كِتابُ الأَطْعِمَةِ
(1) (1)
قوله «كِتابُ الأَطْعِمَةِ»:
الأطعمة: جمع طعام، وهو في اللغة: كل ما يؤكل مطلقاً، وكذا كل ما يتخذ منه القوت فيما يؤكل وفيما يشرب، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلاَّ مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ﴾ (1)، ولا يخرج المعنى الاصطلاحي عن المعنى اللغوي الأول.
ذكر بعض الفوائد
:
- الفائدة الأُولى: كون الإنسان يحتاج إلى الطعام هذا دليل على نقصه،
كما في قوله عز وجل عن عيسى وأمه: ﴿كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ﴾ 2 أي أنهما ليسا بإلهين، وهذا دليل ظاهر على أنهما عبدان فقيران محتاجان كما يحتاج بنو آدم إلى الطعام والشراب، فلو كانا إلهين لاستغنيا عن الطعام والشراب، ولم يحتاجا إلى شيء، فإن الإله هو الغني الحميد، وقد مدح سبحانه وتعالى نفسه بكونه يُطْعِم ولا يُطْعَم فقال سبحانه وتعالى: ﴿وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ﴾ 3، فالحاجة إلى الطعام لا شك أنها نقص، لأن الإنسان لا يبقى بدونه، وكونه لا يأكل الطعام أيضاً هذا نقص، لأن عدم أكله الطعام خروج عن الطبيعة التي خلق عليها، والخروج عن الطبيعة يعتبر نقصاً.1
الجزء: 7 - الصفحة: 121
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . -
الفائدة الثانية: الأصل في الأطعمة الحل
، دليل ذلك قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً﴾ (1)، والاسم الموصول «ما» يفيد العموم، وكذلك أكد العموم بقوله: «جَمِيعاً» فكل ما في الأرض هو حلال لنا، أكلاً، وشرباً، ولبساً، وانتفاعاً.
ومن الأدلة أيضاً قوله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ (2)، وهذا التسخير لبني آدم يقتضي الانتفاع، فإن كان الشيء الموجود في السماوات والأرض مطعوماً فيطعمه، وإذا كان مشروباً فيشربه، وإذا كان من جنس ما يركب فيركبه، فقوله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ﴾، يقتضي الإباحة والحل.
ومن ذلك أيضاً قول الله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ (3) ففي هذه الآية دليل على أن الأصل في الأعيان الإباحة، أكلا وانتفاعا.
تنبيه: المحرم نوعان
:
الأول: ما حرم لذاته، وهو الخبيث الذي هو ضد الطيب كالخنزير، والكلب، والميتة.
الثاني: محرم لما عرض له، وهو المحرم لتعلق حق الله، أو حق عباده به، =456
الجزء: 7 - الصفحة: 122
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= وهو ضد الحلال.
أما دلالة السنة فمن ذلك قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى فَرَضَ فَرَائِضَ، فَلا تُضَيِّعُوهَا وَحَرَّمَ حُرُمَاتٍ، فَلا تَنْتَهِكُوهَا وَحَدَّ حُدُودًا، فَلا تَعْتَدُوهَا وَسَكَتَ عَنْ أَشْيَاءَ مِنْ غَيْرِ نِسْيَانٍ، فَلا تَبْحَثُوا عَنْهَا» 7.
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال «كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَأْكُلُونَ أَشْيَاءَ وَيَتْرُكُونَ أَشْيَاءَ تَقَذُّرًا فَبَعَثَ اللَّهُ تَعَالَى نَبِيَّهُ وَأَنْزَلَ كِتَابَهُ وَأَحَلَّ حَلالَهُ وَحَرَّمَ حَرَامَهُ فَمَا أَحَلَّ فَهُوَ حَلالٌ وَمَا حَرَّمَ فَهُوَ حَرَامٌ وَمَا سَكَتَ عَنْهُ فَهُوَ عَفْوٌ وَتَلا ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِيمَا أُوحِىَ إِلَىَّ مُحَرَّمًا﴾ 8» 9 إِلَى آخِرِ الآيَةِ.
وعن أَبي الدرداء قال: قال رسول اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: «مَا أَحَلَّ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ فَهُوَ حَلالٌ وَمَا حَرَّمَ فَهُوَ حَرَامٌ وَمَا سَكَتَ عَنْهُ فَهُوَ عَفْوٌ فَاقْبَلُوا مِنَ اللهِ عَافَيْتُهُ ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾» 10.
وقد نص العلماء والأئمة على أن الأصل في الطعام أنه حلال ومن ادعى خلاف ذلك فهو محجوج بهذه الأدلة، إلا أن يقيم دليلاً على ما ادعاه، ولهذا أنكر الله - عز وجل - على الذين يحرمون ما أحل الله من هذه =
الجزء: 7 - الصفحة: 123
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = الأمور فقال: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ (1).
الفائدة الثالثة: الأطعمة حلال للمسلم، أما الكافر فلا تحل له
لقوله تعالى ﴿قُلْ هِي لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ .. ﴾ (2).
الفائدة الرابعة: أوسع مذاهب العلماء في باب الأطعمة هو مذهب الإمام مالك -رحمه الله-
، ويتبين ذلك في هذه المسائل:
المسألة الأولى: أن جمهور العلماء (3) يحرمون كل ذي ناب من السباع
كالذئب وكل ذي مخلب من الطير كالصقر والنسر.
ويدل على ذلك ما ثبت في صحيح مسلم أن النبي -صلى الله عليه وسلم- «نَهَى عَنْ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ وَعَنْ كُلِّ ذِي مِخْلَبٍ مِنْ الطَّيْرِ» 14، فكل ذي ناب يفترس وينهش به وكذلك كل ذي مخلب من الطير يفترس به ويعدو فهو محرم.
وقال مالك 15 بل هو حلال لقوله تعالى {قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ =111213
الجزء: 7 - الصفحة: 124
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ} (1) فليس منها محرم إلا ما ذكر في الآية.
والصحيح هو مذهب جمهور أهل العلم أن هذه الآية نازلة قبل تحريم ما زاد على ما ذكر فيها، فلا ينافي هذا الحصر المذكور فيها التحريم المتأخر بعد ذلك؛ لأنه لم يجده فيما أوحي إليه في ذلك الوقت، وذلك لأن الآية مكية وليس فيها إلا الإخبار عما هو حرام حينئذ - أي في مكة - ثم دلت الأدلة الشرعية بعد ذلك على تحريم أنواع كثيرة كما سيأتي في موضعه إن شاء الله تعالى.
المسألة الثانية: أن ما نهى الشارع عن قتله فهو حرام أيضا
ً كالنحل والهدهد ونحو ذلك، فقد نهى النبي -صلى الله عليه وسلم- عن قتل أربع من الدواب «النملة، والنحلة، والهدهد، والصرد» 17، والصرد: هو نوع من أنواع الطير، ونهي الشارع عن قتلها يدل على تحريم أكلها وذلك لأنه إذا أبيح أكلها فهو ذريعة إلى قتلها، والشريعة تأتي بسد الذرائع وهذا هو مذهب الشافعية 18، والحنابلة 19، ومذهب مالك 20 هو إباحة هذا كله.16
الجزء: 7 - الصفحة: 125
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . =والصحيح: هو القول الأول.
المسألة الثالثة: أن كل ما أمر الشارع بقتله كالحية والعقرب فهو محرم الأكل
ففي الصحيحين أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال «خَمْسٌ يُقْتَلْنَ فِي الْحِلِّ وَالْحَرَمِ الْحِدَأَةُ وَالْحَيَّةُ وَالْفَأْرَةُ وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ وَالْغُرَابُ الأَبْقَعُ» 21، والغراب الأبقع: هو الذي فيه بعض بياض في رأسه أو في بقية بدنه، والحدأة: هي نوع من سباع الطير.
فهذه الخمس قد أمر الشارع بقتلها، وقتلها إتلاف لها، وهذا يدل على تحريمها إذ لو كانت حلالاً لأمر الشارع بذبحها، فلما أمر بقتلها وإتلافها وقد نهى عن إضاعة المال دل على أنها محرمه، وهذا هو مذهب الجمهور 22 خلافاً لمذهب مالك 23 وحجته أن إباحة القتل لا دلالة فيها على تحريم الأكل لقوله تعالى: ﴿قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ 24 الآية، ومعلوم أن الغراب ليس في الآية، فيكون مباح الأكل.
=
الجزء: 7 - الصفحة: 126
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= والصحيح: هو مذهب جمهور الفقهاء، فما أبيح قتله فلا ذكاة له، لأن كلمة القتل متى أطلقت تنصرف إلى إزهاق الروح بأية وسيلة استطاعها الإنسان، فلو حلَّت بالذكاة لكان إزهاق روحه بغيرها إضاعة للمال، وقد نهى النبي -صلى الله عليه وسلم- عن إضاعة المال.
وعن عروة عن أبيه عن ابن عمر -رضي الله عنه- أنه قال: «مَنْ يَأْكُلُ الْغُرَابَ؟ وَقَدْ سَمَّاهُ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: فَاسِقًا، وَاللَّهِ مَا هُوَ مِنَ الطَّيِّبَاتِ» (1).
المسألة الرابعة: أن ما يأكل الجيف محرم عند الجمهور لخبث مطعمه
ولأن النبي -صلى الله عليه وسلم- حرم الغراب الأبقع، والغراب الأبقع إنما يأكل الجيف وليس من السباع، وقد تقدم أن هذا يدل على تحريم أكله فيقاس على ذلك كل ما يأكل الجيف وذلك لخبث مطعمه، فإن خبث مطعمه يترتب عليه خبث لحمه، ومذهب مالك 26 خلاف هذا.
والصواب: هو ما ذهب إليه جمهور الفقهاء
المسألة الخامسة: أن مذهب الجمهور أن ما استخبثه العرب ذوو اليسار من سكان الحاضرة في المدن والقرى أنه محرم، وهذا مذهب أحمد في المشهور واستدلوا بقوله تعالى: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ﴾ 27، فالمخاطب بهذه الآية هم العرب، يدل هذا على أن=25
الجزء: 7 - الصفحة: 127
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
=كل خبيث عند العرب من ذوي اليسار من أهل المدن والقرى فإن ذلك محرم، ومذهب مالك أنه ليس حرام.
وهذا هو الراجح في هذه المسألة، ويدل عليه أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال في الضب «لَمْ يَكُنْ بِأَرْضِ قَوْمِي فَأَجِدُنِي أَعَافُهُ» 28، فدل على أن كراهية بعض قريش لبعض الطعام لا يحرمه والنبي -صلى الله عليه وسلم- قد كره هذا الطعام فلم يحرمه.
ولأن هذا لا يوافق أصول الشرع فلا يمكن أن يحرم الشرع شيئاً على العجم وهم يستطيبونه لكون العرب يستخبثونه هذا لا يمكن.
وعليه فمعنى الآية ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ﴾: أي كل طيب مما أحله الله عز وجل فهو طيب ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ﴾: أي ويحرم عليهم كل خبيث مما حرمه الله عز وجل.
ويقاس عليه كل خبيث بذاته، وكل طيب بذاته أي من غير اعتبار إلى من استطاب ذلك أو استخبثه.
فكل خبيث بذاته مما فيه ضرر على الأبدان أو العقول أو الأخلاق فإنه محرم، وكل ما فيه ضرر على الأبدان كالسم والدخان بل والقات بجميع أنواعه أو كان له تأثير على العقول كالخمر أو الأخلاق كلحم السبع فإنه مضر بالأخلاق يصير بالأكل له قوة سبعية؛ كل هذا قد حرمه الشارع إما بالدليل الشرعي أو دلالة القياس والعقل.
=
الجزء: 7 - الصفحة: 128
وَهِيَ نَوْعَانِ: حَيَوَانٌ وَغَيْرُهُ (1)، فَأَمَّا غَيْرُ الحَيَوَانِ، فَكُلُّهُ مُبَاحٌ (2)، إِلاَّ مَا كَانَ نَجِسًا أَوْ مُضِراًّ (3)، = فالمقصود أنه متى ما ثبت في الشيء ضرر على الأبدان أو الأخلاق أو العقول فإنه محرم كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
(1)
قوله «وَهِيَ نَوْعَانِ: حَيَوَانٌ وَغَيْرُهُ»:
أي تنقسم الأطعمة إلى نوعين: حيوانية، وغير حيوانية، ثم إن الحيوان ينقسم إلى قسمين رئيسين: مائي، وبري.
وفي كل من القسمين أنواع فيها ما يؤكل وفيها ما لا يؤكل.
وينقسم المأكول من الحيوان من حيث الحكم إلى ثلاثة أقسام:
«مباح، ومكروه، ومحرم».
وسيأتي إن شاء الله بيان ذلك مفصلا.
(2)
قوله «فَأَمَّا غَيْرُ الحَيَوَانِ، فَكُلُّهُ مُبَاحٌ»:
أي أن الأصل فيه الحل والإباحة، وقد ذكرنا الأدلة على ذلك إلا ما استثناه الدليل كما سيذكر ذلك المؤلف (3)
قوله «إِلاَّ مَا كَانَ نَجِسًا أَوْ مُضِراًّ»:
أي فما كان نجسًا أو مضراً فَيَحْرم أكله، والقاعدة في ذلك «أن كل ما كان نجسًا أو مضراً يَحْرُم أكله»، وقوله «أَوْ مُضِراًّ» يفهم منه أنه لا يشترط لتحريم ما يضر أن يكون نجساً
وبذلك نستطيع أن نقول: «كل نجس حرام، وليس كل حرام نجساً».
فقولنا كل نجس حرام، يعني أن جميع النجاسات يَحْرُم أكلها، ولكن ليس كل حرام يكون نجسًا، فبعض الأشياء المحرمة طاهرة.
مثال ذلك قوله تعالى {إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأنصَابُ وَالأزْلامُ رِجْسٌ=
الجزء: 7 - الصفحة: 129
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
=مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ} 29 فالميسر، والأنصاب، والأزلام هي نجسة نجاسة معنوية لكن ليست نجسة نجاسة حسية، أما الخمر فمحل خلاف بين أهل العلم هل هي نجسة أم طاهرة، والخلاف في ذلك مشهور بين أهل العلم، والراجح عندي أن نجاسة الخمر نجاسة معنوية أي ليست حسية.
أما الدليل على تحريم ما فيه مضرة من القرآن قول الله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ 30، وقال عز وجل: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ 31، والنهي عن قتل النفس نهي عن أسبابه أيضاً، فكل ما يؤدي إلى الضرر فهو حرام، وقال -صلى الله عليه وسلم-: «لا ضَرَرَ وَلا ضِرَارَ» 32.
وأما الكولونيا وما يشابهه فلا يحل شربه، أما استخدامه طيباً فمحل خلاف بين أهل العلم المعاصرين، منهم من يشدد فيه، ومنهم من يتوسط، ومنهم من يتساهل.
فشيخنا الشيخ محمد -رحمه الله- يتساهل فيه، والعلامة الشنقيطي والتويجري يشددون فيه، ويرون حرمة استخدامه، وشيخنا الشيخ عبد العزيز يرى اجتنابه من باب الاحتياط، وكل ذلك مبني على نجاسة الخمر، وإلحاق الكولونيا به مشكوك فيه، ولاشك أن الاحتياط عدم استعماله في الثياب.
الجزء: 7 - الصفحة: 130
كَالسُّمُوْمِ (1)، وَالأَشْرِبَةُ كُلُّهَا مُبَاحٌ، إِلاَّ مَا أَسْكَرَ (2)، (1)
قوله «كَالسُّمُوْمِ»:
أي فإنه يحرم لضرره لا لنجاسته، فالسم يحرم، وليس بنجس، بل هو طاهر ولكنه حرام لضرره.
- فائدة: في حكم استعمال السم في الدواء: يستعمل السم أحياناً كدواء، فيوجد أنواع من السموم الخفيفة تخلط مع بعض الأدوية فتستعمل دواء، فهذه نص العلماء على أنها جائزة، لكن بشرط أن نعلم انتفاء الضرر، فإذا خلطت بعض الأدوية بأشياء سامة، لكن على وجه لا ضرر فيه فإنها تباح؛ والقاعدة الفقهية في ذلك هي «أن الحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً، فمتى وجدت العلة وجد الحكم ومتى لم توجد لم يوجد الحكم»، فإذا استعمل السم، أو شيء فيه سم على وجه لا ضرر فيه فذلك جائز.
(2)
قوله «وَالأَشْرِبَةُ كُلُّهَا مُبَاحٌ، إِلاَّ مَا أَسْكَرَ»:
أي كما قلنا إن الأصل في الأطعمة الإباحة والحل، كذلك أيضًا نقول: الأصل في الأشربة الإباحة والحل فجميع الأشربة مباحة إلا ما كان فيه شيء من الإسكار فإنه يحرم شربه وذلك لضرره على البدن والعقل، فما ثبت ضرره حرم شربه لما يفضي إليه من الهلكة، قال تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ 33 وقال تعالى ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ 34، والنهي عن قتل النفس نهي عن أسباب قتلها.
الجزء: 7 - الصفحة: 131
فَإِنَّهُ يَحْرُمُ كَثِيْرُهُ وَقَلِيْلُهُ (1)، مِنْ أَيِّ شَيْءٍ كَانَ (2)، (1)
قوله «فَإِنَّهُ يَحْرُمُ كَثِيْرُهُ وَقَلِيْلُهُ»:
أي فإن كان ما يشربه الإنسان فيه شيء من السُّكْرِ ولو كان شيئاً يسيراً فإنه يحرم، وذلك لسد الذريعة فإن شرب القليل غير المسكر ذريعة إلى شرب الكثير المسكر، ولأن الشرع إذا حرم الشيء حرم أبعاضه.
(2)
قوله «مِنْ أَيِّ شَيْءٍ كَانَ»:
أي كل ما كان مسكرا سواءً كان من العنب، والتمر، والعسل، والحنطة، والشعير فلا فرق بين الخمر المتخذة من العنب وبين غيرها من الأنبذة المسكرة في تحريم الشرب، فيسمى جميع ذلك خمراً، ويجب الحد بشرب القليل والكثير منها سواء سكر منها أو لم يسكر.
وهذا هو قول جمهور الفقهاء 35، لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ» 36، والخمر ما خامر العقل، أي: غطاه، ومنه سمي خمار المرأة، لأنه يغطي رأسها، ومن ذلك أيضاً حديث عائشة رضي الله عنها عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «كُلُّ شَرَابٍ أَسْكَرَ فَهُوَ حَرَامٌ» 37.
وذهب الحنفية 38 إلى أن الخمر التي يحرم قليلها وكثيرها، ويحد بها، =
الجزء: 7 - الصفحة: 132
لِقَوْلِ رَسُوْلِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: «كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ وَكُلُّ خَمْرٍ حَرَامٌ، وَمَا أَسْكَرَ الفَرَقُ مِنْهُ، فَمِلْءُ الكَفِّ مِنْهُ حَرَامٌ» (1)،
=ويكفر مستحلها، إلى غير ذلك هي المتخذة من عصير العنب خاصة، أما الأنبذة الأخرى فلا يحد شاربها إلا إذا سكر منها.
قلت: وهذا قول غير صحيح لأن الأدلة تدل على خلافه، ولأن النبي -صلى الله عليه وسلم- وصف القليل بأنه حرام، ولأن السكر إنما يحصل بمجموع ما شربه لا من الشربة الأخيرة فقط، ومن ظن أنه إنما يقع بالشربة الأخيرة فقد غلط فإن الشربة الأخيرة إنما أثرت السكر بانضمامها إلى ما قبلها ولو انفردت لم تؤثره فهي كاللقمة الأخيرة في الشبع والمصة الأخيرة في الري وغير ذلك من المسببات التي تحصل عند كمال سببها بالتدريج شيئاً فشيئاً.
فالصواب هو قول جمهور الفقهاء في هذه المسألة.
(1)
قوله «لِقَوْلِ رَسُوْلِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: «كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ وَكُلُّ خَمْرٍ حَرَامٌ، وَمَا أَسْكَرَ الفَرَقُ مِنْهُ، فَمِلْءُ الكَفِّ مِنْهُ حَرَامٌ»
الجزء: 7 - الصفحة: 133
وَإِنْ تَخَلَّلَتِ الخَمْرُ، طَهُرَتْ وَحَلَّتْ، وَإِنْ خُلِّلَتْ، لَمْ تَطْهُرْ (1)، =10 كغ، فإنه لا يجوز أن يشرب من هذا ولو جرعة واحدة، ما دام أن كثيره يسكر فقليله حرام.
فائدة: في الأدوية المشتملة على الكحول
: إذا كانت نسبة الكحول يسيرة جدًا بحيث لو أكثر من شرب هذا الشراب المشتمل على هذه النسبة اليسيرة من الكحول، فإن هذه النسبة لا تضر؛ لمفهوم قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ» (1). فإن مفهوم هذا الحديث أن ما لم يُسكر كثيره فإن قليله ليس بحرام، وأيضًا قياسًا على النجاسة اليسيرة إذا خالطت الماء الكثير، فقد اتفق العلماء على أنها لا تُنَجِّس الماء، فلو أن نقطة بول خالطت ماءً كثيرًا؛ فإنها لا تنجسه، فهذه النجاسة تضمحل في هذا الماء الكثير ولا يبقى لها أثر، فكذلك أيضًا النسبة اليسيرة جدًّا من هذا الكحول تضمحل في هذا الشراب، أو في هذا الدواء؛ فلا يكون لها أثر، لأن الإنسان لو أكثر من شرب ذلك الدواء لم يحصل له الإسكار.
(1)
قوله «وَإِنْ تَخَلَّلَتِ الخَمْرُ، طَهُرَتْ وَحَلَّتْ، وَإِنْ خُلِّلَتْ، لَمْ تَطْهُرْ»:
تخليل الخمر يعني تحويلها إلى خل يقال خللت النبيذ تخليلاً: جعلته خلاً.
وتخليل الخمر له طريقان:41
الجزء: 7 - الصفحة: 134
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الأول: أن تتخلل بنفسها أي بدون أن يتدخل أحد في تخليلها، فإنها تكون طاهرة وحلالاً بإجماع العلماء.
42
الثاني: تخليلها بفعل آدمي، وله صورتان:
الصورة الأُولى: أن يخللها بدون أن يضيف إليها شيئاً كأن ينقلها من الظل إلى الشمس أو العكس بقصد التخليل فتخللت.
فهذه الصورة اختلف فيها الفقهاء:
فذهب الجمهور 43 إلى حلها لأن علة النجاسة والتحريم الإسكار، وقد زالت، والحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً.
وقال الحنابلة 44: إن نقلت الخمر من موضع إلى آخر، فتخللت من غير أن يلقى فيها شيء، فإن لم يكن قصد تخليلها حلت بذلك، لأنها تخللت بفعل الله تعالى.
وإن قصد بذلك تخليلها احتمل أن تطهر، لأنه لا فرق بينهما إلا القصد، فلا يقتضي تحريمها.
ويحتمل ألا تطهر، لأنها خللت بفعل، كما لو ألقي فيها شيء.
الصورة الثانية: تخليلها بأن يضيف إليها شيئاً يحصل به التخليل كالخل والبصل والملح، أو إيقاد نار عندها، ففي هذه الصورة ذهب =
الجزء: 7 - الصفحة: 135
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= الشافعية 45، والحنابلة 46، وهو رواية عن مالك 47 إلى أنه لا يحل تخليل الخمر بها ولا تطهر بذلك، لأننا مأمورون باجتنابها، فيكون التخليل اقتراباً من الخمر على وجه التمول، وهو مخالف للأمر بالاجتناب، ولأن الشيء المطروح في الخمر يتنجس بملاقاتها فينجسها بعد انقلابها خلاً، لأن الرسول -صلى الله عليه وسلم- أمر بإهراق الخمر بعد نزول آية المائدة بتحريمها.
فعن أبي طلحة أنه سأل النبي -صلى الله عليه وسلم- عن أيتام ورثوا خمرا، فقال «أَهْرِقْهَا، قال: أفلا أخللها؟ قال: لا» 48.
وعن ابن عباس قال: أهدى رجل لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- راوية خمر، فقال له رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «هَلْ عَلِمْتَ أَنَّ اللَّهَ قَدْ حَرَّمَهَا؟ » فقال: «لا»، فساره رجل إلى جنبه، فقال: «بِمَ سَارَرْتَهُ؟ » فقال: أمرته أن يبيعها، فقال له رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «إِنَّ الَّذِي حَرَّمَ شُرْبَهَا حَرَّمَ بَيْعَهَا»، ففتح الرجل المزادتين حتى ذهب ما فيهما» 49. =
الجزء: 7 - الصفحة: 136
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . =وصرح الحنفية 50، وهو الراجح عند المالكية 51 بجواز تخليل الخمر، فتصير بعد التخليل طاهرة حلالاً عندهم، لقوله عليه -صلى الله عليه وسلم-: «نِعْمَ الإِدَامُ الْخَلُّ» 52 فيتناول جميع أنواعها، ولأن التخليل إزالة للوصف المفسد وإثبات الصلاح والإصلاح مباح كما في دبغ الجلد، فإن الدباغ يطهره، لقوله -صلى الله عليه وسلم-: «أَيُّمَا إِهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ» 53. وذهب بعض أهل العلم إلى أن من خللها ممن يعتقد حل الخمر كأهل الكتاب حلت، وصارت طاهرة، وإن خللها من لا تحل له فهي حرام نجسة، قال شيخنا: «وهو أقرب الأقوال»، وعلى هذا يكون الخل الآتي من اليهود والنصارى حلالاً طاهراً، لأنهم فعلوا ذلك على وجه يعتقدون حله، ولذا لا يمنعون من شرب الخمر» 54. قلت: والأظهر عندي هو ما ذهب إليه أصحاب القول الأول، فلا يحل تخليل الخمر بأي شيء يحصل به التخليل ولا تطهر بذلك، سواء كان من قام بذلك مسلماً أو كتابياً أو غير ذلك، وهذا هو قول اللجنة الدائمة 55.
الجزء: 7 - الصفحة: 137
فَصْلٌ فِيْمَا يُبَاحُ أَكْلُهُ وَمَا لا يُبَاحُ
(1): وَالحَيَوَانِ قِسْمَانِ: (2) بَحْرِيٌّ وَبَرِّيٌّ (3)، فَأَمَّا البَحْرِيُّ، فَكُلُّهُ حَلالٌ (4)، (1)
قوله «فَصْلٌ فِيْمَا يُبَاحُ أَكْلُهُ وَمَا لا يُبَاحُ»:
بعد أن انتهى المؤلف من بيان النوع الأول من الأطعمة وهو ما يباح شربه، شرع في القسم الثاني من الأطعمة وهو ما يباح أكله من الحيوان فقال -رحمه الله-: (2)
قوله «وَالحَيَوَانِ قِسْمَانِ»:
سبق أن ذكرنا أن الحيوان ينقسم إلى قسمين: مائي، وبري، وفي كل من القسمين أنواع، فمنها ما يؤكل ومنها ما لا يؤكل.
وينقسم المأكول من الحيوان من حيث الحكم إلى ثلاثة أقسام: مباح، ومكروه، ومحرم.
وفي هذا الفصل سيذكر المؤلف ما يباح أكله من الحيوان البحري والبري.
(3)
قوله «بَحْرِيٌّ وَبَرِّيٌّ»:
الحيوان البحري هو ما لا يعيش إلا في الماء كالأسماك والحيتان وغير ذلك، والحيوان البري المقصود به ما يعيش في البر من الدواب أو الطيور ونحو ذلك.
(4)
قوله «فَأَمَّا البَحْرِيُّ، فَكُلُّهُ حَلالٌ»:
أي فأما ما يعيش في البحر فهو حلال كله، وقد اختلف الفقهاء فيما يحل من حيوان البحر على أقوال: القول الأول: أن جميع حيوان البحر حلال لعموم قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ .. ﴾ 56. =
الجزء: 7 - الصفحة: 138
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= وقوله -صلى الله عليه وسلم- «هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ، الْحِلُّ مَيْتَتُهُ» 57، وهذا قول المالكية 58.
القول الثاني: أن جميع ما في البحر حلال إلا الضفدع والتمساح والحية، وهو قول الحنابلة كما سيذكره المؤلف.
القول الثالث: أن جميع ما في البحر من الحيوان محرم الأكل إلا السمك خاصة فإنه يحل أكله إلا ما طفا منه.
واستدلوا لذلك بقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ 59، حيث لم يفصل بين البري والبحري، وقوله تعالى: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ﴾ 60.
وما سوى السمك من حيوان البحر خبيث كالضفدع والسرطان والحية ونحوها، وهذا قول الحنفية 61، ووجه في مذهب الشافعية 62.
القول الرابع: أن الذي يحل أكله من الحيوان البحري هو السمك، وأما غير السمك فيؤكل منه ما يؤكل نظيره في البر كالبقر والشاة وغيرها، =
الجزء: 7 - الصفحة: 139
إِلاَّ الحَيَّةَ (1)،
= وما لا يؤكل نظيره في البر كخنزير الماء وكلبه فحرام وذلك لقياس ما في البحر على ما في البر، ولأن الاسم يتناوله فيعطى حكمه، وهذا وجه آخر في مذهب الشافعية (1)، وقول في مذهب الحنابلة (2).
فهذه هي أقوال الفقهاء فيما يحل وما لا يحل من حيوان البحر.
والراجح عندي من الأقوال هو قول المالكية، وهو حل جميع صيد البحر لعموم قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَّكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ﴾ (3)، قال ابن عباس رضي الله عنهما «صيده ما أُخذ حيًّا، وطعامه ما لَفَظَهُ ميتًا» (4)، فجميع حيوانات البحر حية كانت أو ميتة كلها حلال لنا.
(1)
قوله «إِلاَّ الحَيَّةَ»:
يعني إلا حية البحر فإنها لا تحل وهذا ما ذهب إليه المؤلف، وقد سبق الإشارة إلى الخلاف، وقلنا بأن الراجح في حيوانات البحر أنها حلال لما ذكرناه سابقاً من الأدلةً.
وكونها تسمى حية لا يخرجها من الحل إلى التحريم، لأن التسمية لا أثر لها، فما دام أنه حيوان بحري لا يعيش إلا في البحر فهو حلال.63646566
الجزء: 7 - الصفحة: 140
وَالضِّفْدَعَ (1)، (1)
قوله «وَالضِّفْدَعَ»:
الضفدع من الحيوانات البرمائية، أي مما يعيش في الماء ويعيش في البر، وهذا قسم ثالث من الحيوانات وهي ما تسمى بالحيوانات البرمائية.
وهل هذه تلحق بحيوانات البحر أم بحيوانات البر؟
نقول: ما يعيش في البر من حيوانات البحر كالضفادع، والسلحفاة، والسرطان، وترس الماء، وغير ذلك اختلف الفقهاء في حله:
فذهب مالك 67 إلى حله مطلقًا لقوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ﴾، ولقوله -صلى الله عليه وسلم- في البحر: «هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ» 68، ففيه التصريح بأن ميتة البحر حلال فيعم كل ميتة مما في البحر.
وذهب الشافعية 69 إلى أن الحيوانات البرمائية تحل مطلقًا ما عدا الضفدع فلا يحل بحال.
وعند الحنابلة 70 لا تحل بغير ذكاة مطلقًا، ما عدا السرطان فإنه يحل بغير ذكاة لأنه لا دم له.
وذهب الحنفية 71 إلى أن الحيوانات البرمائية لا تحل بحال، لأنها ليست بسمك.
الجزء: 7 - الصفحة: 141
وَالتِّمْسَاحَ (1)،
=قلت: الأقرب أنها تُلحق بحيوانات البر ولا تُلحق بحيوانات البحر، لأنه اجتمع فيها جانب حظر، وجانب إباحة، فيغلب جانب الحظر.
وبناءً على ذلك فالضفدع يُلحق بحيوانات البر، وقد ورد النهي عن قتله والنهي عن قتلها يستدعي إبقاءها، وهذا يدل على تحريم أكلها؛ لأنه لو أُذِنَ في أكلها؛ لكان إذنًا بقتلها.
فالنهي عن قتلها يدل على تحريم أكلها، وحينئذ نقول: إنه لا يجوز أكل الضفادع، قال في الروض «لأنها مستخبثة».
قلت: وهذا قول غير مسلَّم به لأنه ربما تكون الضفادع مستخبثة عند كثير من الناس، لكن هناك من يستسيغون أكله ويوجد عندهم في المطاعم، فالضفدع لا يجوز أكله لورود النهي عن قتله كما سبق.
(1)
قوله «وَالتِّمْسَاحَ»:
أي ويحرم كذلك التمساح، ووجه كونه يحرم لأنه من الحيوانات البرمائية، فهو يعيش في الماء ساعةً لكن يخرج رأسه ويتنفس، ولذلك لا يصح أن نقول إنه من الحيوانات البحرية، بل من الحيوانات البرمائية.
وقد سبق أن قلنا بأن الحيوانات البرمائية تلحق بحيوانات البر.
وقال بعض أهل العلم: وجه كونه يحرم لأنه ذو ناب يفترس به.
قال شيخنا -رحمه الله-: «لكنه ليس من السباع .... وعليه فإننا نقول: الصحيح أنه لا يستثنى التمساح، وأنه يؤكل» 72، وما ذهب إليه شيخنا هو =
الجزء: 7 - الصفحة: 142
وَأَمَّا البَرِّيُّ فَيَحْرُمُ مِنْهُ كُلُّ ذِيْ نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ (1)، = مذهب المالكية (1).
(1)
قوله «وَأَمَّا البَرِّيُّ فَيَحْرُمُ مِنْهُ كُلُّ ذِيْ نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ»:
الناب: السن التي خلف الرباعية جمعه أنياب.
والمراد به هنا: هو السن التي يتقوى بها السبع ويعدو بها على الناس وعلى الحيوان فيصطاده.
وقد اختلف الفقهاء في حكم أكل ما له ناب من السباع على قولين:
القول الأول: أنه يحرم أكله، وهو قول جمهور الفقهاء من الحنفية 74، والشافعية 75، والحنابلة 76، ودليلهم حديث أبي ثعلبة الخشني: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «كُلِّ ذِي نَابٍ، مِنَ السِّبَاعِ فأكله حَرَامٌ» 77، ففي هذه الأدلة دلالة واضحة على تحريم أكل ذوات الأنياب من السباع.
القول الثاني: وهو رواية عن الإمام مالك 78 أن ذلك مكروه وليس بحرام، والرواية الثانية عنه أن ذلك حرام كقول الأئمة الثلاثة 79.
والصواب: هو ما ذهب إليه جمهور الفقهاء؛ فلا يحل أكل ذي ناب من =73
الجزء: 7 - الصفحة: 143
وَكُلُّ ذِيْ مِخْلَبٍ مِنَ الطَّيْرِ (1)،
= السباع لدلالة السنة على تحريمه، ولأن الحكمة تقتضيه، لأن للغذاء تأثيراً على المتغذي به.
فالإنسان ربما إذا اعتاد التغذي على هذا النوع من اللحوم صار فيه محبة العدوان على الغير.
(1)
وقوله «وَكُلُّ ذِيْ مِخْلَبٍ مِنَ الطَّيْرِ»:
المِخلَب بكسر الميم وفتح اللام، قال أهل اللغة: المخلب للطير والسباع بمنزلة الظفر للإنسان والمراد بها الأظفار التي يفترس بها إذا كان قويًا يعدو به على غيره كالبازي والصقر والعقاب والباشق والشاهين.
وقد اختلف العلماء في حكم أكل ما له مخلب من الطير:
فذهب جمهور أهل العلم 80 إلى تحريمه بدليل: حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- عَنْ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ وَكُلِّ ذِي مِخْلَبٍ مِنَ الطَّيْرِ» 81.
وذهب الإمام مالك 82 إلى إباحة أكل ذي المخلب من الطير واستدل لقوله بعموم قوله تعالى: ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِيمَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ 83، =
الجزء: 7 - الصفحة: 144
وَالحُمُرُ الأَهْلِيَّةُ (1)،
=ولأنه لم يثبت نص صريح في التحريم، وقد سبق الإشارة إلى ذلك في أول الكتاب.
والراجح في ذلك: ما ذهب إليه الجمهور، لأن الآية التي احتج بها مالك مخصوصة بالأحاديث الواردة في تحريم ما له مخلب من الطير.
ولأن الآية نزلت بمكة قبل الهجرة، وقد قصد بها الرد على أهل الجاهلية في تحريم البحيرة والسائبة والوصيلة والحامي ثم بعد ذلك حرمت أمور كثيرة كالحمر الإنسية ولحوم البغال وكل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير.
و
الحكمة في تحريم ذوات المخالب التي تصيد بها
ما أشرنا إليه في تحريم ما له ناب يفترس به، وهي أن الإنسان إذا تغذى بهذا النوع من الطيور التي من طبيعتها العدوان والأذى، فإنه ربما يكتسب من طبائعها وصفاتها، ولهذا قال العلماء: لا ينبغي للإنسان أن يرضع ابنه امرأة حمقاء؛ لأنه ربما يتأثر بلبنها.
(1)
قوله «وَالحُمُرُ الأَهْلِيَّةُ»:
أي ويحرم كذلك من الأطعمة الحمر الأهلية وهي التي يركبها الناس، وهذا هو مذهب عامة الفقهاء.
دليل ذلك حديث أنس بن مالك -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أمر منادياً فنادى «إنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يَنْهَيَانِكُمْ عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الأَهْلِيَّةِ فَأُكْفِئَتِ الْقُدُورُ وَإِنَّهَا لَتَفُورُ بِاللَّحْم» 84.
الجزء: 7 - الصفحة: 145
وَالبِغَالُ (1)، وَمَا يَأْكُلُ الجِيَفَ مِنَ الطَّيْرِ (2)، (1)
قوله «وَالبِغَالُ»:
أي وكذا البغال محرمة؛ دليل ذلك أيضاً حديث جابر -رضي الله عنه- قال: «ذَبَحْنَا يَوْمَ خَيْبَرَ الْخَيْلَ، وَالْبِغَالَ، وَالْحَمِيرَ، فَنَهَانَا رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- عَنِ الْبِغَالِ، وَالْحَمِيرِ، وَلَمْ يَنْهَنَا عَنِ الْخَيْلِ» (1).
والبغل: حيوان متولد بين الحمار والفرس، وأصل خلقته أن ينزو الحمار على الفرس فتلد ما يسمى بالبغل، وفيه من طبائع الحمير ومن طبائع الخيل، وحكمه أنه حرام؛ لأنه متولد من حلال وحرام على وجه لا يتميز فغلب جانب التحريم.
فإذا قال قائل: كيف نغلِّب جانب التحريم؟ ولماذا لا نغلِّب جانب الحل؟ نقول هكذا قال أهل العلم: إذا اجتمع موجب التحليل والتحريم على وجه لا تمييز بينهما غلب جانب التحريم؛ لأن اجتناب الحرام واجب، ولا يمكن اجتنابه إلا باجتناب الحلال.
(2)
قوله «وَمَا يَأْكُلُ الجِيَفَ مِنَ الطَّيْرِ»:
أي ويَحرم أيضًا أكل ما يأكل الجيف من الطير، وكذلك الجلالة، التي تأكل القذر، وتأكل العَذِرَة.
وقد اختلفوا في حكم أكل لحمها على قولين:
القول الأول: يحرم أكلها وهو رواية عن أحمد 86، وأحد القولين في مذهب الشافعية 87 بدليل حديث ابن عمر -رضي الله عنه- قال: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- =85
الجزء: 7 - الصفحة: 146
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
=عَنْ أَكْلِ الْجَلاَّلَةِ وَأَلْبَانِهَا» 88.
والجلالة: هي الحيوان الذي يأكل العذرة سواء كانت من البقر، أم الغنم، أم الإبل، أم الطيور كالدجاج والأوز وغيرها، فهو ظاهر في تحريم أكل لحم الجلالة لأن النهي ظاهره التحريم.
والقول الثاني: أنه يكره أكل لحمها كراهة تنزيه، وهو الرواية الثانية عن أحمد 89، والأصح في مذهب الشافعية 90، وهو قول الحنفية 91 لأن النهى لا يرجع إلى ذاتها بل لأمر عارض لا يوجب أكثر من تغير لحمها وذلك لا يوجب التحريم.
والذي رجحه شيخنا 92 في هذه المسألة أنه إذا كان للنجاسة أثر في طعم اللحم أو رائحته، أو اللبن، أو يسبب أمراضاً، ونحو ذلك، فإنه محرم، وأما إذا لم يكن لها أثر فإنه جائز؛ لأن النجاسات تطهر بالاستحالة.
والأقرب في هذه المسألة: أنه إذا كان يغلب على شرابها وأكلها النجاسات فلا يجوز شرب لبنها، ولا أكل لحمها لنهيه -صلى الله عليه وسلم- عن أكل لحوم الجلالة، وهذا هو رأي اللجنة الدائمة 93.
الجزء: 7 - الصفحة: 147
كَالنُّسُوْرِ وَالرَّخَمِ (1)، =ولعل الحكمة في النهي عن أكلها ترفع الإسلام بأهله عن تناول الخبائث ولو من طريق غير مباشر لما لذلك من تأثير سيئ على صحة الإنسان وسلوكه، لأن المتغذي يشبه ما تغذى به كما سبق فينتقل الخبث من المأكول إلى الآكل ويكتسب من أخلاقه.
(1)
قوله «كَالنُّسُوْرِ وَالرَّخَمِ»:
هذه جملة من الطيور التي لا يجوز أكلها والعلة في ذلك خبث مطعمها فيسري ذلك الخبث في لحمها، والله تعالى قد حرَّم علينا الخبائث، ولأن الرسول -صلى الله عليه وسلم- أمر بقتل خمس فواسق في الحل والحرم ومنها الغراب وهو يأكل الجيف فيقاس عليه غيره من الطيور التي تشاركه في هذا، وقال بعض أهل العلم لا يحرم من ذلك كله إلا ما ورد النهي عنه بعينه كالنملة والنحلة والهدهد والصرد، أو أُمر بقتله كالحدأة والغراب والفارة، أو ما له مخلب من الطير، أو ما ثبت ضرره كما سبق لأن الأصل في الأطعمة الحل، ولأن الرسول -صلى الله عليه وسلم- أباح قتلها في الحرم ولا يجوز قتل صيد مأكول في الحرم فدل على تحريمها، وهذا هو مذهب الحنفية 94، والحنابلة 95. ومذهب المالكية 96 هو إباحة هذا النوع من الطيور كما سبق تمسكًا بمفهوم قوله تعالى: ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِيمَا أُوحِىَ إِلَىَّ مُحَرَّمًا﴾ 97.
الجزء: 7 - الصفحة: 148
وَغُرَابِ البَيْنِ وَالأَبْقَعِ (1)، (1)
قوله «وَغُرَابِ البَيْنِ وَالأَبْقَعِ»:
أي ويحرم كذلك من الطيور غراب البين والأبقع و
الغربان ثلاثة أنواع
:
الأول: كما ذكر المؤلف: «غراب البين الأبقع» وهو الذي فيه سواد وبياض، وقيل: هو الأحمر المنقار والرجلين.
الثاني: الحاتم: وهو الأسود الكبير؛ كله أسود.
الثالث: غراب الزرع: وهو الصغير الأسود، ويقال إنه يسمى الغداف وهو يشبه الحمامة، ومنقاره أسود.
فالمشهور من مذهب الحنابلة 98 أن المحرم من الغربان هو غراب البين الأبقع فقط، وأما الحاتم وغراب الزرع؛ فلا يحرم أكلهما، هذا هو المشهور من مذهب الحنابلة، وفي رواية في المذهب 99 في الغراب لا بأس به إن لم يأكل الجيف.
والراجح أنه لا يحل الغراب بجميع أنواعه لعموم قوله -صلى الله عليه وسلم-: «خَمْسُ فَوَاسِقَ يُقْتَلْنَ فِي الْحِلِّ وَالْحَرَمِ: الْغُرَابُ، وَالْحِدَأَةُ، وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ، وَالْعَقْرَبُ، وَالْفَأْرَةُ» 100، فلم يستثن من الغربان شيء بل أمر بقتل جميعها في الحرم، وإباحة قتلها في الحرم دليل على تحريم أكلها، =
الجزء: 7 - الصفحة: 149
وَمَا يَسْتَخْبِثُ مِنَ الحَشَرَاتِ (1)، =وأيضاً ما أُمر بقتله ووصفه بالفسق لا يحل أكله، لكن غراب الزرع أخف بكل حال من غيره، وقد استثناه بعض أهل العلم.
(1)
قوله «وَمَا يَسْتَخْبِثُ مِنَ الحَشَرَاتِ»:
أي ويحرم كذلك ما يستخبثه العرب ذوو اليسار من الحشرات، مثل: الصارور، والخنفساء، والجعل، والذباب، وما أشبه ذلك، وقد سبق أن ما يستخبثه العرب ذوو اليسار من الحشرات لا أصل له في التحريم، قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- قال: «لا أثر لاستخباث العرب، وإن لم يُحَرِّم الشرع، حل» 101 وقال: «والوصف الخبيث هو وصف قائم بالأعيان، والطيبات هي المطاعم النافعة للعقول والأخلاق، والخبائث هي الضارة للعقول والأخلاق» 102 فالضابط في الاستخباث: أن كل ما استخبثه الشارع فهو خبيث، وما لم يستخبثه الشارع فإنه لا يكون خبيثًا، لكن أيضًا ما لم يرد فيه نص من الشارع، وتستخبثه العقول السليمة فإنه أيضًا يكون خبيثًا، وما يضر العقول والأخلاق يكون خبيثًا، فالدخان يعتبر خبيثًا، وهو داخل في عموم قوله تعالى: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ 103، وذلك لأن العقول السليمة والفِطَر السوية تستخبثه وترى أنه ضارٌّ بالصحة، وقد أجمع أهل الطب على ثبوت ضرره بالأبدان، فيدخل في الخبائث.
الجزء: 7 - الصفحة: 150
كَالفَأْرِ وَنَحْوِهَا (1)، إِلاَّ اليَرْبُوْعَ وَالضَّبَّ (2)؛
(1) قوله «كَالفَأْرِ وَنَحْوِهَا»: أي ويحرم كذلك الفأر ليس لأجل أنها خبيثة، وإنما من أجل عدوانها؛ لأنها مجبولة على العدوان، ولهذا تسمى «الفويسقة»، ومثل الفأرة الجرذي، وهو فأرة البر، فلا يحل؛ لأنه يعتدي.
أما اليربوع كما سيأتي فإنه حلال مع أنه قريب وشبيه بالفأرة، وقد سبق دليل الأمر بقتل الفأرة في الحل والحرم، والقاعدة كما سبق أن كل ما أمر الشارع بقتله ووصف بالفسق فإنه يحرم أكله.
(2)
قوله «إِلاَّ اليَرْبُوْعَ وَالضَّبَّ»:
أما اليربوع ويسميه بعض الناس بالجربوع، هذا يُباح أكله، والدليل على ذلك: أن عمر -رضي الله عنه- حكم فيه بجفرة إذا قتله المحرم، والجفرة: هي الأنثى من ولد الماعز إذا بلغ أربعة أشهر، وهذا يدل على أنه صيد، وإذا كان صيدًا فإنه يُباح أكله.
وأما إباحة «الضَّبّ» فلأنه أُكِلَ على مائدة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو ينظر، فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «دخلت أنا وخالد بن الوليد على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بيت ميمونة فأُتِيَ بِضَبٍّ، فقيل: يا رسول الله هو ضب، فرفع يده، فقيل: يا رسول الله أحرام هو؟ ! قال: «لا، ولكنه لم يكن بأرض قومي فأجد نفسي تعافه»، أو قال: «فأجدني أعافه»، قال خالد: «فاجْتَرَرْتُه وأكلته ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- ينظر» 104، وهذا إقرار من النبي -صلى الله عليه وسلم- لأكله، ولو كان حرامًا؛ لما أقر النبي -صلى الله عليه وسلم- الصحابة على أكله، فدل ذلك=
الجزء: 7 - الصفحة: 151
وَمَا عَدَا هَذَا مُبَاح (1)، وَيُبَاحُ أَكْلُ الخَيْلِ وَالضَبُعِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - أَذِنَ فِيْ لُحُوْمِ الخَيْلِ، وَسَمَّى الضَّبُعَ صَيْدًا (2)، =على أن أكل لحم الضب مُباح.
(1)
قوله «وَمَا عَدَا هَذَا مُبَاحٌ»:
أي ما عدا الذي ذكرنا فإنه يباح أكله لأن الأصل في الأطعمة كما سبق هو الحل.
(2)
قوله «وَيُبَاحُ أَكْلُ الخَيْلِ وَالضَبُعِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - أَذِنَ فِيْ لُحُوْمِ الخَيْلِ، وَسَمَّى الضَّبُعَ صَيْدًا»:
الخيل: جماعة الأفراس، اسم جمع لا واحد له من لفظه كالقوم، والرهط والنفر وقيل: مفرده خائل، وسميت الخيل خيلًا لاختيالها في المشية، وقد اختلف العلماء في حكم أكل لحومها على ثلاثة أقوال: القول الأول: هو ما ذهب إليه الحنفية 105، وهو المشهور عند المالكية 106 أنه يحرم أكل لحوم الخيل، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ * وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ * وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَّمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ الأَنفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ * وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ 107 فالأنعام قال: ﴿وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ =
الجزء: 7 - الصفحة: 152
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ﴾، قال: ﴿لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾، فقسم الله سبحانه وتعالى هذه البهائم إلى قسمين: قسم لهم فيه دفء ومنافع وأكل، وقسم للركوب والزينة، وذكر الخيل فيما يحرم، وهي البغال، والحمير، فكانت محرمة، وذكر الحكمة وهي الركوب والزينة، ولو كان الأكل سائغا لذكره؛ لأنه غاية لمن اقتناه.
القول الثاني: ما ذهب إليه الشافعية 108، والحنابلة 109، وقول محمد بن الحسن من الحنفية 110، وهو قول للمالكية 111، وهو الراجح عندي من إباحة أكل لحم الخيل لحديث جابر قال: «نَهَى رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- يَوْمَ خَيْبَرَ عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ وَرَخَّصَ فِي الْخَيْلِ» 112، وعن أسماء رضي الله عنها قالت: «نحرنا فرساً في عهد النبي -صلى الله عليه وسلم- ونحن في المدينة فأكلناه» 113 وقولها: «ونحن في المدينة»، تعني أنه متأخر، لأن سورة النحل التي فيها دليل من استدل على تحريمها مكية.
أما قوله «وَالضَبُعِ» بضم الباء وسكونها، اسم للأنثى ولا يقال ضبعة، والذكر ضبعان ومن عجيب أمره أنه يكون سنة=
الجزء: 7 - الصفحة: 153
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
=ذكرًا وسنة أنثي فيلقح في حال الذكورة ويلد في حال الأنوثة وهو مولع بنبش القبور لشهوته للحوم بني آدم، وقد اختلف الفقهاء في حكم أكله على قولين:
القول الأول: إباحة أكله؛ وهو قول الشافعي 114، وأحمد 115، ودليلهم: حديث عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي عمارة قال: قلت لجابر: الضبع أصيد هي؟ قال: نعم.
قلت: أكلها.
قال: نعم» قلت: أقاله رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؟ قال: نعم» 116.
القول الثاني: تحريم أكل الضبع؛ وإليه ذهب أبو حنيفة 117 -رحمه الله- وغيره واستدلوا بما تقدم من تحريم كل ذي ناب من السباع قالوا: والضبع لها ناب تصيد به فتدخل تحت الحديث - وأجابوا عن الحديث الذي استدل به من أباحه من وجوه:
أولاً: أنه ليس بمشهور فالعمل بالمشهور أولى.
ثانيًا: يقدم دليل الحظر على دليل الإباحة عند التعارض احتياطًا.
ثالثًا: حمل ما يدل على إباحتها على ما قبل التحريم.
=
الجزء: 7 - الصفحة: 154
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . =والراجح: هو القول الأول، وهو اختيار شيخنا -رحمه الله- 118 لقوة دليله كما سبق، ومن قال بأن الضبع من ذوات الناب التي تفترس بنابها، فكلامه غير مسلم، فإن كثيراً من ذوي الخبرة يقولون: إن الضبع لا تفترس بنابها، وليست بسبع، ولا تفترس إلا عند الضرورة، أو عند العدوان عليها، يعني إذا جاعت جداً ربما تفترس، وليس من طبيعتها العدوان، أو إذا اعتدى أحد عليها، وما ذكروه أي «من قال بالتحريم» من تعليلات محجوج بالأدلة التي سبقت.
الجزء: 7 - الصفحة: 155
بابُ الذَّكاةِ
(1) (1)
قوله «بابُ الذَّكاةِ»:
الذكاة لغة: تمام الشيء ومنه الذكاء في الفهم إذا كان تام العقل سريع القبول.
والذكاة شرعًا: ذبح أو نحر الحيوان المأكول البري بقطع حلقومه ومريئه، أو عقر ممتنع.
وقيل أيضاً في تعريفها: الذكاة هي إنهار الدم من بهيمة تحل، إما في العنق إن كان مقدوراً عليها، أو في أي محل من بدنه إن كان غير مقدور عليها.
وبهذا التعريف يمكننا أن نقول بأن الذكاة منها ما يكون اختيارياً ومنها ما يكون اضطرارياً، ف
الذكاة الاختيارية
: هي الذبح فيما يذبح وهو ما عدا الإبل من الحيوانات المقدور عليها، والنحر فيما ينحر وهو الإبل خاصة.
أما
الذكاة الاضطرارية
: فهي الجرح في أي موضع كان من البدن عند العجز عن الحيوان، أي كأنها صيد فتستعمل للضرورة في المعجوز عنه من الصيد والأنعام، وتسمى هذه الحالة العقر.
فائدة: الحكمة من مشروعية التذكية
: هي تطييب الحيوان المُذَكَّى، وذلك أن الميتة إنما حُرِّمَت لاحتقان الرطوبات والفضلات والدم الخبيث فيها، فهي مُضِرَّة بالبدن، أكلها مُضر بالصحة، والذكاة تُزيل الدم والفضلات، ولهذا نجد بعض الناس من غير المسلمين ينادون بالتذكية رغم أنهم لا يدينون بدين الإسلام، لكنهم يعرفون أن أكل الميتة مُضر بالصحة ضررًا بليغًا؛ لأن الميتة يحتقن فيها الدم والفضلات =
الجزء: 7 - الصفحة: 156
يُبَاحُ كَلُّ مَا فِيْ البَحْرِ بِغَيْرِ ذَكَاةٍ؛ لِقَوْلِ رَسُوْلِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- فِيْ البَحْرِ: «الحِلُّ مَيْتَتُهُ» (1)
= والسموم التي تضر بالبدن، والتذكية تزيل هذه الفضلات وهذه السموم، والله تعالى لا يشرع شيئًا إلا لحكمة، ولا ينهى عن شيء إلا لحكمة، فهو أحكم الحاكمين.
يسن عند الذبح ما يلي:
1 - كون الذبح بإنهار.
2 - اضجاع الذبيحة على شقها الأيسر برفق.
3 - نحر الإبل قائمة معقولة اليد اليسرى، وذبح البقر والغنم مضجعة على جنبها الأيسر.
4 - قطع الأوداج والإسراع بالذبح.
5 - الرفق بالبهيمة.
(1)
قوله «يُبَاحُ كَلُّ مَا فِيْ البَحْرِ بِغَيْرِ ذَكَاةٍ؛ لِقَوْلِ رَسُوْلِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- فِيْ البَحْر «الحِلُّ مَيْتَتُهُ»
الجزء: 7 - الصفحة: 157
إِلاَّ مَا يَعِيْشُ فِيْ البَرِّ، فَلا يُبَاحُ حَتَّى يُذَكَّى، إِلاَّ السَّرَطَانَ وَنَحْوَهُ (1)، =وكذلك حديث ابن عمر رضي الله عنهما: «أُحِلَّتْ لَنَا مَيْتَتَانِ وَدَمَانِ: فَأَمَّا الْمَيْتَتَانِ: فَالْحُوتُ، وَالْجَرَادُ، وَأَمَّا الدَّمَانِ: فَالْكَبِدُ، وَالطِّحَالُ» (1).
(1)
قوله «إِلاَّ مَا يَعِيْشُ فِيْ البَرِّ، فَلا يُبَاحُ حَتَّى يُذَكَّى، إِلاَّ السَّرَطَانَ وَنَحْوَهُ»:
أي إلا ما يعيش في البر، من حيوانات البحر فلا يَحِل حتى يُذَكَّى وهي ما تسمى بالبرمائيات الحيوانية، مثل كلب الماء، والسلحفاة، والسمندل ونحو ذلك، فهذه لا بد من تذكيتها، ولهذا قال الإمام أحمد: «كلب الماء نذبحه، ولا أرى بأسًا بالسلحفاة إذا ذُبِحَ» 123، وفي رواية أخرى 124 في المذهب أنه يحل بغير ذكاة وذهب إليه قوم من أهل العلم لقول النبي -صلى الله عليه وسلم- في البحر «هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ» 125، ولأنه من حيوان الماء فأبيح بغير ذكاة كالسمك والسرطان وقوله: «إِلاَّ السَّرَطَانَ وَنَحْوَهُ»، هذا مستثنى من الحيوانات البرمائية لأن السرطان لا دم فيه، قال أحمد «السرطان لا بأس به، قيل له يذبح؟ قال لا» 126، وذلك لأن مقصود الذبح إنما هو إخراج الدم وتطييب اللحم بإزالته عنه، فأما ما لا دم له فلا حاجة إلى ذبحه.
=122
الجزء: 7 - الصفحة: 158
وَلا يُبَاحُ شَيْءٌ مِنَ البَرِّيِّ بِغَيْرِ ذَكَاةٍ، إِلاَّ الجَرَادَ وَشِبْهَهُ (1)، وَالذَّكَاةُ تَنْقَسِمُ ثَلاثَةَ أَقْسَامٍ: نَحْرٍ، وَذَبْحٍ، وَعَقْرٍ (2)، =ومقتضاه أن ما كان مأواه البحر وهو يعيش في البر كطير الماء والسلحفاة وكلب الماء فلا يحل إلا بذبحه، وهذا هو الصحيح في المذهب كما سبق قريباً.
(1)
قوله «وَلا يُبَاحُ شَيْءٌ مِنَ البَرِّيِّ بِغَيْرِ ذَكَاةٍ، إِلاَّ الجَرَادَ وَشِبْهَهُ»:
أي لا يحل من الحيوانات البرية إلا ما يذكى، فالأصل في الحيوانات البرية أنه لا بد من تذكيتها.
لكن أُستثنى من ذلك الجراد، فإن الجراد حيوان بري، فيحل بدون ذكاة، مع أنه لا يعيش إلا في البر، لقوله -صلى الله عليه وسلم-: «أُحِلَّتْ لَنَا مَيْتَتَانِ وَدَمَانِ: فَأَمَّا الْمَيْتَتَانِ: فَالْحُوتُ، وَالْجَرَادُ، وَأَمَّا الدَّمَانِ: فَالْكَبِدُ، وَالطِّحَالُ» (1)، ولأن الجراد ليس فيه دم حتى يحتاج إلى إنهاره، وقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «مَا أَنْهَرَ الدَّمَ وَذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ فَكُلُوهُ» (2)، وقال بعض العلماء في الجراد: لا بد أن يموت بسبب من الإنسان، ولو مات بدون سبب من الإنسان فإنه لا يحل، لكنه قول ضعيف.
(2)
قوله «وَالذَّكَاةُ تَنْقَسِمُ ثَلاثَةَ أَقْسَامٍ: نَحْرٍ، وَذَبْحٍ، وَعَقْرٍ»:
النحر في اللغة: من نحر ينحر نحراً: أصاب نحره، ونحر البعير ينحره نحراً: طعنه في منحره حيث يبدو الحلقوم من أعلى الصدر، ومنه قوله تعالى: {فَصَلِّ لِرَبِّكَ=127128
الجزء: 7 - الصفحة: 159
وَيُسْتَحَبُّ نَحْرُ الإِبِلِ، وَذَبْحُ مَا سِوَاهَا (1)،
=وَانْحَرْ} (1).
أما في الاصطلاح: فهو قطع عروق الإبل الكائنة في أسفل عنقها عند صدورها.
أما الذبح؛ فهو في اللغة: بمعنى الشق.
وفي الاصطلاح: هو قطع الحلقوم والمريء والودجين وهما عرقان غليظان محيطان بالحلقوم والمريء.
أما العقر؛ بفتح العين وسكون القاف، فهو لغة: ضرب قوائم البعير أو الشاة بالسيف وهو قائم، ثم اتسع فيه العرب حتى استعملوه في القتل والإهلاك.
وفي الاصطلاح: هو جرح الحيوان، بأي فعل مزهق للروح.
في أي مكان في جسمه.
ويستعمل في تذكية الحيوان المأكول إذا لم يتمكن صاحبه من القدرة عليه.
(1)
قوله «وَيُسْتَحَبُّ نَحْرُ الإِبِلِ، وَذَبْحُ مَا سِوَاهَا»:
لا خلاف بين أهل العلم في استحباب نحر الإبل، وذبح ما سواها، قال الله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ 130، وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ 131 قال مجاهد: أمرنا بالنحر، وأمر بنو إسرائيل بالذبح، وثبت «أن رسول الله=129
الجزء: 7 - الصفحة: 160
فَإِنْ نَحَرَ مَا يُذْبَحُ أَوْ ذُبِحَ مَا يُنْحَرُ، فَجَائِزٌ (1)،
= -صلى الله عليه وسلم- نحر بدنه، وضحى بكبشين أقرنين ذبحهما بيده» (1).
وذهب المالكية (2) إلى وجوب نحرها، وألحقوا بها الزرافة لأن أعناقها طويلة فإذا ذبح تعذب بخروج روحه، ولأن النبي -صلى الله عليه وسلم- نحر البدن وذبح الغنم وإنما نأخذ الأحكام من جهته.
والصحيح: هو ما ذهب إليه جمهور الفقهاء، وهو جواز الذبح في الإبل وإن كان خلاف الأولى وذلك لعموم قوله -صلى الله عليه وسلم-: «مَا أَنْهَرَ الدَّمَ وَذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ فَكُلُوهُ» (3)، فلم يفرق بين النحر والذبح، فيجوز نحر ما يذبح وذبح ما ينحر.
(1)
قوله «فَإِنْ نَحَرَ مَا يُذْبَحُ أَوْ ذُبِحَ مَا يُنْحَرُ، فَجَائِزٌ»:
أي فإن استبدل النحر بالذبح أو استبدل الذبح بالنحر فإن ذلك جائز، وقد سبق الإشارة إلى ذلك آنفاً وقلنا بأن النحر يكون للإبل، والذبح لغيرها، والعَقْر يكون للصيد وما يَمْتَنع من الحيوان، فلو أنه ذبح ما ينحر، كأن يأتي لبعير ويذبحه بسكين كما يذبح الشاة أو البقر، فإن هذا يصح، أو العكس، بأن نَحَرَ ما يُذبح كأن يأتي إلى البقرة أو الغنم فينحره نَحرًا، فيصح أيضاً وذلك لأدلة منها:132133134
الجزء: 7 - الصفحة: 161
وَيُشْتَرَطُ لِلذَّكَاةِ كُلِّهَا ثَلاثَةُ شُرُوْطٍ: (1)
أولاً: حديث عدي بن حاتم -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «أَمِرَّ الدَّمَ بِمَا شِئْتَ، وَاذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ» (1).
ثانياً: حديث أسماء رضي الله عنها قالت: «نَحَرْنا فرسًا على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأكلناه» (2)، ومن المعلوم أن الفرس يُذبح.
ثالثاً: جاء في الصحيح أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- نَحَرَ في حجة الوداع عن نسائه البقر، ومعلوم أن البقر يُذبح، ومع ذلك قال الراوي: «نَحَرَ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- البقر»، فدل ذلك على أنه لو نُحِرَ ما يُذبح أو ذُبِحَ ما يُنحر أن ذلك لا بأس به، لكن الأفضل أن النَحْرَ يكون للإبل، والذبح يكون لما عداها كما سبق.
(1)
قوله «وَيُشْتَرَطُ لِلذَّكَاةِ كُلِّهَا ثَلاثَةُ شُرُوْطٍ»:
بدأ المؤلف ببيان شروط الذكاة التي لابد من توفرها لتكون صحيحة يحل بها الحيوان المذكي، وهذه الشروط بعضها يعتبر في الذابح وبعضها يعتبر في آلة الذبح وبعضها يعتبر في صفة الذبح، وهذا ما سيتم بيانه إن شاء الله تعالى.135136
الجزء: 7 - الصفحة: 162
أَحَدُهَا: أَهْلِيَّةُ الْمُذَكِّيْ، وَهُوَ أَنْ يَكُوْنَ عَاقِلاً، قَادِرًا عَلى الذَّبْحِ مُسْلِمًا أَوْ كِتَابِيًّا، فَأَمَّا الطِّفْلُ وَالْمَجْنُوْنُ وَالسَّكْرَانُ وَالكَافِرُ الَّذِيْ لَيْسَ بِكِتَابِيٍّ فَلا تَحِلُّ ذَبِيْحَتُهُ 137، (1)
قوله «أَحَدُهَا: أَهْلِيَّةُ الْمُذَكِّيْ، وَهُوَ أَنْ يَكُوْنَ عَاقِلاً، قَادِرًا عَلى الذَّبْحِ مُسْلِمًا أَوْ كِتَابِيًّا، فَأَمَّا الطِّفْلُ وَالْمَجْنُوْنُ وَالسَّكْرَانُ وَالكَافِرُ الَّذِيْ لَيْسَ بِكِتَابِيٍّ فَلا تَحِلُّ ذَبِيْحَتُهُ»:
هذا هو الشرط الأول فيما يعتبر في الذابح وهو أن يكون أهلاً للذكاة، ولا يكون كذلك إلا إذا توفر فيه شروط ثلاثة:
1 - العقل.
2 - القدرة على الذبح.
3 - الدين.
أما الشرط الأول وهو أن يكون عاقلاً: فهذا قول الحنفية (1)، والمالكية 138، والحنابلة 139 لأن الذكاة يعتبر لها القصد كالعبادة، ومن لا عقل له لا يصح منه القصد، فيصير ذبحه كما لو وقعت الحديدة بنفسها على حلق شاة فذبحتها.
فإذا كان الذابح طفلاً دون التمييز أو مجنونًا أو سكراناً لا يصح منه الذبح.
والأظهر في مذهب الشافعية 140 أنه لا يشترط العقل في الذابح فيحل ذبح الصبي غير المميز والمجنون والسكران لأن لهم قصدًا وإرادة في الجملة لكن مع الكراهة خوفًا من عدولهم عن محل الذبح.
=
الجزء: 7 - الصفحة: 163
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = والراجح أنه يشترط العقل في الذابح فلا تَحِلُ ذبيحة غير المميز والسكران والمجنون لأنه يُشترط للذبح صحة القصد والإرادة، لقوله تعالى: ﴿إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ (1) فأضاف التذكية إلى المخاطبين، وهو ظاهر في إرادة الفعل، وما لا يمكن منه القصد لا تمكن منه الإرادة، ومعلوم أن المجنون لا يمكن منه الإرادة على وجه صحيح، وكذلك أيضاً الطفل غير المميز، لا يعقل النية، فلا يصح ذبحه ولا نَحْرُهُ، لكن الطفل المميز يصحّ ذَبْحُهُ، ولهذا قال ابن المنذر -رحمه الله-: «أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على إباحة ذبيحة المرأة والصبي» (2)، ولأن الذكاة فيها نوع تعبد لله ويذكر عليها اسمه، والعبادة لابد لها من نية ولا يأتي هذا بدون أن يكون الذابح عاقلاً مميزًا.
الشرط الثاني: القدرة على الذبح
: فيُشترط في الذابح أن يكون «قَادِرًا عَلى الذَّبْحِ»، وذلك ليتحقق منه فإن كان غير قادرٍ على الذبح أيضًا لا يصح ذبحه.
الشرط الثالث: أن يكون مسلماً أو كتابياً:
أي ذا دين سماوي فيخرج بذلك ما ذبحه كافر غير كتابي فلا يحل، والمسلم هنا من دان بشريعة محمد -صلى الله عليه وسلم-، والكتابي هو من كان يهودياً، أو نصرانياً، فإن اليهودي والنصراني تحل ذبيحتهما؛ لقوله تعالى: {الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ=141142
الجزء: 7 - الصفحة: 164
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
=أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلُّ لَّهُمْ} 143، والطعام في الأصل: اسم لما يؤكل والذبائح منه، وهو هنا خاص بالذبائح، لأن غير الذبائح يحل منهم ومن غيرهم ولم يختلف السلف أن المراد بذلك الذبائح، وهذا أمر مجمع عليه بين العلماء أن ذبائحهم حلال للمسلمين 144.
والحكمة في إباحة ذبائح أهل الكتاب كما قال أهل العلم: أنهم يعتقدون تحريم الذبح لغير الله ولا يذكرون على ذبائحهم إلا اسم الله وإن اعتقدوا فيه تعالى ما هو منزه عنه، فهم يذكرون اسم الله على ذبائحهم وقرابينهم وهم متعبدون بذلك ولهذا لم يبح ذبائح من عداهم من أهل الشرك ومن شابههم لأنهم لا يذكرون اسم الله على ذبائحهم، بل ولا يتوقفون فيما يأكلونه من اللحم على ذكاة، بل يأكلون الميتة بخلاف أهل الكتابين لأنهم ينتسبون إلى الأنبياء والكتب، وقد اتفق الرسل كلهم على تحريم الذبح لغير الله لأنه شرك؛ فاليهود والنصارى يتدينون بتحريم الذبح لغير الله فلذلك أبيحت ذبائحهم دون غيرهم.
هذا ما ذكره بعض العلماء في الحكمة في إباحة ذبائح أهل الكتابين فإن صح فذاك، وإلا فالله قد أباح ذبائحهم دون غيرهم وعلينا الاستسلام لحكمه سبحانه عرفنا الحكمة أم لم نعرفها 145.
الجزء: 7 - الصفحة: 165
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . -
فائدة: في حكم ما ذبحه أهل الكتاب ولم يذكر اسم الله عليه
:
ما ذبحه أهل الكتاب ولم يذكروا اسم الله عليه له حالتان:
الحالة الأولى: ما تركوا التسمية عليه بالكلية فلم يذكروا عليه اسم الله ولا اسم غيره
.
الحالة الثانية: ما ذبحوه على اسم المسيح أو الزهرة أو غيرهما
. ففي الحالة الأولى للعلماء في حكم الذبيحة قولان: القول الأول: أنها لا تحل مطلقًا سواء قلنا: إن التسمية شرط لحل ذبيحة المسلم أو لا - لأننا أن قلنا إن التسمية شرط في حل ذبيحة المسلم فالكتابي من باب أولى، وإن قلنا إنها غير شرط في حل ذبيحة المسلم فهناك فرق بين المسلم والكتابي لأن اسم الله في قلب المسلم وإن ترك ذكره بلسانه بخلاف الكتابي 146. القول الثاني: أنها تحل مطلقًا: أي سواء اشترطت التسمية لحل ذبيحة المسلم أم لا، فذبيحة أهل الكتاب حلال سواء ذكروا اسم الله تعالى عليها أم لا لظاهر القرآن العزيز، كما في قوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلُّ لَّهُمْ﴾ 147، فظاهر الآية العموم فيتناول ما لم يذكروا اسم الله عليه 148. =
الجزء: 7 - الصفحة: 166
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
=والذي يظهر لي ترجيحه هو القول الأول، وهو تحريم ذبيحة الكتابي إذا لم يذكر اسم الله عليها متعمداً، لأن الراجح أن التسمية شرط في حل
ذبيحة المسلم والكتابي مع الذكر كما سيأتي إن شاء الله تعالى لقوله تعالى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ 149، وهذا عام في ذبيحة المسلم والكتابي، وقوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ﴾ 150 يراد به ما ذبحوه بشرطه كالمسلم.
الحالة الثانية: وهو ما ذبحوه على اسم غير الله كالمسيح والزهرة وغيرهما، نقول للعلماء في حكم الذبيحة في هذه الحالة ثلاثة أقوال:
القول الأول: التحريم: وهو قول الشافعية 151، والحنفية 152، وهو أصح الروايتين عن أحمد 153 لأن القرآن الكريم صرح بتحريم ما أهل به لغير الله: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ 154، وهذا عام في ذبيحة الوثني والكتابي إذا أهل بها لغير الله.
القول الثاني: الإباحة: وهو قول جماعة من السلف 155، ورواية عن أحمد 156 لأن هذا من طعامهم، وقد أباح الله لنا طعامهم من غير=
الجزء: 7 - الصفحة: 167
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
=تخصيص، وقد علم سبحانه أنهم يسمون غير اسمه.
القول الثالث: وهو قول المالكية (1): أن ذبح أهل الكتاب إذا قصدوا به التقرب لآلهتهم قربانًا وتركوه لا ينتفعون به فإنه لا يحل لنا أكله إذ ليس من طعامهم لأنهم لا ينتفعون به، وأما ما ذبحوه لأنفسهم بقصد أكلهم منه ولو في أعيادهم لكن سموا عليه اسم آلهتهم مثلاً تبركًا فهذا يكره أن يؤكل لأنه تناوله عموم: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ﴾ (2). والراجح من الأقوال هو القول الأول، وهو التحريم مطلقًا لعموم قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ (3)، وهذا مما أهل به لغير الله، وإباحة ذبائح أهل الكتاب وإن كانت مطلقة: لكنها مقيدة بما لم يهلوا به لغير الله فلا يجوز تعطيل القيد وإلغاؤه بل يحمل المطلق على المقيد.
ذكر بعض الفوائد
:
- الفائدة الأُولى: هل طعام الذين أوتوا الكتاب كل ما اعتقدوه طعاماً، وإن لم يكن على الطريقة الإسلامية؟
نقول لا، وهو المشهور عند عامة أهل العلم عامتهم، وذهب بعض العلماء - من الأقدمين والمتأخرين - إلى أن ما اعتقدوه طعاماً فهو حلال لنا؛ لأن الاختصاص في قوله تعالى: =157158159
الجزء: 7 - الصفحة: 168
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ﴾ (1) لولا أن له فائدة لم يكن
لذكره فائدة، وهي أن طعامهم يتميز عن طعامنا باعتقادهم إياه طعاماً، فإن كانوا مثلا يعتقدون أن المصعوق بالكهرباء ونحوه يعتبر طعاما فهو حل لنا، كما لو أن أحداً من الفقهاء خالفنا في شرط من شروط الذكاة، وذكى الذبيحة على اعتقاده فإنها تكون حلالاً لنا، ولنفرض أن شخصاً لا يرى وجوب التسمية ذبح ذبيحة ولم يسم الله؛ فهي حلالٌ لنا وله؛ لأنه اعتقدها حلالاً، أما لو ذبحها من يعتقد التحريم فهي حرام.
فالمهم أن بعض العلماء قال: ما اعتقده أهل الكتاب طعاماً فإنه حلال، ولا نحتاج إلى قطع الحلقوم والمريء، ولا إلى التسمية.
قلت: والصواب هو ما عليه جمهور العلماء، فلا بد أن يذكى وينهر الدم فيه، ولا بد أن يسمى الله عليه؛ كما سيأتينا - إن شاء الله تعالى - في الشروط المستقبلة.
الفائدة الثانية: هل يشترط أن يكون أبوا الكتابي كتابيين؟
الصحيح أنه لا يشترط أن يكون أبواه كتابيين، وأن لكل إنسان حكم نفسه، فلو قدر أن الأب شيوعي، أو وثني، وأن ابنه اعتنق دين اليهود مثلا، أو دين النصارى، فإن ذبيحته - على القول الراجح - حلال؛ لأنه داخل في عموم قوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ﴾ 161.160
الجزء: 7 - الصفحة: 169
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . - الفائدة الثالثة: شكك بعض الناس في عصرنا في حل ذبيحة اليهودي والنصراني، وقال: إنهم الآن لا يدينون بدين اليهود، ولا النصارى، وهذا ليس بصواب، نعم إن قالوا: نحن لا ندين بهذه الأديان، ولا نعتبرها دينا، فإن ردتهم واضحة، أما إذا قالوا: إنهم يدينون بها، ولكنَّ عندهم شركا، فإن ذلك لا يمنع، بدليل أن الله - تعالى - أنزل سورة المائدة، وحكي فيها عن النصارى ما حكي من القول بالتثليث، وكفرهم بذلك، فقال سبحانه: ﴿لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ﴾ (1)، وفي نفس السورة قال: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ﴾ (2)، فالقرآن نزل بعد أن غيروا وبدلوا، بل بعد أن كفروا، ومع ذلك أحل ذبائحهم ونساءهم، وعلى هذا فما دام هؤلاء يقولون: إنهم يدينون بدين النصارى، أو بدين اليهود فإن لهم حكم اليهود والنصارى، ولو كان عندهم تبديل وتغيير، ما لم يقولوا: إنهم مرتدون (3).
الفائدة الرابعة: في حكم اللحوم المستوردة
: اللحوم المستوردة من أهل الكتاب تنقسم إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: ما علم أنه ذكي على الطريقة الشرعية، فهذا حلال بالإجماع.162163164
الجزء: 7 - الصفحة: 170
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
القسم الثاني: ما علم أنه ذكي على غير الطريقة الشرعية كأن يذبحوه بالخنق أو الكهرباء أو ضرب الرأس ونحو ذلك فقد سبق الإشارة إليه وقلنا بأن الصحيح أنه يحرم.
القسم الثالث: وهو ما جهل حاله من هذه اللحوم المستوردة فلم يعلم هل ذكي على الطريقة الإسلامية أو لا، فهذا قد اختلفت فيه أقوال العلماء في عصرنا على قولين:
القول الأول: أنه مباح عملاً بالآية الكريمة: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ﴾ 165، فالأصل فيه الإباحة إلا إذا علمنا أنهم ذبحوه على غير الوجه الشرعي، وهذا هو اختيار شيخنا عبد العزيز ابن باز -رحمه الله- 166، وشيخنا محمد بن صالح العثيمين 167، وقول اللجنة الدائمة 168.
القول الثاني: أن هذا النوع من الذبائح لا يحل واحتج أصحاب هذا القول بما يلي:
1 - لأن الأصل في الحيوانات التحريم فلا يحل شيء منها إلا بذكاة شرعية متيقنة تنقلها من التحريم إلى الإباحة، وحصول الذكاة على الوجه الشرعي في هذه اللحوم مشكوك فيه، بل يغلب على الظن عدم وجود التذكية فيها فتبقى على التحريم.
=
الجزء: 7 - الصفحة: 171
الثَّانِيْ: أَنْ يَذْكُرَ اللهِ عِنْدَ الذَّبْحِ، أَوْ إِرْسَالِ الآلَةِ فِيْ الصَّيْدِ، إِنْ كَانَ نَاطِقًا (1)،
=2 - أنه إذا اجتمع مبيح وحاظر فيغلب جانب الحظر، وهذه اللحوم ترددت بين كونها مذكاة ذكاة شرعية فتحل أم غير مذكاة فلا تحل تغليباً لجانب التحريم.
قلت: والراجح هو القول الأول وأنَّ تورع الإنسان بتركها وإن كان ذلك محموداً وذلك لكَثُرَت شهادات من شهدوا بأن كثيرا من المصانع في بعض الدول أنهم يصعقون الحيوانات ولا يُذَكُّونَها التذكية الشرعية.
ومع قولنا بأن الإنسان يتورع بتركها فلا يأكل هذه الذبائح المستوردة، لكن لا يُحَرِّم هذا على غيره، ولا يُنكر على الذين يأكلون هذه الذبائح، وذلك لاختلاف العلماء في حلها وحرمتها، والورع شيء والتحريم شيء آخر.
(1)
قوله «الثَّانِيْ: أَنْ يَذْكُرَ اللهِ عِنْدَ الذَّبْحِ، أَوْ إِرْسَالِ الآلَةِ فِيْ الصَّيْدِ، إِنْ كَانَ نَاطِقًا»:
هذا هو الشرط الثاني مما تحل به الذبيحة فلابد فيها من التسمية دليل ذلك قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾، إلى قوله تعالى ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ 169.
ومن السنة قول النبي -صلى الله عليه وسلم- «مَا أَنْهَرَ الدَّمَ وَذُكِرَ اسْمُ اللهِ فَكُلْ» 170، و «ما» هنا شرطية.
=
الجزء: 7 - الصفحة: 172
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
=ومن السنة أيضاً حديث عائشة رضي الله عنها قالت: «أَنَّ قَوْمًا قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ قَوْمًا يَأْتُونَنَا بِاللَّحْمِ لا نَدْرِي أَذَكَرُوا اسْمَ اللهِ عَلَيْهِ أَمْ لا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- سَمُّوا اللَّهَ عَلَيْهِ وَكُلُوهُ» 171، فقولها «لا نَدْرِي أَذَكَرُوا اسْمَ اللهِ عَلَيْهِ أَمْ لا»، فإن هذا يدل على أنه كان من المستقر عندهم أن ما لم يذكر اسم الله عليه لا يؤكل.
وقد اختلف الفقهاء في حكم التسمية على الذبيحة على ثلاثة أقوال:
القول الأول: وجوب التسمية على الذبيحة مطلقًا فلا تحل بدونها أي فلا تسقط بأي حال من الأحوال، لا سهواً ولا جهلاً ولا عمداً مع الذكر وهذا هو قول الظاهرية 172، وهو رواية عن الإمام أحمد 173، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية 174، وشيخنا -رحمه الله- 175.
واستدل هؤلاء بعموم قوله تعالى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ 176. ففيه النهي عن الأكل مما لم يذكر اسم الله عليه وتسميته فسقًا.
الجزء: 7 - الصفحة: 173
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
=ومن ذلك أيضاً قوله -صلى الله عليه وسلم-: «مَا أَنْهَرَ الدَّمَ وَذُكِرَ اسْمُ اللهِ فَكُلْ» 177، فشرط لحل الأكل التسمية، ومعلوم أنه إذا فقد الشرط فقد المشروط، فإذا فقدت التسمية فإنه يفقد الحل، كسائر الشروط.
القول الثاني: أن التسمية على الذبيحة واجبة في حال الذكر دون حال النسيان، فيباح ما تركت عليه سهوًا لا عمدًا من الذبائح، وهذا قول الحنفية 178، والمالكية 179، والمشهور في مذهب الحنابلة 180، وهو اختيار سماحة شيخنا عبد العزيز ابن باز 181 -رحمه الله-.
واستدل هؤلاء بأدلة منها:
حديث ابن عباس عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «الْمُسْلِمُ يَكْفِيهِ اسْمُهُ فَإِنْ نَسِيَ أَنْ يُسَمِّيَ حِينَ يَذْبَحُ فَلْيُسَمِّ وَلْيَذْكُرِ اسْمَ اللهِ، ثُمَّ لْيَأْكُلْ» 182.
وقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «إِنَّ اللَّهَ وَضَعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ، وَالنِّسْيَانَ، وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» 183.
القول الثالث: أن التسمية على الذبيحة سنة مطلقًا وليست شرطًا وهو=
الجزء: 7 - الصفحة: 174
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
=رواية عن أحمد 184 ومذهب الشافعية 185 واحتجوا بما يأتي:
1 - قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ .. ﴾، إلى قوله تعالى ﴿ .. إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ 186، فأباح المذكي ولم يذكر التسمية.
2 - واستدلوا أيضًا بأن الله تعالى أباح ذبائح أهل الكتاب بقوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ﴾ وهم لا يسمون غالبًا فدل على أنها غير واجبة لأنها لو اشترطت التسمية لما حلت الذبيحة مع الشك في وجودها لأن الشك في الشرط شك في المشروط.
3 - واستدلوا أيضاً بحديث عائشة رضي الله عنها: «أَنَّ قَوْمًا قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ قَوْمًا يَأْتُونَنَا بِاللَّحْمِ لا نَدْرِي أَذَكَرُوا اسْمَ اللهِ عَلَيْهِ أَمْ لا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- سَمُّوا اللَّهَ عَلَيْهِ وَكُلُوهُ» 187. ووجه الدلالة منه أنه لو كانت التسمية شرطًا لم يرخص لهم إلا مع تحققها وما ذكر في الحديث المراد به التسمية المأمور بها عند أكل الطعام.
قلت: والراجح من الأقوال هو ما ذهب إليه أصحاب القول الثاني أن التسمية على الذبيحة واجبة في حال الذكر دون حالة النسيان، فيباح ما تركت عليه سهوًا لا عمدًا من الذبائح.
الجزء: 7 - الصفحة: 175
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . =وهذا هو الموافق لأصول هذه الشريعة، قال الله تعالى: ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ (1)، قال: قد فعلت»، وقوله -صلى الله عليه وسلم-: «وَضَعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ، وَالنِّسْيَانَ» (2).
ذكر بعض الفوائد
:
- الفائدة الأُولى: اختلف الفقهاء في الصيغة المعتبرة في التسمية على الذبيحة على قولين:
القول الأول: وهو قول الحنفية 190، والمالكية 191 أن المراد بالتسمية ذكر أي اسم من أسماء الله سواء قرن به كأن قال: الله أكبر، الله أجل، الله أعظم، الله الرحمن، الله الرحيم، أو لم يقرن بأن قال: الله أو الرحمن أو الرحيم، وكذا التهليل والتحميد والتسبيح.
ووجهتهم في ذلك: أن الله سبحانه قال: ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ 192. وكذا جاء في الأحاديث من غير فصل بين اسم واسم، ويرى شيخنا -رحمه الله- جواز قوله باسم الرحمن، أو باسم رب العالمين 193.188189
الجزء: 7 - الصفحة: 176
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
القول الثاني: أنه يتعين أن يقول: بسم الله لا يقوم غيرها مقامها، وهذا قول الحنابلة (1)، والشافعية (2). ووجهتهم في ذلك: أن إطلاق التسمية ينصرف إلى: «بسم الله»، وقد ثبت أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان إذا ذبح قال: «بسم الله الرحمن الرحيم».
والراجح عندي: هو القول الثاني؛ لأن اسم الله وإن جاء مطلقًا في النصوص فقد بينه فعل الرسول -صلى الله عليه وسلم- الثابت في الصحيح، فقد كان يقول عند الذبح «بسم الله»، ويرى شيخنا -رحمه الله- جواز قوله «باسم الرحمن»، أو «باسم رب العالمين» (3).
-
الفائدة الثانية: وقت التسمية على الذبيحة: وقت التسمية على الذبيحة هو وقت الذبح، لأنه لا يتحقق معنى ذكر اسم الله تعالى على الذبيحة إلا إذا كان وقت الذبح ويجوز تقديمها عليه بزمن يسير لا يمكن التحرز عنه.
الفائدة الثالثة: ما جهل حاله هل ذكر الذابح اسم الله عليه أو لا؟
إن تيقن أن الذابح لم يسم عليها لم يجز أن يأكل منها، وإذا لم يعلم هل سمي عليها أو لا جاز أن يأكل منها لأنه لا يلزم أن تعلم التسمية فيما يجلب إلى أسواق المسلمين مما ذبحه المسلمون أو أهل الكتاب لأن المسلمين قد عرفوا التسمية، والمسلم يحسن به الظن ما لم يتبين خلاف ذلك، =194195196
الجزء: 7 - الصفحة: 177
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . =دليل ذلك «أَنَّ قَوْمًا قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ قَوْمًا يَأْتُونَنَا بِاللَّحْمِ لا نَدْرِي أَذَكَرُوا اسْمَ اللهِ عَلَيْهِ أَمْ لا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- سَمُّوا اللَّهَ عَلَيْهِ وَكُلُوهُ» (1).
الفائدة الرابعة: هل يشرع أن يذكر اسم الرسول -صلى الله عليه وسلم- على الذبيحة؟
لا يشرع أن يقول عند الذبح «باسم الله، والصلاة والسلام على رسول الله» لأن هذا مقام إخلاص لله عز وجل، فلا ينبغي أن يذكر مع اسمه اسم غيره.
- الفائدة الخامسة: هل يشترط أن تكون التسمية واقعة من الفاعل:
بمعنى لو سمى غيره ممن هو إلى جانبه هل يجزئ؟ نقول: لا يجزئ، فلا بد أن يكون من الفاعل، ولهذا قال النبي -صلى الله عليه وسلم- في الصيد: «إِذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ الْمُعَلَّمَ وَذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ فَكُلْ» (2)، فالمخاطب في قوله -صلى الله عليه وسلم- «أرسلت» و «ذكرت» هو الفاعل، فلا بد أن تكون التسمية منه.
الفائدة السادسة: في الذبح عن طريق الآلات الأوتوماتيكية
:
أولاً: يجوز الذبح بالآلات الحديثة بشرط كونها حادة، وأن تقطع الحلقوم والمريء.
ثانياً: إذا كان هذا العامل مسلماً أو يهودياً أو نصرانياً، وهو الذي أدار=197198
الجزء: 7 - الصفحة: 178
أَوْ إِرْسَالِ الآلَةِ فِيْ الصَّيْدِ، إِنْ كَانَ نَاطِقًا (1)،
=جهاز الذبح بقصد ذبح هذه الذبائح، وتحرى التسمية عند مرور السكين الأوتوماتيكية على الذبائح، وقطع ما شرع قطعه من الحلقوم والمريء والودجين - جاز أكل ما ذبح على هذا الوصف.
ثالثاً: تكفي تسمية واحدة عند ذبح الجميع إذا كانت الآلة المستخدمة للذبح يحصل بها ذبح الجميع عند تحريكها، أما إن كانت الآلة تذبح عددا بعد عدد، فإنه يسمى عند كل تحريكه للذبح،
رابعاً: كتابة البسملة على شفرة الذبح، لا تكفي ولا تتأدى بها التسمية المطلوبة عند الذبح مع العلم بأن الذكاة الشرعية هي قطع الحلقوم والمريء والودجين.
خامساً: إذا كان الشخص يذبح بيده فيجب أن يسمي تسمية مستقلة على كل دجاجة يذبحها لاستقلال كل دجاجة بنفسها.
سادساً: يجب أن تكون التذكية في محل الذبح، وأن يقطع المريء والودجان، أو أحدهما.
(1)
قوله «أَوْ إِرْسَالِ الآلَةِ فِيْ الصَّيْدِ، إِنْ كَانَ نَاطِقًا»:
أي وكذلك أيضًا عند إرسال الآلة في الصيد لابد له من أن يُسَمِّي عند إرساله إن كان متكلماً والأدلة على ذلك كثيرة منها: عن أبي ثعلبة الخشني -رضي الله عنه- أنه قال أتيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فقلت: يا رسول الله إنا بأرض قوم أهل الكتاب نأكل في آنيتهم وأرض صيد أصيد بقوسي وأصيد بكلبي المعلم والذي ليس معلما فأخبرني ما الذي يحل =
الجزء: 7 - الصفحة: 179
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= لنا من ذلك فقال «أَمَّا مَا ذَكَرْتَ أَنَّكَ بِأَرْضِ قَوْمٍ أَهْلِ الْكِتَابِ تَأْكُلُ فِي آنِيَتِهِمْ فَإِنْ وَجَدْتُمْ غَيْرَأَىنِيَتِهِمْ فَلا تَأْكُلُوا فِيهَا وَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَاغْسِلُوهَا ثُمَّ كُلُوا فِيهَا وَأَمَّا مَا ذَكَرْتَ أَنَّكَ بِأَرْضِ صَيْدٍ فَمَا صِدْتَ بِقَوْسِكَ فَاذْكُرِ اسْمَ اللهِ ثُمَّ كُلْ وَمَا صِدْتَ بِكَلْبِكَ الْمُعَلَّمِ فَاذْكُرِ اسْمَ اللهِ ثُمَّ كُلْ وَمَا صِدْتَ بِكَلْبِكَ الَّذِي لَيْسَ مُعَلَّمًا فَأَدْرَكْتَ ذَكَاتَهُ فَكُلْ» 199.
وعن عدي بن حاتم -رضي الله عنه- قال سألت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قلت إنا قوم نصيد بهذه الكلاب فقال «إِذَا أَرْسَلْتَ كِلابَكَ الْمُعَلَّمَةَ وَذَكَرْتَ اسْمَ اللهِ فَكُلْ مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَإِنْ قَتَلْنَ إِلاَّ أَنْ يَأْكُلَ الْكَلْبُ فَإِنِّي أَخَافُ أَنْ يَكُونَ إِنَّمَا أَمْسَكَهُ عَلَى نَفْسِهِ وَإِنْ خَالَطَهَا كِلابٌ مِنْ غَيْرِهَا فَلا تَأْكُلْ» 200.
وعنه أيضاً قال: قلت: يا رسول الله إني أرسل كلبي أجد معه كلباً آخر، لا أدري أيهما أخذه؟ فقال: «لا تَأْكُلْ فَإِنَّمَا سَمَّيْتَ عَلَى كَلْبِكَ وَلَمْ تُسَمِّ عَلَى غَيْرِهِ».
وسأَلته عن صيد المعراض فقال «إِذَا أَصَبْتَ بِحَدِّهِ فَكُلْ، وَإِذَا أَصَبْتَ بِعَرْضِهِ فَقَتَلَ فَإِنَّهُ وَقِيذٌ فَلا تَأْكُلْ» 201.
الجزء: 7 - الصفحة: 180
وَإِنْ كَانَ أَخْرَسَ، أَشَارَ إِلى السَّمَاءِ (1)، فَإِنْ تَرَكَ التَّسْمِيَّةَ عَلى الذَّبِيْحَةِ عَامِدًا، لَمْ تَحِلَّ، وَإِنْ تَرَكَهَا سَاهِيًا، حَلَّتْ (2)، (1)
قوله «وَإِنْ كَانَ أَخْرَسَ، أَشَارَ إِلى السَّمَاءِ»:
هذا من مفردات المذهب (1)، قال ابن المنذر: «أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم، على إباحة ذبيحة الأخرس» (2).
إذا ثبت هذا فإنه يشير إلى السماء؛ لأن إشارته تقوم مقام نطق الناطق، وإشارته إلى السماء تدل على قصده تسمية الذي في السماء.
دليل ذلك حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-: أن رجلا أتى النبي -صلى الله عليه وسلم- بجارية أعجمية، فقال: يا رسول الله، إن عليّ رقبة مؤمنة، أفأعتق هذه؟ فقال لها رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «أَيْنَ اللَّهُ فَأَشَارَتْ إِلَى السَّمَاءِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَمَنْ أَنَا قَالَتْ فَأَشَارَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ وَإِلَى السَّمَاءِ أَيْ أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- أَعْتِقْهَا فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ» (3)، ولو أشار إشارة تدل على التسمية وعلم ذلك كان كافيا.
(2)
قوله «فَإِنْ تَرَكَ التَّسْمِيَّةَ عَلى الذَّبِيْحَةِ عَامِدًا، لَمْ تَحِلَّ، وَإِنْ تَرَكَهَا سَاهِيًا، حَلَّتْ»:
سبق الكلام على حكم التسمية وذكر الخلاف في حكمها، وقلنا بأن الراجح من أقوال الفقهاء أن التسمية على الذبيحة واجبة في حال الذكر دون حالة النسيان، فيباح من الذبائح ما تركت عليه سهوًا لا عمدًا.202203204
الجزء: 7 - الصفحة: 181
وَإِنْ تَرَكَهَا عَلى الصَّيْدِ، لَمْ يَحِلَّ، عَمْدًا كَانَ أَوْ سَهْوًا (1)، الثَّالِثُ: أَنْ يَذَكِّيَ بِمُحَدَّدٍ (2)، (1)
قوله «وَإِنْ تَرَكَهَا عَلى الصَّيْدِ، لَمْ يَحِلَّ، عَمْدًا كَانَ أَوْ سَهْوًا»:
أي إن ترك التسمية سهواً، أو عمداً لم يبح، لقوله تعالى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ (1)، وكذلك للأحاديث التي ذكرناها آنفاً كحديث أبي ثعلبة الخشني وحديث عدي ابن حاتم المتقدمين، فعلى هذا لو نسي هذا الصائد أن يقول: باسم الله عند إرسال السهم، أو عند إرسال الجارحة، فإنها لا تحل وتكون ميتة.
وقد سبق أن المؤلف -رحمه الله- يرى أن من تركها سهواً عند الذبح فإنها تحل وهو الصحيح كما سبق، ولا فرق بين هذا وهذا، فإن التسمية واجبة في الذكاة، كما هي واجبة في الصيد، وتسقط بالنسيان في الحالتين بل سقوطها في حال الصيد أقرب وذلك لأن الصائد أعذر من الذابح في نسيان التسمية، فهو عندما يرى الصيد يخاف من أن يفوته، فيأخذ البندقية بسرعة، أو يرسل الجارح بسرعة، ويذهل، ويغفل، فهو إلى النسيان أقرب من الذابح الذي يأتي بهدوء، ويضجع الذبيحة، أو يعلقها إذا كانت بعيراً ويذبح، فهذا يبعد النسيان في حقه بخلاف الصائد.
(2)
قوله «الثَّالِثُ: أَنْ يَذَكِّيَ بِمُحَدَّدٍ»:
أي الشرط الثالث من شروط حل ما يُذبح «أَنْ يَذَكِّيَ بِمُحَدَّدٍ»، وهي الآلة التي يذبح بها، فلا بد أن يكون الذبح بآلة، فلا يصح الخنق، ولا أن يرديها من الجبل حتى تموت - ولا=205
الجزء: 7 - الصفحة: 182
سَوَاءٌ كَانَ مِنْ حَدِيْدٍ أَوْ حَجَرٍ أَوْ قَصَبٍ أَوْ غَيْرِهِ (1)، إِلاَّ السِّنَّ وَالظُفْرَ (2)؛
=الحذف بأن يحذفها بشيء حتى تموت، ولا الضرب، فكل هذا لا تحل به الذبيحة، بل لابد من آلة، ولابد في هذه الآلة من أن تكون محددة، أي تجعله يسيل، ولهذا قال المؤلف «بمحدد» أي له حد يقطع، أما إذا لم يكن له حد فلا تحل الذكاة به.
فلو صعقها بالكهرباء فلا تحل، لأنها غير محددة، ولا تنهر الدم، دليل ذلك قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «ما أَنْهَرَ الدم وَذُكِرَ اسم الله عليه؛ فَكُلْ ما لم يكن سنًّا أو ظفرًا» (1)، فقوله: «ما أَنْهَرَ الدم» معلوم أنه لا يحصل إِنْهار الدم إلا بالشيء المحدد، فلا بد من أن تكون التذكية بشيء محدد سواء كان حديدًا كأن تكون سكيناً مثلاً أو حجر أو قصباً كما سيذكر ذلك المؤلف.
(1)
قوله «سَوَاءٌ كَانَ مِنْ حَدِيْدٍ أَوْ حَجَرٍ أَوْ قَصَبٍ أَوْ غَيْرِهِ»:
أي سواء كان المذبوح به «وهي آلة الذبح» من حديد كأن تكون سكينة أو حجراً محدداً فإنه يصح أن يُذَكَّى به، ويدل لذلك قصة جارية لكعب بن مالك كانت ترعى غنما بسلع فأصيبت شاة منها فأدركتها فذبحتها بحجر فسئل النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: «كُلُوهَا» (2)، وكذلك القصب والمراد به قشره، ومثله الذرة الغليظة، فكل قصب يكون محدداً تحل به الذكاة.
(2)
قوله «إِلاَّ السِّنَّ وَالظُفْرَ»:
هذا مستثنى مما سبق أي كل شيء يكون محددا ينهر الدم، فإنه تباح التذكية به، وتحل الذبيحة إلا السن والظفر، ولو=206207
الجزء: 7 - الصفحة: 183
لِقَوْلِ رَسُوْلِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «مَا أَنْهَرَ الدَّمَ وَذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ، فَكُلْ، لَيْسَ السِّنَّ وَالظُّفْرَ» (1)، =كان محدداً، وعلى هذا فما يفعله الصبيان من قطع رقبة العصفور بأظفارهم، ثم يأكلونه حرام، حتى لو كان الظفر حاداً، لقوله -صلى الله عليه وسلم- «مَا أَنْهَرَ الدَّمَ وَذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ فَكُلُوهُ لَيْسَ السِّنَّ وَالظُّفُرَ وَسَأُحَدِّثُكُمْ عَنْ ذَلِكَ أَمَّا السِّنُّ فَعَظْمٌ وَأَمَّا الظُّفُرُ فَمُدَى الْحَبَشَةِ» (1)، ومدى: جمع مدية، وهي السكين.
(1)
قوله «لِقَوْلِ رَسُوْلِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «مَا أَنْهَرَ الدَّمَ وَذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ، فَكُلْ، لَيْسَ السِّنَّ وَالظُّفْرَ»
الجزء: 7 - الصفحة: 184
وَيُعْتَبَرُ فِيْ الصَّيْدِ أَنْ يَصِيْدَ بِمُحَدَّدٍ أَوْ يُرْسِلَ جَارِحًا يَجْرَحُ الصَّيْدَ (1)،
=فَكُلْ، لَيْسَ السِّنَّ وَالظُّفُر، وَسَأُحْدثُكُمْ عَنْهُ، أَمَّا السِّنُّ فَعَظْمٌ، وَأَمَّا الظُّفُرُ فَمُدَى الْحَبَشَةِ» (1).
وفي الحديث بعض الفوائد منها:
1 - جواز التذكية بكل ما أنهر الدم وأساله، من حديد، أو حجر، أو قصب أو غيرها كما سبق.
2 - اشتراطْ التسمية، وتقدم أنها تسقط سهواً وجهلا.
3 - أنه لا يجوز الذبح بالسن والظفر، والحكمة في ذلك ما ذكره النبي -صلى الله عليه وسلم- من أن السن عظم، وأما الظفر فلمخالفة الكفار، لم يجز الذبح به.
4 - قوله -صلى الله عليه وسلم- «أَمَّا السِّنُّ فَعَظْمٌ» يفهم منه أنه لا يجوز التذكية بجميع العظام وهو الصحيح، وهو رواية عن الإمام أحمد (2)، أما المشهور من المذهب (3) فيختص بالسن فقط.
5 - قوله -صلى الله عليه وسلم- «وَأَمَّا الظُّفُرُ فَمُدَى الْحَبَشَةِ» يؤخذ منه عدم جواز مشابهة الكفار وتقليدهم، ومتابعتهم بشيء من أعمالهم.
(1)
قوله «وَيُعْتَبَرُ فِيْ الصَّيْدِ أَنْ يَصِيْدَ بِمُحَدَّدٍ أَوْ يُرْسِلَ جَارِحًا يَجْرَحُ الصَّيْدَ»:
شرع المؤلف هنا في بيان الأحكام المتعلقة بالصيد فذكر أول أحكامه وهو اعتبار الآلة التي يصاد بها فقال «وَيُعْتَبَرُ فِيْ الصَّيْدِ أَنْ يَصِيْدَ بِمُحَدَّدٍ»، كالبندقية مثلاً ونحوها، هذا صيد بمحدد ويشترط فيها ما يشترط في آلة=211212213
الجزء: 7 - الصفحة: 185
فَإِنْ قَتَلَ الصَّيْدَ بِحَجَرٍ، أَوْ بُنْدُقٍ أَوْ شَبَكَة (1)،
= الذبح، وقد سبق أن ذكرنا أنه يشترط في آلة الذبح أن تكون بغير السن والظُّفُر، لأن السن عظم، والظفر مدي الحبشة.
والحكم الثاني: أن يجرح الصيد، ولذا قال «أَوْ يُرْسِلَ جَارِحًا يَجْرَحُ الصَّيْدَ» يعني لابد أن يكون بمحدد وأن يحصل أيضاً جرح الصيد، لابد من جرحه، فإن مات من غير جرح لم يحل، وذلك لعموم قول النبي -صلى الله عليه وسلم- «مَا أَنْهَرَ الدَّمَ، وَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ، فَكُلْ، لَيْسَ السِّنَّ وَالظُّفُرَ» فإنه عام إلا أنه يختلف عن الذبح، لأن الذبح يشترط أن يكون في الرقبة وذلك بقطع الحلقوم والمريء والودجين أو ثلاثة منها، وأما في الصيد، ففي أي موضع أصابه حل، كالمعجوز عنه.
(2)
قوله «فَإِنْ قَتَلَ الصَّيْدَ بِحَجَرٍ، أَوْ بُنْدُقٍ أَوْ شَبَكَة»:
كأن يرى حمامة أو عصفوراً فيأخذ حجرًا ويضربها به فتموت فلا تَحِل؛ لأنه لا بد من أن يكون ذلك بمحدد.
وقوله «أَوْ بُنْدُقٍ» البندق هو طين مُدَوَّر كان يُرمى به قديمًا وهو عبارة عن طين يدور، وييبس، والغالب أنه يكون من الفخار، وهو يقتل بثقله؛ لأنه لا ينفذ، فلو صدت طائرا بالبندق سواء حذفت باليد، أو حذفت بالمقلاع فقتلته لم يحل؛ لأن النبي نهى عنها، وقال «إِنَّهُ لا يُصَادُ بِهَا صَيْدٌ، وَلا يَنْكَأُ بِهَا عَدُوًّا، وَلَكِنَّهَا تَفْقَأُ الْعَيْنَ وَتَكْسِرُ السِّنَّ» 214، =
الجزء: 7 - الصفحة: 186
أَوْ قَتَلَ الجَارِحُ الصَّيْدَ بِصَدْمَتِهِ أَوْ خَنْقِهِ أَوْ رَوْعَتِهِ، لَمْ يَحِلَّ (1)،
=فالعدو لا تدفعه، والصيد لا تصيده؛ لأنه لا يحل الصيد بها، إلا إذا أدركته حيًّا فذكيته.
وهل مثل البندق الرصاص؟
لا؛ لأن الرصاص نوعان: رصاص مدبب، فهذا كالسهم تماماً، ورصاص غير مدبب لكنه لا يقتل بثقله، وإنما يقتل بنفوذه فيكون جارحاً.
وقد اختلف العلماء أول ما ظهر بندق الرصاص، فمنهم من حرمه، وقال: إن الصيد به لا يجوز، ولا يحل، ولكنهم في آخر الأمر أجمعوا على حل صيده.
وقوله «أَوْ شَبَكَةٍ»: وهي ما تسمى شَركَاً، يحفرون بالجدار حفرة صغيرة، ويضعون فيها تمرة، ويستحسن أن يكون فيها حب بر، ثم يضعون على فم الحفرة خيطاً أو حبلاً يكون تكة، فإذا جاء العصفور وأدخل رأسه يأكل التمرة، أمسكه الحبل واشتد على رقبته، فأحياناً يدركه الإنسان قبل أن يموت فيأخذه ويذبحه، وأحياناً يموت قبل أن يدركه، فإذا مات فلا يحل؛ لأنه خنق خنقاً.
(1)
قوله «أَوْ قَتَلَ الجَارِحُ الصَّيْدَ بِصَدْمَتِهِ أَوْ خَنْقِهِ أَوْ رَوْعَتِهِ، لَمْ يَحِلَّ»:
أي وكذلك إن قتل الجارح الصيد كأن يرسل كلبه المعلم إلى الصيد فيصطدم به فيموت، أو يخنقه من رقبته، أو يفجعه فتموت من حينه ولا يبقى فيه رمق، فإنه لا يحل لأنه في حكم الموقوذة، فإن أدركه وبه رمق حل.
الجزء: 7 - الصفحة: 187
وَإِنْ صَادَ بِالْمِعْرَاضِ (1)، أَكَلَ مَا قُتِلَ بِحَدِّهِ دُوْنَ مَا قُتِلَ بِعَرْضِهِ (2)، وَإِنْ نَصَبَ الْمَنَاجِلَ لِلصَّيْدِ وَسَمَّى، فَعَقَرَتِ الصَّيْدَ أَوْ قَتَلَتْهُ، حَلَّ (3)، (1)
قوله «وَإِنْ صَادَ بِالْمِعْرَاضِ»:
المعراض: خشبة محدودة الطرف أو في طرفها حديدة يرمي بها الصيد.
(2)
قوله «أَكَلَ مَا قُتِلَ بِحَدِّهِ دُوْنَ مَا قُتِلَ بِعَرْضِهِ»:
وهذا هو قول جمهور أهل العلم أي أنهم يفرقون بين أن يقتل المعراض بحده أي بطرفه المحدد، وفي رواية (1) كل ما خرق فيحل أكله لأنه يجرح ما أصابه، بخلاف ما قتل بعرضه فإنه لا يحل لأنه مات بسبب الثقل فإنه يكون وقيذاً ولا يحل.
وذهب بعض السلف إلى أنه يحل صيد المعراض مطلقاً، فيباح ما قتله بحده وعرضه خزق أم لا.
قلت: والصواب هو قول جمهور الفقهاء لحديث عدى بن حاتم المتقدم وفيه: «مَا أَصَابَ بِحَدِّهِ فَكُلْهُ، وَمَا أَصَابَ بِعَرْضِهِ فَهُوَ وَقِيذٌ» (2)، فالحجة في السنة لا فيما خالفها.
(3)
قوله «وَإِنْ نَصَبَ الْمَنَاجِلَ لِلصَّيْدِ وَسَمَّى، فَعَقَرَتِ الصَّيْدَ أَوْ قَتَلَتْهُ، حَلَّ»:
المناجل: جمع منجل، وهي الآلة التي يحش بها ويُحصد بها، فإن نصبها للصيد فصادت الصيد وصدم بها، أو أنها عَقَرَت الصيد، =215216
الجزء: 7 - الصفحة: 188
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= كأن يلقيها على الصيد فتعقره فتقتله؛ فإنه يحل ذلك، لأنه قتل الصيد بحديدة على الوجه المعتاد فأشبه ما لو رماه بها.
فالمقصود أنه لا بد في هذا من أن يكون الصيد بمحدد، فلو أن سيارة صدمت جملاً فمات هذا الجمل؛ فإنه لا يَحِل، ويكون وقيذًا، ولو سال منه الدم، فلابد من أن يكون ذلك بمحدد، لكن لو أن السيارة لَمَّا صدمت هذا الجمل لا زال فيه حياة، فأتى أحد الحاضرين بسكين وَنَحَرَهُ، فإنه يَحِل.
الجزء: 7 - الصفحة: 189
فَصْلٌ فِيْ شُرُوْطِ الذَّبْحِ وَالنَّحْرِ وَالعَقْرِ
(1) وَيُشْتَرَطُ فِيْ الذَّبْحِ وَالنَّحْرِ خَاصَّةً شَرْطَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُوْنَ فِيْ الحَلْقِ وَاللَّبَّةِ، فَيَقْطَعُ الحُلْقُوْمَ وَالْمَرِيْءَ، وَمَا لا تَبْقَى الحَيَاةُ مَعَ قَطْعِهِ (2)، (1)
قوله «فَصْلٌ فِيْ شُرُوْطِ الذَّبْحِ وَالنَّحْرِ وَالعَقْرِ»:
سبق تعريف الذبح والنحر والعقر، وذكرنا الشروط المعتبرة في الذابح والمذبوح به، وهنا سيذكر المؤلف الشروط المعتبرة في الذبح ذاته فقال: (2)
قوله «وَيُشْتَرَطُ فِيْ الذَّبْحِ وَالنَّحْرِ خَاصَّةً شَرْطَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُوْنَ فِيْ الحَلْقِ وَاللَّبَّةِ، فَيَقْطَعُ الحُلْقُوْمَ وَالْمَرِيْء، وَمَا لا تَبْقَى الحَيَاةُ مَعَ قَطْعِهِ»:
بدأ المؤلف بشروط الذبح والنحر دون العقر، وذلك لأن العقر إنما يكون في حال الضرورة كما سبق، فله حكم يختلف فيه عن الذبح أو النحر اللذان محلهما الاختيار، فذكر الشرط الأول وهو «أَنْ يَكُوْنَ فِيْ الحَلْقِ وَاللَّبَّةِ»، يعني يكون الذبح في الحلق، «واللَّبَّةِ»: بفتح اللام وتشديد الموحدة هي الوهدة التي بين أصل العنق والصدر.
وفي الرقبة أربعة أشياء: ودجان، وحلقوم، ومريء.
والودجان عرقان غليظان يحاذيان الحلقوم والمريء، ويسميان الشرايين، والحلقوم مجرى النفس، والمريء مجرى الطعام والشراب.
هذه الأربعة إذا قطعها الذابح؛ حلت الذبيحة وحصل بها التذكية باتفاق أهل العلم، فإذا اقتصر على بعضها، فالقول الصحيح في هذه المسألة أنه لا بد من قطع ثلاثة من هذه الأربعة، فإما أن يقطع الحلقوم والمريء وأحد الودجين، أو يقطع الودجين والحلقوم، أو يقطع الودجين=
الجزء: 7 - الصفحة: 190
الثَّانِيْ: أَنْ يَكُوْنَ فِيْ الْمَذْبُوْحِ حَيَاةٌ يُذْهِبُهَا الذَّبْحُ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيْهِ إِلاَّ كَحَيَاةِ المَذْبُوْحِ، وَمَا أُبِيْنَتْ حَشْوَتُهُ، لَمْ يَحِلَّ بِالذَّبْحِ وَلا النَّحْرِ 217، =والمريء، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية (1)، واختيار الشيخين رحمهما الله 218.
(1)
قوله «الثَّانِيْ: أَنْ يَكُوْنَ فِيْ الْمَذْبُوْحِ حَيَاةٌ يُذْهِبُهَا الذَّبْحُ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيْهِ إِلاَّ كَحَيَاةِ المَذْبُوْحِ، وَمَا أُبِيْنَتْ حَشْوَتُهُ، لَمْ يَحِلَّ بِالذَّبْحِ وَلا النَّحْرِ»:
هذا هو الشرط الثاني، وهو أن يكون في المذبوح حياة فإن لم يكن في المذبوح حياة؛ فإنها لا تَحِل، والضابط في معرفة حياتها وعدم موتها يكون بأحد أمرين:
الأمر الأول: الحركة، فمتى تحركت بحركة قليلة أو كثيرة بيد أو برجل، أو بعين أو بأذن أو ذنب أو غير ذلك؛ فإن هذا دليل على حياتها، فتكون مباحة.
الأمر الثاني: جريان الدم الأحمر الذي يخرج من المُذكَّى المذبوح عادة بقوة وإن لم تتحرك، ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: «والصحيح: أنه إذا كان حيًّا فذكي حل أكله ولا يعتبر في ذلك حركة مذبوح، فإن حركات المذبوح لا تنضبط، بل فيها ما يطول زمانه وتعظم حركته، وقد قال -صلى الله عليه وسلم- «مَا أَنْهَرَ الدَّمَ وَذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ فَكُل» 219، =
الجزء: 7 - الصفحة: 191
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذلِكَ، حَلَّ (1)؛ =فمتى جرى الدم الذي يجري من المذبوح الذي ذبح وهو حي حل أكله، والناس يفرقون بين دم ما كان حيًّا ودم ما كان ميّتًا؛ فإن الميت يجمد دمه ويسود» (1). مسألة: إذا شُكَّ هل هو حيٌ أو ميت أو شكَّ في حركته فإنها لا تَحِل لقوله تعالى: ﴿إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ وما شككنا في بقاء حياته، لم نتحقق من ذكاته، فإن قيل الأصل بقاء الحياة؟ نقول نعم إلا أن الأصل عارضه ظاهرٌ أقوى منه وهو السبب المفضي إلى الموت فأنيط الحكمُ به ما لم يتحقق من حياته.
(2)
قوله «وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذلِكَ، حَلَّ»:
أي وإن لم يكن في حكم الميت فإنه يحل، لقول الله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ 221، فاستثنى الله تعالى ما ذُكِّيَ.
وبناءً على ذلك إذا وجد في الحيوان حياةٌ فذكي هذا الحيوان فإنه يحل، أما لو كان في حكم الميت كما مثل المؤلف بأن أبينت أحشاؤه، فإن هذا لا يحل بالتذكية، لأنه في الحقيقة في حكم الميت.220
الجزء: 7 - الصفحة: 192
لِمَا رَوَى كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ، قَالَ: كَانَتْ لَنَا غَنَمٌ تَرْعَى بِسَلْعٍ، فَأَبْصَرَتْ جَارِيَةٌ لَنَا بِشَاةٍ مِنْ غَنَمِنَا مَوْتاً، فَكَسَرَتْ حَجَراً، فَذَبَحَتْهَا بِهِ، فَسُئِلَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - عَنْ ذلِكَ، فَأَمَرَ بِأَكْلِهَا (1)، وَأَمَّا العَقْرُ، فَهُوَ: القَتْلُ بِجُرْحٍ فِيْ غَيْرِ الحَلْقِ وَاللَّبَّةِ، وَيُشْرَعُ فِيْ كُلِّ حَيَوَانٍ مَعْجُوْزٍ عَنْهُ مِنَ الصَّيْدِ وَالأَنْعَامِ (2)؛
(1) قوله «لِمَا رَوَى كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ، قَالَ: كَانَتْ لَنَا غَنَمٌ تَرْعَى بِسَلْعٍ، فَأَبْصَرَتْ جَارِيَةٌ لَنَا بِشَاةٍ مِنْ غَنَمِنَا مَوْتاً، فَكَسَرَتْ حَجَراً، فَذَبَحَتْهَا بِهِ، فَسُئِلَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - عَنْ ذلِكَ، فَأَمَرَ بِأَكْلِهَا» (1): هذا الحديث حُجَّة في هذه المسألة.
وفي هذا الحديث من الفقه أن ذبيحة النساء حلال والحرة والأمة في ذلك سواء.
وفيه جواز الذبح بالحجر الذي له حد.
والحديث محمول على أن هذه الذبيحة كانت بها حياة مستقرة فذبحتها ولولا ذلك ما حلت.
(2)
قوله «وَأَمَّا العَقْرُ، فَهُوَ: القَتْلُ بِجُرْحٍ فِيْ غَيْرِ الحَلْقِ وَاللَّبَّةِ، وَيُشْرَعُ فِيْ كُلِّ حَيَوَانٍ مَعْجُوْزٍ عَنْهُ مِنَ الصَّيْدِ وَالأَنْعَامِ»:
سبق تعريف العقر، وقلنا بأن العقر هو الجرح في أي موضع كان من البدن في غير الحلق واللبة عند العجز عن الحيوان، أي كأنها صيد فتستعمل للضرورة في المعجوز عنه من الصيد والأنعام.222
الجزء: 7 - الصفحة: 193
لِمَا رَوَى رَافِعٌ أَنَّ بَعِيْرًا نَدَّ فَأَعْيَاهُمْ، فَأَهْوَى إِلَيْهِ رَجُلٌ بِسَهْمٍ فَحَبَسَهُ، فَقَالَ رَسُوْلُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «إِنَّ لِهَذِهِ البَهَائِمِ أَوَابِدُ كَأَوَابِدِ الوَحْشِ، فَمَا غَلَبَكُمْ مِنْهَا، فَاصْنَعُوْا بِهِ هَكَذَا (1)، وَلَوْ تَرَدَّى بَعِيْرٌ فِيْ بِئْرٍ فَتَعَذَّرَ نَحْرُهُ، فَجُرِحَ فِيْ أَيِّ مَوْضِعٍ كَانَ مِنْ جَسَدِهِ، فَمَاتَ بِهِ، حَلَّ أَكْلُهُ (2)، (1)
قوله «لِمَا رَوَى رَافِعٌ أَنَّ بَعِيْرًا نَدَّ فَأَعْيَاهُمْ، فَأَهْوَى إِلَيْهِ رَجُلٌ بِسَهْمٍ فَحَبَسَهُ، فَقَالَ رَسُوْلُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «إِنَّ لِهَذِهِ البَهَائِمِ أَوَابِدُ كَأَوَابِدِ الوَحْشِ، فَمَا غَلَبَكُمْ مِنْهَا، فَاصْنَعُوْا بِهِ هَكَذَا»
(1): الأوابد: هي التي قد توحشت ونفرت، ومعنى الحديث أن ما شرد وهرب ولم تستطيعوا إمساكه بحيث تذبحونه من حلقه أو لبته، فإنه يرمى بسهم، فإذا سقط فإنه يكون حكمه حكم الصيد، وشأنه شأن الصيد الذي لا يقدر على ذبحه إلا بهذه الطريقة، لكنه إذا وقع وأدرك وفيه حياة تعيَّن ذبحه؛ أما ما رمي وخرجت روحه بهذه الإصابة التي حصلت في فخذه أو في أي مكان منه وسال الدم، فإنه يكون حلالاً بذلك إلحاقاً له بالصيد.
وفي هذا الحديث دلالة ظاهرة أن المقدور عليه من الدواب الإنسية إذا توحش فامتنع صار حكمه في الذكاة حكم الوحشي غير المقدور عليه.
(2)
قوله «وَلَوْ تَرَدَّى بَعِيْرٌ فِيْ بِئْرٍ فَتَعَذَّرَ نَحْرُهُ، فَجُرِحَ فِيْ أَيِّ مَوْضِعٍ كَانَ مِنْ جَسَدِهِ، فَمَاتَ بِهِ، حَلَّ أَكْلُهُ»:
أي وكذلك لو أن بعيراً سقط في بئر، ولم يمكن نحره إلا بهذه الطريقة، فإن هذا لا بأس به، ولهذا قال البخاري في صحيحه: «وقال ابن عباس ما أعجزك من البهائم مما في يديك فهو=223
الجزء: 7 - الصفحة: 194
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . =كالصيد، وفي بعير تردى في بئر من حيث قدرت عليه فذكه ورأى ذلك علي وابن عمر وعائشة» 224.
الجزء: 7 - الصفحة: 195
كِتَابُ الصَّيْدِ (1) كُلُّ مَا أَمْكَنَ ذَبْحُهُ مِنَ الصَّيْدِ، لَمْ يُبَحْ إِلاَّ بِذَبْحِهِ (2)، (1)
قوله «كِتَابُ الصَّيْدِ»:
الصيد: مصدر صاد يصيد صيداً، ومعناه: الاقتناص، ثم أطلق الصيد على الحيوان المصاد، من باب تسمية اسم المفعول باسم المصدر، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ﴾ (1). وأما الصيد بمعنى المصدر الذي هو فعل الصيد فهو: اقتناص المتوحش بطبعه من الحيوان المأكول الذي لا مالك له.
(2)
قوله «كُلُّ مَا أَمْكَنَ ذَبْحُهُ مِنَ الصَّيْدِ، لَمْ يُبَحْ إِلاَّ بِذَبْحِهِ»:
أي: كل ما كان مقدوراً عليه من الصيد فلا يباح إلا بالتذكية، وهذا بلا خلاف بين أهل العلم, دليل ذلك حديث عدي بن حاتم -رضي الله عنه- قال: قال لي رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «إِذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ فَاذْكُرْ اسْمَ اللَّهِ فَإِنْ أَمْسَكَ عَلَيْكَ فَأَدْرَكْتَهُ حَيًّا فَاذْبَحْهُ وَإِنْ أَدْرَكْتَهُ قَدْ قَتَلَ وَلَمْ يَأْكُلْ مِنْهُ فَكُلْهُ وَإِنْ وَجَدْتَ مَعَ كَلْبِكَ كَلْبًا غَيْرَهُ وَقَدْ قَتَلَ فَلَا تَأْكُلْ فَإِنَّكَ لَا تَدْرِي أَيُّهُمَا قَتَلَهُ وَإِنْ رَمَيْتَ سَهْمَكَ فَاذْكُرْ اسْمَ اللَّهِ فَإِنْ غَابَ عَنْكَ يَوْمًا فَلَمْ تَجِدْ فِيهِ إِلَّا أَثَرَ سَهْمِكَ فَكُلْ إِنْ شِئْتَ وَإِنْ وَجَدْتَهُ غَرِيقًا فِي الْمَاءِ فَلَا تَأْكُلْ» 226.225