وبل الغمامة في شرح عمدة الفقه لابن قدامةكِتابُ القَضَاءِ
أهل الأثرالأرشيف العلمي

(1)  (1)

قوله «كِتابُ القَضَاءِ»:

في اللغة له عدة معان فمن ذلك: إحكام الشيء والفراغ منه، كما في قوله تعالى: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ 1، ويأتي أيضاً بمعنى التقدير الأزلي كما في قوله تعالى: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ﴾ 2، وأيضًا قد يأتي بمعنى التقدير الشرعي كما في قوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ﴾ 3. فإذا كان أمراً شرعياً فالقضاء بمعنى الإحكام، وإذا كان أمراً مُقدراً فإما أن يراد به التقدير الأزلي، أو الفراغ من الشيء، فقوله تعالى: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ أي: فرغ منهن، وقوله: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ﴾ أي: قدرناه في الأزل، وقوله: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ﴾، أي: شرع شرعاً محكماً، فرضاً على العباد.
أما في الشرع فالقضاء يتضمن ثلاثة أمور: تبيين الحكم الشرعي، والإلزام به، وفصل الحكومات أو الخصومات.
فقولنا: «تبيين الحكم الشرعي» جنس يشمل القاضي والمفتي.
وقولنا: «والإلزام به» هذا قيد يخرج المفتي، لأنه لا يلزم بالحكم الشرعي.
وقولنا «وفصل الخصومات» فيه بيان الغرض من القضاء وهو قطع الخصومة بين المتخاصمين ببيان حكم الشرع في القضية مع الإلزام.
=

الجزء: 8 - الصفحة: 284

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =والأصل في مشروعيته الكتاب، والسنة، والإجماع.
أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ﴾ 4، وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ 5. وأما السُّنة فقد ثبتت مشروعيته بدلالة القول والفعل: فمن دلالة القول حديث عبد الله بن عمرو -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «إِذَا حَكَمَ الحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ، ثُمَّ أَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ، وَإِذَا حَكَمَ فَاجْتَهَدَ، ثُمَّ أَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ» 6. ومن دلالة الفعل فإن النبي -صلى الله عليه وسلم- قضى كما في الصحيحين في قصة اختصام علي وجعفر، وكذلك قصة الزبير مع جاره، وكذلك أيضاً ولّى القضاة، كما بعث علياً -رضي الله عنه- إلى اليمن قاضياً، وكذا غيره من الصحابة رضي الله عنهم.
وأما الإجماع: فقد أجمع المسلمون على مشروعية نصب القضاء والحكم بين الناس.

الجزء: 8 - الصفحة: 285

وَهُوَ فَرْضُ كِفَايَةٍ (1)، يَلْزَمُ الإِمَامَ نَصْبُ مَنْ يُكْتَفِى بِهِ فِيْ القَضَاءِ (2)، وَيَجِبُ عَلى مَنْ يَصْلُحُ لَهُ، إِذَا طُلِبَ وَلَمْ يُوْجَدْ غَيْرُهُ، الإِجَابَةُ إِلَيْهِ (3)،  (1)

قوله «وَهُوَ فَرْضُ كِفَايَةٍ»:

أي القضاء فرض كفاية إذا قام به البعض سقط عن الباقين، وهذا موضع اتفاق بين الفقهاء، وذلك لأن أمر الناس لا يستقيم بدونه، فكان واجباً عليهم، كالجهاد والإمامة، قال الإمام أحمد: «لا بد للناس من حاكم، أتذهب حقوق الناس» (1). وهل يكون متعيناً على أحد بعينه أن يتولى القضاء؟ نقول: إذا لم يكن في الإقليم، أو في المنطقة، أو في البلدة من يقوم بالقضاء سواه وتوفرت فيه شروطه، فإنه يكون فرض عين عليه، وسيأتي في كلام المؤلف ما يدل على ذلك.

(2)

قوله «يَلْزَمُ الإِمَامَ نَصْبُ مَنْ يُكْتَفِى بِهِ فِيْ القَضَاءِ»:

أي يجب على إمام المسلمين وولي أمرهم أن ينصب قاضياً يكتفى به، لأنه - أي الإمام - ناظر للمسلمين، والواجب على الناظر أن يختار الأصلح بأن يكون أفضل الموجودين علماً وورعاً، لأن منصب القضاء أكمل المناصب، فينبغي أن يكون متوليه أكمل من يوجد، ولأن الأفضل أقرب إلى حصول المقصود من القضاء.
(3)

قوله «وَيَجِبُ عَلى مَنْ يَصْلُحُ لَهُ، إِذَا طُلِبَ وَلَمْ يُوْجَدْ غَيْرُهُ، الإِجَابَةُ إِلَيْهِ»:

أي وعلى من تعين عليه القضاء من قبل ولي الأمر لكونه يصلح، أو لم يوجد غيره أن يجيب إن طُلب للقضاء، لأن فرض الكفاية يكون فرض=7

الجزء: 8 - الصفحة: 286

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =عين إذا لم يوجد من يقوم به غير واحد، كغسل ميت، وتكفينه، والإمامة، والأذان، وإسعاف المريض، ونحو ذلك من فروض الكفايات، وقد سبق الإشارة إلى ذلك قريباً.

  • فائدة: الناس في القضاء على ثلاثة أقسام:

الأول: من لا يجوز له الدخول فيه

وهو من لا يحسنه ولم تجتمع فيه شروطه فقد جاء عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال «الْقُضَاةُ ثَلاثَةٌ اثْنَانِ فِي النَّارِ، وَوَاحِدٌ فِي الْجَنَّةِ رَجُلٌ عَرَفَ الْحَقَّ، فَقَضَى بِهِ فَهُوَ فِي الْجَنَّةِ، وَرَجُلٌ عَرَفَ الْحَقَّ، فَلَمْ يَقْضِ بِهِ، وَجَارَ فِي الْحُكْمِ، فَهُوَ فِي النَّارِ، وَرَجُلٌ لَمْ يَعْرِفِ الْحَقَّ، فَقَضَى لِلنَّاسِ عَنْ جَهْلٍ فَهُوَ فِي النَّارِ» (1)، ولأن من لا يحسنه لا يقدر على العدل فيه فيأخذ الحق من مستحقه ويدفعه إلى غيره.

الثاني: من يجوز له ولا يجب

عليه وهو من كان من أهل العدالة والاجتهاد ويوجد غيره مثله، فله أن يلي القضاء بحكم حاله وصلاحيته ولا يجب عليه لأنه لم يتعين له.
الثالث: من يجب عليه وهو من يصلح للقضاء ولا يوجد سواه فهذا يتعين عليه لأنه فرض كفاية لا يقدر على القيام به غيره فيتعين عليه كغسل الميت وتكفينه.8

الجزء: 8 - الصفحة: 287

وَإِنْ وُجِدَ غَيْرُهُ، فَالأَفْضَلُ تَرْكُهُ (1). وَمِنْ شَرْطِهِ أَنْ يَكُوْنَ رَجُلاً (2)،

- فائدة: في الفرق بين المفتي والقاضي:

الفرق بينهما أن المفتي يبين الحكم الشرعي ويرشد إليه، وأما القاضي فلا يبين رأيه حتى يسمع القضية من طرفيها ثم يحكم فيها.
لكن لو أن المفتي حُكِّمَ - أي: تحاكم إليه اثنان - وقالا: رضيناك حكماً بيننا، وحكم بينهما صار حكمه كحكم القاضي ملزماً.

(1)

قوله «وَإِنْ وُجِدَ غَيْرُهُ، فَالأَفْضَلُ تَرْكُهُ»:

أي وإن وجد غيره، كره له طلبه بغير خلاف، لقوله -صلى الله عليه وسلم- «لا تسأل الإمارة ... » (1). (2)

قوله «وَمِنْ شَرْطِهِ أَنْ يَكُوْنَ رَجُلاً»:

هذه هي

الشروط المعتبرة في القاضي

، فأول هذه الشروط: 1 - أن يكون رجلاً: فلا تتولى المرأة القضاء على قول الجمهور 10، وهو الراجح، لحديث أبي بكرة -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «لَنْ يُفْلِحَ قَومٌ وَلَّوا أَمْرَهُمْ امْرَأَةً» 11، ولأن المرأة ناقصة العقل، وقليلة الرأي، وليست أهلاً لحضور محافل الرجال ورؤية الخصوم، ولأنه لم يول النبي -صلى الله عليه وسلم- ولا أحد من خلفائه ولا من بعدهم امرأة قضاء ولا ولاية بلد، ولو جاز ذلك لم يخل منه جميع الزمان غالباً.9

الجزء: 8 - الصفحة: 288

حُرًّاً (1)،  =ويرى الحنفية (1) جواز أن تكون المرأة قاضية في غير الحدود؛ لأن شهادتها تقبل في ذلك، وأهلية القضاء - عندهم - تدور مع أهلية الشهادة فما يقبل شهادة المرأة فيه يجوز أن تتولى القضاء فيه، وما لا فلا.
قال الكاساني (2): أما الذكورة فليست من شروط جواز تقليد القضاء في الجملة، بل يجوز أن تتولى المرأة القضاء فيما لا حدود فيه ولا قصاص.
قلت: والصواب عندي ما ذهب إليه جمهور الفقهاء.

(1)

قوله «حُرًّا»:

هذا هو الشرط الثاني، وهو أن يكون حراً، لأن القضاء منصب شريف، فلا يجوز أن يتولاه عبد، كالإمامة العظمى، ولأن العبد في أعين الناس ممتهن، والقاضي موضوع للفصل بين الخصوم، فحال الرقيق ينافي حال الولاية، ولأن المملوك كما قال تعالى: ﴿ضَرَبَ الله مَثلاً عَبْدًا مَمْلُوكًا لا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ﴾ 14، فهذا نص القرآن قد بين أن المملوك لا يقدر على شيء، والمملوك يتأثر بأحوال الناس وعظماء الناس، والغالب أنه يضعف ويجبن ويخاف، وهو مشغول بخدمة سيده، ولذلك لا يصح أن يولى القضاء، وهذا يزري بالقضاء وينقص من مكانته إذا ولي الضعفاء.
فينبغي أن يولى القضاء من فيه قوة على إحقاق الحق حتى يردع السفيه عن سفهه، والظالم عن ظلمه، وهذا قول الجمهور من أهل العلم، =1213

الجزء: 8 - الصفحة: 289

مَسْلِمًا (1)، سَمِيْعًا (2)، بَصِيْرًا (3)،  = وهو مبني على تعليل، لا على دليل.
والراجح: أن الرقيق يصح أن يكون قاضياً إذا توفرت فيه شروط القضاء، وهي القوة والأمانة والعلم، أما التعليل بأنه مشغول بخدمة سيده، فنقول بأنه إذا أذن سيده أن يكون قاضياً فله الحق.

(1)

قوله «مَسْلِمًا»:

هذا هو الشرط الثالث فيمن يصح قضاؤه، وهو الإسلام، وهذا موضع اتفاق إذا كان قاضياً بين المسلمين، فلا يُولَّى الكافر، لقوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَل اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً﴾ (1)، ولأن الكفر يقتضي إذلال صاحبه، والقاضي يجب احترامه، وبينهما منافاة، ولأن الإسلام شرط في الشهادة، فلأن يكون شرطاً في القضاء بطريق الأولى.
وهل يجوز أن يتقلد القضاء بين أهل دينه، كأن يكون قاضياً من أهل الذمة يحكم بين أهل الذمة؟ نقول: أجاز أبو حنيفة (2) ذلك لجواز شهادة أهل الذمة بعضهم على بعض، ولأنه لما جازت ولايتهم في المناكح جازت في الأحكام.

(2)

قوله «سَمِيعَاً»:

هذا هو الشرط الرابع فيمن يصح له القضاء وهو أن يكون سميعاً، لأن الأصم لا يسمع كلام الخصمين، فلا تجوز توليته.
(3)

قوله «بَصِيْرَاً»:

هذا هو الشرط الخامس، وهو أن يكون بصيراً، ليعرف المدعي من المدعى عليه، والمقر من المقر له، والشاهد من المشهود عليه، وهذا هو المذهب.1516

الجزء: 8 - الصفحة: 290

مُتكَلِّمَاً (1)،  والقول الثانِي: أنه لا يشترط، بل يصح قضاء الأعمى، ونسبه ابن قدامة لبعض الشافعية (1)، لعدم المانع من قضائه، فإن الأعمى يدرك بحسه السمعي أكثر مما يدرك البصير، ويعرف الأصوات ويميزها، وقد ثبت في الواقع نجاح القاضي الأعمى وقيامه بوظيفته خير قيام، وهذا هو الصحيح فلا يشترط أن يكون بصيراً، وأن الأعمى يصح أن يكون قاضياً، صحيح أن البصير أكمل، لكن كونه شرطاً، بحيث إذا لم نجد إلا أعمى فإننا لا نوليه، فهذا غير صحيح، أما تعليلهم فهو تعليل عليل في الواقع؛ لأننا نشاهد أن الأعمى يدرك بحسه السمعي، أكثر مما يدرك البصير بحسه السمعي، فعنده إدراك قوي بحاسة السمع، ويعرف الأصوات، ويميز بعضها عن بعض، وقد عايشنا قضاة أكفاء برزوا وتميزوا على غيرهم، ومن هؤلاء على سبيل المثال سماحة مفتى الديار السعودية محمد بن إبراهيم، وسماحة الشيخ عبد الله بن حميد، وسماحة الشيخ عبد العزيز بن باز، وغيرهم كثير ممن لا يزال حيًّا، رحم الله الأموات، وحفظ الأحياء، ونفع بهم.

(1)

قوله «مُتكَلِّمَاً»:

هذا هو الشرط السادس، وهو أن يكون متكلماً، لأن الأخرس لا يمكنه النطق بالحكم، ولا يفهم جميع الناس إشارته.
والقول الثانِي: يصح قضاء الأخرس، وهو أحد الوجهين عند الشافعية 18، =17

الجزء: 8 - الصفحة: 291

عَدْلاً (1)،  =لأنه يمكن إيصال الحكم إلى الخصمين عن طريق الكتابة أو الإشارة المفهومة، وهذا هو الصحيح، وهو اختيار شيخنا -رحمه الله- (1).

(1)

قوله «عَدْلاً»:

هذا هو الشرط السابع من شروط القضاء، وهو قول جمهور أهل العلم والعدالة، ضدها الفسق والفاسق، وهو من أصر على صغيرة، أو فعل كبيرة، ولم يتب منها، فلابد أن يكون القاضي ظاهر الأمانة، عفيفاً عن المحارم، متوقياً للمآثم، بعيداً عن الريب، مأموناً في الرضا والغضب، مستعملاً لمروءة مثله في دينه، فلا يُوَلَّى الفاسق القضاء، لأن الله تعالى قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ﴾ 20 فأمر الله - عزّ وجل - أن نتبين خبر الفاسق، وهذا يدل على أن خبره لا يقبل على سبيل الإطلاق، وإنما يُتَبين فيه، ومعلوم أن القضاء يتضمن الخبر؛ لأن القاضي يقول للمدعي والمدعى عليه: هذا حكم الله، فحكمه متضمن الخبر، فلا يقبل، ولأن الفاسق لا يجوز أن يكون شاهداً، فلأن لا يجوز أن يكون قاضياً بطريق الأولى، ولأنه لا يؤمن أن يحيف لفسقه.
وهذا الشرط يعمل به حسب الإمكان، فإن لم يوجد إلا فاسق فإنه يولَّى، لقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ 21.19

الجزء: 8 - الصفحة: 292

عَالِمًا (1)،  (1)

قوله «عَالِمًا»

هذا هو الشرط الثامن، وهو أن يكون القاضي مجتهداً، وهو العالم بالأحكام الشرعية، ومعرفتها تقف على أمور ستة: أحدها: أن يكون عالماً بكتاب الله تعالى وما تضمنه من الأحكام، فيعرف آيات الأحكام وتفسيرها.

الثانِي: أن يكون عالماً بسنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-

وما تضمنته من الأحكام، فيعرف أحاديث الأحكام وما يتعلق بصحيح السنة وضعيفها.

الثالث: أن يكون عالماً بمسائل الإجماع،

لئلا يفتي بخلاف ما أُجمع عليه، فيكون قد خرق الإجماع.

الرابع: أن يكون مطلعاً على خلاف العلماء من الصحابة والتابعين،

ليذهب إلى قول من أقوالهم ويجتهد عند الاختلاف.

الخامس: أن يكون عالماً بطرق الاجتهاد،

وهو ما يُبحث في أصول الفقه من الأمر والنهي، والخاص والعام، والمطلق والمقيد، والقياس ونحو ذلك.

السادس: أن يكون عالماً بلسان العرب من اللغة والنحو

مما لابد منه لفهم الكلام واستنباط الأحكام.
قلت: وهذه الشروط المعتبرة في القضاة حسب الإمكان، لئلا تتعطل أمور الناس، قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: «وشروط القضاة تعتبر حسب الإمكان، ويجب تولية الأمثل فالأمثل، وعلى هذا يدل كلام أحمد وغيره، فيولى لعدمٍ: أنفعُ الفاسِقَينِ وأقلهما شراً، وأعدل المُقَلِّدَين وأعرفهما بالتقليد» 22.

الجزء: 8 - الصفحة: 293

وَلا يَجُوْزُ لَهُ أَنْ يَقْبَل رِشْوَةً (1)،  (1)

قوله «وَلا يَجُوْزُ لَهُ أَنْ يَقْبَلَ رِشْوَةً»:

الرشوة مثلثة الراء، يقال: رِشوة، ورَشوة، ورُشوة، والرِّشوة بذل شيء يتوصل به الإنسان إلى المقصود، أما في الحكم فهي أن يبذل الخصم للقاضي شيئاً يتوصل به إلى أن يحكم له القاضي بما ادعاه، أو يرفع عنه الحكم فيما كان عليه.
والرشوة في القضاء محرمة لما يلي: أولاً: لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- «لَعَنَ الرَّاشِي، وَالْمُرْتَشِي» 23، كما في حديث ابن عمر رضي الله عنهما، واللعن هو الطرد والإبعاد عن رحمة الله، وهذا يقتضي أن تكون الرشوة من كبائر الذنوب.
ثانياً: أن فيها فساد الخلق؛ فإذا كان الخصم إذا أعطى ألفاً حكم له، وإذا أعطى ثمانمائة لم يحكم له، فسيعطي ألفاً، وإذا ظن أن خصمه سيعطي ألفاً أعطى ألفين، وهكذا فيفسد الناس.
ثالثاً: أنها سبب لتغيير حكم الله عزّ وجل؛ لأنه بطبيعة الحال النفس حيّافة ميّالة، تميل إلى من أحسن إليها، فإذا أعطي القاضي رشوة حكم بغير ما أنزل الله، فكان في هذا تغيير لحكم الله تعالى.
رابعاً: أن فيها ظلماً وجَوراً؛ لأنه إذا حكم للراشي على خصمه بغير =

الجزء: 8 - الصفحة: 294

وَلا هَدِيَّةً مِمَّنْ لَمْ يَكُنْ يُهْدِيْ إِلَيْهِ (1)، وَلا الحُكْمُ قَبْلَ مَعْرِفَةِ الحَقِّ (2)،  = حق فقد ظلم الخصم، ولا شك أن الظلم ظلمات يوم القيامة، وأن الجور من أسباب البلايا العامة، كالقحط وغيره.
خامساً: أن فيها أكلاً للمال بالباطل، لأنه ليس من حق القاضي أن يأخذ شيئاً على حكمه، وبذلها إعانةً لأكل المال بالباطل.
سادساً: أن فيها ضياع الأمانات، وأن الإنسان لا يؤتمن، والإنسان لا يدري أيحكم له بما معه من الحق، أو يحكم عليه؟ وهذا فساد عظيم، ولذلك استحق الراشي والمرتشي لعنة الله تعالى.

(1)

قول «وَلا هَدِيَّةً مِمَّنْ لَمْ يَكُنْ يُهْدِيْ إِلَيْهِ»:

أي وكذا يحرم على القاضي قبول هدية ممن لم يكن يهاديه قبل ولايته القضاء، لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «هَدَايَا الْعُمَّالِ غُلُولٌ» (1)، ولأن قبول الهدية ممن لم تجر عادته بمهاداته ذريعة إلى قضاء حاجته.
وقول آخر لا يجوز للقاضي أن يقبل الهدية من شخص له خصومة، ولو كان يهدي إليه قبل القضاء، لأن الهدية يقصد بها في الغالب استمالة قلبه، ليعتني به في الحكم، فتشبه الرشوة، وتأخذ حكمها إن أهدى إليه ليحكم له بغير حقه، وهذا هو الصواب عندي (2).

(2)

قوله «وَلا الحُكْمُ قَبْلَ مَعْرِفَةِ الحَقِّ»

أي: ولا يجوز لقاضي الحكم قبل معرفة الحق لأن الله سبحانه قال: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ﴾ 26، =2425

الجزء: 8 - الصفحة: 295

فَإِنْ أَشْكَلَ عَلَيْهِ، شَاوَرَ فِيْهِ أَهْلَ العِلْمِ وَالأَمَانَةِ (1)، وَلا يَحْكُمُ وَهُوَ غَضْبَانُ (2)،  =ومن لم يعرف الحق كيف يحكم به؟

(1)

قوله «فَإِنْ أَشْكَلَ عَلَيْهِ، شَاوَرَ فِيْهِ أَهْلَ العِلْمِ وَالأَمَانَةِ»:

لقوله سبحانه: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾ (1) , وقد شاور رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أصحابه في أسارى بدر، وفي مصالحة الكفار يوم الخندق، وفي لقاء الكفار يوم بدر.
وشاور أبو بكر -رضي الله عنه- الناس في الجدة، وشاور عمر -رضي الله عنه- في دية الجنين، ولا مخالف في استحباب ذلك، ولأنه قد ينتبه بالمشاورة ويتذكر ما نسيه بالمذاكرة.
وقد ينتبه لإصابة الحق ومعرفة الحادثة من هو دون القاضي، فكيف من يساويه.

(2)

قوله «وَلا يَحْكُمُ وَهُوَ غَضْبَانُ»:

هذه جملة من الآداب الواجبة، التي يجب على القضاة مراعاتها حال القضاء: أولها الغضب وهو أن يتجنب القاضي القضاء في حال الغضب الشديد، لحديث أبي بكرة -رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: «لا يَحْكُمْ أَحَدٌ بَيْنَ اثْنَينِ وَهُوَ غَضْبَانُ» 28، ولأن القاضي إذا غضب تغير عقله وتشوش ذهنه ولم يستوف رأيه، فلا يتوصل إلى إصابة الحق في الغالب.27

الجزء: 8 - الصفحة: 296

وَلا فِيْ حَالٍ يَمْنَعُ اسْتِيْفَاءَ الرَّأْي (1)، وَلا يَتَّخِذُ فِيْ مَجْلِسِ الحُكْمِ بَوَّابًا (2)، وَيَجِبُ عَلَيْهِ العَدْلُ بَيْنَ الخَصْمَيْنِ فِيْ الدُّخُوْلِ عَلَيْهِ، وَالْمَجْلِسِ، وَالْخِطَابِ (3)،  (1)

قوله «وَلا فِيْ حَالٍ يَمْنَعُ اسْتِيْفَاءَ الرَّأْيِ»:

أي ولا يحكم في حال في معنى الغضب، كالجوع المفرط، والعطش الشديد، والوجع المزعج، ومدافعة الأخبثين، وشدة النعاس، والهم، والغم، والحزن، والفرح.
فهذه كلها تمنع استيفاء الرأي الذي يتوصل به إلى إصابة الحق في الغالب, فهي في معنى الغضب المنصوص عليه فتجري مجراه، والنص وإن كان قد ورد في الغضب لاستيلائه على النفس وصعوبة مفارقته، والباقي مقيس عليه، بجامع إشغال القلب وتشويش الفكر.

(2)

قوله «وَلا يَتَّخِذُ فِيْ مَجْلِسِ الحُكْمِ بَوَّابًا»:

أي ولا يتخذ حاجباً ولا بواباً يحجب الناس عن الوصول إليه لحديث: «مَنْ وَلاهُ اللَّه شَيئاً مِنْ أَمْر النَّاس فَاحْتَجَبَ عَنْ حَاجَتهمْ وفَقِيرهُم اِحْتَجَبَ اللَّه دوَنْ حَاجَته» (1). ولأن حاجبه ربما قدم المتأخر وأخر المتقدم لغرض له، وربما كسرهم بحجبهم والاستئذان لهم ولابد أن يكون الحاجب أميناً ثقة عفيفاً عارفاً، حسن الأخلاق عارفاً بمقادير الناس، ولا بأس باتخاذ حاجب في غير مجلس القضاء لأنه يحتاج إلى الخلوة بنفسه.

(3)

قوله «وَيَجِبُ عَلَيْهِ العَدْلُ بَيْنَ الخَصْمَيْنِ فِيْ الدُّخُوْلِ عَلَيْهِ، وَالْمَجْلِسِ، وَالْخِطَابِ»:

أي يجب على القاضي أن يعدل بين الخصمين، فيسوي=29

الجزء: 8 - الصفحة: 297

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =بينهما في مجلسه والدخول عليه، كما يسوي في ملاحظته لهما وكلامه، ولا يجوز له أن يرفع أحد الخصمين عن الآخر، أو يقبل عليه، أو يقوم له دون خصمه، أو يشاوره، لئلا يكون ذريعة إلى انكسار قلب الآخر وضعفه عن القيام بحجته وثقل لسانه بها.
فإذا ترافع إليه مسلم وكافر فقيل إنه يرفع مجلس المسلم على مجلس الكافر لحرمة الإسلام فان الله تعالى قال: ﴿أَفَمَن كَانَ مُؤْمِنًا كَمَن كَانَ فَاسِقًا لاَّ يَسْتَوُونَ﴾ 30. والقول الثانِي وهو الصواب: أنه لا فرق في مجلس القاضي بين المسلم والكافر، بل يراعي العدل، وسلوك ما يوصل إلى استظهار الحقوق، وقد يكون في تقديم المسلم على الكافر كسراً لقلب الكافر، فيتلعثم عن ذكر حجته، ويكون ذلك مفضياً إلى عدم تبيُّن الحجة 31.

الجزء: 8 - الصفحة: 298

بابُ صِفَةِ الحُكْمِ

(1) إِذا جَلَسَ إِلَيْهِ الخَصْمَانِ، فَادَّعَى أَحَدُهُمَا عَلى الآخَرِ، لَمْ تُسْمَعِ الدَّعْاى إِلاَّ مُحَرَّرَةً تَحْرِيْرًا يَعْلَمُ بِهِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ (2)،  (1)

قوله «بابُ صِفَةِ الحُكْمِ»:

أي هذا باب في طريق الحكم وصفته وذلك إذا حضر إليه الخصمان.
(2)

قوله «إِذا جَلَسَ إِلَيْهِ الخَصْمَانِ، فَادَّعَى أَحَدُهُمَا عَلى الآخَرِ، لَمْ تُسْمَعِ الدَّعْاى إِلاَّ مُحَرَّرَةً تَحْرِيْرًا يَعْلَمُ بِهِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ»:

أي لا تصح الدعوى مجهولةً، ولا تصح إلا إذا استوفيت الشروط من الوضوح والبيان.
وقوله «مُحَرَّرَةً»: تحرير الشيء بمعنى تنقيته عن كل الشوائب، وذلك بأن يذكر جنس المُدعى به، ونوعه، وصفته، وقدره، حتى يبقى متميزاً، ظاهراً، محرراً، مخلصاً من شوائب الجهل، وهذا معنى قوله: «مُحَرَّرَةً تَحْرِيْرًا يَعْلَمُ بِهِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ»، فلا يكفي أن يقول المدعي: أنا أدعي عليه طعاماً، فهذه دعوى غير مسموعة ولا تصح حتى يحررها، وإنما اشترط تحريرها، لأن الحكم مرتب عليها، ولذلك قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «إِنَّمَا أَقْضِي عَلَى نَحْوِ مَا أَسْمَعُ» 32، وهذا هو المذهب 33. القول الثانِي: إن الدعوى تصح غير محررة، وتسمع ويُطلب من المدعي تحريرها، فإذا قال: ادعي عليه بعيراً، فإن الدعوى تسمع ويطلب منه=

الجزء: 8 - الصفحة: 299

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =وصفه، وهذا القول قوي، ولاسيما في الأمور التي تحتاج إلى دقة وصف يطلبه القاضي من المدعي أثناء رفع القضية، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية (1).

  • فائدة: ذكر الفقهاء شروطاً لصحة الدعوى هي:

1 -

أن تكون محررة

يتبين بها عما يكذبها كل شيء، فإذا كانت بدين بين قدره وجنسه ونوعه، حتى يبقى متميزاً.
وإن ادعى عقد أو إجارة؛ اشترط لصحة الدعوى ذكر شروط العقد؛ لأن الناس يختلفون في الشروط، وقد لا يكون ذلك العقد صحيحاً عند القاضي.
وإن ادعى الإرث؛ فلا بد من ذكر سببه؛ لأن أسباب الإرث تختلف، فلا بد من تعيين السبب، وقد سبق ذكر الخلاف في هذا الشرط.
2 - أن يصرح المدَّعي بالدعوى، فلا يكفي قوله: لي عنده كذا، حتى يقول: وأنا مطالبه به، ولا بد أن يكون المدَّعى به حالاً؛ فلا تصح الدعوى بدين مؤجل؛ لأنه لا يجب الطلب به قبل حلوله، ولا يحبس عليه.

3 -

انفكاكها عما يكذبها؛

فلا تصح الدعوى على إنسان أنه قتل أو سرق منذ عشرين سنة وسنه أقل من ذلك؛ لأن الحس يكذبها.
4 -

تعيين المدعى به

إن كان حاضرًا في المجلس أو البلد؛ ليزول اللبس، وإن كان المدعى به غائباً؛ فلابد من وصفه بما يصح به السلم؛ بأن يذكر=34

الجزء: 8 - الصفحة: 300

فَإِنْ كَانَ دَيْنًا، ذَكَرَ قَدْرَهُ وَجِنْسَهُ (1)، وَإِنْ كَانَ عَقَارًا، ذَكَرَ مَوْضِعَهُ وَحُدُوْدَهُ (2)، وَإِنْ كَانَ عَيْنًا حَاضِرَةً عَيَّنَهَا (3). وَإِنْ كَانَتْ غَائِبَةً، ذَكَرَ جِنْسَهَا وَقِيْمَتَهَا (4)، ثُمَّ يَقُوْلُ لِخَصْمِهِ: مَا تَقُوْلُ؟ فَإِنْ أَقَرَّ، حُكِمَ لِلْمُدَّعِيْ، وَإِنْ أَنْكَرَ، لَمْ يَخْلُ مِنْ ثَلاثَةِ أَقْسَامٍ (5):  = ما يضبطه من الصفات.
5 - ولا تصح الدعوى أيضاً إلا معلومة المدعى به، فلا تصح بمجهول، بل لا بد أن تكون بشيء معلوم؛ ليتأتى الإلزام به إذا ثبت.

(1)

قوله «فَإِنْ كَانَ دَيْنًا، ذَكَرَ قَدْرَهُ وَجِنْسَهُ»:

أي فإن كان المدعى به ديناً، لزم ذكر قدره وجنسه كما سبق، كأن يقول لي عليه دين قدره عشرة آلاف ريال سعودي.
(2)

قوله «وَإِنْ كَانَ عَقَارًا، ذَكَرَ مَوْضِعَهُ وَحُدُوْدَهُ»:

أي وإن كان المدعى به عقاراً فلابد من ذكر موقعه وكذا ذكر حدوده، كما سبق بيانه في شروط صحة الدعوى.
(3)

قوله «وَإِنْ كَانَ عَيْنًا حَاضِرَةً عَيَّنَهَا»:

أي فان كان المدعى به عيناً حاضرةً عينها بالإشارة لأنها تعلم بذلك كأن يقول المدَّعي هذه الساعة التي بيده سرقها مني.
(4)

قوله «وَإِنْ كَانَتْ غَائِبَةً، ذَكَرَ جِنْسَهَا وَقِيْمَتَهَا»:

لأنها لا تتميز ولا تصير معلومة إلا بذلك.
(5)

قوله «ثُمَّ يَقُوْلُ لِخَصْمِهِ: مَا تَقُوْلُ؟ فَإِنْ أَقَرَّ، حُكِمَ لِلْمُدَّعِيْ، وَإِنْ أَنْكَرَ، لَمْ يَخْلُ مِنْ ثَلاثَةِ أَقْسَامٍ»:

أي ثم يقول القاضي للمدَّعى عليه ما تقول في الدعوى الموجهة إليك، فإما أن يقر بما ادعاه عليه خصمه فيحكم به=

الجزء: 8 - الصفحة: 301

أَحَدُهَا: أَنْ تَكُوْنَ فِيْ يَدِ أَحَدِهِمَا، فَيَقُوْلُ لِلْمُدَّعِيْ: أَلَكَ بَيِّنَةٌ؟ فَإِنْ قَالَ: نَعَمْ، وَأَقَامَهَا، حَكَمَ لَهُ (1)، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ، قَالَ لَهُ: فَلَكَ يَمِيْنُهُ (2)،  =للمدَّعي، وإما أن ينكر هذه الدعوى، ولا يخلو إنكاره في العين المتخاصم فيها من أمور ثلاثة.

(1)

قوله «أَحَدُهَا: أَنْ تَكُوْنَ فِيْ يَدِ أَحَدِهِمَا، فَيَقُوْلُ لِلْمُدَّعِيْ: أَلَكَ بَيِّنَةٌ؟ فَإِنْ قَالَ: نَعَمْ، وَأَقَامَهَا، حَكَمَ لَهُ»:

هذا هو الأمر الأول في العين المتخاصم فيها وهو أن تكون في يد أحدهما، فإن أنكر المدعى عليه وقال: ليس له عندي شيء، قال القاضي للمدَّعي: ألك بينة؟ والبينة اسم لكل ما يبين الحق ويظهره، وقد تكون البينة شاهدين أو شاهداً ويمين، أو غير ذلك، فإن أحضر المدعي البينة كالشاهدين سمعها القاضي وحكم بها إذا اتضح له الحكم، بشرط أن تكون البينة ذات عدل، فإن كان يعلم أنها ليست ذات عدل فإنه لا يسمعها أصلاً، ولا يحكم بها، لأن الغرض من الدعوى وحضور البينة وسماعها هو الحكم، ولذا قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «البَيِّنَةِ عَلَى المُدَّعِي وَاليَمِينِ عَلَى مِنْ أَنْكَرَ» (1). (2)

قوله «وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ، قَالَ لَهُ: فَلَكَ يَمِيْنُهُ»:

أي وإن قال المدَّعي: ما لي بينه؛ أعلمه القاضي أن له اليمين على خصمه، دليل ذلك حديث: أن رجلين اختصما إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- حضرمي وكندي، فقال الحضرمي: يا رسول الله: إن هذا غلبتي على أرض لي، فقال الكندي: هي أرضي وفي يدي=35

الجزء: 8 - الصفحة: 302

فَإِنْ طَلَبَهَا، اسْتَحْلَفَهُ وَبَرِئَ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ، لادَّعَى قَوْمٌ دِمَاءَ رِجَالٍ وَأَمْوَالَهُمْ، لَكِنَّ اليَمِيْنُ عَلى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ 37،  =وليس له فيها حق، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم- للحضرمي: «أَلَك بَيِّنَةٌ؟ » قال: لا.
قَالَ: «فَلَكَ يَمِينُهُ» (1). قال ابن القيم -رحمه الله-: «وهذه قاعدة الشريعة المستمرة؛ لأن اليمين إنما كانت في جانب المدعي عليه حيث لم يترجح المدعي بشيء غير الدعوى فيكون جانب المدعى عليه أولى باليمين؛ لقوته بأصل براءة الذمة، فكان هو أقوى المتداعيين باستصحاب الأصل، فكانت اليمين من جهته» 38 انتهى.

(1)

قوله «فَإِنْ طَلَبَهَا، اسْتَحْلَفَهُ وَبَرِئَ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ، لادَّعَى قَوْمٌ دِمَاءَ رِجَالٍ وَأَمْوَالَهُمْ، لَكِنَّ اليَمِيْنُ عَلى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ»

الجزء: 8 - الصفحة: 303

وَإِنْ نَكَلَ عَنِ اليَمِيْنِ، وَرَدَّهَا عَلى الْمُدَّعِيْ، اسْتَحْلَفَهُ وَحَكَمَ لَهُ (1)،  =واحتج المؤلف لقوله بحديث ابن عباس رضي الله عنهما، وهذا الحديث عمدة في باب الدعاوى ومعناه أن من ادَّعى على أحد، فعليه البينة لإثبات دعواه.
فإن لم يكن لديه بينة، فعلى المدَّعَى عليه اليمين لنفي ما ادُّعِىَ عليه من حق الدعوى، وصارت اليمين في جانبه، لأنها تكون مع الأقوى جانباً.
وقوى جانبه، لأن الأصل براءته مما وُجه إليه من الدعوى.
ثم ذكر النبي -صلى الله عليه وسلم- الحكمة في كون البينة على المدعى واليمين على من أنكر، وهى أنه لو أعطي كل من ادعى دعوى ما ادعاه، لادَّعى من لا يراقب الله ولا يخشى عقابه على الأبرياء، دماء وأموالاً يبهتونهم فيها، ولكن الحكيم العليم جعل حدوداً وأحكاماً لتخف وطأة الشر، ويقل الظلم والفساد.
(1) قوله «وَإِنْ نَكَلَ عَنِ اليَمِيْنِ، وَرَدَّهَا عَلى الْمُدَّعِيْ، اسْتَحْلَفَهُ وَحَكَمَ لَهُ»: النكول: هو الامتناع عن اليمين، فإذا امتنع المدعى عليه من اليمين وردها القاضي على المدعي حلف واستحق المتنازع عليه، وإنما رُدَّتْ اليمين على المدعي، لأنه لما نكل المدعى عليه قَويَ جانب المدعي، فإن كان صادقاً في دعواه فالحلف لا يضره، وإن كان كاذباً فقد يهاب الحلف ولا يحلف.
والقول الثانِي: التفصيل، وهو أنه إذا كان المدعى عليه منفرداً بمعرفة الحال فإنه إذا لم يحلف قَُضي عليه، وإن كان المدعي هو المنفرد ردت عليه اليمين، فإذا لم يحلف لم يُقْضَ له بنكول المدعى عليه.
=

الجزء: 8 - الصفحة: 304

وَإِنْ نَكَلَ أَيْضًا، صَرَفَهُمَا (1). وَإِنْ كَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةٌ، حَكَمَ بِهَا لِلْمُدَّعِيْ (2)،  =فلو ادعى شخص على ورثة ميت مائة ألف ريال على مورثهم، وليس له بينة، وأبى الورثة اليمين، فيقال للمدعي: هذا شيء تحيط به علماً، فعليك اليمين، فإن حلفت وإلا لم يُقْضَ لك بنكول المدعى عليهم، وهذا رأي شيخ الإسلام ابن تيمية، نقله عنه تلميذه ابن القيم، ثم قال: «وهذا الذي اختاره شيخنا: هو فصل النِّزاع في النكول ورَدِّ اليمين، وبالله لتوفيق» (1). ولو قيل: إن ذلك يرجع إلى اجتهاد القاضي وما يتضح له من قرائن لكان وجيهاً، فقد يعلم القاضي من القرائن ما يُشْعِرُ بأن المدعي مبطل والمدعى عليه محق، فيرى رد اليمين على المدعي وهذا هو اختيار شيخنا -رحمه الله- (2).

(1)

قوله «وَإِنْ نَكَلَ أَيْضًا، صَرَفَهُمَا»:

أي فإن نكل المدعي عن اليمين - أيضاً - صرفهما ورفعت الجلسة، لأنه لم يترجح أحدهما على صاحبه، فوجب بقاؤهما على ما كانا عليه.
(2)

قوله «وَإِنْ كَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةٌ، حَكَمَ بِهَا لِلْمُدَّعِيْ»:

جملة هذه المسألة أن من ادعى عيناً في يد غيره فأنكره وأقام كل واحد منهما بينة حكم بها للمدعي ببينته، وتسمى بينة الخارج، وبينة المدعى عليه تسمى بينة الداخل، وقد اختلفت الرواية عن الإمام أحمد -رحمه الله- في هذه=4041

الجزء: 8 - الصفحة: 305

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =المسألة فالمشهور 42 عنه تقديم بينة المدعي ولا تسمع بينة المدعى عليه بحال.
وعنه رواية ثانية: إن شهدت بينة الداخل بسبب الملك فقال نتجت في ملكه، أو اشتراها، أو نسجها، أو كانت بينته أقدم تاريخاً قدمت وإلا قدمت بينة المدعي.
وفي رواية ثالثة: أن بينة المدعى عليه تقدم بكل حال وهو قول أكثر الفقهاء، وذلك لأن بينة المدعى عليه أقوى لأن الأصل معه ويمينه تقدم.
قلت: وأظهر الأقوال عندي أن البينتين تتساقطان، ويحلف من بيده العين وهو المدعى عليه، وتبقى في يده.
قال شيخنا -رحمه الله-: «إذا تعارضت البينتان، فإن مقتضى الشرع القيام بالعدل، والقيام بالعدل أن نقول: كل بينة عارضت الأخرى أسقطتها، فيبقى كأن الرجلين ليس معهما بينة، وحينئذٍ نرجع إلى الأصل، ونقول للمدعى عليه وهو الداخل: احلف، فإذا حلف قُضي بأن العين التي بيده له، وألغيت الدعوى، وهذا القول عليه كثير من أهل العلم، وهو أقرب في النظر من الأول» 43.

الجزء: 8 - الصفحة: 306

وَإِنْ أَقَرَّ صَاحِبُ اليَدِ لِغَيْرِهِ، صَارَ الْمُقَرُّ لَهُ الخَصْمَ فِيْهَا، وَقَامَ مَقَامَ صَاحِبِ اليَدِ فِيْ مَا ذَكَرْنَا (1). الثَّانِيْ: أَنْ تَكُوْنَ فِيْ يَدَيْهِمَا، فَإِنْ كَانَتْ لِأَحَدِهِمَا بَيِّنَةٌ، حُكِمَ لَهُ بِهَا (2)، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةٌ، أَوْ لَهُمَا بَيِّنَتَانِ، قُسِمَتْ بَيْنَهُمَا، وَحَلَفَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلى النِّصْفِ الْمَحْكُوْمِ لَهُ بِهِ (3)،  (1)

قوله «وَإِنْ أَقَرَّ صَاحِبُ اليَدِ لِغَيْرِهِ، صَارَ الْمُقَرُّ لَهُ الخَصْمَ فِيْهَا، وَقَامَ مَقَامَ صَاحِبِ اليَدِ فِيْ مَا ذَكَرْنَا»:

وجملة ذلك أن الإنسان إذا ادعى شيئاً في يد غيره فقال الذي هي في يده ليست لي إنما هي لفلان وكان المقر بها له حاضراً سئل عن ذلك فان صدقه صار الخصم فيها وكان صاحب اليد لأن من هي في يده اعترف أنها ليست له وإقرار الإنسان بما في يده إقرار صحيح فيصير خصماً للمدعي فان كانت للمدعي بينة حكم له بها، وان لم تكن له بينة فالقول قول المدعى عليه مع يمينه.
(2)

قوله «الثَّانِيْ: أَنْ تَكُوْنَ فِيْ يَدَيْهِمَا، فَإِنْ كَانَتْ لِأَحَدِهِمَا بَيِّنَةٌ، حُكِمَ لَهُ بِهَا»:

أي الأمر الثاني في العين المتخاصم فيها أن تكون في يديهما جميعاً كبعير كل منهما ممسك بزمامه، فإن كان لأحدهما بينة حكم له بها لأن البيِّنة إذا وجدت أظهرت الحق، وقامت مقام الإقرار.
(3)

قوله «وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةٌ، أَوْ لَهُمَا بَيِّنَتَانِ، قُسِمَتْ بَيْنَهُمَا، وَحَلَفَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلى النِّصْفِ الْمَحْكُوْمِ لَهُ بِهِ»:

أي وإن كانت العين في يد كل واحد من المتنازعين، كبعير كل منهما ممسك بزمامه، وليس هناك بينة لكل منهما فيتحالفان، فيحلف كل واحد منهما لصاحبه، لأن كل واحد منهما منكر ما ادعاه صاحبه، واليمين على مَنْ أنكر، ثم تقسم=

الجزء: 8 - الصفحة: 307

وَإِنِ ادَّعَاهَا أَحَدُهُمَا، وَادَّعَى الآخَرُ نِصْفَهَا، وَلا بَيِّنَةَ، قُسِمَتْ بَيْنَهُمَا، وَاليَمِيْنُ عَلى مُدَّعِيْ النَّصْفِ (1)، وَإِنْ كَانَتْ لَهُمَا بَيِّنَتَانِ، حُكِمَ بِهَا الْمُدَّعِي الكَلِّ (2)،  =العين بينهما، لأن يد كل واحد منهما عليها، فهم سواء، ولا رجحان لواحد منهما على الآخر.

(1)

قوله «وَإِنِ ادَّعَاهَا أَحَدُهُمَا، وَادَّعَى الآخَرُ نِصْفَهَا، وَلا بَيِّنَةَ، قُسِمَتْ بَيْنَهُمَا، وَاليَمِيْنُ عَلى مُدَّعِيْ النَّصْفِ»:

أي وان تنازعا في عين كأن يتنازعا في دار في أيديهما فادعاها أحدهما وادعى الآخر نصفها جعلت بينهما نصفين، واليمين على مدعي النصف، ولا يمين على الآخر لأن النصف المحكوم له به لا منازع له فيه، وهذا بلا خلاف.
(2)

قوله «وَإِنْ كَانَتْ لَهُمَا بَيِّنَتَانِ، حُكِمَ بِهَا الْمُدَّعِي الكَلِّ»:

أي فإن كان لكلا الخصمين بينة فإنه يحكم بها لمدعي الكل لأنهما تعارضا في النصف فيكون النصف لمدعي الكل بلا تنازع والنصف الآخر ينبني على الخلاف في أي البينتين تقدم، وظاهر المذهب تقدم بينة المدعي فتكون الدار كلها للمدعي جميعها.
والقول الثانِي: أنه إذا تعارضت البَيِّنتان وجب إسقاطهما، لأنه لا يمكن الجمع بينهما، لتنافيهما، ولا ترجيح لإحداهما، لأنه ترجيح بلا مرجح، وإذا سقطتا رجعنا إلى الأصل، فيحلف المدعى عليه، فإن حلف استحق العين.
وهذا هو الأقرب كما سبق بيانه لعموم قولِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم-: «لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ، لادَّعَى قَوْمٌ دِمَاءَ رِجَالٍ وَأَمْوَالَهُمْ، لَكِنَّ اليَمِيْنُ عَلى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ» 44.

الجزء: 8 - الصفحة: 308

الثَّالِثُ: أَنْ تَكُوْنَ فِيْ يَدِ غَيْرِهِمَا (1)، فَإِنْ أَقَرَّ بِهَا لِأَحَدِهِمَا، أَوْ لِغَيْرِهِمَا، صَارَ الْمُقَرُّ لَهُ كَصَاحِبِ اليَدِ (2)، وَإِنْ أَقَرَّ لَهُمَا، صَارَتْ كَالَّتِيْ فِيْ يَدَيْهِمَا (3)، وَإِنْ قَالَ: لا أَعْرِفُ صَاحِبَهَا مِنْهُمَا، وَلِأَحَدِهِمَا بَيِّنَةٌ، فَهِيَ لَهُ (4)، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُمَا بَيِّنَةٌ، أَوْ لِكُلِّ وَاحِدٍ بَيِّنَةٌ، اسْتَهَمَا عَلى اليَمِيْنِ، فَمَنْ خَرَجَ سَهْمُهُ، حَلَفَ وَأَخَذَهَا (5)،  (1)

قوله «الثَّالِثُ: أَنْ تَكُوْنَ فِيْ يَدِ غَيْرِهِمَا»:

هذا هو النوع الثالث في العين المتنازع عليها وهي أن تكون في يد أحد غير المتنازعين، وهذه لا تخلو من أُمور.
(2)

قوله «فَإِنْ أَقَرَّ بِهَا لِأَحَدِهِمَا، أَوْ لِغَيْرِهِمَا، صَارَ الْمُقَرُّ لَهُ كَصَاحِبِ اليَدِ»:

هذا هو الأمر الأول، وهو أن يقر من بيده أن هذه العين لزيد أو لعمرو من الناس سواء كان أحد المتنازعين أو غيرهما فإنها تدفع له.

(3)

قوله «وَإِنْ أَقَرَّ لَهُمَا، صَارَتْ كَالَّتِيْ فِيْ يَدَيْهِمَا»:

أي فإن قال من بيده العين هي لكما جميعاً صارت كالتي في يديهما، ويكون فيها الحكم بما سبق بيانه في المسائل السابقة.
(4)

قوله «وَإِنْ قَالَ: لا أَعْرِفُ صَاحِبَهَا مِنْهُمَا، وَلِأَحَدِهِمَا بَيِّنَةٌ، فَهِيَ لَهُ»:

أي فإن قال من بيده العين لا أعرف صاحبها منكما فهنا إن كان لأحدهما بينة فإنها تدفع له لعموم حديث ابن عباس المتقدم.
(5)

قوله «وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُمَا بَيِّنَةٌ، أَوْ لِكُلِّ وَاحِدٍ بَيِّنَةٌ، اسْتَهَمَا عَلى اليَمِيْنِ، فَمَنْ خَرَجَ سَهْمُهُ، حَلَفَ وَأَخَذَهَا»:

أي فإن لم يكن هناك بينة، أو كانت هناك بينة مع كل منهما فهنا يقترعان على اليمين، فمن خرج سهمه حلف ودفعت إليه العين المتنازع عليها، وهذا أحد الأقوال في هذه=

الجزء: 8 - الصفحة: 309

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =المسألة، لأنهما تساويا في الدعوى وعدم البينة واليد، والقرعة تميز عند التساوي.
وفي رواية أخرى 45 تسقط البينتان كما ذكرنا سابقاً, وفي رواية أنه تستعمل البينتان: وفي كيفية استعمالهما روايتان: إحداهما تقسم العين بينهما, والثانية: تقدم بينة أحدهما بالقرعة.
والصحيح في المذهب أنه يقرع بينهما فمن خرجت القرعة له حلف وسلمت إليه، وهذا هو الأظهر عندي لحديث أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رجلين اختصما في متاع إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- ليس لواحد منهما بينة فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «اسْتَهِمَا عَلَى الْيَمِينِ مَا كَانَ أَحَبَّا ذَلِكَ أَوْ كَرِهَا» 46.

الجزء: 8 - الصفحة: 310

بابُ تَعَارُضِ الدَّعاوى (1) إَذَا تَنَازَعَا قَمِيْصًا، أَحَدُهُمَا لابِسُهُ، وَالآخَرُ آخِذٌ بِكُمِّهِ، فَهُوَ لِلابِسِهِ (2). وَإِنْ تَنَازَعَا دَابَّةً، أَحَدُهُمَا رَاكِبُهَا، أَوْ لَهُ عَلَيْهَا حِمْلٌ، فَهِيَ لَهُ (3). وَإِنْ تَنَازَعَا أَرْضًا فِيْهَا شَجَرٌ أَوْ بِنَاءٌ، أَوْ زَرْعٌ لأَحَدِهِمِا، فَهِيَ لَهُ (4)،  (1) قوله

«بابُ تَعَارُضِ الدَّعااى»

التعارض في اللغة: يقال لا تعترض له، أي لا تمنعه باعتراضك أن يبلغ مراده.
ومنه: تعارض البينات، أو تعارض الدعوى، لأن كل واحدة تعترض الأخرى وتمنع نفوذها.
(2)

قوله «إَذَا تَنَازَعَا قَمِيْصًا، أَحَدُهُمَا لابِسُهُ، وَالآخَرُ آخِذٌ بِكُمِّهِ فَهُوَ لِلابِسِهِ»:

أي فإنه يكون لمن هو لابسه مع يمينه، لأن تصرفه في الثوب أقوى ويده آكد، وهو المستوفي لمنفعته.
(3)

قوله «وَإِنْ تَنَازَعَا دَابَّةً، أَحَدُهُمَا رَاكِبُهَا، أَوْ لَهُ عَلَيْهَا حِمْلٌ، فَهِيَ لَهُ»:

لأن تصرفه أقوى ويده آكد وهو المستوفي لمنفعتها.
فإن كان لأحدهما عليها حمل والآخر راكبها فهي للراكب لأنه أقوى تصرفا.
فإن اختلفا في الحمل فادعاه الراكب وصاحب الدابة فهو للراكب لأن يده على الدابة والحمل معاً فأشبه ما لو اختلف الساكن وصاحب الدار في قماش فيها.

(4)

قوله «وَإِنْ تَنَازَعَا أَرْضًا فِيْهَا شَجَرٌ، أَوْ بِنَاءٌ، أَوْ زَرْعٌ لِأَحَدِهِمِا، فَهِيَ لَهُ»:

لأنه صاحب اليد لكونه المستوفي لمنفعتها، فكانت له كما لو تنازعا عيناً في يده فإنها تكون لمن هي في يده.

الجزء: 8 - الصفحة: 311

وَإِنْ تَنَازَعَ صَانِعَانِ فِيْ قُمَاشِ دُكَّانٍ، فَآلَةُ كُلِّ صِنَاعَةٍ لِصَاحِبِهَا (1). وَإِنْ تَنَازَعَ الزَّوْجَانِ فِيْ قُمَاشِ البَيْتِ، فَلِلرَّجُلِ مَا يَصْلُحُ لِلرِّجَالِ، وَلِلْمَرْأَةِ مَا يَصْلُحُ لِلنِّسَاءِ، وَمَا يَصْلُحُ لَهُمَا، فَهُوَ بَيْنَهُمَا (2). وَإِنْ تَنَازَعَا حَائِطًا مَعْقُوْدًا بِبِنَائِهِمَا، أَوْ مَحْلُوْلاً مِنْهُمَا، فَهُوَ بَيْنَهُمَا، وَإِنْ كَانَ مَعْقُوْدًا بِبِنَاءِ أَحَدِهِمَا وَحْدَهُ، فَهُوَ لَهُ (3)،  (1)

قوله «وَإِنْ تَنَازَعَ صَانِعَانِ فِيْ قُمَاشِ دُكَّانٍ، فَآلَةُ كُلِّ صِنَاعَةٍ لِصَاحِبِهَا»:

كأن يكون أحدهما نجاراً والآخر عطاراً في دكان واحد فاختلفا فيما فيها حكم بآلة العطارين للعطار وبآلة النجارين للنجار مع يمينهما؛ لأن تصرف كل منهما في آلة صنعته أظهر والظاهر معه أيضاً فإن الظاهر أن العطار لا يستعمل آلة النجار والنجار لا يستعمل آلة العطار.
(2)

قوله «وَإِنْ تَنَازَعَ الزَّوْجَانِ فِيْ قُمَاشِ البَيْتِ، فَلِلرَّجُلِ مَا يَصْلُحُ لِلرِّجَالِ، وَلِلْمَرْأَةِ مَا يَصْلُحُ لِلنِّسَاءِ، وَمَا يَصْلُحُ لَهُمَا، فَهُوَ بَيْنَهُمَا»:

أي إذا اختلف الزوجان في قماش البيت أو في بعضه فقال كل واحد منهما جميعه لي، أو قال كل واحد منهما هذه العين لي وكانت لأحدهما بينة ثبت له بلا خلاف، وإن لم تكن لواحد منهما بينة فالمنصوص عن أحمد أن ما يصلح للرجال القول فيه قول الرجل مع يمينه، وما يصلح للنساء فالقول قول المرأة مع يمينها، وما يصلح لهما فهو بينهما.
(3)

قوله «وَإِنْ تَنَازَعَا حَائِطًا مَعْقُوْدًا بِبِنَائِهِمَا، أَوْ مَحْلُوْلاً مِنْهُمَا، فَهُوَ بَيْنَهُمَا، وَإِنْ كَانَ مَعْقُوْدًا بِبِنَاءِ أَحَدِهِمَا وَحْدَهُ، فَهُوَ لَهُ»:

جملة ما ذكره المؤلف في هذه المسألة أن الرجلين إذا تنازعا حائطاً بين ملكهما وتساويا في كونه معقودا ببنائهما معاً وهو أن يكون متصلاً بهما اتصالاً لا يمكن إحداثه=

الجزء: 8 - الصفحة: 312

وَإِنْ تَنَازَعَ صَاحِبُ العُلُوِّ وَالسُفْلِ فِيْ السَّقْفِ الَّذِيْ بَيْنَهُمَا (1)، أَوْ تَنَازَعَ صَاحِبُ الأَرْضِ وَالنَّهْرِ فِيْ الحَائِطِ الَّذِيْ بَيْنَهُمَا (2)،  =بعد بناء الحائط مثل اتصال البناء بالطين، أو تساويا في كونه محلولاً من بنائهما أي غير متصل فهما سواء في الدعوى، إن لم تكن لواحد منهما بينة تحالفا فيحلف كل واحد منهما على نصف الحائط أنه له وتكون بينهما نصفين لأن كل واحد منهما يده على نصف الحائط لكون الحائط في أيديهما، وإن كان متصلاً ببناء أحدهما دون الآخر فهو له مع يمينه لأن الظاهر أن هذا البناء بني كله بناءً واحداً.

(1)

قوله «وَإِنْ تَنَازَعَ صَاحِبُ العُلُوِّ وَالسُفْلِ فِيْ السَّقْفِ الَّذِيْ بَيْنَهُمَا»:

أي إذا تنازع صاحب العلو والسفل في السقف الذي بينهما تحالفا وكان بينهما، وهذا مذهب الشافعي (1)، وقال أبو حنيفة (2) هو لصاحب السفل لأن السقف على ملكه فكان القول قوله، وحكي عن مالك (3) أيضاً أنه لصاحب السفل، وحكي عنه أنه لصاحب العلو لأنه يجلس عليه ويتصرف فيه ولا يمكنه السكنى إلا به، والصواب: ما ذهب إليه المؤلف لأن يد كل منهما على نصفه، والقول قول صاحب اليد مع يمينه.
(2)

قوله «أَوْ تَنَازَعَ صَاحِبُ الأَرْضِ وَالنَّهْرِ فِيْ الحَائِطِ الَّذِيْ بَيْنَهُمَا»:

أي فهو بينهما لأنه حاجز بين ملكيهما فأشبه الحائط بين البيتين.474849

الجزء: 8 - الصفحة: 313

أَوْ تَنَازَعَا قَمِيْصًا أَحَدُهُمَا آخِذٌ بِكُمِّهِ وَبَاقِيْهِ مَعَ الآخَرِ، فَهُوَ بَيْنَهُمَا (1). وَإِنْ تَنَازَعَ مُسْلِمٌ وَكَافِرٌ مِيْرَاثَ مَيِّتٍ، يَزْعُمُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنَّهُ كَانَ عَلى دِيْنِهِ، فَإِنْ عُرِفَ أَصْلُ دِيْنِهِ، حُمِلَ عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يُعْرَفْ أَصْلُ دِيْنِهِ، فَالْمِيْرَاثُ لِلْمُسْلِمِ، وَإِنْ كَانَ لَهُمَا بَيِّنَتَانِ، فَكَذلِكَ، وَإِنْ كَانَتْ لِأَحَدِهِمَا بَيِّنَةٌ، حُكِمَ لَهُ بِهَا (2)،  (1)

قوله «أَوْ تَنَازَعَا قَمِيْصًا أَحَدُهُمَا آخِذٌ بِكُمِّهِ وَبَاقِيْهِ مَعَ الآخَرِ، فَهُوَ بَيْنَهُمَا»:

لأن يد الممسك بكمه ثابتة على نصفه كما لو كان آخذاً بكمه وباقيه على الأرض فادعاه مدع كان القول قول من هو آخذ بكمه ولا يلتفت إلى من أخذ بالكثير.
(2)

قوله «وَإِنْ تَنَازَعَ مُسْلِمٌ وَكَافِرٌ مِيْرَاثَ مَيِّتٍ، يَزْعُمُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنَّهُ كَانَ عَلى دِيْنِهِ، فَإِنْ عُرِفَ أَصْلُ دِيْنِهِ، حُمِلَ عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يُعْرَفْ أَصْلُ دِيْنِهِ، فَالْمِيْرَاثُ لِلْمُسْلِمِ، وَإِنْ كَانَ لَهُمَا بَيِّنَتَانِ، فَكَذلِكَ، وَإِنْ كَانَتْ لِأَحَدِهِمَا بَيِّنَةٌ، حُكِمَ لَهُ بِهَا»:

جملة هذه المسألة أنه إذا مات شخص ولا يعرف أصل دينه، فالقول قول من يدعيه، وإن لم يعرف فالميراث للكافر إن اعترف المسلم أنه أخ للكافر أو قامت به بينة.
وإن لم يعرف أصل دينه ولم يعترف المسلم أنه أخ للكافر فإن ميراثه للمسلم لأن الإسلام يعلو ولا يعلى عليه، ولأن الظاهر الإسلام في دار الإسلام؛ ولأنه يغلب إسلامه في الصلاة عليه ودفنه فكذلك في ميراثه.
وإن أقام كل منهما بينة أنه على دينه ولم يعرف أصل دينه سقطت البينتان وصار كمن لا بينة له، وحكم به للمسلم لما أوردناه آنفاً.
=

الجزء: 8 - الصفحة: 314

وَإِنِ ادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الشَّرِيْكَيْنِ فِيْ العَبْدِ أَنَّ شَرِيْكَهُ أَعْتَقَ نَصِيْبَهُ مِنْهُ، وَهُمَا مُوْسِرَانِ، عَتَقَ كُلُّهُ وَلا وَلاءَ لَهُمَا عَلَيْهِ (1)، وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا مُوْسِرًا وَالآخَرُ مُعْسِرًا، عَتَقَ نَصِيْبُ الْمُعْسِرِ وَحْدَهُ (2)،  =وإن قال شاهدان: نعرفه مسلماً، وشاهدان نعرفه كافراً، ولم يؤرخا معرفتهم، ولا عرف أصل دينه فالميراث للمسلم.

(1)

قوله «وَإِنِ ادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الشَّرِيْكَيْنِ فِيْ العَبْدِ أَنَّ شَرِيْكَهُ أَعْتَقَ نَصِيْبَهُ مِنْهُ، وَهُمَا مُوْسِرَانِ، عَتَقَ كُلُّهُ وَلا وَلاءَ لَهُمَا عَلَيْهِ»:

لأن كل واحد منهما يعترف بحرية نصيبه مدعياً نصف القيمة على شريكه لكونه أعتق نصيب نفسه وهو موسر فيسري إلى نصيب الآخر ولا ولاء عليه لواحد منهما؛ لأنه لا يدعيه واحد منهما لأن كل واحد منهما يقول: أنت المعتق له وولاؤه لك لا حق لي فيه.
(2)

قوله «وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا مُوْسِرًا وَالآخَرُ مُعْسِرًا، عَتَقَ نَصِيْبُ الْمُعْسِرِ وَحْدَه»:

أي فإذا كان أحد الشريكين موسراً والآخر معسراً عتق نصيب المعسر وحده، لأنه قد صار حراً بإعتاق شريكه الموسر الذي يسري عتقه ولم يعتق نصيب الموسر لأنه يدعي أن المعسر الذي لا يسري عتقه أعتق نصيبه فعتق وحده، ولا تقبل شهادة المعسر لأنه يجر نفعاً بها لكونه يوجب عليه بشهادته قيمة حصته.
فعلى هذا إن لم يكن للعبد بينة سواه فحلف الموسر وبراء من القيمة والعتق معاً، ولا ولاء للمعتق في نصيبه لأنه لا يدعيه ولا للموسر كذلك، فإن عاد المعسر فأعتقه وادعاه ثبت له.

الجزء: 8 - الصفحة: 315

وَإِنْ كَانَا مُعْسِرَيْنِ، لَمْ يَعْتِقْ مِنْهُ شَيْءٌ (1)، وَإِنِ اشْتَرَى أَحَدُهُمَا نَصِيْبَ صَاحِبِهِ، عَتَقَ حِيْنَئِذٍ وَلَمْ يَسْرِ إِلى بَاقِيْهِ، وَلا وَلاءَ لَهُ عَلَيْهِ (2)، وَإِنِ ادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْمُوْسِرَيْنِ أَنَّهُ أَعْتَقَهُ، تَحَالَفَا وَكَانَ وَلاؤُهُ بَيْنَهُمَا (3). وَإِنْ قَالَ السَّيِّدُ لِعَبْدِهِ: إِنْ بَرِئْتُ مِنْ مَرَضِيْ هَذَا، فَأَنْتَ حُرٌّ، وَإِنْ قُتِلْتُ، فَأَنْتَ حُرٌّ، فَادَّعَى العَبْدُ بُرْءَهُ، أَوْ قَتْلَهُ، وَأَنْكَرَ الوَرَثَةُ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُمْ (4)،  (1)

قوله «وَإِنْ كَانَا مُعْسِرَيْنِ، لَمْ يَعْتِقْ مِنْهُ شَيْءٌ»:

لأن اعتراف كل واحد منهما بعتق الآخر لا يوجب اعترافاً بعتق نصيبه لأن عتق المعسر لا يسري.
(2)

قوله «وَإِنِ اشْتَرَى أَحَدُهُمَا نَصِيْبَ صَاحِبِهِ، عَتَقَ حِيْنَئِذٍ وَلَمْ يَسْرِ إِلى بَاقِيْهِ، وَلا وَلاءَ لَهُ عَلَيْهِ»:

يعني الذي كان له قديماً لأن عتقه عليه باعترافه بأن كان حراً ولا يثبت له عليه ولاء لأنه لا يدعي إعتاقه، بل يعترف أن المعتق غيره وإنما هو مخلص له ممن هو في يده ظلماً، فهو كمخلص الأسير من أيدي الكفار.
(3)

قوله «وَإِنِ ادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْمُوْسِرَيْنِ أَنَّهُ أَعْتَقَهُ، تَحَالَفَا وَكَانَ وَلاؤُهُ بَيْنَهُمَا»:

لأن كل واحد منهما يدَّعي أنه أعتقه ويقول لشريكه: أنت المعتق والولاء لك لا حق لي فيه، فإن عاد كل واحد منهما فادعى أنه المعتق وأن الولاء له ثبت لهما الولاء؛ لأنه لا مستحق له.
(4)

قوله «وَإِنْ قَالَ السَّيِّدُ لِعَبْدِهِ: إِنْ بَرِئْتُ مِنْ مَرَضِيْ هَذَا، فَأَنْتَ حُرٌّ، وَإِنْ قُتِلْتُ، فَأَنْتَ حُرٌّ، فَادَّعَى العَبْدُ بُرْءَهُ، أَوْ قَتْلَهُ، وَأَنْكَرَ الوَرَثَةُ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُمْ»:

أي فالقول قولهم مع أيمانهم لأن الأصل عدم ذلك.

الجزء: 8 - الصفحة: 316

وَإِنْ أَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بَيِّنَةً بِقَوْلِهِ، عَتَقَ العَبْدُ؛ لِأَنَّ بَيِّنَتَهُ تَشْهَدُ بِزِيَادَةٍ (1). وَلَوْ مَاتَ رَجُلٌ وَخَلَّفَ ابْنَيْنِ وَعَبْدَيْنِ مُتَسَاوِيَيْ القِيْمَةِ، لا مَالَ لَهُ سِوَاهُمَا، فَأَقَرَّ الاِبْنَانِ أَنَّهُ أَعْتَقَ أَحَدَهُمَا فِيْ مَرَضِهِ، عَتَقَ ثُلُثَاهُ إِنْ لَمْ يُجِيْزَا عِتْقَهُ كُلَّهُ (2)، وَإِنْ قَالَ أَحَدُهُمَا: أَبِيْ أَعْتَقَ هَذَا، وَقَالَ الآخَرُ: بَلْ هَذَا، عَتَقَ ثُلُثُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَكَانَ لِكُلِّ ابْنٍ سُدُسُ الَّذِيْ اعْتَرَفَ بِعِتْقِهِ وَنِصْفُ الآخَرِ (3)،  (1)

قوله «وَإِنْ أَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بَيِّنَةً بِقَوْلِهِ، عَتَقَ العَبْدُ؛ لِأَنَّ بَيِّنَتَهُ تَشْهَدُ بِزِيَادَةٍ»:

هذا أحد القولين في المسألة، وذلك لأن بينة العبد مثبتة وبينتهم نافية والإثبات مقدم على النفي، وفي قول آخر تتعارض البينتان ويبقى العبد رقيقا لأن كل واحدة منهما تثبت ما شهدت به وتنفي ما شهدت به الأخرى فهما سواء.
(2)

قوله «وَلَوْ مَاتَ رَجُلٌ وَخَلَّفَ ابْنَيْنِ وَعَبْدَيْنِ مُتَسَاوِيَيْ القِيْمَةِ، لا مَالَ لَهُ سِوَاهُمَا، فَأَقَرَّ الاِبْنَانِ أَنَّهُ أَعْتَقَ أَحَدَهُمَا فِيْ مَرَضِهِ، عَتَقَ ثُلُثَاهُ إِنْ لَمْ يُجِيْزَا عِتْقَهُ كُلَّهُ»:

وجه كونه يعتق ثلثاه لأن ثلثيه ثلث جميع المال، فإنه لو كانت قيمتهما ستمائة كل واحد منهما ثلاثمائة كان ثلثها مائتين وهي ثلثا العبد فإن أجازا عتق جميعه؛ لأن الحق لهما إن شاءا أخذاه وإن شاءا تركاه.
(3)

قوله «وَإِنْ قَالَ أَحَدُهُمَا: أَبِيْ أَعْتَقَ هَذَا، وَقَالَ الآخَرُ: بَلْ هَذَا، عَتَقَ ثُلُثُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَكَانَ لِكُلِّ ابْنٍ سُدُسُ الَّذِيْ اعْتَرَفَ بِعِتْقِهِ وَنِصْفُ الآخَرِ»:

صورة هذه المسألة: أن يقول شخص لأحد عبديه أنت حر بعد موتي، فيموت الرجل ويتنازع ابناه فيمن عينه الأب، فيقول أحدهما=

الجزء: 8 - الصفحة: 317

وَإِنْ قَالَ الثَّانِيْ: أَبِيْ أَعْتَقَ أَحَدَهُمَا لا أَدْرِيْ مَنْ مِنْهُمَا، أُقْرِعَ بَيْنَهُمَا، وَقَامَتِ القُرْعَةُ مَقَامَ تَعْيِيْنِهِ (1)،  =أبي أعتق هذا، ويقول الآخر بل هذا، فهنا يعتق ثلث كل واحد منهما لكل ابن سدس الذي اعترف بعتقه ونصف الآخر؛ لأن كل واحد من الابنين إذا عيّن واحداً صار مدعياً أنه أعتق منه ثلثاه, وأنه لم يبق منه على الرق إلا ثلثه ميراثاً بينهما لكل واحد منهما سدسه، وإن الآخر كله رقيق لكل واحد منهما نصفه، فيعمل بقول كل واحد منهما في توريثه منهما فيصير له سدس العبد الذي اعترف بعتقه ونصف الآخر، ويصير ثلث كل واحد من العبدين حراً، لأن كل واحد من الابنين نصف العبدين فقبل قوله في نصيبه فعتق ثلث نصيبه من العبدين وجمعناه في العبد الذي اعترف بعتقه وذلك ثلثه.

(1)

قوله «وَإِنْ قَالَ الثَّانِيْ: أَبِيْ أَعْتَقَ أَحَدَهُمَا لا أَدْرِيْ مَنْ مِنْهُمَا، أُقْرِعَ بَيْنَهُمَا، وَقَامَتِ القُرْعَةُ مَقَامَ تَعْيِيْنِهِ»:

أي فإن قال أحدهما أبي أعتق هذا ويقول الآخر أبي أعتق أحدهما لا أدري من منهما، فتقوم القرعة مقام تعيين الذي لم يعين، فإن وقعت القرعة على الذي اعترف الابن بعتقه عتق منه ثلثاه إن لم يجيزا عتقه كاملاً.
وإن وقعت على الآخر كان حكمه حكم ما لو عين العتق في العبد الثاني سواء.

الجزء: 8 - الصفحة: 318

بابُ حُكْمِ كِتابِ القاضِيْ

(1)  (1)

قوله «بابُ حُكْمِ كِتابِ القاضِيْ»:

المراد بكتاب القاضي

: ما يكتبه القاضي الذي نظر في القضية وحكم بها إلى قاض آخر لينفِّذه، أو ما يكتبه القاضي إليه فيما ثبت عنده من تحرير الدعوى وسماع الشهود ليحكم به وينفذه، وفي ذلك من الفوائد تسهيل القضايا والتعجيل في إنهائها، فقد يكون القاضي المكتوب إليه ذا عمل كثير، والقاضي الكاتب الذي نظر في القضية وأثبتها أقل.

ذكر بعض الفوائد

:

- الفائدة الأُولى: الأصل في مشروعية كتاب القاضي إلى القاضي،

الكتاب والسنة والإجماع: أما الكتاب فقوله سبحانه: ﴿إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ 50 , وأما السنة فإن النبي -صلى الله عليه وسلم- كتب إلى كسرى وقيصر والنجاشي وملوك الأطراف وكان في كتابه إلى هرقل: «بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مِنْ مُحَمَّدٍ عَبْدِ اللهِ وَرَسُولِهِ إِلَى هِرَقْلَ عَظِيمِ الرُّومِ سَلامٌ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّي أَدْعُوكَ بِدِعَايَةِ الإِسْلامِ أَسْلِمْ تَسْلَمْ وَأَسْلِمْ يُؤْتِكَ اللَّهُ أَجْرَكَ مَرَّتَيْنِ فَإِنْ تَوَلَّيْتَ فَعَلَيْكَ إِثْمُ الأَرِيسِيِّينَ، وَ ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَنْ لا نَعْبُدَ إِلاَّ اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾» 51.

الجزء: 8 - الصفحة: 319

يَجُوْزُ الحُكْمُ عَلى الغَائِبِ، إِذا كَانَتْ لِلْمُدَّعِيْ بَيِّنَةٌ (1)،  =وأجمعت الأمة على كتاب القاضي إلى القاضي، ولأن الحاجة إلى قبوله داعية، فإن من له حق في بلد غير بلده لا يمكنه إثباته والمطالبة به إلا بكتاب القاضي فوجب قبوله وأخذ المحكوم عليه به لأن ذلك هو المقصود منه.

الفائدة الثانية: كتاب القاضي إلى القاضي على نوعين

:

النوع الأول: أن يكتب إلى القاضي فيما حكم به لينفذه المكتوب إليه

وهذا يقبل، ولو كان كل من الكاتب والمكتوب إليه في بلد واحد؛ لأن حكم الحاكم يجب إمضاؤه على كل حال.

النوع الثاني: أن يكتب إلى القاضي فيما ثبت عنده ليحكم به القاضي المكتوب إليه

، ويشترط لقبول هذا النوع أن يكون بين الكاتب والمكتوب إليه مسافة قصر فأكثر؛ لأنه نقل شهادة إلى المكتوب إليه، فلم يجز مع القرب.
(1)

قوله «يَجُوْزُ الحُكْمُ عَلى الغَائِبِ، إِذا كَانَتْ لِلْمُدَّعِيْ بَيِّنَةٌ»:

أي من ادَّعى حقا على غائب في بلد آخر وطلب من الحاكم سماع البينة والحكم بها عليه أجابه إلى ذلك وسمع بينته وحكم بها.
والمراد بالغائب هنا الغائب عن البلد، أو الذي في البلد لكنه مستتر متخفٍّ، لا يمكن الوصول إليه، ففي هاتين الحالتين يحكم على الغائب إذا ثبت عليه الحق، والدليل على ذلك حديث هند بنت عتبة رضي الله عنها أنها جاءت إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- تقول له: إن أبا سفيان رجل شحيح لا يعطيني من النفقة ما يكفيني وولدي، فقال -صلى الله عليه وسلم-: «خُذِي مَا يَكْفِيكِ=

الجزء: 8 - الصفحة: 320

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =وَوَلَدَكِ بِالْمَعْرُوفِ» 52، فقد حكم عليه النبي -صلى الله عليه وسلم- وهو غائب، قالوا: فهذا دليل على أنه يحكم على الغائب.
أما التعليل: فلأننا لو لم نحكم له لضاع حقه؛ لأن هذا غائب، ما ندري هل يحضر، أو لا يحضر، أو يموت؟ القول الثاني: في هذه المسألة وهو رواية عن الأمام أحمد 53، وهو مذهب أبي حنيفة 54 أنه لا يقضى على غائب - أي بالبينة - سواء أكان غائباً وقت الشهادة أم بعدها وبعد التزكية، وسواء أكان غائباً عن المجلس أم عن البلد حتى يحضر.
أما إذا أقر عند القاضي فيقضى عليه وهو غائب؛ لأن له أن يطعن في البينة دون الإقرار؛ ولأن القضاء بالإقرار قضاء إعانة، وإذا أنفذ القاضي إقراره سلم إلى المدعي.
والذي أرى أنه يرجع إلى رأي الحاكم في هذه المسألة، فقد يجد الحاكم من القرائن ما يقتضي الحكم على الغائب؛ لكون هذا المدعي رجلاً ثقة عدلاً، لا يمكن أن يدعي ما ليس له، والمدعى عليه بخلاف ذلك، فإذا كان عنده من القرائن ما يدل على صحة دعوى المدعي فليحكم بذلك، وإذا لم يكن عنده قرائن فالواجب أن يمسك ولا يحكم حتى ينظر حجة=

الجزء: 8 - الصفحة: 321

وَمَتَى حَكَمَ عَلى غَائِبٍ، ثُمَّ كَتَبَ بِحُكْمِهِ إِلى قَاضِيْ بَلَدِ الغَائِبِ، لَزِمَهُ قَبُوْلُهُ، وَأَخَذَ الْمَحْكُوْمَ عَلَيْهِ بِهِ (1). وَلا يَثْبُتُ إِلاَّ بِشَاهِدَيْنِ عَدْلَيْنِ (2)،  =الخصم؛ لاحتمال أنه قضاه.
أما الاستدلال بحديث هند بنت عتبة رضي الله عنها فهذا الاستدلال فيه نظر من وجهين: الوجه الأول: أن أبا سفيان لم يكن غائباً عن مكة، بل كان في مكة أثناء هذا القضاء، وهم لا يقولون بالقضاء على الغائب في البلد.
الوجه الثاني: أن هذا من باب الفتوى وليس من باب القضاء بدليل أن النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يسألها البينة.

(1)

قوله «وَمَتَى حَكَمَ عَلى غَائِبٍ، ثُمَّ كَتَبَ بِحُكْمِهِ إِلى قَاضِيْ بَلَدِ الغَائِبِ، لَزِمَهُ قَبُوْلُهُ، وَأَخَذَ الْمَحْكُوْمَ عَلَيْهِ بِه»

أي: إذا كتب هذا القاضي بما حكم به كتاباً إلى قاض من قضاة المسلمين لزمه قبوله سواء كانت بينهما مسافة بعيدة أو قريبة، حتى لو كانا في جانبي بلد أو مجلس لزمه قبوله وإمضاؤه سواء كان حكماً على حاضر أو غائب لأن حكم الحاكم يجب إمضاؤه على كل حاكم.
(2)

قوله «وَلا يَثْبُتُ إِلاَّ بِشَاهِدَيْنِ عَدْلَيْنِ»:

أي وإنما يقبل كتاب القاضي إلى القاضي بشهادة عدلين، يضبطان معناه وما يتعلق به الحكم بعد أن يقرأه القاضي الكاتب عليهما، ثم يدفعه إليهما ليوصلاه إلى القاضي المكتوب إليه بعد أن يختمه صوناً لما فيه.
والأظهر في هذه المسألة أنه يُكْتَفَى بختم الكتاب وإعطائه إياهما مختوماً، =

الجزء: 8 - الصفحة: 322

يَقُوْلانِ: قَرَأَهُ عَلَيْنَا، أَوْ قُرِئَ عَلَيْهِ بِحَضْرَتِنَا، فَقَالَ: اشْهَدَا عَلَيَّ أَنَّ هَذَا كِتَابِيْ إِلى فُلانٍ، أَوْ إِلى مَنْ يَصِلُ إِلَيْهِ مِنْ قُضَاةِ الْمُسْلِمِيْنَ وَحُكَّامِهِمْ (1)،  = دون أن يطلعهما على ما فيه، لئلا ينتشر ما دُوِّن في الكتاب، ثم إن هذه الأمور ذكرها الفقهاء رحمهم الله باعتبار ما في زمانهم، أما الآن فالإرسال بواسطة البريد وآلات الإرسال الأخرى تقوم مقام ما ذكره الفقهاء من ذكر الشاهدين وتوابع ذلك، بل إن ابن القيم (1) -رحمه الله- رجّح أنه لا يشترط الإشهاد في كتاب القاضي، وأن الإشهاد ليس عليه دليل لا من كتاب ولا من سنة.

(1)

قوله «يَقُوْلانِ: قَرَأَهُ عَلَيْنَا، أَوْ قُرِئَ عَلَيْهِ بِحَضْرَتِنَا، فَقَالَ: اشْهَدَا عَلَيَّ أَنَّ هَذَا كِتَابِيْ إِلى فُلانٍ، أَوْ إِلى مَنْ يَصِلُ إِلَيْهِ مِنْ قُضَاةِ الْمُسْلِمِيْنَ وَحُكَّامِهِمْ»:

هذه هي طريقة الإشهاد على كتاب القاضي إلى القاضي، وجملة طريقة الإشهاد هي أنه متى فرغ القاضي من كتابة الكتاب دعا رجلين فيقرأ عليهما الكتاب أو يقرؤه غيره عليهما والأحوط أن ينظرا معه فيما يقرؤه فإن لم ينظرا جاز لأنه لا يستقرأ إلا ثقة فإذا قراء عليهما قال اشهدا عليَّ أن هذا كتابي إلي فلان، وإن قال اشهدا علي بما فيه كان أولى.

فائدة: يعتبر في ثبوت كتاب القاضي إلى القاضي ثلاثة شروط

: أحدها: أن يشهد به شاهدان عدلان، وقد سبق الإشارة إلى الخلاف في هذا الشرط، وقلنا بأن الراجح أنه يكفي معرفة خطه، وختمه، وإعطائه=55

الجزء: 8 - الصفحة: 323

فَإِنْ مَاتَ الْمَكْتُوْبُ إِلَيْهِ، أَوْ عُزِلَ، فَوَصَلَ إِلى غَيْرِهِ، عَمِلَ بِهِ، وَإِنْ مَاتَ الكَاتِبُ، أَوْ عُزِلَ بَعْدَ حُكْمِهِ، جَازَ قَبُوْلُ كِتَابِهِ (1)،  =إياهما مختوماً.

الثاني: أن يكتب القاضي من موضع ولايته

، فإن كتب القاضي من غير عمله كتاباً لم يسغ قبوله؛ لأنه لا يسوغ له في غير ولايته حكم فهو كالعامي.

الشرط الثالث: أن يصل الكتاب إلى المكتوب إليه في موضع

ولايته، فإن وصل في غير موضع ولايته لم يكن له قبوله حتى يصل إلى موضع ولايته لما سبق.
(1)

قوله «فَإِنْ مَاتَ الْمَكْتُوْبُ إِلَيْهِ، أَوْ عُزِلَ، فَوَصَلَ إِلى غَيْرِهِ، عَمِلَ بِهِ، وَإِنْ مَاتَ الكَاتِبُ، أَوْ عُزِلَ بَعْدَ حُكْمِهِ، جَازَ قَبُوْلُ كِتَابِهِ»:

جملة ذلك أنه لا يخلو من أن تتغير حال القاضي الكاتب، أو المكتوب إليه، أو حالهما معا.
فإن تغيرت حال الكاتب بموت أو عزل بعد أن كتب الكتاب وأشهد على نفسه لم يقدح في كتابه، وكان على من وصله الكتاب قبوله والعمل به سواء تغيرت حاله قبل خروج الكتاب من بلده أو بعده لأن المعول في الكتاب على الشاهدين اللذين يشهدان على الحاكم وهما حيّان فيجب أن ينقل كتابه كما لو لم يمت، ولأن كتابه إن كان فيما حكم به فحكمه لا يبطل بموته وعزله، وإن كان فيما ثبت عنده بشهادة فهو أصل واللذان شهدا عليه فرع ولا تبطل شهادة الفرع بموت شاهدي الأصل.

الجزء: 8 - الصفحة: 324

وَيُقْبَلُ كِتَابُ القَاضِيْ فِيْ كُلِّ حَقٍّ، إِلاَّ الحُدُوْدَ وَالقِصَاص (1)،  (1)

قوله «وَيُقْبَلُ كِتَابُ القَاضِيْ فِيْ كُلِّ حَقٍّ، إِلاَّ الحُدُوْدَ وَالقِصَاصَ»:

أي إن كتاب القاضي إلى القاضي لا يقبل في الحدود كحد الزنا، أو السرقة، وكذلك في القصاص إلا في حق الآدمي، كالقرض، والبيع، والإجارة، والطلاق، والنكاح، ونحو ذلك.
قال الوزير: «اتفقوا على أن كتاب القاضي إلى القاضي من مصر إلى مصر في الحقوق التي هي المال، أو ما كان المقصود منه المال جائز مقبول» 56. أما في حدود الله تعالى كحد الزنا والشرب ونحوهما، فلا يقبل كتاب القاضي إلى القاضي، لأن حقوق الله تعالى مبنية على الستر والدرء بالشبهات، والإسقاط بالرجوع عن الإقرار بها والشهادة على الشهادة لا تخلو من الشبهة، وهذا هو المذهب 57. والقول الثانِي: أن كتاب القاضي إلى القاضي يقبل حتى في حدود الله تعالى، وهو قول مالك، وهو قول الشافعية، ورواية عن أحمد في القصاص 58، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية 59، وشيخنا 60 -رحمه الله-، وذلك لأن هذا الرجل الذي فعل ما يقتضي الحكم عليه هو الذي فضح نفسه، وإقامة الحد عليه أمام الناس فيه نشر لجريمته، وهذا هو الصواب.

الجزء: 8 - الصفحة: 325

بابُ القِسْمَةِ

(1)  (1)

قوله «بابُ القِسْمَةِ»:

القِسمة: بكسر القاف، اسم يطلق على التفريق، من قَسَمَ يقسم قَسْمَاً: إذا فرز الشيء أجزاء، وتطلق القسمة على النصيب أيضاً، ويقال: القِسْم بالكسر، والمراد هنا: تمييز الحقوق وإفراز الأنصباء.

ذكر بعض الفوائد

:

  • الفائدة الأولى: هذا الباب له تعلّق بموضوعات كثيرة كالأضحية والفرائض والشركة والوصايا، لكن ذكروه في أبواب «القضاء»، لأن القاضي لا يستغني عن القاسم، للحاجة إلى قسمة المشتركات، بل إن القاسم كالحاكم، فَحَسُنَ الكلام على مسائل القسمة مع الأقضية.

الفائدة الثانية: الأصل في مشروعية القسمة

الكتاب، والسنة، والإجماع، والمعنى: فدلالة الكتاب: قوله تعالى: ﴿وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ﴾ 61، وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى﴾ 62 الآية.
وأما السنة: فحديث جابر -رضي الله عنه- قال: «قَضَى رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- بالشُّفْعَةِ فِي كُلِّ مَالٍ لَمْ يُقْسَمْ، فَإِذَا وَقَعَتْ الحُدُودُ وَصُرِّفَتِ الطُّرُقُ فَلا شُفْعَةَ» 63. وأما الإجماع: فقد أجمع المسلمون في الجملة على جواز القسمة.
=

الجزء: 8 - الصفحة: 326

وَهِيَ نَوْعَانِ: قِسْمَةُ إِجْبَارٍ، وَهِيَ: قِسْمَةُ مَا يُمْكِنُ قِسْمَتُهُ مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ، وَلا رَدِّ عِوَضٍ إِذَا طَلَبَ أَحَدُ الشَّرِيْكَيْنِ قَسْمَهُ، فَأَبَى الآخَرُ، أَجْبَرَهُ الحَاكِمُ عَلَيْهِ إِذَا ثَبَتَ عِنْدَهُ مِلْكُهُمَا بِبَيِّنَةٍ (1)،  =وأما المعنى: فلأن الحاجة داعية إليها؛ إذ لا سبيل إلى إعطاء ذوي الحقوق حقوقهم من الشيء المشترك إلا بالقسمة.

(1)

قوله «وَهِيَ نَوْعَانِ: قِسْمَةُ إِجْبَارٍ، وَهِيَ: قِسْمَةُ مَا يُمْكِنُ قِسْمَتُهُ مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ، وَلا رَدِّ عِوَضٍ إِذَا طَلَبَ أَحَدُ الشَّرِيْكَيْنِ قَسْمَهُ، فَأَبَى الآخَرُ، أَجْبَرَهُ الحَاكِمُ عَلَيْهِ إِذَا ثَبَتَ عِنْدَهُ مِلْكُهُمَا بِبَيِّنَةٍ»:

هذا هو النوع الأول من

أنواع القسمة

، وهي قسمة الإجبار، وهي ما لا ضرر في قسمته على أحد الشركاء ولا رد عوض في قسمته من أحد الشركاء على الآخر، كالأرض الواسعة، والدار الكبيرة، والدكاكين الواسعة، والسيارات الجديدة من جنس واحد، والمكيل والموزون من جنس واحد، كالأرز، والقهوة، والهيل، والسكر ونحو ذلك، وسميت بذلك لأنها لا تتوقف على رضا الشركاء، بل يُجبر من امتنع، وضابطها كل قسمة ليس فيها ضرر ولا رد عوض.
ويشترط لإجبار الممتنع من هذه القسمة ثلاثة شروط:

1 -

أن يثبت عند الحاكم ملك الشركاء.

2 -

أن يثبت أن لا ضرر.

3 -

وأن يثبت إمكان تعديل السهام في العين المقسومة من غير شيء يجعل فيها،

لأنها تصير بيعا والبيع لا يجبر عليه أحد المتبايعين.
مثال ذلك: أرض قيمتها مائة فيها شجرة وبئر يساوي مائتين، فإذا=

الجزء: 8 - الصفحة: 327

فَإِنْ أَقَرَّ بِهِ، لَمْ يُجْبِرِ الْمُمْتَنِعَ عَلَيْهِ (1)، وَإِنْ طَلَبَاهَا فِيْ هَذِهِ الحَالِ، قُسِمَتْ بَيْنَهُمَا، وَأَثْبَتَ فِيْ القَضِيَّةِ أَنَّ قَسْمَهُ كَانَ عَنْ إِقْرَارِهِمَا، لا بِبَيِّنَةٍ (2)  =جعلت الأرض سهماً كانت الثلث فيحتاج أن يجعل معها خمسون يردها عليه من لم تخرج له البئر أو الشجرة ليكونا نصفين متساويين، فهذه فيها بيع.
فإذا اجتمعت الشروط الثلاثة أجبر الممتنع من القسمة عليها لأنها تتضمن إزالة ضرر الشركة عنهما وحصول النفع لهما لأن نصيب كل واحد منهما إذا تميز كان له أن يتصرف فيه بحسب اختياره ويتمكن من إحداث الغراس والبناء فيه والإجارة والعارية، ولا يمكنه ذلك مع الاشتراك فوجب أن لا يجبر الآخر عليه لقوله -صلى الله عليه وسلم- «لا ضرر ولا ضرار»، ولأنها تمكن كل واحد من التصرف في نصيبه والانتفاع به بإحداث الغراس والبناء مما لا يتمكن منه مع بقاء الشركة.

(1)

قوله «فَإِنْ أَقَرَّ بِهِ، لَمْ يُجْبِرِ الْمُمْتَنِعَ عَلَيْهِ»:

أي فإن أقر الشريكان ملكيتهما لهذا المال، وأنهما شريكان فيه فإنه لا يجبر الممتنع من هذين الشريكين على القسم عليه لأنه لم يوجد شرط الإجبار، ولأن في الإجبار على القسمة حكماً على الممتنع منهما، ولا يصح هذا الحكم إلا إذا كان تحقق من ملكية خصمه لهذا المال.
(2)

قوله «وَإِنْ طَلَبَاهَا فِيْ هَذِهِ الحَالِ، قُسِمَتْ بَيْنَهُمَا، وَأَثْبَتَ فِيْ القَضِيَّةِ أَنَّ قَسْمَهُ كَانَ عَنْ إِقْرَارِهِمَا، لا بِبَيِّنَةٍ»:

أي وإن طلب الشريكان معاً القسمة في حال ثبوت ملكيتهما لهذا المال بإقرار كل من الشريكين لصاحبه =

الجزء: 8 - الصفحة: 328

قِسْمَةُ التَّرَاضِيْ (1)،  =لا عن بينة قسمت بينهما، وأثبت أن القسمة كانت عن إقرار لا عن بينة وذلك لئلا يحتج بهذا الحكم على ملكيتهما لهذا المال، بل هو مجرد قسمة بينهما.
(1) قوله «قِسْمَةُ التَّرَاضِيْ»: هذا هو النوع الثاني من القسمة، وهو قسمة التراضي: وهي التي لا بد أن يتفق عليها جميع الشركاء، ولا تجوز بدون رضاهم، وهي التي لا تمكن إلا بحصول ضرر، ولو على بعض الشركاء، أو برد عوض من أحد الشركاء على الآخر، وتكون في الدور الصغار والدكاكين الضيقة والأرض المختلفة أجزاؤها بسبب بناء أو شجر في بعضها أو كون بعضها يتعلق به رغبة تخضه دون البعض الآخر.
فهذا النوع من المشترك لا يجوز قسمته إلا باتفاق الشركاء وتراضيهم؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم-: «لا ضرر ولا ضرار»، فهو يدل بعمومه على عدم جواز قسم ما لا ينقسم إلا بضرر إلا بالتراضي.
وهذه القسمة تأخذ حكم البيع، برد ما فيه عيب، ويدخلها خيار المجلس والشرط ونحوه، ولا يجبر من امتنع من قبولها من الشركاء.
لكن متى طلب أحد الشركاء بيع هذا المشترك؛ أجبر الممتنع، فإن أبى باعه الحاكم عليهما، وقسم الثمن بينهما على قدر حصصهما.

و

ضابط الضرر الذي يمنع هذه القسمة

هو نقص القيمة بالقسمة، سواء انتفعوا به مقسوماً أم لا؛ فلا يعتبر ضرر كونهما لا ينتفعان به مقسوماً.

الجزء: 8 - الصفحة: 329

وَهِيَ قِسْمَةُ مَا فِيْهِ ضَرَرٌ؛ بِأَنْ لا يَنْتَفِعَ أَحَدُهُمَا بِنَصِيْبِهِ فِيْمَا هُوَ لَهُ، أَوْ لا يُمْكِنُ تَعْدِيْلُهُ، إِلاَّ بِرَدِّ عِوَضٍ مِنْ أَحَدِهِمَا، فَلا إِجْبَارَ فِيْهَا (1)،  (1)

قوله «وَهِيَ قِسْمَةُ مَا فِيْهِ ضَرَرٌ؛ بِأَنْ لا يَنْتَفِعَ أَحَدُهُمَا بِنَصِيْبِهِ فِيْمَا هُوَ لَهُ، أَوْ لا يُمْكِنُ تَعْدِيْلُهُ، إِلاَّ بِرَدِّ عِوَضٍ مِنْ أَحَدِهِمَا، فَلا إِجْبَارَ فِيْهَا»:

هذا هو الضابط لما قسمته قسمة تراضٍ، فكل مشترك بين شخصين فأكثر لا ينقسم إلا بضرر أو برد عوض فإنه لا ينفذ إلا برضا الشركاء كلهم؛ لأنه إذا كان فيها ضرر فلا يمكن أن يضار أحد إلا إذا رضي بالضرر على نفسه، وهو عاقل بالغ رشيد، ولأنها إذا احتاجت إلى رد عوض صارت بمنزلة البيع، لأن فيها عوضاً ومعوضاً، والبيع لا بد فيه من التراضي.
واختلف الفقهاء في الضرر المانع من القسمة، قيل: بأن الضرر المانع من القسمة هو الذي ينقص القيمة، وهذا أحد القولين في تفسير الضرر المانع من القسمة.
والقول الثانِي: أن الضرر هو ألا ينتفع أحد منهم بنصيبه، لأن ذلك ضرر شديد يفضي إلى إضاعة المال، فيكون منهياً عنه، بخلاف نقصان القيمة، فإن اعتباره يؤدي إلى بطلان القسمة غالباً، فوجب أن لا يعتبر، فلو كان لشخصين أرض قيمتها ستة آلاف، لأحدهما سدس، وللآخر خمسة أسداس، ومساحتها «أربعة وعشرون» متراً، فإننا إذا قسمناها لم تنقص القيمة، لكن صاحب السدس لا ينتفع بسدسه، وهو أربعة أمتار فعلى المعنى الأول هي قسمة إجبار - كما سبق - وعلى الثانِي قسمة تراض، لما تقدم، وقوله: «إِلاَّ بِرَدِّ عِوَضٍ مِنْ أَحَدِهِمَا»، مثال: رد العوض: أرض=

الجزء: 8 - الصفحة: 330

وَالقِسْمَةُ إِفْرَازُ حَقٍّ لا يَسْتَحِقُّ بِهَا شُفْعَةٌ، وَلا يَثْبُتُ فِيْهَا خِيَارٌ (1)، وَتَجُوْزُ فِيْ المَكِيْلِ وَزْنًا، وَفِيْ الْمَوْزُوْنِ كَيْلاً، وَفِيْ الثِّمَارِ خَرْصًا (2)، وَتَجُوْزُ قِسْمَةُ الوَقْفِ إِذَا لَمْ يَكُنْ فِيْهَا رَدُّ عِوَضٍ (3)،  =بين شريكين فيها جبال أو مرتفعات ولا يُمكن تعديلها بالسهام ولا بالمناصفة المتساوية، فنجعلها قسمين، وما فيه جبال - مثلاً - يضاف إليه عوض من المال ليساوي الكامل.
وتسمى القسمة إذا كان فيها رد عوض قسمة تعديل، لأن الحصص فيها لا تستقيم متساوية إلا بأن يجعل مع بعضها عوضاً.

(1)

قوله «وَالقِسْمَةُ إِفْرَازُ حَقٍّ لا يَسْتَحِقُّ بِهَا شُفْعَةٌ، وَلا يَثْبُتُ فِيْهَا خِيَارٌ»:

أي إن هذه القسمة وهي قسمة الإجبار إفراز لحق أحد الشريكين من الآخر، لا بيع، لأنها تخالفه في الأحكام والأسباب، ولذا لم يشترط فيها التراضي، وليس فيها خيار مجلس.
(2)

قوله «وَتَجُوْزُ فِيْ المَكِيْلِ وَزْنًا، وَفِيْ الْمَوْزُوْنِ كَيْلاً، وَفِيْ الثِّمَارِ خَرْصًا»:

أي: وتجوز قسمة التراض في المكيل وزناً، وفي الموزون كيلاً، وفي الثمار خرصاً لأنها ليست بيعاً، ولأنها إفراز حق فإن ذلك كله جائز.
وأما إن قلنا إنها بيع لم يجز فيها شيء من ذلك على ما مر في كتاب البيع.

(3)

قوله «وَتَجُوْزُ قِسْمَةُ الوَقْفِ إِذَا لَمْ يَكُنْ فِيْهَا رَدُّ عِوَضٍ»:

أي وتصح قسمة الوقف إذا لم يكن فيها رد عوض، فإن كان فيها رد لم تجز قسمة الوقف لأنه لا يجوز بيع شيء منه.

الجزء: 8 - الصفحة: 331

فَإِنْ كَانَ بَعْضُهُ طِلْقًا، وَبَعْضُهُ وَقْفًا، وَفِيْهَا رَدُّ عِوَضٍ مِنْ صَاحِبِ الطِّلْقِ لَمْ يَجُزْ (1)، وَإِذَا عُدِّلَتِ الأَجْزَاءُ، أُقرِعَ عَلَيْهَا، فَمَنْ خَرَجَ سَهْمُهُ عَلى شَيْءٍ، صَارَ لَهُ، وَلَزِمَ بِذلِكَ (2). وَيَجِبُ أَنْ قَاسِمَ الحَاكِمِ عَدْلاً، وَكَذلِكَ كَاتِبُهُ (3).  (1)

قوله «فَإِنْ كَانَ بَعْضُهُ طِلْقًا، وَبَعْضُهُ وَقْفًا، وَفِيْهَا رَدُّ عِوَضٍ مِنْ صَاحِبِ الطِّلْقِ لَمْ يَجُزْ وَإِنْ كَانَ مِنْ رَبِّ الوَقْفِ، جَازَ»:

أي إن كان بعض العقار طلقاً، وبعضه وقفاً والرد من صاحب الطلق لم يجز لأنه يشتري بعض الوقف، وإن كان من أهل الوقف جاز لأنهم يشترون بعض الطلق وذلك جائز.
(2)

قوله «وَإِذَا عُدِّلَتِ الأَجْزَاءُ، أُقرِعَ عَلَيْهَا، فَمَنْ خَرَجَ سَهْمُهُ عَلى شَيْءٍ، صَارَ لَهُ، وَلَزِمَ بِذلِكَ»:

أي إذا اجتهد من يتولى القسمة بين الشركاء في أن تكون الأنصبة متعادلة، أُقرع عليها لأن العمل بالقرعة مشروع في كل مسألة لا يوجد فيها مرجح فإذا عدلت السهام أقرع بينهم وكيف ما أقرع جاز.
(3)

قوله «وَيَجِبُ أَنْ قَاسِمَ الحَاكِمِ عَدْلاً، وَكَذلِكَ كَاتِبُهُ»:

هذا شرط القاسم، وهو أن يكون عدلاً، لِيُقبل قوله في القسمة، وأن يكون عارفاً بالقسمة كذلك، ليحصل منه المقصود، لأنه إذا لم يعرف ذلك لم يكن تعيينه للسهام مقبولاً.

الجزء: 8 - الصفحة: 332

فصول الكتاب · 25 فصل
فصول وبل الغمامة في شرح عمدة الفقه لابن قدامة
المقدمةالمقدمةكِتَابُ الصَّلاةِكتاب الجنائزكِتَابُ الزَّكَاةِكِتَابُ الصِّيَامِكتاب الحجكِتَابُ الْبَيْعِكِتَابُ الْوَقْفِكِتَابُ الْوَصَايَاكتاب الفرائضكتاب النكاحكتاب النِّكاحِكِتابُ الصَّدَاقِكتاب الطلاقكِتابُ الظِّهارِكِتابُ الأَطْعِمَةِكتاب الصيدكِتَابُ الأَيْمَانِكتاب الجناياتكِتابُ الدِّياتِكِتابُ الحُدُوْدِكِتابُ الجِهَادِكِتابُ القَضَاءِ
قوله «كِتابُ القَضَاءِ»:قوله «وَهُوَ فَرْضُ كِفَايَةٍ»:قوله «يَلْزَمُ الإِمَامَ نَصْبُ مَنْ يُكْتَفِى بِهِ فِيْ القَضَاءِ»:قوله «وَيَجِبُ عَلى مَنْ يَصْلُحُ لَهُ، إِذَا طُلِبَ وَلَمْ يُوْجَدْ غَيْرُهُ، الإِجَابَةُ إِلَيْهِ»:الأول: من لا يجوز له الدخول فيهالثاني: من يجوز له ولا يجب- فائدة: في الفرق بين المفتي والقاضي:قوله «وَإِنْ وُجِدَ غَيْرُهُ، فَالأَفْضَلُ تَرْكُهُ»:قوله «وَمِنْ شَرْطِهِ أَنْ يَكُوْنَ رَجُلاً»:الشروط المعتبرة في القاضيقوله «حُرًّا»:قوله «مَسْلِمًا»:قوله «سَمِيعَاً»:قوله «بَصِيْرَاً»:قوله «مُتكَلِّمَاً»:قوله «عَدْلاً»:قوله «عَالِمًا»الثانِي: أن يكون عالماً بسنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-الثالث: أن يكون عالماً بمسائل الإجماع،الرابع: أن يكون مطلعاً على خلاف العلماء من الصحابة والتابعين،الخامس: أن يكون عالماً بطرق الاجتهاد،السادس: أن يكون عالماً بلسان العرب من اللغة والنحوقوله «وَلا يَجُوْزُ لَهُ أَنْ يَقْبَلَ رِشْوَةً»:قول «وَلا هَدِيَّةً مِمَّنْ لَمْ يَكُنْ يُهْدِيْ إِلَيْهِ»:قوله «وَلا الحُكْمُ قَبْلَ مَعْرِفَةِ الحَقِّ»قوله «فَإِنْ أَشْكَلَ عَلَيْهِ، شَاوَرَ فِيْهِ أَهْلَ العِلْمِ وَالأَمَانَةِ»:قوله «وَلا يَحْكُمُ وَهُوَ غَضْبَانُ»:قوله «وَلا فِيْ حَالٍ يَمْنَعُ اسْتِيْفَاءَ الرَّأْيِ»:قوله «وَلا يَتَّخِذُ فِيْ مَجْلِسِ الحُكْمِ بَوَّابًا»:قوله «وَيَجِبُ عَلَيْهِ العَدْلُ بَيْنَ الخَصْمَيْنِ فِيْ الدُّخُوْلِ عَلَيْهِ، وَالْمَجْلِسِ، وَالْخِطَابِ»:بابُ صِفَةِ الحُكْمِقوله «بابُ صِفَةِ الحُكْمِ»:قوله «إِذا جَلَسَ إِلَيْهِ الخَصْمَانِ، فَادَّعَى أَحَدُهُمَا عَلى الآخَرِ، لَمْ تُسْمَعِ الدَّعْاى إِلاَّ مُحَرَّرَةً تَحْرِيْرًا يَعْلَمُ بِهِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ»:أن تكون محررةانفكاكها عما يكذبها؛تعيين المدعى بهقوله «فَإِنْ كَانَ دَيْنًا، ذَكَرَ قَدْرَهُ وَجِنْسَهُ»:قوله «وَإِنْ كَانَ عَقَارًا، ذَكَرَ مَوْضِعَهُ وَحُدُوْدَهُ»:قوله «وَإِنْ كَانَ عَيْنًا حَاضِرَةً عَيَّنَهَا»:قوله «وَإِنْ كَانَتْ غَائِبَةً، ذَكَرَ جِنْسَهَا وَقِيْمَتَهَا»:قوله «ثُمَّ يَقُوْلُ لِخَصْمِهِ: مَا تَقُوْلُ؟ فَإِنْ أَقَرَّ، حُكِمَ لِلْمُدَّعِيْ، وَإِنْ أَنْكَرَ، لَمْ يَخْلُ مِنْ ثَلاثَةِ أَقْسَامٍ»:قوله «أَحَدُهَا: أَنْ تَكُوْنَ فِيْ يَدِ أَحَدِهِمَا، فَيَقُوْلُ لِلْمُدَّعِيْ: أَلَكَ بَيِّنَةٌ؟ فَإِنْ قَالَ: نَعَمْ، وَأَقَامَهَا، حَكَمَ لَهُ»:قوله «وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ، قَالَ لَهُ: فَلَكَ يَمِيْنُهُ»:قوله «وَإِنْ نَكَلَ أَيْضًا، صَرَفَهُمَا»:قوله «وَإِنْ كَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةٌ، حَكَمَ بِهَا لِلْمُدَّعِيْ»:قوله «وَإِنْ أَقَرَّ صَاحِبُ اليَدِ لِغَيْرِهِ، صَارَ الْمُقَرُّ لَهُ الخَصْمَ فِيْهَا، وَقَامَ مَقَامَ صَاحِبِ اليَدِ فِيْ مَا ذَكَرْنَا»:قوله «الثَّانِيْ: أَنْ تَكُوْنَ فِيْ يَدَيْهِمَا، فَإِنْ كَانَتْ لِأَحَدِهِمَا بَيِّنَةٌ، حُكِمَ لَهُ بِهَا»:قوله «وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةٌ، أَوْ لَهُمَا بَيِّنَتَانِ، قُسِمَتْ بَيْنَهُمَا، وَحَلَفَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلى النِّصْفِ الْمَحْكُوْمِ لَهُ بِهِ»:قوله «وَإِنِ ادَّعَاهَا أَحَدُهُمَا، وَادَّعَى الآخَرُ نِصْفَهَا، وَلا بَيِّنَةَ، قُسِمَتْ بَيْنَهُمَا، وَاليَمِيْنُ عَلى مُدَّعِيْ النَّصْفِ»:قوله «وَإِنْ كَانَتْ لَهُمَا بَيِّنَتَانِ، حُكِمَ بِهَا الْمُدَّعِي الكَلِّ»:قوله «الثَّالِثُ: أَنْ تَكُوْنَ فِيْ يَدِ غَيْرِهِمَا»:قوله «فَإِنْ أَقَرَّ بِهَا لِأَحَدِهِمَا، أَوْ لِغَيْرِهِمَا، صَارَ الْمُقَرُّ لَهُ كَصَاحِبِ اليَدِ»:قوله «وَإِنْ أَقَرَّ لَهُمَا، صَارَتْ كَالَّتِيْ فِيْ يَدَيْهِمَا»:قوله «وَإِنْ قَالَ: لا أَعْرِفُ صَاحِبَهَا مِنْهُمَا، وَلِأَحَدِهِمَا بَيِّنَةٌ، فَهِيَ لَهُ»:قوله «وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُمَا بَيِّنَةٌ، أَوْ لِكُلِّ وَاحِدٍ بَيِّنَةٌ، اسْتَهَمَا عَلى اليَمِيْنِ، فَمَنْ خَرَجَ سَهْمُهُ، حَلَفَ وَأَخَذَهَا»:«بابُ تَعَارُضِ الدَّعااى»قوله «إَذَا تَنَازَعَا قَمِيْصًا، أَحَدُهُمَا لابِسُهُ، وَالآخَرُ آخِذٌ بِكُمِّهِ فَهُوَ لِلابِسِهِ»:قوله «وَإِنْ تَنَازَعَا دَابَّةً، أَحَدُهُمَا رَاكِبُهَا، أَوْ لَهُ عَلَيْهَا حِمْلٌ، فَهِيَ لَهُ»:قوله «وَإِنْ تَنَازَعَا أَرْضًا فِيْهَا شَجَرٌ، أَوْ بِنَاءٌ، أَوْ زَرْعٌ لِأَحَدِهِمِا، فَهِيَ لَهُ»:قوله «وَإِنْ تَنَازَعَ صَانِعَانِ فِيْ قُمَاشِ دُكَّانٍ، فَآلَةُ كُلِّ صِنَاعَةٍ لِصَاحِبِهَا»:قوله «وَإِنْ تَنَازَعَ الزَّوْجَانِ فِيْ قُمَاشِ البَيْتِ، فَلِلرَّجُلِ مَا يَصْلُحُ لِلرِّجَالِ، وَلِلْمَرْأَةِ مَا يَصْلُحُ لِلنِّسَاءِ، وَمَا يَصْلُحُ لَهُمَا، فَهُوَ بَيْنَهُمَا»:قوله «وَإِنْ تَنَازَعَا حَائِطًا مَعْقُوْدًا بِبِنَائِهِمَا، أَوْ مَحْلُوْلاً مِنْهُمَا، فَهُوَ بَيْنَهُمَا، وَإِنْ كَانَ مَعْقُوْدًا بِبِنَاءِ أَحَدِهِمَا وَحْدَهُ، فَهُوَ لَهُ»:قوله «وَإِنْ تَنَازَعَ صَاحِبُ العُلُوِّ وَالسُفْلِ فِيْ السَّقْفِ الَّذِيْ بَيْنَهُمَا»:قوله «أَوْ تَنَازَعَ صَاحِبُ الأَرْضِ وَالنَّهْرِ فِيْ الحَائِطِ الَّذِيْ بَيْنَهُمَا»:قوله «أَوْ تَنَازَعَا قَمِيْصًا أَحَدُهُمَا آخِذٌ بِكُمِّهِ وَبَاقِيْهِ مَعَ الآخَرِ، فَهُوَ بَيْنَهُمَا»:قوله «وَإِنِ ادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الشَّرِيْكَيْنِ فِيْ العَبْدِ أَنَّ شَرِيْكَهُ أَعْتَقَ نَصِيْبَهُ مِنْهُ، وَهُمَا مُوْسِرَانِ، عَتَقَ كُلُّهُ وَلا وَلاءَ لَهُمَا عَلَيْهِ»:قوله «وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا مُوْسِرًا وَالآخَرُ مُعْسِرًا، عَتَقَ نَصِيْبُ الْمُعْسِرِ وَحْدَه»:قوله «وَإِنْ كَانَا مُعْسِرَيْنِ، لَمْ يَعْتِقْ مِنْهُ شَيْءٌ»:قوله «وَإِنِ اشْتَرَى أَحَدُهُمَا نَصِيْبَ صَاحِبِهِ، عَتَقَ حِيْنَئِذٍ وَلَمْ يَسْرِ إِلى بَاقِيْهِ، وَلا وَلاءَ لَهُ عَلَيْهِ»:قوله «وَإِنِ ادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْمُوْسِرَيْنِ أَنَّهُ أَعْتَقَهُ، تَحَالَفَا وَكَانَ وَلاؤُهُ بَيْنَهُمَا»:قوله «وَإِنْ أَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بَيِّنَةً بِقَوْلِهِ، عَتَقَ العَبْدُ؛ لِأَنَّ بَيِّنَتَهُ تَشْهَدُ بِزِيَادَةٍ»:قوله «وَإِنْ قَالَ أَحَدُهُمَا: أَبِيْ أَعْتَقَ هَذَا، وَقَالَ الآخَرُ: بَلْ هَذَا، عَتَقَ ثُلُثُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَكَانَ لِكُلِّ ابْنٍ سُدُسُ الَّذِيْ اعْتَرَفَ بِعِتْقِهِ وَنِصْفُ الآخَرِ»:قوله «وَإِنْ قَالَ الثَّانِيْ: أَبِيْ أَعْتَقَ أَحَدَهُمَا لا أَدْرِيْ مَنْ مِنْهُمَا، أُقْرِعَ بَيْنَهُمَا، وَقَامَتِ القُرْعَةُ مَقَامَ تَعْيِيْنِهِ»:بابُ حُكْمِ كِتابِ القاضِيْقوله «بابُ حُكْمِ كِتابِ القاضِيْ»:المراد بكتاب القاضيذكر بعض الفوائد- الفائدة الأُولى: الأصل في مشروعية كتاب القاضي إلى القاضي،الفائدة الثانية: كتاب القاضي إلى القاضي على نوعينالنوع الأول: أن يكتب إلى القاضي فيما حكم به لينفذه المكتوب إليهالنوع الثاني: أن يكتب إلى القاضي فيما ثبت عنده ليحكم به القاضي المكتوب إليهقوله «يَجُوْزُ الحُكْمُ عَلى الغَائِبِ، إِذا كَانَتْ لِلْمُدَّعِيْ بَيِّنَةٌ»:قوله «وَمَتَى حَكَمَ عَلى غَائِبٍ، ثُمَّ كَتَبَ بِحُكْمِهِ إِلى قَاضِيْ بَلَدِ الغَائِبِ، لَزِمَهُ قَبُوْلُهُ، وَأَخَذَ الْمَحْكُوْمَ عَلَيْهِ بِه»قوله «وَلا يَثْبُتُ إِلاَّ بِشَاهِدَيْنِ عَدْلَيْنِ»:فائدة: يعتبر في ثبوت كتاب القاضي إلى القاضي ثلاثة شروطالثاني: أن يكتب القاضي من موضع ولايتهالشرط الثالث: أن يصل الكتاب إلى المكتوب إليه في موضعقوله «فَإِنْ مَاتَ الْمَكْتُوْبُ إِلَيْهِ، أَوْ عُزِلَ، فَوَصَلَ إِلى غَيْرِهِ، عَمِلَ بِهِ، وَإِنْ مَاتَ الكَاتِبُ، أَوْ عُزِلَ بَعْدَ حُكْمِهِ، جَازَ قَبُوْلُ كِتَابِهِ»:قوله «وَيُقْبَلُ كِتَابُ القَاضِيْ فِيْ كُلِّ حَقٍّ، إِلاَّ الحُدُوْدَ وَالقِصَاصَ»:بابُ القِسْمَةِقوله «بابُ القِسْمَةِ»:ذكر بعض الفوائدالفائدة الثانية: الأصل في مشروعية القسمةأنواع القسمةأن يثبت عند الحاكم ملك الشركاء.أن يثبت أن لا ضرر.وأن يثبت إمكان تعديل السهام في العين المقسومة من غير شيء يجعل فيها،قوله «فَإِنْ أَقَرَّ بِهِ، لَمْ يُجْبِرِ الْمُمْتَنِعَ عَلَيْهِ»:قوله «وَإِنْ طَلَبَاهَا فِيْ هَذِهِ الحَالِ، قُسِمَتْ بَيْنَهُمَا، وَأَثْبَتَ فِيْ القَضِيَّةِ أَنَّ قَسْمَهُ كَانَ عَنْ إِقْرَارِهِمَا، لا بِبَيِّنَةٍ»:ضابط الضرر الذي يمنع هذه القسمةقوله «وَالقِسْمَةُ إِفْرَازُ حَقٍّ لا يَسْتَحِقُّ بِهَا شُفْعَةٌ، وَلا يَثْبُتُ فِيْهَا خِيَارٌ»:قوله «وَتَجُوْزُ فِيْ المَكِيْلِ وَزْنًا، وَفِيْ الْمَوْزُوْنِ كَيْلاً، وَفِيْ الثِّمَارِ خَرْصًا»:قوله «وَتَجُوْزُ قِسْمَةُ الوَقْفِ إِذَا لَمْ يَكُنْ فِيْهَا رَدُّ عِوَضٍ»:قوله «فَإِنْ كَانَ بَعْضُهُ طِلْقًا، وَبَعْضُهُ وَقْفًا، وَفِيْهَا رَدُّ عِوَضٍ مِنْ صَاحِبِ الطِّلْقِ لَمْ يَجُزْ وَإِنْ كَانَ مِنْ رَبِّ الوَقْفِ، جَازَ»:قوله «وَإِذَا عُدِّلَتِ الأَجْزَاءُ، أُقرِعَ عَلَيْهَا، فَمَنْ خَرَجَ سَهْمُهُ عَلى شَيْءٍ، صَارَ لَهُ، وَلَزِمَ بِذلِكَ»:قوله «وَيَجِبُ أَنْ قَاسِمَ الحَاكِمِ عَدْلاً، وَكَذلِكَ كَاتِبُهُ»:
كِتابُ الشَّهَادَاتِ
جارٍ التحميل