وبل الغمامة في شرح عمدة الفقه لابن قدامةكِتابُ الظِّهارِ
أهل الأثرالأرشيف العلمي

(1)  (1)

قوله «كِتابُ الظِّهارِ»:

الظهار في اللغة: مأخوذ من الظهر، يقال: ظاهر من امرأته وتظاهر منها, وهو أن يقول الرجل لامرأته أنت علي كظهر أُمي لأن الظهر من الدابة موضوع الركوب.
أما تعريفه في الشرع: فهو تشبيه الرجل زوجته أو جزء منها بامرأة محرمة عليه تحريماً مؤبداً, أو بجزء منها يحرم عليه النظر إليه كالظهر، والبطن، والفخذ، ونحو ذلك.

ذكر بعض الفوائد

:

  • الفائدة الأُولى: الأصل فيه: الأصل في الظهار: قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلاَّ اللاَّئِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَراً مِنْ الْقَوْلِ وَزُوراً وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾ 1. ومن السنة: حديث «خُوَيْلَةَ بِنْتِ ثَعْلَبَةَ قَالَتْ: ظَاهَرَ مِنِّي زَوْجِي أَوْسُ بْنُ الصَّامِتِ, فَجِئْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- أَشْكُو إِلَيْهِ, وَرَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يُجَادِلُنِي فِيهِ, وَيَقُولُ: اتَّقِي اللَّهَ, فَإِنَّمَا هُوَ ابْنُ عَمِّكِ فَمَا بَرِحْتُ حَتَّى أُنْزِلَ الْقُرْآنُ: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ المجادلة إِلَى الْعَرْضِ, فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: تُعْتَقُ رَقَبَةٌ, فَقَالَتْ: لا يَجِدُ, فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: فَيَصُومُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: شَيْخٌ=

الجزء: 7 - الصفحة: 58

وَهُوَ: أَنْ يَقُوْلَ لاِمْرَأَتِهِ: أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّيْ (1)،  =كَبِيرٌ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَصُومَ, قَالَ: فَلْيُطْعِمْ سِتِّينَ مِسْكِينًا, قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهُ لَيْسَ عِنْدَهُ شَيْءٌ يَتَصَدَّقُ بِهِ, فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: فَإِنِّي أُعِينُهُ بِعَرَقٍ مِنْ تَمْرٍ, فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ, أَنَا أُعِينُهُ بِعَرَقٍ آخَرَ, فَقَالَ: أَحْسَنْتِ, اذْهَبِي فَأَطْعِمِي عَنْهُ سِتِّينَ مِسْكِينًا, وَارْجِعِي إِلَى ابْنِ عَمِّكِ, قَالَتْ: وَالْعَرَقُ سِتُّونَ صَاعًا» (1).

الفائدة الثانية: في حكم الظهار

: الظهار محرم لقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلاَّ اللاَّئِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَراً مِنْ الْقَوْلِ وَزُوراً وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُور﴾ (2) , وهو من كبائر الذنوب لأن الله وصفه بأنه منكر من القول في هذه الآية, ومعنى الآية أنهم يقولون أمراً محرماً، ومنكراً، وكذباً منهم، يقولون بأن زوجاتهم كأمهاتهم، وهذا منكر وتحريم لما أحل الله.

  • الفائدة الثالثة: كان الظهار طلاقاً في الجاهلية, فلما جاء الإسلام أبطله وأنكره واعتبره يميناً يكفره, فيجب على المظاهر من زوجته أن لا يقربها حتى يكفِّر كما سيأتي إن شاء الله تعالى.

(1)

قوله «وَهُوَ: أَنْ يَقُوْلَ لاِمْرَأَتِهِ: أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّيْ»:

أي الظهار هو أن يقول المظاهر لامرأته أنت عليَّ كظهر أمي, أي ركوبك للنكاح حرام =23

الجزء: 7 - الصفحة: 59

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =على كنكاح أمي، وهو كما سبق حرام لما ذكرناه من الأدلة, والظهار كما مر ليس بطلاق، فلو قال إنسان لامرأته: «أنت عليَّ كظهر أمي»، وأراد بالظهار الطلاق فإنه لا تقبل هذه النية, وذلك لعلتين.
الأولى: أننا لو قبلنا ذلك لرددنا حكم الظهار من الإسلام إلى الجاهلية، وهذا أمر لا يجوز لأن الإسلام أبطله.
الثاني: أنه مخالف لصريح اللفظ, وما خالف صريح اللفظ فغير مقبول.

ذكر بعض الفوائد

:

- الفائدة الأُولى: إذا قال الرجل لامرأته أنت علي كأمي هل يعد ظهاراً؟

الجواب: نقول هذا يرجع إلى نيته, فإن كان قد أراد به ظهاراً فهو ظهار, وإن كان أراد به المودة، والاحترام، والتبجيل فليس ظهاراً.

  • الفائدة الثانية: كره بعض الفقهاء أن يقول الرجل لزوجته يا أُختي يا بنتي, يا أُمي: أي أن يناديها ببعض محارمه لأن هذا اللفظ يشبه الظهار, وكذلك يكره عندهم أن المرأة تقول للزوج يا أخي, يا أبي ولو على سبيل الإكرام والاحترام لأنه أيضاً يشبه تحريم الزوج.
    قلت: والصواب أن هذا كله يجوز لأن المعنى معلوم وهو إرادة الإكرام والاحترام والتبجيل, بل هذه من العبارات التي توجب المودة والمحبة بين الزوجين، لكن في غيرها من الألفاظ ما يغني عنها.

- الفائدة الثالثة: ما الحكم إذا قال الرجل لزوجته أنت عليَّ حرام؟

الجواب: تحريم الزوج لزوجته مما اختلف فيه الفقهاء, اختلافاً كثيراً =

الجزء: 7 - الصفحة: 60

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  = وأرجح الأقوال فيه التفصيل: فإن نوى بقوله «أنت عليَّ حرام» الطلاق، أو الظهار، أو اليمين فالأمر على ما نواه, وإن لم ينو شيئاً, لزمه كفارة يمين, وهذا مذهب الإمام الشافعي 4. ويدل على ذلك أن هذا اللفظ يصلح أن يكون ظهاراً أو يميناً كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ 5، وقوله ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ 6. فالمرجع في ذلك إلى النية فيما قال, فإن أراد به طلاقاً وقع طلاقاً, وإن أراد به ظهاراً وقع ظهاراً, وإن أراد به يميناً وقع يميناً لما ثبت عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «إِذَا حَرَّمَ الرَّجُلُ عَلَيْهِ امْرَأَتَهُ فَهْىَ يَمِينٌ يُكَفِّرُهَا وَقَالَ ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾» 7. فإن قصد به المنع أو التصديق أو التكذيب, فإنه يجري مجرى اليمين ويكون حكمه حكم اليمين ويجري مجرى اليمين.

الجزء: 7 - الصفحة: 61

أَوْ مَنْ تَحْرُمُ عَلَيْهِ عَلى التَّأْبِيْدِ (1). أَوْ يَقُوْلَ: أَنْتِ عَلَيَّ كَأَبِيْ، يُرِيْدُ تَحْرِيْمَهَا بِهِ (2)، فَلا تَحِلُّ لَهُ حَتَّى يُكَفِّرَ (3)،  (1)

قوله «أَوْ مَنْ تَحْرُمُ عَلَيْهِ عَلى التَّأْبِيْدِ»:

أي يكون الظهار كذلك على من تحرم عليه على التأبيد, كأن يقول أنت علي كظهر أختي أو خالتي أو عمتي, وقوله «علي التأبيد» مفهومة أن الحرمة إلى أمد كأخت زوجته أو عمتها لا يكون التشبيه بها ظهاراً، وهو إحدى الروايتين (1) في المذهب، والمذهب أنها ظهار، وهو اختيار الخرقي, لأنه شبهها بمحرمة, فأشبه ما لو شبهها بأمه.
(2) قوله «أَوْ يَقُوْلَ: أَنْتِ عَلَيَّ كَأَبِيْ، يُرِيْدُ تَحْرِيْمَهَا بِهِ»: أي وكذلك من الظهار أن يقول لزوجته أنت علي كأبي يريد تحريمها لأنه شبهها بظهر من يحرم عليه على التأييد, أشبه لأم.
قلت: والراجح أن هذا ليس ظهاراً، وهو قول جمهور أهل العلم (2) لأنه تشبيه لامرأته بما ليس بمحل لاستمتاع الرجال, أشبه ما لو قال: «أنت علي كمال زيد».

(3)

قوله «فَلا تَحِلُّ لَهُ حَتَّى يُكَفِّرَ»:

أي فتحرم عليه زوجته حتى يكفر كفارة الظهار التي ذكر الله تعالى في كتابه: {وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ * فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ=89

الجزء: 7 - الصفحة: 62

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ} (1)، فإذا كفَّر زال حكم التحريم, فإن وطئ قبل التكفير عصى ربه لمخالفته أمره, واستقرت الكفارة في ذمته, فلا تسقط بعد ذلك بموت ولا طلاق ولا غيره, وتحريم زوجته باق عليه حتى يكفِّر، وهذا هو قول عامة أهل العلم (2).

لكن

هل المنهي عنه الجماع ودواعيه, أم الجماع فقط؟

الجواب: قولان للفقهاء: الأول: أنه يحرم عليه الجماع ودواعيه، كالقبلة، والمعانقة، والاستمتاع بها دون الفرج، وهذا هو قول الحنفية 12، ومالك 13، ورواية في مذهب الإمام أحمد 14. القول الثاني: أن المحرم هو الجماع فقط، قال الإمام أحمد عن دواعي الجماع: «أرجو أن لا يكون به بأساً».
قلت: والأحوط عندي هو ما ذهب إليه جمهور الفقهاء، فيحرم عليه الجماع ودواعيه لأن هذا هو الأبرأ لذمته, ولأنه قد يقع في المنهي عنه وهو الجماع، فمن حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه.1011

الجزء: 7 - الصفحة: 63

بِتَحْرِيْرِ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا (1)، فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا (2)،  (1)

قوله «بِتَحْرِيْرِ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا»:

هذه هي كفارة «الظهار وهي على ثلاثة خصال»: الأولى: عتق رقبة من قبل أن يمس أحدهما الأخر بالجماع وما دونه كما سبق دليل ذلك قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ (1). فقوله «يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا»: أي يعودون إلى الجماع الذي حرموه على أنفسهم، وهذا هو المعنى الصحيح للآية

وقوله «فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ» أي تخليصها من الرق,

وهل يشترط أن تكون الرقبة مؤمنة؟

الجواب: قولان للفقهاء: والراجح اشتراط كون الرقبة مؤمنة، وهذا قول مالك (2)، والشافعي (3)، وهو رواية في مذهب الإمام أحمد (4).

(2)

قوله «فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا»:

هذه هي الخصلة الثانية من خصال كفارة الظهار، وهي الصيام، دليل ذلك قوله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ 19.15161718

الجزء: 7 - الصفحة: 64

فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ، فَإِطْعَامُ سِتِّيْنَ مِسْكِيْنًا (1)،  =ومن شرط الصيام كون الشهرين متواليين, لا يفطر فيهما إلا لعذر كان يتخلله فطر واجب كعيد, وأيام التشريق, أو يتخلله صيام فريضة كصوم رمضان, أو لمرض أو خوف, فإذا قطع الصيام لعذر فلا ينقطع التتابع, لأنه فطر بسبب لا يتعلق باختياره فإذا أخل بالتتابع لغير عذر استأنف لصيام.

ذكر بعض الفوائد

:

  • الفائدة الأولى: من تحايل على إسقاط شرط المتابعة كأن يؤخر الصيام إلى ذي الحجة حتى يستريح بفطره في يوم العيد وأيام التشريق فإن هذا لا يحل له.

الفائدة الثانية: من سافر لأجل أن يفطر حرم

عليه الفطر والسفر لأن أصل التتابع واجب، فإذا تحايل على إسقاطه ولو بشيء أباحه الشارع فإنه حرام.
(1)

قوله «فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ، فَإِطْعَامُ سِتِّيْنَ مِسْكِيْنًا»:

هذه هي الخصلة الثالثة من خصال كفارة الظهار وهي الإطعام، دليلها قوله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً﴾ 20: أي فمن لم يستطع الصيام لأي سبب من الأسباب ككبر أو مرض، وغير ذلك من الأسباب التي سبقت في كتاب الصوم فعليه إطعام ستين مسكيناً, والآية دليل في اشتراط العدد، =

الجزء: 7 - الصفحة: 65

وَحُكْمُهَا وَصِفَتُهَا كَكَفَّارَةِ الجِمَاعِ فِيْ شَهْرِ رَمَضَانَ (1)، فَإِنْ وَطِئَ قَبْلَ التَّكْفِيْرِ، عَصَى، وَلِزَمَتْهُ الكَفَّارَةُ الْمَذْكُوْرَةُ (2)،  =فلا يجوز أقل من ستين, فإن تعذر كرر الكفارة على الموجودين بقدر ستين مسكيناً.
والصحيح من أقوال أهل العلم أنه يجزئ التكفير بما يكون طعاماً للناس لأن الله تعالى قال: ﴿فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً﴾، فذكر الأحكام ولم يذكر الله أي نوع يكون, فيرجع في ذلك لما جرى به العرف.
أما من حيث المقدار فهو مُدّ من البر, وهو ربع الصاع, والصاع يعادل «25 و 2»، أي كيلوين وربع.
والصواب في الإطعام أنه إذا غَدَّى المساكين أو عشاهم أجزأه لقوله تعالى ﴿فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً﴾، ولم يذكر قدراً ولم يذكر جنساً, فما يسمى إطعام فإنه يجزئ.

(1)

قوله «وَحُكْمُهَا وَصِفَتُهَا كَكَفَّارَةِ الجِمَاعِ فِيْ شَهْرِ رَمَضَانَ»:

أي وكفارة الظهار في حكمها وصفتها ككفارة الجماع في شهر رمضان فهي كفارة مغلظة.
(2)

قوله «فَإِنْ وَطِئَ قَبْلَ التَّكْفِيْرِ، عَصَى، وَلِزَمَتْهُ الكَفَّارَةُ الْمَذْكُوْرَةُ»:

لا خلاف بين الفقهاء أن المظاهر يحرم عليه وطء زوجته قبل أن يكفر عن ظهاره إذا كان فرضه في الكفارة العتق والصيام لقول الله تعالى في العتق والإطعام: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ 21، فمن وطء زوجته قبل التكفير فقد=

الجزء: 7 - الصفحة: 66

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =عصى الله تعالى لقوله تعالى في الآية: ﴿وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ 22، ووجه كون التحريم للوطء قبل المسيس لأنه سبحانه قدم التحرير والصيام قبل المسيس، فلو لم يحرم الوطء قبل المسيس لم يكن للأمر بتقديم التحرير والصيام قبل المسيس معنى.
فإن كان فرضه في الكفارة الإطعام فقد اختلف الفقهاء في جواز الوطء قبل الإطعام، والراجح أن ذلك لا يجوز أيضاً حتى يكفر قياساً على الكفارة بالتحرير والصيام، ولا تسقط الكفارة بالوطء قبل التكفير بل هي لازمة في حق المظاهر.
فإذا مات المظاهر أو الزوجة انتهى الظهار وانتهى حكمه باتفاق الفقهاء جميعاً, لأن موجب الظهار الحرمة, وهي متعلقة بالرجل والمرأة, فالرجل يحرم عليه الاستمتاع بالمرأة التي ظاهر منها, والمرأة عليها ألا تُمَّكنه من نفسها حتى يكفر, ولا يتصور بقاء الحكم بدون ما تعلق به وهل تلزمه الكفارة بعد موته.
الجواب: أما إن وطئ قبل التكفير ثم مات ولم يكفر فلا تسقط بموته, أما إذا مات ولم يطأ فقد اختلف الفقهاء في ذلك: فذهب بعضهم 23 إلى أنها ثابتة في ذمَّة المظاهر حتى يؤديها، فإن مات سقطت عنه إلا إذا أوصى بها فتخرج من ثلث التركة.

الجزء: 7 - الصفحة: 67

وَمَنْ ظَاهَرَ مِنْ امْرَأَتِهِ مِرَارًا، وَلَمْ يُكَفِّرْ، فَكَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ (1)،  =وذهب الشافعية (1)، والحنابلة (2) إلى أن كفارة الظهار لا تسقط بالموت, بل يؤديها الوارث عن الميت من التركة سواء أوصى أو لم يوص.
قلت: والصواب أنه إذا مات ولم يطأ أو ماتت المرأة قبل أن يطأها, أو فارقها قبل أن يطأها لم تجب الكفارة, فلا تثبت الكفارة في الذمة إلا بالوطء.

(1)

قوله «وَمَنْ ظَاهَرَ مِنْ امْرَأَتِهِ مِرَارًا، وَلَمْ يُكَفِّرْ، فَكَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ»:

أي من كرر الظهار قبل أن يكفر فعليه كفارة واحدة قياساً على الجماع في نهار رمضان وعلى اليمين بالله تعالى, فإنه لا يجب بتكريرها قبل التكفير كفارة ثانية, فكذا الظهار، ولأنه قول لم يؤثر تحريماً في الزوجة فلم تجب فيه الكفارة.
وقوله «ولم يكفَّر» يفهم منه أنه إذا قال: «أنت علي كظهر أمي» ثم كفر ثم أعاد عليها الظهار فإنه يلزمه التكفير مرة أخرى, لأن هذا الظهار غير الأول, ولأنه صادفه وذمته قد برئت من الظهار الأول, فيلزمه أن يعيد الكفارة.

  • فائدة: قال بعض أهل العلم إن كرر الظهار في مجلس واحد لزمته بكل ظهار كفارة، والصواب ما ذكره المؤلف.2425

الجزء: 7 - الصفحة: 68

وَإِنْ ظَاهَرَ مِنْهُنَّ بِكَلِمَاتٍ، فَعَلَيْهِ لِكُلِّ يَمِيْنٍ كَفَّارَةٌ (1)،  (1) قوله «وَإِنْ ظَاهَرَ مِنْهُنَّ بِكَلِمَاتٍ، فَعَلَيْهِ لِكُلِّ يَمِيْنٍ كَفَّارَةٌ»: أي إن كان له أكثر من امرأة فقال لهن أنتن علي كظهر أمي فعليه كفارة واحدة, لأنه ظهار واحد, ولأن الظهار بكلمة تجب بمخالفتها الكفارة, فإذا وجدت في جماعة أوجبت كفارة واحدة, كاليمين بالله.

قوله «وَإِنْ ظَاهَرَ مِنْهُنَّ بِكَلِمَاتٍ، فَعَلَيْهِ لِكُلِّ يَمِيْنٍ كَفَّارَةٌ»:

بمعنى لو أنه ظاهر منهن بكلمات، يعني على عددهن بأن قال للأولى: «أنت علي كظهر أمي» ,وللثانية «أنت علي كظهر أمي» , وللثالثة كذلك، وللرابعة كذلك, فيلزمه أربع كفارات, لأنها أيمان متكررة على أعيان متعددة، فكان لكل واحدة كفارة لتعدد الظهار والمظاهر منها.
وفي رواية أخرى في المذهب 26 أنه لا يلزمه إلا كفارة واحدة بناءاً على أن الكفارات تتداخل, كالأيمان إذا تكررت وموجبها واحد لزمه كفارة واحدة.
والأول هو الأظهر عندي لأنها أيمان متكررة على أعيان متفرقة, فتعددت الكفارات, كما لو كفّر ثم ظاهر، وهذا قول عامة أهل العلم 27، بل حكى القرطبي 28 الإجماع على ذلك.

الجزء: 7 - الصفحة: 69

ظَاهَرَ مِنْ أَمَتِهِ أَوْ حَرَّمَهَا (1)، أَوْ حَرَّمَ شَيْئًا مُبَاحًا (2)، أَوْ ظَاهَرَتِ الْمَرْأَةُ مِنْ زَوْجِهَا أَوْ حَرَّمَتْهُ، لَمْ يَحْرُمْ، وَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِيْنٍ (3)،  (1)

قوله «ظَاهَرَ مِنْ أَمَتِهِ أَوْ حَرَّمَهَا»:

أي إن قال لأمته: «أنت على كظهر أمي»، أو قال: «أنت علي حرام» لم يكن ذلك ظهاراً, فالأمة ليست من نسائه, فيكون تحريمها كتحريم المباح من ماله, فيكون فيه كفارة يمين كما سيذكر ذلك المؤلف.
(2)

قوله «أَوْ حَرَّمَ شَيْئًا مُبَاحًا»:

أي أو حرَّم شيئاً مباحاً, كما لو حرم على نفسه طعاماً أو شراباً أو ركوب سيارة, أو لبس ثوب أو نحو ذلك مما أباحه الله له فعليه كفارة يمين لقوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ * قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ (1) (3)

قوله «أَوْ ظَاهَرَتِ الْمَرْأَةُ مِنْ زَوْجِهَا أَوْ حَرَّمَتْهُ، لَمْ يَحْرُمْ، وَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِيْنٍ»:

أي وإن ظاهرت المرأة من زوجها فقالت: «أنت علىَّ كظهر أبي»، أو قالت: «أنت حرام علىَّ»، فإنها لم تكن مظاهرة، ولم تحرَّم عليه بهذا الكلام، وهذا هو قول جمهور أهل العلم، وليس عليها كفارة ظهار، دليل ذلك قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ 30، وجه الدلالة من الآية أن الخطاب فيها موجه إلى الرجال وليس للنساء لأن الله تعالى قال: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ﴾، ولم يقل: واللائي تظاهرون=29

الجزء: 7 - الصفحة: 70

وَالحُرُّ وَالْعَبْدُ فِي الكَفَّارَةِ سَوَاءٌ (1)،  =منكم من أزواجهن، ثم إن التحليل والتحريم في النكاح بيد الرجل وليس بيد المرأة منه شيء، فهو حق للرجل، فلم تملك المرأة إزالته كسائر حقوقه، لكن يلزمها كفارة يمين فقط، لأنها حرمت ما أحل الله لها فهي داخلة في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ (1).

(1)

قوله «وَالحُرُّ وَالْعَبْدُ فِي الكَفَّارَةِ سَوَاءٌ»:

أي إن العبد إذا ظاهر صح ظهاره على الصحيح من أقوال أهل العلم لدخوله في عموم الآيات, ولأنه يصح طلاقه, فإذا صح طلاقه صح ظهاره كالحر, غير أنه إذا ظاهر لا يلزمه إلا الصيام لأن العتق والإطعام لا يستطيعهما لكونه مملوكاً وماله الذي يمكنه من الإعتاق وكذا ماله الذي يمكنه من الإطعام ملك لسيده فلا يملك إلا الصيام فهو كالحر المعسر وأسوء حالاً منه (2).

- فائدة: في شروط الكفارة في الظهار:

يشترط في كفارة الظهار ما يلي: أـ يشترط في الرقبة أن تكون مؤمنة كما سبق وأن تكون سليمة من العيوب.
ب - ويشترط لصحة التكفير بالصوم أن لا يقدر على العتق، وأن يصوم شهرين متتابعين, وأن ينوى الصيام من الليل.
ج - يشترط لصحة التكفير بالإطعام القدرة على الإطعام, وأن يكون عدد المساكين ستين مسكيناً, وأن يدفع لكل مسكين ربع صاع مما يكون =3132

الجزء: 7 - الصفحة: 71

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =طعاماً، وقد سبق الإشارة إلى هذا كله.

ذكر بعض الفوائد

:

- الفائدة الأُولى: في الظهار المؤقت:

إذا قال لزوجته: «أنت عليَّ كظهر أُمي إلى الليل» , أو «يوماً أو يومين»، فهو محل خلاف, والصواب أنه يأثم فيه ولكن إن لم يقربها في هذه المدة فلا كفارة عليه.

- الفائدة الثانية: إذا قال لزوجته أنت عليَّ كيد أمي

, أو كأصبع أمي فهو ظهار, وإذا قال كشعر أمي أو كسن أمي أي مما ينفصل فليس بظهار.

  • الفائدة الثالثة: يشترط في الزوج المظاهر أن يكون مسلماً عاقلاً قد انعقد زواجه من المرأة انعقاداً صحيحاً، وهل يقع من الصبي المميز؟ محل خلاف بين أهل العلم.

الجزء: 7 - الصفحة: 72

بابُ اللِّعَانِ

(1)  (1)

قوله «بابُ اللِّعَانِ»:

اللعن في اللغة: المباهلة, وهو مصدر لاعن يلاعن مأخوذ من اللعن وهو الطرد والإبعاد, والملاعنة بين الزوجين أن يقذف الرجل امرأته بالزنا, أو برجل أنه زنى بها, وسمي بذلك لأن كل واحد من الزوجين يلعن نفسه في الأخيرة (1) وفي الاصطلاح: شهادات مؤكدات بالأيمان مقرونة باللعن أو الغضب قائمة مقام حدا القذف في جانب الزوج ومقام حد الزنى في جانب الزوجة (2).

ذكر بعض الفوائد

:

- الفائدة الأُولى: الأصل في مشروعية اللعان

الكتاب والسنة: دليل الكتاب: قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلاَّ أَنفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنْ الصَّادِقِينَ﴾ 35. أما السنة: فحديث «عُوَيْمِرًا الْعَجْلانِيَّ أَتَى رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- وَسَطَ النَّاسِ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللهِ أَرَأَيْتَ رَجُلاً وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلاً أَيَقْتُلُهُ فَتَقْتُلُونَهُ أَمْ كَيْفَ يَفْعَلُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ فِيكَ وَفِي صَاحِبَتِكَ=3334

الجزء: 7 - الصفحة: 73

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =فَاذْهَبْ فَأْتِ بِهَا قَالَ سَهْلٌ فَتَلاعَنَا وَأَنَا مَعَ النَّاسِ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- فَلَمَّا فَرَغَا قَالَ عُوَيْمِرٌ كَذَبْتُ عَلَيْهَا يَا رَسُولَ اللهِ إِنْ أَمْسَكْتُهَا فَطَلَّقَهَا ثَلاثًا قَبْلَ أَنْ يَأْمُرَهُ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-» 36.

  • الفائدة الثانية: يشترط لصحة اللعان ما يلي: 1 - أن يقذف الزوج زوجته بالزنا في القبل أو الدبر، أو ينفي حملها أو ولدها.
    2 - قيام الزوجية بين المتلاعنين, فلو قذف أجنبية ولم تكن لديه بينة حُد حد القذف, ولا يشترط الدخول بالزوجة، فلو قذف امرأته قبل الدخول بها جاز ملاعنتها بالإجماع 37. 3 - أن تكذبه الزوجة في قذفه لها ولا تكون لديه بينة على ما أدعاه ويستمر ذلك إلى انقضاء اللعان.
    4 - أن يكون الزوجان مكلفين؛ أي بالغين عاقلين كما سيذكر ذلك المؤلف، قال ابن المنذر: أجمعوا على أن الصبي إذا قذف امرأته أنه لا يضرب ولا يلاعن 38. 5 - الإسلام أي يشترط لصحة اللعان إسلام الزوج، وهذا شرط عند الحنفية 39، والمالكية 40.

الجزء: 7 - الصفحة: 74

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =وعند الشافعية 41، والحنابلة 42 يصح لعان غير المسلم لعموم قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾، ولأن اللعان أيمان بدليل قوله -صلى الله عليه وسلم- «لَوْلا الأَيْمَانُ لَكَانَ لِي وَلَهَا شَأْنٌ» 43، والأيمان تكون من غير المسلمين كما في القسامة.
6 - أن يكون اللعان بالصيغة التي ورد بها الشرع.
7 - أن يكون بحضور السلطان أو نائبه.
8 - أن يكون في المسجد, لا يختلف الفقهاء في هذا لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- لاعن بين المتلاعنين في المسجد.

  • الفائدة الثالثة: سبب اللعان: هو رمي الزوج زوجته بالزنا, سواء بشخص معين أو بغير معين كقوله: «يا زانية» , فإذا حصل ذلك منه فله ثلاث حالات: الأولى: أن يقيم بينة شرعية, وهي أربعة شهود على صحة دعواه لحديث ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ هِلالَ بْنَ أُمَيَّةَ قَذَفَ امْرَأَتَهُ عِنْدَ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- بِشَرِيكِ بْنِ سَحْمَاءَ، فَقَالَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم-: «الْبَيِّنَةُ، أَوْ حَدٌّ فِي =

الجزء: 7 - الصفحة: 75

إِذَا قَذَفَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ (1)، الْبَالِغَةَ (2)،  =ظَهْرِكَ» (1)، فإذا أقام البينة أقيم على المرأة حد الزنا.
الثانية: ألا يكون بينة, ولكن تقر المرأة بذلك, فيقام عليها حد الزنا.
الثالثة: أن لا يكون بينة ولا إقرار, فيقام عليه حد القذف لعموم آية القذف: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ (2)، ولحديث ابن عباس المتقدم لكن جعل الله للأزواج مخرجاً فأنزل آيات اللعان, فإذا قذف زوجته وتعسر إقامة البينة فله أن يلاعن.

(1)

قوله «إِذَا قَذَفَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ»:

المراد بالرجل هنا المكلف، وهو البالغ العاقل, فإذا كان غير مكلف فإنه لا يصح منه القذف.
وقوله «لامرأته» هذا قيد فإن كانت أجنبية عنه فلا يصح أن يكون لعاناً بل هو قذف إن أتى ببينة وإلا حد.
ويشترط لإقامة حد القذف عليه أن تكون المرأة محصنة فإن لم تكن محصنة عزر ولا لعان.

(2)

قوله «الْبَالِغَةَ»:

هذه هي الشروط المعتبرة في المرأة التي إذا تحققت في المرأة أجرى عليه حد القذف، وإذا لم يوجد منها شرط أو وصف لم يجب حد القذف: أولها: أن تكون بالغة, واشتراط البلوغ في المرأة إذا قذفها زوجها هو =4445

الجزء: 7 - الصفحة: 76

العَاقِلَةَ (1)، الحُرَّةُ (2)،  = رواية في مذهب أحمد (1) , وهو قول الشافعي (2)، وأصحاب الرأي (3) , وذلك لأنه أحد شرطي التكليف, فأشبه العقل.
القول الثاني: وهو المذهب عند الحنابلة (4) أنه لا يشترط البلوغ في المرأة, وهذا هو اختيار أكثر الحنابلة, لأن غير البالغة حرة عاقلة عفيفة فأشبهت الكبيرة، وعلى هذا إذا قذف صغيرة فوق تسع سنين يعنى بلغت تسع سنين فأكثر ولم تبلغ, فإنهم يقولون يرجأ الأمر إلى أن تبلغ ثم تطالب بحقها, فإما أن تقر أو تنكر أو يقيم عليها البينة, أو يلاعن, ولعانها في هذه الحال لا يصح لعدم التكليف, ولا يمكن إهدار حقها من اللعان, فيوقف الأمر حتى تبلغ، وهذا هو الأظهر عندي.

(1)

قوله «العَاقِلَةَ»:

هذا هو الشرط الثاني في المرأة المحصنة فلابد أن تكون عاقلة وهذا باتفاق الفقهاء, لأن الحد إنما شرع للزجر عن أذية المقذوف, ومن فقد العقل لم يتأذ, فلا يحد قاذفه.
(2)

قوله «الحُرَّةُ»:

هذا هو الشرط الثالث في المرأة المحصنة، فلا بد أن تكون حرة.
نقل القرطبي 50 الإجماع على هذا الشرط، فإن كانت أمة كما سيأتي=46474849

الجزء: 7 - الصفحة: 77

الْمُسْلِمَةُ (1) العَفِيْفَةُ (2)، بالزنا (3)، لَزِمَهُ الحَدُّ، إِنْ لَمْ يُلاعِنْ (4)،  = عزر إن لم يلاعن ولم يحد حد القذف وذلك لأن مرتبة العبد دون مرتبة الحر, ولأن الرق مناف للشهادة, واللعان شهادة مؤكدة باليمين.

(1)

قوله «الْمُسْلِمَةُ»:

هذا هو الشرط الرابع أي يشترط في المقذوفة إسلامها، فإن كانت غير مسلمة فلا يقام حد القذف على القاذف, ولا يجب عليه اللعان, لأن اللعان قائم مقام الحد.
وقد سبق الإشارة إلى هذا الشرط في شروط اللعان, مع ذكر الخلاف في ذلك.

(2)

قوله «العَفِيْفَةُ»:

هذا هو الشرط الخامس في المقذوفة لكي يقام على القاذف حد القذف أو وجوب الملاعنة بين الزوجين, وهذا شرط عند جميع الفقهاء لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ (1)، والمحصنات في الآية هن العفيفات أي البريئة من تهمة الزنا.
(3)

قوله «بِالزِّنا»:

أي إذا قذف زوجته بالزنا, كأن يقول زنيتِ, أو يا زانية, أو زنى بك فلان، ونحو ذلك، فهذا هو القذف الذي يحصل به حد القذف, وحصول اللعان بين الزوجين.
(4)

قوله «لَزِمَهُ الحَدُّ، إِنْ لَمْ يُلاعِنْ»:

أي إذا قذف الرجل زوجته بالزنا ولم يكن له شهود لزمه حد القذف، وهو ثمانون جلدة لدخوله في عموم آية القذف ولحديث ابن عباس رضي الله عنهما المتقدم، وفيه قوله -صلى الله عليه وسلم- =51

الجزء: 7 - الصفحة: 78

وَإِنْ كَانَتْ ذِمِّيَّةً أَوْ أَمَةً، فَعَلَيْهِ التَّعْزِيْرُ، إِنْ لَمْ يُلاعِنْ (1)،  =لهلال ابن أمية «البينة أو حد في ظهرك»، ولزوم الحد عليه إن لم يلاعن, فإن لاعن فلا حد عليه كما سبق.

(1)

قوله «وَإِنْ كَانَتْ ذِمِّيَّةً أَوْ أَمَةً، فَعَلَيْهِ التَّعْزِيْرُ، إِنْ لَمْ يُلاعِنْ»:

الصواب أن يقال «وإن كانت كتابية» لأنه لا يشترط في نكاح الكتابية أن تكون ذمية لأن الذمة تعقد لغير أهل الكتاب كالمجوس ومع ذلك لا يحل نكاح المجوسية.
ومراد المؤلف هنا أنه إن كانت زوجته كتابية أو أمة وقذفها بالزنا فقال: «يازانية» , أو «أنت زانية» , أو قال: «لقد زنى بك فلان»، فهنا لا يقام عليه حد القذف, بل يعزر إن لم يلاعن.
وقد سبق الإشارة إلى الخلاف فيما إذا كانت الزوجة غير مسلمة, وكذلك إذا كانت الزوجة أمة والتعزير على المشهور من المذهب 52 أنه لا يتجاوز عشر جلدات.
والصحيح: أن التعزير يكون بما يحصل به التأديب, سواء كان عشر جلدات، أو خمس عشرة، أو عشرين جلدة، أو أكثر لكن لا يصل الثمانين, لئلا نلحق ما دون الذي يوجب الحد بما يوجب الحد, ووجه التعزير عليه هنا لأنه أدخل عليهن الأذى والمساءاة بالقذف, ولا يحد لهن حداً كاملاً, لنقصانهن بذلك.

الجزء: 7 - الصفحة: 79

وَلا يُعَرَّضُ لَهُ حَتَّى تُطَالِبُهُ (1)، وَاللِّعَانُ أَنْ يَقُوْلَ بِحَضْرَةِ الحَاكِمِ أَوْ نَائِبِهِ (2)، أَشْهَدُ بِاللهِ إِنِّيْ لَمِنَ الصَّادِقِيْنَ، فِيْمَا رَمَيْتُ بِهِ امْرَأَتِيْ هَذِهِ مِنَ الزِّنَى، وَيُشِيْرُ إِلَيْهَا، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ حَاضِرَةً سَمَّاهَا وَنَسَبَهَا، ثُمَّ يُوْقَفُ عِنْدَ الخَامِسَةِ، فَيُقَالُ لَهُ: اتَّقِ اللهَ فَإِنَّهَا المُوْجِبَةُ، وَعَذَابُ الدُّنْيَا أَهْوَنُ مِنْ عَذَابِ الآخِرَةِ، فَإِنْ أَبَى إِلاَّ أَنْ يُتِمَّ فَلْيَقُلْ: وَإِنَّ لَعْنَةَ اللهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الكَاذِبِيْنَ فِيْمَا رَمَيْتُ بِهِ امْرَأَتِيْ هَذِهِ مِنَ الزِّنَى (3)،  (1)

قوله «وَلا يُعَرَّضُ لَهُ حَتَّى تُطَالِبُهُ»:

أي لا يُعرَّض الزوج إلى حد القذف ولا طلب اللعان منه حتى تطالبه زوجته بذلك, لأن ذلك حق لها, فلا يقام من غير طلبها كسائر حقوقها.
(2)

قوله «وَاللِّعَانُ أَنْ يَقُوْلَ بِحَضْرَةِ الحَاكِمِ أَوْ نَائِبِهِ»:

أي وصفة اللعان هو أن يقول بحضرة القاضي ما سيذكره المؤلف قريباً, فيشترط لحصول اللعان أن يكون بحضرة الحاكم أو نائبه ونائبه هو القاضي وقد سبق أن ذلك شرط لحصول اللعان.
(3)

قوله «أَشْهَدُ بِاللهِ إِنِّيْ لَمِنَ الصَّادِقِيْنَ، فِيْمَا رَمَيْتُ بِهِ امْرَأَتِيْ هَذِهِ مِنَ الزِّنَى، وَيُشِيْرُ إِلَيْهَا، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ حَاضِرَةً سَمَّاهَا وَنَسَبَهَا، ثُمَّ يُوْقَفُ عِنْدَ الخَامِسَة، فَيُقَالُ لَهُ: اتَّقِ اللهَ فَإِنَّهَا المُوْجِبَةُ، وَعَذَابُ الدُّنْيَا أَهْوَنُ مِنْ عَذَابِ الآخِرَةِ، فَإِنْ أَبَى إِلاَّ أَنْ يُتِمَّ فَلْيَقُلْ: وَإِنَّ لَعْنَةَ اللهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الكَاذِبِيْنَ فِيْمَا رَمَيْتُ بِهِ امْرَأَتِيْ هَذِهِ مِنَ الزِّنَى»:

بدأ المؤلف ببيان صيغة اللعان, وصفته كما ذكر الله تعالى في كتابه، قال الله تعالى: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلاَّ أَنفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ=

الجزء: 7 - الصفحة: 80

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  = شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنْ الصَّادِقِينَ} 53. فيشهد الزوج لنفسه أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين فيما رماها به من الزنا, لتكون كل شهادة بشهادة رجل.
فيقول الزوج أربع مرات: «أشهد بالله أني صادق فيما رميت به زوجتي من الزنى» , أو يقول: «أشهد بالله لقد زنت زوجتي»، ويعينها باسمها, أو يشير إليها إن كانت حاضرة.
فإن لم تكن حاضرة سماها ونسبها إلى أبيها، فيقول: «زوجتي فلانة بنت فلان».
فإذا كانت الخامسة فإنه يوقف ويذكر بأن هذه الخامسة هي الموجبة باللعن وعذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة.
وقد روى البيهقي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أمر رجلاً عند المتلاعنين أن يضع يده على فيه عند الخامسة وقال إنها الموجبة» 54، وقد دلت الآيات على أنه يبدأ بشهادات الزوج, فلو بُدئ بشهادات المرأة لم يصح, لأنه خلاف المشروع, ولأن لعان الزوج بينة الإثبات, ولعانها بينة الإنكار, فلم يجز تقديمها.

الجزء: 7 - الصفحة: 81

وَيَدْرَأُ عَنْهَا العَذَابَ: أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِيْنَ فِيْمَا رَمَانِيْ بِهِ مِنَ الزِّنا، ثُمَّ تُوْقَفُ عِنْدَ الخَامِسَةِ وَتُخَوَّفُ، كَمَا خُوِّفَ الرَّجُلُ، فَإِنْ أَبَتْ إِلاَّ أَنْ تُتِمَّ، فَلْتَقُلْ: وَإِنَّ غَضَبَ اللهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِيْنَ فِيْمَا رَمَانِيْ بِهِ زَوْجِيْ هَذَا مِنَ الزِّنا (1)،  (1)

قوله «وَيَدْرَأُ عَنْهَا العَذَابَ: أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِيْنَ فِيْمَا رَمَانِيْ بِهِ مِنَ الزِّنا، ثُمَّ تُوْقَفُ عِنْدَ الخَامِسَةِ وَتُخَوَّفُ، كَمَا خُوِّفَ الرَّجُلُ، فَإِنْ أَبَتْ إِلاَّ أَنْ تُتِمَّ، فَلْتَقُلْ: وَإِنَّ غَضَبَ اللهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِيْنَ فِيْمَا رَمَانِيْ بِهِ زَوْجِيْ هَذَا مِنَ الزِّنا»:

أي إذا انتهى الرجل من لعانه تبدأ الزوجة به, وتقول كما ذكر المؤلف, فتقول في الأولى أشهد بالله أن زوجي فلان كاذب فيما رماني به من الزنا, تقول ذلك أربع مرات لتكون كل شهادة دافعة لما قبلها من شهادات زوجها, فإذا كانت الخامسة استوقفت وذكَّرت بما ذكر به الزوج, فإن أبت قالت أن غضب الله عليها إن كان زوجي من الصادقين فيما رماني به من الزنا, وخُصت المرأة بالغضب وهو أعظم من اللعن لأنها أقرب إلى الكذب في هذه القضية من زوجها, فإنها تعلم علم اليقين بحقيقة الحال, بخلاف الرجل فقد تقوم عنده شبهة قوية فيلاعن من أجلها، ولأن الزوج يبعد غاية البعد أن يقذف الزوجة بما لم يكن لأن عليه في ذلك عار كما عليها, فالزوج إن كان كاذباً لم يصل ذنبه إلى أكثر من القذف, وإن كانت هي كاذبة فذنبها أعظم, لما في تلويث الفراش والتعرض لإلحاق من ليس من الزوج به.

الجزء: 7 - الصفحة: 82

ثُمَّ يَقُوْلُ الحَاكِمُ: قَدْ فَرَّقْتُ بَيْنَكُمَا، فَتَحْرُمُ عَلَيْهِ تَحْرِيْمًا مُؤَبَّدًا (1)، وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا وَلَدٌ فَنَفَاهُ انْتَفَى عَنْهُ، سَوَاءٌ كَانَ حَمْلاً أَوْ مَوْلُوْدًا (2)،  (1)

قوله «ثُمَّ يَقُوْلُ الحَاكِمُ: قَدْ فَرَّقْتُ بَيْنَكُمَا، فَتَحْرُمُ عَلَيْهِ تَحْرِيْمًا مُؤَبَّدًا»:

أي إذا تم اللعان بينهما, فإن القاضي يفرق بينهما تفريقاً مؤبداً لأن اللعان يوقع بين الزوجين من التقاطع والتباغض ما يوجب ألا يجتمعا بعدها.
وقوله «ثُمَّ يَقُوْلُ الحَاكِمُ: قَدْ فَرَّقْتُ بَيْنَكُمَا» ظاهره أن الفرقة لا تقع بلعانهما, بل لا بد من تفريق القاضي, وهذا هو أحد الأقوال في المسألة، والقول الآخر أن الفرقة تقع بلعانهما دون النظر إلى تفريق القاضي، وهذا هو الأظهر عندي, وثمرة الخلاف أنه على القول بأنه لا بد من تفريق الحاكم تظل الزوجية قائمة ويجري بينهما التوارث بسبب الزوجية إذا مات أحدهما, وعلى القول بأن التفريق يكون بحصول اللعان دون النظر إلى حكم القاضي لا يكون شيء من ذلك.

(2)

قوله «وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا وَلَدٌ فَنَفَاهُ انْتَفَى عَنْهُ، سَوَاءٌ كَانَ حَمْلاً أَوْ مَوْلُوْدًا»:

أي فإن كان بين المتلاعنين ولد فنفاه الزوج أي نفى أن يكون ابنه فإنه ينتفي عنه سواء كان هذا الولد مولوداً أو ما زال حملاً ويلحق الولد بالأم, وهذا هو الأمر الثاني من الأمور المترتبة على اللعان وهو نفى الولد, فالأول كما سبق حصول الفرقة بينهما تفريقاً مؤبداً, والثاني نفى الولد عن الزوج, والثالث هو درء الحد عنهما جميعاً.
فالحاصل أنه إذا نفى الولد أثناء اللعان بأن ذكره صريحاً, انتفى كقوله أشهد بالله لقد زنت, وما هذا ولدى وتقول هي: أشهد بالله لقد كذب وهذا=

الجزء: 7 - الصفحة: 83

مَا لَمْ يَكُنْ أَقَرَّ بِهِ، أَوْ وَجَدَ مِنْهُ مَا يَدُلُّ عَلى الإِقْرَارِ بِهِ (1)،  = الولد ولده, فإذا تم اللعان بنفي الولد عنه ألحقه القاضي بأمه, وإذا ألحق بأمه فلا توارث بين النافي والمنفي, بمعنى عدم اعتبار قرابة الأبوة في الإرث, وكذا النفقة، ولو كان الولد المنفى باللعان بنتاً لم تحل للملاعن لأنها ربيبته في الجملة.

(1)

قوله «مَا لَمْ يَكُنْ أَقَرَّ بِهِ، أَوْ وَجَدَ مِنْهُ مَا يَدُلُّ عَلى الإِقْرَارِ بِهِ»:

أي فإن كان قد أقر بالولد أو وجد من الزوج ما يدل على الإقرار به ثم نفاه بعد إقراره أو بعد ما يدل على إقراره فإنه لا يصح نفيه له, مثل لو هُنئ به فسكت, فإنه لا ينتفي, لأن السكوت يدل على الرضا, وكذا لو علم بأن زوجته أتاها الطلق ثم قام فاشترى لوازم الولادة, أو دعي للولد فأمن الزوج على الدعاء فإن هذا كله إقرار بأبوته له, وذلك لأن من شرط صحة نفيه حالة علمه من غير تأخير إذا لم يكن هناك عذر, وفي رواية في المذهب (1) أن له تأخير نفيه ما دام في مجلس علمه.
قلت: والأظهر عندي أنه ينتفي عنه الولد بعد اللعان إذا لم يقر به, ولو لم ينفه.

- فائدة: إذا رجع الزوج بعد اللعان فأكذب نفسه فيما ادعاه من زناها

, أو ادعى أنه وهم, وأقر نسب ولدها الذي نفاه باللعان, فإنه يجب عليه حد القذف إن طلبت الزوجة ذلك, ويلحق الولد به, ويرثه, وهذا مجمع عليه.55

الجزء: 7 - الصفحة: 84

لِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ أَنَّ رَجُلاً لاعَنَ امْرَأَتَهُ وَانْتَفَى مِنْ وَلَدِهَا، فَفَرَّقَ رَسُوْلُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- بَيْنَهُمَا، وَأَلْحَقَ الوَلَدَ بِالأُمِّ (1)،  (1)

قوله «لِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ أَنَّ رَجُلاً لاعَنَ امْرَأَتَهُ وَانْتَفَى مِنْ وَلَدِهَا، فَفَرَّقَ رَسُوْلُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- بَيْنَهُمَا، وَأَلْحَقَ الوَلَدَ بِالأُمِّ»

الجزء: 7 - الصفحة: 85

فَصْلٌ فِيْ لُحُوْقِ النَّسَبِ وَمَنْ وَلَدَتِ امْرَأَتُهُ أَوْ أَمَتُهُ الَّتِيْ أَقَرَّ بِوَطْئِهَا وَلَدًا يُمْكِنُ كَوْنُهُ مِنْهُ، لَحِقَهُ نَسَبُهُ (1)، لِقَوْلِ رَسُوْلِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: «الوَلَدُ لِلْفِرَاشِ وَلِلْعَاهِرِ الحَجَرُ» (2)،  (1)

قوله «فَصْلٌ فِيْ لُحُوْقِ النَّسَبِ وَمَنْ وَلَدَتِ امْرَأَتُهُ أَوْ أَمَتُهُ الَّتِيْ أَقَرَّ بِوَطْئِهَا وَلَدًا يُمْكِنُ كَوْنُهُ مِنْهُ، لَحِقَهُ نَسَبُهُ»:

هذا الفصل في بيان ما يثبت به لحوق النسب.
فذكر المؤلف هنا أنه إذا كان للرجل زوجة أو أمة مملوكة وقد وطئها فأتت منه بولد لمدة الإمكان منه, لحقه الولد وجرى بينهما جميع الأحكام من التوارث والخلوة والاختلاط وغير ذلك من الأحكام.

(2)

قوله «لِقَوْلِ رَسُوْلِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: «الوَلَدُ لِلْفِرَاشِ وَلِلْعَاهِرِ الحَجَرُ»

الجزء: 7 - الصفحة: 86

وَلا يَنْتَفِيْ وَلَدُ الْمَرْأَةِ إِلاَّ بِاللِّعَانِ (1)، وَلا وَلَدُ الأَمَةِ إِلاَّ بِدَعْوَى اسْتِبْرَائِهَا (2)،  =النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- احْتَجِبِي مِنْهُ لِمَا رَأَى مِنْ شَبَهِهِ بِعُتْبَةَ فَمَا رَأَىهَا حَتَّى لَقِيَ اللَّهَ.» وقوله -صلى الله عليه وسلم- «الوَلَدُ لِلْفِرَاشِ»: أي: تابع للفراش, أو محكوم به للفراش, ويراد به صاحبه.
وقوله «وَلِلْعَاهِرِ الحَجَرُ»: العاهر هو الزاني، ومعنى له الحجر: أي له الخيبة, ولا حق له في الولد.
وهذا الحديث وما فيه من هذه القصة كانت قبل الإسلام أي في الجاهلية, فكانوا يضربون على الإماء ضرائب يكتمنها من فجورهن, ويلحقون الولد بالزاني إذا ادعاه, فلما جاء الإسلام حرم هذه الأفعال ثم بين أن الولد إنما ينسب لصاحب الفراش وإن كان شبهه يشبه من ادعاه.

(1)

قوله «وَلا يَنْتَفِيْ وَلَدُ الْمَرْأَةِ إِلاَّ بِاللِّعَانِ»:

أي لا يمكن أن ينتفي ولد المرأة إلا إذا حصل هناك لعان بين الرجل والمرأة، أما بدونه فلابد أن ينسب الولد إلى أبيه شاء الرجل أم أبى.
(2)

قوله «وَلا وَلَدُ الأَمَةِ إِلاَّ بِدَعْوَى اسْتِبْرَائِهَا»:

أي إذا أراد أن ينفي عنه الولد من الأمة, فإنه لا ينتفي إلا أن يدعى استبراءها بعد وطئه, فإن ادعى ذلك فالقول قوله وينتفي ولدها عنه.
وقد سبق بيان ذلك في باب استبراء الإماء, ولا تكون هذه الأمة أم ولد له, لأن الاستبراء كاف للقطع بعدم حملها من جماع سيدها السابق.

الجزء: 7 - الصفحة: 87

وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَوْنُهُ مِنْهُ (1)، مِثْلَ أَنْ تَلِدَ أَمَتُهُ لأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مُنْذُ وَطْئِهَا، أَوِ امْرَأَتُهُ لأَقَلَّ مِنْ ذلِكَ مُنْذُ أَمْكَنَ اجْتِمَاعُهُمَا (2)،  (1)

قوله «وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَوْنُهُ مِنْهُ»:

هذا الولد الذي من زوجته أو أمته.
(2)

قوله «مِثْلَ أَنْ تَلِدَ أَمَتُهُ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مُنْذُ وَطْئِهَا، أَوِ امْرَأَتُهُ لِأَقَلَّ مِنْ ذلِكَ مُنْذُ أَمْكَنَ اجْتِمَاعُهُمَا»

أي إن كان هذا الولد ولدته أمته لأقل من ستة أشهر منذ وطئها, أو أتت به امرأته لأقل من ذلك أي أقل من ستة أشهر فإن هذا الولد لا ينسب إليه أي لا يلحقه, لأن أقل مدة الحمل ستة أشهر, فمتى ولدته لأقل من ذلك علم يقيناً أنه من غير هذا الرجل.
وقول المؤلف «مُنْذُ أَمْكَنَ اجْتِمَاعُهُمَا» هذا أحد الأقوال في هذه المسألة، والقول الآخر أنه بمجرد العقد تكون المرأة فراشاً، فإن أتت به بعد العقد بستة أشهر ولم يحصل دخول فإنه ينسب له، وهذا لا شك قول ضعيف جداً.
والصواب في هذه المسألة: هو ما اختاره شيخ الإسلام 60، وابن القيم 61، وهو رواية في المذهب 62 أن المرأة لا تصير فراشاً إلا مع العقد والدخول المحقق, لا الإمكان المشكوك فيه.

الجزء: 7 - الصفحة: 88

أَوْ كَانَ الزَّوْجُ مِمَّنْ لا يُوْلَدُ لِمِثْلِهِ، كَمَنْ لَهُ دُوْنَ عَشْرِ سِنِيْنَ (1)، أَوِ الخَصِيِّ أَوِ الْمَجْبُوْبِ، لَمْ يَلْحَقْهُ (2)،  (1)

قوله «أَوْ كَانَ الزَّوْجُ مِمَّنْ لا يُوْلَدُ لِمِثْلِهِ، كَمَنْ لَهُ دُوْنَ عَشْرِ سِنِيْنَ»:

وكذلك لا يلحق الولد للزوج إذا كان الزوج ممن لا يولد له كمن كان دون عشر سنين, فإن الولد لا ينسب له لأن هذا السن لا يمكنه الوطء فيه, بل لو وطء لم يحصل منه إنزال لأنه لم يبلغ.
(2)

قوله «أَوِ الخَصِيِّ أَوِ الْمَجْبُوْبِ، لَمْ يَلْحَقْهُ»:

أي وكذلك الخصي الذي قطعت خصيتاه وبقي ذكره إذا حملت زوجته لم يلحق به حملها, لأن الخصيتين بهما يكون الولد بإذن الله تعالى, وكذلك إذا كان الزوج مجبوباً وهو من قطع ذكره إذا حملت زوجته فإن الولد لا يلحق به لأنه لا يستطيع الجماع.

ذكر بعض الفوائد

:

  • الفائدة الأولى: إذا أثبتت الفحوصات الطبية أن الزوج لا يمكن أن يولد لمثله لكون الحيوانات المنوية ضعيفة جداً ثم حملت زوجته فإن الولد ينسب لأن هذه الأُمور تسير تحت إرادة الله ومشيئته.
  • الفائدة الثانية: لا يجوز الاعتماد على البصمات الوراثية في نفي النسب, ولا يجوز تقديمها على اللعان, كما لا يجوز استخدامها بقصد التأكد من صحة الأنساب الثابتة شرعاً, بل ويجب على الجهات المختصة منع ذلك وفرض العقوبات الزاجرة عنه, لأن منع ذلك حماية للأعراض وصون للأنساب.

الجزء: 7 - الصفحة: 89

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  - الفائدة الثالثة: إذا كان الزوج بعيداً عن زوجته, أو لم يدخل بها أو كان قد دخل بها وكان قريباً منها ولم يجامعها فإنه لا يلحق الولد به لاستحالة حملها منه، وقد سبق الإشارة إلى ذلك.

  • الفائدة الرابعة: من ثبت عُقمه عن طريق الفحوصات الطبية والتحليلات المخبرية الحديثة, فإنه لو حملت زوجته بمولود فالأصل أنه له، فكم من عقيم أثبت الطب عقمه وإذا به يرزقه الله الولد, فهذه الأمور مقدرة من عند الله، قال تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ * إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ * فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ * فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ * فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ * فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ * قَالُوا كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ﴾ 63 وثبوت نسب الولد لأبيه هو حق لهذا الولد, لقوله -صلى الله عليه وسلم-: «الوَلَدُ لِلْفِرَاشِ وَلِلْعَاهِرِ الحَجَرُ» 64 , وهذا الحق الذي للولد لا يسقط إلا بأن يلاعن أبوه أمه مستنداً في ذلك إلى سبب يعلمه هو, أما دعوى أنه لا ينسب لأبيه لكون الفحوصات الطبية والتحليلات المخبرية أثبتت أنه لا يولد لمثله فهذا خطأ لأن مبناه على الظن أما اليقين الحق فإن الله سبحانه هو الذي بيده كل شيء فكم من عقيم ولد له.

الجزء: 7 - الصفحة: 90

فَصْلٌ فِيْ ثُبُوْتِ النَّسَبِ بِقَوْلِ القَائِفِ

وَإِذَا وَطِئَ رَجُلانِ امْرَأَةً فِيْ طُهْرٍ وَاحِدٍ بِشُبْهَةٍ، أَوْ وَطِئَ الشَّرِيْكَانِ أَمَتَهَمَا فِيْ طُهْرٍ وَاحِدٍ، فَأَتَتْ بِوَلَدٍ (1)،  (1) قوله «وَإِذَا وَطِئَ رَجُلانِ امْرَأَةً فِيْ طُهْرٍ وَاحِدٍ بِشُبْهَةٍ، أَوْ وَطِئَ الشَّرِيْكَانِ أَمَتَهَمَا فِيْ طُهْرٍ وَاحِدٍ، فَأَتَتْ بِوَلَدٍ»: صورة هذه المسألة أن يطأْ المرأة رجلان كل منهما يظنها زوجته فحملت من هذا الوطء, أو وطء الشريكان أمتهما في طهر واحد فحملت الأمة من هذا الوطء فهنا ينتظر حتى تلد المرأة أو تلد الأمة ثم يعرض المولود على القافة.
وقد سبق تعريف القافة، وهم الذين يعرفون النسب بالشبه, وقد كانوا موجودين في عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كما في قصة أسامة بن زيد مع زيد بن حارثة حينما قال مجزز المدلجي «إِنَّ هَذِهِ الأَقْدَامَ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ» فسُّر النبي -صلى الله عليه وسلم- لشهادة هذا الرجل القائف الذي لا يعرفهما ولا يعرف أمرهما وذلك لما كانت قريشاً تطعن في نسب أسامة بن زيد بن حارثة لكون أُسامة أسود وأبوه زيد أبيض.
فالحاصل: أن القافة إذا نسبوا الولد إلى أحد الرجلين فإنه ينسب له، لكن في الوقت الحاضر وجدت وسائل حديثة يمكن الاستغناء بها عن القافة بل هي أشد دقة من القافة وهي ما تسمى بالبصمات الوراثية، فيمكن من خلالها ومن خلال الحمض النووي أن ينسب الولد إلى أبيه، فهي في الحقيقة قريبة من القطع بينما قول القافة مبني على الظن أو غلبة الظن.

الجزء: 7 - الصفحة: 91

أَوِ ادَّعَى نَسَبَ مَجْهُوْلِ النَّسَبِ رَجُلانِ (1)، وَإِنْ أَشْكَلَ أَمْرُهُ (2)، أَوْ تَعَارَضَ قَوْلُ القَافَةِ (3)، أَوْ لَمْ يُوْجَدْ قَافَةٌ، تُرِكَ حَتَّى يَبْلُغَ، فَيُلْحَقَ بِمَنِ انْتَسَبَ إِلَيْهِ مِنْهُمَا (4)،  (1)

قوله «أَوِ ادَّعَى نَسَبَ مَجْهُوْلِ النَّسَبِ رَجُلانِ»:

أي أن يكون هناك ولد لا أب له يعرف فيأتي رجلان فيدعي كل منهما أنه له ولا بينة لواحد منهما, فإن القافة تفصل بينهما فما نسبته القافة له فهو له.
وقد سبق أن العمل بالحمض النووي والبصمات الوراثية أولى في مثل هذه الحالات بل هو المتعين.

(2)

قوله «وَإِنْ أَشْكَلَ أَمْرُهُ»:

أي إن أُشكل أمر الولد ولا يمكن إلحاقه بأحد الرجلين.
(3)

قوله «أَوْ تَعَارَضَ قَوْلُ القَافَةِ»:

كأن يكون في مكان لا يوجد فيه قافة ففي هذه الحالات ماذا يكون العمل؟ قال المؤلف.
(4)

قوله «أَوْ لَمْ يُوْجَدْ قَافَةٌ، تُرِكَ حَتَّى يَبْلُغَ، فَيُلْحَقَ بِمَنِ انْتَسَبَ إِلَيْهِ مِنْهُمَا»:

أي ترك هذا الولد حتى يبلغ ثم يخيّر بين هذين الرجلين اللذين ادعياه فيلحق بمن انتسب إليه منهما.
وذهب بعض أهل العلم إلى أنه إذا تعارض قول القافة، أو أشكل أمر الولد، أو لم يوجد قافة فإنه يقرع بين الرجلين، فمن خرجت قرعته لحق به، وهذا هو الأقرب، وذلك لقضاء علي -رضي الله عنه- فقد ثبت عن زيد بن أرقم قال: «أُتِىَ عَلِىٌّ -رضي الله عنه- بِثَلاثَةٍ وَهُوَ بِالْيَمَنِ وَقَعُوا عَلَى امْرَأَةٍ فِي طُهْرٍ وَاحِدٍ فَسَأَلَ اثْنَيْنِ أَتُقِرَّانِ لِهَذَا بِالْوَلَدِ قَالا لا.
حَتَّى سَأَلَهُمْ جَمِيعًا =

الجزء: 7 - الصفحة: 92

وَلا يُقْبَلُ قَوْلُ القَائِفِ إِلاَّ أَنْ يَكُوْنَ عَدْلاً، ذَكَرًا، مُجَرَّباً فِي الإِصَابَةِ (1)،  = فَجَعَلَ كُلَّمَا سَأَلَ اثْنَيْنِ قَالا لا.
فَأَقْرَعَ بَيْنَهُمْ فَأَلْحَقَ الْوَلَدَ بِالَّذِي صَارَتْ عَلَيْهِ الْقُرْعَةُ وَجَعَلَ عَلَيْهِ ثُلُثَي الدِّيَةِ، قَالَ فَذُكِرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- فَضَحِكَ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ» (1).

(1)

قوله «وَلا يُقْبَلُ قَوْلُ القَائِفِ إِلاَّ أَنْ يَكُوْنَ عَدْلاً، ذَكَرًا، مُجَرَّباً فِي الإِصَابَةِ»:

هذه هي الشروط المعتبرة في القائف: فلابد أن يكون عدلاً لأن مثل هذه الأمور الحاجة للعدالة فيها أوجب من غيرها، فإنه يمكن أن يقوم القائف بإلحاقه لغير أبيه لهوىً في نفسه أو لخصومة بينهما ونحو ذلك فكانت العدالة مطلوبة.
وكذلك لا بد أن يكون ذكراً فلا يصلح أن يكون أُنثى.
مجرباً بالإصابة أي عنده شيء من الخبرة والمهارة فليس أي إنسان يقبل قوله في مثل هذه الأمور لأنها يترتب عليها أحكام شرعية.65

الجزء: 7 - الصفحة: 93

بابُ الحَضَانَةِ

(1)  (1)

قوله «بابُ الحَضَانَةِ»:

الحضانة في اللغة: الضم إلى الحضن، وهي مأخوذة من الحضن وهو الجنب، أو ما بين العضدين من منطقة الصدر وما حولها.
سميت بذلك لأن الحاضنة تضم الطفل إلى حضنها.
أما في الشرع: فهي حفظ صغير ونحوه عما يضره, وتربيته بعمل مصالحه، وسبب الحضانة هو وجود فراق بين الزوجين.

ذكر بعض الفوائد

:

الفائدة الأولى: في حكم مشروعيتها

: الحضانة واجبة للطفل لأنه يهلك بتركها فوجب حفظه عن الهلاك كما يجب الإنفاق عليه وإنجاؤه من المهالك، ونقل بعض العلماء الإجماع على وجوبها للصغير حتى يقوم بنفسه، ووجوبها على الكفاية إن قام بها قائم سقط الإثم عن الباقين.

الفائدة الثانية: الحكمة من مشروعية الحضانة

: لما كان الصغير والمجنون والمعتوه ومن في حكمهم لا يستطيعون رعاية أنفسهم ولا تربيتها لقصورهم اقتضت الحكمة مشروعية ولاية الحضانة لصيانة هؤلاء المحتاجين ورعاية شؤونهم وتربيتهم لا سيما في حالة فراق الزوجين وذلك رحمة بهم حتى لا يهلكوا أو يضيعوا فيصبحوا وبالاً على الأمة.

الفائدة الثالثة: المقصود بالحضانة ثلاثة أمور هي

: 1 - القيام بمئونة المحضون من طعامه، وشرابه، ولباسه، ومضجعه، وتنظيف جسمه.

الجزء: 7 - الصفحة: 94

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  2 - حفظه عما يؤذيه برعاية حركاته وسكناته في منامه ويقظته.
3 - تربيته بما يصلحه، سواء كان ذلك في دينه أو دنياه.

الفائدة الرابعة: في شروط الحضانة

: يشترط لحق المطالبة بالحضانة ما يلي: 1 - الإسلام: فلا بد أن يكون المطالب بحق الحضانة مسلماً، لأن الحضانة ولاية، ولا ولاية لكافر على مسلم، وخوفاً من فتنة المحضون في دينه بتعليمه الكفر وتربيته عليه وفي ذلك ضرر عليه.
2 - التكليف: يشترط في الحاضن أن يكون مكلفاً يعني بالغاً عاقلاً، فإن لم يكن كذلك فلا يستحق المطالبة بالحضانة.
3 - الأمانة في الدين: فلا حضانة لفاسق ولو كان أباً للمحضون كمدمن خمر، وسارق، ومستهتر بالزنا ونحو ذلك، لأن المحضون يتأثر بذلك.
4 - القدرة على القيام بالحضانة وذلك بالقيام بشؤون الطفل وما يتطلبه من تربية وغير ذلك من الأمور الثلاثة التي سبق ذكرها في المقصود من الحضانة، فمن لم يكن قادراً على القيام بذلك لم يكن من أهل الحضانة.
5 - الرشد: وهو القدرة على حفظ مال المحضون وصيانته، فلا حضانة لسفيه مبذر لئلا يتلف مال المحضون.
6 - الحرية: فلا بد أن يكون الحاضن حراً، لأن الحضانة ولاية والرقيق ليس من أهل الولايات، لأن منافعه لسيده.

الجزء: 7 - الصفحة: 95

أَحَقُّ النَّاسِ بِحَضَانَةِ الطِّفْلِ أُمُّهُ (1)،  7 - انتفاء الأمراض المعدية: فيشترط خلو الحاضن من الأمراض المعدية خوفاً من انتقالها إلى المحضون وذلك كمرض نقص المناعة المكتسبة «الإيدز»، والبرص، والجذام، ونحو ذلك.
8 - عدم زواج الحاضنة: فإن كانت الأم التي تطالب بالحضانة متزوجة فإنها لا تستحق حضانة ابنها، وهذا مما لا يختلف فيه.
9 - يشترط في حق الرجل أن يكون لديه من هو صالح للحضانة كالزوجة أو سرية أو أمة لخدمة أو مستأجرة ونحو ذلك، لأن الرجل لا صبر له على تربية الأولاد كالنساء، فإن لم يكن عنده من يقوم بذلك انتقل الحق إلى غيره.
10 - يشترط في حال كون المحضون أنثى تشتهي والحاضن ذكراً أن يكون محرماً لها زمن الحضانة، فإن لم يكن كذلك فلا حق له في حضانة البنت لما يترتب على ذلك من المحظورات.

(1)

قوله «أَحَقُّ النَّاسِ بِحَضَانَةِ الطِّفْلِ أُمُّهُ»:

أي أحق الناس في المطالبة بالحضانة هي الأم ما لم تتزوج إذا توفرت فيها شروط الأهلية الأخرى التي سبق بيانها، وهذا مما لا يختلف فيه الفقهاء.
قال ابن المنذر «وأجمعوا أن الزوجين إذا افترقا ولهما ولد طفل أن الأم أحق به ما لم تنكح» 66، وكونها أولى به من غيرها لأنها أشفق وأرأف وأصبر وأقدر كمحافظتها على نفسها.

الجزء: 7 - الصفحة: 96

ثُمَّ أُمُّهَاتُهَا وَإِنْ عَلَوْنَ (1)، ثُمَّ الأَبُ (2)، ثُمَّ أُمُّهَاتُه (3)، ثُمَّ الجَدُّ (4)، ثُمَّ أُمُّهَاتُه (5)،  (1)

قوله «ثُمَّ أُمُّهَاتُهَا وَإِنْ عَلَوْنَ»:

أي فإن عدمت الأم أو سقطت حضانتها بنكاحها فإن الحضانة تنتقل إلى أم الأم، وهي جدة المحضونة من أمه لأنها في معنى الأم من حيث كمال الشفقة على المحضون.
وقوله «وَإِنْ عَلَوْنَ» أي إن عدمت أم الأم انتقلت إلى أم أم الأم أي جدة الأم.

(2)

قوله «ثُمَّ الأَبُ»:

أي عند عدم الأم أو أمهاتها إن علون تنتقل الحضانة إلى الأب لأنه أصل النسب وأقرب من غيره وأحق بولاية المال، وليس لغيره كمال شفقته، فرجح بها.
(3)

قوله «ثُمَّ أُمُّهَاتُه»:

أي أم الأب، لأنهن يدلين بعصبة قريبة، وقدِّمه على الجد، لأن الأنوثة مع التساوي توجب الرجحان.
(4)

قوله «ثُمَّ الجَدُّ»:

لأنه أب وبمنزلة الأب.
(5) قوله «ثُمَّ أُمُّهَاتُه»: لأنهن يدلين بمن هو أحق, وقدِّمن على الأخوات مع أدلائِهن بالأب لما فيهن من وصف الولادة, وكون الطفل بعضاً منهن.
قلت: ويرى شيخ الإسلام في الحضانة ترجيح جهة الأبوة على جهة الأمومة, وإنما رجحت الأم على الأب لأنها أنثى ولأنها أشفق على الطفل وأصبر عليه, وبناء على هذا فتترجح الجدة أم الأب على أم الأم, وترجح الأخت لأب عن الأخت لأم, لأن جهة الأبوة ترتبط برابطتي العصوبة والرحم بخلاف جهة الأمومة فإنها إنما ترتبط مع المحضونة برابطة الرحم.

الجزء: 7 - الصفحة: 97

ثُمَّ الأُخْتُ مِنَ الأَبَوَيْنِ (1)، ثُمَّ الأُخْتُ مِنَ الأَبِ (2)، ثُمَّ الأُخْتُ مِنَ الأُمِّ (3)، ثُمَّ الْخَالَةُ ثُمَّ العَمَّةُ (4)،  (1)

قوله «ثُمَّ الأُخْتُ مِنَ الأَبَوَيْنِ»:

أي إذا عدم ما سبق فإن الأحق بالحضانة الأخت لأبوين يعني الأخت الشقيقة, لتقدمها في الميراث ولقوة القرابة.
(2)

قوله «ثُمَّ الأُخْتُ مِنَ الأَبِ»:

ثم الأخت لأب, لأن الولاية للأب, وهي أقوى في الميراث, وقيل: بل تقدم عليها الأخت لأم لأنها تدلى بالأم, والأم مقدمة على الأب.
(3)

قوله «ثُمَّ الأُخْتُ مِنَ الأُمِّ»:

أي فإن عدم الأخوات الشقيقات والأخت لأب كانت الحضانة للأخت لأم.
(4)

قوله «ثُمَّ الْخَالَةُ ثُمَّ العَمَّةُ»:

أي فإن عدم جميع من سبق فإن الحضانة تنتقل للعمة إن وجدت، فإن عدمت فللخالة وتقديم العمة على الخالة رواية 67 في مذهب الإمام أحمد، واختارها شيخ الإسلام 68، وغيره, لأن الولاية للأب, فكذا قرابته لقوته بها.
وفي رواية أخرى عن الإمام أحمد تقديم الخالة على العمة، قال صاحب المقنع 69 «ثم الخالة, ثم العمة في الصحيح عنه»، أي في الصحيح عن الإمام أحمد لأن الخالات يدلين بالأم لقوله -صلى الله عليه وسلم- «الْخَالَةُ بِمَنْزِلَةِ الأُمِّ» 70 =

الجزء: 7 - الصفحة: 98

ثُمَّ الأَقْرَبُ فَالأَقْرَبُ مِنَ النِّسَاءِ (1)، ثُمَّ عَصَابَتُهُ الأَقْرَبُ فَالأَقْرَبُ (2)،  =وهذه الرواية هي قول جمهور أهل العلم (1)، أي تقديم الخالة على العمة في الحضانة.
قلت: والأقرب عندي هو ما ذهب إليه جمهور أهل العلم أن الخالة مقدمة على العمة في الحضانة لما رواه البخاري أن النبي -صلى الله عليه وسلم- لما حكم بحضانة ابنة حمزة لخالتها أسماء بنت عميس زوجة جعفر بن أبي طالب لما طالب جعفر بحضانتها، قال -صلى الله عليه وسلم- «الْخَالَةُ بِمَنْزِلَةِ الأُمِّ» (2).

(1)

قوله «ثُمَّ الأَقْرَبُ فَالأَقْرَبُ مِنَ النِّسَاءِ»:

أي إذا عدم جميع من ذكرنا فإنه يكون الأحق بالحضانة أقارب المحضونة من جهة النساء فتقدم خالات أمه, ثم خالات أبيه, ثم بنات إخوته, ثم بنات أخواته، وهكذا.
(2)

قوله «ثُمَّ عَصَابَتُهُ الأَقْرَبُ فَالأَقْرَبُ»:

ثم تنتقل الحضانة للعصبة الأقرب فالأقرب, فيقدم الأخوة, ثم بنوهم, ثم الأعمام, ثم بنوهم, وهكذا.

  • فائدة: لمّا كان ترتيب الحضانة لم تأت به نصوص الكتاب والسنة على الترتيب الذي ذكره أهل العلم فقد توقف بعض أهل العلم فيه، قال الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي -رحمه الله- «ولم يتحرر لي في الحضانة في تقديم بعض النساء على بعض ضابط تطمئن إليه النفس, إلا أنه يراعى مصلحة المحضون, وأن من تحققت فيه فهو أولى من غيره» 73.7172

الجزء: 7 - الصفحة: 99

وَلا حَضَانَةَ لِرَقِيْقٍ (1)، وَلا فَاسِقٍ (2)،  (1)

قوله «وَلا حَضَانَةَ لِرَقِيْقٍ»:

ذكرنا سابقاً أن من الشروط المعتبرة في الحاضن الحرية، فلا يصح أن يكون رقيقاً لانشغاله بخدمة سيده ولأنها ولاية, وليس هو من أهلها, وهذا مذهب الجمهور (1). وذهب بعض الفقهاء، وهو اختيار ابن القيم (2) إلى أنه لا تشترط الحرية لحصول الحضانة، قال ابن القيم -رحمه الله- (3) «وأما اشتراط الحرية فلا ينتهض عليه دليل يركن القلب إليه»، وهذا هو الأقرب عندي، فإذا كانت الأم من الرقيق فهي أحق بولدها من غيرها لأن الأم تجب لها الحضانة لما تتصف به من عظيم الشفقة وفرط المحبة, وشدة الحرص على المحضون, وهذه أمور غريزية لا يستطيع أن يؤثر فيها أي مؤثر بالغاً ما بلغ, لكن لابد لحصول الحضانة في الرقيق من إذن سيدها، فإذا أذن سيدها لها به فهي أحق بها من غيرها.

(2)

قوله «وَلا فَاسِقٍ»:

أي وتمنع الحضانة للفسق, وقد سبق اشتراط الأمانة في الدين في الشروط المعتبرة فلا حضانة لفاسق لأنه لا يوثق به في أداء الواجب من الحضانة لأنه يتأثر به, وينشأ عن طريقته, وهذا هو المذهب 77، وهو قول الجمهور 78.747576

الجزء: 7 - الصفحة: 100

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =ويرى ابن القيم أن الفسق لا أثر له على حق الحضانة حيث قال «ومن العجب أنهم يقولون: لا حضانةَ للفاسقِ، فأيُّ فِسق أكبر مِن الكفر؟ وأينَ الضّررُ المتوقع من الفاسق بنشوء الطفل على طريقته إلى الضرر المتوقَّع من الكافر، مع أن الصوابَ أنه لا تشترط العدالة في الحاضن قطعاً، وإن شرطها أصحاب أحمد والشافعي وغيرهم، واشتراطها في غاية البعد.
ولو اشترط في الحاضن العدالة لضاع أطفال العالم، ولعظمت المشقة على الأمة، واشتد العنتُ، ولم يزل منذ قام الإِسلام إلى أن تقومَ الساعة أطفال الفسّاق بينهم لا يتعرض لهم أحدٌ في الدنيا، مع كونهم الأكثرين.
ومتى وقع في الإِسلام انتزاع الطفل من أبويه أو أحدهما بفسقه؟ وهذا في الحرج والعسر واستمرارُ العمل المتصل في سائر الأمصار والأعصار على خلافه بمنزلة اشتراط العدالة في ولاية النكاح، فإنه دائمُ الوقوع في الأمصار والأعصار، والقرى والبوادي، مع أن أكثر الأولياء الذين يلون ذلك فساق، ولم يزل الفسقُ في الناس، ولم يمنع النبيِ -صلى الله عليه وسلم- ولا أحدٌ من الصحابة فاسقاً من تربية ابنه وحضانته له، ولا مِن تزويجه مولِّيته، والعادةُ شاهدة بأن الرجل ولو كان من الفساق، فإنه يحتاط لابنته، ولا يُضيعها، ويحرص على الخير لها بجهده، وإن قُدِّرَ خلاف ذلك، فهو قليل بالنسبة إلى المعتاد، والشارع يكتفي في ذلك بالباعث الطبيعي، ولو كان الفاسق مسلوبَ الحضانة، وولاية النكاح، لكان بيانُ هذا للأمة من أهم =

الجزء: 7 - الصفحة: 101

وَلا امْرَأَةٍ مُزَوَّجَةٍ لأَجْنَبِيٍّ مِنَ الطِّفْلِ (1)،  = الأمور، واعتناء الأمة بنقله، وتوارث العملِ به مقدّماً على كثير مما نقلوه، وتوارثوا العمل به، فكيف يجوز عليهم تضييعُه واتصالُ العمل بخلافه.
ولو كان الفِسق ينافي الحضانة، لكان من زنى أو شرب خمراً، أو أتى كبيرةً، فرق بينه وبين أولاده الصغار، والتمِسَ لهم غيره والله أعلم» (1).

(1)

قوله «وَلا امْرَأَةٍ مُزَوَّجَةٍ لأَجْنَبِيٍّ مِنَ الطِّفْلِ»:

أي ولا حضانة لزوجة أجنبي من المحضون, وظاهره ولو رضي الزوج، وهذا هو الصحيح من المذهب لقوله -صلى الله عليه وسلم- كما في حديث عبد الله بن عمررضي الله عنهما: «أَنَّ امْرَأَةً قَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ ابْنِي هَذَا كَانَ بَطْنِي لَهُ وِعَاءً وَثَدْيِي لَهُ سِقَاءً وَحِجْرِي لَهُ حِوَاءً وَإِنَّ أَبَاهُ طَلَّقَنِي وَأَرَادَ أَنْ يَنْتَزِعَهُ مِنِّي فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- «أَنْتِ أَحَقُّ بِهِ مَا لَمْ تَنْكِحِي» 80 , والمراد بالأجنبي هنا هو من لم يكن من عصبات المحضون, فإذا تزوجت بقريب المحضون ولو كان غير محرم له كابن عمه لم تسقط حضانتها.
واختار ابن القيم 81 أن الحضانة لا تسقط إذا رضي الزوج, لأنها لم تسقط عنه إلا من أجل التفرغ لحقوق الزوج, فإذا رضي بالحضانة فالأم أحق بالحضانة.79

الجزء: 7 - الصفحة: 102

فَإِنْ زَالَتِ الْمَوَانِعُ مِنْهُمْ، عَادَ حَقُّهُمْ مِنَ الْحَضَانَةِ (1)،  - فائدة: يرى جمهور أهل العلم أن حضانة الأم تسقط بمجرد العقد عليها لأن النكاح هو العقد, فإذا عقد عليها فقد أصبح النكاح متحقق الوجود (1). وذهب المالكية (2)، والحنابلة (3) إلى أن الحضانة لا تسقط عن الزوجة إلا بالدخول, لأن الدخول هو الذي يؤدي إلى انشغال الزوجة, وبسببه تتحول إلى التفرغ لحياتها الزوجية مما يصرفها عن حضانة الطفل.
وهذا هو الأقرب عندي لأن الزواج قبل الدخول وبعد العقد معرض للفشل حيث الاحتمالات, لاسيما إذا طالت المدة بينهما, والطفل يتضرر إذا نقل إلى أخرى, ثم أعيد إلى أمه.
لكن إن أحس الأب بأنها مفرطة في حق الطفل فله إسقاط حقها من الحضانة, ونقل الحضانة إليه.

(1)

قوله «فَإِنْ زَالَتِ الْمَوَانِعُ مِنْهُمْ، عَادَ حَقُّهُمْ مِنَ الْحَضَانَةِ»:

أي متى زال المانع الذي من أجله منعت عنه حق الحضانة فإنها تعود إليه, أي تعود إلى مستحقيها.
فإذا تاب الفاسق عادت إليه الحضانة, وإذا طلقت الأم عادت إليها الحضانة ولو كان طلاقاً رجعياً.828384

الجزء: 7 - الصفحة: 103

وَإِذَا بَلَغَ الغُلامُ سَبْعَ سِنِيْنَ، خُيِّرَ بَيْنَ أَبَوَيْهِ، فَكَانَ عِنْدَ مَنِ اخْتَارَهُ مِنْهُمَا (1)،  (1)

قوله «وَإِذَا بَلَغَ الغُلامُ سَبْعَ سِنِيْنَ، خُيِّرَ بَيْنَ أَبَوَيْهِ، فَكَانَ عِنْدَ مَنِ اخْتَارَهُ مِنْهُمَا»:

أي إذا بلغ الطفل سبع سنين كاملة فإنه يخيّر بين أبويه فيكون مع من اختار منهما، وهذا عند النزاع، دليل ذلك ما رواه أبو داود والترمذي وغيرهم عن أبي هريرة -رضي الله عنه-: «إِنَّ امْرَأَةً جَاءَتْ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-، فَقَالَتْ لَهُ: فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي إِنَّ زَوْجِي يُرِيدُ أَنْ يَذْهَبَ بِابْنِي، وَقَدْ نَفَعَنِي وَسَقَانِي مِنْ بِئْرِ أَبِي عِنَبَةَ فَجَاءَ زَوْجُهَا، فَقَالَ: مَنْ يُخَاصِمُنِي فِي ابْنِي؟ فَقَالَ: يَاغُلامُ هَذَا أَبُوكَ وَهَذِهِ أُمُّكَ، فَخُذْ بِيَدِ أَيِّهِمَا شئتَ، فَأَخَذَ بِيَدِ أُمِّهِ فَانْطَلَقَتْ بِهِ» 85. وقد قضى بذلك الصحابة رضوان الله عليهم فلم ينكر عليهم فكان إجماعاً، لكن يشترط لهذا التخير شرطان: الأول: أن يكون كل من الأبوين صالحاً للحضانة, فإن كان غير صالح لها كان كالمعدوم, ويتعين الآخر، وقد سبق بيان الشروط المعتبرة في الحاضن, وإن كانت الأم أحفظ من الأب وأغير قُدّمت عليه، ولا عبرة باختيار الصبي في هذه الحالة, لأنه ضعيف العقل, يؤثر البطالة واللعب, فإذا اختار من يساعده على ذلك فلا عبرة باختياره.

الجزء: 7 - الصفحة: 104

وَإِذَا بَلَغَتِ الْجَارِيَةُ سَبْعًا، فَأَبُوْهَا أَحَقُّ بِهَا (1)، وَعَلى الأَبِ أَنْ يَسْتَرْضِعَ لِوَلَدِه (2)، إِلاَّ أَنْ تَشَاءَ الأُمُّ أَنْ تُرْضِعَهُ بِأَجْرِ مِثْلِهَا، فَتَكُوْنُ أَحَقَّ بِهِ مِنْ غَيْرِهَا (3)،  الشرط الثاني: أن يكون الغلام عاقلاً, فإن كان معتوهاً فحضانته لأُمه ولو بلغ أكثر من عشر سنين لأنها أشفق عليه وأصبر وأقوم بمصالحه من أبيه.

(1)

قوله «وَإِذَا بَلَغَتِ الْجَارِيَةُ سَبْعًا، فَأَبُوْهَا أَحَقُّ بِهَا»:

أي إذا بلغت البنت سبع سنين فإن أباها أحق بها مطلقاً وليس لها التخيير, لأن البنت في هذا السن قد قاربت الصلاح للتزويج, والأب هو الأقدر على أن يتولى تزويجها، فيقدم في حضانتها على غيره، ولأن المقصود من الحضانة الحفظ, والأب أحفظ لها فتبقى عنده حتى الزواج.
(2)

قوله «وَعَلى االأَبِ أَنْ يَسْتَرْضِعَ لِوَلَدِه»:

أي يجب على الأب أن يطلب من يرضع ابنه إذا عدمت أمه, أو امتنعت عن إرضاعه لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى﴾ (1). (3)

قوله «إِلاَّ أَنْ تَشَاءَ الأُمُّ أَنْ تُرْضِعَهُ بِأَجْرِ مِثْلِهَا، فَتَكُوْنُ أَحَقَّ بِهِ مِنْ غَيْرِهَا»:

أي إلا إذا شاءت الأم أن تقوم بإرضاعه لقوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ 87 ولأنها يعنى الأم أشفق بوَلِدِيها ولبنها امرأ, بل إذا رغبت في إرضاعه فهي أحق به من=86

الجزء: 7 - الصفحة: 105

سَوَاءٌ كَانَتْ فِيْ حِبَالِ الزَّوْجِ أَوْ مُطَلَّقَةً (1)،  =غيرها ويكون لها أجرة المثل إذا طلبت ذلك لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ (1).

(1)

قوله «سَوَاءٌ كَانَتْ فِيْ حِبَالِ الزَّوْجِ أَوْ مُطَلَّقَةً»:

أي لأم الولد إرضاعه إذا شاءت أن ترضعه سواء كانت زوجة لأبيه أو مطلقة عنه ولها أجرة المثل.
قلت: أما في حالة كونها مطلقة أو بائناً منه بفسخ فلا خلاف أنها إن أرضعته فلها أجرة المثل, أما إذا كانت تحته فالراجح أنه ليس لها أجرة على إرضاعه لقوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاَّ وُسْعَهَا لا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالاً عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلادَكُمْ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ 89، فأوجب الله تعالى على الزوجة إرضاع ولدها, ولم يوجب لها سوى النفقة والسكنى, فدل ذلك على أنها لا تستحق أجرة على إرضاعها لولدها ما دامت زوجة لأبيه.
قلت: وهذا هو الراجح، وهو اختيار شيخ الإسلام 90.88

الجزء: 7 - الصفحة: 106

فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَبٌ وَلا مَالٌ، فَعَلى وَرَثَتِهِ أَجْرُ رَضَاعِهِ، عَلى قَدْرِ مِيْرَاثِهِمْ مِنْهُ (1)،  (1)

قوله «فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَبٌ وَلا مَالٌ، فَعَلى وَرَثَتِهِ أَجْرُ رَضَاعِهِ، عَلى قَدْرِ مِيْرَاثِهِمْ مِنْهُ»:

أي فإذا كان هذا الطفل لا أب له أي يتيم واسترضعت له امرأة فتكون أجرة هذه المرأة على الوارث لقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ 91، فأوجب تعالى على الوارث مثل ما أوجبه على أبيه عند عدم وجود الأب فتكون أجرة الرضاعة على لورثة على قدر ميراثهم فمن كان ميراثه من هذا الطفل الثلث أخرج ثلث أجرة الرضاعة والباقي على غيره على قدر إرثهم أيضاً.

الجزء: 7 - الصفحة: 107

بابُ نَفَقَةِ الأَقَارِبِ وَالْمَمَالِيْكِ

(1) وَعَلى الإِنْسَانِ نَفَقَةُ وَالِدَيْهِ وَإِنْ عَلَوْا (2)،  (1)

قوله «بابُ نَفَقَةِ الأَقَارِبِ وَالْمَمَالِيْكِ»:

سبق أن ذكرنا في أول باب النفقة على المعتدات أن الأسباب الموجبة للنفقة ثلاثة: 1 - النكاح.
2 - النسب.
3 - المِلك.
وقد سبق بيان الأحكام المتعلقة بالنكاح, ثم ذكر المؤلف في هذا الباب ما بقي من الأسباب الموجبة للنفقة.

(2)

قوله «وَعَلى الإِنْسَانِ نَفَقَةُ وَالِدَيْهِ وَإِنْ عَلَوْا»:

أي ويجب على الإنسان النفقة على «وَالِدَيْهِ» يعني الأصول إذا كانا في حاجة إلى النفقة وكان الابن قادراً على الإنفاق «وَإِنْ عَلَوْا» كجده من جهة أبيه وجده من جهة أمه, وكذا جدته من جهة أبيه وجدته من جهة أمه، دليل ذلك قوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً﴾ 92. ومن الإحسان الإنفاق عليهما عند حاجتهما بل هو من أعظم الإحسان, وأيضاً قال تعالى ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً﴾ 93. لكن يشترط لوجوب النفقة على الأقارب شروط ثلاثة هي: 1 - أن يكونوا فقراء عاجزين عن الكسب لأن النفقة على سبيل المواساة فلا تستحق مع الغنى عنها كالزكاة.

الجزء: 7 - الصفحة: 108

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  2 - أن يكونوا وارثين بفرض أو تعصيب, كالأب والجد والأم والابن والمشهور أنه لا يشترط الإرث في نفقة الأصول والفروع, وإنما يشترط في نفقته غيرهما من الحواشي, وهو أن يكون المنفق وارثاً للمنفق عليه بفرض كالأخ لأم, أو تعصيب, كالعم وابن العم لقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ 94، أي على الرجل الذي يرث أن ينفق على مورثه حتى يستغني.
قلت: والراجح أن الإرث ليس شرطاً مطلقاً، فتجب نفقة من يرث بالرحم, كالعمة والخالة، وإنما الشرط الذي يلزم وجوده هو غنى المنفق وفقر المنفق عليه وكونه من الأقارب.
3 - أن يكون المنفق غنياً وذلك بأن يكون ما ينفقه على أقاربه فاضلاً عن قوت نفسه وزوجته حاصلاً في يده, أو متحصلاً من صناعة, أو تجارة, أو أجرة عقار ونحو ذلك, فإن لم يكن فاضلاً عن ذلك لم يجب عليه النفقة على قريبه لقوله -صلى الله عليه وسلم- «ابْدَأْ بِنَفْسِكَ فَتَصَدَّقْ عَلَيْهَا فَإِنْ فَضَلَ شَىْءٌ فَلأَهْلِكَ فَإِنْ فَضَلَ عَنْ أَهْلِكَ شَىْءٌ فَلِذِي قَرَابَتِكَ فَإِنْ فَضَلَ عَنْ ذِي قَرَابَتِكَ شَىْءٌ فَهَكَذَا وَهَكَذَا» 95. يَقُولُ فَبَيْنَ يَدَيْكَ وَعَنْ يَمِينِكَ وَعَنْ شِمَالِكَ وعنه -صلى الله عليه وسلم- أيضاً أنه قال: «أَفْضَلُ الصَّدَقَةِ مَا تَرَكَ غِنًى وَالْيَدُ =

الجزء: 7 - الصفحة: 109

وَأَوْلادِهِ وَإِنْ سَفَلُوْا (1)،  = الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنْ الْيَدِ السُّفْلَى وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ» (1)، وعلى ذلك نقول بأن النفقة لا تجب من رأس المال, ولا من ثمن ملك, ولا من قيمة آلة صنعة, كمكائن نجارة أو حدادة فلا نفقة في قيمتها, لحصول الضرر بوجوب الإنفاق من هذه الأشياء, فإن لم يكن هناك ضرر من الإنفاق منها وجبت النفقة عليه كأن يكون رأس المال كثيراً جداً ولا يتأثر بالإنفاق فهنا تجب النفقة من رأس المال.

(1)

قوله «وَأَوْلادِهِ وَإِنْ سَفَلُوْا»:

أي الفروع أي ويجب كذلك الإنفاق على أولاده ذكوراً كانوا أو إناثاً إذا كانوا فقراء وعنده ما ينفق عليهم لقوله -صلى الله عليه وسلم-: «خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالْمَعْرُوفِ» 97، ويجب كذلك أن ينفق على أبناء أولاده, كابن الابن, وابن البنت, وبنت الابن, وبنت البنت وإن نزلوا إذا كانوا فقراء وعنده ما ينفق عليهم لقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِك﴾ 98. وقد سبق دخول عموم أولي الأرحام في النفقة عليهم, والخطاب هنا ليس المقصود منه الوالد فقط بل المرأة كذلك إذا كانت غنية فيجب عليها الإنفاق على من ذكرناهم.96

الجزء: 7 - الصفحة: 110

وَمَنْ يَرِثُهُ بِفَرْضٍ أَوْ تَعْصِيْبٍ (1)، إِذَا كَانُوْا فُقَرَاءَ، وَلَهُ مَا يُنْفِقُ عَلَيْهِمْ (2)، وَإِنْ كَانَ لِلْفَقِيْرِ وَارِثَانِ فَأَكْثَرَ، فَنَفَقَتُهُ عَلَيْهِمْ عَلى قَدْرِ مِيْرَاثِهِمْ (3)،  (1)

قوله «وَمَنْ يَرِثُهُ بِفَرْضٍ أَوْ تَعْصِيْبٍ»:

سبق الإشارة إلى ما ذكر المؤلف هنا وقلنا بأنه لا يشترط في النفقة أن يكون ممن يرثه بفرض أو تعصيب فتجب نفقة من يرث بالرحم كالعمة والخالة لموافقته لظاهر القرآن في قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾، فلا يشترط هنا إلا غنى المنفق وفقر المنفق عليه وكونه من الأقارب, لوجوب صلتهم وتحريم قطيعتهم.
(2)

قوله «إِذَا كَانُوْا فُقَرَاءَ، وَلَهُ مَا يُنْفِقُ عَلَيْهِمْ»:

هذان شرطان لوجوب النفقة على القريب، وقد سبق الإشارة إليهما.
(3)

قوله «وَإِنْ كَانَ لِلْفَقِيْرِ وَارِثَانِ فَأَكْثَرَ، فَنَفَقَتُهُ عَلَيْهِمْ عَلى قَدْرِ مِيْرَاثِهِمْ»:

أي عند المشاحة فيمن ينفق عليهم فالنفقة تكون على قدر إرثهم لأن الله تعالى علق وجوب النفقة على الإرث, والحكم يدور مع علته فبقدر الإرث يلزم بالنفقة.
مثال ذلك: رجل فقير له أم موسرة, وجد موسر فهنا يكون على الأم الثلث وعلى الجد الباقي وهو الثلثان لأنه لو مات ميت عن أم وجد من قبيل أبيه لورثه كما ذكرنا الأم الثلث والجد الباقي فتكون النفقة على الجد الثلثين والثلث على الأم، فإذا كانا ينفقان عليه يومياً فيكون على الأم نفقة يوم وعلى الجد نفقة يومين, وإذا كانت النفقة المقدرة يومياً ثلاثين ريالاً مثلاً فيكون على الأم عشرة ريالات وعلى الجد عشرون ريالاً =

الجزء: 7 - الصفحة: 111

إِلاَّ مَنْ لَهُ أَبٌ فَإِنَّ نَفَقَتَهُ عَلى أَبِيْهِ خَاصَّة (1)،  = لكن لا يشترط في الأصول والفروع التوارث, فلو كانت الأم فقيرة وأبوها غني فيجب على الأب النفقة لأن الأصول والفروع لا يشترط فيها التوارث.

(1)

قوله «إِلاَّ مَنْ لَهُ أَبٌ فَإِنَّ نَفَقَتَهُ عَلى أَبِيْهِ خَاصَّة»:

كما سبق إلا الأب فإنه يتحمل نفقة ولده كلها, ولا يشاركه وارث أخر لقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (1)، فأوجب على الأب نفقة الرضاع دون أمه، وأيضاً حديث هند المتقدم وفيه قوله -صلى الله عليه وسلم-: «خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالْمَعْرُوفِ» (2)، و

هل تجب النفقة على الأب مع وجود الابن الموسر؟

الجواب: نقول قولان: الأول: وهو المذهب 101 أن النفقة تجب على الأب مع وجود الابن للولد كما لو كان للولد أب وابن موسران وهو معسر, فالنفقة على الأب أخذاً بظاهر الآية الكريمة: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾.
القول الثاني: أنه لا يجب على الأب النفقة مع وجود الابن للولد والآية إنما جاءت في الرضيع, وليس له ابن, فينبغي أن يفرق بين الولد الصغير وغيره, فإن من له ابن يبعد أن لا تكون عليه نفقته وتكون على الأب=99100

الجزء: 7 - الصفحة: 112

وَعَلى مُلاكِ الْمَمْلُوْكِيْنَ الإِنْفَاقُ عَلَيْهِمْ، وَمَا يَحْتَاجُوْنَ إِلَيْهِ مِنْ مُؤْنَةٍ وَكِسْوَةٍ (1) فَإِنْ لَمْ يَفْعَلُوْا، أُجْبِرُوْا عَلى بَيْعِهِمْ، إِذَا طَلَبُوْا ذلِكَ (2)،  =وحده, وهذا هو الأظهر أي عند وجود الابن فإنه لا يلزم الأب النفقة على ولده.

(1)

قوله «وَعَلى مُلاكِ الْمَمْلُوْكِيْنَ الإِنْفَاقُ عَلَيْهِمْ، وَمَا يَحْتَاجُوْنَ إِلَيْهِ مِنْ مُؤْنَةٍ وَكِسْوَةٍ»:

أي ويجب النفقة كذلك للعبيد الأرقاء من قبل أسيادهم بأن ينفقوا عليهم وأن يكسوهم لقوله -صلى الله عليه وسلم-: «لِلْمَمْلُوكِ طَعَامُهُ وَكِسْوَتُهُ وَلا يُكَلَّفُ مِنَ الْعَمَلِ إِلاَّ مَا يُطِيقُ» (1)، وكذلك قوله -صلى الله عليه وسلم-: «إِنَّ إِخْوَانَكُمْ خَوَلُكُمْ جَعَلَهُمُ اللَّهُ تَحْتَ أَيْدِيكُمْ فَمَنْ كَانَ أَخُوهُ تَحْتَ يَدِهِ فَلْيُطْعِمْهُ مِمَّا يَأْكُلُ وَلْيُلْبِسْهُ مِمَّا يَلْبَسُ، وَلا تُكَلِّفُوهُمْ مَا يَغْلِبُهُمْ فَإِنْ كَلَّفْتُمُوهُمْ مَا يَغْلِبُهُمْ فَأَعِينُوهُمْ» (2). (2)

قوله «فَإِنْ لَمْ يَفْعَلُوْا، أُجْبِرُوْا عَلى بَيْعِهِمْ، إِذَا طَلَبُوْا ذلِكَ»:

أي إذا أبى السيد من الإنفاق على عبيده أجبره الحاكم على القيام بذلك لقيامه الممتنع من أداء الواجب, فإن أبى ألزمه ببيعه لأن بقاءه في يده مع ترك الإنفاق عليه ظلم والظلم تجب إزالته, ويكون الأمر ببيعه إذا طلب الرقيق ذلك.102103

الجزء: 7 - الصفحة: 113

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ذكر بعض الفوائد

:

الفائدة الأولى: إذا طلب المملوك نكاحا

ً زوَّجه سيده أو باعه لقوله تعالى: ﴿وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ 104، والأمر يقتضى الوجوب عند الطلب, وإن طلبت الأمة من سيدها ذلك أيضاً خُيِّر السيد بين وطئها أو تزويجها أو بيعها إزالة للضرر عنها.

  • الفائدة الثانية: يجب على من يملك بهيمة علفها وسقيها وما يصلحها لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «عُذِّبَتِ امْرَأَةٌ فِي هِرَّةٍ سَجَنَتْهَا حَتَّى مَاتَتْ فَدَخَلَتْ فِيهَا النَّارَ لا هِيَ أَطْعَمَتْهَا وَسَقَتْهَا إِذْ حَبَسَتْهَا وَلا هِيَ تَرَكَتْهَا تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الأَرْضِ» 105. ولا تحمل البهائم ما تعجز عنه لأن ذلك من التعذيب لها وهو غير جائز, ولا يحلب من لبنها ما يضر ولدها, لأن ولدها مقدم في هذه الحالة.
    ولا يجوز لعن البهيمة، ولا ضربها في وجهها، أو وسمها فيه.
    فإن عجز عن الإنفاق عليها وجب عليه بيعها، أو ذبحها إن كانت مما يؤكل أو تأجيرها ويكون تأجيرها من أجل الإنفاق عليها بالأكل ونحوه مما تحتاجه.

الجزء: 7 - الصفحة: 114

بابُ الوَلِيْمَةِ

(1) وَهِيَ: دَعْوَةُ العُرْسِ (2)، وَهِيَ مُسْتَحَبَّةٌ؛ لِقَوْلِ رَسُوْلِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ حِيْنَ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ تَزَوَّجَ: «بَارَكَ اللهُ لَكَ، أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ» (3)،  (1)

قوله «بابُ الوَلِيْمَةِ»:

الوليمة: أصلها تمام الشيء واجتماعه، يقال: أولم الرجل إذا اجتمع عقله وخلقه، ثم نقلت إلى طعام العرس لاجتماع الرجل والمرأة، أو لاجتماع الناس لها.
والوليمة: هي اسم لكل طعام يتخذ لجمع الناس، وقيل هي اسم لطعام العرس خاصة لا تقع على غيره.

(2)

قوله «وَهِيَ: دَعْوَةُ العُرْسِ»:

هذا هو

تعريف الوليمة

، وقد سبق.
(3)

قوله «وَهِيَ مُسْتَحَبَّةٌ؛ لِقَوْلِ رَسُوْلِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ حِيْنَ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ تَزَوَّجَ «بَارَكَ اللهُ لَكَ، أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ» 106»: هذا هو مذهب جمهور أهل العلم، أي أن الوليمة سنة مستحبة لأنه لم يرد نص يدل على وجوبها.

وفي قولٍ آخر أن الوليمة واجبة، واحتجوا لذلك بحديث عبد الرحمن بن عوف المتقدم، وأيضاً حديث بريدة -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- لما خطب علي فاطمة رضي الله عنها قال «إِنَّهُ لا بُدَّ لِلْعُرْسِ مِنْ وَلِيمَةٍ» 107.

الجزء: 7 - الصفحة: 115

وَالإِجَابَةُ إِلَيْهَا وَاجِبَةٌ؛ لِقَوْلِ رَسُوْلِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: «وَمَنْ لَمْ يَجِبْ فَقَدْ عَصَى اللهَ وَرَسُوْلَهُ» (1)،  قلت: والأظهر عندي عدم الوجوب، وهو كما سبق قول الجمهور لكن ينبغي للمسلم القادر على أن يولم ألا يتركها لعموم الأخبار الواردة في ذلك ولأنها من تمام شكر الله تعالى على نعمة الزواج.

فائدة: لا يجوز التبذير في الولائم والإسراف

فيها: لعموم الأدلة التي جاءت بالنهي عن الإسراف والتبذير، ولما يترتب على ذلك من المفاسد العظيمة.
(1)

قوله -رحمه الله- «وَالإِجَابَةُ إِلَيْهَا وَاجِبَةٌ؛ لِقَوْلِ رَسُوْلِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: «وَمَنْ لَمْ يَجِبْ فَقَدْ عَصَى اللهَ وَرَسُوْلَهُ»

الجزء: 7 - الصفحة: 116

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  القول الثاني: أنها سنة مستحبة وهو مذهب الحنفية 113، وقول للشافعية 114. القول الثالث: أنها فرض كفاية، وهو قول للشافعية 115، واستدل جميع الفقهاء ممن اختلفوا في حكمها بأحاديث منها حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- «إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ إِلَى الْوَلِيمَةِ فَلْيَأْتِهَا» 116، وأيضاً حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- «أَجِيبُوا هَذِهِ الدَّعْوَةَ إِذَا دُعِيتُمْ لَهَا» 117، وأيضاً حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال «شَرُّ الطَّعَامِ طَعَامُ الْوَلِيمَةِ يُمْنَعُهَا مَنْ يَأْتِيهَا وَيُدْعَى إِلَيْهَا مَنْ يَأْبَاهَا وَمَنْ لَمْ يُجِبِ الدَّعْوَةَ فَقَدْ عَصَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ» 118. قلت: والراجح من الأقوال هو القول الأول، أي يجب إجابة دعوة الوليمة لظاهر الأحاديث المتقدمة، هذا إذا كانت الدعوة إلى الوليمة قد خصّ بها المدعو بعينه، أما إذا كانت الدعوة عامة دون تعيين فقد ذكر الفقهاء أن الإجابة في هذه الحالة تكون جائزة وليست بواجبة ولا مستحبة لأنه لم يعين شخصاً بعينه، لأنه لا يحصل كسر قلب الداعي بترك الإجابة، =

الجزء: 7 - الصفحة: 117

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  = وإذا كانت الدعوة عامة لأناس مخصوصين كمن حضروا في الجامع للصلاة استحبت الإجابة إذا كان عدمها سيتأذى به الداعي.

ذكر بعض الفوائد

:

الفائدة الأولى: حكم الأكل من طعام الوليمة لمن حضر

: اختلف الفقهاء في وجوب الأكل من طعام الوليمة لمن حضرها وكان مفطراً: فذهب الجمهور إلى أن يستحب الأكل من طعام الوليمة، وذهب الظاهرية والشافعية في قول إلى وجوب الأكل منها لقول النبي -صلى الله عليه وسلم- «وإن كان مفطراً فليطعم»، ولأن المقصود منه الأكل فكان واجباً.

الفائدة الثانية: في حكم إفطار الصائم من أجل الوليمة

: الصائم لا يخلو إما أن يكون صومه واجباً أو تطوعاً، فإن كان واجباً أجاب الدعوة ولم يفطر، لكن يدعو لهم ويبارك ويخبرهم بصيامه ليعلموا عذره فتزول عنه التهمة في ترك الأكل.
والدليل على ذلك حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- «إذا دعي أحدكم فليجب، فإن كان صائماً فليصل، وإن كان مفطراً فليطعم»، وقوله -صلى الله عليه وسلم-: «فليصل» أي فليدعو، ولأن الفطر في الصوم الواجب لا يجوز، وإن كان صومه تطوعاً استحب له الفطر والأكل إذا كان في ذلك إجابة لأخيه المسلم وإدخال السرور على قلبه، وإن أحب إتمام الصيام جاز له ذلك لحديث أبي هريرة المتقدم، فيدعو لهم ويبارك ويخبرهم بصيامه ليعلموا عذره فتزول عنه التهمة كما تقدم.

الجزء: 7 - الصفحة: 118

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  - الفائدة الثالثة: ذكر أهل العلم أنه لا حد لأقل ما يولم به ولا أكثره وأن المستحب في ذلك على حسب حال الزوج، قال القاضي عياض «وأجمعوا على أنه لا حد لأكثرها، وأما أقلها فكذلك ومهما تيسر أجزأ، والمستحب أنها على قدر حال الزوج، وقد يتيسر على الموسر الشاة فما فوقها (1) فإن أولم بأكثر من شاة جاز، وإن أولم بشاة واقتصر على النص جاز، وإن أولم بما دون ذلك جاز لحديث أنس -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أولم على صفية بحيس في قطع صغير (2)، وحديث صفية بنت شيبة قالت: «أَوْلَمَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- عَلَى بَعْضِ نِسَائِهِ بِمُدَّيْنِ مِنْ شَعِيرٍ» (3).

الفائدة الرابعة: شروط وجوب الدعوة

: أـ أن تكون هي الوليمة الأولى، فإذا تكررت لم تلزم.
ب - أن يكون الداعي مسلماً.
ج - أن لا يكون الداعي معروفاً بالفسق، والمجاهرة بالمعاصي، وأذية أهل الخير.
د - أن يعينه الداعي ويخصه بألا تكون الدعوة عامة.
هـ - أن لا يكون على الوليمة منكر.
وـ أن لا يخص الأغنياء دون الفقراء.119120121

الجزء: 7 - الصفحة: 119

وَمَنْ لَمْ يُحِبَّ أَنْ يَطْعَمَ، دَعَا وَانْصَرَفَ (1)، وَالنِّثَارُ وَالتِقَاطُهُ مُبَاحٌ مَعَ الكَرَاهَةِ (2)، وَإِنْ قُسِّمَ عَلى الحَاضِرِيْنَ، كَانَ أَوْلى (3)،  ز - أن لا يكون للمدعو عذر فإن كان له عذر لم تجب إجابته لئلا يلحقه الضرر.

  • الفائدة الخامسة: مما تخص به دعوة المدعو: أن يدعوه بعينه، أو يرسل له بطاقة ويسلمها له وهو يقصده بذلك، أما ما هو حاصل الآن أن تؤخذ قوائم للأسماء وتملأ البطاقات فهذا لا تلزم إجابة الدعوة له.

(1)

قوله -رحمه الله- «وَمَنْ لَمْ يُحِبَّ أَنْ يَطْعَمَ، دَعَا وَانْصَرَفَ»:

سبق الإشارة إلى ذلك، وقلنا بأن الصواب أن الأكل من طعام الوليمة مستحب لا يجب، بل الواجب إجابة الداعي وإن لم يحصل الأكل، فلا علاقة بين الإتيان ولزوم الأكل من الوليمة، فإذا لم يحب الأكل دعا لصاحب الوليمة ثم انصرف.
(2)

قوله -رحمه الله- «وَالنِّثَارُ وَالتِقَاطُهُ مُبَاحٌ مَعَ الكَرَاهَةِ»:

النثار: بكسر النون هو ما ينثر من النقود، أو الحلوى، أو غيرها أيام الزواج، أي ما يرمى به من النقود والحلوى يوم العرس، فهذا يكره، وكذا يكره التقاطه.
وإنما كره لما فيه من النهبة والتزاحم، وأخذه على هذا الوجه فيه دناءة وسخف وإسقاط مروءة، والله يحب معالي الأمور ويكره سفاسفها.

(3)

قوله «وَإِنْ قُسِّمَ عَلى الحَاضِرِيْنَ، كَانَ أَوْلى»:

أي وإن قسم ما أريد نثره من الحلوى والنقود أو غيره على الحاضرين ووزع عليهم بانتظام كان ذلك أولى.

الجزء: 7 - الصفحة: 120

فصول الكتاب · 25 فصل
فصول وبل الغمامة في شرح عمدة الفقه لابن قدامة
المقدمةالمقدمةكِتَابُ الصَّلاةِكتاب الجنائزكِتَابُ الزَّكَاةِكِتَابُ الصِّيَامِكتاب الحجكِتَابُ الْبَيْعِكِتَابُ الْوَقْفِكِتَابُ الْوَصَايَاكتاب الفرائضكتاب النكاحكتاب النِّكاحِكِتابُ الصَّدَاقِكتاب الطلاقكِتابُ الظِّهارِ
قوله «كِتابُ الظِّهارِ»:ذكر بعض الفوائدالفائدة الثانية: في حكم الظهارقوله «وَهُوَ: أَنْ يَقُوْلَ لاِمْرَأَتِهِ: أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّيْ»:ذكر بعض الفوائد- الفائدة الأُولى: إذا قال الرجل لامرأته أنت علي كأمي هل يعد ظهاراً؟- الفائدة الثالثة: ما الحكم إذا قال الرجل لزوجته أنت عليَّ حرام؟قوله «أَوْ مَنْ تَحْرُمُ عَلَيْهِ عَلى التَّأْبِيْدِ»:قوله «فَلا تَحِلُّ لَهُ حَتَّى يُكَفِّرَ»:هل المنهي عنه الجماع ودواعيه, أم الجماع فقط؟قوله «بِتَحْرِيْرِ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا»:وهل يشترط أن تكون الرقبة مؤمنة؟قوله «فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا»:ذكر بعض الفوائدالفائدة الثانية: من سافر لأجل أن يفطر حرمقوله «فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ، فَإِطْعَامُ سِتِّيْنَ مِسْكِيْنًا»:قوله «وَحُكْمُهَا وَصِفَتُهَا كَكَفَّارَةِ الجِمَاعِ فِيْ شَهْرِ رَمَضَانَ»:قوله «فَإِنْ وَطِئَ قَبْلَ التَّكْفِيْرِ، عَصَى، وَلِزَمَتْهُ الكَفَّارَةُ الْمَذْكُوْرَةُ»:قوله «وَمَنْ ظَاهَرَ مِنْ امْرَأَتِهِ مِرَارًا، وَلَمْ يُكَفِّرْ، فَكَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ»:قوله «وَإِنْ ظَاهَرَ مِنْهُنَّ بِكَلِمَاتٍ، فَعَلَيْهِ لِكُلِّ يَمِيْنٍ كَفَّارَةٌ»:قوله «ظَاهَرَ مِنْ أَمَتِهِ أَوْ حَرَّمَهَا»:قوله «أَوْ حَرَّمَ شَيْئًا مُبَاحًا»:قوله «أَوْ ظَاهَرَتِ الْمَرْأَةُ مِنْ زَوْجِهَا أَوْ حَرَّمَتْهُ، لَمْ يَحْرُمْ، وَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِيْنٍ»:قوله «وَالحُرُّ وَالْعَبْدُ فِي الكَفَّارَةِ سَوَاءٌ»:- فائدة: في شروط الكفارة في الظهار:ذكر بعض الفوائد- الفائدة الأُولى: في الظهار المؤقت:- الفائدة الثانية: إذا قال لزوجته أنت عليَّ كيد أميبابُ اللِّعَانِقوله «بابُ اللِّعَانِ»:ذكر بعض الفوائد- الفائدة الأُولى: الأصل في مشروعية اللعانقوله «إِذَا قَذَفَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ»:قوله «الْبَالِغَةَ»:قوله «العَاقِلَةَ»:قوله «الحُرَّةُ»:قوله «الْمُسْلِمَةُ»:قوله «العَفِيْفَةُ»:قوله «بِالزِّنا»:قوله «لَزِمَهُ الحَدُّ، إِنْ لَمْ يُلاعِنْ»:قوله «وَإِنْ كَانَتْ ذِمِّيَّةً أَوْ أَمَةً، فَعَلَيْهِ التَّعْزِيْرُ، إِنْ لَمْ يُلاعِنْ»:قوله «وَلا يُعَرَّضُ لَهُ حَتَّى تُطَالِبُهُ»:قوله «وَاللِّعَانُ أَنْ يَقُوْلَ بِحَضْرَةِ الحَاكِمِ أَوْ نَائِبِهِ»:قوله «ثُمَّ يَقُوْلُ الحَاكِمُ: قَدْ فَرَّقْتُ بَيْنَكُمَا، فَتَحْرُمُ عَلَيْهِ تَحْرِيْمًا مُؤَبَّدًا»:قوله «وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا وَلَدٌ فَنَفَاهُ انْتَفَى عَنْهُ، سَوَاءٌ كَانَ حَمْلاً أَوْ مَوْلُوْدًا»:قوله «مَا لَمْ يَكُنْ أَقَرَّ بِهِ، أَوْ وَجَدَ مِنْهُ مَا يَدُلُّ عَلى الإِقْرَارِ بِهِ»:- فائدة: إذا رجع الزوج بعد اللعان فأكذب نفسه فيما ادعاه من زناهاقوله «لِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ أَنَّ رَجُلاً لاعَنَ امْرَأَتَهُ وَانْتَفَى مِنْ وَلَدِهَا، فَفَرَّقَ رَسُوْلُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- بَيْنَهُمَا، وَأَلْحَقَ الوَلَدَ بِالأُمِّ»قوله «فَصْلٌ فِيْ لُحُوْقِ النَّسَبِ وَمَنْ وَلَدَتِ امْرَأَتُهُ أَوْ أَمَتُهُ الَّتِيْ أَقَرَّ بِوَطْئِهَا وَلَدًا يُمْكِنُ كَوْنُهُ مِنْهُ، لَحِقَهُ نَسَبُهُ»:قوله «لِقَوْلِ رَسُوْلِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: «الوَلَدُ لِلْفِرَاشِ وَلِلْعَاهِرِ الحَجَرُ»قوله «وَلا يَنْتَفِيْ وَلَدُ الْمَرْأَةِ إِلاَّ بِاللِّعَانِ»:قوله «وَلا وَلَدُ الأَمَةِ إِلاَّ بِدَعْوَى اسْتِبْرَائِهَا»:قوله «وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَوْنُهُ مِنْهُ»:قوله «مِثْلَ أَنْ تَلِدَ أَمَتُهُ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مُنْذُ وَطْئِهَا، أَوِ امْرَأَتُهُ لِأَقَلَّ مِنْ ذلِكَ مُنْذُ أَمْكَنَ اجْتِمَاعُهُمَا»قوله «أَوْ كَانَ الزَّوْجُ مِمَّنْ لا يُوْلَدُ لِمِثْلِهِ، كَمَنْ لَهُ دُوْنَ عَشْرِ سِنِيْنَ»:قوله «أَوِ الخَصِيِّ أَوِ الْمَجْبُوْبِ، لَمْ يَلْحَقْهُ»:ذكر بعض الفوائدفَصْلٌ فِيْ ثُبُوْتِ النَّسَبِ بِقَوْلِ القَائِفِقوله «أَوِ ادَّعَى نَسَبَ مَجْهُوْلِ النَّسَبِ رَجُلانِ»:قوله «وَإِنْ أَشْكَلَ أَمْرُهُ»:قوله «أَوْ تَعَارَضَ قَوْلُ القَافَةِ»:قوله «أَوْ لَمْ يُوْجَدْ قَافَةٌ، تُرِكَ حَتَّى يَبْلُغَ، فَيُلْحَقَ بِمَنِ انْتَسَبَ إِلَيْهِ مِنْهُمَا»:قوله «وَلا يُقْبَلُ قَوْلُ القَائِفِ إِلاَّ أَنْ يَكُوْنَ عَدْلاً، ذَكَرًا، مُجَرَّباً فِي الإِصَابَةِ»:بابُ الحَضَانَةِقوله «بابُ الحَضَانَةِ»:ذكر بعض الفوائدالفائدة الأولى: في حكم مشروعيتهاالفائدة الثانية: الحكمة من مشروعية الحضانةالفائدة الثالثة: المقصود بالحضانة ثلاثة أمور هيالفائدة الرابعة: في شروط الحضانةقوله «أَحَقُّ النَّاسِ بِحَضَانَةِ الطِّفْلِ أُمُّهُ»:قوله «ثُمَّ أُمُّهَاتُهَا وَإِنْ عَلَوْنَ»:قوله «ثُمَّ الأَبُ»:قوله «ثُمَّ أُمُّهَاتُه»:قوله «ثُمَّ الجَدُّ»:قوله «ثُمَّ الأُخْتُ مِنَ الأَبَوَيْنِ»:قوله «ثُمَّ الأُخْتُ مِنَ الأَبِ»:قوله «ثُمَّ الأُخْتُ مِنَ الأُمِّ»:قوله «ثُمَّ الْخَالَةُ ثُمَّ العَمَّةُ»:قوله «ثُمَّ الأَقْرَبُ فَالأَقْرَبُ مِنَ النِّسَاءِ»:قوله «ثُمَّ عَصَابَتُهُ الأَقْرَبُ فَالأَقْرَبُ»:قوله «وَلا حَضَانَةَ لِرَقِيْقٍ»:قوله «وَلا فَاسِقٍ»:قوله «وَلا امْرَأَةٍ مُزَوَّجَةٍ لأَجْنَبِيٍّ مِنَ الطِّفْلِ»:قوله «فَإِنْ زَالَتِ الْمَوَانِعُ مِنْهُمْ، عَادَ حَقُّهُمْ مِنَ الْحَضَانَةِ»:قوله «وَإِذَا بَلَغَ الغُلامُ سَبْعَ سِنِيْنَ، خُيِّرَ بَيْنَ أَبَوَيْهِ، فَكَانَ عِنْدَ مَنِ اخْتَارَهُ مِنْهُمَا»:قوله «وَإِذَا بَلَغَتِ الْجَارِيَةُ سَبْعًا، فَأَبُوْهَا أَحَقُّ بِهَا»:قوله «وَعَلى االأَبِ أَنْ يَسْتَرْضِعَ لِوَلَدِه»:قوله «إِلاَّ أَنْ تَشَاءَ الأُمُّ أَنْ تُرْضِعَهُ بِأَجْرِ مِثْلِهَا، فَتَكُوْنُ أَحَقَّ بِهِ مِنْ غَيْرِهَا»:قوله «سَوَاءٌ كَانَتْ فِيْ حِبَالِ الزَّوْجِ أَوْ مُطَلَّقَةً»:قوله «فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَبٌ وَلا مَالٌ، فَعَلى وَرَثَتِهِ أَجْرُ رَضَاعِهِ، عَلى قَدْرِ مِيْرَاثِهِمْ مِنْهُ»:بابُ نَفَقَةِ الأَقَارِبِ وَالْمَمَالِيْكِقوله «بابُ نَفَقَةِ الأَقَارِبِ وَالْمَمَالِيْكِ»:قوله «وَعَلى الإِنْسَانِ نَفَقَةُ وَالِدَيْهِ وَإِنْ عَلَوْا»:قوله «وَأَوْلادِهِ وَإِنْ سَفَلُوْا»:قوله «وَمَنْ يَرِثُهُ بِفَرْضٍ أَوْ تَعْصِيْبٍ»:قوله «إِذَا كَانُوْا فُقَرَاءَ، وَلَهُ مَا يُنْفِقُ عَلَيْهِمْ»:قوله «وَإِنْ كَانَ لِلْفَقِيْرِ وَارِثَانِ فَأَكْثَرَ، فَنَفَقَتُهُ عَلَيْهِمْ عَلى قَدْرِ مِيْرَاثِهِمْ»:قوله «إِلاَّ مَنْ لَهُ أَبٌ فَإِنَّ نَفَقَتَهُ عَلى أَبِيْهِ خَاصَّة»:هل تجب النفقة على الأب مع وجود الابن الموسر؟قوله «وَعَلى مُلاكِ الْمَمْلُوْكِيْنَ الإِنْفَاقُ عَلَيْهِمْ، وَمَا يَحْتَاجُوْنَ إِلَيْهِ مِنْ مُؤْنَةٍ وَكِسْوَةٍ»:قوله «فَإِنْ لَمْ يَفْعَلُوْا، أُجْبِرُوْا عَلى بَيْعِهِمْ، إِذَا طَلَبُوْا ذلِكَ»:ذكر بعض الفوائدالفائدة الأولى: إذا طلب المملوك نكاحابابُ الوَلِيْمَةِقوله «بابُ الوَلِيْمَةِ»:قوله «وَهِيَ: دَعْوَةُ العُرْسِ»:تعريف الوليمةقوله «وَهِيَ مُسْتَحَبَّةٌ؛ لِقَوْلِ رَسُوْلِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ حِيْنَ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ تَزَوَّجَ «بَارَكَ اللهُ لَكَ، أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ» [^fn5227]»: هذا هو مذهب جمهور أهل العلم، أي أن الوليمة سنة مستحبة لأنه لم يرد نص يدل على وجوبها.فائدة: لا يجوز التبذير في الولائم والإسرافقوله -رحمه الله- «وَالإِجَابَةُ إِلَيْهَا وَاجِبَةٌ؛ لِقَوْلِ رَسُوْلِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: «وَمَنْ لَمْ يَجِبْ فَقَدْ عَصَى اللهَ وَرَسُوْلَهُ»ذكر بعض الفوائدالفائدة الأولى: حكم الأكل من طعام الوليمة لمن حضرالفائدة الثانية: في حكم إفطار الصائم من أجل الوليمةالفائدة الرابعة: شروط وجوب الدعوةقوله -رحمه الله- «وَمَنْ لَمْ يُحِبَّ أَنْ يَطْعَمَ، دَعَا وَانْصَرَفَ»:قوله -رحمه الله- «وَالنِّثَارُ وَالتِقَاطُهُ مُبَاحٌ مَعَ الكَرَاهَةِ»:قوله «وَإِنْ قُسِّمَ عَلى الحَاضِرِيْنَ، كَانَ أَوْلى»:
كِتابُ الأَطْعِمَةِكتاب الصيدكِتَابُ الأَيْمَانِكتاب الجناياتكِتابُ الدِّياتِكِتابُ الحُدُوْدِكِتابُ الجِهَادِكِتابُ القَضَاءِكِتابُ الشَّهَادَاتِ
جارٍ التحميل