَنْزِلا آخَرَ فَقَالَ إِنَّكُمْ مُصَبِّحُو عَدُوِّكُمْ وَالْفِطْرُ أَقْوَى لَكُمْ فَأَفْطِرُوا وَكَانَتْ عَزْمَةً فَأَفْطَرْنَا، ثُمَّ قَالَ لَقَدْ رَأَيْتُنَا نَصُومُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بَعْدَ ذَلِكَ فِي السَّفَرِ) 186. وعن أبي سعيد رضي الله عنه أيضاً قال: (كُنَّا نَغْزُو مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي رَمَضَانَ فَمِنَّا الصَّائِمُ وَمِنَّا الْمُفْطِرُ فَلا يَجِدُ الصَّائِمُ عَلَى الْمُفْطِرِ وَلا الْمُفْطِرُ عَلَى الصَّائِمِ، يَرَوْنَ أَنَّ مَنْ وَجَدَ قُوَّةً فَصَامَ فَإِنَّ ذَلِكَ حَسَنٌ وَيَرَوْنَ أَنَّ مَنْ وَجَدَ ضَعْفًا فَأَفْطَرَ فَإِنَّ ذَلِكَ حَسَنٌ) 187. فهذه نصوص الكتاب والسنة تدل دلالة واضحة على إباحة الفطر للمسافر،
الجزء: 2 - الصفحة: 154
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لكن أيهما أفضل في حقه الصوم أم الفطر؟ نقول: اختلف الفقهاء في هذه المسألة:
فذهب الحنفية 188، والمالكية 189، والشافعية 190 إلى أن الصيام أفضل لمن قوي عليه، والفطر أفضل لمن لم يقوى عليه.
دليلهم في ذلك الأدلة السابقة، وأيضاً بما رواه البخاري عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: (خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ فِي يَوْمٍ حَارٍّ حَتَّى يَضَعَ الرَّجُلُ يَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ مِنْ شِدَّةِ الْحَرِّ وَمَا فِينَا صَائِمٌ إِلا مَا كَانَ مِنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَابْنِ رَوَاحَةَ) 191.
وعللوا أيضاً لذلك بتعليلات منها:
أن الصوم في السفر إذا كان لا يتضرر به الإنسان أفضل لأنه أسرع في إبراء الذمة، ولأن الصوم عزيمة والفطر رخصة، ولاشك أن العزيمة الأخذ بها أفضل كما تقرر في أصول الفقه.
فهذا ملخص ما ذهب إليه الجمهور.
وذهب الحنابلة 192 إلى أن الفطر للمسافر أفضل، بل قال الخرقي: (والمسافر يستحب له الفطر)، قال الماوردي: (وهذا هو المذهب).
قال صاحب الإقناع: (المسافر يسنُّ له الفطر ويكره له الصوم ولو لم يجد مشقة).
الجزء: 2 - الصفحة: 155
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
واستدل الحنابلة على ذلك بما رواه البخاري ومسلم عن جابر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لَيْسَ مِنْ الْبِرِّ الصَّوْمُ فِي السَّفَرِ) (1)، وزاد في رواية: (عَلَيْكُمْ بِرُخْصَةِ اللَّهِ الَّذِي رَخَّصَ لَكُمْ) (2).
وعن جابر رضي الله عنه رضي الله عنهما (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم خَرَجَ عَامَ الْفَتْحِ إِلَى مَكَّةَ فِي رَمَضَانَ فَصَامَ حَتَّى بَلَغَ كُرَاعَ الْغَمِيمِ فَصَامَ النَّاسُ ثُمَّ دَعَا بِقَدَحٍ مِنْ مَاءٍ فَرَفَعَهُ حَتَّى نَظَرَ النَّاسُ إِلَيْهِ ثُمَّ شَرِبَ فَقِيلَ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ إِنَّ بَعْضَ النَّاسِ قَدْ صَامَ فَقَالَ أُولَئِكَ الْعُصَاةُ، أُولَئِكَ الْعُصَاةُ) (3).
قلت: وبعد عرض أدلة الفريقين فالذي يترجح لي أن المسافر الأفضل في حقه فعل الأسهل عليه من الصيام والفطر، فإن تساويا فالصوم أفضل لما يأتي:
(1) لأنه أسرع في إبراء الذمة.
(2) أنه أنشط له إذا صام مع الناس.
(3) أنه يدرك بصومه فضيلة الزمن.
(4) ولأنه فعل النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث أبي الدرداء رضي الله عنه المتقدم (4).
أما إذا كان الصوم يشق على المسافر فإنه يفطر ولا يصوم كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم
ذكر بعض الفوائد
المتعلقة بهذه المسألة:
- الفائدة الأولى: يشترط في السفر المبيح للفطر شروط وهي:193194195196
الجزء: 2 - الصفحة: 156
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
197 أن يكون السفر طويلاً مما تقصر فيه الصلاة، والسفر الذي يجوز فيه قصر الصلاة هو ما كانت مسافته (80) كيلو متراً فأكثر.
198 أن لا يعزم المسافر الإقامة خلال سفره أكثر من أربعة أيام.
199 أن لا يكون سفراً في معصية، بل في غرض صحيح، وهذا ما ذهب إليه الجمهور (1)، وذلك لأن الفطر رخصة وتخفيف فلا يستحقها عاص بسفره عند جمع من أهل العلم.
وذهب الحنفية (2) إلى جواز فطر المسافر ولو كان سفر معصية عملاً بإطلاق النصوص المرخصة، ولأن نفس السفر ليس بمعصية وإنما المعصية ما يكون بعده أو بجواره.
والصحيح في ذلك ما ذهب إليه الجمهور.
200 أن يجاوز مدينته وما يتصل بها من البناءات والأقنية، وسيأتي بيان هذا الشرط مستوفى إن شاء الله.
- الفائدة الثانية: في وقت جواز الفطر للمسافر:
للمسافر في هذه المسألة ثلاثة أحوال:
الحالة الأولى: أن يبدأ السفر قبل الفجر، أو يطلع عليه الفجر وهو مسافر وينوي الفطر فيجوز له الفطر إجماعاً.
الحالة الثانية: أن يبدأ السفر بعد الفجر، بأن يطلع عليه وهو مقيم ثم سافر، فهذا محل خلاف بين الفقهاء، فذهب الحنفية (3)، والمالكية (4)، وهو الصحيح=
الجزء: 2 - الصفحة: 157
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
=في مذهب الشافعية 201 إلى أنه لا يحل له الفطر بعدما أصبح صائماً تغليباً لحكم
الحضر.
وذهب الحنابلة 202 وهو رواية عند الشافعية 203 وذهب إليه المزني وغيره من الشافعية أن من نوى الصوم في الحضر ثم سافر في أثناء اليوم فله الفطر بعد خروجه ومفارقته بيوت قريته العامرة.
وهذا هو الصحيح.
دليل ذلك ظاهر الآية في قوله تعالى ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ 204، ولحديث جابر 205، وابن عباس 206 المتقدمين.
وإن كان الأفضل عندي لمن سافر في أثناء يوم نوى صومه إتمام صوم ذلك اليوم خروجاً من الخلاف، وهو قول أكثر العلماء، لكنه لا يجب في حقه أن يتم ذلك اليوم.
الحالة الثالثة: أن يفطر قبل مغادرة بلده، وهذا كما قلنا لا يجوز له، لأن رخصة السفر لا تتحقق بدونه كما لا تبقى بدونه، ولأنه في الحقيقة مقيم، وشاهد للشهر، ولا يوصف بكونه مسافراً حتى يخرج من البلد، فمتى كان فيها فله أحكام المقيمين، ولذلك لا يقصر الصلاة، وهذا ما ذهب إليه الجمهور 207.
وخالف في ذلك بعض أهل العلم فقالوا: يجوز للمسافر أن يفطر قبل خروجه=
الجزء: 2 - الصفحة: 158
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
=من الموضع الذي أراد السفر منه، وهذا قول الحسن، حيث قال: (يفطر إن شاء وهو في بيته يوم يريد أن يخرج).
وقال به إسحاق بن راهوية، واختار هذا القول الشوكاني، واحتج أصحاب هذا القول بحديث أنس الذي رواه الترمذي عن محمد بن كعب قال: (أتيت في رمضان أنس بن مالك وهو يريد سفراً، وقد رحلت له راحلته، ولبس ثياب السفر، فدعا بطعام فأكل، فقلت له سنة؟ فقال سنة ثم ركب) 208.
واحتجوا أيضاً لذلك بما رواه أبو داود عن عبيد بن جبير قال: (رَكِبْتُ مَعَ أَبِي بَصْرَةَ الْغِفَارِيِّ صَاحِبِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي سَفِينَةٍ مِنْ الْفُسْطَاطِ فِي رَمَضَانَ فَدَفَعَ ثُمَّ قَرَّبَ غَدَاءَهُ ثُمَّ قَالَ اقْتَرِبْ فَقُلْتُ أَلَسْنَا نَرَى الْبُيُوتَ فَقَالَ أَبُو بَصْرَةَ أَرَغِبْتَ عَنْ سُنَّةِ صلى الله عليه وسلم) 209.
قال الشوكاني 210 تعليقاً على هذه الآثار: (والحديثان يدلان على أن المسافر له أن يفطر قبل خروجه من الموضع الذي أراد السفر منه).
وقال ابن العربي 211: (وأما حديث أنس فصحيح يقتضي جواز الفطر مع أهبة السفر وهذا هو الحق).
قلت: والصحيح في ذلك المذهب 212، وهو اختيار شيخنا 213 رحمه الله فلا يجوز له الفطر حتى يغادر عامر قريته شأنه في ذلك كشأن الصلاة، فكما لا يجوز أن=
الجزء: 2 - الصفحة: 159
فَالْفِطْرُ لَهُمَا أَفْضَلُ (1)، وَعَلَيْهِمَا الْقَضَاءُ (2)،
=يقصرها حتى يخرج من البلد، فكذلك الصوم.
الثاني: أن ينوي المسافر الإقامة مطلقاً، أو يتيقن أن حاجته لا تنقضي إلا بعد أربعة أيام فأكثر، كأن يكون مرافقاً لمريض في سفر، أو له معاملة يدري أنها ستنتهي بعد أربعة أيام، أو له غرض تجاري في بلد ما يدري أنه لا يفرغ منه إلا بعد المدة المحددة لجواز الفطر فهنا يلزمه الصوم.
أما إذا كان لم ينو الإقامة لكنه أقام لقضاء حاجة له بلا نية إقامة ولا يدري متى تنقضي كأن يكون كما ذكرنا مرافقاً لمريض أو له معاملة، أو له غرض تجاري لا يدري متى تنقضي معاملته، ولم ينو الإقامة، فهنا يجوز له الفطر كما يقصر الصلاة ولو بقي على ذلك سنين.
(1)
قوله: (فَالْفِطْرُ لَهُمَا أَفْضَلُ):
ذكرنا الخلاف في هذه المسألة، وقلنا أن الراجح في حقهما فعل الأيسر إلا إذا استوى عندهما الأمران فالصوم لهما أفضل، وهذا هو اختيار شيخنا (1) رحمه الله.
(2)
قوله: (وَعَلَيْهِمَا الْقَضَاءُ):
أي قضاء الأيام التي أفطروها لقوله تعالى ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ 215. وهنا فائدة: لو سافر من لا يستطيع الصوم لكبر سنه، أو مرض لا يرجى زواله، فماذا يصنع؟ نقول: المذهب 216 أنه لا صوم ولا فدية عليه لأنه مسافر والفدية بدل عن الصوم، والصوم يسقط في السفر ولا صوم عليه لأنه عاجز.214
الجزء: 2 - الصفحة: 160
وَإِنْ صَامَا، أَجْزَأَهُمَا (1). الثَّانِيْ: الْحَائِضُ وَالنُّفَسَاءُ، تُفْطِرَانِ وَتَقْضِيَانِ (2)، والصحيح: أنه يلزمه الفدية لأن الصوم لم يكن واجباً في حقه أصلاً، وإنما الواجب عليه الفدية، والفدية لا فرق فيها بين السفر والحضر، وهذا هو اختيار شيخنا (1) رحمه الله.
(1)
قوله: (وَإِنْ صَامَا، أَجْزَأَهُمَا):
وهذا مذهب الأئمة الأربعة، وجماهير الصحابة والتابعين، فالصوم في السفر جائز صحيح منعقد.
وجاء عن ابن عباس، وابن عمر، وأبي هريرة رضي الله عنهم أن الصوم غير صحيح (2) ويجب القضاء، واختار هذا القول ابن حزم (3) رحمه الله كما في المحلى، والقاعدة عنده في ذلك أن ما نهي عنه لذاته فإنه لا يقع مجزئاً.
فالصوم عنده في السفر محرم، ومقتضى القول بالتحريم أنه إذا صام لم يجزئه لأنه صام ما نهى عنه، كالصوم في أيام التشريق وأيام العيدين فإنه لا يحل ولا يصح.
قلت: والصحيح كما ذكرنا ما ذهب إليه المؤلف وجمهور الصحابة والتابعين والأئمة الأربعة.
(2)
قوله: (الثَّانِيْ: الْحَائِضُ وَالنُّفَسَاءُ، تُفْطِرَانِ وَتَقْضِيَانِ):
أي الثاني ممن يفطر في رمضان الحائض والنفساء، وقد ذكرنا آنفاً أن المؤلف رحمه الله أدرج هذا القسم فيمن يباح له الفطر في رمضان، وهذا فيه إشكال.
والصواب: أن هذا القسم ممن يجب عليه الفطر فإنا صاما أثما ويلزمهما=217218219
الجزء: 2 - الصفحة: 161
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
=القضاء.
أما دليل عدم صومهما فما رواه البخاري ومسلم عن أبي سعيد رضي الله عنه وفيه: ( .. أَلَيْسَ إِذَا حَاضَتْ لَمْ تُصَلِّ وَلَمْ تَصُمْ قُلْنَ بَلَى قَالَ فَذَلِكِ مِنْ نُقْصَانِ دِينِهَا) (1). فمتى رأت المرأة الدم ساعة من نهار وكذلك إذا نفست في أي ساعة من نهار فسد صومها.
أما القضاء فهو لازم في حقهما إذا طهرتا لقول عائشة رضي الله عنها: ( .. كَانَ يُصِيبُنَا ذَلِكَ فَنُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّوْمِ وَلا نُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّلاةِ) (2).
ذكر بعض الفوائد
:
- فائدة 220: لا خلاف بين الفقهاء أن المرأة إذا انقطع عنها دم الحيض بعد الفجر فإنه لا يجزيها صوم ذلك اليوم، لكن هل يلزمها الإمساك باقي اليوم إذا طهرت؟
ذهب الحنفية 222، والحنابلة 223 إلى أنه يلزمها الإمساك.
وذهب المالكية 224 إلى أنه لا يستحب لها الإمساك.
وقال الشافعية 225 لا يلزمها الإمساك.
والصحيح عندي: ما ذهب إليه الشافعية، وهو إحدى الروايتين عن الإمام أحمد 226، واختارها شيخنا 227 رحمه الله، أنه لا يلزمها الإمساك لأنها أفطرت=221
الجزء: 2 - الصفحة: 162
وَإِنْ صَامَتَا، لَمْ يُجْزِئْهُمَا (1). الثَّالِثُ: الْحَامِلُ وَالْمُرْضِعُ (2)، =بعذر شرعي وهو الحيض، ولأنه لا فائدة من إمساكها، والقاعدة في ذلك أن من أفطر في رمضان بعذر يبيح الفطر ثم زال العذر أثناء النهار لم يلزمه الإمساك بقية اليوم.
- فائدة (2): اتفق الفقهاء أنه إذا طهرت المرأة قبل الفجر فإنه يجب عليها صوم ذلك اليوم، لكن اختلفوا في الفترة التي إذا انقطع عنها الدم فإنه يجزيها صوم ذلك اليوم:
فذهب الحنفية (1) إلى أنه لا يجزيها صوم ذلك اليوم إذا لم يبق من الوقت قدر الاغتسال والتحريمة لأنه لا يحكم بطهارتها إلا بهذا.
وقال المالكية (2)، والشافعية (3)، والحنابلة (4) بل متى انقطع دم الحيض وجب عليها الصوم ولو بلحظة، وإن لم تغتسل إلا بعد الفجر، بل إن لم تغتسل أصلاً لأن الطهارة ليست شرطاً في الصوم.
وهذا هو الراجح.
(1)
قوله: (وَإِنْ صَامَتَا، لَمْ يُجْزِئْهُمَا):
وذلك للأدلة السابقة فالحائض والنفساء لا تصومان ولا يجوز لهما أن تنويا الصوم والكف عن الأكل، ولعل هذا من باب الرحمة بهما، فإن صامتا أثمتا ولم يجزئهما الصوم.
(2)
قوله: (الثَّالِثُ: الْحَامِلُ وَالْمُرْضِعُ):
أي القسم الثالث ممن يباح له الفطر في رمضان هما الحامل والمرضع، وذلك لأن الحمل والرضاعة فيهما مشقة، فالحمل يشق على المرأة من أجل كونه حملاً لاسيما في الأشهر الأخيرة عند=228229230231
الجزء: 2 - الصفحة: 163
إِذَا خَافَتَا عَلَى أَنْفُسِهِمَا، أَفْطَرَتَا، وَقَضَتَا (1)، وَإِنْ خَافَتَا عَلَى وَلَدَيْهِمَا، أَفْطَرَتَا وَقَضَتَا، وَأَطْعَمَتَا عَنِ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِيْنًا (2)
=المرأة، وأيضاً يؤثر على الجنين من جهة نموه إذا لم يكن في جسمها غذاء فربما يضعف ويتضرر.
وأيضاً في الرضاعة إذا صامت يقل لبنها فيتضرر بذلك الطفل، ولهذا رخص لهما الشارع بالفطر رحمة بهما.
ولمَّا كان الفطر قد يكون مراعاة لحالهما وقد يكون مراعاة لحال الولد، وقد يكون لحالهما جميعاً ذكر المؤلف هنا الأحكام الخاصة بكل حالة.
(1)
قوله: (إِذَا خَافَتَا عَلَى أَنْفُسِهِمَا، أَفْطَرَتَا، وَقَضَتَا):
هذه هي الحالة الأولى، فمتى خافت الحامل والمرضع على نفسيهما فأفطرتا فالواجب عليهما الفطر والقضاء فقط، وهذا بغير خلاف لأنها بمنزلة المريض، أو بمنزلة من يخاف حدوث مرض، وهذا هو الراجح.
وفي رواية عن الإمام أحمد (1) يطعمان ويقضيان، لكن الراجح عندي جواز الفطر لهما وعليهما القضاء فقط ولا يلزمهما الإطعام.
عليهما من غير إطعام لأنهما بمنزلة المريض والخائف على نفسه.
(2)
قوله: (وَإِنْ خَافَتَا عَلَى وَلَدَيْهِمَا، أَفْطَرَتَا وَقَضَتَا، وَأَطْعَمَتَا عَنِ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِيْنًا):
هذه هي الحالة الثانية، وهي أن الحامل والمرضع إذا خافتا من الصوم على الولد، إما لأن الجوع يضر به، أو لاحتياجه إلى دواء تشربه، فإنه يجوز لها أن تفطر لأنها أحوج إلى الفطر من المسافر، وبعض المرضى، ويجب عليها القضاء والفدية وهي أن تطعم عن كل يوم مسكيناً، وهذا هو=232
الجزء: 2 - الصفحة: 164
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
=المذهب، وهو المشهور من مذهب الشافعي (1).
وفي رواية عند الإمام مالك (2) الكفارة على المرضع دون الحامل لأن المرضع يمكنها أن تسترضع لولدها، بخلاف الحامل، ولأن الحمل متصل بالحامل والخوف عليه كالخوف على بعض أعضائها.
وقال أبو حنيفة (3) لا كفارة عليهما بل تستحب، وعليهما القضاء فقط.
والراجح من هذه الأقوال هو القول الأول: إن ثبتت الرواية في الإطعام عن ابن عباس وابن عمر رضي الله عنهما من قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ (4)، قال ابن عباس رضي الله عنهما (كَانَتْ رُخْصَةً لِلشَّيْخِ الْكَبِيرِ وَالْمَرْأَةِ الْكَبِيرَةِ وَهُمَا يُطِيقَانِ الصِّيَامَ أَنْ يُفْطِرَا وَيُطْعِمَا مَكَانَ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا وَالْحُبْلَى وَالْمُرْضِعُ إِذَا خَافَتَا) قَالَ أَبُو دَاوُد يَعْنِي عَلَى أَوْلادِهِمَا (أَفْطَرَتَا وَأَطْعَمَتَا) (5).
وجاء أيضاً عن ابن عمر (6) مثل ذلك ولا مخالف لهما من الصحابة.
ذكر بعض الفوائد
:
- فائدة 233: بقيت حالة أخرى لم يذكرها المؤلف وهي إذا خافت المرأة على ولدها وعلى نفسها، والصحيح في هذه المسألة تغليب جانب الأم أي يجب=234235236237238
الجزء: 2 - الصفحة: 165
وَإِنْ صَامَتَا، أَجْزَأَهُمَا (1) الرَّابِعُ (2): الْعَاجِزُ عَنِ الصَّوْمِ، لِكِبَرٍ (3)، أَوْ مَرَضٍ لا يُرْجَى بُرْؤُهُ (4)، =عليها القضاء فقط.
- فائدة (2): متى عجزت الحامل والمرضع عن الإطعام سقط عنهما بالعجز ككفارة الوطء وهي رواية في المذهب (1). والصحيح في المذهب عدم الإسقاط، لكن الرواية الأولى هي الراجحة عندي لوجود العذر، وهو العجز، هذا إذا قلنا بوجوب الإطعام عليهما.
- فائدة (3): ظاهر المذهب أن الإطعام واجب على من تلزمه النفقة، وقال بعض الفقهاء بل الإطعام واجب على الحامل والمرضع، والأظهر عندي أن الإطعام مستحب في حق الحامل والمرضع إلا إن صح الحديث فهو واجب عليهما.
- فائدة (4): الواجب في الإطعام مد بر، أو نصف صاع شعير، والخلاف فيه كالخلاف في كفارة الجماع على ما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى.
(1)
قوله: (وَإِنْ صَامَتَا، أَجْزَأَهُمَا):
أي متى صامتا الحامل والمرضع أجزئهما الصوم لأن الفطر لهما مباح ورخصة.
(2)
قوله: (الرَّابِعُ):
أي القسم الرابع ممن يباح له الفطر في رمضان.
(3)
قوله: (الْعَاجِزُ عَنِ الصَّوْمِ، لِكِبَرٍ):
كالشيخ الفاني، وهو الذي فنيت قوته أو أشرف على الفناء، وكذا المرأة المسنة (العجوز).
(4)
قوله: (أَوْ مَرَضٍ لا يُرْجَى بُرْؤُهُ):
أي المرض الذي تحقق اليأس من صحته، كسرطان وغسيل كلى، وغيره مما يقر الأطباء أنه لا يرجى برؤه، فَحُكمُ هؤلاء بيَّنه المؤلف بقوله:239
الجزء: 2 - الصفحة: 166
فَإِنَّهُ يُطْعَمُ عَنْهُ لِكُلِّ يَوْمٍ مِسْكِيْنٌ (1)، وَعَلَى سَائِرِ مَنْ أَفْطَرَ الْقَضَاءُ لا غَيْرُ (2)
(1) (فَإِنَّهُ يُطْعَمُ عَنْهُ لِكُلِّ يَوْمٍ مِسْكِيْنٌ): أي لا يلزمه الصوم في رمضان، ولا يلزمه كذلك القضاء، وهذا بإجماع أهل العلم إذا كان الصوم يجهدهم ويشق عليهم.
والأصل في مشروعية فطر هؤلاء قوله تعالى: ﴿ .. فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾، قال ابن عباس رضي الله عنهما: (لَيْسَتْ بِمَنْسُوخَةٍ هُوَ الشَّيْخُ الْكَبِيرُ وَالْمَرْأَةُ الْكَبِيرَةُ لا يَسْتَطِيعَانِ أَنْ يَصُومَا فَيُطْعِمَانِ مَكَانَ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا) (1).
(2)
قوله: (وَعَلَى سَائِرِ مَنْ أَفْطَرَ الْقَضَاءُ لا غَيْرُ):
نقول المفطرون في نهار رمضان على قسمين: أحدهما: من يباح له الفطر، وهم من ذ كرهم المؤلف: كالمريض، والمسافر، والمرضع، والحامل، والعاجز عن الصوم، وهؤلاء تقدم حكمهم.
الثاني: من أفطر بغير عذر من الأعذار
التي سيأتي بيانها، فهؤلاء يجب عليهم القضاء عن كل يوم يوماً.
إلا في حالتين:
الأولى: الجماع: وسيأتي بيانه في كلام المؤلف.
الثانية: العاصي بفطره: فإنه يلزمه مع القضاء التوبة إلى الله تعالى.
وهل هناك عقوبة على من أفطر عمداً من غير عذر؟
نقول: للفقهاء في هذه المسألة خلاف، وتفصيل، والأظهر عندي أنه يؤدب=240
الجزء: 2 - الصفحة: 167
إِلاَّ مَنْ أَفْطَرَ بِجِمَاعٍ فِي الْفَرْجِ (1)، =بما يراه الإمام من ضرب أو سجن أو بهما معاً.
(1)
قوله (إِلاَّ مَنْ أَفْطَرَ بِجِمَاعٍ فِي الْفَرْجِ):
يعد الجماع من أعظم المفطرات تحريماً وأشدها تكفيراً، لكن يشترط لذلك شروط:
الأول: أن يكون ممن يلزمه الصوم، فإن كان ممن لا يلزمه الصوم كالصغير، فإنه لا قضاء عليه ولا كفارة.
الثاني: أن لا يكون هناك مسقط للصوم كأن يكون مسافراً وهو صائم فجامع زوجته، فإنه لا إثم عليه ولا كفارة وإنما عليه القضاء فقط.
الثالث: أن يكون الجماع في الفرج، فإن كان قد جامع دون الفرج فأنزل فسد صومه بغير خلاف، لكن اختلف الفقهاء في وجوب الكفارة على من جامع دون الفرج.
فعن أحمد روايتان (1)، أحدهما: تجب الكفارة، اختارها الخرقي والقاضي، وهو قول الإمام مالك (2).
الثانية: لا كفارة عليه، وهو مذهب أبي حنيفة (3)، والشافعي (4)، ورواية عن الإمام أحمد (5) اختارها شيخنا (6) رحمه الله، وهذا هو الراجح.
ذكر بعض الفوائد
:
- الفائدة الأولى: إذا جامع في نهار رمضان في الفرج قبلاً كان أو دبراً فعليه=241242243244245246
الجزء: 2 - الصفحة: 168
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
=القضاء والكفارة.
وقال الشافعي في أحد قوليه 247 لا يجب القضاء على من لزمته الكفارة.
والصحيح: الأول وهو المذهب عند الشافعية 248، واختيار سماحة شيخنا بن باز 249 رحمه الله أي يلزمه القضاء والكفارة لقوله صلى الله عليه وسلم للمجامع في نهار رمضان (وَصُمْ يَوْمًا مَكَانَهُ) 250 ولأنه أفسد يوماً من نهار رمضان فلزمه قضاؤه.
- الفائدة الثانية: أن من جامع في نهار رمضان وجب عليه القضاء والكفارة سواء أنزل أو لم ينزل، بخلاف ما ذهب إليه الشعبي والنخعي 251 أنه لا كفارة عليه إلا بالإنزال.
- الفائدة الثالثة: أن الكفارة إنما تجب على من جامع في نهار رمضان ذاكراً متعمداً، فإن كان مكرهاً، أو ناسياً، فلا تجب عليه الكفارة على الصحيح من أقوال أهل العلم.
- الفائدة الرابعة: إذا جامع في غير صوم رمضان عامداً أفسده، ويجب عليه القضاء إن كان واجباً بغير خلاف، أما إن كان نفلاً ففيه خلاف، والصحيح أنه لا يجب عليه القضاء.
- الفائدة الخامسة: إذا كانت المرأة معذورة بجهل أو نسيان أو إكراه فإن عليها القضاء دون الكفارة، أما لو كانت مطاوعة فعليها القضاء والكفارة.
الجزء: 2 - الصفحة: 169
فَإِنَّهُ يَقْضِيْ، وَيُعْتِقُ رَقَبَةً، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ، فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ، فَإِطْعَامُ سِتِّيْنَ مِسْكِيْنًا، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ، سَقَطَتْ عَنْهُ 252، (1)
قوله (فَإِنَّهُ يَقْضِيْ، وَيُعْتِقُ رَقَبَةً، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ، فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ، فَإِطْعَامُ سِتِّيْنَ مِسْكِيْنًا، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ، سَقَطَتْ عَنْهُ):
أجمع العلماء على وجوب الكفارة في حق من جامع عامداً مختاراً في نهار رمضان، ودليل ذلك ما رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال (بَيْنَمَا نَحْنُ جُلُوسٌ عِنْدَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم إِذْ جَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلَكْتُ قَالَ مَا لَكَ قَالَ وَقَعْتُ عَلَى امْرَأَتِي وَأَنَا صَائِمٌ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم هَلْ تَجِدُ رَقَبَةً تُعْتِقُهَا قَالَ لا قَالَ فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ قَالَ لا فَقَالَ فَهَلْ تَجِدُ إِطْعَامَ سِتِّينَ مِسْكِينًا قَالَ لا قَالَ فَمَكَثَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فَبَيْنَا نَحْنُ عَلَى ذَلِكَ أُتِيَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِعَرَقٍ فِيهَا تَمْرٌ وَالْعَرَقُ الْمِكْتَلُ قَالَ أَيْنَ السَّائِلُ فَقَالَ أَنَا قَالَ خُذْهَا فَتَصَدَّقْ بِهِ فَقَالَ الرَّجُلُ أَعَلَى أَفْقَرَ مِنِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ فَوَاللَّهِ مَا بَيْنَ لابَتَيْهَا يُرِيدُ الْحَرَّتَيْنِ أَهْلُ بَيْتٍ أَفْقَرُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي فَضَحِكَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم حَتَّى بَدَتْ أَنْيَابُهُ ثُمَّ قَالَ أَطْعِمْهُ أَهْلَكَ) (1). لكن اختلف الفقهاء في وجوب قضاء هذا اليوم الذي أفطره بالجماع، فالجمهور 253 يوجبون القضاء والكفارة، وفي قول ثان للشافعية 254 لا يجب القضاء لأن الخلل انجبر بالكفارة، وفي قول ثالث أيضاً للشافعية 255 إن كفر بالصوم دخل فيه القضاء وإلا فلا يدخل فيجب القضاء.
الجزء: 2 - الصفحة: 170
فَإِنَّهُ يَقْضِي (1)، وَيُعْتِقُ رَقَبَةً (2)، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ، فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ (3)، والصحيح ما ذهب إليه الجمهور، وهو قول سماحة شيخنا بن باز (1) رحمه الله، فيجب عليه القضاء والكفارة.
(1)
قوله (فَإِنَّهُ يَقْضِي):
أي يقضي مكان اليوم الذي أفسده بالجماع، فيصوم يوماً مكانه، وهذا هو الصحيح كما ذكرنا ذلك آنفاً بخلاف ما نقل عن الشافعي بأنه لا يلزمه القضاء وإلا فالمذهب عند الشافعية (2) وجوب القضاء.
(2)
قوله (وَيُعْتِقُ رَقَبَةً):
أي فكها من الرق، قال شيخنا (3) ووجه المناسبة هو أن هذا الرجل لما جامع في نهار رمضان مع وجوب الصوم عليه استحق أن يعاقب ففدى نفسه بعتق الرقبة.
(3)
قوله (فَإِنْ لَمْ يَجِدْ، فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ):
أي إن لم يجد الرقبة أو ثمنها فيلزمه صيام شهرين متتابعين، أي يتبع بعضهم بعضاً، فلا يفطر فيها يوماً واحداً إلا لعذر شرعي كالحيض والنفاس للمرأة، وكالعيدين، وأيام التشريق، أو عذر حسي كالمرض والسفر للرجل والمرأة بشرط ألا يسافر لأجل أن يفطر فإن سافر ليفطر انقطع التتابع.
والقاعدة في ذلك أن الصيام الواجب والفطر الواجب لا يقطع التتابع.
ذكر بعض الفوائد:
- فائدة 256: الصيام المتتابع يكفي فيه النية من أول الصيام كرمضان وصيام الكفارة.
- فائدة 257: من عليه صيام كفارة لم يجز لأكثر من شخص أن يصوم عنه.258
الجزء: 2 - الصفحة: 171
فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ، فَإِطْعَامُ سِتِّيْنَ مِسْكِيْنًا (1)، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ، سَقَطَتْ عَنْهُ (2)، (1)
قوله (فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ، فَإِطْعَامُ سِتِّيْنَ مِسْكِيْنًا):
أي إن عجز عن الصيام لزمه أن يطعم ستين مسكيناً عن كل يوم مسكين، يعطى نصف صاع من البر وغيره، وإن قال سأقوم بجمعهم في مكان واحد وأعشيهم أو أغديهم أجزأ ذلك، لكن لابد من اعتبار العدد في الإطعام.
(2)
قوله (فَإِنْ لَمْ يَجِدْ، سَقَطَتْ عَنْهُ):
وذلك لعجزه، وهذا هو المذهب (1)، وفي رواية أخرى عن الإمام أحمد (2) أنها لا تسقط بالعجز.
والصحيح القول الأول، وهو اختيار شيخنا (3) رحمه الله.
ذكر بعض الفوائد
:
- الفائدة 259: إذا أغنى الله هذا الرجل الذي لم يكفر لعجزه - في المستقبل - هل يلزمه أن يكفر أم لا؟
نقول: هذه المسألة على روايتين في المذهب 262، والصحيح عندي أنه لا يلزمه لأنها سقطت عنه، وكما أن الفقير لو أغناه الله لم يلزمه أن يؤدي الزكاة عما مضى من سنواته لأنه فقير، فكذلك هذا الذي لم يجد الكفارة إذا أغناه الله تعالى لم يجب عليه قضاؤها.
قيل للإمام أحمد 263 فإن كان المجامع محتاجاً فأطعمه عياله.
قال: يجزيء عنه.
قيل: ولا يكفر إذا وجد؟ قال: لا؛ إلا أنه خاص في الجماع وحده.260261
الجزء: 2 - الصفحة: 172
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . - الفائدة (2): الكفارة في الوطء في نهار رمضان على الترتيب لا التخيير، وفي رواية عن الإمام أحمد (1) أنها على التخيير، والصحيح القول الأول، وهي كما جاء في الحديث: (عتق رقبة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكيناً)، والكفارة هنا هي نفس كفارة الظهار، مع أن كفارة الظهار ثابتة بالكتاب، وهذه ثابتة بالسنة، فلا يتحول من عتق الرقبة إلى الصيام إلا عند العجز عن العتق، ولا يتحول من الصيام إلى الإطعام إلا إذا لم يقدر على الصيام لمانع صحيح، كأن يكون به مرض، أو يخشى حدوث المرض بالصوم، أما من تلحقه المشقة المحتملة بالصوم فليس ذلك مسوغاً له للانتقال إلى الإطعام.
-
الفائدة (3): لابد أن يكون الصيام متتابعاً كما قال المؤلف ﴿فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾، فلا يفطر فيها إلا بعذر شرعي كأيام العيدين، والتشريق، وأيام الحيض والنفاس للمرأة، أو لعذر حسي كالمرض والسفر لغير قصد الفطر، فإن أفطر بغير عذر ولو يوماً واحداً لزمه استئناف الصوم من جديد ليحصل التتابع.
-
ال
فائدة (4): إذا شرع في الكفارة بالصيام، ثم قدر على العتق
في أثناء الصيام هل يلزمه أن يعدل إلى العتق؟ نقول: لا يلزمه الانتقال.
- الفائدة (5): من كفَّر بالصيام يباح له الوطء قبل التكفير بخلاف كفارة الظهار، فإنه يحرم عليه الوطء قبل التكفير.264
الجزء: 2 - الصفحة: 173
فَإِنْ جَامَعَ وَلَمْ يُكَفِّرْ حَتَّى جَامَعَ ثَانِيَةً، فَكَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ (1). (1)
قوله: (فَإِنْ جَامَعَ وَلَمْ يُكَفِّرْ حَتَّى جَامَعَ ثَانِيَةً، فَكَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ.):
هذه المسألة لها حالتان:
الأولى: أن يجامع في يوم واحد مرتين، فهذا لا يخلو من أمرين:
الأمر الأول: أن يجامع ثم يكفر، ثم يجامع في نفس اليوم، فالمذهب 265 أنه يلزمه كفارة ثانية.
والجمهور 266 على عدم الإلزام، لأن الجماع لم يرد على صوم صحيح، وإنما ورد على إمساك فقط، وهذا هو الصحيح.
الأمر الثاني: أن يجامع في يوم واحد مرتين، ولم يكفر عن الجماع الأول، أجزأته كفارة واحدة بغير خلاف في المذهب 267.
الحالة الثانية: أن يجامع في يومين، فهو أيضاً لا يخلو من أمرين:
الأمر الأول: أن يجامع في يوم، ويكفر عنه، فهنا يلزمه الكفارة عن الثاني.
الأمر الثاني: أن يجامع في يوم ولم يكفر، ثم يجامع في آخر، فهل تلزمه كفارتان، عن كل يوم كفارة؟ على روايتين في المذهب 268.
إحداهما: تجزئه كفارة واحدة، وهو مذهب أبي حنيفة 269، وذلك لأنها كفارات من جنس واحد، فاكتفى فيها بكفارة واحدة، كما لو حلف على أيمان متعددة ولم يكفر.
الجزء: 2 - الصفحة: 174
وَإِنْ كَفَّرَ، ثُمَّ جَامَعَ، فَكَفَّارَةٌ ثَانِيَةٌ (1). وَكُلُّ مَنْ لَزِمَهُ الإِمْسَاكُ فِيْ رَمَضَانَ، فَجَامَعَ، فَعَلَيْهِ كَفَّارَةٌ (2).
الثانية: أنه يلزمه عن كل يوم كفارة، وهو قول المالكية (1)، والشافعية (2)، فإن جامع في يومين فإنه يلزمه كفارتان، وإن جامع في ثلاثة أيام فثلاث كفارات، وهكذا.
قلت: ولو راعى المفتي أحوال المستفتي وظروف وقوعه في المحظور لكان ذلك أرفق.
(1)
قوله (وَإِنْ كَفَّرَ، ثُمَّ جَامَعَ، فَكَفَّارَةٌ ثَانِيَةٌ.):
سبق بيان هذه المسألة آنفاً.
(2)
قوله (وَكُلُّ مَنْ لَزِمَهُ الإِمْسَاكُ فِيْ رَمَضَانَ، فَجَامَعَ، فَعَلَيْهِ كَفَّارَةٌ.):
ذكرنا فيما سبق أن من أفطر بعذر شرعي لا يلزمه إمساك بقية اليوم لأنه لا فائدة في الإمساك، قال ابن مسعود رضي الله عنه: (من أكل أول النهار فليأكل آخره) (3) وعلى ذلك ما ذهب إليه المؤلف في هذه المسألة الراجح خلافه.
فالمسافر المفطر الذي قدم إلى بلده نهاراً، وكذا الحائض والنفساء تطهران نهاراً، والمريض الذي يفطر لمرضه ثم يشفى أثناء النهار، ونحو هؤلاء ممن أفطروا لعذر شرعي لا يلزمهم الإمساك، ومتى جامع هؤلاء في نهار رمضان لا يجب عليهم الكفارة، بل يلزمهم القضاء فقط.
ذكر بعض الفوائد
:
- فائدة 270: من رأى هلال رمضان وحده، ولم تقبل شهادته ثم جامع في نهار رمضان فهل يجب عليه القضاء والكفارة؟271272
الجزء: 2 - الصفحة: 175
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . نقول على الخلاف المذكور سابقاً، فالمذهب 273 يوجب القضاء والكفارة، والصحيح أنه لا يلزمه القضاء ولا الكفارة لأن الصوم في حقه غير ملزم به، لأن الصوم يوم يصوم الناس والفطر يوم يفطر الناس، وهذا هو اختيار شيخ الإسلام 274 رحمه الله.
- فائدة (2): هل تجب الكفارة على من أفطر متعمداً في نهار رمضان؟
نقول: قال بعض الفقهاء: الكفارة إذا وجبت بالوطء مع قلة الداعي إليه في الصوم، فلأن تجب بالأكل أولى وأحرى، لأن الكفارة تجب زاجرة عن المعاودة، وماحية للسيئة، وجابرة لما دخل من النقص على العبادة، وهذا يستوي فيه الأكل والوطء، ولأن الأكل مما تدعو إليه الطباع، وتشتهيه
النفوس كالجماع، وما كان من المحرمات تشتهيه الطباع كالزنا، وشرب الخمر فلابد من زاجر شرعي، والزواجر إما حدود، أو كفارات، فلما لم يكن في الأكل حد فكان لابد فيه من الكفارة.
قلت: والصحيح أن الكفارة إنما تجب بالجماع فقط، ولا يجوز أن تلحق سائر المفطرات بالجماع وذلك لأمور: الأول: أن الأصل براءة الذمة من هذه الكفارة، والحديث إنما يوجبها في الوقاع، فإلحاق غيره به يحتاج إلى دليل، والقياس في ذلك ليس بالبين كما ذكر ذلك شيخ الإسلام.
الثاني: أن الجماع يفارق غيره بقوة داعيه وشدة باعثه، فإنه إذا هاجت=
الجزء: 2 - الصفحة: 176
وَمَنْ أَخَّرَ الْقَضَاءَ؛ لِعُذْرٍ حَتَّى أَدْرَكَهُ رَمَضَانُ آخَرُ، فَلَيْسَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ، وَإِنْ فَرَّطَ، أَطْعَمَ مَعَ الْقَضَاءِ لِكُلِّ يَوْمٍ مِسْكِيْنًا (1)،
=شهوته، لم يكد يزعها وازع العقل، ولم يمنعها حارس الدين.
الثالث: أنه لو وجب لأجل الإفطار لاستوى فيه جميع المفطرات، فإن تخصيص بعضها دون بعض نوع تشريع يحتاج إلى دلالة الشرع.
الرابع: أن هذه الكفارة العظمى لا تجب إلا في نوع النكاح المحرم لعارض، ولهذا وجبت على المظاهر لما حرم عليه فرج امرأته بالظهار، كما حرم على الصائم فرج امرأته بالصيام، ووجب نحوها على المحرم لما حرم عليه فرج امرأته بالإحرام.
الخامس: أن هذه الكفارة لو كانت واجبة بالفطر لكان من أبيح له الفطر من غير قضاء تجب عليه هذه الكفارة، كالشيخ الكبير والعجوز الكبيرة.
فهذه جملة من الفروق بين وجوب الكفارة بالجماع، وبين وجوب الكفارة بغيره، ذكرها شيخ الإسلام (1) في شرحه للعمدة.
ومن هنا نقول: بأن وجوب الكفارة إنما تكون على من جامع في نهار رمضان وفق الشروط المذكورة سابقاً، وما عداه لا تجب عليه الكفارة.
(1)
قوله (وَمَنْ أَخَّرَ الْقَضَاءَ؛ لِعُذْرٍ حَتَّى أَدْرَكَهُ رَمَضَانُ آخَرُ، فَلَيْسَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ، وَإِنْ فَرَّطَ، أَطْعَمَ مَعَ الْقَضَاءِ لِكُلِّ يَوْمٍ مِسْكِيْنًا):
ذهب جمهور الفقهاء 276 إلى أن قضاء رمضان على التراخي لكن قيدوه بما إذا لم يفت وقت قضائه كأن يهل رمضان آخر وهو لم يقض.275
الجزء: 2 - الصفحة: 177
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فعن عائشة رضي الله عنها قالت: (كَانَ يَكُونُ عَلَيَّ الصَّوْمُ مِنْ رَمَضَانَ فَمَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَقْضِيَهُ إِلا فِي شَعْبَانَ الشُّغْلُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَوْ بِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم) 277.
فإن أخر القضاء لغير عذر حتى دخل عليه رمضان آخر أثم بذلك، وهل يلزمه الفدية مع القضاء؟
نقول: ذهب إلى لزوم الفدية أبو هريرة، وابن عباس، وابن عمر رضي الله عنهم حيث قالوا فيمن عليه صوم فلم يصمه حتى أدركه رمضان آخر: عليه القضاء وإطعام مسكين عن كل يوم، وهذه الفدية للتأخير.
وذهب الحنفية 278 بإطلاق التراخي بلا قيد، فلو جاء رمضان آخر ولم يقض الفائت جاز له أن يقدم صوم الأداء على القضاء ولا فدية عليه بالتأخير.
واحتجوا لذلك بأن الله تعالى لم يوجب إلا عدة من أيام أخر، ولم يوجب أكثر من ذلك، وكون الصحابة أفتوا بذلك فقولهم حجة ما لم يخالف النص، وهنا خالف ظاهر النص فلا يعتد به.
وذهب شيخنا 279 رحمه الله إلى أن من أخر القضاء حتى أدركه رمضان آخر فإنه يأثم بذلك ولا يجب عليه إلا القضاء فقط لقوله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ 280، ولم يذكر إطعاماً.
وذهب بعض الفقهاء 281 إلى أن من أخر القضاء بلا عذر وجب عليه الإطعام=
الجزء: 2 - الصفحة: 178
وَإِنْ تَرَكَ الْقَضَاءَ حَتَّى مَاتَ لِعُذْرٍ، فَلا شَيْءَ عَلَيْهِ (1)، وَإِنْ كَانَ لِغَيْرِ عُذْرٍ، أُطْعِمَ عَنْهُ لِكُلِّ يَوْمٍ مِسْكِيْنٌ (2)،
=فقط، ولا يصح منه الصيام بقوله صلى الله عليه وسلم: (مَنْ عَمِلَ عَمَلا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ) (1). فهذا عمل عملاً ليس عليه أمر الله ولا رسوله فيكون عملاً باطلاً.
قلت: والراجح عندي القول الأول، فمتى أخر القضاء حتى دخل عليه رمضان آخر فعليه القضاء والكفارة لاسيما أن هذا فتوى بعض صحابة النبي صلى الله عليه وسلم، وهو اختيار سماحة شيخنا بن باز (2) رحمه الله.
هذا إذا كان قادراً على الإطعام، أما إذا عجز عن الإطعام فلا تلزمه الفدية.
(1)
قوله: (وَإِنْ تَرَكَ الْقَضَاءَ حَتَّى مَاتَ لِعُذْرٍ، فَلا شَيْءَ عَلَيْهِ):
أي إن لم يتمكن من قضاء رمضان فلا شيء عليه لعدم تقصيره ولا إثم لأنه فرض لم يتمكن منه إلى الموت فسقط حكمه كالحج.
(2)
قوله (وَإِنْ كَانَ لِغَيْرِ عُذْرٍ، أُطْعِمَ عَنْهُ لِكُلِّ يَوْمٍ مِسْكِيْنٌ):
أي إن ترك القضاء لغير عذر مع تمكنه منه ولم يقضي حتى مات فقد اختلف الفقهاء في هذه المسألة: ذهب جمهور الفقهاء 284 إلى أنه لا يصام عنه لأن الصوم الواجب بأصل الشرع لا يقضى عنه، ولأن الصوم لا تدخله النيابة في الحياة، فكذلك بعد الموت.=282283
الجزء: 2 - الصفحة: 179
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
=وذهب النووي وأبو الخطاب من الحنابلة 285 إلى أنه يجوز لوليه أن يصوم عنه، ويجزئه عن الإطعام، وتبرأ به ذمة الميت، ولا يلزم الولي الصوم بل هو إحسان منه للميت.
واحتج هؤلاء بحديث عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامٌ صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ) 286.
والراجح أنه يستحب لولي الميت أن يقضي عنه للحديث المتقدم، فإن لم يفعل أطعم عن كل يوم مسكيناً.
قال سماحة شيخنا عبد العزيز بن باز 287 (حديث من مات وعليه صوم صام عنه وليه) الصواب أنه عام وليس خاصاً بالنذر، وقد روي عن بعض الأئمة كأحمد وجماعة أنهم قالوا: إنه خاص بالنذر، ولكنه قول مرجوح، ولا دليل عليه، والصواب أنه عام.
والرسول صلى الله عليه وسلم قال: (من مات وعليه صيام صام عنه وليه)، ولم يقل صوم النذر، ولا يجوز تخصيص كلام النبي صلى الله عليه وسلم إلا بدليل والحديث عام يعم صوم النذر وصوم الكفارات، فمن ترك ذلك صام عنه وليه، والولي هو القريب من أقاربه، وإن صام غيره أجزأ عنه، فقد سئل النبي صلى الله عليه وسلم .... ) إلى أن قال رحمه الله: (والأحاديث كثيرة دالة على قضاء رمضان وغيره، وأنه لا وجه لتخصيص النذر، بل هو قول مرجوح ضعيف، والصواب العموم).
الجزء: 2 - الصفحة: 180
إِلاَّ أَنْ يَكُوْنَ الصَّوْمُ مَنْذُوْرًا، فَإِنَّهُ يُصَامُ عَنْهُ (1)، وَكَذلِكَ كُلُّ نَذْرِ طَاعَةٍ (2). (1)
قوله (إِلاَّ أَنْ يَكُوْنَ الصَّوْمُ مَنْذُوْرًا، فَإِنَّهُ يُصَامُ عَنْهُ):
المذهب (1) يفرقون بين ما هو واجب بأصل الشرع، وبين ما أوجبه الإنسان على نفسه كالنذر، ففي الأول الواجب في حقه الإطعام عنه، أما الثاني فيستحب لوليه قضاؤه عنه ولا يجب وإنما يستحب، وذلك لحديث المرأة التي أتت إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقد روى مسلم في صحيحه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (جَاءَتْ امْرَأَةٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أُمِّي مَاتَتْ وَعَلَيْهَا صَوْمُ نَذْرٍ أَفَأَصُومُ عَنْهَا قَالَ أَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّكِ دَيْنٌ فَقَضَيْتِيهِ أَكَانَ يُؤَدِّي ذَلِكِ عَنْهَا قَالَتْ نَعَمْ قَالَ فَصُومِي عَنْ أُمِّكِ) (2). والصحيح عندي أنه لا فرق بين ما كان بأصل الشرع وما أوجبه الإنسان على نفسه، فيجوز لوليه أن يصوم عنه كما مرَّ آنفاً، فإن صام أجزأه عن الفدية كما سنذكر ذلك قريبا.
- فائدة: من أخر القضاء بغير عذر ثم مات قبل رمضان أخر أو بعده هل يلزم الولي إخراج الفدية عنه؟ نقول: إذا لم يخلف الميت تركة لأداء الفدية عنه فيستحب لوليه أخراجها عنه عن كل يوم مد لمسكين.
أما إذا كان للميت تركة فيجب على الولي إخراجها عنه من تركته قبل تقسيم التركة.
(2)
قوله (وَكَذلِكَ كُلُّ نَذْرِ طَاعَةٍ):
أي يستحب لولي الميت أن يقضي عن الميت كل نذر طاعة، كأن يكون نذر أن يحج أو أن يصوم يومين أو ثلاثة أو أن يصلي ركعتين أو أن يعتكف، وهكذا كل طاعة نذر أن يفعلها ولم يفعلها حتى مات.288289
الجزء: 2 - الصفحة: 181
بَابُ مَا يُفْسِدُ الصَّوْمَ
(1) (1)
قوله: (بَابُ مَا يُفْسِدُ الصَّوْمَ):
أي ما يبطله، والصوم هنا يشمل صوم الفرض وصوم النفل، و
مبطلات الصوم أصولها ثلاثة
ذكرها الله تعالى في قوله ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمْ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنْ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنْ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ 290.
فذكر الله تعالى في هذه الآية ثلاثة مفسدات للصوم وهي:
الجماع: حيث أباحه الله تعالى في الليل، قال تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ .. ﴾ فدل على أنه أثناء النهار يحرم على الصائم فعله، وقد سبق بيان هذا النوع من مفسدات الصوم.
الأكل، والشرب: في نهار رمضان، حيث قيده سبحانه وتعالى ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمْ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنْ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنْ الْفَجْرِ .. ﴾ فدل ذلك على أنه بعد تبين الخيطين لا يحل للصائم أن يأكل أو يشرب لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾.
فهذه هي المفسدات الثلاثة التي ذكرها الله تعالى في كتابه، وما عداها إما ثابت بالسنة أو ثابت بالاجتهاد.
وسنقوم بذكر ذلك إن شاء الله مع بيان الراجح.
الجزء: 2 - الصفحة: 182
وَمَنْ أَكَلَ أَوْ شَرِبَ (1)، (1)
قوله: (وَمَنْ أَكَلَ أَوْ شَرِبَ):
أي من أكل أو شرب فسد صومه لقوله تعالى: ﴿ .. وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمْ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنْ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنْ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ .. ﴾. لكن يشترط لفساد الصوم بالأكل والشرب ما يلي:
(1) أن يكون ذاكرا
ً، فإن كان ناسياً فلا يفطر بذلك، وهذا هو قول الجمهور (1). دليل ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: (مَنْ أَكَلَ نَاسِيًا وَهُوَ صَائِمٌ فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ فَإِنَّمَا أَطْعَمَهُ اللَّهُ
وَسَقَاهُ) (2). ولعموم قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا .. ﴾ (3)، قَالَ قَدْ فَعَلْتُ) (4).
وذهب المالكية (5)، إلى أن من نسي في رمضان فأكل أو شرب عليه القضاء، أما لو نسي فأكل أو شرب في غير رمضان فإنه يتم صومه.
والصحيح قول الجمهور كما ذكرنا.
لكن يجب تذكير الناسي إذا كان يأكل أمامك لقوله تعالى ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى .. ﴾ (6).
(2) أن يكون متعمدا
ً، فإن كان قد أدخل إلى جوفه أكلاً أو شرباً من غير تعمد منه فلا يفطر بذلك لقوله تعالى: {وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ291292293294295296
الجزء: 2 - الصفحة: 183
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ .. } (1).
(3) أن يكون مختارا
ً، فإن كان مكرهاً على الفطر فإنه لا يفطر، وهذا هو قول الشافعية (2)، والحنابلة (3)، وذهب الحنفية (4)، والمالكية (5) إلى أن الإكراه على الإفطار يفسد الصوم ويوجب القضاء.
والصحيح القول الأول لعموم قوله صلى الله عليه وسلم: (إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ) (6).
(4) أن يكون عالما
ً، فإن كان جاهلاً بالحكم أو بالحال فالصحيح من الأقوال أنه لا يفطر بذلك.
مثال: الجهل بالحكم الشرعي: حديث عدي بن حاتم رضي الله عنه حيث ذكر فيه قول النبي صلى الله عليه وسلم: (إِنَّ وِسَادَكَ إِذًا لَعَرِيضٌ .. ) 303.
والشاهد من الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمره بالقضاء لأنه جاهل لم يقصد المخالفة.
مثال: الجهل بالحال: حديث أسماء بنت أبي بكر في صحيح البخاري وفيه قالت: (أَفْطَرْنَا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم يَوْمَ غَيْمٍ ثُمَّ طَلَعَتْ الشَّمْسُ ... ) 304.297298299300301302
الجزء: 2 - الصفحة: 184
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . الشاهد من الحديث أنهم أفطروا في النهار بناء على أن الشمس قد غربت، فهم جاهلون بالحال ومع فطرهم لم يأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بالقضاء فلو كان القضاء واجباً لأمرهم به النبي صلى الله عليه وسلم.
ذكر بعض الفوائد
:
-
الفائدة (1): قول المؤلف (مَنْ أَكَلَ أَوْ شَرِبَ) هو عام يشمل كل مأكول أو مشروب ينفع ويضر وما لا ينفع ولا يضر، وهذا هو قول جمهور الفقهاء.
فما ينفع كاللحم والخبز وما أشبه ذلك.
وما يضر كالدخان والحشيش ونحو ذلك.
وما لا ينفع ولا يضر كالخرزة والحصاة وما أشبههما وهذا ما ذهب إليه الجمهور (1)، وذهب بعض الفقهاء إلى أن ما لا يغذي لا يحصل به الفطر.
والصحيح: أنه يحصل به الفطر وذلك لإطلاق الآية، قال تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا﴾ (2) وهذا يسمى أكلا. -
ال
فائدة (2): هل الحقن تفطر
؟ نقول: نظراً لحاجة الناس إلى بيان هذا الحكم فسوف نتوسع في بيانه شيئاً ما، ثم نبين الراجح من أقوال أهل العلم في هذه الأشياء فنقول وبالله التوفيق: الحقن التي يستعملها المرضى لمعالجة العوارض الصحية التي تطرأ عليهم لها منفذان، إما عن طريق الوريد، وإما عن طريق الشرج.
أولاً: الحقن الشرجية:
305306 الجزء: 2 - الصفحة: 185
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
هذا النوع من الحقن عرفه الإنسان من زمن بعيد، وهي حقن تعطى للإنسان لأغراض متعددة منها:
أن الأمعاء قد يكون فيها بعض الفضلات التي تسبب مغصاً وألماً، فتعطى الحقنة الشرجية لتطهيرها من الفساد، كما أن الأمعاء قد تتعرض لحالة من الانقباض والجفاف فيدخل إليها السائل من خلال الحقنة الشرجية لتليينها، وقد تعطى هذه الحقنة للتغذية والتقوية كما لو كان في المعدة مرض يمنع من قبولها الطعام أو الشراب، فالمعطى هنا يقوم مقام الأطعمة في التغذية.
حكم هذا النوع من الحقن:
نقول: ذهب جمهور الفقهاء 307 إلى أن الحقن الشرجية تفطر الصائم مطلقاً أيًّا كان غرض استعمالها، وقد استدلوا لذلك بأن هذه السوائل تدخل الأمعاء وما يدخل فيها اختياراً مفطر لحديث: (الفطر مما دخل) 308، وقالوا: بأن كل ما وصل إلى الجوف بفعل الصائم من حقنة وغيرها يفطر قياساً على أن كل ما وصل إلى الدماغ يفطر الصائم إذا كان يفعله لقوله صلى الله عليه وسلم: ( .. وَبَالِغْ فِي الِاسْتِنْشَاقِ إِلا أَنْ تَكُونَ صَائِمًا .. ) 309.
وعليه فكل ما وصل إلى موضع الطعام والغذاء أو غيره من حشو جوفه يفطر، وهذا يصدق على الحقنة الشرجية.
وقال بعض أهل العلم 310 إن الحقنة الشرجية لا تفطر الصائم مطلقاً، =
الجزء: 2 - الصفحة: 186
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
=واستدلوا لذلك بأن من محظورات الصوم الأكل والشرب، وحقيقتهما هو دخول شيء من الحلق إلى المعدة، والمعدة هي محل الطعام والشراب من الإنسان كالحويصلة من الطائر، والكرش من الحيوان، فالمبطل للصوم ما دخل فيها بخصوصها مغذياً أو غير مغذ من طريق المنفذ المعتاد، فما دخل الجوف، وما يصل إليها لا يفسد الصوم، فالحقنة الشرجية يدخل بها الماء إلى الجوف ولكن لا يصل إلى المعدة فلا تفطر ولأنها لا تدخل محل الطعام والشراب.
قال شيخنا 311 رحمه الله: (الحقن الشرجية التي يحقن بها المرضى في الدبر ضد الإمساك اختلف فيها أهل العلم: فذهب بعضهم إلى أنها مفطرة بناء على أن كل ما يصل إلى الجوف فهو مفطر.
وقال بعضهم: أنها ليست مفطرة، وممن قال بذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وعلل ذلك بأن هذا ليس أكلاً ولا شرباً ولا بمعنى الأكل والشرب.
ثم قال شيخنا رحمه الله: (والذي أرى أن ينظر إلى رأي الأطباء في ذلك، فإذا قالوا: إن هذا كالأكل والشرب وجب إلحاقه به وصار مفطراً.
وإذا قالوا: إنه لا يعطي الجسم ما يعطيه الأكل والشرب فإنه لا يكون مفطراً.
قلت: وبعد الرجوع إلى الأطباء وسؤالهم عن الحقنة الشرجية هل تصل إلى الجوف أم لا أكدوا لنا أنها لاتصل إلى الجوف، وبناءًا على ذلك نقول بأن الحقن الشرجية لا تفطر وهو ما اختاره شيخنا 312 رحمه الله في الشرح الممتع، =
الجزء: 2 - الصفحة: 187
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . =حيث قال رحمه الله: (وإذا كانت الحقنة وهي التي تدخل عن طريق الدبر لا تفطر على القول الراجح فما دخل عن طريق الإحليل من باب أولى.
- تنبيه: ما ينطبق على الحقنة الشرجية ينطبق على التحميلة التي تعطى في الشرج.
ثانياً: الحقن التي تعطى عن طريق الوريد والشرايين:
اختلف أهل العلم في هذا النوع من الحقن في مدى تأثيرها على الصيام.
فذهب بعض أهل العلم إلى جوازها مطلقاً، وأنها لا تؤثر على الصوم لأنها ليست مما ينفذ إلى الجوف بواسطة المنافذ المعتادة كالفم والأنف والعين والأذن والدبر، وأن هذه الإبر لا تدخل محل الطعام والشراب فلا تفطر، فالمفطر هو الداخل من المنافذ الطبيعية.
وقالوا أيضاً: إن ما تحدثه هذه الحقن من انتعاش في الجسم لا يضر لأنها لا تدفع عطشاً ولا جوعاً، فلا تأخذ حكم الأكل والشرب وإن أدت شيئاً من مهمته.
وقال بعض أهل العلم: إن الحقن بجميع أنواعها تفطر سواء كانت للدواء أو الغذاء وذلك للاحتياط للعبادة.
وقال بعض العلماء: أنها إذا كانت أي الحقن مما يؤخذ في العضل فلا بأس به للمريض المحتاج، أما إبرة العرق سواء كانت للتغذية أو غيرها فلا يأخذها المريض وهذا احتياط في الدين والاحتياط في الدين أمر شرعي حسن.
وبعد ذكر أقوال العلماء في هذه المسألة التي يحتاج إليها الناس نقول وبالله التوفيق:
الجزء: 2 - الصفحة: 188
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بأن الراجح عندي أن الحقن إذا كانت تعطى عن طريق الوريد وكانت مغذية كالمغذي الذي يعطى للمريض أو الإبر المغذية، فهذه تفطر لأنها تأخذ معنى الأكل والشرب.
أما إن كانت تؤخذ في العضل أو كانت في الوريد ولم تكن مغذية فلا تفطر، وهذا هو اختيار شيخنا عبد العزيز بن باز 313، وشيخنا ابن عثيمين 314 رحمهما الله.
- الفائدة (3): في حكم استعمال بخاخات الربو والأكسجين ونحوهما:
قد يصاب بعض الناس بمرض الربو، وهو مرض يضيق معه النفس، فيستعمل المريض له شيئاً يسمى بخاخاً يبخ به في فمه أو يعطى الأكسجين فتنفتح عروقه فيسهل التنفس.
وهذا البخاخ أو الأكسجين وأمثالهما في الحقيقة لا يصل إلى المعدة وإنما يصل إلى القصبات الهوائية، فليس هو بمعنى الأكل والشرب، ولذا نقول: لا بأس باستعمال ذلك لمن احتاج له، اللهم إلا إذا كانت هذه الأشياء تضاف لها سوائل أخرى تصل من خلالها إلى المعدة، فهنا تفطر الصائم ويجب عليه القضاء. - الفائدة (4): في حكم استعمال قطرة العين والأذن والأنف: أما قطرة العين والأذن فإنهما لا تفطران وإن وجد طعمهما في الحلق لأنهما ليستا منفذاً للأكل والشرب.
الجزء: 2 - الصفحة: 189
أَوْ اسْتَعَطَ (1)، أما قطرة الأنف فإذا وصلت المعدة فإنها تفطر لقول النبي صلى الله عليه وسلم للقيط ابن صبرة: (وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائماً) (1)، فلا يجوز للصائم أن يقطر في أنفه ما يصل إلى معدته، وأما ما لا يصل إلى المعدة من قطرة الأنف فإنها لا تفطر.
(1)
قوله: (أَوْ اسْتَعَطَ، ):
السعوط هو ما يصل إلى الجوف عن طريق الأنف، وهو منفذ إلى المعدة، ولذا نهى النبي صلى الله عليه وسلم لقيط بن صبرة عن المبالغة في الاستنشاق، فقال: (وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائماً) 316، فالمبالغة في الاستنشاق قد تكون سبباً في وصول الماء إلى المعدة، ولهذا نهاه النبي صلى الله عليه وسلم.
وعلى ذلك فكل ما وصل إلى المعدة عن طريق الفم أو الأنف فإنه مفطر لأنها منفذ واحد، ولذا نجد بعض المرضى توضع له قسطرة في أنفه ثم يوضع له الطعام، وإذا شرب من خلالها يتغذى به.
قوله: (أَوْ أَوْصَلَ إِلَى جَوْفِهِ شَيْئًا، مِنْ أَيِّ مَوْضِعٍ كَانَ): كأنفه وبطنه وصدره، وغير ذلك لكن بشرط أن تجعل هذه المواضع بغرض دخول الطعام والشراب منها لانسداد المريء أو تقرحه ونحو ذلك، فيكون ما أدخل فيها مفطراً كما لو أدخل إلى الفم.
- فائدة: المنظار نوع من الاستكشافات الحديثة يستخدمه الأطباء لمعرفة موضع المرض في الجسم ونوعيته، فيقومون بإدخاله عن طريق الفم إلى المعدة حتى يصل إلى موقع المرض، فهل هذا المنظار يكون مفطراً؟ نقول: على كلام=315
الجزء: 2 - الصفحة: 190
أَوِ اسْتَقَاءَ (1)،
=المؤلف يكون مفطراً.
والصحيح أنه لا يفطر إلا إذا كان فيه شيء يصل إلى الجوف مثل دهن أو علاج أو تقئ به فإنه يفطر به، وأما إذا لم يكن كذلك فإنه لا يفطر به، والغالب أنه يكون فيه شيء.
(1)
قوله: (أَوِ اسْتَقَاءَ):
فرق الفقهاء بين ما إذا خرج القيء بنفسه وبين ما إذا خرج من الجوف عمداً، وهو ما يسمى بالاستقاءة أو تكلف القيء.
والقيء إذا خرج بنفسه أي غلب القيء الصائم فلا خلاف بين الفقهاء في عدم الإفطار به قل القيء أم كثر، لكن بشرط أن لا يدخل منه شيء إلى جوفه باختياره.
دليل ذلك ما رواه أهل السنن عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (مَنْ ذَرَعَهُ الْقَيْءُ فَلا قَضَاءَ عَلَيْهِ وَمَنْ اسْتَقَاءَ فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ) 317، ومعنى ذرعه القيء: غلبه.
قلت: وذهب بعض العلماء 318 إلى أن القيء لا يفطر مطلقاً، وضعف حديث أبي هريرة المتقدم (مَنْ ذَرَعَهُ الْقَيْءُ فَلا قَضَاءَ عَلَيْهِ وَمَنْ اسْتَقَاءَ فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ).
وقال أيضاً: مما يدل على ضعف الحديث أن أبا هريرة رضي الله عنه كان يقول بعدم الفطر بالقيء، كما في صحيح البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: (إِذَا قَاءَ فَلا يُفْطِرُ إِنَّمَا يُخْرِجُ وَلا يُولِجُ) 319.
الجزء: 2 - الصفحة: 191
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقال أيضاً نقل عن ابن بطال عن ابن عباس وابن مسعود رضي الله عنهما عدم الإفطار بالقيء مطلقاً ذرعه أو تعمده.
قال القرضاوي 320 في كتابه (فقه الصيام) بعد ذكر ما أوردناه: والحقيقة أن التفطير بالقيء لا يتفق مع مقاصد الصيام، وقد جاء في حديث مرفوع آخر ما يعارض، هذا وهو ما روي عنه عليه الصلاة والسلام: (ثَلاثٌ لا يُفْطِرْنَ الصَّائِمَ الْحِجَامَةُ وَالْقَيْءُ وَالاحْتِلامُ) 321.
قلت: والراجح عندي ما ذهب إليه جمهور الفقهاء، فمتى استقاء الإنسان عمداً مختاراً ذاكراً لصومه عالماً بالحكم فإنه يفطر بذلك، والحجة في ذلك حديث أبي هريرة المتقدم، وقد صحح إسناده العلامة الألباني في الإرواء 322، ورد على من قال بضعفه بما فيه الكفاية.
أما لو ذرعه القيء ثم عاد بنفسه بغير صنع من الصائم ولو كان ملء الفم فلا يفسد صومه لأنه كالمكره.
أما ما جاء عن ابن عباس وابن مسعود ففيه نظر من جهة الإسناد وإن ثبت ذلك عنهم فإنه اجتهاد منهم، ولا اجتهاد مع وجود النص الصريح عن المعصوم صلى الله عليه وسلم في ذلك.
وهذا هو المذهب 323.
وذهب المالكية 324 إلى أن رجوع القيء مفطر قل أو كثر، رجع عمداً أو سهواً، وعليه القضاء.
الجزء: 2 - الصفحة: 192
أَوِ اسْتَمْنَى (1)، أَوْ قَبَّلَ، أَوْ لَمَسَ، فَأَمْنَى أَوْ أَمْذَى (2)،
والصحيح ما عليه المذهب لأن رجوع القيء ليس باختياره فهو كالمكره في ذلك.
أما الاستقاءة وهي كما ذكرنا استخراج ما في الجوف عمداً، أو هي تكلف القيء، فإنها مفسدة للصوم موجبة للقضاء عند جمهور الفقهاء (1).
أما الحنفية (2) فلهم روايات وتفصيلات وتفريعات نعرض عنها لأن الحديث حجة في هذا المقام، ولذا أخذ به الجمهور.
(1)
قوله: (أَوِ اسْتَمْنَى):
أي طلب خروج المني بأي وسيلة كانت كالاستمناء باليد أو التفخيذ أو باللمس وما شابه ذلك حتى أنزل، فإن صومه يفسد بذلك، وهذا هو قول عامة الفقهاء.
وذهب الظاهرية (3) إلى أن الاستمناء غير مفطر لعدم الدليل من الكتاب والسنة، ولأن أصول المفطرات ثلاثة وهذا ليس منها.
والصحيح أنه مفطر لقوله صلى الله عليه وسلم: (كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ يُضَاعَفُ الْحَسَنَةُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعمِائَة ضِعْفٍ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إِلا الصَّوْمَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ يَدَعُ شَهْوَتَهُ وَطَعَامَهُ مِنْ أَجْلِي .. ) (4). والاستمناء بلا شك شهوة، لكن يجب أن يقيد الاستمناء بالإنزال، أما إذا لم ينزل فلا شيء عليه.
(2)
قوله: (أَوْ قَبَّلَ، أَوْ لَمَسَ، فَأَمْنَى أَوْ أَمْذَى):
فإنه يفطر.
قلت: قال في الشرح الكبير (5)
: (المقبِّل لا يخلو من ثلاثة أقسام:
325326327328329 الجزء: 2 - الصفحة: 193
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أحدهما: أن يكون ذا شهوة مفرطة يغلب على ظنه أنه إذا قبل أنزلـ أو أمذى، فهذا تحرم عليه القبلة لأنها مفسدة لصومه أشبهت الأكل.
الثاني: أن يكون ذا شهوة لكنه لا يغلب على ظنه ذلك فيكره له التقبيل لأنه يعرض نفسه للفطر ولا يأمن عليه الفساد، ولأن العبادة إذا منعت الوطء منعت دواعيه كالإحرام، ولا تحرم القبلة في هذه الحال لما روي (أن رجلاً قبل وهو صائم فأرسل امرأته فسألت النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرها النبي صلى الله عليه وسلم أنه يقبل وهو صائم) 330.
الثالث: أن يكون ممن لا تحرك القبلة الشهوة عنده كالشيخ الكبير ففيه، روايتان:
إحداها: لا تكره له لأنها مباشرة لغير شهوة أشبهت لمس اليد لحاجة.
الثانية: أنه يكره لأنه لا يأمن حدوث الشهوة، ولأن الصوم عبادة تمنع الوطء، فاستوى في القبلة فيها من تحرك شهوته ومن لا تحرك كالإحرام) انتهى كلامه مختصرًا.
قلت: والذي يظهر لي أن القبلة لا بأس بها مطلقاً لقول عائشة رضي الله عنها: (كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يُقَبِّلُ وَيُبَاشِرُ وَهُوَ صَائِمٌ وَكَانَ أَمْلَكَكُمْ لإِرْبِهِ) 331.
فمتى ملك الإنسان إربه - يعني شهوته - جاز له ذلك، فمجرد القبلة لا تفسد الصوم إلا إذا كان معها إنزال، لكن من خشي الوقوع في المحذور فلا يقبل.
الجزء: 2 - الصفحة: 194
أَوْ كَرَّرَ النَّظَرَ حَتَّى أَنْزَلَ (1)، لكن إذا قبل، أو لمس فأمذى هل يفسد صومه؟ إذا قبل أو لمس وباشر فأمذى فالمذهب (1)، وهو قول مالك (2) أنه يفسد صومه، واختار شيخ الإسلام (3) عدم إفساد الصوم بالمذي، وهو قول أبي حنيفة (4)، والشافعي (5)، واستظهر هذا القول صاحب الفروع (6)، وصوَّبه صاحب الإنصاف (7)، وهو اختيار شيخنا ابن عثيمين (8) وهو الراجح عندي.
(1)
قوله: (أَوْ كَرَّرَ النَّظَرَ حَتَّى أَنْزَلَ):
أي إذا كرر النظر إلى ما فيه تهييج لشهوته حتى أنزل بذلك فإنه يفطر وتكرار النظر على ثلاثة أحوال:
الأول: أن يكرر النظر ولا يقترن بذلك إنزال فلا يفسد الصوم بغير خلاف.
الثاني: أن يكرر النظر فينزل معه مني فالمذهب 340، وهو قول مالك 341 يفسد الصوم، وقال أبو حنيفة 342، والشافعي 343 لا يفسد لأنه من غير مباشرة أشبه الإنزال بالفكر.
والصحيح عندي أنه يفسد الصوم بذلك لأنه إنزال للمني بفعل يتلذذ به، =332333334335336337338339
الجزء: 2 - الصفحة: 195
أَوْ حَجَمَ أَوِ احْتَجَمَ (1)،
=وقد قال الله سبحانه وتعالى في الحديث القدسي: (يدع شهوته وطعامه من أجلي) (1).
الثالث: أن يكرر النظر فينزل منه مذي فظاهر المذهب أنه لا يفطر بذلك لعدم ورود النص بالفطر به، وقياسه على المني لا يصح لمخالفته له في الأحكام فيبقى على الأصل.
وفي رواية أخرى في المذهب (2) أنه يفطر به لأنه خارج بشهوة، فأشبه المني.
قلت: والصحيح عندي عدم الإفطار به، وهو كما ذكرنا اختيار شيخ الإسلام، وشيخنا ابن عثيمين، وغيرهم من الفقهاء.
(1)
قوله: (أَوْ حَجَمَ أَوِ احْتَجَمَ):
الحجامة هي استخراج الدم المحتقن في الجسم، والحاجم هو الذي يحجم غيره، والمحجوم هو الذي يطلب الحجامة من غيره.
وقد اختلف الفقهاء في هذه المسألة، فالمذهب 346 وهي من مفرداته أنها تفطر ويجب على الحاجم والمحجوم القضاء.
وذهب جمهور الفقهاء 347 أنها لا تفطر ولكنهم كرهوها بوجه عام.
والصحيح عندي ما ذهب إليه الحنابلة، وهو اختيار شيخ الإسلام بن تيمية 348، والشيخين 349 لقوله صلى الله عليه وسلم: (أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ) 350.344345
الجزء: 2 - الصفحة: 196
عَامِدًا، ذاكِرًا لِصَوْمِهِ، فَسَدَ صَوْمُهُ (1)،
ذكر بعض الفوائد
:
- فائدة (1): هل يلحق بالحجامة الفصد، والشرط، والإرعاف، والتبرع بالدم؟
نقول: أما المذهب فعندهم لا يلحق الفصد، والشرط وغيرهما بالحجامة لأن العلة في الحجامة تعبدية، وذهب شيخ الإسلام إلى أن الفصد والشرط يفسدان الصوم وكذلك لو أرعف حتى خرج الدم من أنفه.
والراجح عندي أن هذه الأشياء المذكورة إذا أضعفت الشخص مثل الحجامة فإنه يفطر بها، وهذا ما يميل إليه شيخنا (1) ررحمه الله. - فائدة (2): الحجامة بالآلات الحديثة لا يفطر بها الحاجم، أما المحجوم فإنه يفطر بها.
- فائدة (3): التبرع بالدم كما ذكرنا يفطر إذا كان يضعف الشخص مثل الحجامة، لكن لا يسوغ إلا بثلاثة أمور:
(1) أن لا يتضرر المتبرع.
(2) الحاجة الماسة للمتبرع له.
(3) أن يكون بدون عوض لأنه لا يجوز بيع الدم. - فائدة (4): الدم الذي يفطر هو الكثير الذي في معنى الحجامة، أما القليل مثل إبرة تحليل السكر فلا تفطر.
(1)
قوله: (عَامِدًا، ذاكِرًا لِصَوْمِهِ، فَسَدَ صَوْمُهُ):
هذه شروط فساد الصوم، وقد سبق بيان هذه الشروط.351
الجزء: 2 - الصفحة: 197
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فالشرط الأول: أن يكون (عامداً) فيخرج بذلك غير العامد كالمكره، ومن يحصل له الفطر بغير اختياره بلا إكراه مثل أن يدخل إلى فمه غبار أو حشرة أو يتمضمض فيدخل إلى جوفه الماء بغير اختياره فهذا لا يفطر لقوله تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ 352.
وقد ذكرنا الخلاف في هذه المسألة قريباً وسبق بيان الراجح.
الشرط الثاني: كونه (ذاكراً) أي ذاكراً لصومه فيخرج بذلك الناسي لقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا .. ﴾ 353 فقال تعالى: قد فعلت) 354، وقوله صلى الله عليه وسلم: (إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ لِي عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأِ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ) 355. وقوله صلى الله عليه وسلم: (إِذَا نَسِيَ فَأَكَلَ وَشَرِبَ فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ فَإِنَّمَا أَطْعَمَهُ اللَّهُ وَسَقَاهُ) 356. وهذا ما ذهب إليه الجمهور كما ذكرنا.
وذهب المالكية 357 إلى أن من نسي فأكل أو شرب في رمضان فعليه القضاء، وفي غير رمضان فإنه يتم صومه.
والصحيح ما ذهب إليه الجمهور، لقوله صلى الله عليه وسلم (إِذَا نَسِيَ فَأَكَلَ وَشَرِبَ فَلْيُتِمَّ
صَوْمَهُ فَإِنَّمَا أَطْعَمَهُ اللَّهُ وَسَقَاهُ) 358. فهو عام يتناول صوم الفريضة وغيره،
الجزء: 2 - الصفحة: 198
وَإِنْ فَعَلَهُ نَاسِيًا أَوْ مُكْرَهًا، لَمْ يَفْسُدْ (1)، وَإِنْ طَارَ إِلَى حَلْقِهِ ذُبَابٌ أَوْ غُبَارٌ، أَوْ تَمَضْمَضَ أَوِ اسْتَنْشَقَ، فَوَصَلَ إِلَى حَلْقِهِ مَاءٌ (2)، أَوْ فَكَّرَ فَأَنْزَلَ (3)، فتخصيص ذلك بصوم النافلة يحتاج إلى دليل ولا دليل على التخصيص.
(1)
قوله: (وَإِنْ فَعَلَهُ نَاسِيًا أَوْ مُكْرَهًا، لَمْ يَفْسُدْ):
وهذا كما ذكرنا آنفاً يشترط لفساد الصوم أن يكون عالماً، ذاكراً لصومه، فإن فعله ناسياً أو مكرهاً لم يفسد صومه.
- فائدة: هل يلحق بهذه الشروط أن يكون عالماً؟
نقول: سبق بيان ذلك وقلنا أن الصواب اشتراط العلم بالمفطر، فإذا كان يجهل الحكم الشرعي كأن يجهل أن الجماع في رمضان مفسد للصوم فإنه لا يفسد صومه بذلك، لكن إن جهل ما يترتب عليه الجماع وهو يعرف أنه مفطر للصوم كأن يعرف أن الجماع مفسد للصوم لكن يجهل أن عليه الكفارة والقضاء فإنه يُلزم بالكفارة والقضاء ولا عبرة بجهله هنا ما دام أنه يعرف الحكم.
وقال سماحة شيخنا بن باز (1) رحمه الله: من جامع في نهار رمضان جهلاً منه، وهو ممن يجب عليه الصيام فقد اختلف أهل العلم في شأنه.
والأحوط له الكفارة من أجل تفريطه وعدم سؤاله عما يحرم عليه.
(2)
قوله: (وَإِنْ طَارَ إِلَى حَلْقِهِ ذُبَابٌ أَوْ غُبَارٌ، أَوْ تَمَضْمَضَ أَوِ اسْتَنْشَقَ، فَوَصَلَ إِلَى حَلْقِهِ مَاءٌ):
أي فإنه لا يفطر لأن ذلك حصل بغير اختياره ولا قصد منه.
(3)
قوله: (أَوْ فَكَّرَ فَأَنْزَلَ):
أي فكر في الجماع فأنزل، فإنه لا يفسد صومه لقوله صلى الله عليه وسلم: (إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ لِي عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأِ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ) 360.359
الجزء: 2 - الصفحة: 199
أَوْ قَطَّرَ فِيْ إِحْلِيْلِهِ (3)، أَوِ احْتَلَمَ (4)،
وهذا لم يعمل ولم يتكلم إنما حدث نفسه، ونلاحظ أن المذهب يفرق بين الفكر والنظر، فالفكر لا يمكن التحرز منه بخلاف النظر فإنه يمكن التحرز منه، فإن أنزل بالفكر لا يفطر وإن أنزل بالنظر أفطر.
والصحيح كما ذكرنا أنه لا يفطر بالفكر ولا بالنظر.
(1)
قوله (أَوْ قَطَّرَ فِيْ إِحْلِيْلِهِ):
الإحليل هي ما تسمى بقناة الذكر، فلو دخل عن طريقها مفطر من المفطرات فإنه لا يفطر لأن الذَّكر ليس طريقاً إلى الجوف، وما أدخل عن طريق الإحليل لا يسمى أكلاً ولا شرباً.
(2)
قوله (أَوِ احْتَلَمَ):
أي نام وفي أثناء نومه احتلم، فإنه لا يفطر بذلك لأنه غير قاصد، وقد رفع القلم عن النائم حتى يستيقظ لكن يلزمه الغسل.
- فائدة: من أجنب مثلاً ثم أصبح صائماً فصومه صحيح ولا قضاء عليه عند جمهور العلماء وذلك لحديث عائشة، وكذا أم سلمة رضي الله عنهما قالتا: (إِنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لَيُصْبِحُ جُنُبًا مِنْ جِمَاعٍ غَيْرِ احْتِلامٍ فِي رَمَضَانَ ثُمَّ يَصُومُ) 361. لكن قد يقول قائل: أخرج الإمام أحمد عن عبد الله بن عمرو القاري قال سمعت أبا هريرة يقول: (لا وَرَبِّ هَذَا الْبَيْتِ مَا أَنَا قُلْتُ مَنْ أَصْبَحَ جُنُبًا فَلا يَصُومُ مُحَمَّدٌ وَرَبِّ الْبَيْتِ قَالَهُ ... ) 362، كيف يجاب عن هذا؟ نقول: بأن العلماء أجابوا عن هذا الحديث فقالوا بأنه يحمل على النسخ أو=
الجزء: 2 - الصفحة: 200
أَوْ ذَرَعَهُ الْقَيْءُ (1)، وَمَنْ أَكَلَ يَظُنُّهُ لَيْلاً، فَبَانَ نَهَارًا، أَفْطَرَ (2)، وَمَنْ أَكَلَ شَاكًّا فِيْ طُلُوْعِ الْفَجْرِ، لَمْ يَفْسُدْ صَوْمُهُ (3)، وَإِنْ أَكَلَ شَاكًّا فِيْ غُرُوْبِ الشَّمْسِ فَسَدَ صَوْمُهُ (4)
=الإرشاد إلى الأفضل، وهو أنه يستحب أن يغتسل قبل الفجر ليكون على طهارة من أول الصوم.
وإلا فقد قال شيخ الإسلام (1) رحمه الله: (ويصح صوم الجنب باتفاق الأئمة).
(1)
قوله: (أَوْ ذَرَعَهُ الْقَيْءُ):
أي قاء بغير اختياره وقد سبق بيان هذه المسألة.
(2)
قوله: (وَمَنْ أَكَلَ يَظُنُّهُ لَيْلاً، فَبَانَ نَهَارًا، أَفْطَرَ):
لأن العبرة بالواقع، وبناءً على الأصل، فالأصل بقاء النهار.
(3)
قوله: (وَمَنْ أَكَلَ شَاكًّا فِيْ طُلُوْعِ الْفَجْرِ، لَمْ يَفْسُدْ صَوْمُهُ):
وهذا أيضاً بناء على الأصل، فالأصل هنا بقاء الليل، فلم يفسد صومه بذلك.
(4) قوله: (وَإِنْ أَكَلَ شَاكًّا فِيْ غُرُوْبِ الشَّمْسِ فَسَدَ صَوْمُهُ): لأن الأصل عدم غروبها.
قلت: وهذه المسائل الثلاث التي ذكرها المؤلف وهي فيمن شك في طلوع الفجر، أو دخول المغرب، فأكل أو شرب فتبين له خلاف ما اعتقد هل يلزمه القضاء أم لا؟
فالمذهب 364 يوجب القضاء إلا في حالة واحدة، وهي من أفطر شاكاً في طلوع الفجر فبان طلوعه فلا يفسد صومه، وما عداها فعليه القضاء.
وقد اختلف الفقهاء في هاتين المسألتين: هل يفسد صومه أم لا؟
فالحنفية 365، والمالكية 366، والشافعية 367، والحنابلة 368، وهو قول سماحة=363
الجزء: 2 - الصفحة: 201
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
=شيخنا ابن باز 369 رحمه الله أنه يلزم القضاء لمن أكل أو شرب أو جامع ظانًّا غروب الشمس، وذلك لأن الأصل بقاء النهار.
وذهب شيخ الإسلام ابن تيمية 370، وابن القيم 371، وشيخنا ابن عثيمين 372 رحمهم الله أنه لا قضاء عليه، واحتج هؤلاء بما رواه البخاري عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما قالت: (أَفْطَرْنَا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم يَوْمَ غَيْمٍ ثُمَّ طَلَعَتْ الشَّمْسُ .. ) 373.
وبما أخرجه مالك رحمه الله (أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ أَفْطَرَ ذَاتَ يَوْمٍ فِي رَمَضَانَ فِي يَوْمٍ ذِي غَيْمٍ وَرَأَى أَنَّهُ قَدْ أَمْسَى وَغَابَتْ الشَّمْسُ فَجَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ طَلَعَتْ الشَّمْسُ فَقَالَ عُمَرُ الْخَطْبُ يَسِيرٌ وَقَدْ اجْتَهَدْنَا) 374.
فقالوا: أنه لم يصرح في هذه الأدلة بالقضاء ولو كانوا قد قضوا لعلم ذلك.
والراجح عندي ما ذهب إليه الجمهور وهو وجوب القضاء إلا في حالة واحدة وهي ما إذا أكل أو شرب شاكاً في طلوع الفجر فلا شيء عليه ما دام لم يتبين له أنه أكل أو شرب بعد طلوع الفجر، وهو قول شيخنا بن باز 375 رحمه الله لما جاء في حديث أسماء بنت أبي بكر المتقدم (قُلْتُ لِهِشَامٍ أُمِرُوا بِالْقَضَاءِ قَالَ وَبُدٌّ مِنْ ذَلِكَ) 376.
الجزء: 2 - الصفحة: 202
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ولأن هذا هو الأحوط، والأخذ بالأحوط في العبادات مطلب شرعي ينبغي على المسلم أن يسلكه.
ذكر بعض الفوائد العامة على ما سبق بيانه في كتاب الصوم
:
فائدة (1): ما يبقى في الفم بعد المضمضة مع الريق
: إذا ابتلعه الصائم لا يضره ما دام أنه بصق بعد ما مج الماء، ولا يشترط المبالغة في البصق لأن ما يبقى بعد بلل الفم أو رطوبته لا يمكن التحرز منه.
فائدة (2): من أصبح وفي فيه أو بين أسنانه طعام
:
فالواجب عليه أن يلفظه أي يخرجه ولا يبتلعه سواء كان قليلاً أو كثيراً.
وذهب المالكية (1) إلى عدم الإفطار بذلك سواء ابتلعه عامداً أو ناسياً، وذلك لأنه أخذه في وقت يجوز أخذه فيه.
وفي رواية أخرى عندهم، أي المالكية: أنه إن تعمد بلعه أفطر، أما لو سبق إلى جوفه فلا يفطر.
والصحيح عندي أنه لا يفطر من ابتلع ذلك إلا بشرطين:
الأول: أن يقصد ابتلاعه.
الثاني: أن لا يعجز عن تمييزه أو مجه لأنه معذور فيه غير مفرط.
فإن قدر عليهما أفطر ولو كان مثل الحمصة لأنه لا مشقة في لفظه والتحرز عن ذلك ممكن، وهذا هو قول الشافعية (2)، والحنابلة (3).
- فائدة (3): في البصاق، ودم اللثة، وكذا الشفتين:
قد يحصل مع الصيام تشقق للثة، وكذا للشفتين فتنزف هذه الأماكن دماً فما=377378379
الجزء: 2 - الصفحة: 203
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . =الحكم إذاً؟ نقول: مجرد البصاق لا يفطر إلا إذا كان مخلوطاً بدم بسبب تشقق اللثة، أو الشفة ونحوه، فإنه يحرم عليه ابتلاعه ويفطر به إذا ابتلعه لتغير الريق، والدم نجس لا يجوز ابتلاعه، وهذا هو قول الشافعية (1)، والحنابلة (2)، وهو اختيار شيخنا ابن عثيمين (3) رحمه الله.
فائدة (4): في النخامة
:
النخامة هي ما يخرجه الإنسان من الحلق أو من الخيشوم عند التنحنح، وهي إما أن تكون بلغماً، أو مخاطاً نازلاً من الرأس.
وقد اختلف الفقهاء في حكمها: فمنهم من قال بأنها لا تفطر مطلقاً، وهو قول الحنفية 383، والمالكية 384، ورواية في مذهب أحمد 385.
والمذهب 386 عند الحنابلة أنه يحرم على الصائم ابتلاع النخامة، ويفطر بها إذا بلعها سواء كانت في جوفه أو صدره، لكن بشرط أن تصل إلى فمه، فإذا بلعها بعد وصولها إلى الفم أفطر بذلك لأنه أمكن التحرز منها.
والصحيح عندي: أنه لا يفطر بها مطلقاً، وهو قول الحنفية 387، والمالكية 388، ورواية في مذهب الإمام أحمد 389، وهو اختيار شيخنا محمد بن صالح=380381382
الجزء: 2 - الصفحة: 204
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . =العثيمين 390 رحمه الله وذلك لما ذكره أصحاب هذا القول، ولأنه أيضاً لا يعد بلعها أكلاً ولا شرباً، بل يحرم ابتلاعها لما فيها من الاستقذار والضرر.
- فائدة (5): من سافر من جهة الغرب وقبل ركوب الطائرة أذن المغرب فأفطر فلما حلقت الطائرة في السماء رأى الشمس: نقول: الصواب أنه لا يمسك لأنه أفطر بمقتضى دليل شرعي وهو قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ 391، وقوله صلى الله عليه وسلم: (إِذَا أَقْبَلَ اللَّيْلُ مِنْ هَا هُنَا وَأَدْبَرَ النَّهَارُ مِنْ هَا هُنَا وَغَرَبَتْ الشَّمْسُ فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ) 392.
- فائدة (6): من سافر من الرياض مثلاً إلى بلاد الهند، وقد صام ثمانية وعشرين يوماً، ووجدهم قد صاموا قبله بيومين وعندهم عيد: فالصواب أنه يفطر معهم ويقضي ذلك اليوم.
وقد سبق بيان ذلك 393. - فائدة (7): من صام ثلاثين يوماً ثم جاء لمكان آخر ووجدهم صياماً: فيلزمه الصيام معهم إلى حين فطرهم لأن العبرة بالمكان الذي هو فيه، وقد سبق بيان ذلك 394.
- فائدة (8): من رأى الشمس قد غربت وهو في البلد والمؤذن لم يؤذن: فالذي ينبغي عليه أن ينتظر المؤذن لأنه يتبعه في الصلاة، وهو مؤتمن.
ثم إنه قد=
الجزء: 2 - الصفحة: 205
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . =يكون حجب ضوء الشمس شيءٌ ما فيظن أنها قد غربت، لكن إذا كان في البلد وتيقن غروبها فله أن يفطر.
فائدة (9): من كان عليه صيام شهرين متتابعين وسافر
أو مرض فهل له أن يفطر؟ : الجواب: نعم له أن يفطر لأنها رخصة لو كان في رمضان، وكذلك المرأة إذا جاءها الحيض أو نفست فإنها تقطع التتابع وتواصل بعد طهارتها.
- فائدة (10): من كان عليه كفارة صيام شهرين متتابعين وصام فما حكم الجماع له بالليل؟ :
نقول: المسألة محل خلاف كما ذكرنا، فبعض أهل العلم قال: يجوز له ذلك، وقال بعضهم: لا يجوز له ذلك ككفارة الظهار.
والصواب عندي: جواز ذلك.
الجزء: 2 - الصفحة: 206
بَابُ صِيَامُ التَّطَوُّعِ
(1) (1)
قوله (بَابُ صِيَامُ التَّطَوُّعِ):
أي باب ما يتقرب به إلى الله تعالى بما ليس بفرض من الصوم.
والصيام يدور مع الأحكام الشرعية الخمسة، فمنه ما هو واجب، ومنه ما هو محرم، ومنه ما هو مكروه، ومنه ما هو مستحب.
فالواجب: مثل صيام رمضان، وقضائه، وصوم النذر، وصوم الفدية، وصوم الكفارة.
والمحرم: صيام العيدين، وصيام أيام التشريق لنص النبي صلى الله عليه وسلم عليها، وصيام أيام الحيض والنفاس بالنسبة للمرأة، وصيام التطوع للمرأة بدون رضا زوجها وهو حاضر لأن طاعته أوجب الواجبات، وصيام يوم الشك كما رجحنا سابقاً.
والمكروه: صيام يوم عرفة للحاج وذلك لتفرغه للدعاء والذكر، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يصمه في حجة الوداع.
وصيام يوم الجمعة منفرداً إلا أن يصوم يوماً قبله أو يوماً بعده، فلا حرج.
وكذلك أن يوافق يوم الجمعة يوم عرفة أو يوم عاشوراء، أو قضاء رمضان، أو صامه على أنه من الست من شوال منفرداً، فهذا كله لا بأس به.
فالمهم أن النهي عن صيام يوم الجمعة إذا كان مطلقاً، أما إن كان مقيداً فلا حرج.
وصيام يوم السبت منفرداً، وصيام الدهر.395
الجزء: 2 - الصفحة: 207
أَفْضَلُ الصِّيَامِ صِيَامُ دَاوُدَ عليه السلام، كَانَ يَصُوْمُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا (1)، وَأَفْضَلُ الصِّيَامِ بَعْدَ شَهْرِ رَمَضَانَ، شَهْرُ اللهِ الَّذِيْ يَدْعُوْنَهُ الْمُحَرَّمَ (2)، والصوم المستحب: وهو ما سيذكره المؤلف هنا.
(1)
قوله (أَفْضَلُ الصِّيَامِ صِيَامُ دَاوُدَ عليه السلام، كَانَ يَصُوْمُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا):
أي أفضل أقسام صوم التطوع هو صيام داود وذلك لورود النص في ذلك، فقد روى البخاري من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أَحَبُّ الصِّيَامِ إِلَى اللَّهِ صِيَامُ دَاوُدَ كَانَ يَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا وَأَحَبُّ الصَّلاةِ إِلَى اللَّهِ صَلاةُ دَاوُدَ كَانَ يَنَامُ نِصْفَ اللَّيْلِ وَيَقُومُ ثُلُثَهُ وَيَنَامُ سُدُسَهُ) (1). ولقول النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عمرو رضي الله عنهما: ( .. صُمْ يَوْمًا وَأَفْطِرْ يَوْمًا وَذَلِكَ صِيَامُ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلام وَهُوَ أَعْدَلُ الصِّيَامِ قَالَ قُلْتُ فَإِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لا أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ) (2). قلت: لكن هذا مشروط بأن لا يضعف البدن حتى يعجز عما هو أفضل من الصيام، كالقيام بحقوق الله تعالى، وحقوق عباده اللازمة وإلا فتركه أفضل.
(2)
قوله (وَأَفْضَلُ الصِّيَامِ بَعْدَ شَهْرِ رَمَضَانَ، شَهْرُ اللهِ الَّذِيْ يَدْعُوْنَهُ الْمُحَرَّمَ):
أي ومن أفضل صوم التطوع أيضاً صيام شهر الله المحرم، لما رواه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أَفْضَلُ الصَّلاةِ بَعْدَ الصَّلاةِ الْمَكْتُوبَةِ الصَّلاةُ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ وَأَفْضَلُ الصِّيَامِ بَعْدَ شَهْرِ رَمَضَانَ صِيَامُ شَهْرِ اللَّهِ الْمُحَرَّمِ) 398.396397
الجزء: 2 - الصفحة: 208
وَمَا مِنْ أَيَّامٍ الْعَمَلُ الصَّالِحُ فِيْهِنَّ أَحَبُّ إِلَى اللهِ مِنْ عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ (1)، وَمَنْ صَامَ رَمَضَانَ وَأَتْبَعَهُ بِسِتٍّ مِنْ شَوَّالٍ، فَكَأَنَّمَا صَامَ الدَّهْرَ كُلَّهُ (2)، (1)
قوله (وَمَا مِنْ أَيَّامٍ الْعَمَلُ الصَّالِحُ فِيْهِنَّ أَحَبُّ إِلَى اللهِ مِنْ عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ):
اتفق الفقهاء على صيام الثمانية أيام من شهر ذي الحجة التي من أوله قبل يوم عرفة، ودليل ذلك ما رواه البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعاً: (مَا مِنْ أَيَّامٍ الْعَمَلُ الصَّالِحُ فِيهَا أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ هَذِهِ الأَيَّامِ - يَعْنِي أَيَّامُ الْعَشْرِ - قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَلا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ قَالَ وَلا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ إِلا رَجُلٌ خَرَجَ بمَالِهِ وِنَفْسِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْجِعْ مِنْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ) (1). وآكد هذه الأيام هو يوم عرفة، وهو اليوم التاسع من ذي الحجة.
لكن
هل يسن للحاج صيام هذه الأيام
أيضاً؟ نقول: نعم يستحب صيامها للحاج أيضاً كما صرح بذلك المالكية (2)، والشافعية (3). (2)
قوله (وَمَنْ صَامَ رَمَضَانَ وَأَتْبَعَهُ بِسِتٍّ مِنْ شَوَّالٍ، فَكَأَنَّمَا صَامَ الدَّهْرَ كُلَّهُ):
دليل ذلك حديث أبي أيوب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (مَنْ صَامَ رَمَضَانَ ثُمَّ أَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّالٍ كَانَ كَصِيَامِ الدَّهْرِ) 402.
فيسن صيام ستة أيام من شوال بعد صيام رمضان.
ونقل عن أبي حنيفة 403 كراهة صيام هذه الست متفرقاً كان أو متتابعاً، وعن أبي يوسف 404 كراهته متتابعة لا متفرقاً.399400401
الجزء: 2 - الصفحة: 209
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لكن ذهب عامة متأخري الحنفية (1) إلى أنه لا بأس بصيام هذه الست، وعللوا كراهة ذلك بأنه لا يؤمن أن يعد بعد ذلك من رمضان، فيكون ذلك تشبهاً بالنصارى.
وذهب المالكية (2) إلى كراهية صيام هذه الست لمقتدىً به، ولمن خيف عليه اعتقاد وجوبها إن صامها متصلة برمضان متتابعة وأظهرها أو كان يعتقد سنية اتصالها، فإن انتفت هذه القيود استحب صيامها.
قلت: والصحيح أنه لا وجه في الكراهة مطلقاً في صيام هذه الست عملاً بالنص الوارد في صيامها، ولا يزال الناس يصومونها ويحرصون على صيامها ويعلمون أنها سنة وليس بواجب، والمحذور الذي يخشى على الناس حصوله يزول ببيانه لهم.
ذكر بعض الفوائد
:
- فائدة 405: هل يستحب صيام هذه الست لمن لم يصم رمضان؟
نقول: ذهب الشافعية 407 إلى استحباب صومها لكل أحد سواء صام رمضان أم لا، كمن أفطر لمرض أو سفر أو غير ذلك.
وذهب الحنابلة 408 إلى أنه لا يستحب صيامها إلا لمن صام رمضان.
والصحيح عندي: أنها لا تسن لمن لم يصم رمضان لأنها مرتبطة بصيامه لظاهر النص.406
الجزء: 2 - الصفحة: 210
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فائدة (2): الأفضل صيام هذه الست متتابعة
، أي عقب العيد مبادرة إلى العبادة ومسابقة إلى فعل الخيرات، كما قال تعالى: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ (1).
ولما في التأخير من الآفات، ولا فرق في حصول الأجر بين التتابع والتفريق.
أما الحنفية (2) فالمستحب عندهم أن تصام هذه الست متفرقة، كل أسبوع يومان.
وأما المالكية (3) فذهبوا إلى كراهيتها متصلة برمضان متتابعة.
والصحيح: القول الأول، أي أن الأفضل صيامها متتابعة بعد العيد.
- فائدة (3) إذا أخَّر السِّت من شوال حتى انتهى الشهر،
هل يحصل له أجرها إن صامها بعد فوات الشهر؟
نقول: ذهب المالكية 412 إلى حصول الفضيلة، ولو صامها في غير شوال، بل استحبوا صيامها في عشر ذي الحجة، وقالوا عن تعيين النبي صلى الله عليه وسلم لها في شوال إنما هو من باب التخفيف في حق المكلف لاعتياده الصيام لا لتخصيص حكمها بذلك، وقالوا أيضاً أن كل ما بَعُد زمنه كثر ثوابه لشدة المشقة.
وقال سماحة شيخنا ابن باز رحمه الله: (ولا يشرع قضاؤها بعد انسلاخ شوال لأنها سنة فات محلها سواء تركت لعذر أو لغير عذر) 413.
والصحيح عندي في هذه المسألة: أنه لا يحصل الثواب المترتب على صيام هذه الست إلا في الشهر الذي عينت فيه، يعني شهر شوال.
وذهب بعض أهل العلم إلى أن من لمن لم يتمكن من صيام هذه الست في شوال لعذر أصابه=409410411
الجزء: 2 - الصفحة: 211
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . =كمرض أو قضاء رمضان كاملاً حتى خرج شوال، فإنه يقضيها ويكتب له أجرها كالفرض إذا أخره عن وقته لعذر، وكالراتبة إذا أخرها عن وقتها لعذر حتى خرج وقتها فإنه يقضيها كما جاءت به السنة، وهو اختيار شيخنا محمد بن صالح العثيمين (1) رحمه الله.
-
فائدة (4): من أخر صيام هذه الست عن أول الشهر ولم يبادر بها: فله أن يصومها في أي وقت شاء في شوال في أوله، أو آخره، أو أوسطه.
لقوله صلى الله عليه وسلم: (ثم أتبعه ستاً من شوال) فظاهر النص أنه ما دامت الست في شوال فيحصل الأجر بذلك.
فائدة (5): يستثنى من صيام هذه الست يوم العيد
: لأنه لا يجوز صومه كما سيأتي إن شاء الله.
فائدة (6): الأولى أن يصوم هذه الست بعد الانتهاء من قضاء رمضان
: فلو كان عليه قضاء ثم صام النافلة قبل القضاء فهل يحصل على ثوابها هذا يتبين من فهم قوله صلى الله عليه وسلم: (مَنْ صَامَ رَمَضَانَ ثُمَّ أَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّالٍ كَانَ كَصِيَامِ الدَّهْرِ) 415، ومن بقي عليه شيء لا يصدق عليه أنه صام رمضان،
بل صام بعضه، ولذا نقول لمن عليه قضاء الأولى لك أن تؤدي الواجب الذي عليك أولاً ثم تصوم الست من شوال، وإن فاتتك الست بسبب الضرر فلعلك تدرك أجرها، وفضل الله واسع ولله الحمد.
قلت: وسيأتي إن شاء الله بيان حكم التطوع بالصوم قبل القضاء، وبيان=414
الجزء: 2 - الصفحة: 212
وَصِيَامُ يَوْمِ عَاشُوْرَاءَ كَفَّارَةُ سَنَةٍ (1)، =اختلاف المذاهب في هذه المسألة وبيان الراجح فيها.
(1)
قوله (وَصِيَامُ يَوْمِ عَاشُوْرَاءَ كَفَّارَةُ سَنَةٍ):
دليل ذلك حديث أبي قتادة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( .. صِيَامُ يَوْمِ عَاشُورَاءَ أَحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ) (1). ويوم عاشوراء هو اليوم العاشر من شهر الله المحرم، وقد كان صوم هذا اليوم فرضاً في الإسلام ثم نسخت فرضيته بصوم رمضان، ثم خيَّر النبي صلى الله عليه وسلم المسلمين في صومه.
ذكر بعض الفوائد
:
- فائدة 416 صرح الحنفية 417 بكراهة صوم يوم عاشوراء منفرداً عن التاسع، أو الحادي عشر، وصرح الحنابلة 418 بعدم الكراهة في إفراد عاشوراء بالصوم.
وهو الصحيح فلا يكره أن يصام العاشر منفرداً بل المستحب صوم يوم قبله أو يوم بعده، وهذا هو اختيار شيخنا محمد بن صالح العثيمين 419 رحمه الله. - فائدة (2): قوله صلى الله عليه وسلم في فضل عاشوراء: (أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله) هل التكفير عام لجميع الذنوب؟ :
نقول: على خلاف بين الفقهاء، فذهب البعض إلى أن المراد في الحديث كفارة الصغائر، وقال البعض: بل هو عام في جميع الذنوب صغائرها وكبائرها.
قلت: والذي يظهر أنه خاص بالصغائر، لكن إذا كان معه توبة فإنها تكفي=
الجزء: 2 - الصفحة: 213
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . =جميع الذنوب كبائرها وصغائرها بما فيها الشرك بالله.
- فائدة (3): ذكرنا أنه لا يكره إفراد يوم عاشوراء وحده بالصيام، لكن يستحب صيام يوم قبله أو يوم بعده، فما الحكمة في صوم يوم قبله أو يوم بعده؟
نقول: ذكر بعض الفقهاء لذلك أوجهاً منها:
أحدها: مخالفة لليهود حيث أنهم يخصون العاشر بالصيام فقط، وهذا ما ذكره سماحة شيخنا ابن باز 420 رحمه الله.
الثاني: أن المراد به وصل يوم عاشوراء بصوم كما نهى أن يفرد يوم الجمعة وحده بصوم.
الثالث: الاحتياط في صوم العاشر خشية نقص الهلال ووقوع الغلط. - فائدة (4): من أراد صيام يوم عاشوراء فعليه بالاعتماد على الرؤية، وعند عدم ثبوت الرؤية يعمل بالاحتياط وذلك بإكمال ذي الحجة ثلاثين يوماً.
- فائدة (5): ذكر بعض الفقهاء أن الأكمل في صيام عاشوراء صيام يوم قبله ويوم بعده: فيصوم التاسع والعاشر والحادي عشر، ويليه في الكمال صوم التاسع مع العاشر أو العاشر مع الحادي عشر، ويليه في ذلك صوم العاشر وحده.
- فائدة (6): من صام التاسع والعاشر ثم تبين له بعد ذلك أنه صام الثامن والتاسع، فليس عليه قضاء وله الأجر إن شاء الله كاملاً على حسب نيته.
الجزء: 2 - الصفحة: 214
وَصِيَامُ يَوْمِ عَرَفَةَ كَفَّارَةُ سَنَتَيْنِ (1)، وَلا يُسْتَحَبُّ لِمَنْ كَانَ بِعَرَفَةَ أَنْ يَصُوْمَهُ (2)، (1)
قوله (وَصِيَامُ يَوْمِ عَرَفَةَ كَفَّارَةُ سَنَتَيْنِ):
وذلك لحديث أبي قتادة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (صِيَامُ يَوْمِ عَرَفَةَ أَحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ وَالسَّنَةَ الَّتِي بَعْدَهُ .. ) (1). وهو من أفضل أيام العام لما رواه مسلم عن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (مَا مِنْ يَوْمٍ أَكْثَرَ مِنْ أَنْ يُعْتِقَ اللَّهُ فِيهِ عَبْدًا مِنْ النَّارِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ .. ) (2).
(2)
قوله (وَلا يُسْتَحَبُّ لِمَنْ كَانَ بِعَرَفَةَ أَنْ يَصُوْمَهُ):
وهذا هو قول الجمهور من المالكية 423، والشافعية 424، والحنابلة 425. بل صرح بعضهم بكراهة صومه للحاج، واحتجوا لذلك بحديث أم الفضل بنت الحارث رضي الله عنهما ( ... أَرْسَلَتْ إِلَيْهِ بِقَدَحِ لَبَنٍ وَهُوَ وَاقِفٌ عَلَى بَعِيرِهِ فَشَرِبَهُ) 426. وأيضاً بما جاء عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال: (حَجَجْتُ مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَلَمْ يَصُمْهُ وَمَعَ أَبِي بَكْرٍ فَلَمْ يَصُمْهُ وَمَعَ عُمَرَ فَلَمْ يَصُمْهُ وَمَعَ عُثْمَانَ فَلَمْ يَصُمْهُ وَأَنَا لا أَصُومُهُ وَلا آمُرُ بِهِ وَلا أَنْهَى عَنْهُ) 427. ولأن صيامه يضعف عن الوقوف والدعاء.=421422
الجزء: 2 - الصفحة: 215
وَيُسْتَحَبُّ صِيَامُ أَيَّامِ الْبِيْضِ (1)،
=وقال الحنفية (1) بل يستحب للحاج أيضاً صوم يوم عرفة إذا لم يضعفه عن الوقوف بعرفات ولا يخل بالدعوات، فلو أضعفه كره له الصوم.
وما ذهب إليه الجمهور هو الراجح فلا يستحب صومه للحاج مطلقاً.
قال سماحة سيخنا ابن باز (2) رحمه الله: (الحاج لا يجوز له أن يصوم يوم عرفة لأن النبي صلى الله عليه وسلم وقف في ذلك اليوم وهو مفطر، وإن صام يخشى عليه الإثم لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن صوم يوم عرفة بعرفة ولم يصم).
وقال شيخنا محمد بن صالح العثيمين (3) رحمه الله: (فالصواب أن صوم يوم عرفة للحاج مكروه، وأما لغير الحاج فسنة مؤكدة).
(1)
قوله (وَيُسْتَحَبُّ صِيَامُ أَيَّامِ الْبِيْضِ):
قول المصنف (أيام البيض) هكذا بإضافة أيام البيض وهذا هو الصواب ووقع في كثير من كتب الفقه وغيرها (الأيام البيض) بإضافة الألف واللام وهذا خطأ عند أهل العربية معدود في لحن العوام لأن الأيام كلها بيض وإنما صوابه أيام الليالي البيض.
وأيام البيض هي الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر من كل شهر عربي سميت بذلك لتكامل ضوء الهلال وشدة البياض فيها.
دليل سنية صيام ثلاثة أيام من كل شهر ما رواه الترمذي عن أبي ذر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( .. مَنْ صَامَ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ فَذَلِكَ صِيَامُ الدَّهْرِ .. ) 431.428429430
الجزء: 2 - الصفحة: 216
وَالاِثْنَيْنِ وَالْخَمِيْسِ (1)،
وأيضاً ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان يصوم ثلاثة أيام من كل شهر كما في حديث عائشة رضي الله عنها عند مسلم (أَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَصُومُ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ قَالَتْ نَعَمْ فَقُلْتُ لَهَا مِنْ أَيِّ أَيَّامِ الشَّهْرِ كَانَ يَصُومُ قَالَتْ لَمْ يَكُنْ يُبَالِي مِنْ أَيِّ أَيَّامِ الشَّهْرِ يَصُومُ) (1).
فتعيين صيام الثلاثة أيام من كل شهر في الأيام البيض إنما هو على سبيل الأفضلية، وقد ورد عند الترمذي من حديث أبي ذر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له (إِذَا صُمْتَ مِنْ الشَّهْرِ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ فَصُمْ ثَلاثَ عَشْرَةَ وَأَرْبَعَ عَشْرَةَ وَخَمْسَ عَشْرَةَ) (2).
وباستحباب صيام هذه الثلاثة أعني أيام البيض قال جمهور الفقهاء، وذهب المالكية (3) إلى كراهة صوم أيام الليالي البيض فراراً من التحديد ومخافة اعتقاد وجوبها واعتقاد أن الثواب لا يحصل إلا بصيام هذه الثلاث خاصة.
والراجح عندي ما ذهب إليه الجمهور وتعليل المالكية يزول ببيان السنن للناس وتوضيحها لهم.
(1)
قوله (وَالاِثْنَيْنِ وَالْخَمِيْسِ):
أي ويسن صيام يوم الاثنين والخميس من كل أسبوع دليل ذلك ما رواه مسلم عن أبي قتادة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن صوم الاثنين فقال ( .. فِيهِ وُلِدْتُ وَفِيهِ أُنْزِلَ عَلَيَّ) 435. وجاء في سنن أبي داود وغيرها من حديث أسامة بن زيد رضي الله عنهما=432433434
الجزء: 2 - الصفحة: 217
وَالصَّائِمُ الْمُتَطَوِّعُ أَمِيْرُ نَفْسِهِ، إِنْ شَاءَ صَامَ، وَإِنْ شَاءَ أَفْطَرَ، وَلا قَضَاءَ عَلَيْهِ (1) =أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصوم يوم الاثنين والخميس فسئل عن ذلك؟ فقال: ( .. إِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَصُومُ يَوْمَ الاثْنَيْنِ وَيَوْمَ الْخَمِيسِ وَسُئِلَ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ إِنَّ أَعْمَالَ الْعِبَادِ تُعْرَضُ يَوْمَ الاثْنَيْنِ وَيَوْمَ الْخَمِيسِ) (1).
(1)
قوله (وَالصَّائِمُ الْمُتَطَوِّعُ أَمِيْرُ نَفْسِهِ، إِنْ شَاءَ صَامَ، وَإِنْ شَاءَ أَفْطَرَ، وَلا قَضَاءَ عَلَيْهِ):
اختلف الفقهاء في هذه المسألة فالحنفية 437، والمالكية 438 ذهبوا إلى لزوم صوم التطوع بالشروع فيه وأنه يجب على الصائم المتطوع إتمامه إذا بدأ فيه واحتجوا لذلك بما رواه مسلم من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ فَلْيُجِبْ فَإِنْ كَانَ صَائِمًا فَلْيُصَلِّ وَإِنْ كَانَ مُفْطِرًا فَلْيَطْعَمْ) 439. فليُصَلِّ أي فليدع.
وذهب الشافعية 440 والحنابلة 441 إلى عدم لزوم صوم التطوع بالشروع فيه ولا يجب على الصائم إتمامه وله قطعه في أي وقت شاء واحتجوا لذلك بما رواه مسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت ( .. أُهْدِيَ لَنَا حَيْسٌ فَقَالَ أَرِينِيهِ فَلَقَدْ أَصْبَحْتُ صَائِمًا) فأكل 442. وزاد النسائي ( .. إِنَّمَا مَثَلُ صَوْمِ الْمُتَطَوِّعِ مَثَلُ الرَّجُلِ يُخْرِجُ مِنْ مَالِهِ الصَّدَقَةَ فَإِنْ شَاءَ أَمْضَاهَا وَإِنْ شَاءَ حَبَسَهَا) 443.436
الجزء: 2 - الصفحة: 218
إِلاَّ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ، فَإِنَّهُ يَجِبُ إِتْمَامُهُمُا، وَقَضَاءُ مَا أَفْسَدَ مِنْهُمَا (1) وَنَهَى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عَنْ صَوْمِ يَوْمَيْنِ: يَوْمِ الْفِطْرِ، وَيَوْمِ النَّحْرِ (2)، والصحيح ما ذهب إليه الشافعية والحنابلة، لكن إن أراد أن يقطع صوم النفل فلا ينبغي أن يقطعه إلا لغرض صحيح لقوله تعالى ﴿وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ (1). (وَكذلِكَ سَائِرُ التَّطَوُّعِ): من صلاة وصدقة واعتكاف ووضوء ونحوه.
(1)
قوله (إِلاَّ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ، فَإِنَّهُ يَجِبُ إِتْمَامُهُمُا، وَقَضَاءُ مَا أَفْسَدَ مِنْهُمَا):
لقوله تعالى [وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ] (2).
فمتى أحرم بالحج أو بالعمرة لزمه المضي فيهما ولا يجوز له أن يخرج منهما، ولو أفسدهما وجب عليه المضي فيهما وإتمام ما أفسده وعليه قضاؤهما من العام المقبل إن كانت حجة وعلى الفور إن كانت عمرة، والأصل في ذلك الآية المذكورة أنفاً وهي قوله تعالى ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾، ووجه الدلالة من الآية أن أهل التفسير أجمعوا على أنها نزلت في الحديبية لما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أحرم هو وأصحابه بالعمرة وساقوا الهدي فصده المشركون فأنزل الله تعالى هذه الآية يأمر فيها بإتمام الحج والعمرة ويذكر شأن الإحصار.
والأمر بالإتمام في الآية إنما هو لمن دخل متطوعاً، لأن الحج لم يكن قد فرض بعد فإن الآية نزلت سنة ست، والحج إنما فرض بعد فتح مكة.
ثم أن الله تعالى أمر بالإتمام مطلقاً، فدخل فيه كل منسّاء للحج والعمرة.
(2)
قوله (وَنَهَى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عَنْ صَوْمِ يَوْمَيْنِ: يَوْمِ الْفِطْرِ، وَيَوْمِ النَّحْرِ):
اتفق=444445
الجزء: 2 - الصفحة: 219
وَنَهىَ عَنْ صَوْمِ أَيَّامِ التَّشْرِيْقِ (1)، = (الفقهاء على أن صوم يومي العيدين محرم في التطوع والنذر المطلق والمعين أيضاً وكذا القضاء والكفارة دليل ذلك ما رواه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال (نَهَى عَنْ صِيَامِ يَوْمَيْنِ يَوْمِ الْفِطْرِ وَيَوْمِ النَّحْرِ) (1). وأيضاً ما جاء عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه خطب الناس فقال: (هَذَانِ يَوْمَانِ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ صِيَامِهِمَا يَوْمُ فِطْرِكُمْ مِنْ صِيَامِكُمْ وَالْيَوْمُ الآخَرُ تَأْكُلُونَ فِيهِ مِنْ نُسُكِكُمْ) (2). والنهي عن صيام هذين اليومين يقتضي الفساد وكذا التحريم.
(1)
قوله (وَنَهىَ عَنْ صَوْمِ أَيَّامِ التَّشْرِيْقِ):
أي ويحرم صيام أيام التشريق وأيام التشريق هي الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر من شهر ذي الحجة وسميت بذلك لأن الناس كانوا يشرقون فيها اللحم أي يقددونه ثم ينشرونه في الشمس من أجل أن ييبس حتى لا يتعفن ولا يفسد.
ودليل النهي عن صيام هذه الأيام ما رواه مسلم عن نبيشة الهذلي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (أَيَّامُ التَّشْرِيقِ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ)، وزاد في رواية: (وَذِكْرٍ لِلَّهِ) 448. فلا يحل صيام هذه الأيام عند أكثر أهل العلم 449، وفي رواية في المذهب 450 يجوز صيامها، واحتج له بما جاء عن ابن الزبير وابن عمر ويزيد=446447
الجزء: 2 - الصفحة: 220
إِلاَّ أَنَّهُ أَرْخَصَ فِيْ صَوْمِهَا لِلْمُتَمَتِّعِ، إِذَا لَمْ يَجِدِ الْهَدْيَ (1)، وَلَيْلَةُ الْقَدْرِ فِي الْوِتْرِ مِنَ الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ (2)،
=وأبي طلحة رضي الله عنهم أنهم كانوا يصومونها.
والراجح عدم جواز صيام هذه الأيام ويحرم صيامها للحديث المتقدم لكن يستثنى من هذا التحريم ما ذكره المؤلف.
(1)
قوله (إِلاَّ أَنَّهُ أَرْخَصَ فِيْ صَوْمِهَا لِلْمُتَمَتِّعِ، إِذَا لَمْ يَجِدِ الْهَدْيَ):
اختلفت الرواية (1) في المذهب في صيام أيام التشريق بالنسبة للحاج ففي رواية أنه لا يجوز لأنه نهى عن صيامها.
والرواية الأخرى وهي الراجحة عندي وهي المذهب (2) وهي أيضاً قول المالكية (3) يجوز لما جاء عن ابن عمر وعائشة رضي الله عنهما أنهما قالا (لَمْ يُرَخَّصْ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ أَنْ يُصَمْنَ إِلا لِمَنْ لَمْ يَجِدْ الْهَدْيَ) (4) وهو حديث صحيح رواه البخاري وغيره.
حتى من عليه صيام شهرين متتابعين يجب عليه أن يفطر يوم العيد وأيام التشريق ثم يواصل صيام التتابع من اليوم الرابع عشر من ذي الحجة، والقاعدة عند أهل العلم (أن الصيام الواجب والفطر الواجب لا يقطع التتابع).
(2)
قوله (وَلَيْلَةُ الْقَدْرِ فِي الْوِتْرِ مِنَ الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ):
دليل ذلك قوله صلى الله عليه وسلم ( .. فَالْتَمِسُوهَا فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ وَالْتَمِسُوهَا فِي كُلِّ وِتْر .. ) 455. وهنا نذكر بعض الفوائد:451452453454
الجزء: 2 - الصفحة: 221
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . - فائدة (1): ليلة القدر اختلف العلماء في تعيينها على أكثر من أربعين قولاً ذكرها الحافظ ابن حجر (1) في شرح صحيح البخاري.
فائدة (2): هل هي باقية أم رفعت؟
الصحيح أنها باقية وما جاء في الحديث أنها رفعت، فقد روى البخاري عن عبادة بن الصامت (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم خَرَجَ يُخْبِرُ بِلَيْلَةِ الْقَدْرِ فَتَلاحَى رَجُلانِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَقَالَ إِنِّي خَرَجْتُ لأُخْبِرَكُمْ بِلَيْلَةِ الْقَدْرِ وَإِنَّهُ تَلاحَى فُلانٌ وَفُلانٌ فَرُفِعَتْ وَعَسَى أَنْ يَكُونَ خَيْرًا لَكُمْ الْتَمِسُوهَا فِي السَّبْعِ وَالتِّسْعِ وَالْخَمْسِ) (2)، فالمراد رفع العلم عنها في تلك السنة.
فائدة (3): هل هي في رمضان أو غيره؟
لا شك أنها في رمضان وذلك لأدلة منها قوله تعالى ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ (3). فالقرآن أنزل في شهر رمضان وقد قال تعالى ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ (4)، فإذا ضمت هذه الآية إلى تلك تعين أن تكون في شهر رمضان.
فائدة (4): في أي ليلة من رمضان تكون ليلة القدر؟
ليس في القرآن بيان في تعيينها لكن ثبتت الأحاديث أنها في العشر الأواخر من رمضان والسبع الأواخر أرجى.456457458459
الجزء: 2 - الصفحة: 222
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . - فائدة (5): الصحيح أن ليلة القدر تنتقل: فتكون عاماً في ليلة إحدى وعشرين، وعاماً في ليلة تسع وعشرين، وعاماً في ليلة خمس وعشرين، وعاماً في ليلة أربع وعشرين، وهكذا.
فائدة (6): في سبب تسميتها بليلة القدر
: قيل لأنه يقدر فيها ما يكون في تلك ألسنة فيكتب فيها ما سيجري في ذلك العام وقيل سميت بذلك لأن للقيام فيها قدراً عظيماً لقول النبي صلى الله عليه وسلم (مَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ .. ) (1)، لكن قال شيخ الإسلام رحمه الله كل حديث ورد فيه (وما تأخر) غير صحيح لأن هذا من خصائص النبي صلى الله عليه وسلم.
- فائدة (7): بعض الناس يعتقد أن العمرة في ليلة القدر لها مزية خاصة: ونحن نقول تخصيص تلك الليلة بالعمرة بدعة لأنه تخصيص لعباده في زمن لم يخصصه الشارع بها.
لكن يلزم من تلبس بالعمرة في هذه الليلة أن يتمها وإنما البدعة في تخصيص العمرة بتلك الليلة.
ذكر بعض الفوائد المتعلقة بصوم التطوع
:
- فائدة 460: ذهب جمهور أهل الفقهاء من الحنفية 461، والشافعية 462، والحنابلة 463 إلى أنه لا يشترط تبييت النية في صوم التطوع بخلاف صوم الفرض فإنه يجب تبييت النية واحتجوا لذلك بما جاء عن عائشة رضي الله عنها=
الجزء: 2 - الصفحة: 223
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
=قالت (دَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم ذَاتَ يَوْمٍ فَقَالَ هَلْ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ فَقُلْنَا لا قَالَ فَإِنِّي إِذَنْ صَائِمٌ .. ) (1).
وذهب المالكية (2) إلى اشتراط تبييت النية في صوم التطوع كالفرض لقوله صلى الله عليه وسلم (مَنْ لَمْ يُجْمِعْ الصِّيَامَ قَبْلَ الْفَجْرِ فَلا صِيَامَ لَهُ) (3)، والحديث عام لم يخصص بصيام فرض دون نفل.
والصحيح عندي ما ذهب إليه الجمهور للحديث الوارد في ذلك.
-
فائدة (2): صوم التطوع منه ما هو مطلق ومنه ما هو معين بيوم أي - مقيد - كصوم يوم عرفة وعاشوراء والست من شوال والليالي البيض وهذا النوع أي الصوم المقيد ينبغي أن يعين فيه النية لينال الأجر المترتب على صيامه وهذا هو أحد الوجوه عند الشافعية (4). وقيل بل لو نوى غيرها حصل الأجر المترتب على ذلك لأن المقصود وجود الصوم فيها.
والذي يظهر لي أنه ينبغي عند الصوم أن يعين الإنسان نوع الصوم الذي يصومه.
فائدة (3): من لم يتناول أي مفطر حتى زالت الشمس
هل يشرع له أن ينوي الصيام؟ نقول اختلف الفقهاء في وقت تعيين نية الصيام في النافلة: =464465466467
الجزء: 2 - الصفحة: 224
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
=فالحنفية 468 يقولون بأن آخر وقت نية صوم التطوع هو نصف النهار ونصف النهار من استطارة ... الضوء في أفق المشرق إلى غروب الشمس.
وقال المالكية 469 لا بد من أن تكون النية قبل الفجر كالفرض سواء.
وقال الشافعية 470 آخر وقت نية صوم التطوع قبل الزوال.
وقال الحنابلة 471 وقت نية صوم التطوع ممتد إلى ما بعد الزوال واحتجوا لذلك بأن هذا قول معاذ وابن مسعود وحذيفة ولم ينقل عن أحد من الصحابة رضي الله عنهم ما يخالفه صريحاً ولأن النية وجدت في جزء من النهار فأشبه وجودها قبل الزوال بلحظة.
وهذا هو الأقرب عندي.
- فائدة (4): اختلف الفقهاء في التطوع بالصوم قبل قضاء رمضان كصيام ست من شوال أو عاشوراء لمن أخر القضاء مثلاً.
فذهب الحنفية 472 إلى جواز التطوع بالصوم قبل القضاء من غير كراهة لأن القضاء لا يجب على الفور.
وذهب المالكية 473، والشافعية 474 إلى كراهة صوم التطوع قبل القضاء لكن إن فعله جاز ذلك.
أما الحنابلة 475 فقد اختلفت الرواية عن أحمد في جواز التطوع بالصوم ممن=
الجزء: 2 - الصفحة: 225
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
=عليه صوم فرض ففي رواية لا يجوز بل يبدأ بالفرض حتى يقضيه وفي رواية يجوز له التطوع لأنها عبادة تتعلق بوقت موسع فجاز التطوع في وقتها قبل فعلها كالصلاة يتطوع في وقتها قبل فعلها.
والأظهر عندي - كما ذكرت ذلك سابقاً - أنه لا ينبغي أن يصوم الإنسان صوم تطوع قبل قضاء ما عليه من فرضٍ لقوله سبحانه وتعالى في الحديث القدسي: ( .. وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا وَإِنْ سَأَلَنِي لأُعْطِيَنَّهُ وَلَئِنْ اسْتَعَاذَنِي لأُعِيذَنَّهُ وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ نَفْسِ الْمُؤْمِنِ يَكْرَهُ الْمَوْتَ وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ .. ) 476 فإن قدم التطوع على الفرض كُره ذلك مع صحة صوم ما تطوع به.
الجزء: 2 - الصفحة: 226
بَابُ الاِعْتَكَافِ
(1) (1)
قوله (بَابُ الاِعْتَكَافِ):
الاعتكاف في اللغة هو لزوم الشيء وحبس النفس عليه.
أما في الاصطلاح فقال المؤلف: (وَهُوَ: لُزُوْمُ الْمَسْجِدِ لِطَاعَةِ اللهِ تَعَالَى فِيْهِ): هذا هو التعريف الاصطلاحي للاعتكاف لكن لو قال المؤلف في تعريفه هو لزوم مسجد بنية الطاعة لله متفرغاً لذلك مع صفة مخصوصة لكان أولى.
الحكمة من مشروعية الاعتكاف:
لما كان المرء لا يلزم ويواظب إلا من يحبه ويعظمه كما كان المشركون يعكفون على أصنامهم وتماثيلهم، ويعكف أهل الشهوات على شهواتهم شرع الله سبحانه وتعالى لأهل الإيمان أن يعكفوا على ربهم سبحانه وتعالى، والقلوب هي الأوعية التي يصلح بها البدن أو يفسد.
قال ابن القيم 477 رحمه الله: (لما كان صلاح القلب واستقامته على طريق سيره إلى الله تعالى متوقفاً على جمعيته على الله، وَلَمِّ شعثه بإقباله بالكلية على الله تعالى، فإن شعث القلب لا يلمه إلا الإقبال على الله تعالى ولهذا شرع الله تعالى لعباده الاعتكاف الذي مقصوده وروحه عكوف القلب على الله تعالى وجمعيته عليه والخلوة به، والانقطاع عن الاشتغال بالخلق، والاشتغال به وحده سبحانه بحيث يصير ذكره وحبه والإقبال عليه في محل هموم القلب وخطراته فيستول عليه بدلها ويصير الهم كله به والخطرات كلها بذكره، والتفكر في تحصيل مرضاته وما يقرب منه، فيصير أنسه بالله بدلاً من=
الجزء: 2 - الصفحة: 227
لُزُوْمُ الْمَسْجِدِ (1)، لِطَاعَةِ اللهِ تَعَالَى فِيْهِ (2)، وَهُوَ سُنَّةٌ (3)، =أنسه بالخلق، فيعده بذلك لأنسه يوم الوحشة في القبور حين لا أنيس له ولا ما يفرح به سواه فهذا مقصود الاعتكاف الأعظم).
(1)
قوله (لُزُوْمُ الْمَسْجِدِ):
أجمع الفقهاء على أنه لا يصح اعتكاف إلا في مسجد لقوله تعالى [وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ] (1) ولأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعتكف إلا في المسجد فخرج بذلك لزوم الدار ولزوم المدرسة، بل ولزوم المصلى، فلو أن قوماً في عمارة لها مصلى وليس بمسجد فإن لزوم هذا المصلى لا يعتبر اعتكافاً.
(2)
قوله (لِطَاعَةِ اللهِ تَعَالَى فِيْهِ):
اللام هنا للتعليل أي لطاعة الله لا للعزلة عن الناس ولا من أجل أن يأتيه أصحابه فيكثر معهم الكلام بل لزمه للتفرغ لطاعة الله قال شيخ الإسلام (2) لو قال المؤلف هنا (لزوم المسجد لعبادة الله) لكان أحسن.
فإن الطاعة موافقة الأمر، وهذا يكون بما هو في الأصل عبادة كالصلاة، وبما هو في الأصل غير عبادة وإنما يصير عبادة بالنية كالمباحات كلها بخلاف العبادة فإنها للإله سبحانه وتعالى.
وأيضاً فإن ما لم يؤمر به من العبادات بل رغب فيه هو عبادة، وإن لم يكن طاعة لعدم الأمر.
(3)
قوله (وَهُوَ سُنَّةٌ):
قد دل على سنتيه الكتاب والسنة والإجماع: أما دليل الكتاب فقوله تعالى ﴿أَنْ طَهِّرَا بَيْتِي لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ 480.478479
الجزء: 2 - الصفحة: 228
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقوله تعالى ﴿وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ 481.
وقوله ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِي لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ 482.
أما دليل السنة: فما رواه البخاري ومسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما قال (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ... يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله تعالى - ثم اعتكف أزواجه من بعده).
أما الإجماع: فقد قال ابن المنذر 483: أجمع أهل العلم على أن الاعتكاف سنة وأنه لا يجب على الناس فرضاً إلا أن يوجبه المرء على نفسه نذراً فيجب عليه.
لكن هل يشرع الاعتكاف في غير رمضان؟
ذهب جمهور الفقهاء إلى أن الاعتكاف مشروع في كل وقت في رمضان وغيره قال سماحة شيخنا بن باز رحمه الله 484 وهو مشروع في كل وقت في رمضان وغيره واستدلوا لذلك بما رواه البخاري عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال يا رسول الله إني نذرت أن اعتكف ليلة في المسجد الحرام، فقال النبي صلى الله عليه وسلم (أَوْفِ بِنَذْرِكَ) 485، وقال شيخنا محمد بن صالح العثيمين رحمه الله 486 لا يسن الاعتكاف إلا في العشر الأواخر
فقط - أي من رمضان - لكن من تطوع وأراد أن يعتكف في غير ذلك فإنه لا ينهى عن ذلك استناداً لحديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه ولا نقول إن=
الجزء: 2 - الصفحة: 229
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . =فعله بدعة لكن نقول الأفضل أن نقتدي بالرسول صلى الله عليه وسلم.
فائدة: هل يشرع الاعتكاف في كل مسجد؟
اتفق الفقهاء على أنه يشرع الاعتكاف في كل مسجد فكل مسجد مكان للاعتكاف لكن بشروط سنذكرها قريباً إن شاء الله.
وذهب بعض الصحابة إلى أنه لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة يعني المسجد الحرام والمسجد النبوي والمسجد الأقصى وما عداها لا يصح الاعتكاف فيه، واختار هذا القول العلامة الألباني 487 رحمه الله.
والصحيح أنه يشرع الاعتكاف في أي مسجد والاعتكاف في المساجد الثلاثة أفضل من غيرها والمسجد الحرام أفضل ثم المسجد النبوي ثم المسجد الأقصى، وقد فصلنا ذلك قريباً.
دليل ذلك قوله تعالى ﴿وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ 488 الألف واللام للعموم فلو كان الاعتكاف لا يصح إلا في المساجد الثلاثة لزم أن تكون (ال) هنا للعهد الذهني ولا دليل على كونها للعهد الذهني فإذا عدم الدليل على كونها للعهد الذهني لزم أن تكون للعموم.
أما دليل من قال بعدم صحة الاعتكاف إلا في المساجد الثلاثة فما رواه عبد الرزاق وابن أبي شيبة عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم (لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة) 489.
وجواباً على ذلك نقول: هذا الحديث ضعفه بعض أهل العلم حتى قال ابن=
الجزء: 2 - الصفحة: 230
إِلاَّ أَنْ يَكُوْنَ نَذْرًا، فَيَلْزَمُ الْوَفَاءُ بِهِ (1)، وَيَصِحُّ مِنَ الْمَرْأَةِ فِيْ كُلِّ مَسْجِدٍ (2)، غَيِّرِ مَسْجِدْهَا (3)،
=مسعود رضي الله عنه لحذيفة حين ذكر له الخبر قال (لعلهم أصابوا فأخطأت وذكروا فنسيت) (1)، والإنسان معرض للنسيان.
إذاً فالصحيح ما ذهب إليه جمهور الفقهاء بأن الاعتكاف عام في كل مسجد لكن كونه في المساجد الثلاثة أفضل كما أن الصلاة فيها أفضل وعلى هذا يحمل الأثر أي الاعتكاف أفضل في هذه المساجد.
(1)
وقوله (إِلاَّ أَنْ يَكُوْنَ نَذْرًا، فَيَلْزَمُ الْوَفَاءُ بِهِ):
النذر هو أن يلزم العبد نفسه بعبادة لم تكن واجبة عليه بأصل الشرع كصوم وصلاة وحج وصدقة ونحو ذلك ومن جملة ذلك أن ينذر الإنسان اعتكافاً فهنا يلزمه الوفاء بهذا النذر لقوله صلى الله عليه وسلم كما في صحيح البخاري من حديث عائشة رضي الله عنها (مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَهُ فَلا يَعْصِهِ) (2). (2)
قوله (وَيَصِحُّ مِنَ الْمَرْأَةِ فِيْ كُلِّ مَسْجِدٍ):
لكن لابد من إذن وليها وأمن الفتنة فإن كان اعتكافها فتنة فإنها لا تُمَكَّنْ منه لان المستحب إذا ترتب عليه ممنوع وجب أن يمنع.
والمرأة كالرجل في جواز الاعتكاف لها فقد اعتكفت زوجات النبي صلى الله عليه وسلم في حياته وبعد مماته.
(3) قوله (غَيِّرِ مَسْجِدْهَا): هذا استثناء لما ذكره قبل فلا يصح أن تعتكف المرأة في مسجد بيتها وهو مصلاها الذي اتخذته في بيتها من أجل الصلاة فقد كانت=490491
الجزء: 2 - الصفحة: 231
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
=النساء تجعل لها مكاناً في بيتها كحجرة معينة خاصة تصلي فيه فهذا لا يصح للمرأة أن تعتكف فيه.
لأنه ليس مسجداً في الحقيقة ولذا يجوز لها أن تجلس فيه وهي حائض وتبيع وتشتري فيه وتبقى فيه وهي جنب ومثل ذلك المصليات التي تكون في مكاتب الأعمال الحكومية فلا تأخذ حكم المسجد.
فالحاصل أن المرأة لا يصح اعتكافها في مسجد بيتها وإلى هذا ذهب جمهور الفقهاء وقد جاء في السنن الكبرى عند البيهقي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه سئل عن المرأة جعلت عليها - أي نذرت - أن تعتكف في مسجد بيتها، فقال بدعة، وأبغض الأعمال إلى الله البدع 492.
وخالف أبو حنيفة 493 فقال بجواز اعتكاف المرأة في مسجد بيتها لأنه هو موضع لصلاتها يتحقق انتظارها فيه، وقال لو اعتكفت في مسجد الجماعة جاز مع الكراهية التنزيهية والبيت أفضل من مسجد حيها ومسجد الحي أفضل من المسجد الأعظم.
وقال الحنفية وليس للمرأة أيضاً أن تعتكف في غير موضع صلاتها من بيتها وإن لم يكن لها في البيت مكاناً تتخذه للصلاة فلا يجوز لها الاعتكاف في بيتها.
والصحيح خلاف ما ذكره الحنفية في هذا، بل لا يشرع لها أن تعتكف في غير المسجد كما ذكرنا.
- فائدة: ينبغي للمرأة إذا اعتكفت أن تستتر بخباء ونحوه: لفعل عائشة رضي
الجزء: 2 - الصفحة: 232
وَمَنْ نَذَرَ الاِعْتِكافَ، أَوِ الصَّلاةَ فِيْ مَسْجِدٍ، فَلَهُ فِعْلُ ذلِكَ فِيْ غَيْرِهِ (1)، إِلاَّ الْمَسَاجِدَ الثَّلاثَةَ (2)، =الله عنها وحفصة وزينب في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وتجعل خباءها في مكان لا يصلى فيه الرجال لأنه أبعد في التحفظ لها، قال أبو داود عن الإمام أحمد قوله (يعتكفن في المسجد ويضرب لهن فيه بالخيم) (1).
(1)
قوله (وَمَنْ نَذَرَ الاِعْتِكافَ، أَوِ الصَّلاةَ فِيْ مَسْجِدٍ، فَلَهُ فِعْلُ ذلِكَ فِيْ غَيْرِهِ):
أي إذا نذر شخص الاعتكاف أو الصلاة في مسجد بعينه غير المساجد الثلاثة فله فعل ذلك فيه وفي غيره من المساجد وذلك لأن الله تعالى لم يعين لعبادته موضعاً فلم يتعين بالنذر، فليس قصد مسجد بعينه دون غيره طاعة إلا المساجد الثلاثة كما سيذكره المؤلف وهذا هو قول المالكية (2) والشافعية (3) لكن إذا صلى واعتكف في غير المسجد الذي عينه فهل يلزمه كفارة يمين؟ على وجهين في المذهب؟ الصحيح عندي أنه لا يلزمه الكفارة لما ذكرناه آنفاً.
(2)
قوله (إِلاَّ الْمَسَاجِدَ الثَّلاثَةَ):
وهي المسجد الحرام والمسجد النبوي والمسجد الأقصى وذلك لفضلها على شتى المساجد ولقوله صلى الله عليه وسلم (لا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلا إِلَى ثَلاثَةِ مَسَاجِدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَسْجِدِ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم وَمَسْجِدِ الأَقْصَى) 497، وقوله (صَلاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ صَلاةٍ فِيمَا سِوَاهُ=494495496
الجزء: 2 - الصفحة: 233
فَإِذَا نَذَرَ ذلِكَ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، لَزِمَهُ (1)، وَإِنْ نَذَرَ الاِعْتِكَافَ فِيْ مَسْجِدِ رَسُوْلِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، جَازَ لَهُ أَنْ يَعْتَكِفَ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحْدَهُ (2)، وَإِنْ نَذَرَهُ فِي الْمَسْجِدِ الأَقْصَى، فَلَهُ فِعْلُهُ فِيْ أَيِّهِمَا أَحَبَّ (3)، =إِلا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ) (1). فإذا عين أحد المساجد الثلاثة لم يجز أن يعتكف في غيره إلا فيما هو أفضل منه على ما سيذكره المؤلف.
(1)
قوله (فَإِذَا نَذَرَ ذلِكَ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، لَزِمَهُ): أي لم يجزئه في المسجد النبوي ولا المسجد الأقصى لأنه عين الأفضل في نذره فلم يجزئه الاعتكاف فيما دونه لعدم مساواته له.
(2)
قوله (وَإِنْ نَذَرَ الاِعْتِكَافَ فِيْ مَسْجِدِ رَسُوْلِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، جَازَ لَهُ أَنْ يَعْتَكِفَ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحْدَهُ):
لأن غاية ما فيه أنه انتقل من الأفضل إلى ما هو أفضل منه في الأجر.
(3)
قوله (وَإِنْ نَذَرَهُ فِي الْمَسْجِدِ الأَقْصَى، فَلَهُ فِعْلُهُ فِيْ أَيِّهِمَا أَحَبَّ):
جملة ما ذكره المؤلف هنا أنه من عين اعتكافه في المسجد الحرام لا يجزئه في المسجد النبوي ولا المسجد الأقصى وإن عين مسجد النبي صلى الله عليه وسلم لا يجزئه المسجد الأقصى والعكس صحيح فإن عين المسجد الأقصى جاز في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم وفي المسجد الحرام وإن عين مسجد النبي صلى الله عليه وسلم جاز في المسجد الحرام.
فأفضلية المسجد الحرام مقدمة على مسجد النبي صلى الله عليه وسلم ومسجد النبي صلى الله عليه وسلم مقدم على المسجد الأقصى في الفضل وقد مر ذكر دليل ذلك، أما الأجر المترتب على الصلاة في المسجد الأقصى فهو مذكور في قوله صلى الله عليه وسلم ( .. وَالصَّلاة فِي=498
الجزء: 2 - الصفحة: 234
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
=بَيْتِ الْمَقْدِسِ بِخَمْسمِائَة صَلاة) (1).
ومن الأدلة أيضاً ما رواه أحمد وغيره عن جابر رضي الله عنه (أَنَّ رَجُلا قَامَ يَوْمَ الْفَتْحِ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي نَذَرْتُ لِلَّهِ إِنْ فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكَ مَكَّةَ أَنْ أُصَلِّيَ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ رَكْعَتَيْنِ قَالَ صَلِّ هَاهُنَا ثُمَّ أَعَادَ عَلَيْهِ فَقَالَ صَلِّ هَاهُنَا ثُمَّ أَعَادَ عَلَيْهِ فَقَالَ شَأْنُكَ) (2) فأذن له صلى الله عليه وسلم بالصلاة في مكة لأنها أفضل.
ذكر بعض الفوائد المتعلقة بما سبق:
-
فائدة (1): هل التفضيل في المساجد الثلاثة في صلاة الفريضة والنافلة؟ نقول أما الفريضة فلا إشكال أنها إنما شرعت في المسجد فلا يستثنى منها شيء وأما النوافل فما كان مشروعاً في المسجد، شمله هذا التفضيل كقيام رمضان وتحية المسجد وما كان أفضل في البيت ففعله في البيت أفضل كالرواتب ونحوها.
فائدة (2): هل تضاعف بقية الأعمال الصالحة في هذه المساجد كما تتضاعف الصلاة؟
نقول لا ريب أن للمكان الفاضل والزمان أثراً في تضعيف الثواب وعلى ذلك إذا كان الشهر فاضلاً والزمان فاضلاً ضوعفت فيه الحسنات وعظم فيه أثم السيئات فسيئة في رمضان أعظم إثماً من سيئة في غيره، والحسنات في الأماكن الفاضلة كالحرمين الشريفين تضاعف في الكمية والكيفية أما السيئات فلا تضاعف بالكمية ولكن بالكيفية.499500
الجزء: 2 - الصفحة: 235
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . أما تضاعف الأعمال بعدد معين فأمره إلى الله لا نعلمه لأنه أمر توقيفي أما الصلاة فقد ورد فيها بيان مقدار مضاعفتها كما مرَّ ذلك.
- ال
فائدة (3): هل مضاعفة الأجر خاص في المساجد الثلاثة أو كل ما حوله فهو مثله؟
نقول أما المسجد الأقصى فليس له حرم بالاتفاق ولذا يخطاء بعض الناس حينما يقول (أولى القبلتين وثالث الحرمين)، فقد أجمع العلماء على أنه لا حرم إلا المسجد الحرام والمسجد النبوي.
لكن ما هو حد الحرم فيهما؟
نقول: أما مسجد النبي صلى الله عليه وسلم فالحرم فيه ما كان عليه في عصر النبي صلى الله عليه وسلم وأما ما زيد عليه فهل يلحقه الثواب المترتب على فعل الطاعة فيه؟
نقول اختلف في ذلك الفقهاء: فذهب الحنفية 501 والحنابلة 502 وهو اختيار شيخ الإسلام 503 أن كل ما طرأت على المسجد النبوي من توسعة وزيادات في بنائه تأخذ حكم المسجد من جهة نيل الثواب.
وذهب الشافعية 504 وابن عقيل وابن الجوزي وجمع من الحنابلة 505 إلى أن هذه الفضيلة مختصة بنفس مسجده صلى الله عليه وسلم الذي كان في زمانه دون ما زيد فيه بعده والصحيح ما ذهب إليه الأولون وهو اختيار شيخنا 506 رحمه الله حيث قال (لكن ما زيد فيه فهو منه، والدليل على ذلك أن الصحابة رضي الله عنهم صلوا في الزيادة التي زادها عثمان رضي الله عنه مع أنها=
الجزء: 2 - الصفحة: 236
وَيُسْتَحَبُّ لِلْمُعْتَكِفِ الاِشْتِغَالُ بِالقُرَبِ (1)،
=خارج المسجد الذي كان على عهد النبي صلى الله عليه وسلم).
أما المسجد الحرام فقد اختلف الفقهاء في المراد بالمسجد الحرام، هل المراد به الحرم أم المسجد الخاص الذي فيه الكعبة؟
اختلف فيه الفقهاء على نحو من سبعة أقوال (1) أشهرها قولان:
الأول: أنه الحرم كله إلى الحدود الفارقة بين الحل والحرم، وهذا اختيار أكثر أهل العلم، ورجحه سماحة شيخنا بن باز (2) رحمه الله، وذهب ابن مفلح من الحنابلة (3) أن الأجر المترتب على الصلاة في الحرم إنما يكون في المسجد فقط، وإليه ذهب شيخنا محمد صالح العثيمين (4) رحمه الله.
والراجح عندي ما ذهب إليه الأولون، فمن صلى صلاة في أي موضع في الحرم حصل له الأجر المترتب على فعل هذه الصلاة.
(1)
قوله (وَيُسْتَحَبُّ لِلْمُعْتَكِفِ الاِشْتِغَالُ بِالقُرَبِ):
بدأ المؤلف هنا ببيان ما ينبغي أن يكون عليه المعتكف في معتكفه فذكر جملة من الآداب فقال: (يُسْتَحَبُّ لِلْمُعْتَكِفِ الاِشْتِغَالُ بِالقُرَبِ).
القرب جمع قربه والمراد به كل ما يتقرب به لله تعالى من العبادات الخاصة غير الواجبة ومن هذه القرب: قراءة القرآن، والذكر، والصلاة في غير وقت النهي وما شابه ذلك.
لكن إذا كان يقام في المسجد دروس علم ونحوه، فهل الأفضل له أن يحضر هذه الدروس؟507508509510
الجزء: 2 - الصفحة: 237
وَاجْتِنَابُ مَا لا يَعْنِيْهِ مِنْ قَوْلٍ وَفِعْلٍ (1)، وَلا يَبْطُلُ الاِعْتِكافُ بِشَيْءٍ مِنْ ذلِكَ (2)، وَلا يَخْرُجُ مِنَ الْمَسْجِدِ، إِلاَّ لِمَا لابُدَّ لَهُ مِنْهُ (3)، =نقول إن كانت حلقات العلم ليست بكثيرة بحيث لا تنافي مقصود الاعتكاف فالأفضل له حضورها أما أن كانت كثيرة بحيث تشغله عن القراءة والذكر فالأفضل الانشغال بالقرب المذكورة أنفاً.
(1)
قوله (وَاجْتِنَابُ مَا لا يَعْنِيْهِ مِنْ قَوْلٍ وَفِعْلٍ):
أي يستحب للمعتكف اجتناب مالا يعنيه أي ما لا يهمه من قول أو فعل لقوله صلى الله عليه وسلم (مِنْ حُسْنِ إِسْلامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لا يَعْنِيهِ) (1). (2)
قوله (وَلا يَبْطُلُ الاِعْتِكافُ بِشَيْءٍ مِنْ ذلِكَ):
ولا يبطل الاعتكاف إن ارتكب شيئاً من المكروهات أو المحرمات أيًّا كانت غير الجماع وأما المحرمات كالغيبة والنميمة والسب وشتم الناس ونحو ذلك من المحرمات فلا يبطل الاعتكاف بها بل تنقص الأجر وتنافي ما شرع من أجله الاعتكاف.
(3)
قوله (وَلا يَخْرُجُ مِنَ الْمَسْجِدِ، إِلاَّ لِمَا لابُدَّ لَهُ مِنْهُ):
اتفق الفقهاء على أن الخروج من المسجد لغير حاجة يفسد الاعتكاف أما إذا كان لحاجة فلا يبطل الاعتكاف ولكنهم اختلفوا في الحاجة التي يجوز فيها الخروج.
والراجح أنها كل ما يحتاجه الإنسان مما لا بد له منه كقضاء حاجة ووضوء وغسل واجب وأكل وشرب إذا كان هناك من لا يأتيه به ونحو ذلك فيجوز له فعله.
دليل ذلك ما رواه البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت ( .. كَانَ لا يَدْخُلُ الْبَيْتَ إِلا لِحَاجَةٍ إِذَا كَانَ مُعْتَكِفًا) 512.511
الجزء: 2 - الصفحة: 238
إِلاَّ أَنْ يَشْتَرِطَ (1)، وَلا يُبَاشِرُ امْرَأَةً (2)، وَإِنْ سَأَلَ عَنِ الْمَرِيْضِ أَوْ غَيْرِهِ فِيْ طَرِيْقِهِ، وَلَمْ يُعَرِّجْ إِلَيْهِ، جَازَ (3)، (1)
قوله (إِلاَّ أَنْ يَشْتَرِطَ):
ذهب جمهور الفقهاء إلى جواز الاشتراط في الاعتكاف كأن ينوي الاعتكاف ثم يقول يا رب استثني من اعتكافي عيادة مريض أو شهود جنازة ونحو ذلك، أما لو اشترط الخروج للبيع والشراء أو الإجارة أو التكسب بالصناعة ونحو ذلك فلا يصح الشرط بلا خلاف عند الفقهاء.
وإن قلنا بجواز الاشتراط في بعض الأمور فنقول: المحافظة على الاعتكاف بلا شك أفضل وأولى إلا إذا كان المريض من أقاربه الذين يعتبر عدم عيادتهم قطيعة رحم فهنا يستثنى وكذا شهود جنازته.
(2)
قوله (وَلا يُبَاشِرُ امْرَأَةً):
لقوله تعالى [وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ] (1). أما دواعي الجماع كاللمس والقبلة ونحو ذلك فقد اختلف فيه الفقهاء فالحنفية (2)، والحنابلة (3) أنه إذا أنزل بذلك أفسد اعتكافه فإن لم ينزل لم يفسد اعتكافه وهذا هو الصحيح.
(3)
قوله (وَإِنْ سَأَلَ عَنِ الْمَرِيْضِ أَوْ غَيْرِهِ فِيْ طَرِيْقِهِ، وَلَمْ يُعَرِّجْ إِلَيْهِ، جَازَ):
وذلك لما ثبت في صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت ( .. إِنْ كُنْتُ لأَدْخُلُ الْبَيْتَ لِلْحَاجَةِ وَالْمَرِيضُ فِيهِ فَمَا أَسْأَلُ عَنْهُ إِلا وَأَنَا مَارَّةٌ .. ) فلا يدخل على المريض بل يسلم عليه وهو مار.513514515
الجزء: 2 - الصفحة: 239
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ذكر بعض الفوائد في الاعتكاف
:
فائدة (1): بعض الناس يكون إماماً أو مؤذناً في مسجد
لكن يرغب الاعتكاف في مسجد آخر لاعتبارات أخرى فيترك جماعته ويعتكف وهذا خطأ، وإن لم يستأذن من الجهة المسؤولة فهو آثم لأنه ترك واجباً وفعل مستحباً.
فائدة (2): بعض الموظفين يرغب الاعتكاف
، لكن يشترط الخروج للدوام، ونقول: هذا خلاف المقصود من الاعتكاف، والأولى لمثل هؤلاء أداء الواجبات عليهم ومتى انتهت أعمالهم جلسوا في المسجد حسب الاستطاعة.
فائدة (3): ومن الأمور أيضاً التي تعد منافية لروح الاعتكاف
ما يحصل من اجتماع الشباب داخل الاعتكاف لغير فائدة، إما لكلام بلا فائدة، أو باللعب بما في أيديهم من الجوالات، وغير ذلك مما هو ليس فيه نفع، وهذا بلا شك مخالف لمقصود الاعتكاف، بل على الشباب أن يجتهدوا في طاعة الله، وأن لا يضيعوا وقت الاعتكاف فيما لا خير فيه ولا نفع.
فائدة (4): بعض الشباب - هداهم الله - يعتكف بغير إذن وليه
، وقد يكون الأب أو الأم في حاجة له ومع ذلك يعتكف دون رضاهم، وهذا خطأ كبير، بل على الابن أن يستأذن والديه في الاعتكاف، فإن أذنا له فحسن، وإلا فلا يجوز له أن يعتكف بغير رضاهما.
فائدة (5): المشروع في حق المعتكف أن يدخل معتكفه قبل غروب شمس يوم العشرين من رمضان
، ويخرج منه بغروب شمس آخر يوم من رمضان إن تم ثلاثين يوماً أو أعلن خبر العيد.
الجزء: 2 - الصفحة: 240
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فائدة (6): يلاحظ عند بعض المعتكفين كثرة الولائم والإسراف في المأكول والمشروب
، وهذا فيه نوع إسراف وهو منهي عنه، وفيه نوع من شبع البطن التي تؤدي إلى الكسل عن العبادة، وهذا أمر ملاحظ ومشاهد، فالذي تمتلاء معدته بكل مأكول ومشروب تراه يتكاسل عن أداء العبادة، وإن أداها فهي خالية من خشوع القلب الذي هو لب العبادة، فعلى المعتكفين أن يقللوا من الأكل والشرب وأن يتذكروا قوله صلى الله عليه وسلم: (مَا مَلأَ آدَمِيٌّ وِعَاءً شَرًّا مِنْ بَطْنٍ بِحَسْبِ ابْنِ آدَمَ أُكُلاتٌ يُقِمْنَ صُلْبَهُ فَإِنْ كَانَ لا مَحَالَةَ فَثُلُثٌ لِطَعَامِهِ وَثُلُثٌ لِشَرَابِهِ وَثُلُثٌ لِنَفَسِهِ) 516.
الجزء: 2 - الصفحة: 241
وَبَلُ الغَمَامَةِ في شَرْحِ عُمْدَةِ الفِقْهِ لابْنِ قُدَامَة شرح لعبارة المؤلف مع التمثيل لها والاستدلال وتخريج الأحاديث وذكر أقوال أهل العلم وبيان الراجح في كل مسألة (الحج) تأليف الأستاذ الدكتور/ عبد الله بن محمد بن أحمد الطيار أستاذ الدراسات العليا بكلية الشريعة وأصول الدين بجامعة القصيم المملكة العربية السعودية - الزلفي - ص. ب: 188 - الرمز البريدي: 11932 هاتف: 064226000 - فاكس: 064225666 - جوال: 0505123100 موقع منار الإسلام www.m-islam.net البريد الإلكتروني: a@m-islam.net m-islam 1@hotmail.com الجزء الثالث مدار الوطن للنشر
الجزء: 3 - الصفحة: 1
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الجزء: 3 - الصفحة: 2
وَبَلُ الغَمَامَةِ في شَرْحِ عُمْدَةِ الفِقْهِ لابْنِ قُدَامَة (الحج)
الجزء: 3 - الصفحة: 3
جميع الحقوق محفوظة الطبعة الأولى 1430 هـ - 2009 م مدار الوطن للنشر - الرياض هاتف: 4792042 (5 خطوط) فاكس: 4723941 - ص. ب: 245760 فرع السويدي: هاتف: 4267177 - فاكس: 4267377 منطقة الرياض: 0503269316 المنطقة الغربية: 0504143198 المنطقة الشرقية: 0503193268 المنطقة الشمالية والقصيم: 0504130728 المنطقة الجنوبية: 0504130727 التوزيع الخيري: 0506436804 - 2831453 التسويق والمعارض الخارجية: 0506495625 البريد الإلكتروني: pop@dar-alwatan.com موقعنا على الإنترنت: www.madar-alwatan.com
الجزء: 3 - الصفحة: 4
كِتَابُ الْحَجِّ (1).
الشرح:
(1) قوله (كِتَابُ الْحَجِّ) * الحج بفتح الحاء ويجوز كسرها.
هو لغة: القصد؛ يقال: حج إلينا فلان، أي قدم إلينا.
وفي الشرع: التعبد لله بقصد البيت الحرام في زمن مخصوص لأداء المناسك من إحرام، وطواف، وسعي، ووقوف بعرفة، وغيرها.
ذكر بعض الفوائد المتعلقة بالحج
:
أولاً: ذكر بعض فضائله:
1 - تضافرت نصوص الكتاب والسنة على الإشارة إلى فضل الحج، وعظمة ثوابه، وجزيل أجره، ومن هذه النصوص ما جاء في كتاب الله تعالى، قال الله تعالى ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ * لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ﴾ 517. قال العلامة ابن سعدي رحمه الله 518 في تفسير هذه الآية ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾ أي لينالوا ببيت الله منافع دينية من العبادات الفاضلة والعبادات التي لا تكون إلا فيه، ومنافع دنيوية من التكسب وحصول الأرباح الدنيوية، وكل هذا أمر مشاهد والكل يعرفه.
2 - ومن فضائله أيضاً ما رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال=