وبل الغمامة في شرح عمدة الفقه لابن قدامةكِتَابُ الْوَصَايَا
أهل الأثرالأرشيف العلمي

(1)  الشرح:

(1)

قوله «كِتَابُ الْوَصَايَا»:

الوصايا جمع وصية، كعطايا وعطية.
وهي في اللغة: العهد إلى غيره بأمر مهم فيقال أوصي إلى فلان بكذا أي عهد إليه، وتأتي بمعنى الوصل، تقول وصيت الشيء بكذا أي وصلته، سميت بذلك لأنها وصل لما في الحياة بعد الموت.
أما في الاصطلاح: فهي التبرع بالمال بعد الموت والتصرف بالحق.
فقولنا التبرع بالمال بعد الموت احترازاً من الهبة، فإنها تبرع بالمال ولكن في الحياة كما تقدم، وقولنا «يتصرف بالحق» هو أن يقول الموصي إذا مت فالوصي على أولادي الصغار فلان فهذا تصرف بالحقوق.

  • الفائدة الأولى: الوصية جائزة بالكتاب والسنة والإجماع: أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ .. ﴾ 1، وقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمْ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ 2. أما دلالة السنة: فمن ذلك ما رواه البخاري ومسلم عن ابن عمر - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَهُ شَيْءٌ يُوصِي فِيهِ يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ إِلاَّ وَوَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ» 3، ومن ذلك أيضاً حديث سعد ابن أبي وقاص=

الجزء: 5 - الصفحة: 61

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =المتقدم والذي سيذكره المؤلف، وفيه: «قلت يا رسول الله أنا ذو مال، ولا يرثني إلا ابنه واحدة، أفأتصدق بثلثي مالي .. » 4 الحديث وقد تقدم.
والمراد بالحديث: الحث بالمبادرة بكتابة الوصية.
أما الإجماع فقد أجمع العلماء في جميع الأمصار والأعصار على جواز الوصية.

  • الفائدة الثانية: الحكمة من مشروعية الوصية: قال أهل العلم في الحكمة في مشروعية الوصية بأنها تحصيل ذكر الخير في الدنيا ونوال الثواب والدرجات العالية في الآخرة، لذا شرعها الشارع تمكيناً من العمل الصالح، ومكافأة لمن أسدى للمرء معروفاً، وصلة الرحم والأقارب غير الوارثين، وسد خلة المحتاجين، وتخفيف الكرب عن الضعفاء والبؤساء والمساكين، وذلك بشرط التزام المعروف والعدل وتجنب الإضرار في الوصية لقوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ .. ﴾ 5، والعدل فيها المراد به قصرها على مقدار الثلث المحدد شرعاً.
    ومن حكم مشروعيتها أيضاً: أن فيها براءة للذمة، وحماية للأموال، ورسم لطريق الانتفاع بها، وحفظ لحقوق الآخرين، ورعاية لجانب الصغار والأيتام، لأن الوصي يقوم مقام والدهم.
  • الفائدة الثالثة: سبق أن بينا جواز الوصية لكن الوصية من جهة الحكم الشرعي تدور بين الأحكام الشرعية الأربعة وهي الوجوب والاستحباب=

الجزء: 5 - الصفحة: 62

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =والكراهة والتحريم.
فالوصية الواجبة: هي التي تجب إذا كان الإنسان عليه دين لا بينة به ولا أحد يعرفه إلا الله سبحانه وتعالى وصاحب الدين، فهنا يجب على الوصي أن يوصي بسداد دينه لأنه ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، فتجب الوصية بماله وبما عليه من الحقوق التي ليس فيها إثبات لئلا تضيع.
ومن ذلك أيضاً: الوصية للأقربين الذين لم يكن لهم حق في الإرث كانوا فقراء والموصي غني، فهنا يجب عليه الوصية لهؤلاء الأقارب على القول الصحيح بخلاف ما ذهب إليه الجمهور من أن الوصية لهم سنة.
ودليل وجوب الوصية لهم قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمْ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ 6. قال العلامة ابن سعدي -رحمه الله- في تفسيره 7، ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ﴾: أي فرض عليكم يا معشر المؤمنين، ﴿إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمْ الْمَوْتُ﴾، أي أسبابه كالمرض المشرف على الهلاك ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْراً﴾، وهو المال الكثير عرفاً، ﴿الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ﴾، أي فعليه أن يوصي لوالديه وأقرب الناس إليه، ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾ على قدر حاله من غير إسراف والاقتصار على الأبعد دون الأقرب.
﴿حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾، دل على وجوب ذلك لأن الحق هو الثابت وقد جعله الله من موجبات التقوى ... إلى أن قال -رحمه الله- فالصحيح وجوب=

الجزء: 5 - الصفحة: 63

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =الوصية للأقارب غير الوارثين.
ثانياً: الوصية المستحبة: وهي التي يكون فيها الموصي ذا مال وعنده ورثة ولكنهم أغنياء وكذا أقاربه لا حاجة لهم بالمال، فهنا يوصي بشيء من مال يصرف في سبيل البر والإحسان ليصل إليه ثوابه بعد موته.
ثالثاً: الوصية المكروهة: وهي التي يكون فيها مال الموصي قليلاً وورثته محتاجون لأنه بوصيته سيضيق على الورثة، وقد قال - صلى الله عليه وسلم - لسعد -رضي الله عنه- كما سيأتي «إِنَّكَ أَنْ تَدَعَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَدَعَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُوْنَ النَّاسَ» رابعاً: الوصية المحرمة: وهي التي لا تجوز ويأثم صاحبها، وهي التي اشتملت على أمور نهى الله عنها، كأن يوصي بأكثر من الثلث، أو أن يوصي للوارث، فهنا تصير محرمة لأنها اشتملت على أمور محرمة، وقد قال تعالى بعد ذكر آيات المواريث ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَاراً خَالِداً فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ (1). وقال - صلى الله عليه وسلم - «لا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ» (2).

الفائدة الرابعة: في أركان الوصية

: للوصية أربعة أركان هي: 1 - موصي: والمراد به صاحب الوصية.
2 - موصي له: وهو من تعين له الوصية.
3 - موصي به: والمراد به ما تحمله الوصية من قول أو كتابة وما يقوم مقامهما.
4 - الصيغة: والمراد بها الألفاظ الدالة على الوصية، كأن يقول أوصيت بكذا لفلان أو جعلت لفلان ثلث مالي بعد وفاتي.89

الجزء: 5 - الصفحة: 64

رُوِيَ عَنْ سَعْدٍ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُوْلَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، قَدْ بَلَغَ بِيَ الْوَجَعُ مَا تَرَى، وَأَنَا ذُوْ مَالٍ وَلا يَرِثُنِيْ إِلاَّ ابْنَةُ، أَفَأَتَصَدَّقُ بِثُلُثَيْ مَالِيْ؟ قَالَ: لا، قُلْتُ: فَالشَّطْرُ؟ قَالَ: لا، قُلْتُ: فَالثُّلُثُ؟ قَالَ: الثُّلُثُ وَالثُّلُثُ كَثِيْرٌ، إِنَّكَ أَنْ تَدَعَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَدَعَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُوْنَ النَّاسَ 10،  - الفائدة الخامسة: تنفيذ الوصية واجب، فإن كانت في أمر يفوت بعد موت الموصي وجب المبادرة في التنفيذ ويحرم التغيير فيها أو التبديل أو التعديل إلا إلى الأصلح عند بعض الفقهاء.

  • الفائدة السادسة: الإضرار بالوصية قد يكون من قبل الموصي، كأن يوصي بأكثر من الثلث، أو يوصي لأحد الورثة، وقد يكون الإضرار بها من قبل الموصي إليه بإهمالها وعدم تنفيذها والتهاون فيها، وهذا كله محرم.

(1)

قوله «رُوِيَ عَنْ سَعْدٍ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُوْلَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، قَدْ بَلَغَ بِيَ الْوَجَعُ مَا تَرَى، وَأَنَا ذُوْ مَالٍ وَلا يَرِثُنِيْ إِلاَّ ابْنَةُ، أَفَأَتَصَدَّقُ بِثُلُثَيْ مَالِيْ؟ قَالَ: لا، قُلْتُ: فَالشَّطْرُ؟ قَالَ: لا، قُلْتُ: فَالثُّلُثُ؟ قَالَ: الثُّلُثُ وَالثُّلُثُ كَثِيْرٌ، إِنَّكَ أَنْ تَدَعَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَدَعَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُوْنَ النَّاسَ»

(1): هذا الحديث سبق تخريجه، وهو عمدة في باب الوصايا، وقد استنبط منه أهل العلم أحكاماً عديدة منها: 1 - استحباب عيادة المريض: ويؤخذ ذلك من عيادة النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى سعد حيث زاره في مرضه الذي ذكر فيه الحديث، لكن تجب الزيارة للأبوين إن مرضا، ويتأكد الاستحباب لمن له حق من قريب أو صديق أو جار ونحوهم.

الجزء: 5 - الصفحة: 65

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  2 - جواز إخبار المريض بمرضه، وبيان شدته إذا لم يقصد التشكي والتسخط وينبغي ذكره للفائدة كطبيب يعينه على تشخيص مرضه، أو مسعف يسبب له العلاج.
3 - فيه استشارة العلماء واستفتاؤهم في أموره.
4 - استحباب الوصية وأن تكون من الثلث من المال فأقل حتى ولو كان صاحب المال كثير.
5 - الأفضل أن تكون الوصية بأقل من الثلث وذلك لحق الورثة.
6 - فيه أن إبقاء المال للورثة مع حاجتهم إليه، أفضل من التصدق به على البعيدين لكون الوارث أولى ببره من غيره.
7 - أن النفقة على الأولاد والزوجة عبادة جليلة مع النية الحسنة.
8 - فيه أن مسألة الناس أموالهم مذمومة وكذلك إظهار الحاجة إليهم وأنه على الإنسان أن يسعى بأي عمل يغنيه عنهم وعما في أيديهم.
9 - فيه حسن جمع المال من حله للاستغناء به عند الحاجة إلى الناس ومن حسن توفير المال الاقتصاد في النفقات.
10 - فيه أيضاً أن حق الورثة متعلق بمال قريبهم الذي يرثونه حتى في حال حياته، فلا يحل له أن يحتال على إنفاقه أو التصرف فيه تصرفات يقصد بها حرمانهم من الميراث.
11 - فيه أيضاً الحث على صلة الرحم والإحسان إلى الأقارب والشفقة على الورثة، فإن صلة القريب الأقرب والإحسان إليه أفضل من الأبعد.
12 - فيه فضل الإنفاق في وجوه الخير، وإنما يثاب على عمله بنيته وأن الإنفاق على العيال يثاب عليه وإذا قصد به وجه الله تعالى صار طاعة.

الجزء: 5 - الصفحة: 66

وَيُسْتَحَبُّ لِمَنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ بِخُمُسِ مَالِهِ (1)،  (1)

قوله «وَيُسْتَحَبُّ لِمَنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ بِخُمُسِ مَالِهِ»:

سبق بيان حكم الوصية وقد ذكرنا أنها تدور مع الأحكام الشرعية الأربعة «الوجوب والاستحباب والكراهة والتحريم».
وقوله «وَيُسْتَحَبُّ»، وفي الزاد قال: «وَيُسَنُّ»، فهل هناك فرق؟ الظاهر أنه ليس هناك فرق بين التعبيرين هنا وإلا فهناك فرق عند بعض أهل العلم بين المسنون والمستحب، فالمسنون ما جاء بدليل النقل، أما المستحب ما جاء بطريق التعليل، فالتسمية على الوضوء مثلاً مسنونة عند من قال بسنيتها وإلا ففيها خلاف بين الوجوب والسنية، ودخول الخلاء بالرجل اليسرى والخروج باليمنى مستحب لدليل التعليل لأن هذا من باب إكرام اليمين.
فالمهم أنه يستحب «لمن أراد خيراً الوصية»، والخير اختلف الفقهاء في تقديره فقيل: دون الألف لا تستحب له الوصية، وقيل: أربعمائة دينار.
وعن ابن عباس إن ترك الميت سبعمائة درهم فلا يوصي، وقال طاووس الخير: ثمانون ديناراً، وذكر غير ذلك في تقديره 11. والراجح عندي: أن المراد بالخير هنا المال الكثير عرفاً لأنه لم يرد في الشرع تقديره فرجع إلى العرف.
وقوله «بِخُمُسِ مَالِهِ»: أي المستحب في الوصية أن تكون بخمس المال لا بثلثه ولا بربعه حتى ولو كان غنياً، وقال بعض الفقهاء إن كان غنياً استحب الوصية بالثلث.
قلت: والأظهر عندي أن ما ذكره المؤلف هو الصواب.

الجزء: 5 - الصفحة: 67

وَتَصِحُّ الْوَصِيَّةُ وَالتَّدْبِيْرُ (1)، مِنْ كُلِّ مَنْ تَصِحُّ هِبَتُهُ (2)، وَمِنَ الصَّبِيِّ الْعَاقِلِ (3)،  =فالمستحب أن تكون الوصية بالخمس، دليل ذلك ما رواه البيهقي وغيره وجود إسناده الألباني في الإرواء ما جاء عن ابن عباس - رضي الله عنه - أنه قال: «الَّذِي يُوصِى بِالْخُمُسِ أَفْضَلُ مِنَ الَّذِي يُوصِى بِالرُّبُعِ وَالَّذِي يُوصِى بِالرُّبُعِ أَفْضَلُ مِنَ الَّذِي يُوصِى بِالثُّلُثِ» (1)، ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال «الثُّلُثُ وَالثُّلُثُ كَثِيْرٌ» (2). قال ابن عباس - رضي الله عنه - «لَوْ غَضَّ النَّاسُ إِلَى الرُّبْعِ لأَنَّ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: الثُّلُثُ وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ، أَوْ كَبِيرٌ» (3)، ولأن إعطاء القريب المحتاج خير من إعطاء الأجنبي فمتى لم يكف الميراث إغناؤهم كان تركه لهم كعطيتهم إياه فيكون أفضل من الوصية.

(1)

قوله «وَتَصِحُّ الْوَصِيَّةُ وَالتَّدْبِيْرُ»:

أي وتصح الوصية وهو ما يتبرع به الشخص بعد موته وكذلك تدبيره يعني وصيته عتقه لعبد من عبيده بعد وفاته.
(2)

قوله «مِنْ كُلِّ مَنْ تَصِحُّ هِبَتُهُ»:

هذا هو الركن الأول من أركان الوصية وهو الموصي أي يصح ذلك من كل من تصح هبته وقد سبق بيان الشروط المعتبرة في الواهب وهي على سبيل الإجمال، أن يكون من أهل التبرع وذلك بأن يكون عاقلاً بالغاً رشيداً مالكاً للشيء الموهوب.
(3)

قوله «وَمِنَ الصَّبِيِّ الْعَاقِلِ»:

أي تصح الوصية من الصبي العاقل الذي لم يبلغ، وهذا أحد القولين في هذه المسألة.121314

الجزء: 5 - الصفحة: 68

وَالْمَحْجُوْرِ عَلَيْهِ لَسَفَهِهِ (1)،  =وفي رواية (1) في المذهب أنها لا تصح حتى يبلغ، والأظهر عندي جوازها بشروط: الأول: أن تكون وصية حسنة لا إثم فيها.
الثاني: أن لا يكون فيها تغرير بالصبي لأن العادة أنه يغرر بالصغير فقد يوصي لمن لا يستحق أن يوصى له، أو يوصي لمن غرر به وهو لا يستحق ذلك، أما دليل جوازها هو ما رواه مالك وغيره عن عبد الله بن أبي بكر عن أبيه أن عمرو بن سليم الزرقي أخبره أنه قيل لعمر بن الخطاب رضي الله عنه: «إِنَّ هَا هُنَا غُلامًا يَفَاعًا لَمْ يَحْتَلِمْ مِنْ غَسَّانَ وَوَارِثُهُ بِالشَّامِ وَهُوَ ذُو مَالٍ وَلَيْسَ لَهُ هَا هُنَا إِلاَّ ابْنَةُ عَمٍّ لَهُ فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: فَلْيُوصِ لَهَا فَأَوْصَى لَهَا بِمَالٍ يُقَالُ لَهُ بِئْرُ جُشَمَ قَالَ عَمْرُو بْنُ سُلَيْمٍ فَبِعْتُ ذَلِكَ الْمَالَ بِثَلاثِينَ أَلْفًا وَابْنَةُ عَمِّهِ الَّتِي أَوْصَى لَهَا هِيَ أُمُّ عَمْرِو بْنِ سُلَيْمٍ» (2).

(1)

قوله «وَالْمَحْجُوْرِ عَلَيْهِ لَسَفَهِهِ»:

أي وتصح الوصية كذلك من المحجور عليه لسفه، والسفيه هو الذي لا يحسن التصرف في ماله قال تعالى: ﴿وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمْ .. ﴾ 17، وضده الرشيد كما قال تعالى: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً .. ﴾ 18. وقد اختلفت الرواية في المحجور عليه لسفه في المذهب على وجهين: =1516

الجزء: 5 - الصفحة: 69

وَلِكُلِّ مَنْ تَصِحُّ الْهِبَةُ لَهُ (1)، وَلِلْحَمْلِ إِذَا عُلِمَ أَنَّهُ كَانَ مَوْجُوْدًا حِيْنَ الْوَصِيَّةِ لَهُ (2)،  =الوجه الأول: صحتها كما ذكره المؤلف، ووجه الصحة لأن الوصية وإن كانت من باب التبرعات إلا أن أثرها لا يظهر إلا بعد الوفاة وفي الوقت الذي يستغنى فيه السفيه عن المال، والحجر عليه إنما هو لحفظ ماله وليس في الوصية إضاعة لماله، فإنه إن عاش كان له، وإن مات كان له ثوابه، وهو حينئذ لا يحتاج إلى الثواب.
الوجه الثاني: لا تصح وصية السفيه لأنها تصرف، فلم يصح من السفيه كالبيع.
قلت: والراجح عندي جوازها لأنه بمنزلة الصبي، ولأنها لا تخرج ماله عن ملكه، فإن عاش أخذ ماله، وإن مات حصل الثواب وهو محتاج له.

(1)

قوله «وَلِكُلِّ مَنْ تَصِحُّ الْهِبَةُ لَهُ»:

هذا هو الركن الثاني من أركان الوصية، وهو الموصي له، فتصح الوصية لكل من يصح أن يوهب له، وقد سبق بيان ما يشترط في الموهوب له، وقلنا بأنه يشترط فيه أن يكون أهلاً لملك ما يوهب له، فإن كان عاقلاً بالغاً فإنه يقبض.
(2)

قوله «وَلِلْحَمْلِ إِذَا عُلِمَ أَنَّهُ كَانَ مَوْجُوْدًا حِيْنَ الْوَصِيَّةِ لَهُ»:

أي وتصح الوصية للحمل إن كان موجوداً حال الوصية لأن الحمل يرث والوصية كالميراث، لكن يشترط له أن يكون موجوداً حين الوصية له، لأنه إذا لم يكون موجوداً تكون الوصية لمعدوم، وهي تمليك، فلا تصح للمعدوم، وهذا هو قول جمهور الفقهاء.
وذهب المالكية 19 إلى أن الوصية تصح للموصي له، سواء أكان موجوداً حين الوصية أم منتظر الوجود كالحمل.
=

الجزء: 5 - الصفحة: 70

وَتَصِحُّ بِكُلِّ مَا فِيهِ نَفْعٌ مُبَاحٌ (1)،  = لكن ما هو الطريق لمعرفة الحمل حال الوصية؟ قال الفقهاء: طريق العلم بأن يولد حيّاً لأقل من ستة أشهر من حين الوصية لأن أقل مدة الحمل ستة أشهر، فإذا وضعته حيّاً لأقل منها لزم أن يكون موجوداً حينها، وكذا تثبت الوصية لو أقر الموصي بأنها حامل فتثبت الوصية له إن وضعته ما بين سنتين من يوم أوصى، لأن وجوده في البطن ثبت بإقرار الموصي فإنه غير متهم فيه، فإن انفصل الحمل ميتاً بطلت الوصية لانتفاء أهلية الملك (1). قلت: وتثبت الوصية أيضاً للحمل بواسطة الطب الحديث كما هو حاصل الآن حيث يستطيع الأطباء إثبات المرأة حامل أم لا.
وهل تصح الوصية للميت؟ على قولين: الراجح جوازها وتصرف صدقة له في أعمال الخير.

(1)

قوله «وَتَصِحُّ بِكُلِّ مَا فِيهِ نَفْعٌ مُبَاحٌ»:

هذا هو الركن الثالث من أركان الوصية التي سبق بيانها في أول الباب وهو الموصي به، وقد اشترط الفقهاء للموصي به شروطاً نذكرها على سبيل الأجمال كما سيأتي التعرض عليها في ثنايا شرحنا إن شاء الله، فمن هذه الشروط: 1 - أن لا يكون الموصي به معصية أو محرماً شرعاً، وذلك لأن الوصية الغرض منها تدارك ما فات في حال الحياة من الإحسان، فلا يجوز أن يكون الموصي به معصية.20

الجزء: 5 - الصفحة: 71

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  2 - أن يكون الموصي به مالاً، وذلك لأن الوصية تمليك، ولا يملك غير المال، والمال الموصي به يشمل الأموال النقدية والعينية والديون التي في ذمة الغير.

و

هل تصح الوصية بالمنافع

كسكنى دار وزراعة الأرض وغلة البستان التي ستحدث في المستقبل؟ قولان للفقهاء 21: الأول: صحة الوصية بالمنافع لأنه مما يصح بيعه وهبته وإجارته.
الثاني: لا تجوز الوصية بالمنافع لأن الوصية بالمنافع وصية بمال الوارث، ولأن نفاذ الوصية عند الموت، وعند الموت تحصل المنافع على ملك الورثة، لأن الرقبة ملكهم وملك المنافع تابع لملك الرقبة فكانت المنافع ملكهم لأن الرقبة ملكهم.
قلت: والراجح عندي جواز الوصية بالمنافع، ويعتبر خروج ذلك من ثلث المال، أو بقدر ما خرج من الثلث منها.
3 - أن يكون الموصي به متقوِّماً من عرف الشر ع، فلا تصح الوصية بمال غير متقوّم أي لا يجوز الانتفاع به كالخمر والخنزير والكلب العقور والسباع التي لا تصلح للصيد لعدم نفعها وتقومها ولأنها لا تملك أصلاً بالنسبة للمسلم.
أما الكلاب المعلمة والسباع التي تصلح للصيد فإنه يجوز الوصية بها كما سيذكر المؤلف لتقوّمها، ولأنها مضمونة بالإتلاف ويجوز بيعها وهبتها كما سبق بيانه، ولأن فيها نفعاً مباحاً.

الجزء: 5 - الصفحة: 72

كَكَلْبِ الصَّيْدِ وَالْغَنَمِ (1)،  4 - أن يكون الموصي به مملوكاً للموصى، فيشترط أن يكون الموصي به مملوكاً للموصى وهذا ما ذهب إليه الجمهور (1)، فلا تصح الوصية بمال الغير ولو ملكه الموصي بعد الوصية لفساد الصيغة بإضافة المال إلى غيره.
وذهب بعض الفقهاء، وهو قول الحنفية (2)، ورواية في مذهب أحمد (3) إلى أنه لا يشترط لصحة الوصية أن يكون الموصي به ملكاً للموصي حين الوصية لأنه حينئذ يكون فضولياً، ووصية الفضولي منعقدة على إجازة المالك، فإن أجاز فهو بالخيار إن شاء سلمها وإن شاء لم يسلمها كالهبة.
وقول المؤلف -رحمه الله- «وَتَصِحُّ بِكُلِّ مَا فِيهِ نَفْعٌ مُبَاحٌ»: أي تصح الوصية بكل ما فيه نفع مباح شرعاً، وقد سبق بيان ذلك في الشرط الأول والثالث من شروط الموصي به، وخلاصة الأمر هنا أن ما كان نفعه مباح كالمنازل والدكاكين والكتب والكلب المعلم ونحو ذلك تجوز الوصية به.
أما ما لا يباح اقتناؤه لم تصح الوصية به كالكلب العقور، وما لا يصلح للصيد والزرع وكذا الخنزير والخمر والميتة وغير ذلك مما لا نفع فيه لا تصح الوصية به لأن الوصية تمليك، فلا تصح بهذه المذكورات كالهبة.

(1)

قوله «كَكَلْبِ الصَّيْدِ وَالْغَنَمِ»:

أي تصح الوصية بكلب الصيد، وكذلك كلب الغنم الذي يحرسها لأنه يجوز اقتناؤه فجاز نقل اليد إليه بالوصية فلو أن رجلاً عنده كلب صيد معلم أو كلب لحراسة غنم أو كلب للحرث فأوصى به لفلان فإن الوصية تصح، مع أن الكلب ليس بمال ولكنه أذن بالانتفاع به وكذا هبته.222324

الجزء: 5 - الصفحة: 73

وَمَا فِيهِ نَفْعٌ مِنَ النَّجَاسَاتِ (1)، وَبِالْمَعْدُوْمِ، كَالَّذِيْ تَحْمِلُ أَمَتُهُ أَوْ شَجَرَتُهُ (2)،  = وعلم من قوله «الصَّيْدِ وَالْغَنَمِ» أنه إن لم يكن لهذه الأغراض وما كان في معناها «كالكلاب التي تستخدم في البحث عن المجرمين» فإنه لا يجوز الوصية به لأن الموصي لا يملك أن ينتفع بالموصى به.

(1)

قوله «وَمَا فِيهِ نَفْعٌ مِنَ النَّجَاسَاتِ»:

أي وتصح الوصية بما فيه نفع من النجاسات كالزيت المتنجس وذلك لأنه يجوز الانتفاع به في الجلود والسفن وما أشبهها ففيه منفعة مباحة فجاز نقل اليد إليه بالوصية.

  • فائدة: فرق بين الزيت النجس والمتنجس: فالزيت النجس كزيت الميتة وزيت الخنزير، وكذا كل زيت كان مما يحرم أكله فهذا لا تصح الوصية به، أما المتنجس وهو ما كان من حيوان طاهر فأصابته نجاسة أو كان من شجر وغيره فإن هذا يصح الانتفاع به واستخدامه فيجوز الوصية به.

(2)

قوله «وَبِالْمَعْدُوْمِ، كَالَّذِيْ تَحْمِلُ أَمَتُهُ أَوْ شَجَرَتُهُ»:

أي وتصح كذلك الوصية بالمعدوم، وهو الذي لم يكن موجوداً وقت الوصية، كما لو أوصى بما تحمله أمته أو ما تحمله شجرته، كأن يقول ما تحمله هذه الأمة أو ما تحمله هذه النخلة فقد أوصيت به لزيد أو لعمرو أو لجهة كذا، فإن حصل شيء أي فحملت أمته أو شجرته فهو للموصي له بمقتضى هذه الوصية، وإن لم يحصل حمل بطلت الوصية لأنها لم تصادف الشيء الموصي به، ووجه كون المعدوم تصح الوصية به لأن المعدوم يصح تملكه عن طريق السلم وعن طريق المساقاة، فإذا صح ملكه بطريق المعاوضة، صح تملكه عن طريق الوصية التي هي تبرع من باب أولى، وفي رواية أخرى في المذهب 25 عدم صحة الوصية بالمعدوم.
قلت والراجح عندي القول الأول.

الجزء: 5 - الصفحة: 74

وَبِمَا لا يَقْدِرُ عَلَى تَسْلِيْمِهِ، كَالطَّيْرِ فِي الْهَوَاءِ وَالسَّمَكِ فِي الْمَاءِ (1)، وَبِمَا لا يَمْلِكُهُ، كَمِئَةِ دِرْهَمٍ لا يَمْلِكُهَا (2)، وَبِغَيْرِ مُعَيَّنٍ، كَعَبْدٍ مِنْ عَبِيْدِهِ (3)،  (1)

قوله «وَبِمَا لا يَقْدِرُ عَلَى تَسْلِيْمِهِ، كَالطَّيْرِ فِي الْهَوَاءِ وَالسَّمَكِ فِي الْمَاءِ»:

أي وتصح الوصية بما لا يقدر على تسليمه كالطير في الهواء والسمك في الماء وكذا العبد الآبق والجمل الشارد والحمل في البطن واللبن في الضرع ونحو ذلك، ووجه صحة الوصية به لأن الوصية إذا صحت بالمعدوم فبغيره أولى، ولأنها أجريت مجرى الميراث وهذا يُوَرثُ فيوصى به، فإن قدر عليه أخذه وسلمه إذا خرج من الثلث (1)، ولأنه أيضاً الموصى له يخلف الموصي في هذه الأشياء ولا يضر العجز عن تسليمها وقت الوصية بها، لأن الوصية لا تنفذ إلا بعد وفاة الموصي.
(2)

قوله «وَبِمَا لا يَمْلِكُهُ، كَمِئَةِ دِرْهَمٍ لا يَمْلِكُهَا»:

أي تصح الوصية بما لا يملكه الموصي وقت الوصية كأن يقول أوصيت بمائة درهم لفلان وهو لا يملك هذا المال عند الوصية، فإن قال ذلك صحت وصيته لأن غاية ما يكون أن الموصى به معدوم والوصية بالمعدوم صحيحة كما سبق، فإن قدر عليه عند الموت أو على شيء فهنا صحت وإلا فتبطل.
(3)

قوله «وَبِغَيْرِ مُعَيَّنٍ، كَعَبْدٍ مِنْ عَبِيْدِهِ»:

أي وتصح الوصية بغير معين كأن يوصي بعبد من عبيده ولم يعينه أو شاة من الشياه ولم يعينها، ووجه صحة الوصية بغير معين لأمرين: الأول: لأن المجهول ينتقل إلى الورثة بالإرث، فصحت الوصية به كالمعدوم وهذا لا خلاف فيه 27.26

الجزء: 5 - الصفحة: 75

وَيُعْطِيْهِ الْوَرَثَةُ مِنْهُمْ مَا شَاؤُوْا (1)، وَبِالْمَجْهُوْلِ كَحَظٍّ مِنْ مَالِهِ، أَوْ جُزْءٍ، وَيُعْطِيْهِ الْوَرَثَةُ مَا شَاؤُوْا (2)،  =الثاني: لأن الجهالة في هذا أقل من الجهالة فيما لو أوصى بعبد وشاة وهي تصح، فلأن تصح هاهنا بطريق الأولى.
مثال ذلك: لو قال أوصيت لفلان بعبد أو شاة فهذا مجهول، بخلاف ما لو قال أوصيت لفلان بعبد من عبيدي أو شاة من شياتي فهذا مبهم، فإذا صحت الوصية في المجهول كما سبق فلأن تصح في المبهم الغير معين من باب أولى.

(1)

قوله «وَيُعْطِيْهِ الْوَرَثَةُ مِنْهُمْ مَا شَاؤُوْا»:

أي إذا أوصى بغير معين وهو ما سبق بيانه فإن الورثة يعطون الموصي له ما شاؤوا من العبيد لأن الاسم يتناوله فيرجع إلى رأيهم فيه وهذا ظاهر كلام الإمام أحمد -رحمه الله- (1)، وفي رواية أخرى عنه (2) أن تعيين العبد يكون بالقرعة، فيقرع بينهم، فمن وقعت عليه أعطى الموصي له، لأنهم استووا بالنسبة إلى استحقاقه، فأقرع بينهم، كما لو أعتق واحداً منهم.
(2)

قوله «وَبِالْمَجْهُوْلِ كَحَظٍّ مِنْ مَالِهِ، أَوْ جُزْءٍ، وَيُعْطِيْهِ الْوَرَثَةُ مَا شَاؤُوْا»:

هذا نظير ما سبق أي وتصح الوصية بالمجهول، فكما صحت بالمعدوم وغير المعين، مما لا يملكه الإنسان وغير ذلك فهي كذلك تصح بالمجهول الذي ليس له مقدار محدد، فلو أوصى فقال لفلان جزء من مالي أو لفلان إذا مت حظ من مالي ولم يسم المال ولم يحدده فإن الوصية تصح بذلك، وللورثة الخيار في إعطائه، لأن القصد بالوصية بره ولا حدَّ له في اللغة ولا في الشرع فكان=2829

الجزء: 5 - الصفحة: 76

وَإِنْ وَصَّى لَهُ بِمِثْلِ نَصِيْبِ أَحَدِ وَرَثَتِهِ، فَلَهُ مِثْلُ أَقَلِّهِمْ نَصِيْبًا، يُزَادُ عَلَى الْفَرِيْضَةِ (1)، وَلَوْ خَلَّفَ ثَلاثَةَ بَنِيْنَ وَوَصَّى بِمِثْلِ نَصِيْبِ أَحَدِهِمْ، فَلَهُ الرُّبُعُ (2)،  = على إطلاقه فأي شيء أعطوه يقع عليه ذلك قال ابن قدامة (1) في المغني «لا نعلم فيه خلافاً».

(1)

قوله «وَإِنْ وَصَّى لَهُ بِمِثْلِ نَصِيْبِ أَحَدِ وَرَثَتِهِ، فَلَهُ مِثْلُ أَقَلِّهِمْ نَصِيْبًا، يُزَادُ عَلَى الْفَرِيْضَةِ»:

شرع المؤلف هنا ببيان الوصية بالأنصباء والأجزاء، والأنصباء جمع نصيب وهو نصيب الوارث، وهو الشيء المقدر، أما الأجزاء فهي جمع جزء، وهو الشيء المقدر أيضاً، لكن يكون المقدر هنا بالنسبة للمسألة، أما الأنصباء يكون المقدر فيها بالنسبة للأشخاص.
أما كلام المؤلف فهو يريد أن يبين حال الموصي له مع الوارثين إذا لم يحدد الموصِي مقداراً للمُوصَى له فقال قاسموه في التركة، فيكون نصيبه مثل أقلهم نصيباً وذلك لأنه اليقين، وما زاد مشكوك فيه فلا يثبت مع الشك.
مثال ذلك: لو كان للموصي ابن وبنت فللموصَي له ربع مثل نصيب البنت فتكون المسألة من أربعة، لأنه يضم نصيبه إلى مسألتهم وهي من ثلاثة.

(2)

قوله «وَلَوْ خَلَّفَ ثَلاثَةَ بَنِيْنَ وَوَصَّى بِمِثْلِ نَصِيْبِ أَحَدِهِمْ، فَلَهُ الرُّبُعُ»:

أي إن خلف الموصي ثلاثة أبناء ووصى للموصَي له بمشاركتهم في الميراث فتكون المسألة من ثلاثة، أضف إليها واحداً مثل نصيب أحدهم فتكن أربعة، فيكون للموصي له الربع.30

الجزء: 5 - الصفحة: 77

فَإِنْ كَانَ مَعَهُمْ ذُوْ فَرْضٍ كَأُمٍّ، صَحَّحْتَ مَسْأَلَةَ الْوَرَثَةِ بِدُوْنِ الْوَصِيَّةِ مِنْ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ، وَزِدْتَ عَلَيْهَا مِثْلَ نَصِيْبِ ابْنٍ، فَصَارَتْ مِنْ ثَلاثَةٍ وَعِشْرِيْنَ (1)، وَلَوْ وَصَّى بِمِثْلِ نَصِيْبِ أَحَدِهِمْ، وَلآخَرَ بِسُدُسِ بَاقِي الْمالِ، جَعَلْتَ صَاحِبَ سُدُسِ الْبَاقِيْ كَذِيْ فَرْضٍ لَهُ السُّدُسُ، وَصَحَّحْتَهَا كَالَّتِيْ قَبْلَهَا (2)،  (1)

قوله «فَإِنْ كَانَ مَعَهُمْ ذُوْ فَرْضٍ كَأُمٍّ، صَحَّحْتَ مَسْأَلَةَ الْوَرَثَةِ بِدُوْنِ الْوَصِيَّةِ مِنْ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ، وَزِدْتَ عَلَيْهَا مِثْلَ نَصِيْبِ ابْنٍ، فَصَارَتْ مِنْ ثَلاثَةٍ وَعِشْرِيْنَ»:

صورة هذه المسألة أن يوصي لشخص بأن يشارك أبناءه في الميراث، ويكون له مثل نصيب أحدهم وله ثلاثة أبناء وأم، فهنا يكون للأم السدس وللأبناء الباقي وهو خمسة عشر، لكل واحد منهم خمسة، ثم يزداد على ذلك نصيب ابن وهو نصيب الموصي له، فتكون المسألة من ثلاثة وعشرين.
23 ... 18 ... 6×3 = ... - ... - 3 ... 3 ... 1 ... أم ... 1 ÷ 6 15 ... 15 ... 5 ... 3 أبناء ... ب 5 ... - ... - ... موصي له ... كابن

(2)

قوله «وَلَوْ وَصَّى بِمِثْلِ نَصِيْبِ أَحَدِهِمْ، وَلآخَرَ بِسُدُسِ بَاقِي الْمالِ، جَعَلْتَ صَاحِبَ سُدُسِ الْبَاقِيْ كَذِيْ فَرْضٍ لَهُ السُّدُسُ، وَصَحَّحْتَهَا كَالَّتِيْ قَبْلَهَا»:

صورة هذه المسألة أن يوصي لشخصين أحدهما بمثل نصيب أحد أبناءه ويوصي للأخر بسدس باقي المال، فهنا نجعل صاحب السدس «الباقي» كالذي فرض له سدس لأنه حدد المقدار الذي له ثم نصحح المسألة كالتي قبلها فتكون على النحو التالي: نجعل المسألة من ستة: «الأم - ثلاثة أبناء - اثنان موصى لهما»، وتزيد عليها نصيباً وهو واحد، ثم تعطي صاحب =

الجزء: 5 - الصفحة: 78

وَإِنْ كَانَتْ وَصِيَّةُ الثَّانِيْ بِسُدُسِ بَاقِيْ الثُّلُثِ صَحَّحْتَهَا أَيْضًا كَمَا قُلْنَا سَوَاءً، ثُمَّ زِدْتَ عَلَيْهَا مِثْلَيْهَا، فَتُصِيْرُ تِسْعَةً وَسِتِّيْنَ، تُعْطِيْ صَاحِبَ السُّدُسِ سَهْمًا وَاحِدًا، وَالْبَاقِيْ بَيْنَ الْبَنِيْنَ وَالْوَصِيِّ الآخَرِ أَرْبَاعًا (1)،  =النصيب واحد، وبعده تعطي السدس للموصى له الثاني، يبقى خمسة ورؤوس الأبناء ثلاثة نضربها في ستة تصبح ثمانية عشر تزيد عليها النصيب خمسة حيث تحول من واحد إلى خمسة تصبح ثلاثة وعشرون.

18+5 =23 ... 18 ... 6×3 =18 15 ... 15 ... 5×3 ... أبناء 5 ... - ... - ... موصى له 3 ... 3 ... 1 ... موصى له «له 1 ÷ 6 الباقي»

(1)

قوله «وَإِنْ كَانَتْ وَصِيَّةُ الثَّانِيْ بِسُدُسِ بَاقِيْ الثُّلُثِ صَحَّحْتَهَا أَيْضًا كَمَا قُلْنَا سَوَاءً، ثُمَّ زِدْتَ عَلَيْهَا مِثْلَيْهَا، فَتُصِيْرُ تِسْعَةً وَسِتِّيْنَ، تُعْطِيْ صَاحِبَ السُّدُسِ سَهْمًا وَاحِدًا، وَالْبَاقِيْ بَيْنَ الْبَنِيْنَ وَالْوَصِيِّ الآخَرِ أَرْبَاعًا»:

وصورة هذه المسألة كالتي قبلها غير أنه جعل الموصي من الأوصياء سدس باقي الثلث وبذلك نعتبر الموصي له الثاني كصاحب فرض له سدس نضع أصل المسألة ستة نعطيه سهمه والباقي للأبناء، نصحح أصل المسألة بضربها بعدد الرؤوس فتصبح «18» نصيب الأبناء منها «15» نعطي الموصى له الأول «5» مثل نصيب كل ابن فيصبح المجموع «23» نضرب المجموع بثلاثة فتصبح المسألة من «69»، يعطى الموصى له الثاني نصيبه سهماً واحداً كما في المسألة السابقة، فيبقى «68» تقسم على أربع فيكون نصيب الواحد «17»، وهذا رسم تفصيلي يوضح هذه المسألة.

الجزء: 5 - الصفحة: 79

وَإِنْ زَادَ الْبَنُوْنَ عَلَى ثَلاثَةٍ، زِدْتَ صَاحِبَ سُدُسِ الْبَاقِيْ بِقَدْرِ زِيَادَتِهِمْ، فَإِذَا كَانُوْا أَرْبَعَةً، أَعْطَيْتَهُ مِمَّا صَحَّتْ مِنْهُ الْمَسْأَلَةُ سَهْمَيْنِ (1)،  69 ... 23×3 =69 ... 6×3=18 51 ... 15 ... 17×3 ... 15 ... 5/ 3 ... 3 أبناء 17 ... 5 ... 17 ... - ... - ... موصى له 1 ... 3 ... 1 ... 3 ... 1 ... موصى له «1 ÷ 6 باقي الثلث» وعلى ذلك يكون سدس باقي الثلث بعد نصيب الموصى له الأول قيمته سهماً واحداً فقط، «المال» 69 ÷3 = 23 «الثلث»، 17 «نصيب الأول» = 6 ÷ 6 = 1، وهو نصيب الموصى له الثاني.

(1)

قوله «وَإِنْ زَادَ الْبَنُوْنَ عَلَى ثَلاثَةٍ، زِدْتَ صَاحِبَ سُدُسِ الْبَاقِيْ بِقَدْرِ زِيَادَتِهِمْ، فَإِذَا كَانُوْا أَرْبَعَةً، أَعْطَيْتَهُ مِمَّا صَحَّتْ مِنْهُ الْمَسْأَلَةُ سَهْمَيْنِ»:

حل هذه المسألة على النحو التالي: 87 ... 87 ... 29×3 = ... 6 ×4 = 24 68 ... 17×4 ... 20 ... 20 ... 4 أبناء 17 ... 17 ... 5 ... - ... موصى له 2 ... 2 ... 4 ... 4 ... موصى له «1 ÷ 6 باقي الثلث» ويكون سدس باقي الثلث بعد نصيب الموصي له الأول (2) وطريقة مجيئه كالأتي: «المال»: 87 ÷ 3 =29، وهو الثلث.
الثلث - نصيب الأول.
29 - 17 = 12، 12 ÷ 6 = 2، وهو نصيب الموصى له الثاني.

الجزء: 5 - الصفحة: 80

وَإِنْ كَانُوْا خَمْسَةً، فَلَهُ ثَلاثَةٌ (1)، وَإِنْ كَانَتِ الْوَصِيَّةُ بِثُلُثِ بَاقِيْ الرُّبُعِ وَالْبَنُوْنَ أَرْبَعَةٌ، فَلَهُ سَهْمٌ وَاحِدٌ (2)،  (1)

قوله «وَإِنْ كَانُوْا خَمْسَةً، فَلَهُ ثَلاثَةٌ»:

وحل هذه المسألة كالأتي: 105 ... 35×3= ... 30 ... 6 ×5 = 17×5 ... 25 ... 25 ... 5 ... 5 أبناء 17 ... 5 ... - ... - ... موصي له 3 ... 5 ... 5 ... 1 ... موصي له «1 ÷ 6 باقي الثلث» ويكون سدس باقي الثلث بعد نصيب الموصى له الأول «3» «105» ÷ 3 = 35 - 17 «نصيب الأول» = 18 ÷ 6 = 3

(2)

قوله «وَإِنْ كَانَتِ الْوَصِيَّةُ بِثُلُثِ بَاقِيْ الرُّبُعِ وَالْبَنُوْنَ أَرْبَعَةٌ، فَلَهُ سَهْمٌ وَاحِدٌ»:

حل هذه المسألة كالأتي: 56 ... 14×4 ... 12 ... 3×4= 11×4 ... 8 ... 8 ... 2 ... 4/أبناء 11 ... 2 ... - ... - ... موصي له 1 ... 4 ... 4 ... 1 ... موصي له «بـ 1 ÷ 3 باقي الربع» نصيب الموصى له! ؛ 3 «ثلث» باقي الربع هو: 56 «المال» ÷ 4 = 14 «الربع» - 11 «نصيب الأول» = 3 ÷ 3 = 1

الجزء: 5 - الصفحة: 81

فَإِنْ زَادَ البنون عَلَى أَرْبَعَةٍ، زِدْتَهُ بِكُلِّ وَاحِدٍ سَهْمًا (1)، وَإِنْ وَصَّى بِضِعْفِ نَصِيْبِ وَارِثٍ أَوْ ضِعْفَيْهِ، فَلَهُ مِثْلا نَصِيْبِهِ وَثَلاثَةُ أَضْعَافِهِ وَثَلاثَةُ أَمْثالِهِ (2)،  (1) قوله «فَإِنْ زَادَ البنون عَلَى أَرْبَعَةٍ، زِدْتَهُ بِكُلِّ وَاحِدٍ سَهْمًا»: فهب أننا زدناه ولداً آخر فصار عدد الأولاد خمسة فيكون حل المسألة كالأتي:

17×4=68 ... 17 ... 15 ... 3×5= 11×5 ... 10 ... 10 ... 2 ... 5 أبناء 11 ... 2 ... - ... - ... موصى له 2 ... 5 ... 5 ... 1 ... موصى له بـ 1 ÷ 3 باقي الربع إذاً يكون ثلث باقي الربع بعد نصيب الموصي له الأول «2»، وهو كالأتي: 68 ÷ 4 = 17 «وهذا هو الربع» - 11 «نصيب الموصي الأول» = 6 6 ÷ 3 = 2.

(2)

قوله «وَإِنْ وَصَّى بِضِعْفِ نَصِيْبِ وَارِثٍ أَوْ ضِعْفَيْهِ، فَلَهُ مِثْلا نَصِيْبِهِ وَثَلاثَةُ أَضْعَافِهِ وَثَلاثَةُ أَمْثالِهِ»:

هذه المسألة على قولين في المذهب 31: الأول: أن ضعف الشيء هو ومثله وضعفاه هو ومثلاه وثلاثة أضعافه أربعة أمثاله، وذلك لأن التضعيف هو ضم الشيء إلى مثله مرة بعد أخرى.
وهو الصحيح في المذهب، وهو اختيار ابن قدامة 32. الثاني: أن الضعفان هما المثلان، والثلاثة أضعاف ثلاثة أمثال.

الجزء: 5 - الصفحة: 82

وَإِنْ وَصَّى بِجُزْءِ مُشَاعٍ، كَثُلُثٍ أَوْ رُبُعٍ، أَخَذْتَهُ مِنْ مَخْرَجِهِ، وَقَسَمْتَ الْبَاقِيْ عَلَى الْوَرَثَةِ (1)،  (1)

قوله «وَإِنْ وَصَّى بِجُزْءِ مُشَاعٍ، كَثُلُثٍ أَوْ رُبُعٍ، أَخَذْتَهُ مِنْ مَخْرَجِهِ، وَقَسَمْتَ الْبَاقِيْ عَلَى الْوَرَثَةِ»:

مثال ذلك ما ذكر المؤلف: خلف ابنين ووصى بثلث ماله لرجل فالمخرج ثلاثة تدفع للموصى له سهماً ويبقى سهمان لكل ابن سهم.

3 ... - 2 ... 2 أبناء 1 ... 1 ÷ 3 موصى هذا إذا انقسمت، أما إذا لم تقسم كأن يكون له ثلاثة فيبقى سهمان على ثلاثة لا تصح ولا توافق، فنضربها في مخرج الوصية ثلاثة يصير تسعة للموصي له بالثلث سهم مضروب في ثلاثة بثلاثة ويبقى ستة على ثلاثة لكل ابن سهمان.
3×3 = 9 ... 3 6 ... 2 ... 3 أبناء 2 ... 1 ... 1 ÷ 3 موصي له فتكون النتيجة 6 أسهم تقسم على الأبناء الثلاثة فيصبح لكل ابن سهمان والموصي له ثلاثة أسهم.

الجزء: 5 - الصفحة: 83

فَإِنْ وَصَّى بِجُزْأَيْنِ كَثُلُثٍ وَرُبُعٍ، أَخَذْتَهُمَا مِنْ مَخْرَجِهِمَا، وَهُوَ اثْنَا عَشَرَ وَقَسَمْتَ الْبَاقِيْ عَلَى الْوَرَثَةِ (1)، فَإِنْ رَدُّوْا، جَعَلْتَ سِهَامَ الْوَصِيَّةِ ثُلُثَ الْمَالِ، وَلِلْوَرَثَةِ ضِعْفُ ذلِكَ (2)، وَإِنْ وَصَّى بِمُعَيَّنٍ مِنْ مَالِهِ، فَلَمْ يَخْرُجْ مِنَ الثُّلُثِ، فَلِلْمُوْصَى لَهُ قَدْرُ الثُّلُثِ إِلاَّ أَنْ يُجِيْزَ الْوَرَثَةُ (3)، وَإِنْ زَادَتِ الْوَصَايَا عَلَى الْمَالِ، كَرَجُلٍ أَوْصَى بِكُلِّ مَالِهِ لِرَجُلٍ، وَلآخَرَ بِثُلُثٍ، ضَمَمْتَ الثُّلُثَ إِلَى الْمَالِ، فَصَارَ أَرْبَعَةَ أَثْلاثٍ وَقَسَمْتَ الْمَالَ بَيْنَهُمَا عَلَى أَرْبَعَةِ إِنْ أُجِيْزَ لَهُمَا، وَالثُّلُثُ عَلَى أَرْبَعَةٍ إِنْ رُدَّ عَلَيْهِمَا (4)،  (1)

قوله «فَإِنْ وَصَّى بِجُزْأَيْنِ كَثُلُثٍ وَرُبُعٍ، أَخَذْتَهُمَا مِنْ مَخْرَجِهِمَا، وَهُوَ اثْنَا عَشَرَ وَقَسَمْتَ الْبَاقِيْ عَلَى الْوَرَثَةِ»:

هذا إذا أجازها الورثة لأنه كما سبق لا تجوز الوصية أكثر من الثلث إلا إذا أجازها الورثة، فإن ردوها يعطى الموصى له الثلث فقط والثلثان للورثة.
(2)

قوله «فَإِنْ رَدُّوْا، جَعَلْتَ سِهَامَ الْوَصِيَّةِ ثُلُثَ الْمَالِ، وَلِلْوَرَثَةِ ضِعْفُ ذلِكَ»:

كما سبق بيان ذلك.
(3)

قوله «وَإِنْ وَصَّى بِمُعَيَّنٍ مِنْ مَالِهِ، فَلَمْ يَخْرُجْ مِنَ الثُّلُثِ، فَلِلْمُوْصَى لَهُ قَدْرُ الثُّلُثِ إِلاَّ أَنْ يُجِيْزَ الْوَرَثَةُ»:

كأن يوصي له بعبد معين قيمته مائتين وله غيره بمائة فله نصفه لأن ذلك قدر الثلث إلا أن يجيزه الورثة فيأخذ العبد كله.
(4)

قوله «وَإِنْ زَادَتِ الْوَصَايَا عَلَى الْمَالِ، كَرَجُلٍ أَوْصَى بِكُلِّ مَالِهِ لِرَجُلٍ، وَلآخَرَ بِثُلُثٍ، ضَمَمْتَ الثُّلُثَ إِلَى الْمَالِ، فَصَارَ أَرْبَعَةَ أَثْلاثٍ وَقَسَمْتَ الْمَالَ بَيْنَهُمَا عَلَى أَرْبَعَةِ إِنْ أُجِيْزَ لَهُمَا، وَالثُّلُثُ عَلَى أَرْبَعَةٍ إِنْ رُدَّ عَلَيْهِمَا»:

أي إذا رد الورثة الوصية لكونها أكثر من الثلث فإنه يعطى الموصي لهما الثلث ويقسم بينهما أرباعاً ثلاثة أرباع للأول وربع للثاني، فإن أجاز الورثة الوصية قسم المال بينهما على أربعة.

الجزء: 5 - الصفحة: 84

وَلَوْ وَصَّى بِمُعَيَّنٍ لِرَجُلٍ، ثُمَّ أَوْصَى بِهِ لآخَرَ (1)، أَوْ أَوْصَى بِهِ إِلَى رَجُلٍ ثُمَّ أَوْصَى إِلَى آخَرَ، فَهُوَ بَيْنَهُمَا (2)، وَإِنْ قَالَ: مَا أَوْصَيْتُ بِهِ لِلأَوَّلِ، فَهُوَ لِلثَّانِيْ، بَطَلَتْ وَصِيَّةُ الأَوَّلِ (3)،  (1)

قوله «وَلَوْ وَصَّى بِمُعَيَّنٍ لِرَجُلٍ، ثُمَّ أَوْصَى بِهِ لآخَرَ»:

صورة ذلك هو أن يوصي بدار مثلاً لفلان، ثم بعد فترة يوصي بنفس الدار لشخص آخر ولم يبين أنه فسخ الوصية الأولى، فيكون الموصَي به بينهما، لأنه لم يكن هناك ما يثبت رجوع الموصي في الوصية الأولى، ويمكن أن يكون أراد مشاركة الثاني للأول في الوصية وقال بعض الفقهاء بل تكون الوصية الثانية ناسخة للأولى، فإن أتى بها كانت للأخير منهما، لأنها تنافي الأولى.
(2)

قوله «أَوْ أَوْصَى بِهِ إِلَى رَجُلٍ ثُمَّ أَوْصَى إِلَى آخَرَ، فَهُوَ بَيْنَهُمَا»:

في بعض النسخ فهما وصيان.
مثاله: أن يوصي بأن فلان وصى على أولادي بتربيتهم وتزويجهم، ثم أوصى بنفس الوصية لرجل آخر، فهما يشتركان فيما أوصى به إليهما.
وقيل: بل تكون الوصية لآخرهما، وتبطل وصية الأول.
والأظهر عندي: ثبوت الوصية للأول والثاني في المسألتين، وذلك لاحتمال أن يكون ناسياً أو قاصداً للتشريك بينهما، ولأن وصية الأول ثبتت يقيناً فلا نبطلها بالشك.

(3)

قوله «وَإِنْ قَالَ: مَا أَوْصَيْتُ بِهِ لِلأَوَّلِ، فَهُوَ لِلثَّانِيْ، بَطَلَتْ وَصِيَّةُ الأَوَّلِ»:

وهذا بالإجماع لأنه صرح بالرجوع في الوصية، والرجوع في الوصية كما سبق جائز، ولذا نقول لمن كتب وصية لشخص ثم بدا له بعد ذلك أن يستبدله بغيره ينبغي له أن يقول في وصيته هذه الوصية ناسخة لما قبلها، حتى لا تكون وصيتان ويحدث بذلك ارتباك للورثة.

الجزء: 5 - الصفحة: 85

فَصْلٌ فِيْ بُطْلانِ الْوَصِيَّةِ

(1) إِذَا بَطَلَتِ الْوَصِيَّةُ أَوْ بَعْضُهَا (2)، رَجَعَ إِلَى الْوَرَثَةِ (3)، فَلَوْ وَصَّى أَنْ يُشْتَرَى عَبْدُ زَيْدٍ بِمِائَةٍ فَيُعْتَقُ، فَمَاتَ، أَوْ لَمْ يَبِعْهُ سَيِّدُهُ، فَالْمِئَةُ لِلْوَرَثَةِ (4)،  الشرح:

(1)

قوله «فَصْلٌ فِيْ بُطْلانِ الْوَصِيَّةِ»:

أي هذا الفصل فيما تبطل به الوصية وكذلك ما يترتب على بطلانها من أحكام.
(2)

قوله «إِذَا بَطَلَتِ الْوَصِيَّةُ أَوْ بَعْضُهَا»:

ذكر الفقهاء للوصية مبطلات تبطلها فمن ذلك: 1 - موت الموصي له المعين قبل موت الموصي.
2 - الرجوع في الوصية في حياته بتصريح أو دلالة.
3 - تعليق الوصية على شرط لم يتحقق.
4 - زوال أهلية الوصي بجنون أو ردة ونحو ذلك.
5 - رد الوصية من قبل الموصي له.
6 - قتل الموصي له الموصى.
7 - هلاك الموصي به المعين.
فهذه جملة ما تبطل به الوصية.

(3)

قوله «رَجَعَ إِلَى الْوَرَثَةِ»:

أي متى حصل مبطل من مبطلات الوصية التي تم ذكرها إجمالا وعلى ما سيأتي تفصيلاً فإن الوصية ترجع إلى الورثة، لأن جميع ما يتركه الميت من أموال تكون ملكاً للورثة.
(4)

قوله «فَلَوْ وَصَّى أَنْ يُشْتَرَى عَبْدُ زَيْدٍ بِمِائَةٍ فَيُعْتَقُ، فَمَاتَ، أَوْ لَمْ يَبِعْهُ سَيِّدُهُ، فَالْمِئَةُ لِلْوَرَثَةِ»:

أي إذا وصى بأن يشتري عبد زيد من الناس ليعتق فمات هذا العبد أو رفض سيده إعتاقه فإن ما أوصى به من مال لإعتاقه يعود إلى الورثة وقد ذكرنا في مبطلات الوصية أن من مبطلاتها موت الموصي به المعين.

الجزء: 5 - الصفحة: 86

وَإِنْ وَصَّى بِمِئَةٍ تُنْفَقُ عَلَى فَرَسٍ حَبِيْسٍ، فَمَاتَ، فَهِيَ لِلْوَرَثَةِ (1)، وَلَوْ وَصَّى أَنْ يَحُجَّ عَنْهُ زَيْدٌ بِأَلْفٍ فَلَمْ يَحُجَّ، فَهِيَ لِلْوَرَثَةِ (2)،  (1)

قوله «وَإِنْ وَصَّى بِمِئَةٍ تُنْفَقُ عَلَى فَرَسٍ حَبِيْسٍ، فَمَاتَ، فَهِيَ لِلْوَرَثَةِ»:

أي وكذلك إن وصى بمائة درهم مثلاً تنفق على فرس بأن يشتري له منها علف أو ما يحتاج إليه الفرس ثم مات الفرس فإن هذا المال يرد للورثة وذلك لانقطاع الموصي له بموته.
(2)

قوله «وَلَوْ وَصَّى أَنْ يَحُجَّ عَنْهُ زَيْدٌ بِأَلْفٍ فَلَمْ يَحُجَّ، فَهِيَ لِلْوَرَثَةِ»:

أي إذا وصى بوصية فقال فيها يحج عني فلان حجة بألف، فإن الورثة يعطون هذا المعين الألف كاملة لأن الموصِي عينه بشخصه، فإن رفض أن يحج عنه أو مات فإن الألف تعود إلى الورثة.

ذكر بعض الفوائد

:

- الفائدة الأولى: إذا قال: أوصيت أن يحج عني حجة بألف

فهنا قيدها، فهل إذا حججنا عنه بثمانمائة نحج عنه أخرى أو نطلب من يحج عنه بألف؟ فيه تفصيل: إذا قال أوصيت أن يحج عني فلان حجة بألف، أعطينا فلاناً الألف كاملة وقلنا حج عنه لأنه عين الشخص، وتعيينه أكثر مما تستحقه الحجة، يدل على أنه أراد مصلحة الشخص، فنعطيه الألف كاملة وإن كان الحج بأقل من ذلك، أما المذهب 33 فيرى أنه إن عين الشخص فإن الزائد للورثة، والصحيح أن الزائد يكون للشخص المعين، فكأنه قصد إرفاقه بالزائد، وإن قال يحج عني فلان بألف نقول يحج عنه فلان حجة بعد أخرى حتى تنفذ الألف، لأنه لم يقيدها.

الجزء: 5 - الصفحة: 87

وَإِنْ قَالَ الْمُوْصَى لَهُ: أَعْطُوْنِيْ الزَّائِدَ عَلَى نَفَقَةِ الْحَجِّ، لَمْ يُعْطَ شَيْئاً (1)،  =أما إذا قال: يحج عني حجة بألف ولم يعين الشخص، فهنا لا يحج عنه بألف إذا وجدنا من يحج بأقل، لأنه لا يظهر أنه أراد منفعة شخص معين، بل يحتمل أنه غلب على ظنه أنه لا يوجد من يحج إلا بألف فقيدها بالألف بناءاً على ظنه.

  • الفائدة الثانية: إذا كان قد أوصى من فترة طويلة بأن يحج عنه بألف ثم زادت قيمة الحج عن الألف بضعفيه كما هو الحال الآن فماذا نفعل؟ نقول: إذا زادت قيمة الحج زيادة مفرطة بحيث أنها زادت قيمة الحج عن القيمة التي أوصى بها زيادة مجحفة فهنا يصرف ما وصى به في أعمال بر أخرى، وهذا هو المتعين لأن الموصي إنما أراد بوصيته التقرب إلى الله، وخصَّ نوعاً من القربات ولم يتمكن من هذا النوع فنأخذ بالمعنى العام وهو القربى.
  • الفائدة الثالثة: من لم يحج الفريضة يجب تنفيذ حجَّه سواء أوصى به أو لم يوصي، وسواء زاد عن الثلث أو نقص عنه.

(1)

قوله «وَإِنْ قَالَ الْمُوْصَى لَهُ: أَعْطُوْنِيْ الزَّائِدَ عَلَى نَفَقَةِ الْحَجِّ، لَمْ يُعْطَ شَيْئاً»:

أي إذا كانت قيمة الحج بأقل مما أوصى به الموصي فكانت خمسمائة مثلاً فقال الموصي له أعطوني الزيادة وهي الخمسمائة الأخرى، قال المؤلف «لَمْ يُعْطَ شَيْئاً» وهل تبطل الوصية بذلك؟ نقول على قولين في المذهب 34: القول الأول: وهو المذهب أنها تبطل في حق الموصي له لا غير ويحج عنه بأقل ما يمكن من نفقة أو أجرة والبقية للورثة.

الجزء: 5 - الصفحة: 88

وَلَوْ مَاتَ الْمُوْصَى لَهُ قَبْلَ مَوْتِ الْمُوْصِيْ أَوْ رَدَّ الْوَصِيَّةَ، رُدَّ إِلَى الْوَرَثَةِ (1)، وَلَوْ وَصَّى لِحَيٍّ وَمَيِّتٍ، فَلِلْحَيِّ نِصْفُ الْوَصِيَّةِ (2)، وَإِنْ وَصَّى لِوَارِثِهِ وَأَجْنَبِيٍّ بِثُلُثِ مَالِهِ، فَلِلأَجْنَبِيِّ السُّدُسُ (3)،  =القول الثاني: أن الوصية تبطل مطلقاً يعني من أصلها إذا كان تطوعاً.
قلت: والأظهر عندي أنه ما دام قد عين الموصِي الموصَى له بالحج فإن الزائد يكون له، وهو قول في المذهب (1)، قال في الإنصاف: وذكر الناظم قولاً: «أن بقية الألف للذي حج».

(1)

قوله «وَلَوْ مَاتَ الْمُوْصَى لَهُ قَبْلَ مَوْتِ الْمُوْصِيْ أَوْ رَدَّ الْوَصِيَّةَ، رُدَّ إِلَى الْوَرَثَةِ»:

وقد سبق الإشارة إلى ذلك، فمتى مات الموصى له قبل موت الموصي فإن الوصية تبطل وترد إلى الورثة، وهذا باتفاق الفقهاء سواء علم الموصى بموته أو لم يعلم، وكذلك تبطل الوصية إذا ردَّ الموصى له الوصية لأنه أسقط حقه في حال يملك قبوله وأخذه، كتنازل الشفيع عن الشفعة بعد الموت، وقوله «رُدَّ إِلَى الْوَرَثَةِ»، فيقسم بينهم بحسب إرثهم.
(2)

قوله «وَلَوْ وَصَّى لِحَيٍّ وَمَيِّتٍ، فَلِلْحَيِّ نِصْفُ الْوَصِيَّةِ»:

أي إن وصى بثلث ماله لزيد وعمرو ثم تبين أن زيداً ميت فإن عمرو يستحق نصف الثلث الموصي به، ووجه ذلك أنه إنما أوصى لزيد وعمرو بناءاً على أن زيداً حي، وعلى هذا يكون الموصي به بينهما على نصفين، فلما تعذر إيصال حق زيد لموته بقي حق عمرو فقط فيعطاه ويرد حق زيد للورثة.
(3)

قوله «وَإِنْ وَصَّى لِوَارِثِهِ وَأَجْنَبِيٍّ بِثُلُثِ مَالِهِ، فَلِلأَجْنَبِيِّ السُّدُسُ»:

أي إذا وصى بأن ثلث ماله لفلان الأجنبي وأحد ورثته فإن الذي يستحقه الأجنبي=35

الجزء: 5 - الصفحة: 89

وَيَقِفُ سُدُسُ الْوَارِثِ عَلَى الإِجَازَةِ (1).  =هو السدس لأنه أقل سهم يرثه ذوو قرابة، دليل ذلك ما جاء عن ابن مسعود -رضي الله عنه- أن رجلاً أوصى لرجل بسهم من ماله فأعطاه النبي - صلى الله عليه وسلم - السدس (1)، ولأن السهم في كلام العرب السدس.
وفي قول في المذهب: أم الأجنبي يأخذ ما لأقل الورثة نصيباً، فهو مع بنت وابن له الربع لأن هذا أقل سهم.

(1)

قوله «وَيَقِفُ سُدُسُ الْوَارِثِ عَلَى الإِجَازَةِ»:

أي ويقف ما أوصى به الموصي لوارث على إجازة الورثة، فإن أجازوه صحت الوصية وإلا فلا، وقد سبق بيان ذلك سابقاً مفصلاً.

ذكر بعض الفوائد المتعلقة بالوصايا

:

  • الفائدة الأولى: الأمور المعتبرة في إثبات الوصية: أـ الكتابة: ودليلها حديث ابن عمر «مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَهُ شَيْءٌ يُوصِي فِيهِ يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ إِلاَّ وَوَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ» 37، وهل يلزم الختم والإمضاء والتصديق في الجهات الرسمية؟ الصواب أن ذلك كله لا يلزم.
    ب - الإشهاد على الوصية: فلو أشهد عليها اثنين ولم يكتبها كفى ذلك، كأن يكون أمياً، أو في مكان لا يتمكن فيه من الكتابة، ولابد من كون الشاهدين مسلمين عدلين.
    ج - الإشارة لمن عجز عن الكتابة والإشهاد، لكن يشترط أن تكون هذه الإشارة مفهومه، والأولى بكل الأحوال الجمع بين الكتابة والإشهاد.36

الجزء: 5 - الصفحة: 90

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  - الفائدة الثانية: قال بعض أهل العلم عند قوله تعالى: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ .. ﴾ 38 قالوا من ترك ألفاً فأقل لا يوصي، وقال بعضهم: من ترك أربعمائة دينار فأقل، وقال ابن عباس: من ترك ستين ديناراً لا يوصى، وقال طاووس: الخير ثمانون ديناراً، وقال النخعي: ألف وخمسمائة دينار.
قلت: والراجح عندي أن الخير هو المال الكثير عرفاً لأنه لم يرد نص في تحديده وتقديره.

الجزء: 5 - الصفحة: 91

بَابُ الْمُوْصَى إِلَيْهِ

(1) تَجُوْزُ الْوَصِيَّةُ إِلَى كُلِّ مُسْلِمٍ، عَاقِلٍ، عَدْلٍ (2)،  (1)

قوله «بَابُ الْمُوْصَى إِلَيْهِ»:

الموصى إليه: هو الذي عهد إليه بالتصرف بعد الموت سواء في المال أو في الحقوق، وهو بمنزلة الوكيل للأحياء.
وفرق بين الموصى له والموصى إليه، فالموصى له من تبرع له الموصي بجزء من ماله بعد وفاته، وهذا ركن من أركان الوصية، بخلاف الموصى إليه.
وعلى ذلك نقول هناك «موصي - موصى له - موصي به»، وهؤلاء أركان الوصية، أما الموصى إليه فليس ركناً من أركان الوصية.

(2)

قوله «تَجُوْزُ الْوَصِيَّةُ إِلَى كُلِّ مُسْلِمٍ، عَاقِلٍ، عَدْلٍ»:

هذه هي الشروط التي تجوز فيمن أوصى إليه الميت بوصية، فيجب أن يكون كما قال المؤلف: «مُسْلِمٍ» فيخرج به الكافر، فلا تصح وصية المسلم إلى الكافر، ولو كان الكافر أميناً عاقلاً، لأنهم قد خانوا الله من قبل، وإذا كانوا قد خانوا الله من قبل، فإنهم يخونون عباد الله من باب أولى، أما إذا أوصى كافراً مسلماً صحت وصيته، وكذلك إذا أوصى كافراً إلى كافر فإنه تصح وصيته، وهذا الشرط إنما يكون في الموصى إليه إذا كان الموصي مسلماً.
وقوله «عَاقِلٍ» فلا تصح الوصية إلى غير العاقل كالمجنون مثلاً.
وقوله «عَدْلٍ» خرج منه الفاسق، والعدل هو من استقام في دينه ومروءته، فإن أوصى إلى فاسق فلا تصح وصيته.
وقال شيخنا -رحمه الله- 39: إن اشترط العدالة فيه تفصيل: فإن كانت العدالة تخدش في تصرفه فهي شرط، وإن كانت لا تخدش في تصرفه، وأنه يتصرف=

الجزء: 5 - الصفحة: 92

مِنَ الذُكُوْرِ وَالإِنَاثِ (1)، بِمَا يَجُوْزُ لِلْمُوْصِيْ فِعْلُهُ (2)، مِنْ قَضَاءِ دَيْنِهِ (3)،  =يتصرف تصرفاً تاماً ليس فيه أي إشكال، فإنها ليست بشرط، وهذا هو الصحيح في مفهوم قوله «عَدْلٍ».

(1)

قوله «مِنَ الذُكُوْرِ وَالإِنَاثِ»:

أي تجوز الوصية كذلك للذكر والأنثى، وهذا هو قول أكثر أهل العلم (1). وقال بعض الفقهاء، وهو قول عطاء (2) لا يجوز أن يوصي إلى امرأة لأنها لا تكون قاضية، فلا تكون وصية كالمجنون.
والصحيح: جواز أن يكون الموصى إليه امرأة، فقد روي عن عمر أنه أوصى إلى حفصة، ولأنها - يعني المرأة - من أهل الشهادة، أشبهت الرجال.

(2)

قوله «بِمَا يَجُوْزُ لِلْمُوْصِيْ فِعْلُهُ»:

بخلاف ما لا يجوز فعله، فإنه لا يجوز أن يوصي إليه به، وما لا يجوز للموصى أن يوصي به نوعان: الأول: ما لا يملكه شرعاً كأن يوصي إليه في فعل محرم مثل أن يقول: أوصيت إلى فلان أن يصرف إلى القبر الفلاني مائة درهم لإسراجه أو الذبح له، فهذه الوصية باطلة، لأنها مشتملة على محرم.
الثاني: ما يمتنع لحق الغير، مثل أن يقول: أوصيت إلى فلان أن يبيع بيتي وهو مرهون، فهذا لا يصح، لأنه لا يملكه إلا بإذن المرتهن.

(3)

قوله «مِنْ قَضَاءِ دَيْنِهِ»:

يعني أن يوصي إلى فلان بقضاء دينه ورد الودائع واستردادها ونحو ذلك.
وهل يشترط أن يكون الدين معلوماً؟ الصحيح من المذهب 42 أنه لابد من =4041

الجزء: 5 - الصفحة: 93

وَتَفْرِيْقِ وَصِيَّتِهِ (1)، وَالنَّظَرِ فِي أَمْرِ أَطْفَالِهِ (2)،  =أن يكون الدين معلوماً لأن الوصي إنما يتصرف بالإذن فلم يجز إلا في معلوم، وذهب شيخنا (1) إلى جواز الوصية بقضاء الدين وإن كان الدين مجهولاً فإنه لا يضر.

(1)

قوله «وَتَفْرِيْقِ وَصِيَّتِهِ»:

أي إذا أوصى لفلان بأن يفرق وصيته التي حدد مصرفها فهذا جائز لكن يشترط كما سبق أن لا تتجاوز الوصية الثلث من تركته فإن كانت قد تجاوزت الثلث فلا يجوز تفريقها إلا بإذن الورثة كما سبق بيان ذلك.
(2)

قوله «وَالنَّظَرِ فِي أَمْرِ أَطْفَالِهِ»:

كأن يقول فلان وصي على أولادي الصغار من بنين وبنات فإنه يجوز ويكون هذا الوصي هو الناظر على أولاده فيقوم بمصالحهم من نفقة وكسوة وتربية وسكن ونحو ذلك، وهل يملك أن يوصي بتزويج بناته؟ على قولين: القول الأول: وهو المذهب 44 أنه يملك فيقول الوصي على تزويج بناتي فلان وإن كان لهم أخوة أشقاء فإنهم لا يزوجهن لأن ولاية النكاح تستفاد من الوصية.
القول الثاني: أنه لا يملك الموصي إليه أن يزوج بهذه الوصية، لأن ولاية النكاح مستقلة هي للإنسان ما دام حياً، فإذا مات انتقلت إلى من هو أولى شرعاً، وعلى ذلك يكون الراجح هو القول الأخير، فلا يصح أن يكون الموصي إليه ولياً في نكاح أحد بنات المتوفى اللهم إلا إذا كان الموصي قد أوصى أن يزوج بناته أخوهم الأكبر الشقيق فإنه يصح لأنه هو وليهن بعده إلا من =43

الجزء: 5 - الصفحة: 94

وَمَتَى وَصَّى إِلَيْهِ بِوِلايَةِ أَطْفَالِهِ أَوْ مَجَانِيْنِهِ، ثَبَتَ لَهُ وِلايَتُهُمْ (1)، وَيَنْفُذُ تَصَرُّفُهُ لَهُمْ بِمَا لَهُمْ فِيهِ الْحَظُّ مِنَ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ (2)،  = تزوجت وأتت بأبناء فأبناؤها أولياؤها.

  • فائدة: لا يصح أن يجعل الموصي إليه وصياً على البالغ الرشيد من أولاده وغيرهم من الورثة، وكذلك لا يصح الإيصاء إليه باستيفاء دينه مع بلوغ الوارث ورشده (1).

(1)

قوله «وَمَتَى وَصَّى إِلَيْهِ بِوِلايَةِ أَطْفَالِهِ أَوْ مَجَانِيْنِهِ، ثَبَتَ لَهُ وِلايَتُهُمْ»:

أي متى أوصى بأن يكون فلان وصياً على أولادي من بعدي وتوفرت فيه الشروط السابقة فإنه تثبت ولايته عليهم بعد موته، وقد سبق الكلام على ذلك.
(2)

قوله «وَيَنْفُذُ تَصَرُّفُهُ لَهُمْ بِمَا لَهُمْ فِيهِ الْحَظُّ مِنَ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ»:

فيبيع ويشتري بما فيه النفع للأطفال وذلك لنماء مالهم والمحافظة عليه لقوله تعالى ﴿وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ .. ﴾ 46. وقوله «بالأحظ» يخرج منه ما لا حظ فيه إطلاقاً، وما فيه حظ، لكن غيره أحظ منه، فالأقسام إذاً ثلاثة: الأول: أن يكون فيه حظ، لكن غيره أحظ.
مثاله: عرضت عليه سلعتان، أحدهما يؤمل أن تربح عشرين في المائة، والثانية يؤمل أن تربح أربعين في المائة، فيشتري التي تربح أربعين في المائة.
الثاني: ما لا حظ فيه مطلقاً.
مثاله: أن يشتري لهم سلعة يعلم أنها لن تزيد وليس في شرائها فائدة إنما اشتراها حياءً من صاحبها.45

الجزء: 5 - الصفحة: 95

وَقَبُوْلِ مَا يُوْهَبُ لَهُمْ (1)، وَالإِنْفَاقِ عَلَيْهِمْ (2)، وَعَلَى مَنْ تَلْزِمُهُمْ مَؤُوْنَتُهُ بِالْمَعْرُوْفِ (3)، وَالتِّجَارَةِ لَهُمْ، وَدَفْعِ أَمْوَالِهِمْ مُضَارَبَةً بِجُزْءٍ مِنَ الرِّبْحِ (4)، وَإِنِ اتَّجَرَ لَهُمْ، فَلَيْسَ لَهُ مِنَ الرِّبْحِ شَيْءٌ (5)،  الثالث: أن يكون التصرف هو الأحظ.
مثاله: كأن تعرض عليه سلعة يعلم أن في الاتجار فيها يحصل فيه ربح فهذا هو الأحظ.

(1)

قوله «وَقَبُوْلِ مَا يُوْهَبُ لَهُمْ»:

فإذا وهب إليهم أحداً هبة أو عطاءاً فإنه يأخذه ولا يرده لأنه ليس فيه مضرة عليهم.
(2)

قوله «وَالإِنْفَاقِ عَلَيْهِمْ»:

أي وينفق عليهم، وتكون النفقة عليهم بقدر الحاجة أي بلا إسراف ولا تقتير.
(3)

قوله «وَعَلَى مَنْ تَلْزِمُهُمْ مَؤُوْنَتُهُ بِالْمَعْرُوْفِ»:

وهم أقارب الموصي الفقراء ومواليه وغيرهم ينفق عليهم بالمعروف، أي بما عرف حسنه في الشرع، وهو كما سبق بلا إسراف ولا تقتير، أي بقدر الحاجة.
(4)

قوله «وَالتِّجَارَةِ لَهُمْ، وَدَفْعِ أَمْوَالِهِمْ مُضَارَبَةً بِجُزْءٍ مِنَ الرِّبْحِ»: أي ويتاجر الموصي إليه بمال القصر بما فيه نفع لهم، وقد جاء عن بعض الصحابة الأمر بذلك حتى لا تأكلها الصدقة، فالتجارة به والمضاربة بمال من الربح فيه حفظ لمال اليتيم.

وقوله «مُضَارَبَةً بِجُزْءٍ مِنَ الرِّبْحِ»: والمضاربة: هي دفع المال لمن يتجر به بجزء مشاع معلوم من الربح لأن هذا فيه مصلحتهم.

(5)

قوله «وَإِنِ اتَّجَرَ لَهُمْ، فَلَيْسَ لَهُ مِنَ الرِّبْحِ شَيْءٌ»:

أي وإن تاجر بأموال القُصَّر فربح فليس له من الربح شيء لأن هذا الربح نماء لهم والأصل أن الوصي يعمل للقاصرين محتسباً فليس له أجرة مقابل عمله، وكذلك لا =

الجزء: 5 - الصفحة: 96

وَلَهُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ مَالِهِمْ عِنْدَ حَاجَتِهِ بِقَدْرِ عَمَلِهِ وَلا غُرْمَ عَلَيْهِ (1)،  =يصح له أن يقرض لنفسه أجرة مقابل هذا العمل لأن استحقاق الأجرة يحتاج إلى عقد، ولا يصح له أن يعقد لنفسه.

(1)

قوله «وَلَهُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ مَالِهِمْ عِنْدَ حَاجَتِهِ بِقَدْرِ عَمَلِهِ وَلا غُرْمَ عَلَيْهِ»:

أي ويجوز للموصي إليه أن يأكل من أموال القُصَّر إذا احتاج لذلك ويكون أكله من أموالهم بقدر عمله فينظر كم يستحق من الأجرة على هذا العمل فيأخذ منه.
وقوله «وَلا غُرْمَ عَلَيْهِ» ولا يجب عليه أن يغرم ما أكله بالمعروف وهذا هو الصحيح، أما ما جاء عن بعض الصحابة أن الموصي إليه إذا أيسر يقضي ما أخذه من مال اليتيم فإن الروايات التي جاءت في ذلك الأظهر أنها لم تثبت.
ودليل ما ذكره المؤلف هنا: قوله تعالى ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافاً وَبِدَاراً أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كَانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيباً﴾ 47، ثبت عن عائشة رضي الله عنها في هذه الآية قالت: «أُنْزِلَتْ فِي وَالِى مَالِ الْيَتِيمِ الَّذِي يَقُومُ عَلَيْهِ وَيُصْلِحُهُ إِذَا كَانَ مُحْتَاجًا أَنْ يَأْكُلَ مِنْهُ» 48. وروى الإمام أحمد وغيره عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده «أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ لَيْسَ لِي مَالٌ وَلِي يَتِيمٌ فَقَالَ كُلْ مِنْ مَالِ يَتِيمِكَ غَيْرَ مُسْرِفٍ وَلَا مُبَذِّرٍ وَلَا مُتَأَثِّلٍ مَالًا وَمِنْ غَيْرِ أَنْ تَقِيَ مَالَكَ أَوْ قَالَ تَفْدِيَ مَالَكَ بِمَالِهِ» 49.=

الجزء: 5 - الصفحة: 97

وَلا يَأْكُلُ إِذَا كَانَ غَنِيًّا؛ لِقَوْلِ اللهِ تَعَالىَ: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيْرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوْفِ (1)، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُوْصِيْ بِمَا أُوْصِيَ إِلَيْهِ بِهِ (2)، وَلا أَنْ يَبِيْعَ وَيَشْتَرِيَ مِنْ مَالِهِمْ لِنَفْسِهِ (3)،  =فالحاصل أن الولي على مال اليتيم له أن يأكل منه إن كان فقيراً بقدر عمله وليس له أن يزيد على قدر حاجته، ولو كان عمله في مال اليتيم يستحق عليه أكثر من القدر الذي يحتاجه.

(1)

قوله «وَلا يَأْكُلُ إِذَا كَانَ غَنِيًّا؛ لِقَوْلِ اللهِ تَعَالىَ: {وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيْرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوْفِ﴾

(1): أي إن كان الموصي إليه غنياً غير محتاج لشيء من مال الصغار القصر فإنه لا يجوز له الأخذ من أموالهم إلا إذا كان قد فرض له الموصي شيئاً أو فرض له الحاكم أجرة بقدر عمله، فإنه يجوز له الأخذ لأن الوصي بمنزلة الوكيل، والوكالة تجوز بجُعل فكذلك الوصية.
(2)

قوله «وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُوْصِيْ بِمَا أُوْصِيَ إِلَيْهِ بِهِ»:

أي ليس للموصي إليه أن يوصي أحداً بأن يكون وصياً من بعده على أولاد الموصِي كأن يقول أنا إذا مت فليكن فلان وصي من بعدي على أولاد فلان الذين أنا وصي عليهم، فليس له حق التفويض لغيره وقول آخر في المسألة أنه يجوز له أن يوصي لأن الأب أقامه عليهم فيتصرف بما فيه مصلحتهم وهذا هو الأظهر.
(3)

قوله «وَلا أَنْ يَبِيْعَ وَيَشْتَرِيَ مِنْ مَالِهِمْ لِنَفْسِهِ»:

سبق أن تعرضنا لمثل هذه المسالة في باب الوكالة وقلنا بأنه ليس للوكيل أن يبيع من مال موكله لنفسه لأنه متهم وهذا ما رجحنا وكذلك نقول هنا لا يجوز للولي على الصغار القصر أن يبيع من مالهم لنفسه لأنه متهم بمحاباة نفسه فلم يصح تصرفه في=50

الجزء: 5 - الصفحة: 98

وَيَجُوْزُ لِلأَبِ ذلِكَ (1)، وَلا يَلِيْ مَالَ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُوْنِ إِلاَّ الأَبُ، أَوْ وَصِيُّهُ، أَوِ الْحَاكِمُ (2).  =ذلك كالوكيل، وقيل له ذلك إذا زالت التهمة عنه، قال شيخنا -رحمه الله- (1) والصحيح أنه إذا زالت التهمة فهو كغيره، هذا من حيث النظر، أما من حيث العمل - ولا سيما في زماننا - فينبغي أن يمنع الوكيل أو الوصي مطلقاً من أن يصرف الشيء إلى نفسه، أو إلى أحد من ذريته، من ذكور أو إناث، والعلة هي التهمة، ألا يحرص على أن يضع هذا الشيء موضعه، وذكرنا أنه إذا زالت التهمة بأن أخرج الوكيل الشيء بالمزاد العلني، ووقف عليه فالمذهب لا يصح، حتى في هذه الحال - التي هي بعيدة عن التهمة يقولون: لا يصح سداً للباب، وهذا القول من الناحية التربوية أحسن من القول بأنه يجوز أن يأخذه لأننا إذا قدرنا أن واحد في المائة زال الوصف في حقه وهو التهمة فغيره لم يزول.

(1)

قوله «وَيَجُوْزُ لِلأَبِ ذلِكَ»:

أي ويجوز أن يبيع الأب ويشتري من مال أولاده لنفسه دون غيره لأنه غير متهم في حق أولاده.
(2)

قوله «وَلا يَلِيْ مَالَ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُوْنِ إِلاَّ الأَبُ، أَوْ وَصِيُّهُ، أَوِ الْحَاكِمُ»:

ذكر المؤلف هنا الترتيب فيمن يكون له حق الولاية على الصغار القُصَّر والمجانين، فأولهم الأب لكمال شفقته عليهم وحسن نظره فيما فيه النفع لهم ثم يليه وصي الأب لأنه يقوم مقامه، ثم يليه الحاكم لأن ولايته عامة، وقال بعض أهل العلم أن أقارب هؤلاء الصغار القُصَّر لهم ولاية على أموالهم فأولهم الجد ثم الأم والعصبات.
=51

الجزء: 5 - الصفحة: 99

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =قال شيخنا -رحمه الله- 52 عند قول المؤلف «أَوْ وَصِيُّهُ، أَوِ الْحَاكِمُ»، وهذا فيه نظر لأن أولى الناس بهم جدهم أو أخوهم الكبير أو عمهم، فهو أرفق الناس بهم، فكيف نجعل الولاية لإنسان بعيد.
وهذا هو الصحيح، وطريق ذلك كما قال شيخنا -رحمه الله-، بأن يذهب الجد إلى الحاكم ويطلب أن يكون ولياً عليهم، والحاكم إذا رأى أن هذا أهل للولاية ولاه.

الجزء: 5 - الصفحة: 100

فَصْلٌ فِي الرُّشْدِ وَالْحَجْرِ

(1) وَلِوَلِيِّهِمْ أَنْ يَأْذَنَ لِلْمُمَيِّزِ مِنَ الصِّبْيَانِ فِي التَّصَرُّفِ؛ لِيَخْتَبِرَ رُشْدَهُ (2)، وَالرُّشْدُ: الصَّلاحُ فِي الْمَالِ (3)،  الشرح:

(1)

قوله «فَصْلٌ فِي الرُّشْدِ وَالْحَجْرِ»:

سبق بيان جملة من الأحكام المتعلقة بهذا الفصل، وبعض الأحكام المتعلقة بالحجر على السفيه والصبي والمجنون في آخر باب أحكام الدين فالتراجع.
(2)

قوله «وَلِوَلِيِّهِمْ أَنْ يَأْذَنَ لِلْمُمَيِّزِ مِنَ الصِّبْيَانِ فِي التَّصَرُّفِ؛ لِيَخْتَبِرَ رُشْدَهُ»:

ذكر المؤلف هنا بعض الأحكام التي ينفك بها الحجر عن الصبيان القصر، فمتى بلغ الصبي رشداً انفك الحجر عنه، ولا يكون ذلك إلا بعد الاختبار لقوله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ .. ﴾ (1)، أي اختبروا اليتامى في التصرف بما لهم قبل البلوغ، ليتمرنوا على التصرف ويتهيئوا لدفع الأموال إليهم، فإذا بلغوا وعلم الرشد منهم وجب دفع أموالهم إليهم.
(3)

قوله «وَالرُّشْدُ: الصَّلاحُ فِي الْمَالِ»:

الرشد عرفه المؤلف هنا: بأنه الصلاح في المال؛ أي إحسان التصرف في المال وعدم التبذير فيه، ووضعه في مواضعه وهذا معنى الرشد، فمتى تصرف في ماله تصرفاً حسناً فباع واشترى ولم يُغْبن غبناً فاحشاً، ولم يبذل ماله في حرام، أو بذله فيما له فائدة فيه من الأشياء المباحة في ذاتها فهو رشيد.
أما إن كان فيه فسقاً يتعلق بأمور الدين خاصة فلا يجب الحجر عليه، ولذا قال المؤلف «الصَّلاحُ فِي الْمَالِ» ولم يقل الصلاح في الدين.53

الجزء: 5 - الصفحة: 101

فَمَنْ آنَسَ رُشْدَهُ دَفَعَ إِلَيْهِ مَالَهُ إِذَا بَلَغَ (1)،  (1)

قوله «فَمَنْ آنَسَ رُشْدَهُ دَفَعَ إِلَيْهِ مَالَهُ إِذَا بَلَغَ»:

تكلمنا فيما سبق ع

ما يحصل به البلوغ للذكر والأنثى،

وقلنا بأنه يحصل للذكر بواحد من ثلاثة أمور: 1 - إنزال المني بجماع أو احتلام أو غير ذلك: وهذا بإجماع أهل العلم 54. 2 - نبات الشعر الخشن حول القبل: وهذا محل خلاف بين الفقهاء، فمالك والشافعي في قول عنه وأحمد في المشهور عنه، وهو قول إسحاق وابن حزم 55 أن إنبات الشعر الخشن حول ذكر الرجل وفرج المرأة علامة على البلوغ، وفي رواية للإمام أحمد وهو قول أبي حنيفة وقول للشافعي 56 أنه لا يحصل البلوغ بذلك، قلت: والصحيح هو القول الأول، لكن لابد أن يكون ذلك مقيداً بأن يكون الإنبات بدون علاج ولا أدوية تؤخذ له، كأن يدهن بما ينبت الشعر ونحو ذلك، فإن انبت بعلاج فلم يحكم ببلوغه.
3 - تمام خمس عشرة سنة: هذا هو العلامة الثانية للبلوغ، وهو مذهب الشافعية 57، والحنابلة 58، ورواية عن أبي حنيفة 59، واحتجوا لذلك بما ثبت عن ابن عمر - رضي الله عنه - أنه قال «عرضني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم أحد للقتال وأنا ابن أربع عشرة سنة لم يجزني وعرضني يوم الخندق وأنا ابن خمس عشرة سنة فأجازني -صلى الله عليه وسلم- 60. قالوا: ولأن العادة الفاشية والغالبة أن الاحتلام والحيض =

الجزء: 5 - الصفحة: 102

وَأَشْهَدَ عَلَيْهِ (1)،  = يكونان في هذا السن، ولا يتأخر عنه إلا القليل والعبرة بالعام والغالب لا بالقليل.
وذهب ابن حزم (1) وبعض أهل العلم أنه لا دليل على أن البلوغ يكون بالسن الخامسة عشرة، قال ابن حزم «وأما من جعل كمال خمسة عشر عاماً بلوغاً، وإن لم يكن هناك حيض ولا احتلام ولا إنبات فقوله لا دليل عليه».
قلت والراجح عندي: هو ما ذهب إليه جمهور الفقهاء، وهو اختيار شيخنا -رحمه الله- (2). 4 - وهو زيادة على ما ذكرنا «الحيض والحمل» بالنسبة للجارية، وهو مجمع عليه عند أهل العلم لقوله - صلى الله عليه وسلم - «لا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلاةَ حَائِضٍ إِلاَّ بِخِمَارٍ» (3)، والمراد بالحائض البالغة، ووجه الدلالة من الحديث: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - علق قبول صلاة الحائض بالخمار، فدل على اعتبار الحيض علامة على البلوغ، أما الحمل فإن المرأة إذا حملت حكم ببلوغها، لأن الله تعالى أجرى العادة أن الولد لا يخلق إلا من ماء الرجل وماء المرأة فحملها دليل على إنزالها، والإنزال علامة على البلوغ.

(1)

قوله «وَأَشْهَدَ عَلَيْهِ»:

أي إذا دفع إليه ماله أشهد على دفعه لقوله تعالى ﴿فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيباً﴾ 64 وعلى ذلك يكون دفع المال إلى الصبي بأمور ثلاثة:616263

الجزء: 5 - الصفحة: 103

ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى (1)، فَإِنْ عَاوَدَ السَّفَهَ، أُعِيْدَ عَلَيْهِ الْحَجْرُ (2)، وَلا يَنْظُرُ فِي مَالِهِ إِلاَّ الْحَاكِمُ (3)، وَلا يَنْفَكُّ الْحَجْرُ عَنْهُ إِلاَّ بِحُكْمِهِ (4)،  1 - الصلاح في المال.
2 - البلوغ.
3 - الإشهاد على الدفع.

(1)

قوله «ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى»:

أي متى تحقق في الصغير الأمور السابقة فإنه يدفع إليه ماله سواء كان ذكراً أو أنثى لعموم قوله تعالى ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً .. ﴾ (1)، فهي لم تفرق بين الذكر والأنثى في دفع المال إليه، وعلى ذلك ما يفعله بعض الناس من الإمساك على مال البنت إلى حين زواجها أو إلى ما بعد زواجها هذا خطأ، بل متى تحقق في البنت الرشد والبلوغ وحسن التصرف في مالها فإنه يدفعه إليها.
(2)

قوله «فَإِنْ عَاوَدَ السَّفَهَ، أُعِيْدَ عَلَيْهِ الْحَجْرُ»:

أي إن أعطى الصغير ماله لتحقق الشروط فيه يدفع المال إليه ثم لما أعطاه المال عاد إليه السفه فأصبح يبذر في المال وينفقه فيما لا فائدة فيه ويسرف في إنفاقه وغير ذلك فإنه يعاود الحجر عليه مرة ثانية.
(3)

قوله «وَلا يَنْظُرُ فِي مَالِهِ إِلاَّ الْحَاكِمُ»:

أو من يقوم مقامه كأمير البلد أو قاضيها فإنهم ينظرون في أموال اليتامى بما فيه مصلحة لهم، فإذا وجدوا أن الموصي إليه فرط في أموالهم ولم يحفظها حفظاً جيداً أو أخذها لنفسه فإن القاضي أو الأمير أو الحاكم ينزع الوصاية منه أو يضيف إليه وصي آخر كما سبق.
(4)

قوله «وَلا يَنْفَكُّ الْحَجْرُ عَنْهُ إِلاَّ بِحُكْمِهِ»:

أي إلا بحكم الحاكم أو القاضي أو الوالي أو الأمير وهكذا فمتى رشد وبلغ وأصبح ممن يصح دفع المال إليه=65

الجزء: 5 - الصفحة: 104

وَلا يُقْبَلُ إِقْرَارُهُ فِي الْمَالِ (1)، وَيُقْبَلُ فِي الْحُدُوْدِ وَالْقِصَاصِ وَالطَّلاقِ (2)، وَإِنْ طَلَّقَ أَوْ أَعْتَقَ، نَفَذَ طَلاقُهُ دُوْنَ إِعْتَاقِهِ (3).  =يذهب به وصيه إلى الحاكم أو من يقوم مقامه ليفك الحجر عنه ويعطيه ماله مع الإشهاد عليه كما سبق.
وقيل: بل متى بلغ الصبي أو عقل فإنه يدفع إليه ماله بغير حكم حاكم لأنه ثبت الحجر بغير حكمه، فزال لزوال موجبه بغير حكمه، والراجح عندي هو القول الأول.

(1)

قوله «وَلا يُقْبَلُ إِقْرَارُهُ فِي الْمَالِ»:

أي لا يقبل إقرار الصبي في المال بمعنى أنه إن ادعى أن بعض الناس يطالبه بدين فإنه لم يقبل قوله وهو على هذه الحال أي حال الحجر عليه، لكن لصاحب الدين أن يطالبه بهذا الدين بعد فك الحجر عنه.
(2)

قوله «وَيُقْبَلُ فِي الْحُدُوْدِ وَالْقِصَاصِ وَالطَّلاقِ»:

أي أما في هذه المذكورات وهي الحدود كأن يرتكب معصية توجب عليه حداً أو قصاصاً أو طلاقاً فإن إقراره يقبل في ذلك لأن الحجر عليه إنما كان من أجل حفظ ماله، وهو غير متهم مع إقراره على نفسه بهذه الأمور، فيقبل إقراره فيها.
قال ابن المنذر (1) أجمع كل من تحفظ عنه من أهل العلم أن إقرار المحجور عليه على نفسه جائز إذا كان إقراره بزنا أو سرقة أو شربه خمر أو قذف أو قتل، وأن الحدود تقام عليه، وذلك أنه غير متهم في حق نفسه.

(3)

قوله «وَإِنْ طَلَّقَ أَوْ أَعْتَقَ، نَفَذَ طَلاقُهُ دُوْنَ إِعْتَاقِهِ»:

وذلك لأنه كما سبق أن تصرفاته في حقوق أمواله لا يجوز قبل انفكاك الحجر وتصرفه في الإعتاق =66

الجزء: 5 - الصفحة: 105

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  = نوع من التصرف في المال فهنا لا ينفذ عتقه، بخلاف الطلاق فليس فيه تصرف في المال وهذا أحد القولين في المسألة.
وفي قول آخر أنه إن أعتق نفذ عتقه لأنه عتق من مال مكلف أشبه الرهن.
قلت والأظهر عندي هو المذهب.

ذكر بعض الفوائد

:

  • الفائدة الأولى: من أعطى هؤلاء «السفيه - الصغير - المجنون» ماله بيعاً أو قرضاً رجع بعينه وإن أتلفوه لم يضمنوا.
    مثال ذلك: رجل باع على سفيه ساعة ثم أتلفها فهنا نقول إن أخذ ثمنها من السفيه وجب عليه رده, ولا يضمنها السفيه إن أتلفها لأن الرجل هو الذي سلطه على ماله وهكذا في هؤلاء الثلاث.
  • الفائدة الثانية: يلزم هؤلاء أرش الجناية وضمان مال من لم يدفعه إليهم فلو أن هؤلاء الثلاثة اعتدوا على شاة إنسان فكسروها ألزمهم أرش الجناية، ولو اعتدوا على صاحب هذه الشاة فكسروا يده لزمهم أرش الجناية، لأن حق الآدمي لا يفرق فيه بين المكلف وغير المكلف.
    وكذلك يضمنون مال من لم يدفعه إليهم، فإن لم يكن عندهم مال لا يؤخذ من وليهم، لكن يبقى في ذممهم حتى يكبروا ويتوظفوا أو يتجروا ويؤخذ منهم.
  • الفائدة الثالثة: ولي هؤلاء «المحجور عليهم لحظهم» هو الأب ثم وصي الأب وهو من أوصى أنه بعده ثم الحاكم ثم القاضي وهذا هو المذهب 67.=

الجزء: 5 - الصفحة: 106

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =والصحيح عندي: أن الولاية تكون لأولى الناس لهؤلاء، فهي للأب، فإن عدم فالجد، فإن عدم فالأخ الكبير، وهكذا.
ولو كانت الأم إذا كانت رشيدة لأن المقصود حماية هؤلاء، فإذا وجد من يقوم بحمايتهم من أقاربهم فهو أولى من غيره.

الفائدة الرابعة: لا يجوز لولي اليتيم أن يأكل من ماله إلا عند الحاجة

لقوله تعالى ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (1)، والمعروف ما جرى به العرف من غير إسراف ولا تقتير.
وقال أهل العلم: المعروف هو الأقل من كفايته أو أجرة مثله ولا يلزم الولي عند أكله من ماله بالمعروف العوض إذا أيسر.

- الفائدة الخامسة: في حكم تعدد الأوصياء:

يجوز أن يجعل الموصي أكثر من موصي إليه لا سيما إذا كان فيه مصلحة ظاهرة كأن يجعل أحد الأوصياء على العقار، والأخر على سائر المال أو أحدهما على الأولاد والثاني على المال وهكذا.

- الفائدة السادسة: إذا أوصى لشخص ثم أوصى بالشيء نفسه لشخص آخر:

فهنا قيل يشتركان، وقيل بل تكون للثاني وتلغى الوصية الأولى، وهذا هو الأولى، وهو ما يميل إليه شيخنا، وقد سبق بيان ذلك.

الفائدة السابعة: إذا فوضه أن يصرفه فيما يراه

: لم يجز أن يصرفه على نفسه ولا على أولاده وأصوله.

  • الفائدة الثامنة: ينقسم الحجر إلى قسمين: قسم لمصلحة المحجور عليه، =68

الجزء: 5 - الصفحة: 107

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =كالحجر على المجنون والسفيه والصغير مطلقاً لأموالهم.
وقسم لحظ غيره كحجر المدين المفلس لصالح غرمائه وحجر الرهن لحق المرتهن في العين المرهونة وحق المريض مرض الموت لحق الورثة فيما زاد على ثلث التركة حيث لا دين وحجر الرقيق لحق سيده.

  • الفائدة التاسعة: الصغير يحجر عليه حتى يبلغ ويكون البلوغ كما ذكرنا سابقاً بالإنبات والإنزال وتمام خمس عشرة سنة في أصح قولي العلماء، وقيل سبعة عشر سنة، وقيل ثمانية عشر سنة، وتزيد الأنثى بالحيض.
  • الفائدة العاشرة: الرشد هو البصيرة المالية التي يكون بها الشخص حسن التصرف بالمال وبهذا يقول الجمهور 69 وقال الشافعي 70 إن الرشد هو صلاح في الدين والمال ولا يعتبر الإنسان رشيداً بمجرد البلوغ بل لابد من ثبوت الرشد بعد الاختبار.
  • الفائدة الحادية عشر: تصرفات الصبي على ثلاثة أقسام: 1 - تصرف نفع محض كأن يوهب أحد للصبي مالاً فلا ينبغي للولي أن يمنعه.
    2 - تصرف غير محض مثل أن يريد الصبي إتلاف ماله فللولي أن يمنعه.
    3 - تصرف يدور بين النفع والضر, كالبيع والشراء فهذا حسب الواقع فإن كان صالحاً فللولي أن يمضي ببيعه وشرائه وإن كان غير ذلك فله منعه.

الجزء: 5 - الصفحة: 108

فَصْلٌ فِي الْعَبْدِ الْمَأْذُوْنِ

(1) وَإِذَا أَذِنَ السَّيِّدُ لِعَبْدِهِ فِي التِّجَارَةِ، صَحَّ بَيْعُهُ وَشِرَاؤُهُ وَإِقْرَارُهُ (2)، وَلا يَنْفُذُ تَصَرُّفُهُ إِلاَّ فِيْ قَدْرِ مَا أَذِنَ لَهُ فِيهِ (3)، وَإِنْ رَآهُ سَيِّدُهُ يَتَصَرَّفُ فَلَمْ يَنْهَهُ، لَمْ يَصِرْ بِهَذَا مَأْذُوْنًا لَهُ (4).  الشرح:

(1)

قوله «فَصْلٌ فِي الْعَبْدِ الْمَأْذُوْنِ»:

العبد المأذون هو من أجاز سيده بأن يعمل له في ماله، وهذا العبد تصرفه في مال سيده له أحكام تخصه فمن ذلك ما ذكره المؤلف هنا بقوله.
(2)

قوله «وَإِذَا أَذِنَ السَّيِّدُ لِعَبْدِهِ فِي التِّجَارَةِ، صَحَّ بَيْعُهُ وَشِرَاؤُهُ وَإِقْرَارُهُ»:

أي إذا أذن السيد لعبد من عبيده بأن يتاجر في سلعة فإن بيعه يصح، وكذا شراءه وكذلك إقرار السيد، كأن يبيع العبد سلعة فيقره سيده على بيعها بإقراره، والإقرار إما أن يكون بالقول، فيقول له أحسنت في بيعها أو لا بأس ونحو ذلك من العبارات التي تدل على الإقرار، أو يكون إقراراً بالسكوت فيسكت على بيع عبده للسلعة.
(3)

قوله «وَلا يَنْفُذُ تَصَرُّفُهُ إِلاَّ فِيْ قَدْرِ مَا أَذِنَ لَهُ فِيهِ»:

أي لا يتصرف العبد بشيء أذن له فيه إلا بالقدر الذي أذن له سيده ولا يزد على ذلك.
(4) قوله «وَإِنْ رَآهُ سَيِّدُهُ يَتَصَرَّفُ فَلَمْ يَنْهَهُ، لَمْ يَصِرْ بِهَذَا مَأْذُوْنًا لَهُ»: وقيل بل يكون مأذوناً له لأن سكوته رضاً بصنيعه بل سكوته بمثابة الإقرار لتصرفه، قلت: والأول أولى.

الجزء: 5 - الصفحة: 109

كِتابُ الْفَرَائِضِ (1) وَهِيَ قِسْمَةُ الْمِيْرَاثِ (2)،  الشرح:

(1)

قوله «كِتابُ الْفَرَائِضِ»:

الفرائض لغة: جمع فريضة بمعنى الشيء الموجب المقطوع،

والمقصود بعلم الفرائض

فهمها وفقهها، أما حسابها فهو وسيلة محضة تسلك عند الحاجة إليها.
أما موضوع هذا العلم فهو التركات، وفائدته هو إيصال نصيب كل وارث إليه.
أما حكمه: فهو فرض كفاية إذا قام به من يكفي سقط الفرض عن بقية الناس.
وقول المؤلف -رحمه الله- «كِتابُ الْفَرَائِضِ» ترجم له المؤلف بالكتاب، وذلك لأن علم الفرائض جنس مستقل بنفسه فهو لا علاقة له بما قبله ولا علاقة له بما بعده لأنه علم يختص بالمواريث.
وقول المؤلف «الْفَرَائِضِ» ولم يقل المواريث لأن الفرائض هي الأصل لقوله - صلى الله عليه وسلم - «أَلْحِقُوا الْفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا فَمَا بَقِيَ فَهْوَ لأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ» (1)، وإلا فلو عبر عنه بكتاب المواريث كما عبر به غيره من العلماء لكان أولى لأن المواريث أعم، فهي تشمل أصحاب الفرائض والتعصيب والرحم.

(2)

قوله «وَهِيَ قِسْمَةُ الْمِيْرَاثِ»:

هذا هو تعريف الفرائض وهو قسمة المواريث، وقد تولى الله سبحانه وتعالى قسمتها وحددها فلا مجال فيها للاجتهاد، =71

فصول الكتاب · 25 فصل
فصول وبل الغمامة في شرح عمدة الفقه لابن قدامة
المقدمةالمقدمةكِتَابُ الصَّلاةِكتاب الجنائزكِتَابُ الزَّكَاةِكِتَابُ الصِّيَامِكتاب الحجكِتَابُ الْبَيْعِكِتَابُ الْوَقْفِكِتَابُ الْوَصَايَا
قوله «كِتَابُ الْوَصَايَا»:الفائدة الرابعة: في أركان الوصيةقوله «وَيُسْتَحَبُّ لِمَنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ بِخُمُسِ مَالِهِ»:قوله «وَتَصِحُّ الْوَصِيَّةُ وَالتَّدْبِيْرُ»:قوله «مِنْ كُلِّ مَنْ تَصِحُّ هِبَتُهُ»:قوله «وَمِنَ الصَّبِيِّ الْعَاقِلِ»:قوله «وَالْمَحْجُوْرِ عَلَيْهِ لَسَفَهِهِ»:قوله «وَلِكُلِّ مَنْ تَصِحُّ الْهِبَةُ لَهُ»:قوله «وَلِلْحَمْلِ إِذَا عُلِمَ أَنَّهُ كَانَ مَوْجُوْدًا حِيْنَ الْوَصِيَّةِ لَهُ»:قوله «وَتَصِحُّ بِكُلِّ مَا فِيهِ نَفْعٌ مُبَاحٌ»:هل تصح الوصية بالمنافعقوله «كَكَلْبِ الصَّيْدِ وَالْغَنَمِ»:قوله «وَمَا فِيهِ نَفْعٌ مِنَ النَّجَاسَاتِ»:قوله «وَبِالْمَعْدُوْمِ، كَالَّذِيْ تَحْمِلُ أَمَتُهُ أَوْ شَجَرَتُهُ»:قوله «وَبِمَا لا يَقْدِرُ عَلَى تَسْلِيْمِهِ، كَالطَّيْرِ فِي الْهَوَاءِ وَالسَّمَكِ فِي الْمَاءِ»:قوله «وَبِمَا لا يَمْلِكُهُ، كَمِئَةِ دِرْهَمٍ لا يَمْلِكُهَا»:قوله «وَبِغَيْرِ مُعَيَّنٍ، كَعَبْدٍ مِنْ عَبِيْدِهِ»:قوله «وَيُعْطِيْهِ الْوَرَثَةُ مِنْهُمْ مَا شَاؤُوْا»:قوله «وَبِالْمَجْهُوْلِ كَحَظٍّ مِنْ مَالِهِ، أَوْ جُزْءٍ، وَيُعْطِيْهِ الْوَرَثَةُ مَا شَاؤُوْا»:قوله «وَإِنْ وَصَّى لَهُ بِمِثْلِ نَصِيْبِ أَحَدِ وَرَثَتِهِ، فَلَهُ مِثْلُ أَقَلِّهِمْ نَصِيْبًا، يُزَادُ عَلَى الْفَرِيْضَةِ»:قوله «وَلَوْ خَلَّفَ ثَلاثَةَ بَنِيْنَ وَوَصَّى بِمِثْلِ نَصِيْبِ أَحَدِهِمْ، فَلَهُ الرُّبُعُ»:قوله «وَلَوْ وَصَّى بِمِثْلِ نَصِيْبِ أَحَدِهِمْ، وَلآخَرَ بِسُدُسِ بَاقِي الْمالِ، جَعَلْتَ صَاحِبَ سُدُسِ الْبَاقِيْ كَذِيْ فَرْضٍ لَهُ السُّدُسُ، وَصَحَّحْتَهَا كَالَّتِيْ قَبْلَهَا»:قوله «وَإِنْ زَادَ الْبَنُوْنَ عَلَى ثَلاثَةٍ، زِدْتَ صَاحِبَ سُدُسِ الْبَاقِيْ بِقَدْرِ زِيَادَتِهِمْ، فَإِذَا كَانُوْا أَرْبَعَةً، أَعْطَيْتَهُ مِمَّا صَحَّتْ مِنْهُ الْمَسْأَلَةُ سَهْمَيْنِ»:قوله «وَإِنْ كَانُوْا خَمْسَةً، فَلَهُ ثَلاثَةٌ»:قوله «وَإِنْ كَانَتِ الْوَصِيَّةُ بِثُلُثِ بَاقِيْ الرُّبُعِ وَالْبَنُوْنَ أَرْبَعَةٌ، فَلَهُ سَهْمٌ وَاحِدٌ»:قوله «وَإِنْ وَصَّى بِضِعْفِ نَصِيْبِ وَارِثٍ أَوْ ضِعْفَيْهِ، فَلَهُ مِثْلا نَصِيْبِهِ وَثَلاثَةُ أَضْعَافِهِ وَثَلاثَةُ أَمْثالِهِ»:قوله «وَإِنْ وَصَّى بِجُزْءِ مُشَاعٍ، كَثُلُثٍ أَوْ رُبُعٍ، أَخَذْتَهُ مِنْ مَخْرَجِهِ، وَقَسَمْتَ الْبَاقِيْ عَلَى الْوَرَثَةِ»:قوله «فَإِنْ وَصَّى بِجُزْأَيْنِ كَثُلُثٍ وَرُبُعٍ، أَخَذْتَهُمَا مِنْ مَخْرَجِهِمَا، وَهُوَ اثْنَا عَشَرَ وَقَسَمْتَ الْبَاقِيْ عَلَى الْوَرَثَةِ»:قوله «فَإِنْ رَدُّوْا، جَعَلْتَ سِهَامَ الْوَصِيَّةِ ثُلُثَ الْمَالِ، وَلِلْوَرَثَةِ ضِعْفُ ذلِكَ»:قوله «وَإِنْ وَصَّى بِمُعَيَّنٍ مِنْ مَالِهِ، فَلَمْ يَخْرُجْ مِنَ الثُّلُثِ، فَلِلْمُوْصَى لَهُ قَدْرُ الثُّلُثِ إِلاَّ أَنْ يُجِيْزَ الْوَرَثَةُ»:قوله «وَلَوْ وَصَّى بِمُعَيَّنٍ لِرَجُلٍ، ثُمَّ أَوْصَى بِهِ لآخَرَ»:قوله «أَوْ أَوْصَى بِهِ إِلَى رَجُلٍ ثُمَّ أَوْصَى إِلَى آخَرَ، فَهُوَ بَيْنَهُمَا»:قوله «وَإِنْ قَالَ: مَا أَوْصَيْتُ بِهِ لِلأَوَّلِ، فَهُوَ لِلثَّانِيْ، بَطَلَتْ وَصِيَّةُ الأَوَّلِ»:فَصْلٌ فِيْ بُطْلانِ الْوَصِيَّةِقوله «فَصْلٌ فِيْ بُطْلانِ الْوَصِيَّةِ»:قوله «إِذَا بَطَلَتِ الْوَصِيَّةُ أَوْ بَعْضُهَا»:قوله «رَجَعَ إِلَى الْوَرَثَةِ»:قوله «فَلَوْ وَصَّى أَنْ يُشْتَرَى عَبْدُ زَيْدٍ بِمِائَةٍ فَيُعْتَقُ، فَمَاتَ، أَوْ لَمْ يَبِعْهُ سَيِّدُهُ، فَالْمِئَةُ لِلْوَرَثَةِ»:قوله «وَإِنْ وَصَّى بِمِئَةٍ تُنْفَقُ عَلَى فَرَسٍ حَبِيْسٍ، فَمَاتَ، فَهِيَ لِلْوَرَثَةِ»:قوله «وَلَوْ وَصَّى أَنْ يَحُجَّ عَنْهُ زَيْدٌ بِأَلْفٍ فَلَمْ يَحُجَّ، فَهِيَ لِلْوَرَثَةِ»:ذكر بعض الفوائد- الفائدة الأولى: إذا قال: أوصيت أن يحج عني حجة بألفقوله «وَإِنْ قَالَ الْمُوْصَى لَهُ: أَعْطُوْنِيْ الزَّائِدَ عَلَى نَفَقَةِ الْحَجِّ، لَمْ يُعْطَ شَيْئاً»:قوله «وَلَوْ مَاتَ الْمُوْصَى لَهُ قَبْلَ مَوْتِ الْمُوْصِيْ أَوْ رَدَّ الْوَصِيَّةَ، رُدَّ إِلَى الْوَرَثَةِ»:قوله «وَلَوْ وَصَّى لِحَيٍّ وَمَيِّتٍ، فَلِلْحَيِّ نِصْفُ الْوَصِيَّةِ»:قوله «وَإِنْ وَصَّى لِوَارِثِهِ وَأَجْنَبِيٍّ بِثُلُثِ مَالِهِ، فَلِلأَجْنَبِيِّ السُّدُسُ»:قوله «وَيَقِفُ سُدُسُ الْوَارِثِ عَلَى الإِجَازَةِ»:ذكر بعض الفوائد المتعلقة بالوصايابَابُ الْمُوْصَى إِلَيْهِقوله «بَابُ الْمُوْصَى إِلَيْهِ»:قوله «تَجُوْزُ الْوَصِيَّةُ إِلَى كُلِّ مُسْلِمٍ، عَاقِلٍ، عَدْلٍ»:قوله «مِنَ الذُكُوْرِ وَالإِنَاثِ»:قوله «بِمَا يَجُوْزُ لِلْمُوْصِيْ فِعْلُهُ»:قوله «مِنْ قَضَاءِ دَيْنِهِ»:قوله «وَتَفْرِيْقِ وَصِيَّتِهِ»:قوله «وَالنَّظَرِ فِي أَمْرِ أَطْفَالِهِ»:قوله «وَمَتَى وَصَّى إِلَيْهِ بِوِلايَةِ أَطْفَالِهِ أَوْ مَجَانِيْنِهِ، ثَبَتَ لَهُ وِلايَتُهُمْ»:قوله «وَيَنْفُذُ تَصَرُّفُهُ لَهُمْ بِمَا لَهُمْ فِيهِ الْحَظُّ مِنَ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ»:قوله «وَقَبُوْلِ مَا يُوْهَبُ لَهُمْ»:قوله «وَالإِنْفَاقِ عَلَيْهِمْ»:قوله «وَعَلَى مَنْ تَلْزِمُهُمْ مَؤُوْنَتُهُ بِالْمَعْرُوْفِ»:قوله «وَالتِّجَارَةِ لَهُمْ، وَدَفْعِ أَمْوَالِهِمْ مُضَارَبَةً بِجُزْءٍ مِنَ الرِّبْحِ»: أي ويتاجر الموصي إليه بمال القصر بما فيه نفع لهم، وقد جاء عن بعض الصحابة الأمر بذلك حتى لا تأكلها الصدقة، فالتجارة به والمضاربة بمال من الربح فيه حفظ لمال اليتيم.قوله «وَإِنِ اتَّجَرَ لَهُمْ، فَلَيْسَ لَهُ مِنَ الرِّبْحِ شَيْءٌ»:قوله «وَلَهُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ مَالِهِمْ عِنْدَ حَاجَتِهِ بِقَدْرِ عَمَلِهِ وَلا غُرْمَ عَلَيْهِ»:قوله «وَلا يَأْكُلُ إِذَا كَانَ غَنِيًّا؛ لِقَوْلِ اللهِ تَعَالىَ: {وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيْرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوْفِ﴾قوله «وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُوْصِيْ بِمَا أُوْصِيَ إِلَيْهِ بِهِ»:قوله «وَلا أَنْ يَبِيْعَ وَيَشْتَرِيَ مِنْ مَالِهِمْ لِنَفْسِهِ»:قوله «وَيَجُوْزُ لِلأَبِ ذلِكَ»:قوله «وَلا يَلِيْ مَالَ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُوْنِ إِلاَّ الأَبُ، أَوْ وَصِيُّهُ، أَوِ الْحَاكِمُ»:فَصْلٌ فِي الرُّشْدِ وَالْحَجْرِقوله «فَصْلٌ فِي الرُّشْدِ وَالْحَجْرِ»:قوله «وَلِوَلِيِّهِمْ أَنْ يَأْذَنَ لِلْمُمَيِّزِ مِنَ الصِّبْيَانِ فِي التَّصَرُّفِ؛ لِيَخْتَبِرَ رُشْدَهُ»:قوله «وَالرُّشْدُ: الصَّلاحُ فِي الْمَالِ»:قوله «فَمَنْ آنَسَ رُشْدَهُ دَفَعَ إِلَيْهِ مَالَهُ إِذَا بَلَغَ»:ما يحصل به البلوغ للذكر والأنثى،قوله «وَأَشْهَدَ عَلَيْهِ»:قوله «ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى»:قوله «فَإِنْ عَاوَدَ السَّفَهَ، أُعِيْدَ عَلَيْهِ الْحَجْرُ»:قوله «وَلا يَنْظُرُ فِي مَالِهِ إِلاَّ الْحَاكِمُ»:قوله «وَلا يَنْفَكُّ الْحَجْرُ عَنْهُ إِلاَّ بِحُكْمِهِ»:قوله «وَلا يُقْبَلُ إِقْرَارُهُ فِي الْمَالِ»:قوله «وَيُقْبَلُ فِي الْحُدُوْدِ وَالْقِصَاصِ وَالطَّلاقِ»:قوله «وَإِنْ طَلَّقَ أَوْ أَعْتَقَ، نَفَذَ طَلاقُهُ دُوْنَ إِعْتَاقِهِ»:ذكر بعض الفوائدالفائدة الرابعة: لا يجوز لولي اليتيم أن يأكل من ماله إلا عند الحاجة- الفائدة الخامسة: في حكم تعدد الأوصياء:- الفائدة السادسة: إذا أوصى لشخص ثم أوصى بالشيء نفسه لشخص آخر:الفائدة السابعة: إذا فوضه أن يصرفه فيما يراهفَصْلٌ فِي الْعَبْدِ الْمَأْذُوْنِقوله «فَصْلٌ فِي الْعَبْدِ الْمَأْذُوْنِ»:قوله «وَإِذَا أَذِنَ السَّيِّدُ لِعَبْدِهِ فِي التِّجَارَةِ، صَحَّ بَيْعُهُ وَشِرَاؤُهُ وَإِقْرَارُهُ»:قوله «وَلا يَنْفُذُ تَصَرُّفُهُ إِلاَّ فِيْ قَدْرِ مَا أَذِنَ لَهُ فِيهِ»:قوله «كِتابُ الْفَرَائِضِ»:والمقصود بعلم الفرائضقوله «وَهِيَ قِسْمَةُ الْمِيْرَاثِ»:
كتاب الفرائضكتاب النكاحكتاب النِّكاحِكِتابُ الصَّدَاقِكتاب الطلاقكِتابُ الظِّهارِكِتابُ الأَطْعِمَةِكتاب الصيدكِتَابُ الأَيْمَانِكتاب الجناياتكِتابُ الدِّياتِكِتابُ الحُدُوْدِكِتابُ الجِهَادِكِتابُ القَضَاءِكِتابُ الشَّهَادَاتِ
جارٍ التحميل