كِتَابُ الْبَيْعِ
(1) قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ﴾ (2) الشرح:
(1)
قوله «كِتَابُ الْبَيْعِ»:
العلماء بدأوا بالعبادات لأن الإنسان خلق من أجلها، وبدأوا بالصلاة لأنها أهم العبادات، وقدموا الطهارة لأنها من شروطها، ثم بعد الصلاة ذكروا الزكاة لأنها آكد أركان الإسلام بعد الصلاة، ثم بالصوم لأنه هو الركن الرابع، ثم بالحج وهو الركن الخامس من أركان الإسلام، ثم بعد العبادات يبدأون بالمعاملات ثم بعد المعاملات يبدأون بالأنكحة، ثم ما يتعلق بالدماء، ثم بالقضاء.
وقد بدأ المؤلف المعاملات بكتاب البيوع لأن الحاجة إليه أعظم، فالناس محتاجون للطعام والشراب من حين ما يولدون، ومن أكبر طرق الحصول على منافع الناس الدنيوية هو البيع والشراء ولهذا بدأوا به في المعاملات وما يتعلق بها.
و
البيع جائز بالكتاب والسنة والإجماع
. (2)
قوله: قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ﴾
الجزء: 4 - الصفحة: 5
وَالْبَيْعُ: مُعَاوَضَةُ الْمَالِ بِالْمَالِ (1) =الحارث قال سمعت حكيم بن حزام -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا فَإِنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا بُورِكَ لَهُمَا فِي بَيْعِهِمَا وَإِنْ كَذَبَا وَكَتَمَا مُحِقَتْ بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا» (1). أما الإجماع فقد انعقد على جواز البيع في الجملة، والحكمة تقتضيه لأن حاجة الناس تتعلق بما في يد الآخرين ولا يتم ذلك إلا بالبيع.
(1)
قوله «وَالْبَيْعُ: مُعَاوَضَةُ الْمَالِ بِالْمَالِ»:
البيع في اللغة: مأخوذ من الباع لأن كلا من البائع والمشتري يمد باعه أخذاً وعطاءًا إما أن يعطي السلعة وإما أن يعطي المال.
أما في الاصطلاح: فهو كما ذكر المؤلف «معاوضة المال بالمال»
وقيل أيضاً «البيع: هو مبادلة مال بمال، أو منفعة مباحة ولو في الذمة»
والمراد بالمال هنا: هو كل عين مباحة النفع بلا حاجة فيدخل في ذلك الذهب، والفضة، والبر، والشعير، والتمر، والملح، والسيارات، وغيرها.
وقولنا منفعة: خرج منه ما لم يكن فيه نفع كالحشرات وغيرها.
وقولنا مباحة: خرج منه ما ليس مباحاً كالآلات المعازف ونحوها فهي لا تدخل في مسمى المال.
وقولنا بلا حاجة: خرج ما يباح نفعه للحاجة أو للضرورة؛ فالميتة مثلاً تباح للضرورة، وجلد الميتة يباح بعد دبغه للحاجة، ويدخل في ذلك التعريف تسع صور للبيع:4
الجزء: 4 - الصفحة: 6
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
1 - بيع عين بعين: مثاله «بيع قلم بجوال».
2 - بيع عين بدين: مثاله «بيع قلم بريالين بعد شهرين».
3 - بيع عين بمنفعة: مثاله «بيع قلم مقابل أن يوصلك إلى المنزل بالسيارة مثلاً».
وستأتي باقي الصور لاحقاً إن شاء الله.
ذكر بعض الفوائد
:
- الفائدة الأولى: هل يعتبر الربا بيعاً
بناءاً على تعريف البيع مبادلة مال بمال ولو في الذمة؟ الجواب: لا؛ لأن الله تعالى جعل الربا قسيم البيع قال تعالى ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ 5، فلما جعل الربا قسيم البيع عرفنا أن الربا ليس داخلاً في البيع.
- الفائدة الثانية: هل يعتبر القرض بيعاً بناءاً على أن البيع مبادلة مال بمال ولو في الذمة؟ الجواب لا لأن القرض لا يسمى بيعاً وإن وجدت فيه المبادلة، فالمقرض يقرض طلباً للأجر، والفرق بين القرض والبيع هو النية إذ كلاهما يتفقان بأنهما مبادلة معين بما في الذمة فالدراهم التي يقرضها المقرض معينة والقرض في الذمة فهو يشبه مبادلة معين بما في الذمة لكن الذي يخرج البيع عن القرض هو القصد - النية -.
- الفائدة الثالثة: جميع العقود تنعقد بما يدل عليها عرفاً، فما عدَّه الناس بيعاً
فهو بيعٌ، وما عدوه قرضاً فهو قرضٌ، وما عدوه رهناً فهو رهنٌ، وهكذا.
=
الجزء: 4 - الصفحة: 7
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . =وهذا هو قول شيخ الإسلام (1) -رحمه الله-.
-
الفائدة الرابعة: هل الأصل في العقود الحل أم التحريم؟ قولان؛ والراجح: أن جميع العقود والشروط وسائر المعاملات الأصل فيها الحل لأن الله تعالى قال: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ (2)، فكل عقد أو شرط ليس فيه نص شرعي يمنعه فالأصل جوازه، وهذا ما رجحه شيخ الإسلام (3). وذهب جماعة من أهل العلم أن الأصل في العقود المنع لأن كل شرط وكل عقد ليس في كتاب الله فهو باطل.
نقول نعم ولكن كوننا نعقد عقوداً ونشترط شروطاً لها أصل في الشرع لا بأس بذلك لقوله - صلى الله عليه وسلم - «الْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ» (4).
الفائدة الخامسة: في بيان شروط البيع مجملة
وهي:
1 - التراضي.
2 - أن يكون العاقد جائز التصرف.
3 - أن تكون العين مباحة النفع.
4 - أن يكون من مالك أو من يقوم مقامه.
5 - أن يكون مقدوراً على تسليمه.6789
الجزء: 4 - الصفحة: 8
وَيَجُوْزُ بَيْعُ كُلِّ مَمْلُوْكٍ فِيْهِ نَفْعٌ مُبَاحٌ (1)،
6 - أن يكون المبيع معلوماً برؤية أو صفة.
7 - أن يكون الثمن معلوماً، وستأتي هذه الشروط مستوفاة في كلام المؤلف مع بيان شرحها.
(1)
قوله «وَيَجُوْزُ بَيْعُ كُلِّ مَمْلُوْكٍ فِيْهِ نَفْعٌ مُبَاحٌ»:
بدأ المؤلف هنا ببيان الشروط المعتبرة في البيع فأول هذه الشروط - أن يكون مملوكاً -، أي مملوكاً للبائع أو مأذوناً له فيه فإن باع ملك غيره بغير إذنه لم يصح البيع، دليل ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم - لحكيم بن حزام حين سأله فقال «يَا رَسُولَ اللَّهِ يَأْتِينِي الرَّجُلُ فَيَسْأَلُنِي الْبَيْعَ لَيْسَ عِنْدِي أَبِيعُهُ مِنْهُ ثُمَّ أَبْتَاعُهُ لَهُ مِنْ السُّوقِ قَالَ لَا تَبِعْ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ» (1). وهنا فائدتان:
-
الفائدة الأولى: إذا كانت هناك قرينة تدل على الإذن فلا بأس: كأن يعلم أن صاحبه يريد أن يبيع بيته أو سيارته بثمن كذا، فجاء من يشتري هذا البيت أو هذه السيارة بثمن أكثر فيجوز بيعه لأن فيه مصلحة.
-
الفائدة
الثانية: في بيع الفضولي
: وهو أن يتصرف شخص في حق غيره بغير إذن شرعي كأن يبيع شخص لأخر سلعة لم يأذن البائع له ببيعها.
حكم هذا النوع من البيوع؟ نقول: اختلف الفقهاء 11 في حكم هذا النوع من البيوع: فذهب بعض الفقهاء إلى جوازه، واحتجوا لذلك بقوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ 12، واستدلوا أيضاً بحديث عروة بن أبي الجعد البارقي «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أَعْطَاهُ دِينَارًا يَشْتَرِي لَهُ=10
الجزء: 4 - الصفحة: 9
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= بِهِ شَاةً فَاشْتَرَى لَهُ بِهِ شَاتَيْنِ فَبَاعَ إِحْدَاهُمَا بِدِينَارٍ وَجَاءَهُ بِدِينَارٍ وَشَاةٍ فَدَعَا لَهُ بِالْبَرَكَةِ فِي بَيْعِهِ وَكَانَ لَوْ اشْتَرَى التُّرَابَ لَرَبِحَ فِيهِ» 13.
وذهب أكثر الفقهاء 14 إلى عدم جواز بيع الفضولي، واستدلوا لذلك بحديث حكيم بن حزام المتقدم وفيه قوله «لا تبع ما ليس عندك»، وأيضاً قوله - صلى الله عليه وسلم - كما في حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال «لا طَلاقَ إِلا فِيمَا تَمْلِكُ وَلَا عِتْقَ إِلا فِيمَا تَمْلِكُ وَلَا بَيْعَ إِلَّا فِيمَا تَمْلِكُ» 15.
قالوا: فهذه الأحاديث وغيرها تدل على أن بيع الفضولي باطل لأنه تصرف بلا ملك ولا إذن ولا ولاية ولا وكالة، ولأنه أيضاً باع ما لا يقدر على تسليمه فلم يصح.
والصحيح عندي أنه إن أذن له المالك ورضي وأجاز له التصرف صح البيع وإلا فلا.
وقوله «فِيْهِ نَفْعٌ»: هذا هو الشرط الثاني من شروط البيع؛ فلا بد أن يكون في المبيع نفع، فإن كان ليس فيه نفع كالحشرات والذباب والنمل وغير ذلك فلا يصح بيعها، والعلة في ذلك أنه ليس فيها نفع فبذل المال فيها إضاعة له، وقد نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن إضاعة المال.
وقوله «فِيْهِ نَفْعٌ مُبَاحٌ»: هذا هو القيد الثالث في البيع؛ فلا بد أن يكون مباحاً، فغير المباح كآلات اللهو والطرب وآلات المعازف وكذا الدخان والخمر وغير ذلك لا يجوز بيعها لأن منفعتها محرمة.
=
الجزء: 4 - الصفحة: 10
إِلاَّ الْكَلْبَ فَإِنَّهُ لا يَجُوْزُ بَيْعُهُ (1) = ويدخل في ذلك المخدرات، والجراك، والصور المحرمة، وغير ذلك مما نفعه محرم.
(1)
قوله «إِلاَّ الْكَلْبَ فَإِنَّهُ لا يَجُوْزُ بَيْعُهُ»:
هذا استثناء لما سبق فالكلب فيه نفع لكن لا يجوز بيعه لنهي النبي - صلى الله عليه وسلم - عن ثمن الكلب فقد روى البخاري عن أَبِي جُحَيْفَةَ قَالَ رَأَيْتُ أَبِي فَقَالَ: «إِنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - نَهَى عَنْ ثَمَنِ الدَّمِ وَثَمَنِ الْكَلْبِ وَآكِلِ الرِّبَا وَمُوكِلِهِ وَالْوَاشِمَةِ وَالْمُسْتَوْشِمَةِ» 16.
وعَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الأَنْصَارِيِّ -رضي الله عنه- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - «نَهَى عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ وَمَهْرِ الْبَغِيِّ وَحُلْوَانِ الْكَاهِنِ» 17.
فإن كان الكلب معلماً ككلب الصيد والكلاب البوليسية التي تستخدم في الكشف عن المجرمين فهل يصح بيعه.
نقول: ذهب جمهور الفقهاء 18 إلى أنه لا يجوز بيعه مطلقاً معلماً كان أو غير معلم لأن الأحاديث لم تخصص كلباً عن كلب.
وذهب بعض المالكية 19 إلى التفريق فالكلب المأذون باتخاذه ككلب الصيد والماشية والحرث فهذه مأذون في اتخاذها فيجوز بيعها.
أما الحنفية 20 فقد أجازوا بيع الكلب مطلقاً حتى العقور يجوز بيعه عندهم إلا في رواية عن أبي حنيفة رواها عنه أبو يوسف أنه لا يجوز بيع الكلب العقور.
الجزء: 4 - الصفحة: 11
وَلا يَجِبُ غُرُمُهُ عَلَى مُتْلِفِهِ (1)،
=وقال بعض أهل العلم (1) يجوز بيع الكلب المعلم ويكون ثمنه من أجل تعليمه.
قلت: وهذا هو الأظهر عندي.
- فائدة: «يجوز أن يتنازل عن الكلب لشخص أو يهبه إليه»: وإن أعطاه إكرامية في مقابل إهداء الكلب له فلا بأس بها ولكن لا يكون بالبيع والشراء.
(1)
قوله «وَلا يَجِبُ غُرُمُهُ عَلَى مُتْلِفِهِ»:
أي لا غرامة على من أتلف كلباً لأنه ليس بمال ولا يملك.
وهنا مسألة لا بد منها وهي: لا يجوز إتلاف المال المحرم إلا لمن يكون في حوزته كمن يكسر معازف لأبنه أو يتلف خمراً أو دخاناً له أو غير ذلك مما هو محرم، وكذلك لا يجوز التعدي على الآخرين بإتلاف أموالهم المحرمة إلا لمن كانت له سلطة كحاكم أو نائبه، أما كون الناس يتلف بعضهم مال بعض لكون هذه الأشياء محرمة فهذا لا يجوز لأنه يحدث فوضى وإلقاء العداوة بين أفراد المجتمعات، وكون بعض الناس يقوم بتكسير محلات فيديو مثلاً أو محلات تبيع مجلات ينشر فيها الفساد أو يقوم بتكسير محلات تبيع الخمر وغير ذلك فهذا لا يجوز لأنه ليس موكولاً لأشخاص وإنما هو موكل إلى الحاكم أو السلطة النائبة عنه كهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
لكن ينبغي النصح لهم مراعياً في ذلك الرفق واللين والدعوة بالتي هي أحسن وغير ذلك من الوسائل التي ترقق قلوبهم لقبول الحق.21
الجزء: 4 - الصفحة: 12
لأَنَّ رَسُوْلَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - نَهَى عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ، وَقَالَ: «مَنِ اقْتَنَى كَلْباً إِلاَّ كَلْبَ مَاشِيَةٍ أَوْ صَيْدٍ، نَقَصَ مِنْ عَمَلِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيْرَاطَانِ» (1)، وَلا يَجُوْزُ بَيْعُ مَا لَيْسَ بِمَمْلُوْكٍ لِبَائِعِهِ، إِلاَّ بِإِذْنِ مَالِكِهِ (2)، (1)
قوله «لأَنَّ رَسُوْلَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - نَهَى عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ، وَقَالَ: «مَنِ اقْتَنَى كَلْباً إِلاَّ كَلْبَ مَاشِيَةٍ أَوْ صَيْدٍ، نَقَصَ مِنْ عَمَلِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيْرَاطَانِ»:
كما في الأحاديث المتقدمة، فإن باعه فالبيع باطل ويجب عليه رد المال لصاحبه.
(2)
قوله «وَلا يَجُوْزُ بَيْعُ مَا لَيْسَ بِمَمْلُوْكٍ لِبَائِعِهِ، إِلاَّ بِإِذْنِ مَالِكِهِ»:
هذا هو الشرط الثاني في البيع فلا بد أن يكون المبيع مملوكاً للبائع لحديث حكيم بن حزام المتقدم.
وقوله «إلا بإذن مالكه» قد تقدم الكلام على بيع الفضولي وقلنا بأن الصحيح أنه إذا أجازه المالك صح البيع كما في حديث عروة بن الجعد البارقي -رضي الله عنه- المتقدم حيث أجاز النبي - صلى الله عليه وسلم - تصرف عروة حين اشترى له شاتين بدرهم فباع أحدهما بدينار فجاء بدينار وشاة.
ذكر بعض الفوائد
المتعلقة بشرط ملكية المبيع:
- الفائدة الأولى: يدخل في ذلك ما يكون في العقود الآجلة بأنواعها التي تجري في الأسواق المالية على المكشوف فتباع فيها السلع والأسهم، وهي ليست في ملك البائع اعتماداً على أنه سيشتريها فيما بعد ويسلمها للمشتري.
- الفائدة الثانية: ومن ذلك أيضاً ما تفعله بعض البنوك الربوية وبعض الشركات التي تبيع بالتقسيط، حيث تقوم بإجراء العقد مع المشتري ببيعه سلعة معينة وهي لم تملكها بعد، ثم تقوم بشرائها وتسليمها له.
- الفائدة الثالثة: الوعد بالشراء كشراء سلعة لم تكن موجودة عند البائع فتقوم الشركة أو المصرف أو شخص من الأشخاص بشراء هذه السلعة وقبضها ثم=
الجزء: 4 - الصفحة: 13
أَوْ وِلايَةٍ عَلَيِهِ (1)، وَلا بَيْعُ مَا لا نَفْعَ فِيْهِ كَالْحَشَرَاتِ (2)، =يجري العقد بعد الشراء والقبض فهذا لا حرج فيه، وإن اشترط البائع أخذ عربون إلى وقت الشراء لكي لا يخلف المشتري وعده بعد شراء البائع للسلعة فلا بأس بذلك وسيأتي إن شاء الله حكم بيع العربون.
(1)
قوله «أَوْ وِلايَةٍ عَلَيِهِ»:
من يقوم مقام المالك أربعة أصناف وهم الوكيل والوصي والولي والناظر فهؤلاء هم الذين يقومون مقام المالك وهل بينهم فرق؟ نقول نعم، فالوكيل من أذن له بالتصرف في حال الحياة، والوصي من أذن له بالتصرف بعد الموت، والولي من يتصرف لغيره بإذن الشارع، والناظر من جعل على الوقف.
وقوله «أَوْ وِلايَةٍ عَلَيِهِ» كالولاية على اليتيم أو السفيه أو امرأة فهذا يجوز أن يتصرف في مال هؤلاء بالبيع والشراء مع مراعاة العمل بالأحظ لهم في البيع والشراء.
- فائدة: هل يجوز للولي أن يبيع من مال هؤلاء لنفسه؟ قال بعض الفقهاء في هذه المسألة: أنه إن كان متهماً فلا يجوز وإلا جاز له ذلك، وهذه إحدى المسائل التي يتولى فيها الشخص نفسه طرفي العقد، فله «الإيجاب والقبول» في الولاية في البيع، وهكذا ولي اليتيمين في نكاحهما، والأحوط عندي ألا يبيع لنفسه مطلقاً سواءً كان متهماً أو غير متهمٍ.
(2)
قوله «وَلا بَيْعُ مَا لا نَفْعَ فِيْهِ كَالْحَشَرَاتِ»:
هذا هو الشرط الثالث؛ فلابد أن يكون المبيع فيه منفعة، فلا يجوز بيع ما ليس فيه نفع كالحشرات وغيرها لأن العوض فيها إضاعة للمال في غير وجهه وقد نهى الله تعالى عن الإسراف والتبذير ونهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن إضاعة المال وقد تقدم ذلك، فإذا كان بها نفع كالنحل ودودة القز وغيرها صح البيع.
الجزء: 4 - الصفحة: 14
وَلا مَا نَفْعُهُ مُحَرَّمٌ، كَالْخَمْرِ وَالْمَيْتَةِ (1)، (1)
قوله «وَلا مَا نَفْعُهُ مُحَرَّمٌ، كَالْخَمْرِ وَالْمَيْتَةِ»:
هذا هو الشرط الرابع أي ولا يجوز بيع ما نفعه محرم كالخمر والميتة، بإجماع أهل العلم.
ويدخل في ذلك أيضاً ما يحرم استعماله أو اقتناؤه أو سماعه كآلات اللهو المحرم، والدخان، والشيشة، والشطرنج، والكتب التي تنشر الكفر والبدعة، أو تنشر أفكاراً معادية للإسلام وحكم الله ورسوله، أو تنشر صوراً محرمة كصور النساء، دليل ذلك ما رواه البخاري ومسلم عن جابر -رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول عام الفتح وهو بمكة «إِنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ حَرَّمَ بَيْعَ الْخَمْرِ وَالْمَيْتَةِ وَالْخِنْزِيرِ وَالأَصْنَامِ» (1).
ذكر بعض الفوائد
:
الفائدة الأولى: هل يجوز الانتفاع بشيء من الميتة؟
نقول: نعم يجوز الانتفاع بجلدها بعد الدبغ وكذا شحمها وصوفها، دليل ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم - لميمونة رضي الله عنها «لَوِ انْتَفَعَتْ بِإِهَابِهَا» 23، وعن جابر ابن عبد الله رضي الله عنهما أنه سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول عام الفتح وهو بمكة «إِنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ حَرَّمَ بَيْعَ الْخَمْرِ وَالْمَيْتَةِ وَالْخِنْزِيرِ وَالْأَصْنَامِ فَقِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ شُحُومَ الْمَيْتَةِ فَإِنَّهَا يُطْلَى بِهَا السُّفُنُ وَيُدْهَنُ بِهَا الْجُلُودُ وَيَسْتَصْبِحُ بِهَا النَّاسُ فَقَالَ لا هُوَ حَرَامٌ» 24، والنهي هنا عن البيع لا الانتفاع، لكن =22
الجزء: 4 - الصفحة: 15
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = لا يجوز بيع شيء منها إلا الجلد إن كانت الميتة مما يذكى فيجوز بيعه بعد الدبغ.
- الفائدة الثانية: هل يستثنى من الميتات شيء يجوز بيعه؟ نعم هناك ما يستثنى بيعه من الميتات كميتة السمك والجراد فيجوز بيعه لما جاء عن عبد الله بن عمر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «أُحِلَّتْ لَنَا مَيْتَتَانِ وَدَمَانِ، فَأَمَّا الْمَيْتَتَانِ: فَالْجَرَادُ وَالْحُوْتُ، وَأَمَّا الدَّمَانِ: فَالطِّحَالُ وَالْكَبِدُ» 25.
- الفائدة الثالثة: هل يجوز بيع الميتة بعد تحنيطها؟
نقول الميتة نوعان:
الأول: ميتة الحيوان الذي يجوز تذكيته: كالإبل والبقر والغنم والطير كالحمام والعصفور، وكذا الدجاج والبط والأرانب.
فهذه يجوز تذكيتها حال الحياة فإذا حنطت بدون تذكية كأن تضرب بإبرة مثلاً ثم تموت فهذه لا يجوز بيعها لأنها تأخذ حكم الميتة التي لا يجوز بيعها.
وإن ذكيت بالسكين ذكاة شرعية فينظر هل فيها فائدة من بيعها أم لا؟ فإن كانت فيها فائدة فلا بأس ببيعها وشراءها، وإلا فلا.
الثاني: الحيوان الذي لا يجوز تزكيته كالحمار والبغل، وما لا يجوز أكله من الطيور والسباع، فهذا لا يجوز بيعه مطلقاً، ولا بيع شيء من أجزاءه سواء حنط أم لم يحنط.
الجزء: 4 - الصفحة: 16
وَلا بَيْعُ مَعْدُوْمٍ، كَالَّذِيْ تَحْمِلُ أَمَتُهُ أَوْ شَجَرَتُهُ (1)، وَلا مَجْهُوْلٍ، كَالْحَمْلِ (2)، وَالْغَائِبِ الَّذِيْ لَمْ يُوْصَفْ، وَلَمْ تَتَقَدَّمْ رُؤْيَتُهُ (3)، (1)
قوله «وَلا بَيْعُ مَعْدُوْمٍ، كَالَّذِيْ تَحْمِلُ أَمَتُهُ أَوْ شَجَرَتُهُ»:
هذا هو الشرط الخامس وهو اشتراط العلم بالمبيع، فلا يجوز بيع المعدوم لما فيه من الغرر الظاهر ولأن فيه أيضاً جهالة وعدم القدرة على تسليمه فهو غير مضمون، ولذا جاءت الشريعة بالنهي عن بيع المعدومات لهذه الأسباب المذكورة.
(2)
قوله «وَلا مَجْهُوْلٍ، كَالْحَمْلِ»:
أي لا يجوز بيع المجهول كالحمل في البطن لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن الغرر، وهذا غرر فإن الحمل قد يكون واحداً أو أكثر أو قد يكون ذكراً أو أنثى، وقد يخرج حياً أو يخرج ميتاً فالجهالة فيه كثيرة.
ومن الأدلة أيضاً ما رواه البخاري ومسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي - صلى الله عليه وسلم - «نَهَى عَنْ بَيْعِ حَبَلِ الْحَبَلَةِ .. » (1)، وروى أحمد وغيره أيضاً عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - عَنْ شِرَاءِ مَا فِي بُطُونِ الْأَنْعَامِ حَتَّى تَضَعَ» (2).
(3)
قوله «وَالْغَائِبِ الَّذِيْ لَمْ يُوْصَفْ، وَلَمْ تَتَقَدَّمْ رُؤْيَتُهُ»:
أي لا يجوز بيع الغائب الذي لم تعلم صفته فلا بد أن يكون المبيع معلوماً برؤية أو صفة عند البائع والمشتري لنهي النبي - صلى الله عليه وسلم - «عَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ» 28، والمجهول صفته أو رؤيته بيعه فيه غرر بلا شك.2627
الجزء: 4 - الصفحة: 17
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ذكر بعض الفوائد
:
-
الفائدة الأولى: لا يشترط الرؤية لجميع المبيع إذا كانت رؤية بعضه دالة على الجميع كمن يشتري كومة بر أو تمر مثلاً لا يشترط رؤية كل حبة بعينها لكن يكفي رؤية البعض.
الفائدة الثانية: متى تكون الرؤية؟
تكون الرؤية حين العقد أي لا بد أن يراه حين العقد أو يراه قبل العقد بزمن لا يتغير فيه المبيع تغيراً ظاهراً بعد الرؤية.
- الفائدة الثالثة: لماذا جاءت الشريعة بالنهي عن بيع الغرر؟ نقول لما يحصل بسببه من العداوة والبغضاء والكراهية بين الناس فالمغلوب منهما سوف يكره الغالب بلا شك فلذلك نهى عن بيع الغرر.
- الفائدة الرابعة: في قول المؤلف «والغائب الذي لم يوصف»:
كمن قال أبيع لك أرضي التي في الرياض بغير وصف ولا رؤية فهذا لا يجوز إلا أن يوصف وصفاً محققاً أو يكون قد رآه من قبل.
وقال بعض أهل العلم يجوز بيع الغائب ولو لم تتقدم رؤيته ويكون المشتري مخيراً بين القبول ورفض البيع. - الفائدة الخامسة: طريقة العلم بالوصف والموصوف تنقسم إلى قسمين:
الأول: أن يكون معيناً كأن يقول البائع بعتك سيارتي الفلانية التي صفتها كذا وكذا.
الثاني: أن يكون في الذمة كأن يقول البائع بعتك سيارة صفتها كذا وكذا فالسيارة هنا غير معينة وكلا القسمين صحيح.
الجزء: 4 - الصفحة: 18
وَلا مَعْجُوْزٍ عَنْ تَسْلِيْمِهِ (1)، (1)
قوله «وَلا مَعْجُوْزٍ عَنْ تَسْلِيْمِهِ»:
هذا هو الشرط السادس من شروط البيع
وهو القدرة على التسليم، أي يشترط أن يكون المبيع والمثمن مقدوراً على تسليمه وسبب النهي عن ذلك لأمور منها:
أن بيع ما لا يقدر على تسليمه من الميسر ووجه ذلك أن بيع ما لا يقدر على تسليمه سيكون بأقل من ثمن ما قدر على تسليمه لأن المشتري يخاطر فقد يحصل عليه وقد لا يحصل عليه وهو بذلك إما أن يكون غانماً أو غارماً، وهذا هو الميسر الذي جاءت نصوص الشريعة بالنهي عنه قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ ... ﴾ 29.
ومن الأدلة أيضاً قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ 30، وجه الدلالة منها أن بيع ما لا يقدر على تسليمه يكون الغالب فيه عدم الرضا، والرضا شرط من شروط البيع كما قال تعالى: ﴿إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾.
ومن الأدلة أيضاً ما رواه مسلم عن أبى هريرة -رضي الله عنه- قال «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - عَنْ بَيْعِ الْحَصَاةِ وَعَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ» 31، ووجه كونه غرراً أن المعجوز عن تسليمه لا بد أن ينقص ثمنه، فقد يبيع ما يساوي مائة بخمسين ومع ذلك قد لا يستطيع المشتري الحصول على المبيع وبالتالي يحصل فيه غرر أو قد يبذل المشتري الثمن ولا يستفيد.
الجزء: 4 - الصفحة: 19
كَالآبِقِ، وَالشَّارِدِ، وَالطَّيْرِ فِي الْهَوَاءِ، وَالسَّمَكِ فِي الْمَاءِ (1)، (1)
قوله «كَالآبِقِ، وَالشَّارِدِ، وَالطَّيْرِ فِي الْهَوَاءِ، وَالسَّمَكِ فِي الْمَاءِ»:
قوله «كَالآبِقِ»: الآبق هو العبد الهارب من سيده، فلا يصح بيعه علم بخبره أو لم يعلم لأن العثور عليه صعب، بل قد يعلم مكانه ولا يستطيع أن يسلمه للمشتري لا سيما مع ضعف سلطانه وعدم استتباب الأمن وعدم الضبط، ونظراً لحصول هذا الغرر على المشتري نهى عنه.
قوله «وَالشَّارِدِ»: وهو الجمل الهارب فلا يصح بيعه لحصول الغرر.
- فائدة: إذا كان المشتري قادراً على رد المبيع
فإن البيع يكون صحيحاً وذلك لزوال الغرر، فإذا كان هذا الرجل يعلم مكان العبد الآبق وهو قادر على أخذه أو يعلم مكان هذا الجمل الشارد ويعلم طريقة يستطيع من خلالها الإمساك به بكل سهولة صح البيع، ولكن يبقى هنا أنه لا يجوز للمشتري أن يوهم البائع أنه لا يقدر على العثور على العبد الآبق أو لا يقدر على الإمساك بالجمل الشارد وذلك لما يحصل فيه من الضرر، فإنه إن أخفى عليه ذلك فإنه بلا شك سيبيعه بثمن أقل من ثمنه الأصلي بكثير وإلا لو علم البائع بقدرة المشتري لرفع سعره.
قوله «وَالطَّيْرِ فِي الْهَوَاءِ»: كالحمام مثلاً لا يجوز بيعه وهو في السماء يطير وذلك لحصول الغرر إلا إذا ألف الرجوع إلى مكانه الذي يبيت فيه، فإن باعه على أنه يرجع فللمشتري الفسخ لو لم يرجع، فإن حضر إلى مكانه ألزم البائع بتسليمه إلى المشتري لأن البيع وقع صحيحاً.
قوله «وَالسَّمَكِ فِي الْمَاءِ»: أي ولا يصح بيع السمك في الماء وإن كان مرئياً وذلك لأنه لا يقدر على تسليمه، فإن كان مرئياً يسهل أخذه جاز بيعه كأن يكون حوض في بستانه ويستطيع إخراجه منه بكل سهولة ويستطيع أن يسلمه للمشتري.
الجزء: 4 - الصفحة: 20
وَلا بَيْعُ الْمَغْصُوبِ، إِلاَّ لِغَاصِبِهِ، أَوْ مَنْ يَقْدِرُ عَلَى أَخْذِهِ مِنْهُ (1)، وَلا بَيْعُ غَيْرِ مُعَيَّنٍ (2)، كَعَبْدٍ مِنْ عَبِيْدٍ (3)، أَوْ شَاةٍ مِنْ قَطِيْعٍ (4) إِلاَّ فِيْمَا تَتَسَاوَى أَجْزَاؤُهُ، كَقَفِيْزٍ مِنْ صُبْرَةٍ (5)، (1)
قوله «وَلا بَيْعُ الْمَغْصُوبِ، إِلاَّ لِغَاصِبِهِ، أَوْ مَنْ يَقْدِرُ عَلَى أَخْذِهِ مِنْهُ»:
المغصوب: هو ما أخذ من مالكه قهراً فلا يجوز بيعه إلا لواحد من اثنين الغاصب لكن بشرط الرضا من قبل صاحبه، فيقول المالك للغاصب اشتري مني ما غصبتني فاشتراه فهذا يصح لأن العلة وهي القدرة على التسليم موجودة لكن بشرط أن لا يمنعه إياه بدون البيع، فإن منعه الغاصب إياه إلا بالبيع فالبيع غير صحيح لأنه بغير رضا ومن شروط البيع الرضا.
وقوله «أَوْ مَنْ يَقْدِرُ عَلَى أَخْذِهِ مِنْهُ»: هذا هو القسم الثاني ممن يصح بيع المغصوب له كأن يبيع المالك المغصوب إلى أحد أقارب الغاصب كأبيه أو عمه فهذا البيع يجوز لإمكان القدرة على التسليم.
(2)
قوله «وَلا بَيْعُ غَيْرِ مُعَيَّنٍ»:
هذا هو الشرط السابع فلا بد من تعيين المبيع وذلك حتى ينتفي الغرر مثال ذلك ما ذكره المؤلف بقوله: (3)
قوله «كَعَبْدٍ مِنْ عَبِيْدٍ»:
وذلك لعدم التعيين فلو قال بعتك عبداً من عبيدي لا يصح البيع للجهالة.
(4)
قوله «أَوْ شَاةٍ مِنْ قَطِيْعٍ»:
أي ولا يصح أن يقول بعتك شاة من قطيعي بلا تعيين وذلك لحصول الغرر والجهالة في البيع ولاشتراط تعيين المبيع حال البيع, إلا أن يقول له بعتك شاة واختر ما شئت من قطيعي فإنه يجوز.
(5)
قوله «إِلاَّ فِيْمَا تَتَسَاوَى أَجْزَاؤُهُ، كَقَفِيْزٍ مِنْ صُبْرَةٍ»:
القفيز: بفتح القاف وكسر الفاء جمعها أقفزة، وقفزان، وهو مكيال كان يكال به قديماً يختلف =
الجزء: 4 - الصفحة: 21
وَنَهَى رَسُوْلُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - عَنِ الْمُلامَسَةِ (1)،
= قدره باختلاف البلدان، قدَّره بعضهم بستة وعشرين ومائة وسبعة عشر مكثف (117/ 26) وهي اثنا عشر صاعاً، وقدرها بعضهم بسبعة وعشرين ومائة وسبعة عشر (117/ 27) وهو اثنا عشر صاعاً، وقيل (27) كيلو جرام.
وهذا هو الراجح عندي لأن الصاع كما يقدره بـ «كيلوين وربع» إذا ضربناها في اثني عشر تكون النتيجة سبعاً وعشرين، وهذا القفيز هو ما يتعامل به الناس الآن.
أما الصُبْرة: فهي بضم الصاد وسكون الباء، وهي الكومة من الطعام كتمر، وبر، وشعير، سميت بذلك لإفراغ بعضها على بعض يقال: «صَبَرْت المتاع وغيره»، إذا جمعته وضممت بعضه إلى بعض.
ومعنى كلام المؤلف «إِلاَّ فِيْمَا تَتَسَاوَى أَجْزَاؤُهُ، كَقَفِيْزٍ مِنْ صُبْرَةٍ»: أي لا يصح بيع الصبرة من الطعام إلا قفيزاً، فيجوز بيع قفيز من صبرة من البر أو الشعير أو التمر وغيره بشرط أن تكون الصبرة أكثر من القفيز، وأن تكون أجزاؤها متساوية.
(1)
قوله «وَنَهَى رَسُوْلُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - عَنِ الْمُلامَسَةِ»
الجزء: 4 - الصفحة: 22
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= عَنْ الْمُلَامَسَةِ وَالْمُنَابَذَةِ فِي الْبَيْعِ» 34.
والملامسة: لمس الرجل ثوب الأخر بيده بالليل أو النهار ولا يقبله إلا بذلك، والمنابذة: أن ينبذ الرجل إلى الرجل الثوب وينبذ الأخر إليه ثوبه ويكون بذلك بيعهما من غير نظرٍ ولا تراضٍ.
فالملامسة إذاً: هي بيع الشيء بدون علم ولا مشاهدة، فيقول متي لمست هذا فهو بكذا أو متي لمسته أنت فهو عليك بكذا.
وجاء في صحيح مسلم في تفسير الملامسة والمنابذة، قال «أَمَّا الْمُلَامَسَةُ فَأَنْ يَلْمِسَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ثَوْبَ صَاحِبِهِ» 35 بغير تأمل، والمنابذة أن ينبذ كل واحد منهما ثوبه ولم ينظر كل واحدٍ منهما إلى ثوب صاحبه، وهذا البيع فاسد عند عامة الفقهاء، قال ابن قدامه 36 في المغني: لا نعلم فيه خلافاً.
قلت: ووجه كونه فاسداً لما يترتب عليه من:
1 - الجهالة وذلك لعدم الرؤية مع لزوم البيع والاكتفاء باللمس عن الرؤية.
2 - كونه معلقاً على شرط فاسد حيث علقه على شرط اللمس للثوب وهو فاسد لحصول الجهالة والغرر.
3 - أنه يلزم منه إبطال خيار المجلس الذي قال عنه - صلى الله عليه وسلم - «الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا» 37.
الجزء: 4 - الصفحة: 23
وَهِيَ: أَنْ يَقُوْلَ: أَيُّ ثَوْبٍ لَمَسْتَهُ، فَهُوَ لَكَ بِكَذا (1) وعَنِ الْمُنَابَذَةِ، وَهِيَ: أَنْ يَقُوْلَ: أَيُّ ثَوْبٍ نَبَذْتَهُ إِلَيَّ، فَهُوَ عَلَيَّ بِكَذَا (2) 4 - أنه مشتمل على معنى القمار.
- فائدة: قلت لو باعه قبل التأمل فيه بشرط الخيار كأن يشترط عليه أن ينظر فيه بعد ذلك فإن أعجبه أمسكه وإلا رده كان ذلك جائزاً وهذا ما ذهب إليه المالكية (1).
(1)
قوله «وَهِيَ: أَنْ يَقُوْلَ: أَيُّ ثَوْبٍ لَمَسْتَهُ، فَهُوَ لَكَ بِكَذا»:
قد سبق بيان ذلك وتعريف الملامسة.
(2)
قوله «وعَنِ الْمُنَابَذَةِ، وَهِيَ: أَنْ يَقُوْلَ: أَيُّ ثَوْبٍ نَبَذْتَهُ إِلَيَّ، فَهُوَ عَلَيَّ بِكَذَا»:
المنابذة هي أيضاً من بيوع الجاهلية وقد ثبت النهي عنها كما سبق في تعريف الملامسة.
والنبذ: هو الطرح، وصورة هذه المسالة كما ذكرها المؤلف، هو أن يقول المشتري للبائع: أي ثوب تنبذته علىَّ فهو بعشرة ريالات مثلاً، فالذي يختاره البائع في هذه الحال أقل ما يمكن، فيكون مجهولاً وربما ينبذ إليه ثوباً يساوي مائة وهو في الحقيقة يساوي الخمسين، فهذا النوع من البيوع محرم باتفاق الفقهاء:
قال ابن قدامة 39 لا نعلم فيه خلافاً، والعلة في تحريمه خاص وعام:
أما الخاص فهو حديث أبي سعيد الخدري المتقدم، وكذا حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- وفيه: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- نَهَى عَنِ الْمُلامَسَةِ وَالْمُنَابَذَةِ» 40.38
الجزء: 4 - الصفحة: 24
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وأما العام فهو من وجوه:
1 - أن هذا البيع فيه غرر وقد نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - «عَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ» (1).
2 - الجهالة المترتبة على هذا البيع.
3 - تعليق التمليك بالخطر حيث أنه يقول له: إذا نبذت إليك الثوب فقد اشتريته، والتمليكات لا تحتمله لأنه يؤدي إلى معنى القمار.
ذكر بعض الفوائد
:
- الفائدة الأولى: ما يباع في الدكاكين التي تبيع كل شيء بخمسة ريالات أو كل شيء بعشرة أو بريالين هل هذا من نوع بيع المنابذة؟
نقول: لا لأنه لا يشتري إلا وقد علم ما أراد فيقول أخذت الحقيبة أخذت القلم أخذت الساعة وهكذا، إذاً فالبيع صحيح من وجوه: -
1 - أن البائع يعلم ثمن بضاعته.
2 - أن المشتري يختار لنفسه.
3 - أن البضاعة معلومة وبائنة. - الفائدة الثانية: لو أتى إنسان بكرتون فيه ثياب وطواقي وعبايات ونعال كلها مخلوطة فقال بعت عليك هذا الكرتون كل فرد منها بريال: فلا يصح لأنه مجهول، لكن لو قال: فيه عشر من النعال، وعشر من الطواقي، وعشر من الثياب، وعشر من العبايات وكل واحد بكذا يصح، لأنه معلوم لكنه يحتاج إلى حساب، أما إذا كان لا يعلم قدر كل شيء فهذا لا يصح.
- الفائدة الثالثة: البوفيهات المفتوحة كل شخص يأكل على قدره ولكن صاحب المطعم يعلم مقدار ما سيأكله بالتقريب لكل شخص، ووضع سعر=41
الجزء: 4 - الصفحة: 25
وَعَنِ بَيْعِ الْحَصَاةِ، وَهُوَ: أَنْ يَقُوْلَ: ارْمِ الْحَصَاةَ، فَأَيُّ ثَوْبٍ وَقَعَتْ عَلَيْهِ، فَهُوَ لَكَ بِكَذَا، أَوْ بِعْتُكَ مَا تَبْلُغُ هَذِهِ الْحَصَاةُ مِنْ هَذِهِ الأَرْضِ، إِذَا رَمَيْتَهَا بِكَذَا (1)، =الوجبة لذلك فهذا لا حرج فيه مع أن الغرر فيه موجود لكنه يغتفر.
(1)
قوله «وَعَنِ بَيْعِ الْحَصَاةِ، وَهُوَ: أَنْ يَقُوْلَ: ارْمِ الْحَصَاةَ، فَأَيُّ ثَوْبٍ وَقَعَتْ عَلَيْهِ، فَهُوَ لَكَ بِكَذَا، أَوْ بِعْتُكَ مَا تَبْلُغُ هَذِهِ الْحَصَاةُ مِنْ هَذِهِ الأَرْضِ، إِذَا رَمَيْتَهَا بِكَذَا»: بيع الحصاة: هو بيع كان معروفاً في الجاهلية، وقد جاءت أيضاً نصوص الشريعة بالنهي عنه.
فقد جاء في صحيح مسلم عن أبي هريرة -رضي الله عنه- «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- وَسَلَّمَ عَنْ بَيْعِ الْحَصَاةِ وَعَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ» 42.
وقد عرفه المؤلف بقوله: «وهو أن يقول البائع أو المشتري» أي ثوب وقعت عليه الحصاة فهو بكذا ثم يرمي الحصاة.
وفسره بعضهم: بأنه يرمي الحصاة على الأرض ويقول متى وصلت هذه الحصاة فثمن الأرض كذا ثم يرمي بها، أو يقول البائع للمشتري بعتك هذه الأرض من محل وقوفي أو وقوف فلان أو إلى ما انتهى إليه رمية هذه الحصاة بكذا، وهذا النوع من البيوع محرم ومقتضى التحريم فساد البيع إذا تم عقده وذلك لأمور:
1 - ورود النهي عنه كما في الأحاديث المتقدمة.
2 - حصول الغرر وقد نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عنه.
3 - الجهالة حيث يجهل مقدار المبيع لاختلاف الرمي فقد يقطع مسافة كبيرة فيتضرر البائع أو العكس.
الجزء: 4 - الصفحة: 26
وَعَنْ بَيْعِ الرَّجُلِ عَلَى بَيْعِ أَخِيْهِ (1) - فائدة: إن قال البائع أو المشتري سأرمي بالحصاة: فمتى وقعت الحصاة على الأرض سأبيع أو سأشتري بالمتر والمتر بكذا فهذا جائز.
(1)
قوله «وَعَنْ بَيْعِ الرَّجُلِ عَلَى بَيْعِ أَخِيْهِ»:
صورة هذا البيع
كأن يقول لشخص «اشترى سلعة بعشرة»، يقول «أنا أعطيك مثلها بتسعة أو بسبعة»، أو يقول «أنا أعطيك أحسن منها بنفس السعر»، فهذا البيع محرم ولا يصح.
وكذلك لا يجوز شراؤه على شرائه، كأن يقول لمن باع سلعة بتسعة «أنا أشتريها منك بعشرة»، فهذا محرم أيضاً ولا يصح لأن الشراء في معنى البيع، دليل ذلك ما رواه البخاري ومسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ» 43.
وفي لفظ آخر: «لا يَبِعِ الرَّجُلُ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ وَلا يَخْطُبْ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ إِلاَّ أَنْ يَأْذَنَ لَهُ» 44، وفي لفظ «لا يَبِيعُ الرَّجُلُ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ حَتَّى يَبْتَاعَ أَوْ يَذَرَ» 45.
وحكم هذا النوع كما ذكرنا محرم ولا يصح، بل هو باطل لأنه منهي عنه لما فيه من الإضرار بالمسلم والإفساد عليه، والنهي يقتضي الفساد.
وذهب الشافعية 46 إلى أن هذا البيع محرم ولا يبطل البيع، بل هو صحيح لرجوع النهي عن معنى خارج عن الذات وعن لازمها إذ لم يفقد ركناً ولا شرطاً، لكن النهي لمعنى اقترن به وهو خارج غير لازم، وهو الإيذاء هنا.
الجزء: 4 - الصفحة: 27
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
=وذهب الحنابلة (1) إلى أن هذا البيع لا يصح لأن المحرم عَرّض السلعة على المشتري أو قوله الذي فسخ البيع من أجله وذلك سابق على البيع، ولأنه إذا صح الفسخ الذي حصل به الضرر فالبيع المحصل للمصلحة أولى، ولأن النهي لحق آدمي فأشبه بيع النجش، ولأن النهي عن الشيء بعينه يقتضي الفساد، فلو صححناه لكان في ذلك مضادة لحكم الله ورسوله، ولأن القول بصحة هذا البيع يحدث العداوة والبغضاء بين الناس وكل ما أوجب العداوة والبغضاء بين المسلمين فإنه يحرم.
وهذا هو الراجح عندي، لكن لا يكون ذلك إلا بشروط:
1 - أن يكون البيع على البيع قبل لزوم البيع وذلك لبقاء خيار المجلس أو الشرط، وكذا بعد اللزوم في زمن خيار العيب، إذا اطلع المشتري على العيب فله الفسخ.
2 - أن يكون البيع على البيع بغير إذنه له، فإن أذن البائع الأول للذي باع على بيع أخيه جاز للحديث المتقدم.
فائدة: في حكم سوم الرجل على أخيه
؟ يحرم سوم الرجل على أخيه لما رواه البخاري عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - عَنْ التَّلَقِّي وَأَنْ يَبْتَاعَ الْمُهَاجِرُ لِلْأَعْرَابِيِّ وَأَنْ تَشْتَرِطَ الْمَرْأَةُ طَلَاقَ أُخْتِهَا وَأَنْ يَسْتَامَ الرَّجُلُ عَلَى سَوْمِ أَخِيهِ .. » 48. صورة هذه المسألة: أن يتساوم رجلان في سلعة فيطلب البائع لسلعته ثمناً =47
الجزء: 4 - الصفحة: 28
وَعَنْ بَيْعِ حَاضِرٍ لِبَادٍ، وَهُوَ: أَنْ يَكُوْنَ لَهُ سِمْسَارًا (1)
=ويرضى المشتري بذلك الثمن فيأتي مشتر آخر، ويدخل على سوم الأول فيشتريه بزيادة أو بذلك الثمن نفسه، لكنه رجل وجيه فيبعه عليه البائع لوجاهته، وهذا النوع له صور:
الأولى: أن يوجد من البائع تصريح بالرضا بالبيع فهنا يحرم السوم على غير المشتري.
الثانية: أن يظهر منه ما يدل على عدم الرضا فلا يحرم السوم.
الثالثة: أن لا يوجد ما يدل على الرضا أو عدمه فلا يحرم السوم أيضاً.
الرابعة: أن يظهر منه ما يدل على الرضا من غير تصريح، فقال القاضي لا تحرم المساومة، وقال ابن قدامة (1) يحرم.
قلت وهو الأظهر عندي.
(1)
قوله «وَعَنْ بَيْعِ حَاضِرٍ لِبَادٍ، وَهُوَ: أَنْ يَكُوْنَ لَهُ سِمْسَارًا»:
الحاضر: هو من كان من أهل الحضر: وهو ساكن الحاضرة «المدن والقرى والريف»، والبادي ساكن البادية.
قلت: والحكم في هذا لا يكون مختصاً بأهل البادية، بل كل من كان في حكمهم.
فالحكم هنا يشمل كل من كان مقيماً في بادية وكل من يدخل البلدة من غير أهلها سواء كان بدوياً أم كان من قرية أو بلدة أخرى.
وصورة هذا النوع من البيوع: هو أن يتولى الحضري بيع سلعة البدوي بأن يصير الحاضر سمساراً للبادي البائع، فيقول له مثلاً لا تبع أنت أنا أعلم=49
الجزء: 4 - الصفحة: 29
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
=بذلك، فيتوكل له ويبيع ويغالي ولو تركه يبيع بنفسه لرخص على الناس.
وقيل في معناه أيضاً: هو أن يبيع الحضري سلعته من البدوي وذلك طمعاً في الثمن العالي فهو منهي عنه لما فيه من الضرر بأهل البلد.
حكم هذا النوع من البيوع.
هذا النوع من البيوع محرم ودليل تحريمه:
ما رواه البخاري عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «قَالَ لَا تَلَقَّوْا الرُّكْبَانَ وَلَا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ وَلَا تَنَاجَشُوا وَلَا يَبِعْ حَاضِرٌ لِبَادٍ وَلَا تُصَرُّوا الْغَنَمَ» 50.
ما رواه مسلم عن جابر قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «لا يَبِعْ حَاضِرٌ لِبَادٍ دَعُوا النَّاسَ يَرْزُقِ اللَّهُ بَعْضَهُمْ مِنْ بَعْضٍ» 51.
ما رواه مسلم عن أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال «نُهِينَا أَنْ يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ.
وَإِنْ كَانَ أَخَاهُ أَوْ أَبَاهُ» 52. وفي لفظ: «وَإِنْ كَانَ أَخَاهُ لأَبِيهِ وَأُمِّهِ» 53.
وحكم هذا البيع أنه حرام كما ذكرنا سابقاً.
وفي رواية عن الإمام أحمد 54 أن البيع صحيح ولا كراهة فيه وأن النهي اختص بأول الإسلام لما كان عليه الناس من الضيق، قال الإمام أحمد «كان ذلك مرة».
الجزء: 4 - الصفحة: 30
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
=وذهب جمهور الفقهاء 55 إلى أنه محرم لكنه صحيح، فالنهي عنه لا يستلزم الفساد والبطلان لأن النهي لا يرجع إلى ذات البيع لأنه لم يفقد ركنا، ولا إلى لازمه لأنه لم يفقد شرطا، بل هو راجع لأمر خارج غير لازم.
وذهب المالكية 56، وهو المذهب عند الحنابلة 57 إلى أن البيع محرم، وهو أيضاً باطل وفاسد كما نص عليه الخرقي لأنه نهى عنه والنهي يقتضي الفساد.
قلت: والراجح عندي ما ذهب إليه الجمهور.
والعلة في النهي هنا هي كما في الحديث أنه متى ترك البدوي يبيع سلعته اشتراها الناس برخص ويوسع عليهم السعر، فإذا تولى الحاضر بيعها وامتنع من بيعها إلا بسعر البلد ضيق على أهل البلد وهذا هو المشار إليه من حديث النبي - صلى الله عليه وسلم -.
- فائدة: لا يجوز بيع الحاضر للبادي إذا توفرت شروط خمسة:
1 - أن يحضر البادي لبيع سلعته.
2 - أن يريد بيعها بسعر اليوم، فلو كان قصده البيع على التدريج فسأله البادي تفويض ذلك إليه فلا بأس لأنه لم يضر بالناس.
3 - أن يكون البادي جاهلاً بالسعر لأنه إذا علمه لم يزده الحاضر على ما عنده، ولأن النهي لأجل أن يبيع الناس برخص وهذه العلة إنما توجد إذا كانوا جاهلين بالأسعار.
الجزء: 4 - الصفحة: 31
وَعَنِ النَّجْشِ، وَهُوَ: أَنْ يَزِيْدَ فِي السِّلْعَةِ مَنْ لا يُرِيْدُ شِرَاءَهَا (1)
4 - أن يقصد الحاضر البادي ويطلب منه أن يبيع السلعة له.
5 - أن يكون الناس بحاجة للسلعة، فما لا يحتاج إليه الناس إلا نادراً لا يدخل تحت النهي.
(1)
قوله «وَعَنِ النَّجْشِ، وَهُوَ: أَنْ يَزِيْدَ فِي السِّلْعَةِ مَنْ لا يُرِيْدُ شِرَاءَهَا»:
النجش: بسكون الجيم مصدر، وبالفتح اسم مصدر، ومن معانيه اللغوية: الإثارة، يقال نجش الطير: أثاره من مكانه.
أما معناه في الاصطلاح: فقد ذكره المؤلف هو أن يزيد الرجل في سلعة أكثر من ثمنها وليس قصده أن يشتريها، بل ليضر غيره فيوقعه فيه، وهذا يكون فيه غرر للبائع والمشتري، فمن جهة البائع فهو يزيد في السلعة من أجل أن لا تباع فيتضرر البائع، ومن جهة المشتري أنه يغرر به فقد لا تساوي السلعة عشرة وهو يزيدها عليه بعشرين، وحكم النجش أنه حرام دليل ذلك:
ما رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال «لَا تَلَقَّوْا الرُّكْبَانَ وَلَا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ وَلَا تَنَاجَشُوا وَلَا يَبِعْ حَاضِرٌ لِبَادٍ وَلَا تُصَرُّوا الْغَنَمَ وَمَنْ ابْتَاعَهَا فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ بَعْدَ أَنْ يَحْتَلِبَهَا إِنْ رَضِيَهَا أَمْسَكَهَا وَإِنْ سَخِطَهَا رَدَّهَا وَصَاعًا مِنْ تَمْرٍ» 58.
ما جاء عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - «نَهَى عَنْ النَّجْشِ» 59.
فحكم هذا النوع من البيوع التحريم لما فيه من الخديعة بالمسلم.
لكن هل يترتب على الحرمة فساد البيع وبطلانه؟
الجزء: 4 - الصفحة: 32
وَعَنْ بَيْعَتَيْنِ فِيْ بَيْعَةٍ، وَهُوَ أَنْ يَقُوْلَ: بِعْتُكَ هَذَا بِعَشَرَةٍ صِحَاحِ، أَوْ عِشْرِيْنَ مُكَسَّرَةً، أَوْ يَقُوْلَ: بِعْتُكَ هَذَا عَلَى أَنْ تَبِيْعَنِيْ هَذَا، أَوْ تَشْتَرِيْ مِنِّيْ هَذَا 60
=قولان للفقهاء: فالجمهور (1) على أن البيع صحيح لأن النجش فعل الناجش لا العاقد فلم يؤثر في البيع، والنهي حق لآدمي فلم يفسد العقد كتلقي الركبان.
وذهب المالكية 61، وهو المذهب عند الحنابلة 62 إلى أن بيع النجش لا يصح لأنه نهى عنه والنهي يقتضي الفساد.
والصحيح: ما ذهب إليه الجمهور، فيصح البيع مع ثبوت الإثم والحرمة في حق الناجش.
(1)
قوله «وَعَنْ بَيْعَتَيْنِ فِيْ بَيْعَةٍ، وَهُوَ أَنْ يَقُوْلَ: بِعْتُكَ هَذَا بِعَشَرَةٍ صِحَاحِ، أَوْ عِشْرِيْنَ مُكَسَّرَةً، أَوْ يَقُوْلَ: بِعْتُكَ هَذَا عَلَى أَنْ تَبِيْعَنِيْ هَذَا، أَوْ تَشْتَرِيْ مِنِّيْ هَذَا»:
أي ونهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن بيعتين في بيعة.
ثم ذكر المؤلف صورتين من صور بيعتين في بيعة:
الصورة الأولى: قول المؤلف «وهو أن يقول: بِعْتُكَ هَذَا بِعَشَرَةٍ صِحَاحِ، أَوْ عِشْرِيْنَ مُكَسَّرَةً»، هذا
هو المعنى الأول مثاله: أن يقول البائع للمشتري «بعتك هذه السيارة مثلاً بخمسين ألف حاضرة وسبعين ألف مؤجلة» ثم يفترقا ولم يفصلوا في أحدهما يعني هل البيع حال أم مؤجل.
الجزء: 4 - الصفحة: 33
وَقَالَ: لا تَلَقَّوْا السِّلَعَ حَتَّى يُهْبَطَ بِهَا الأَسْوَاقَ (1)
=والصورة الثانية: قوله «أَوْ يَقُوْلَ: بِعْتُكَ هَذَا عَلَى أَنْ تَبِيْعَنِيْ هَذَا، أَوْ تَشْتَرِيْ مِنِّيْ هَذَا»: هذا هو المعنى الثاني لبيعتين في بيعة.
مثاله: أن يقول البائع للمشتري «بعتك سيارتي على أن تبيع لي أرضاً» ثم يفترقا، وقيل أيضاً في معنى بيعتين في بيعة كل بيع يؤدي إلى الوقوع في الربا كبيع العينة الذي هو تحايل على الربا وسيأتي بيانه - إن شاء الله -.
وقيل أيضاً في معناها: هو أن يسلفه ديناراً في عشرة آصع بر بعد سنة، فإذا حل الأجل باع هذا البر الذي في ذمة الفقير عليه بثمن مؤجل.
فالحاصل أن هذا النوع من البيوع منهي عنه.
دليل ذلك ما جاء عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - «أَنَّهُ نَهَى عَنْ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ» (1)، والعقد فيه فاسد على الصحيح من الأقوال.
(1)
قوله «وَقَالَ: لا تَلَقَّوْا السِّلَعَ حَتَّى يُهْبَطَ بِهَا الأَسْوَاقَ»
الجزء: 4 - الصفحة: 34
وَقَالَ: مَنِ اشْتَرَى طَعَامًا، فَلا يَبِعْهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ (1)
= السُّوقَ فَهُوَ بِالْخِيَارِ» (1).
وذهب أبو حنيفة (2) إلى جواز هذا النوع من البيوع.
قال ابن قدامة (3) -رحمه الله- وحكى عن أبي حنيفة أنه لم ير بذلك بأساً، وسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أحق أن تتبع.
قلت: ومع القول بتحريم بيع تلقي الركبان إلا أنه صحيح ولا يفسد العقد به وذلك لما يلي:
1 - إثبات الخيار في حديث أبي هريرة كما تقدم في صحيح مسلم وفيه قوله - صلى الله عليه وسلم -: « ... فَهُوَ بِالْخِيَارِ» (4).
2 - لأن النهي لا يعود إلى معنى في البيع بل يعود إلى الخديعة ويمكن استدراكها بإثبات الخيار.
(1)
قوله «وَقَالَ: مَنِ اشْتَرَى طَعَامًا، فَلا يَبِعْهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ»:
هذا الحديث رواه مسلم، وفقه هذا الحديث نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - المشتري أن يبيع الطعام الذي اشتراه حتى يكتاله ويستوفيه ممن باعه، والعلة في النهي عن البيع قبل القبض عجز المشتري عن تسلمه وتسليمه للمشتري الثاني، لا سيما إذا رأى البائع أن المشتري ربح، فإنه يسعى في رد البيع إما بجحد أو احتمال فسخ البيع، ويشترط مع ذلك أيضاً نقل المبيع إلى مكان خاص بالمشتري أو ينقلها إلى أي مكان آخر لا سلطان للبائع عليه، دليل ذلك عن زيد بن ثابت -رضي الله عنه- قال: =67686970
الجزء: 4 - الصفحة: 35
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «نَهَى أَنْ تُبَاعَ السِّلَعُ حَيْثُ تُبْتَاعُ حَتَّى يَحُوزَهَا التُّجَّارُ إِلَى رِحَالِهِمْ» (1).
و
هل هذا الحكم خاص بالطعام أم هو عام في الطعام وغيره؟
نقول إن الحكم عام فلا يجوز بيع أي مبيع قبل أن يقبضه المشتري الأول ويحوزه ويملكه قال ابن عباس رضي الله عنهما وهو راوي الحديث «ولا أحسب كل شيء إلا مثله».
ذكر بعض البيوع التي لم يذكرها المؤلف
:
- الفائدة الأولى: في حكم بيع المصحف: اختلف الفقهاء في حكم بيع المسلم المصحف وشرائه له:
فذهب الشافعية 72 وهو المعتمد عندهم أنه يكره البيع بلا حاجة دون الشراء ووجه كراهية البيع لأنه فيه ابتذال وانقطاع رغبة أما الشراء فوجه جوازه لأنه فيه استنقاذ للمصحف فجاز.
وفي رواية أخرى عند الشافعية 73 كراهية البيع والشراء.
أما الحنابلة 74 فقد اختلفت الرواية عن الإمام أحمد في ذلك: فقال مرة بالحرمة وهي التي عليها المذهب، وفي رواية أخرى: يكره ولا يحرم، وفي رواية: الجواز من غير كراهة.
قلت: ووجه تعليل الفقهاء بالكراهة أو التحريم ما جاء عن ابن عمر رضي=71
الجزء: 4 - الصفحة: 36
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
=الله عنهما أنه قال: «وَدِدْتُ أَنِّي قَدْ رَأَيْتُ الأَيْدِيَ تُقَطَّعُ فِي بَيْعِ الْمَصَاحِفِ» (1)، ولأن تعظيمه واجب وفي البيع ترك التعظيم وابتذال له ولا يكره الشراء لأنه استنفاذ، ولا الاستبدال بمصحف آخر لأنه لا دلالة فيه على الرغبة عنه.
قلت: والصحيح عندي جواز بيع المصحف لأن الأصل الحل وما زال عمل المسلمين عليه إلى اليوم، ولو أننا منعنا بيعه لكان في ذلك منع للانتفاع به، ويكون البيع من أجل طباعته وتكلفته.
الفائدة الثانية: في حكم بيع المكره
: لا يصح بيع المكره بلا حق، والمكره هو الملجأ إلى البيع أي المغصوب على البيع لأن بيعه صدر عن غير تراض ولأن التراضي شرط من شروط البيع، وكذلك لو باع أحد لأحد حياءً وخجلاً فإنه لا يجوز أن يشتري منه ما دام يعلم أنه إنما يبيع له حياءً وخجلاً لا عن تراض.
أما إذا أكره الإنسان على البيع بحق كأن يكون على شخص حقوق لبعض الأشخاص ولا يستطيع ردها إلا ببيع شيء يملكه فهنا يجوز للسلطان إكراهه على البيع لكي يرد الحقوق إلى أهلها ويصح البيع ولو كان البائع غير راض بذلك لأن الإكراه هنا بحق.
- الفائدة الثالثة: لا يصح البيع ممن تلزمه الجمعة بعد ندائها الثاني لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ .. ﴾ 76، والأمر بترك البيع نهي عنه، ولم يختلف الفقهاء في هذه المسألة=75
الجزء: 4 - الصفحة: 37
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
=لكن في أي الأذانين يعتبر مورد النهي.
الصحيح: هو ما ذهب إليه جمهور الفقهاء (1) أن مورد النهي إنما يكون عند الأذان الثاني وهو أذان خطبة الجمعة بين يدي المنبر والإمام على المنبر فينصرف النداء إليه لأن هذا هو المعروف في عهده - صلى الله عليه وسلم -، أما النداء الأول إنما هو من وضع عثمان -رضي الله عنه-، ولأن البيع عند الأذان الثاني يشغل عن الصلاة ويكون ذريعة إلى فواتها أو فوات بعضها.
لكن ما هي ضوابط تحريم البيع وقت نداء الجمعة؟
نقول هناك قيود لهذا التحريم وهي:
أن يكون المشتغل بالبيع ممن تلزمه الجمعة فلا يحرم البيع على المرأة والصغير والمريض.
أن يكون المشتغل بالبيع عالماً بالنهي.
انتفاء الضرورة للبيع كبيع المضطر وبيع كفن ميت خيف تغيره بتأخيره.
أن يكون البيع بعد الشروع في الأذان الثاني الذي يسبق الخطبة.
الفائدة الرابعة: في بيع الأنموذج
: الأنموذج بضم الهمزة: هو أن آتي بصاع أو ربع صاع أو فنجان من البر وأقول أبيع عليك مثل هذا الصاع بكذا وكذا، فهذا ضبط بالصفة عن طريق الرؤية.
وهذا النوع من البيوع اختلف فيه على ثلاثة أقوال.
القول الأول: أنه لا يجوز لعدم رؤية المبيع وقت العقد وهذا هو المذهب 78.77
الجزء: 4 - الصفحة: 38
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
القول الثاني: أنه يجوز بيع الأنموذج إذا جاء على الصفة التي رآها وهي راوية عن الإمام أحمد 79 قال في الأنصاف: وهي الصواب، وهي اختيار شيخنا محمد بن صالح العثيمين 80.
القول الثالث: أنه يصح البيع والمشتري بالخيار إذا رآه وهذا رواية عن الإمام أحمد وعللوا لذلك بأنه إذا ثبت له الخيار فليس عليه ضرر ولا في حقه غرر.
قلت: والأظهر عندي جواز هذا النوع من البيوع لأن العلم قد أدرك بهذه الرؤية، فما دام جاء به على الصفة التي رآها فقد صح البيع وما زال الناس يتعاملون بهذا.
- الفائدة الخامسة: لا يجوز بيع سلاح وهو آلة القتال من سيف أو بندقية أو مسدس ونحو ذلك في فتنة بين المسلمين، وكذلك لا يجوز بيع السلاح إلى رجل يعرف أنه يقتل به مسلماً لما فيه من المعاونة على الإثم والعدوان.
- الفائدة السادسة: في بيع العربون: العربون بفتح العين والراء ويقال عُربان بالضمة وأصله في اللغة التسليف والتقديم يقال عَرْبنه أي أعطاه العربون.
أما تعريفه عند الفقهاء: فهو أن يشتري الرجل شيئاً أو يستأجره ويدفع جزءاً من الثمن أو الأجرة على أنه إن تم العقد حسب المبلغ المدفوع من ثمن المبيع أو قيمة الإجارة وإلا فهو ملك للطرف الثاني وهو البائع أو المؤجر.
وقد اختلف الفقهاء في هذه المسالة على قولين: القول الأول: جواز هذا النوع من البيوع، وهذا هو المذهب عند الحنابلة 81 =
الجزء: 4 - الصفحة: 39
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
=واستدلوا لذلك بما رواه البخاري معلقاً وغيره عن نافع بن الحارث وهو عامل عمر -رضي الله عنه- على مكة أنه اشترى من صفوان بن أمية داراً لعمر بن الخطاب -رضي الله عنه- بأربعة آلاف درهم، واشترط عليه نافع إن رضي عمر فالبيع له، وإن لم يرض فلصفوان أربعمائة درهم 82.
وقد أخذ الإمام أحمد بهذه الرواية فقال: لا بأس ببيع العربون.
القول الثاني: هو قول الجمهور 83 وهو رواية عن الإمام احمد أنه لا يجوز بيع العربون، واحتجوا لذلك بما يلي:
1 - حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي - صلى الله عليه وسلم - «نَهَى عَنْ بَيْعِ الْعُرْبَانِ» 84.
2 - لأنه شرط للبائع شيئاً بغير عوض
3 - ولأنه بمنزلة الخيار المجهول
4 - ولأنه من أكل أموال الناس بالباطل.
والأظهر عندي: جواز ذلك، وهو اختيار سماحة شيخنا بن باز -رحمه الله- 85، لكن الأولى رد النقود إليه إذا أخذ عربوناً، بل الأولى عدم أخذه أصلاً خروجاً من الخلاف وأخذاً بالاحتياط وأسلم لدين المسلم، ولقوله - صلى الله عليه وسلم -: «من أقال=
الجزء: 4 - الصفحة: 40
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . =مسلماً بيعته أقال الله عثرته» (1). أما ما استدل به الجمهور من حديث عمرو ابن شعيب فهو ضعيف، والإمام أحمد حين سئل عن هذا الحديث: قال ليس بشيء.
- الفائدة السابعة: في بيع العينة:
العينة بكسر العين معناه في اللغة: السلف؛ يقال: اعتان الرجل إذا اشترى الشيء بالشيء نسيئة، وسميت العينة عينة لأن البائع اشترى عين ماله الذي باعه.
أما في الاصطلاح: فهي أن يبيع الرجل السلعة بثمن معلوم إلى أجل ثم يشتريها منه بأقل من ذلك الثمن نقداً، فهي نوع من الحيلة في بيع نقود بنقود أكثر منها إلى أجل بينهما سلعة محللة.
أما أدلة تحريم العينة فمنها:
ما رواه أبو داود في سننه وصححه الألباني عن ابن عمر رضي الله عنهما قال سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «إِذَا تَبَايَعْتُمْ بِالْعِينَةِ وَأَخَذْتُمْ أَذْنَابَ الْبَقَرِ وَرَضِيتُمْ بِالزَّرْعِ وَتَرَكْتُمُ الْجِهَادَ سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ذُلاًّ لا يَنْزِعُهُ حَتَّى تَرْجِعُوا إِلَى دِينِكُمْ» 87. وجه الدلالة من الحديث أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نزَّل الوقوع في هذه الأشياء المذكورة منزلة الخروج من الدِّين وجعلها سببا لإنزال البلاء وتسليط الذل عليهم فدل على تحريم العينة.
عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي - صلى الله عليه وسلم - «أَنَّهُ نَهَى عَنْ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ» 88 وقد فسره=86
الجزء: 4 - الصفحة: 41
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
=بعض الفقهاء ببيع العينة.
أن هذا النوع من البيوع ذريعة إلى الربا، والذريعة معتبرة في الشرع، فهذه الأدلة وغيرها تدل على تحريم بيع العينة وهو ما ذهب إليه جمهور الفقهاء 89.
وذهب الشافعية 90 إلى جواز هذا النوع من البيوع واحتجوا لذلك بقول النبي - صلى الله عليه وسلم - «فَلا تَفْعَلْ بِعِ الْجَمْعَ بِالدَّرَاهِمِ ثُمَّ ابْتَعْ بِالدَّرَاهِمِ جَنِيبًا» 91.
والصحيح: ما ذهب إليه الجمهور.
لكن القول بالتحريم له شروط هي:
1 - ألا تتغير صفة المبيع، فإذا تغيرت جاز أن يشتريها البائع بأقل مما باعها منه.
مثال ذلك: اشترى سيارة بعشرة آلاف ثم لما ذهب بها اصطدمت فنقص سعرها فأعادها على البائع الأول ليشتريها منه فاشتراها بثمن أقل فهذا يجوز.
2 - أن يكون الشراء بثمن أقل، فإن كان الشراء بثمن أكثر مما باعها أو مثله جاز وليس من العينة لأنه إن أعطاه مثل الثمن فالأمر واضح، وإن أعطاه أكثر مما باع فهذا فيه مصلحة.
3 - أن يشتريها البائع ممن اشتراها منه، فإن اشتراها من شخص آخر أجنبي بيعت عليه جاز.
- الفائدة الثامنة: وهي عكس مسألة العينة وهي أن يبيع السلعة نقداً بثمن، =
الجزء: 4 - الصفحة: 42
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
=ثم يشتريها منه بأكثر من الثمن الأول نسيئة، كأن يبيع عليه سيارة بعشرة آلاف نقداً ثم يشتريها منه بخمسة عشر ألفاً إلى سنة.
فحكم هذه المسألة إن كأن هناك شرط بين المتعاقدين فهذا بيع محرم.
أما إذا لم يكن هناك شرط فقولان:
الأول: أنها لا تجوز: وهو قول الحنفية (1)، والحنابلة (2) لأنها وسيلة إلى الربا.
الثاني: جواز ذلك إن لم تكن حيلة لأن الأصل حل البيع وحرمت العينة بالنص، وهذا رواية عن الإمام أحمد (3).
والصحيح: القول الأول.
الفائدة التاسعة: في بيع التورق
: صورة هذا النوع من البيوع هو أن يحتاج رجل إلى مال فيذهب ويشتري سلعة بثمن مؤجل ثم يبيعها على غير بائعها الأول بثمن أقل نقداً، وهذا النوع من البيوع المذهب 95 على جوازه لأن الأصل في البيوع الحل ولأن الإنسان عندما يشتري السلعة إما أن يكون قاصداً عين السلعة أو ثمنها وكلاهما قصد صحيح.
والرواية الثانية في المذهب، وهي اختيار شيخ الإسلام 96 أن هذا النوع من البيوع لا يجوز لأن هذه السلعة إنما دخلت من أجل أن تحل مكانها دراهم بدراهم.929394
الجزء: 4 - الصفحة: 43
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
=وذهب بعض أهل العلم وهو قول شيخنا -رحمه الله- إلى جوازه بشروط وهي:
1 - أن يكون الشخص محتاجاً إلى المال.
2 - أن لا يجد طريقاً إلا هذا الطريق، فمتى وجد أحداً يقرضه المال فلا يجوز له أن يقدم على هذا النوع من البيوع.
3 - أن لا يتصرف المشتري في السلعة إلا بعد أن يملكها ملكاً تاماً.
والراجح عندي: جواز بيع التورق بدون ضوابط، وهو اختيار سماحة شيخنا بن باز 97 -رحمه الله- بشرط أن لا يكون في ذلك تحايل على الربا.
الجزء: 4 - الصفحة: 44
باب الربا
(1) الشرح:
(1)
قوله «بَابُ الرِّبَا»:
هذا الباب من أهم الأبواب ومن أصعبها، وقد تساهل الناس بالربا كثيراً رغم ما جاء من نصوص الكتاب والسنة في النهي عنه، والوعيد الشديد والإذن بالحرب لمن وقع في ذلك الإثم العظيم.
ذكر بعض الفوائد
:
-
الفائدة الأولى: تعريف الربا: الربا في اللغة: الزيادة.
وشرعاً: الزيادة الحاصلة بمبادلة الربوي بجنسه، أو تأخير القبض فيما يلزم فيه التقابض من الربويات، وقيل أيضاً في تعريفه الزيادة في أشياء مخصوصة والمقصود بها هنا الزيادة على رأس المال قال تعالى: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ﴾ (1).
الفائدة الثانية: حكمه الشرعي
: الربا محرم بالكتاب والسنة والإجماع.
أما دلالة الكتاب: فهي قوله تعالى ﴿ .. وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ 99.
وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لا يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنْ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ 100.98
الجزء: 4 - الصفحة: 45
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
=قال السرخسي في المبسوط: «ذكر الله تعالى لأكل الربا خمساً من العقوبات:
الأولى: التخبط؛ قال تعالى ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لا يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنْ الْمَسِّ﴾ 101.
الثانية: المحق؛ قال تعالى: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا﴾ 102 والمراد الهلاك والاستئصال، وقيل: ذهاب البركة والاستمتاع حتى لا ينتفع به، ولا ولده بعده.
الثالثة: الحرب؛ قال تعالى: ﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنْ اللَّهِ﴾ 103.
الرابعة: الكفر؛ قال الله تعالى: ﴿وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنْ الرِّبَا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ 104 وقال سبحانه بعد ذكر الربا: ﴿وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ﴾ 105، أي كفار باستحلال الربا أثيم بما جر بأكل الربا.
الخامسة: الخلود في النار؛ قال تعالى: ﴿وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ 106» 107.
أما دلالة السنة فهي كثيرة منها:
ما رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «قَالَ اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا هُنَّ قَالَ الشِّرْكُ بِاللَّهِ وَالسِّحْرُ وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَكْلُ الرِّبَا وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ وَالتَّوَلِّي يَوْمَ =
الجزء: 4 - الصفحة: 46
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = الزَّحْفِ وَقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ الْغَافِلَاتِ» 108. ومن ذلك أيضاً ما رواه مسلم عن جابر رضي الله عنهما قال: «لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- آكِلَ الرِّبَا وَمُؤْكِلَهُ وَكَاتِبَهُ وَشَاهِدَيْهِ وَقَالَ هُمْ سَوَاءٌ» 109. أما الإجماع: فقد انعقد الإجماع على تحريم الربا 110.
- الفائدة الثالثة: الحكمة من تحريمه: حرم الله الربا لأمور عديدة منها:
1 - أن الربا يقتضي أخذ أموال الناس بالباطل لأن بيع الدرهم بالدرهمين نقداً أو نسيئة يحصل له به درهم من غير عوض، ومال المسلم متعلق بحاجته وله حرمته العظيمة.
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: « .. فَإِنَّ أَمْوَالَكُمْ، وَأَعْرَاضَكُمْ، وَدِمَاءَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ، كَيَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا ... » 111. 2 - أن الربا يمنع الناس من الاشتغال بالمكاسب لأن صاحب الدرهم إذا تمكن بواسطة عقد الربا من تحصيل الدرهم الزائد نقداً أو نسيئة خف عليه اكتساب وجه المعيشة، فلا يكاد يتحمل مشقة الكسب والتجارة والصناعات الشاقة، وذلك يفضي إلى انقطاع منافع الخلق التي لا تنتظم إلا بالتجارات والحرف والصناعات.
3 - أن الربا يفضي إلى انقطاع المعروف بين الناس من القرض، قال ابن القيم=
الجزء: 4 - الصفحة: 47
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= -رحمه الله- (1) حول هذا المعنى: « .. فربا النسيئة وهو الذي كانوا يفعلونه في الجاهلية مثل أن يؤخر دينه ويزيده في المال، وكلما أخره زاد في المال حتى تصير المائة عنده آلافاً مؤلفة، وفي الغالب لا يفعل ذلك إلا معدم محتاج، فإذا رأى أن المستحق يؤخر مطالبته ويصبر عليه بزيادة يبذلها له تكلف بذلها ليفتدي من أسر المطالبة والحبس، ويدافع من وقت إلى وقت، فيشتد ضرره، وتعظم مصيبته، ويعلوه الدين حتى يستغرق جميع موجوده، فيربوا المال على المحتاج من غير نفع يحصل له ويزيد مال المرابي من غير نفع يحصل منه لأخيه، فيأكل مال أخيه بالباطل، ويحصل أخوه على غاية الضرر، فمن رحمة أرحم الراحمين وحكمته وإحسانه إلى خلقه أن حرم الربا».
4 - أن المرابي متصف بالغلظة في طبعه، والشح في إنفاقه، والعزوف عن الصدقات، والبعد عن فعل الخيرات، فالربا يقتل كل مشاعر الشفقة في الإنسان، ولا يتردد المرابي في تجريد المدين من أمواله.
الفائدة الرابعة: أقسام الربا
: ينقسم الربا إلى قسمين «ربا الفضل وربا النسيئة»:
الأول ربا الفضل: أي الزيادة؛ ومعناه: بيع شيء من الأموال الربوية بجنسه متفاضلاً، كأن يبيع صاعاً من البر بصاعين.
ذكر بعض الأحكام المتعلقة بربا الفضل:
1 - إذا كان البيع من جنس واحد ربوي حرم فيه التفاضل والنَساء.
مثاله: كأن يبيع ذهباً، أو براً ببر ونحوهما فهنا يشترط لصحة هذا البيع =112
الجزء: 4 - الصفحة: 48
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= التساوي في الكمية والقبض في الحال لاتفاق البدلين في الجنس والعلة.
2 - إذا كان البيع من جنسين اتفقا في ربا الفضل واختلفا في الجنس حرم النَساء وجاز التفاضل.
مثاله: أن يبيع ذهباً بفضة، أو براً بشعير ونحوهما فيجوز البيع مع التفاضل 3 - إذا كان القبض في الحال يداً بيد لأنهما اختلفا في الجنس، واتحدا في العلة.
4 - إذا كان البيع بين جنسين ربويين لم يتفقا في العلة جاز الفضل والنَساء.
مثاله: أن يبيع طعاماً بفضة، أو طعاماً بذهب ونحوها فيجوز التفاضل والتأجيل لاختلاف البدلين في الجنس.
5 - إذا كان البيع بين جنسين ليسا ربويين فيجوز الفضل والنَساء.
مثاله: أن يبيع بعيراً ببعيرين، أو ثوباً بثوبين ونحوهما فهنا يجوز التفاضل والتأجيل.
6 - إذا كان بيع أحد نوعي جنس بالأخر غير أنهما ليسا في مستوى واحد فلا يجوز بيع أحدهما بالأخر.
مثال ذلك: أن يبيع صاعاً من الرطب بصاع من التمر، فهذا لا يجوز لأن الرطب ينقص إذا جف فيحصل التفاضل المحرم.
ومن الأمثلة على ذلك أيضاً: بيع الذهب المصنوع، كأن يبيع ذهباً جديداً بذهب قديم فلا تجوز الزيادة من أجل الصنعة في أحد العوضين.
لكن المشروع هنا أن يبيع الرطب أو الذهب القديم ويشتري بثمنها التمر أو الذهب الجديد.
الجزء: 4 - الصفحة: 49
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ثانياً: ربا النسيئة: النسيئة هي التأخير، وربا النسيئة هو أن يبيع شيئاً ربوياً بشيء ربوي مع تأخير القبض فيهما.
مثاله: أن يبيع صاعين من البر بصاع من الأرز ويتفرقا بدون تقابض أو صاعاً من البر بصاع من الأرز أو الشعير مع تأخير القبض.
ومنه أيضاً قلب الدين على المعسر وذلك بأن يكون له مال مؤجل على رجل، فإذا حل الأجل قال: أتقضي أم ترابي، فإن وفاه وإلا زاد هذا في الأجل وزاد هذا في المال، فيضاعف المال في ذمة المدين وهذا أصل الربا في الجاهلية وهو أخطر أنواع الربا وقد اجتمع فيه الربا بأنواعه ربا الفضل وربا النسيئة وربا القبض وهو البيع مع تأخير قبض العوضين أو قبض أحدهما من غير ذكر الأجل.
ذكر بعض الفوائد
:
الفائدة الأولى: وجه العلاقة بين ربا الفضل وربا النسيئة
: العلاقة بينهما قد يجتمعان، وقد يفترقان، وقد يرتفعان.
فإذا بعت عليك عشرة دراهم بدينار مع تأخير القبض فهذا ربا النسيئة، وإذا بعت عليك صاعاً من البر بصاعين من البر مع القبض في مجلس العقد فهذا ربا الفضل وإذا بعت عليك صاعاً من البر بصاعين منه مع تأخير القبض اجتمع فيه ربا النسيئة وربا الفضل، وإذا بعت عليك صاعاً من البر بصاع من البر مع التسليم انتفى ربا الفضل وربا النسيئة.
- الفائدة الثانية: في الأصناف التي يجري فيها الربا: يجري الربا في ستة أصناف وهي المذكورة في حديث عبادة بن الصامت -رضي الله عنه- كما سيذكره المؤلف وهي=
الجزء: 4 - الصفحة: 50
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
=الذهب، والفضة، والبر، والشعير، والتمر، والملح، وهذه هي الأشياء التي أجمع العلماء على جريان الربا فيها.
واختلف العلماء فيما سواها، هل يلحق بها أم لا؟
فذهب الظاهرية 113 إلى أنه لا يلحق بهذه الأصناف المنصوص على تحريم الربا فيها شيء لأن الأصل الإباحة، ولأن الشارع خص من المكيلات والمطعومات أربعة أشياء، فلو كان الحكم ثابتاً في كل المكيلات أو كل المطعومات لقال لا تبيعوا المكيل بالمكيل.
وذهب جمهور الفقهاء ومنهم الأئمة الأربعة 114 إلى أن الربا يجري في هذه الأصناف الستة وما يماثلها في العلة.
وهذا هو الراجح عندي: لأنه ما دام أن العلة واضحة وموجودة في غير هذه الأصناف فيلحق بها كل ما كان بمعناها، لأن الشرع لا يفرق بين متماثلين.
- الفائدة الثالثة: في بيان علة التحريم في الأجناس المنصوص عليها:
اختلف الفقهاء في علة تحريم الربا في الأجناس المنصوص عليها.
فذهب الحنفية 115 إلى أن العلة الجنس والقدر.
فالجنس في قوله الذهب بالذهب والفضة بالفضة، والقدر في قوله مثلاً بمثل، ويعني بالقدر الكيل، فيما يكال والوزن فيما يوزن.
الجزء: 4 - الصفحة: 51
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
=وقال المالكية 116 بل العلة في النقود الثمنية، وعلة ربا الفضل في الاقتيات والادخار، وعلة ربا النسيئة مجرد الطعم، ومعنى الاقتيات ما تقوم به بنية الآدمي وصيانتها بحيث لا تفسد بالاقتصار عليه، ومعنى الادخار عدم فساده بالتأخير.
وقال الشافعية 117 بل العلة في الذهب والفضة كونها في الأثمان غالباً وهذه العلة لا تتعدى إلى غيرها من الموزونات فلا تتعدى إلى النحاس والرصاص والكتان والصوف وغيرها.
أما في الأشياء الأخرى «التمر - البر - الشعير - الملح» فالعلة فيها أنها مطعومه، والمراد بالمطعوم: ما قصد طعم الآدمي غالباً.
أما الحنابلة 118 فقد اختلفت الروايات عن الإمام أحمد في ذلك:
فالرواية الأولى: أن العلة في الذهب والفضة كونها موزونة، وفي الأجناس الأخرى كونها مكيلات.
وفي الرواية الثانية: أن العلة في الأثمان الثمنية، وفي الأجناس الأخرى كونها مطعومة جنس فيختص بالمطعومات ويخرج منه ما عداها.
والرواية الثالثة: أن العلة فيما عدا الذهب والفضة كونها مطعومة جنس مكيلا أو موزوناً فلا يجري الربا في مطعوم لا يكال ولا يوزن كالتفاح والخوخ والرمان ونحوه.
الجزء: 4 - الصفحة: 52
عَنْ عُبَادَةَ -رضي الله عنه-، قَالَ: قَالَ رَسُوْلُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ، وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ، وَالبُرُّ بِالْبُرِّ، وَالشَّعِيْرُ بِالشَّعِيْرِ، وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ، وَالْمِلْحُ بِالْمِلْحِ، مِثْلاً بِمِثْلٍ، سَوَاءً بِسَوَاءٍ، فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الأَصْنَافُ، فَبِيْعُوْا كَيْفَ شِئْتُمْ يَدًا بِيَدٍ، فَمَنْ زَادَ أَوِ ازْدَادَ فَقَدْ أَرْبَى» 119 =والذي يترجح عندي بعد ذكر أقوال المذاهب: أن العلة في الذهب والفضة كونهما ثمناً للأشياء، وفي الأجناس الأربعة الأخرى كونها مكيلة مطعومة، وهذا هو إحدى الروايات (1) في مذهب الإمام أحمد وهو اختيار شيخ الإسلام بن تيمية 120، وابن القيم 121 رحمهما الله.
(1)
قوله «عَنْ عُبَادَةَ -رضي الله عنه-، قَالَ: قَالَ رَسُوْلُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ، وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ، وَالبُرُّ بِالْبُرِّ، وَالشَّعِيْرُ بِالشَّعِيْرِ، وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ، وَالْمِلْحُ بِالْمِلْحِ، مِثْلاً بِمِثْلٍ، سَوَاءً بِسَوَاءٍ، فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الأَصْنَافُ، فَبِيْعُوْا كَيْفَ شِئْتُمْ يَدًا بِيَدٍ، فَمَنْ زَادَ أَوِ ازْدَادَ فَقَدْ أَرْبَى»
122.
هذا الحديث رواه مسلم وهو عمدة في أحاديث الربا، وقوله - صلى الله عليه وسلم - «الذهب بالذهب»: أي لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلاً بمثل سواء بسواء يداً بيد، وكذا في جميع الأصناف المذكورة فلا بد فيها من أمور ثلاثة: «المثلية، والتساوي، والقبض في مجلس العقد».
فقوله: «مثلاً بمثل»: المراد به النوعية، «سواء بسواء»: المراد به المقدار في الوزن، وقوله: «يدا بيد»: أن يقبض كل واحد من المتابيعين عوض ما دفع=
الجزء: 4 - الصفحة: 53
وَلا يَجُوْزُ بَيْعُ مَطْعُوْمٍ مَكِيْلٍ، أَوْ مَوْزُوْنٍ بِجِنْسِهِ إِلاَّ مِثْلاً بِمِثْلٍ (1) وَلا يَجُوْزُ بَيْعُ مَكِيْلٍ مِنْ ذلِكَ بِجِنْسِهِ وَزْنًا، وَلا مَوْزُوْنٍ كَيْلاً (2)
=من المال في مجلس العقد.
وقوله: «فإذا اختلفت هذه الأشياء فبيعوا حيث شئتم يداً بيد»: أي إذا اختلفت هذه الأصناف كبيع المكيل أو الموزون بغير جنسه مما يساويه في العلة يشترط لصحة البيع شرط واحد وهو التقابض قبل التفرق من المجلس، فإذا بعت صاعاً من بر بصاعين من الأرز جاز لكن بشرط التقابض قبل التفرق.
وعلى ذلك يكون التقابض شرطاً عاماً لجميع كل مكيل أو موزون سواء كان من جنسه أو من غير جنسه إذا كان يساويه في العلة.
وقوله -صلى الله عليه وسلم-: «فمن زاد فقد أربى»: أي فمن زاد في المبيع من هذه الأصناف المذكورة وفي غيرها مما يجري فيه الربا أو استزاد أي طلب زيادة فيها فقد وقع في الربا.
(1)
قوله «وَلا يَجُوْزُ بَيْعُ مَطْعُوْمٍ مَكِيْلٍ، أَوْ مَوْزُوْنٍ بِجِنْسِهِ إِلاَّ مِثْلاً بِمِثْلٍ»:
العلة عند المؤلف الطعم والكيل، وهذا هو الصحيح كما مر بنا.
أما دليل ما ذكره المؤلف فهو ما ثبت عَنْ مَعْمَرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ أَرْسَلَ غُلامَهُ بِصَاعِ قَمْحٍ فَقَالَ بِعْهُ ثُمَّ اشْتَرِ بِهِ شَعِيرًا فَذَهَبَ الْغُلامُ فَأَخَذَ صَاعًا وَزِيَادَةَ بَعْضِ صَاعٍ فَلَمَّا جَاءَ مَعْمَرًا أَخْبَرَهُ بِذَلِكَ فَقَالَ لَهُ مَعْمَرٌ لِمَ فَعَلْتَ ذَلِكَ انْطَلِقْ فَرُدَّهُ وَلا تَأْخُذَنَّ إِلاَّ مِثْلاً بِمِثْلٍ فَإِنِّي كُنْتُ أَسْمَعُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ «الطَّعَامُ بِالطَّعَامِ مِثْلاً بِمِثْلٍ» (1)، والمماثلة المعتبرة في الشرع: هي الكيل والوزن.
(2)
قوله «وَلا يَجُوْزُ بَيْعُ مَكِيْلٍ مِنْ ذلِكَ بِجِنْسِهِ وَزْنًا، وَلا مَوْزُوْنٍ كَيْلاً»:
أي=123
الجزء: 4 - الصفحة: 54
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
=لا يجوز بيع ما يكال كالبر والشعير والزبيب وغيره مما يكال بشيء من جنسه إلا كيلاً.
وكذلك لا يجوز بيع ما يوزن كلحم مثلاً بجنسه إلا وزناً، فلو باع لحماً من خروف بلحم من خروف أخر فلابد من الوزن، فلو أراد أن يقطع اللحم قطعاً صغيرة ويضعه في إناء ويبيعه بجنسه كيلاً فإنه لا يصح لأن معيار اللحم هو الوزن فلابد من مراعاة المساواة في البيع.
والمساواة المرعية في الشرع: هي المساواة في الكيل كيلاً وفي الموزون وزناً ولا يحصل العمل بالتساوي مع مخالفة المعيار الشرعي وهو كيلاً فيما يكال ووزناً فيما يوزن، والفرق بينهما أي بين المكيل والوزن أن المكيل تقدير الشيء بالحجم، والوزن بالثقل والخفة، فالبر مكيل فإذا بيع ببر فلا بد أن يكون طريق التساوي هو الكيل، فلو بيع وزناً لا يصح ولا يعتبر ذلك تساوياً، والدليل على ما ذكره المؤلف أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ وَزْنًا بِوَزْنٍ وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ وَزْنًا بِوَزْنٍ وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ كَيْلاً بِكَيْلٍ وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ كَيْلاً بِكَيْلٍ وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ وَالْمِلْحُ بِالْمِلْحِ فَمَنْ زَادَ أَوِ اسْتَزَادَ فَقَدْ أَرْبَى» (1).
ذكر بعض الفوائد
:
- الفائدة الأولى: ما لا يختلف بالوزن والكيل: كالأدهان والألبان فإنها من قسم المكيل.
لو بيعت هذه المائعات وزناً هل يجوز؟ نقول: المذهب 125 يرى عدم الجواز.124
الجزء: 4 - الصفحة: 55
وَإِنِ اخْتَلَفَ الْجِنْسَانِ، جَازَ بَيْعُهُ كَيْفَ شَاءَ يَدًا بِيَد (1) وَلَمْ يَجُزِ النَّسَاءُ فِيْهِ، وَلا التَّفَرُّقُ قَبْلَ الْقَبْضِ (2) =وذهب شيخ الإسلام (1) -رحمه الله-: إلى أنه إذا كان الكيل والوزن يتساويان فلا بأس أن يباع المكيل بجنسه كيلاً أو وزناً لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «مثلاً بمثل»، والمثلية هنا متحققة.
- الفائدة الثانية: قال بعض أهل العلم: ما لا يكال لقلته وحقارته فإنه لا يعتبر فيه التماثل كتمرة بتمرتين مثلاً فلا بأس لأن هذا مما تعارف عليه الناس ولا يمكن أن تكال التمرة.
(1)
قوله «وَإِنِ اخْتَلَفَ الْجِنْسَانِ، جَازَ بَيْعُهُ كَيْفَ شَاءَ يَدًا بِيَد»:
أي بيع الذهب بالفضة والبر بالشعير أو الملح بالتمر يجوز مع وجود التفاضل لكن لا بد أن يكون يداً بيد، دليل ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم - « .. فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الأَصْنَافُ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ إِذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ» (2)، وكذلك يجوز بيع المكيل وزناً والعكس.
مثال ذلك: اشترى شعيراً ببر كأن يشتري كيلو جرام بر بكيلو جرام شعير فيجوز ذلك لأنه من غير جنسه، وإذا باع شعيراً بتمر وزناً بمثل كيلو جرام من هذا وكيلو جرام من هذا فيجوز لكن بشرط أن يكون ذلك يداً بيد.
(2) قوله «وَلَمْ يَجُزِ النَّسَاءُ فِيْهِ»: أي لا يجوز التأخير فيه «وَلا التَّفَرُّقُ قَبْلَ الْقَبْضِ»: أي لا بد من التقابض قبل التفرق كما سبق بيانه.
وخلاصة الأمر هنا أن بيع
ما يجري فيه الربا ينقسم إلى قسمين
: الأول: أن يبيع ما يجري فيه الربا من جنسه كالذهب بالذهب والفضة =126127
الجزء: 4 - الصفحة: 56
إِلاَّ فِي الثَّمَنِ بِالْمُثَمَّنِ (1)، وَكُلُّ شَيْئَيْنِ جَمَعَهُمَا اسِمٌ خَاصٌ، فَهُمَا جِنْسٌ وَاحِدٌ (2)،
=بالفضة والتمر بالتمر والشعير بالشعير والبر بالبر والملح بالملح وغير ذلك، فهذا يشترط لها شرطان:
1 - التقابض من الطرفين وقت البيع.
2 - التساوي بالمعيار الشرعي.
الثاني: أن يبيع ما يجري فيه الربا بما ليس من جنسه، كأن يبيع ذهباً بفضة، أو براً بشعير، وهكذا فإنه لا يشترط له إلا شرطٌ واحدٌ هو القبض قبل التفرق.
- الفائدة الأولى: النقود التي انتشرت في هذا العصر: تعد نقداً قائماً بذاته لها حكم الذهب والفضة، فلا يجوز بيع عملة بأخرى مع الاتفاق على تأجيل العملتين أو أحدهما إلى تاريخ معلوم في المستقبل كما يجري الآن في تعامل كثير من البنوك مع عملائها وذلك لأن علة الربا في العملتين واحدة وهي الثمنية.
- الفائدة الثانية: يشترط لصحة بيع إحدى العملتين بالأخرى: قبضهما معاً في مجلس العقد، مع جواز التفاضل بين عملتي بلدين مختلفتين كما سبق، فيجوز بيع مائة جنيه مصري بمائة وخمسين ريال سعودي مثلاً، أو بيع ألف ريال سعودي بخمسمائة يورو أوربي لأنهما جنسان مختلفان، فعملة كل بلد جنس مستقل بذاته.
(1)
قوله «إِلاَّ فِي الثَّمَنِ بِالْمُثَمَّنِ»:
فيجوز فيه الأمران التأخير والتفرق قبل القبض، كأن يبيع بر بريالات فيجوز تأخير القيمة والتفرق قبل قبضها.
(2)
قوله «وَكُلُّ شَيْئَيْنِ جَمَعَهُمَا اسِمٌ خَاصٌ، فَهُمَا جِنْسٌ وَاحِدٌ»:
الجنس هو الشيء الذي يشمل أشياء مختلفة بأنواعها كالبر فإنه يشمل الحنطة والجريباء واللقيمى وغير ذلك والتمر جنس يشمل البرحي والسكري والخضري ونحوه.
الجزء: 4 - الصفحة: 57
إلاَّ أَنْ يَكُوْنَ مِنْ أَصْلَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ (1)، فَإِنَّ فُرُوْعَ الأَجْنَاسِ أَجْنَاسٌ، وَإِنِ اتَّفَقَتْ أَسْمَاؤُهَا كَالأَدِقَّةِ وَالأَدْهَانِ (2)، =فلا يجوز أن يباع سكري ببرحي إلا مثلاً بمثل يدً بيد، لأنهما نوعان من جنس واحد، ولا يجوز أن بيع تمراً يابساً بأخر مثله إلا مثلاً بمثل يداً بيد لأنهما من جنس واحد، فاشترط لها التقابض قبل التفرق والتساوي، وكذلك لا يجوز بيع جديد بقديم أكثر منه.
(1)
قوله «إِلاَّ أَنْ يَكُوْنَ مِنْ أَصْلَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ»:
أي إلا أن يكون هذان الجنسان من أصلين مختلفين كبر وشعير فيجوز فيهما التفاضل، فلو باع كيلو جرام من دقيق الحنطة بكيلوين من دقيق الشعير فلا بأس، وإن كان كل منهما يسمى دقيقاً لأنهما فرعان من أصلين مختلفين فكانا جنسين.
لكن يحرم أن يكون أحدهما مؤجلا لأن علة الربا فيهما واحدة وهي الاقتيات.
(2)
قوله «فَإِنَّ فُرُوْعَ الأَجْنَاسِ أَجْنَاسٌ، وَإِنِ اتَّفَقَتْ أَسْمَاؤُهَا كَالأَدِقَّةِ وَالأَدْهَانِ»:
ذكرنا سابقاً أن الجنس ما له اسم خاص يشمل أنواعاً مختلفة كالبر جنس يشمل الحنطة واللقيمي، والأرز جنس يشمل المزة والبيشاور وغيرها، والنوع شيء يشمل أشياء مختلفة بأشخاصها كالحنطة، هذا نوع يشمل الحنطة التي في أماكن متعددة في الزلفي، والرياض، والمدينة، ومكة، وغيرها، والحنطة التي عند فلان وفلان في بلدان مختلفة أو بلد واحد.
وعلى هذا فالإنسان جنس يشمل الذكر والأنثى.
والحيوان جنس يشمل البقر والغنم والإبل، وفروع الأجناس أجناس كالدقيق والجريش والخبز واللحم ... إلخ.
الجزء: 4 - الصفحة: 58
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= فقوله «فَإِنَّ فُرُوْعَ الأَجْنَاسِ أَجْنَاسٌ .. »: كالدقيق والجريش ونحوها، فالدقيق فرع جنس وهو البر - مثلاً - فهو بمنزلة البر لأن الفرع تبع الأصل، فكلما كانت أصول هذه الأشياء المذكورة أجناساً وجب أن تكون هذه أجناساً إلحاقاً بالفروع لأصولها فدقيق الحنطة جنس، ودقيق الذرة جنس، وكذا الباقي، فلا يجوز بيع صاع من البر بصاع من دقيق البر لأمرين:
الأول: تعذر التساوي.
الثاني: فوات المماثلة.
لأن أجزاء الحب تنتشر بالطحن فيزيد.
ولا يجوز بيع صاع من البر بصاع من السويق لتعذر التساوي من جهتين:
الأول: تفرق الأجزاء بالطحن.
الثاني: النقصان بأخذ النار بسبب التحميص، ولا يجوز كذلك بيع بر بجريش لأن النار تفقد أجزاء المطبوخ وتنفخها فلا يحصل التساوي.
أما إذا اختلفت هذه الأجناس كبر وشعير جاز البيع كما ذكرنا، فلو باع دقيق بر بدقيق شعير مع وجود التفاضل فيهما فيجوز لاختلاف الجنس.
أما الأدهان فقد اختلفت الرواية في المذهب 128 هل يجري فيها الربا أم لا؟
ففي رواية وهي المذهب جريان الربا في الأدهان لأنه كان يباع بالكيل في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم -، فهو مكيل وكل مائع فهو مكيل كالدهن والزيت وغيره.
القول الثاني: أنه لا يجري فيها الربا فلا بأس أن يبيع بعضه ببعض مع وجود التفاضل.
الجزء: 4 - الصفحة: 59
وَلا يَجُوْزُ بَيْعُ رَطْبٍ مِنْهَا بِيَابِسٍ مِنْ جِنْسِهِ (1)، وَلا خَالِصِهِ بِمَشُوْبِهِ (2)، وَلا نِيْئِهِ بِمَطْبُوْخِهِ (3) (1)
قوله «وَلا يَجُوْزُ بَيْعُ رَطْبٍ مِنْهَا بِيَابِسٍ مِنْ جِنْسِهِ»:
كما مر سابقاً، والمعنى لا يجوز بيع رطب ما يجري فيه الربا بيابسه مثل أن يبيع رطباً بتمر، فالتمر يابس والرطب رطب فلا يجوز حتى وإن تساويا وزناً لأن الرطب إذا جف خف الوزن فلا يحصل التساوي, ولذا لما سئل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن الرطب بالتمر، فَقَالَ: «أَيَنْقُصُ إِذَا يَبِسَ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَنَهَى عَنْهُ» (1). أما دليل النهي عنها فسيأتي قريباً - إن شاء الله - في آخر هذا الباب.
(2)
قوله «وَلا خَالِصِهِ بِمَشُوْبِهِ»:
الخالص هو النقي الذي لم يخالطه غيره، والمشوب عكسه فهو الذي خالطه غيره فلا يجوز بيع بعضها بالآخر لتعذر التساوي لكن يستثنى من ذلك الخلط اليسير أو ما كان لإصلاح المخلوط كالملح في الطعام، فالخلط اليسير لا يضر فإنه يتعذر وجود بر خالص ليس فيه حبة شعير.
وكذلك لا يجوز بيع الذهب غير الخالص كذهب عيار (18)، أو عيار (21) وهو الذي خالط به غيره من نحاس ونحوه لا يجوز بيعه بذهب خالص خالياً من ذلك كله وهو ما يسمى بعيار (24) سواء كانا متساويين في الوزن أم لا وذلك لعدم التمكن من التساوي مع وجود هذه الشوائب.
(3)
قوله «وَلا نِيْئِهِ بِمَطْبُوْخِهِ»:
كما ذكرنا ذلك، فلا يجوز بيع حنطة مثلاً بجريش ولا يجوز بيع كيلو جرام من اللحم النيئ بكيلو جرام من اللحم المطبوخ لأن الطبخ يؤثر في الوزن إذ يدخل فيه أشياء، وإذا كان من غير الجنس جاز كما=129
الجزء: 4 - الصفحة: 60
قَدْ نَهَى النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - عَنِ الْمُزَابَنَةِ، وَهُوَ اشْتِرَاءُ التَّمْرِ بِالتَّمْرِ فِيْ رُؤُوْسِ النَّخْل (1)، وَأَرْخَصَ فِيْ بَيْعِ الْعَرَايَا فِيْمَا دُوْنَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ أَنْ تُبَاعَ بِخَرْصِهَا، يَأْكُلُهَا أَهْلُهَا رَطْبًا (2)، =سبق ذلك.
(1)
قوله «وَقَدْ نَهَى النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - عَنِ الْمُزَابَنَةِ، وَهُوَ اشْتِرَاءُ التَّمْرِ بِالتَّمْرِ فِيْ رُؤُوْسِ النَّخْلِ»:
عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - «نَهَى عَنِ الْمُزَابَنَةِ وَالْمُزَابَنَةُ أَنْ يُبَاعَ مَا فِي رُءُوسِ النَّخْلِ بِتَمْرٍ بِكَيْلٍ مُسَمًّى .. » (1)، فهو من تفسير الصحابي لها، وهي أن يشتري رطباً وهو لا يزال في النخل بتمر مكيل عنده.
والعلة في النهي عنها: لأن فيها بيع معلوم بمجهول، فالمعلوم هو الكيل والمجهول ما كان على رؤوس النخل، فإنه إذا باع النخل بتمر كيلاً أو باع العنب بزبيب كيلاً فقد جهل مقدار أحد العوضين.
(2)
قوله «وَأَرْخَصَ فِيْ بَيْعِ الْعَرَايَا فِيْمَا دُوْنَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ أَنْ تُبَاعَ بِخَرْصِهَا، يَأْكُلُهَا أَهْلُهَا رَطْبًا»:
العرايا: هي أن يكون عند إنسان تمر من العام الماضي وجاء الرطب هذا العام، وأراد أن يتفكه بالرطب لكنه ليس عنده دراهم وليس عنده إلا تمر يابس من العام الماضي، فهنا رخَّص الشارع بجواز شراء الرطب بالتمر, وسميت عرايا لعروها عن الثمن، فيأتي هذا الرجل الفقير الذي عنده تمر من العام الماضي إلى صاحب البستان ويقول - يعني - «تمر هذه النخلة الذي هو الآن رطب بالتمر هذا»، فهذا جائز لدعاء الحاجة إليه لكن يشترط لذلك شروط:130
الجزء: 4 - الصفحة: 61
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الأول: ألا يجد ما يشتري به سوى هذا التمر.
فلو وجد من يشتري منه هذا التمر بدراهم وغيرها فإنه لا يجوز أن يشتري رطباً بتمر.
الثاني: أن تكون خمسة أوسق فأقل.
الثالث: أن يكون الرطب عند يبوسته بقدر التمر، ويعرف ذلك عن طريق الخراص الماهر العارف فيقول هذا الرطب إذا يبس يكون بقدر هذا التمر.
الرابع: أن يكون الرطب على رؤوس النخل، فإن كان الرطب في أنية وعرضت للبيع فلا يجوز لأنه يفوت التفكه لأن كونه على رؤوس النخل يتفكه به الإنسان شيئاً فشيئاً.
ذكر بعض الفوائد
:
- الفائدة الأولى: ما كان تحريمه تحريم وسائل فيجوز للحاجة لأن المحرمات نوعان: محرمات تحريم غاية لذاتها ومحرمات تحريم وسيلة، فما كان محرماً لذاته فلا يجوز إلا لضرورة فقط كالميتة لا يجوز الأكل منها إلا لضرورة وكذا الخمر لأنها محرمات لذاتها.
أما المحرمات تحريم وسائل فيجوز فعلها للحاجة والضرورة، فالحرير تحريمه على الرجال هو من تحريم الوسائل لأنه سيكون وسيلة إلى أن يكون الإنسان الذكر الذي فُضِّل بالرجولة بمنزلة الأنثى التي تنشأ في الحلية، ومن ذلك أيضاً آنية الفضة فإذا كان عند إنسان إناء من غير الفضة وانكسر وأراد أن يلم بعضه إلى بعض بسلسلة من فضة جاز مع أن تحريمه تحريم وسائل إذ أن الذهب والفضة استعمالهما يؤديان إلى الفخر والخيلاء والاستكبار والتعاظم.
الجزء: 4 - الصفحة: 62
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . -
الفائدة الثانية: في كيفية التخلص من الأموال الربوية
: التخلص من الربا لا بد منه ولكن كيف ذلك؟ نقول الربا الذي يريد أن يتخلص منه لا يخلو من حالين:
الحالة الأولى: أن يكون الربا في ذمم الناس: فهنا الواجب في حقه أن يأخذ رأس ماله فقط ويترك ما زاد عليه من الربا، قال تعالى: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ﴾ 131.
الحالة الثانية: أن تكون أموال الربا مقبوضة عنده: فلا يردها على أصحابها ولا يأكلها لأنها كسب خبيث ولكن يتخلص منها بالتبرع بها بنية التخلص منها لا بنية التقرب إلى الله بها، والتبرع هنا له طريقان:
الأول: توزيعها على الفقراء والمحتاجين والمساكين وغيرهم، وهذا قال به بعض العلماء، وقال بعض العلماء لا تعطى للفقراء ولا غيرهم لأنه مال خبيث والله طيب لا يقبل إلا الطيب.
الثاني: أن تصرف في مشاريع لا علاقة لها بالأكل والشرب وغيره، بل تنفق في المشاريع الخيرية كالمدارس، والطرق، ودورات مياه، وغير ذلك مما فيه نفع للناس.
- الفائدة الثالثة: في حكم الصرف والأوراق المالية: الصرف هو بيع نقد بنقد سواء اتحد الجنس أو اختلف، سواء كان النقد من الذهب والفضة أو من الأوراق النقدية المتعامل بها الآن.
1 - إذا باع نقداً بجنسه وجب التساوي في المقدار والتقابض في المجلس كريال =
الجزء: 4 - الصفحة: 63
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
=بريال، أو جنيه مصري بجنيه مصري، أو دولارٍ أمريكي بدولار أمريكي.
2 - إذا باع ريالات ورقية بريالات فضية فقد اختلف أهل العلم المعاصرون في ذلك:
فقال بعضهم: يجوز التفاضل لأن الفضة جنس والورق جنس والفضة قيمتها أغلى من قيمة الورق وإنما جعل الورق مكان الفضة من باب التخفيف وعدم الكلفة وإلا فالفضة هي الأصل وهي أغلى قيمة من الورق.
وقال الآخرون لا يجوز التفاضل لآن قيمة الريال من الورق في الأخذ والإعطاء كقيمة ريال الفضة وما يشتري به هذا يشتري به هذا، والراجح عندي أنه لا يجوز التفاضل.
3 - إذا باع نقداً بنقد من غير جنسه كريالات ورقية سعودية بدولارات أمريكية جاز التفاضل في المقدار ووجب القبض قبل التفرق من المجلس.
4 - إذا افترق المتصارفان قبل قبض الكل أو قبض البعض صح العقد فيما قبض وبطل فيما لم يقبض كأن يعطيه ديناراً بعشرة دراهم فلم يجد إلا خمسة دراهم فيصح العقد في نصف الدينار ويبقى نصف الدينار أمانة عند البائع.
الفائدة الرابعة: في بيان بعض صور الربا في هذا العصر
: الودائع التي يدفع المصرف - البنك - لها فوائد، كما هو الحال في كثير من الودائع في المصارف الربوية، هي قروض ربوية محرمة سواء كانت هذه الودائع حسابات جارية، أم من الودائع لأجل، أو من حسابات التوفير.
ما يحصل من إقراض البنك لبعض العملاء قروضاً بفائدة يأخذها المصرف أو الدائن مقابل هذا القرض، كما هو جاري في كثير من المصارف الربوية.
الجزء: 4 - الصفحة: 64
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
=فهذا القرض من الربا الصريح وإن كان المصرف يزيد الفائدة على عميله كلما تأخر السداد، فهذا هو عين ربا الجاهلية المحرم.
بيع الأوراق التجارية من شيكات أو كمبيالات أو مستندات التزم مصدرها بدفع قيمتها في وقت أجل محدد, بثمن أقل من قيمتها من قبل مصدرها بقيمتها الحقيقية المذكورة فيها, مع التزام مصدرها بنفع معين يقدمه لمشتريها, فهذه الأوراق محرمة شرعاً إصداراً, أو بيعاً, أو تداولاً, لأن هذه المعاملة من الربا الصريح سواء سميت ربحاً أو عائداً أو عمولة أو تم تسميتها استثمارية أو خارجية.
ما تقوم به المؤسسات التجارية أو بعض الشركات بإقناع بعض الأشخاص بشراء سلعة بسعر معين, على أن يقوم بإقناع آخرين بالشراء من هذه الشركة ثم كل شخص يقوم بإقناع آخرين وهكذا, ويعطي كل شخص عمولة مقابل كل شخص يأتي عن طريقه, وهذه السلع تباع لمن يشتريها بأكثر من قيمتها لتغطي تكاليف العمولات فهذه المعاملة محرمة لوجوه:
الأول: اشتمال هذه المعاملة على الربا بنوعية, لأن من يشتري هذه السلعة إنما يشتريها من أجل العمولة لا من أجل السلعة، فهو يدفع نقوداً قليلة في مقابل ما سيحصل عليه من النقود الكثيرة ووجود السلعة لا أثر لها, وإنما هي ستار لهذه المعاملة.
الثاني: اشتمال هذه المعاملة على أكل أموال الناس بالباطل, حيث لا يستفيد من هذا العمل سوى هذه الشركة، أو المؤسسة وأشخاص معدودين من المشتركين.
الجزء: 4 - الصفحة: 65
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . الثالث: اشتمالها على الغرر والجهالة, لأن المشتري لهذه السلعة بهذا الثمن الذي لا تستحقه لا يدري هل يكون الأشخاص الذين سيأتون عن طريقه وعن طريق من أقنعهم كثيرين فيربح أم أن هذا التسويق سيتوقف قريباً فيكون خاسراً.
- الفائدة الخامسة: لا يجوز إيداع المال في البنوك الربوية التي تتعامل بالربا إلا عند الاضطرار إلى ذلك بأن لا يجد المسلم من يودع عنده سوى المصرف الربوي, لأن الإيداع عنده إعانة له على الإثم والعدوان, ولأن حقيقة الإيداع في المصرف إقراض له ولا يجوز إقراضه مالاً يرابي به.
الجزء: 4 - الصفحة: 66
بَابُ بَيْعِ الأُصُوْلِ وَالثِّمَارِ
(1) رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ بَاعَ نَخْلاً بَعْدَ أَنْ تَؤَبَّرَ، فَثَمَرَتُهَا لِلْبَائِعِ، إِلاَّ أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُبْتَاعُ (2). الشرح:
(1)
قوله «بَابُ بَيْعِ الأُصُوْلِ وَالثِّمَارِ»:
الأصول: جمع أصل وهو ما يبنى عليه غيره والمراد بهذه الأصول: الأراضي، والدور، والأشجار لأن هذه الأشياء يتعلق بها غيرها.
والثمار: جَمْعٌ، وواحدهِ: ثَمَرَةٌ، وهي ما يجنى من النخيل وغيره.
(2)
قوله «رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - أَنَّهُ قَالَ «مَنْ بَاعَ نَخْلاً بَعْدَ أَنْ تَؤَبَّرَ، فَثَمَرَتُهَا لِلْبَائِعِ، إِلاَّ أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُبْتَاعُ»
132، التأبير: التلقيح؛ والحديث رواه البخاري ومسلم وغيرهما عن ابن عمر رضي الله عنهما.
وفي الحديث فوائد منها:
1 - أن من باع نخلاً قد أبر فثمرته للبائع كما هو مفهوم الحديث.
2 - أن من باع نخلاً لم يؤبر فثمرته للمشتري.
3 - إذا استثنى البائع الثمرة التي لم تؤبر أو بعضها فهي له بشرطه.
4 - إذا اشترط المشتري دخول الشجرة المؤبرة بالعقد فهي له بشرطه.
5 - إذا كان بعض ثمره مؤبراً وبعضه لم يؤبر فقد اختلف فيه الفقهاء، والصحيح: أن لكلٍ حكمه، لأن الحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً إلا إذا كان التأبير في نخلة واحدة فيكون كل ثمرتها للبائع لأن باقيها تبع لأولها.
الجزء: 4 - الصفحة: 67
وَكَذلِكَ بَيْعُ الشَّجَرِ، إِذَا كَانَ ثَمَرُهُ بَادِيًا (1). فَإِنْ بَاعَ الأَرْضَ، وَفِيْهَا زَرْعٌ (2)،
6 - دخول الثمرة في البيع إذا اشتريت قبل التأبير أو اشترطها المشتري وهي مؤبرة يعد بيعاً للثمرة قبل بدو صلاحها، لكن رخّص فيه لأنه تابع لأصله وليس مستقلاً، والقاعدة العامة «يثبت تبعاً مالا يثبت استقلالاً»، وهذه الصورة منها وبهذا يجمع بين النصين.
7 - دل الحديث بمفهومه على أن الثمرة قبل التأبير تدخل في البيع، وهذا مذهب جمهور الفقهاء (1).
وقال أبو حنيفة (2) تكون الثمرة للبائع قبل التأبير وبعده أخذاً بمنطوق الحديث وألحقوا ما قبل التأبير بما بعده لأن مفهوم الصفة غير معتبر عندهم.
والراجح عندي: ما ذهب إليه جمهور الفقهاء لأن الشرع جعل التأبير حداً لملك البائع الثمرة، فيكون ما قبله للمشتري وإلا لم يكن لقوله -صلى الله عليه وسلم-: «قد أبرت» معنىً فيكون لغواً، وهذا ينزه عنه كلام الشارع.
(1)
قوله «وَكَذلِكَ بَيْعُ الشَّجَرِ، إِذَا كَانَ ثَمَرُهُ بَادِيًا»:
أي وكذلك سائر الشجر يلحق بالنخل إذا ظهرت ثمرته فإنه يأخذ حكمه كالعنب والتين والرمان ونحو ذلك فهو للبائع قياساً على النخل، لأن بُدِّو ذلك من شجرة بمنزلة ظهور ثمر النخل من طلعه, فإذا ظهر التفاح والمشمش من زهرة فهو كالنخل المؤبر.
وقوله «بادياً» أي بمجرد ظهوره.
(2)
قوله «فَإِنْ بَاعَ الأَرْضَ، وَفِيْهَا زَرْعٌ»:
أي زرعه البائع.133134
الجزء: 4 - الصفحة: 68
لا يُحْصَدُ، إِلاَّ مَرَّةً، فَهُوَ لِلْبَائِعِ مَا لَمْ يَشْتَرِطْهُ الْمُبْتَاعُ (1) وَإِنْ كَانَ يُجَزُّ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى، فَالأُصُوْلُ لِلْمُشْتَرِيْ، وَالْجُزَّةُ الظَّاهِرَةُ عِنْدَ الْبَيْعِ لِلْبَائِع (2)، (1)
قوله «لا يُحْصَدُ، إِلاَّ مَرَّةً، فَهُوَ لِلْبَائِعِ مَا لَمْ يَشْتَرِطْهُ الْمُبْتَاعُ»:
أي لا يدخل في العقد الزرع الذي لا يحصد إلا مرة واحدة إذا كان في الأرض كالبر والشعيرِ فهو للبائع إلا أن يشترط ذلك المبتاع وهو المشتري دليل ذلك الحديث المتقدم.
(2)
قوله «وَإِنْ كَانَ يُجَزُّ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى، فَالأُصُوْلُ لِلْمُشْتَرِيْ، وَالْجُزَّةُ الظَّاهِرَةُ عِنْدَ الْبَيْعِ لِلْبَائِع»:
أي إذا كان الزرع مما يجز مرة بعد أخرى كالبرسيم والبقدونس والكراث أويلقط مرة بعد أخرى كالباذنجان والباقلاء والقثاء والخيار والطماطم وغير ذلك، فهذه أصولها للمشتري قياساً على النخل إلا الجزة الأولى الظاهرة لما يحصد مرة بعد مرة أو لما يلقط مرة بعد أخرى للبائع لأنه يكون كالثمر المؤبر فيعطي حكمه، وأما إذا اشترط المشتري الحصول على الجزة الأولى فله ذلك.
قوله «وَالْجُزَّةُ الظَّاهِرَةُ عِنْدَ الْبَيْعِ لِلْبَائِعِ»: قياساً على الثمرة المؤبرة ولا خلاف في ذلك لأنها ظاهرة في الحال ,لا تراد للبقاء , فلم يدخل في البيع إلا بالشرط كالثمرة المؤبرة.
الجزء: 4 - الصفحة: 69
فَصْلٌ فِيْ حُكْمِ بَيْعِ الثِّمَارِ قَبْلَ بُدُوِّ صَلاحِهَا نَهَى رَسُوْلُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - عَنْ بَيْعِ الثَّمَرَةِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلاحُهَا (1)، وَلَوْ بَاعَ الثَّمَرَةِ بَعْدَ بُدُوِّ صَلاحِهَا عَلَى التَّرْكِ إِلَى الْجُذَاذِ، جَازَ (2) الشرح:
(1)
قوله «نَهَى رَسُوْلُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - عَنْ بَيْعِ الثَّمَرَةِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلاحُهَا»:
عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - «نَهَى عَنْ بَيْعِ الثَّمَرِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلاحُهَا نَهَى الْبَائِعَ وَالْمُبْتَاعَ» (1)، هذا الحديث رواه البخاري ومسلم، والحكمة في النهي عن ذلك أن بيعها قبل بدو صلاحها يجعلها معرضة لكثير من الآفات، فإذا تلفت أو تضررت صار ذلك في ملك المشتري الذي لم ينتفع منها فيكون من أكل أموال الناس بالباطل، ويكون سبباً أيضاً في حصول الشحناء والبغضاء والحقد والحسد بين المسلمين, كما أن بيعها قبل بدو الصلاح ليس فيه فائدة لعدم الانتفاع بها، وكذلك فيه قطع للتنازع والتخاصم بين المتعاملين وإزالة لأسباب العداوة والبغضاء بينهم.
أما كيفية معرفة بدو الصلاح فيأتي - إن شاء الله - قريباً.
(2)
قوله «وَلَوْ بَاعَ الثَّمَرَةِ بَعْدَ بُدُوِّ صَلاحِهَا عَلَى التَّرْكِ إِلَى الْجُذَاذِ، جَازَ»:
لأن المسلمين على شروطهم لكن لا بد أن يبادر بالجذاذ أو الحصاد عند حصول بدو الصلاح ولا يجوز له أن يبقيها بقاءً يتضرر منه البائع فإذا وقَّت الجذاذ فلابد أن يجذ المبتاع الثمرة ولا يبقيها لما في ذلك من الضرر، وكذلك في الحصاد، وهنا فائدتان:135
الجزء: 4 - الصفحة: 70
فَإِنْ أَصَابَتْهَا جَائِحَةٌ (1) رَجَعَ بِهَا عَلَى الْبَائِعِ؛ لِقَوْلِ رَسُوْلِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «لَوْ بِعْتَ مِنْ أَخِيْكَ ثَمَرًا، فَأَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ، فَلا يَحِلُّ لَكَ أَنْ تَأْخُذَ مِنْه وَسَائِرُ الثَّمَرِ أَنْ يَبْدُوَ فِيْهِ النُّضْجُ، وَيَطِيْبَ أَكْلُهُ شَيْئًا، أَتَأْخُذُ مَالَ أَخِيْكَ بِغَيْرِ حَقٍّ (2)
- الفائدة الأولى: إذا باع الثمرة بعد بدو الصلاح واحتاجت إلى سقي فيلزم البائع سقيها إلى وقت جذها أو حصادها.
وهل يلزمه سقيه إذا لم يحتج إلى ذلك قولان؟
الصحيح أنه لا يلزمه إلا إذا احتاج إلى سقي.
الفائدة الثانية: بيع الثمار بعد بدو صلاحها والحب بعد اشتداد حبه له ثلاث حالات
:
الأولى: أن يبيعه بشرط القطع فإنه يصح البيع ويقطعه.
الثانية: أن يبيعه بشرط التبقية فهذا جائز.
الثالثة: أن يبيعه ويسكت فهذا أيضاً جائز.
(1)
قوله «فَإِنْ أَصَابَتْهَا جَائِحَةٌ»:
الجائحة من الجوح وهو الاستئصال، يقال: جاحتهم جائحة، وجاح الله ماله، وأجاحه بمعنى أهلكته الجائحة.
أما تعريفها عند الفقهاء: فهي كل آفة لا صنع لأدمي فيها كالريح والبرد والجراد والعطش ونحو ذلك.
(2) قوله «رَجَعَ بِهَا عَلَى الْبَائِعِ؛ لِقَوْلِ رَسُوْلِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «لَوْ بِعْتَ مِنْ أَخِيْكَ ثَمَرًا، فَأَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ، فَلا يَحِلُّ لَكَ أَنْ تَأْخُذَ مِنْه، وَسَائِرُ الثَّمَرِ أَنْ يَبْدُوَ فِيْهِ النُّضْجُ، وَيَطِيْبَ أَكْلُهُ شَيْئًا، أَتَأْخُذُ مَالَ أَخِيْكَ بِغَيْرِ حَقٍّ»: أي إذا تلفت الثمرة بعد بدو صلاحها بشيء من الآفات السماوية فإن المشتري يرجع على البائع بالثمن كله إذا تلقت كلها أو بعضه إذا تلف بعضها، وهذا هو قول=
الجزء: 4 - الصفحة: 71
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
=جمهور الفقهاء 136، دليل ذلك الحديث الذي ذكره المؤلف وعموم قوله تعالى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ .. ﴾ 137.
وروى أيضاً مسلم عَنْ جَابِرٍ أَنَّ النَّبِىَّ - صلى الله عليه وسلم - «أَمَرَ بِوَضْعِ الْجَوَائِحِ» 138، وذهب أبو حنيفة 139، والشافعي 140 في الجديد، وابن حزم 141، وجماعة من السلف أنه إذا اجتيحت الثمار المبيعة فهي من ضمان المشتري، واستدلوا لذلك بما رواه مسلم عن أبى سعيد الخدري قال: أُصِيبَ رَجُلٌ فِى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فِي ثِمَارٍ ابْتَاعَهَا فَكَثُرَ دَيْنُهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - «تَصَدَّقُوا عَلَيْهِ فَتَصَدَّقَ النَّاسُ عَلَيْهِ فَلَمْ يَبْلُغْ ذَلِكَ وَفَاءَ دَيْنِهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - لِغُرَمَائِهِ خُذُوا مَا وَجَدْتُمْ وَلَيْسَ لَكُمْ إِلاَّ ذَلِكَ» 142، وجه الدلالة منه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أعطى الغرماء جميع ماله ولم يسقط عنه لأجل الجائحة شيئاً, فدل على عدم وجوب وضع الجائحة.
والراجح عندي: ما ذهب إليه أصحاب القول الأول لقوة الأدلة وصراحتها، أما ما استدل به أصحاب القول الثاني فدليلهم وإن كان صحيحاً لكنه ليس بصريح في هذه المسألة أما الأدلة التي أخذ بها الجمهور فهي أدلة صحيحة=
الجزء: 4 - الصفحة: 72
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . =صريحة في وضع الجوائح، ومع القول بأن ما أصابته الجائجة يكون الرجوع فيه على البائع إلا أن هذا الحكم ليس على إطلاقه فيستثنى من ذلك ما إذا أخر المشتري هذا المبيع عن العادة فإن الضمان عليه لا على البائع, فإذا قدر أن المشتري تهاون في جذ المبيع عن وقت الجذاذ حتى جاء المطر فأفسدها فالرجوع على المشتري لأنه هو الذي فرط.
ذكر بعض الفوائد
:
- الفائدة الأولى: إذا تغير بعض الثمر كأن يصير بعضه حشفاً كما في النخيل فينقص الثمر بذلك فهل يضمنه البائع؟ نقول: نعم لأنه إذا ضمن الكل ضمن البعض فهذا الثمر الذي حشف وصار لا يأكله إلا البهائم هو كالتالف في الواقع فضمان النقص على البائع.
- الفائدة الثانية: إذا أتلف آدمي الثمر:
فالمشتري بالخيار بين الفسخ ويكون الضمان على البائع وإن شاء الإمضاء وطالب المتلف بما أتلفه.
- الفائدة الثالثة: قد يقول قائل كيف يخير المبتاع والمشتري بين الفسخ والإمضاء والثمرة في ملكه، فلماذا لا يطالب المتلف ولا يرجع على البائع؟ ويقال له: لأن الثمرة كانت في ضمان البائع فعليه حفظها وحراستها، فكأنه هو المفرط في ذلك حتى أتلفه من أتلفه من الآدميين.
- الفائدة الرابعة: الجائحة إذا كانت قبل تخلية الثمرة للمشتري فهي على البائع، وإن كانت بعد الجذاذ فهي على المشتري، وأما بينهما فالصواب أنها على البائع.
الجزء: 4 - الصفحة: 73
وَصَلاحُ ثَمَرِ النَّخْلِ أَنْ يَحْمَرَّ أَوْ يَصْفَرّ (1)
- الفائدة الخامسة: لاضمان على البائع في ثلاث صور:
1 - إذا كان التلف يسيراً.
2 - إذا اشترى الثمرة مع أصولها.
3 - إذا أخر المشتري أخذ الثمرة عن وقت الجذاذ المعتاد لأنه مفرط وقد سبق ذلك.
- الفائدة السادسة: إذا اختلف البائع والمشتري في التلف
وقدره ولا بينة فالقول قول البائع.
الفائدة السابعة: إذا تعيبت الثمرة من غير تلف
خُير المشتري بين الإمضاء مع الأرش وبين الرد وأخذ الثمن.
(1)
قوله «وَصَلاحُ ثَمَرِ النَّخْلِ أَنْ يَحْمَرَّ أَوْ يَصْفَرّ»:
ودليل ذلك ما رواه البخاري عن جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: «نَهَى النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - أَنْ تُبَاعَ الثَّمَرَةُ حَتَّى تُشَقِّحَ فَقِيلَ وَمَا تُشَقِّحُ قَالَ تَحْمَارُّ وَتَصْفَارُّ وَيُؤْكَلُ مِنْهَا» 143، ومعنى تشقح بضم أوله من الرباعي يقال اشقح النخل اشقاحاً: إذا احمر أو أصفر.
وأيضاً روى البخاري عن أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ -رضي الله عنه- عَنْ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - «أَنَّهُ نَهَى عَنْ بَيْعِ الثَّمَرَةِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا وَعَنْ النَّخْلِ حَتَّى يَزْهُوَ قِيلَ وَمَا يَزْهُو قَالَ يَحْمَارُّ أَوْ يَصْفَارُّ» 144، فالاحمرار والاصفرار علامة على نضج الثمرة.
الجزء: 4 - الصفحة: 74
وَالْعِنَبِ أَنْ يَتَمَوَّهَ (1)، وَسَائِرُ الثَّمَرِ أَنْ يَبْدُوَ فِيْهِ النُّضْجُ، وَيَطِيْبَ أَكْلُهُ (2)، (1)
قوله «وَالْعِنَبِ أَنْ يَتَمَوَّهَ»:
معنى يتموه أي يلين فيصير ماءه يميل إلى السواد ويكون حلواً، دليل ذلك عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِىَّ - صلى الله عليه وسلم - «نَهَى عَنْ بَيْعِ الْعِنَبِ حَتَّى يَسْوَدَّ» (1)، وهذا إنما يكون في العنب الذي لا يكون صلاحه إلا باسوداده، لكن هناك عنب لا يسود ولو بلغ الغاية في النضوج ولذلك لو كان التعبير يقول «والعنب أن يطيب أكله» لكان أجود.
(2)
قوله «وَسَائِرُ الثَّمَرِ أَنْ يَبْدُوَ فِيْهِ النُّضْجُ، وَيَطِيْبَ أَكْلُهُ»:
هذا في بقية الثمار كالبرتقال والتفاح والخوخ وغير ذلك، فلا يتم بدو الصلاح إلا بالنضج، دليل ذلك ما رواه البخاري ومسلم عَنْ جَابِرٍ -رضي الله عنه- قَالَ نَهَى النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - «عَنْ بَيْعِ الثَّمَرِ حَتَّى يَطِيبَ وَلَا يُبَاعُ شَيْءٌ مِنْهُ إِلَّا بِالدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ إِلَّا الْعَرَايَا» 146.
- فائدة: ما يوضع على الثمار بغرض تعجيل نضجه أو تعجيل احمراره أو اصفراره وبخاصة في البرتقال والتفاح والخوخ وغير ذلك، فهذا فيه مضرة عظيمة على البشر، وقد ثبت علمياً أن ما يضاف إلى الثمار من هرمونات بغرض إنضاجها واستعجال حصادها كل ذلك فيه مضرة عظيمة على الناس فلا يجوز للمسلم أن يقدم عليه.
أما ما يستخدم من مبيدات حشرية أو إضافة بعض الكيماويات بغرض الحفاظ على الأصل، وتقوية الزرع، وحفظه من العاهات فهذا لا بأس به إلا إذا كانت الكثرة منه تصيب الإنسان بالأمراض، فهنا لا يجوز بل يعطي للثمار منه على قدر الحاجة.145
الجزء: 4 - الصفحة: 75
بَابُ الْخِيَارِ
(1) الشرح:
(1)
قوله «بَابُ الْخِيَارِ»:
الخيار في اللغة: اسم مصدر من الاختيار والفعل منهُ اختار، وقول القائل: «أنت بالخيار»، أي: اختر ما شئت، فهو الأخذ بخير الأمرين من الإمضاء أو الفسخ سواء كان للبائع أو المشتري.
وعرف الخيار في الاصطلاح: بأنه حق العاقد في فسخ العقد أو إمضائه لظهور مسوغ شرعي أو بمقتضى اتفاق عقدي.
ذكر بعض الفوائد:
الفائدة الأولى: الحكمة في مشروعية الخيار
: الخيار في البيع من محاسن الإسلام إذ قد يقع البيع بغتة من غير تفكير ولا تأمل ولا نظر في القيمة فيندم المتبايعان أو أحدهما، من أجل ذلك أعطى الإسلام فرصة للتروي تسمى الخيار يتمكن المتبايعان أثناءها من اختيار ما يناسب كلاً منهما من إمضاء البيع أو فسخه.
الفائدة الثانية: في أقسام الخيار
: ينقسم الخيار إلى عدة أقسام سيذكرها المؤلف وسنوضحها في أثناء الشرح وهي على سبيل الإجمال لا الحصر:
1 - خيار المجلس.
2 - خيار الشرط.
3 - خيار الغبن.
4 - خيار التدليس.
5 - خيار العيب.
6 - خيار تخيير الثمن.
7 - خيار اختلاف المتبايعين في قدر الثمن.
وهناك أنواع أخرى، لكن هذا هو المشهور من أنواع الخيارات.
الجزء: 4 - الصفحة: 76
الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا بِأَبْدَانِهِمَا (1)، (1)
قوله «الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا بِأَبْدَانِهِمَا»:
هذا هو النوع الأول من الخيارات ويسمى خيار المجلس، وقد اختلف الفقهاء في مشروعية خيار المجلس: فذهب جمهور الفقهاء من السلف والخلف ومنهم الشافعية 147، والحنابلة 148 إلى مشروعيته، فلا يلزم العقد عندهم إلا بالتفرق عن المجلس أو التخاير واختيار إمضاء العقد، واستدل هؤلاء بأدلة منها: عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال «الْمُتَبَايِعَانِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْخِيَارِ عَلَى صَاحِبِهِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا إِلَّا بَيْعَ الْخِيَارِ» 149، وفي رواية: «أَوْ يَكُونُ الْبَيْعُ خِيَارًا قَالَ نَافِعٌ وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ إِذَا اشْتَرَى شَيْئًا يُعْجِبُهُ فَارَقَ صَاحِبَه» 150، وفي رواية عند مسلم قال نافع: فَكَانَ إِذَا بَايَعَ رَجُلاً فَأَرَادَ أَنْ لا يُقِيلَهُ قَامَ فَمَشَى هُنَيَّةً ثُمَّ رَجَعَ إِلَيْهِ»، وفي رواية: «أَوْ يُخَيِّرُ أَحَدُهُمًا الآَخَر» 151، وفي رواية: «وَكَانَا جَمِيعًا» 152. روى البخاري ومسلم عن حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ -رضي الله عنه- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - «الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا أَوْ قَالَ حَتَّى يَتَفَرَّقَا فَإِنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا بُورِكَ لَهُمَا فِي بَيْعِهِمَا وَإِنْ كَتَمَا وَكَذَبَا مُحِقَتْ بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا» 153، وجه الدلالة من الحديثين=
الجزء: 4 - الصفحة: 77
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
=إثبات الخيار من الشرع للمتبايعين بعد تمام البيع بالإيجاب والقبول، أما قبل ذلك فهما متساويان والتساوي لا يسمى بيعاً.
ومن الأدلة أيضاً قول ابن عمر رضي الله عنهما «وَكَانَتْ السُّنَّةُ أَنَّ الْمُتَبَايِعَيْنِ بِالْخِيَارِ حَتَّى يَتَفَرَّقَا .. » 154.
دليل المعقول: حيث أن حاجة الناس داعية لذلك لأن الإنسان بعد أن يبيع شيئاً أو يشتريه يبدو له عدم البيع أو الشراء فيندم، فالخيار ثابت له في المجلس يمكنه من خلاله التدارك.
القول الثاني: أنه لا يلزم الخيار في المجلس بل يلزم بمجرد العقد وهذا هو اختيار الحنفية 155، والمالكية 156، واستدل أصحاب هذا القول بأدلة منها:
قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ 157، وجه الدلالة من الآية: أن الآية أباحت أكل المال بالتجارة عن تراض مطلقاً عن قيد التفرق من مكان العقد، ويترتب عليه جواز الأكل في المجلس قبل التفرق أو التخاير.
قوله تعالى: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ 158. وجه الدلالة أنه إذا لم يقع العقد لازماً لم يتحقق وجوب الوفاء به وهو ما تقضي به الآية.
عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ «مَنْ ابْتَاعَ طَعَامًا فَلَا يَبِعْهُ =
الجزء: 4 - الصفحة: 78
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
=حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ» 159، وجه الدلالة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يقيده بالتفرق فلو كان فيه لذكره.
القياس: حيث قاسوا البيع ونحوه من المعاملات المالية على النكاح والخلع والعتق من المال والكتابة وكل منها عقد معاوضة يتم بلا خيار المجلس.
قلت: وبعد بيان رأي الفريقين وأدلتهم أقول:
الراجح عندي من الأقوال: هو ما ذهب إليه أصحاب القول الأول من ثبوت خيار المجلس لصراحة الأدلة عليه 160.
وقول المؤلف -رحمه الله- «الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا بِأَبْدَانِهِمَا»: هذا الحديث رواه البخاري ومسلم عن حكيم ابن حزام -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا، أَوْ قَالَ حَتَّى يَتَفَرَّقَا - فَإِنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا بُورِكَ لَهُمَا فِي بَيْعِهِمَا وَإِنْ كَتَمَا وَكَذَبَا مُحِقَتْ بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا».
أما قوله «بِأَبْدَانِهِمَا»: فهو تفسير لمعنى الخيار، وهو أن يكون التفرق بالأبدان دليل ذلك ما رواه ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إِذَا تَبَايَعَ الرَّجُلانِ فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا وَكَانَا جَمِيعًا» 161.
فقوله «مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا»: ما: مصدريه ظرفية، أي أن الخيار ممتد زمن عدم تفرقهما، ويؤيد ذلك قوله -صلى الله عليه وسلم- في نفس الحديث «وَكَانَا جَمِيعًا».
=
الجزء: 4 - الصفحة: 79
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
=ومن الأدلة أيضاً ما جاء عن ابن عمر رضي الله عنهما وهو راوي الحديث السابق «أنه كان إذا باع البيعة التي تعجبه مشى خطوات ليلزم البيع» (1)، ففعله هذا تفسيرٌ للحديث.
قلت: وذهب من قال بعدم جواز خيار المجلس إلى أن التفرق إنما يكون بالأقوال لا الأبدان.
والصحيح: هو المذهب.
والمرجع في حد التفرق هو عرف الناس وعاداتهم فيما يعدونه تفرقاً، فما عده العرف تفرقاً فهو كذلك وإلا فلا، لأنه لم يرد في الحديث تحديد لمعناه، ففي مكتب أو دكان خروج أحدهما، وفي سوق أو صحراء بأن يولي أحدهما للأخر ظهره ويمشي قليلاً، وفي دار كبيرة بأن ينتقل من غرفة أو إلى صحن الدار وفي سيارة ينزل أحدهما وهكذا، فإن كان التعاقد عن طريق الهاتف، فعلى القول بجواز البيع عن طريق الهاتف - وهو الأظهر - تنتهي مدة الخيار بإنهاء كلامهما لأن مثل هذا البيع يعتمد على السماع حتى لو بقيا يتكلمان مدة طويلة ولو في غير موضوع البيع فالخيار باق قياساً على بقائهما في مكان واحد.
ذكر بعض الفوائد
:
- الفائدة الأولى: إذا قاما من المجلس جميعاً وذهبا جميعاً فالمجلس ممتد معهما حتى يتفرقا.
- الفائدة الثانية: إذا كانا في مجلس واحد ونام أحدهما أو أغمي عليه فلا يعد تفرقاً.162
الجزء: 4 - الصفحة: 80
فَإِنْ تَفَرَّقَا 163، وَلَمْ يَتْرُكْ أَحَدُهُمَا الْبَيْعَ، فَقَدْ وَجَبَ الْبَيْعُ 164، إِلاَّ أَنْ يَشْتَرِطَا الْخِيَارَ لَهُمَا، أَوْ لأَحَدِهِمَا مُدَّةً مَعْلُوْمَةً 165،
- الفائدة الثالثة: لو مات أحدهما في المجلس بطل خيار الميت وبقي خيار الحي وقيل إن الخيار للورثة.
(1) قوله «فَإِنْ تَفَرَّقَا»: أي بأبدانهما.
(2) قوله «وَلَمْ يَتْرُكْ أَحَدُهُمَا الْبَيْعَ، فَقَدْ وَجَبَ الْبَيْعُ»: أي إن تفرقا وبقي ما اتفقا عليه من البيع فقد وجب البيع، وقوله «وَجَبَ الْبَيْعُ»: أي ليس لأحدهما فسخه إلا بسبب.
(3) قوله «إِلاَّ أَنْ يَشْتَرِطَا الْخِيَارَ لَهُمَا، أَوْ لأَحَدِهِمَا مُدَّةً مَعْلُوْمَةً»: هذا هو خيار الشرط، وهو القسم الثاني من أقسام الخيار، ويسميه بعض الفقهاء بخيار التروي، وهو من إضافة الشيء إلى سببه أي الخيار الذي سببه الشرط، وقد اتفق الفقهاء على هذا النوع من الخيار.
أما تعريفه: فهو أن يشترط المتعاقدان الخيار في صلب العقد أو بعده، كأن يقول المشتري للبائع عند شرائه سلعة كسيارة مثلاً «سأشاور الزوجة أو حتى أفحصها»، وهكذا.
وهذا النوع من الخيار يشترط لصحته شرطان:
الأول: كما ذكر المؤلف أن تكون المدة معلومة، فإذا كان الأمد مجهولاً ففيه خلاف بين الفقهاء.
والصحيح: ما ذهب إليه جمهور أهل العلم إلى أنه لا بد من تقييد الخيار بمدة معلومة مضبوطة عن الزيادة والنقصان فلا يصح اشتراط خيار غير مؤقت أصلاً.
الجزء: 4 - الصفحة: 81
فَيَكُوْنَانِ عَلَى شَرْطِهِمَا.
وَإِنْ طَالَتِ الْمُدَّةُ (1)،
الثاني: أن لا تكون حيلة للتوصل إلى الانتفاع بالمبيع دون شرائه.
(1) قوله «فَيَكُوْنَانِ عَلَى شَرْطِهِمَا.
وَإِنْ طَالَتِ الْمُدَّةُ»: اختلف الفقهاء في مدة خيار الشرط على ثلاثة أقوال:
القول الأول: أن المدة تصح ولو كانت طويلة إذا كانت محددة دليل ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم - في الحديث السابق «المسلمون على شروطهم»، فهي مثل الأجل قد يطول وقد يقصر وهذا هو قول الحنابلة (1).
القول الثاني: أن المدة التي تحدد هي ثلاثة أيام، وهذا هو قول الحنفية (2)، والشافعية (3).
واستدلوا لذلك بما يلي:
النص الوارد في ذلك عن ابن عمر قال: سَمِعْتُ رَجُلاً مِنَ الأَنْصَارِ وَكَانَتْ بِلِسَانِهِ لَوْثَةٌ يَشْكُو إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: أَنَّهُ لا يَزَالُ يُغْبَنُ فِي الْبَيْعِ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: «إِذَا بَايَعْتَ فَقَلْ لا خِلابَةَ ثُمَّ أَنْتَ بِالْخِيَارِ فِي كُلِّ سِلْعَةٍ ابْتَعْتَهَا ثَلاثَ لَيَالٍ» 166. أن هذه المدة قريبة كما قال صالح عليه السلام لقومه: ﴿قَالَ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ﴾ 167، وقد قال فبلها ﴿وَلا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ﴾ 168.
الجزء: 4 - الصفحة: 82
إِلاَّ أَنْ يَقْطَعَاهُ (1)،
القول الثالث: قول المالكية (1) وهو أن المدة ثلاثة أيام ولا بأس بالزيادة اليسيرة مدة يوم أو يومين للحاجة إذا كانت البلد بعيدة.
والراجح عندي: ما ذهب إليه الحنابلة لقوله - صلى الله عليه وسلم - في الحديث السابق «الْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ»، فلو فرض أن جعل خيار الشرط لمدة شهر أو سنة أو سنتين فلا بأس.
(1)
قوله «إِلاَّ أَنْ يَقْطَعَاهُ»:
أي إلا أن يقطعا الشرط في أثناء المدة فهنا يبطل الخيار لأن الحق لهما مثل أن يقول: «أشتري منك هذا الشيء ولي الخيار لمدة شهر»، وفي أثناء الشهر قالا: «نريد إلغاء هذا الشرط حتى يكون لنا التصرف الكامل» فلا بأس.
ذكر بعض الفوائد المتعلقة بخيار الشرط
:
- الفائدة الأولى: إذا مضت المدة في خيار المجلس أو الشرط فهل لا بد من إمضاء العقد من الطرفين أم أنه يلزم تلقائياً؟ نقول هذه المسألة فيها قولين لأهل العلم: الأول: يلزم العقد بمضي المدة ولا يحتاج إلى إمضاء من الطرفين لأن الأصل هو اللزوم وهذا هو رواية عن الإمام أحمد 170. الثاني: أن العقد لا بد له من إمضاء الطرفين ومن امتنع من الإمضاء فإن الحاكم يلزمه كالمُولى إذا مضت المدة الأربعة أشهر ولم يفي، فإن لم يرجع استدعاه الحاكم فإن فاء وإلا طلق فكذلك هنا يستدعيه الحاكم، فإن أمضى=169
الجزء: 4 - الصفحة: 83
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
=البيع وإلا ألزمه بالإمضاء.
والأظهر عندي: هو القول الأول.
الفائدة الثانية: هل فسخ الخيار في أثناء المدة حق لكل منهما
بدون حضور الآخر ورضاه؟
نقول المسألة على قولين:
الأول: أنه حق لكل منهما فله الفسخ ولو لم يحضر الطرف الثاني وله أن يمضي ولو لم يرض الطرف الثاني.
الثاني: أنه لا بد من حضور الطرف الثاني فلابد من إشعاره بالإمضاء أو الفسخ لأنه حق للطرفين.
قلت: والأظهر عندي أنه ما دام في مدة الخيار فله أن يقطع الخيار بدون حضور الطرف الثاني لكن لابد من إبلاغه، ولو قيل الأفضل والأحسن الأخذ بالقول الثاني لقطع النزاع بين المتعاقدين لكان ذلك جيداً.
الفائدة الثالثة: لمن يكون الملك في مدة الخيار
؟ اختلف الفقهاء 171 في هذه المسألة على أقوال:
الأول: أن الملك مدة الخيارين للمشتري.
الثاني: أن الملك مدة الخيارين للبائع بناء على الأصل لأنه لم يحصل بيع يلزم فيبقى الملك مدة الخيارين للبائع.
الثالث: أن المبيع يكون موقوفاً فإن أتم البيع فهو للمشتري وإن أبطل البيع =
الجزء: 4 - الصفحة: 84
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= فهو للبائع.
الرابع: أنه إذا كان الخيار للطرفين أو البائع فإن الملك في الخيارين للبائع كالقول الثاني، وإن كان الخيار للمشتري فيكون المبيع موقوفاً.
ثمرة الخلاف من هذه الأقوال تتضح فيما يلي:
1 - لو تلف المبيع في مدة الخيارين فإن تلفه يكون على من له الملك.
2 - الغلة المنفصلة كما لو أثمرت الشجرة أو ولدت الدابة تكون لمن له الملك، أما النماء المتصل فإنه يتبع العين.
3 - على من تكون النفقة على الدابة تكون على من له الملك.
والصحيح من هذه الأقوال ما ذهب إليه أصحاب القول الأول وهو أن الملك مدة الخيارين - المجلس والشرط - يكون للمشتري، دليل ذلك:
1 - ما ورد عن سالم عن أبيه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال «وَمَنِ ابْتَاعَ عَبْدًا فَمَالُهُ لِلَّذِى بَاعَهُ إِلاَّ أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُبْتَاعُ» 172، وجه الدلالة قوله - صلى الله عليه وسلم - «فَمَالُهُ لِلَّذِي بَاعَهُ»: أي من حين العقد لأن البيع يتم بمجرد الإيجاب والقبول وقوله «إلا أن يشترطه المبتاع»: أي فيكون للمشتري.
2 - وهناك دليل نظري أن المبيع لو تلف وهو عند المشتري لكان من ضمانه، وإذا كان من ضمانه فكيف نجعل عليه الغرم ولا نجعل له الغنم؟
فالصحيح: هو القول الأول، وهو المذهب 173، واختاره شيخنا محمد بن صالح العثيمين -رحمه الله- 174.
الجزء: 4 - الصفحة: 85
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . -
الفائدة الرابعة: في النماء المنفصل والنماء المتصل
: قد يحصل أثناء مدة الخيار نماء للمبيع وهذا النماء إما أن يكون منفصلاً كاللبن والولد والثمرة وغير ذلك مما ليس متصلاً في المبيع.
والمتصل ما لا يمكن انفكاكه عن المبيع كالسّمِنِ، وتعلم الصنعة، والصحة بعد المرض.
فإذا حصل نوع من هذين النوعين للمبيع فلمن يكون هذا النماء؟
نقول المذهب 175 في النماء المنفصل يكون للمشتري والمتصل يكون للبائع، فلو اشترى شاة بمائة درهم واشترط الخيار لمدة شهر وهذه الشاة فيها لبن، فاللبن للمشتري لأنه نماء منفصل فإذا سمنت هذه الشاة وصارت ذات لحم وشحم فهو نماء متصل فهو للبائع لأنه لا يمكن تخلصه من الأصل.
قلت: وسيأتي في كلام المؤلف شيء من ذلك قريباً - إن شاء الله -.
- الفائدة الخامسة: في ذكر بعض صور خيارات الشرط الباطلة في بعض البيوع المعاصرة: 1 - ما انتشر في هذا الوقت من قول بعضهم «البضاعة لا ترد ولا تستبدل» فهو شرط غير صحيح، لما فيه من الضرر والتعمية، لأن مقصود البائع غالباً بهذا الشرط إلزام المشتري بالبضاعة ولو كانت معيبة، واشتراطه هذا لا يبرئه من العيب الموجود في السلعة، لأنها إن كانت معيبة فللمشتري استبدالها ببضاعة غير معيبة أو أخذ ارش العيب، ولأن المشتري دفع هذه القيمة مقابل هذه السلعة وهي سليمة، وأخذ البائع الثمن كاملاً مع وجود هذا العيب أكل =
الجزء: 4 - الصفحة: 86
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= لمال المشتري بالباطل، ولأن الشارع أقام
الشرط العرفي كاللفظي، وذلك للسلامة من العيب، حتى يسوغ للمشتري الرد بوجود العيب واشتراط سلامة المبيع عرفاً منزلة اشتراطها لفظاً.
2 - ما يحصل بين المتبايعين على أن للمشتري الخيار في رد السلعة، لكن ليس له أن يسترد الثمن، وإنما يشتري من البائع من السلع ما يشاء بما يعادل ثمن السلعة التي ردها، فهو شرط غير صحيح، لما فيه من الغرر والضرر، حيث يجبر المشتري على شراء سلعة غير محددة وبثمن قد يحدده البائع، وقد يزيد عليه ثمنها.
3 - اشتراط بعض الباعة على المشتري في بيع التقسيط، أنه إذا تأخر المدين في قسط واحد مدة معينة حلت جميع الأقساط، فهذا شرط غير صحيح، لأنه ينافي مقتضى العقد، وهو التأجيل الذي استحقت به الزيادة، وفيه ظلم للمدين، والمعسر يستحق الإنظار، لا أن يظلم.
4 - اشتراط المشتري إن نفق المبيع وإلا رده وهو ما يسمى «بالبيع على التصريف» وقد كثر اشتراط المشترين في هذا العصر لهذا الشرط وبالأخص عند شراء البضائع محدودة الصلاحية أو التي لها وقت محدد إذا فات وقتها انعدمت وضعفت رغبة الناس في شرائها، كالألبان والجرائد والمجلات وغيرها، وهذا الشرط باطل لمخالفته لمقتضى العقد كما جاء في فتوى اللجنة الدائمة، لكن يصح أن يضع البائع سلعاً عند صاحب المحل الذي يرغب في شرائها، ويبيعها عليه بسعر محدد لكل سلعة من هذه السلع، ويجعل له الخيار مدة معلومة في إلغاء بيع ما يريد من هذه السلع، فما باعه صاحب هذا =
الجزء: 4 - الصفحة: 87
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
=المحل فهو قد اختار إمضاء بيعها وإلغاء خياره فيها، وما لم يبعه منها وردها فهو قد اختار عدم شرائها فهو بيع بشرط الخيار.
ويمكن أيضاً أن يوكل صاحب السلعة صاحب المحل لبيعها ويعطيه مقابل ذلك أجرة مقطوعة أو حسب القطعة الواحدة، والفرق هنا أن السلعة تبقى ملكاً لصاحبها والبائع نائب عنه فيده يد أمانة.
- الفائدة السادسة: التسعير: والأقرب أن التسعير يجوز بشرطين:
الأول: أن يكون التسعير فيما حاجته عامة للناس، كأقوات الناس.
الثاني: أن لا يكون سبب الغلاء قلة العرض أو كثرة الطلب، فإن هذا لا يجوز التسعير فيه، لما ثبت عن أنس قال: قَالَ النَّاسُ يَا رَسُولَ اللَّهِ غَلا السِّعْرُ فَسَعِّرْ لَنَا.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - «إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمُسَعِّرُ الْقَابِضُ الْبَاسِطُ الرَّازِقُ وَإِنِّي لأَرْجُو أَنْ أَلْقَى اللَّهَ وَلَيْسَ أَحَدٌ مِنْكُمْ يُطَالِبُنِي بِمَظْلَمَةٍ فِي دَمٍ وَلا مَالٍ» 176، وإنما يسعر فيما إذا كان سبب الغلاء اتفاق الباعة على رفع الأسعار، ونحو ذلك.
ولهذا لو اتفق باعة في بلد أو مكان على رفع سعر ما حاجته عامة للناس، كالبر والأرز ونحوهما فإنه يجب منعهم من البيع إلا بسعر المثل، أما ما حاجته خاصة ببعض الناس فإنه لا يجوز تسعيره، ومن ذلك تأجير العقار للسكن، لأنه ليس في استئجارها حاجة عامة لجميع الناس، بل الغالب يسكنون في مساكن يملكونها، ويستثنى من الشرطين السابقين: ما إذا منع الناس من بيع السلع أو مزاولة بعض المهن المعينة، التي بالناس حاجة ماسة إليها، وأذن في ذلك =
الجزء: 4 - الصفحة: 88
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= لأناس معينين، فإنه يجب حينئذ التسعير على هؤلاء المرخص لهم، لئلا يستغلوا حاجة الناس لذلك بسبب هذا التخصيص، وهذا مجمع عليه 177، ولهذا فإنه في هذا الوقت الذي أصبح فيه بيع كثير من السلع واستيرادها ومزاولة بعض المهن مقصوراً على أناس معينين، فإنه يتعين التسعير في تلك السلع والمهن في الجملة، ومن أهم الأمور التي يجب التسعير فيها ما يلي:
1 - ما يسمى «عقود الإذعان»: وهي عقود تتعلق بسلع أو منافع يحتاج إليها الناس كافة، ولا غنى لهم عنها، كالماء والكهرباء والغاز والهاتف والبريد والنقل العام للركاب بين المدن أو داخل المدينة ونقل البضائع وشركات الطيران المدني والقطارات ونحو ذلك، وتكون هذه السلع أو المنافع خاضعة لاحتكار وسيطرة الموجب لتلك السلع أو المنافع أو المرافق احتكاراً قد يلزم به النظام، وقد يكون احتكاراً فعلياً، وقد تكون سيطرته عليها غير تامة، ولكنها قوية بحيث تجعل المنافسة فيها محدودة النطاق، وعادة ينفرد الطرف الموجب بوضع تفاصيل العقد وشروطه، ويصدر العرض منه موجهاً إلى جمهور الناس.
ويتم عقد الإذعان بوجود ما يدل عرفاً على توافق إرادتي طرفيه على إنشائه.
فيجب أن تخضع جميع عقود الإذعان لرقابة الدولة ابتداء - أي قبل طرحها للتعامل بها مع الناس - فتقر ما هو عدل منها، وتعدل أو تلغي ما فيه ظلم للطرف المذعِن، وفقاً لما تقضي به العدالة شرعاً، كما يجب عليها دفع ضرر احتكار فرد أو شركة سلعة أو منفعة معينة ضرورية لعامة الناس، وعدم بذلها
الجزء: 4 - الصفحة: 89
وَإِنْ وَجَدَ أَحَدُهُمَا بِمَا اشْتَرَى عَيْبًا لَمْ يَكُنْ عَلِمَهُ، فَلَهُ رَدُّهُ، أَوْ أَخْذُ أَرْشِ الْعَيْبِ (1).
=لهم بالثمن العادل - وهو ثمن بالمثل - بالتسعير الجبري العادل.
2 - الوكالات الحصرية للاستيراد: فيتعين التسعير على أصحاب هذه الوكالات في حال ما إذا كانت هناك ضرورة أو حاجة عامة أو خاصة إلى المنتج الذي تتعلق به الوكالة الحصرية، والوكيل ممتنع من بيعه إلا بغبن فاحش أو بشروط جائرة، وذلك بالتسعير الجبري العادل.
أما إن كانت الوكالة تبيع المنتج أو توفر المنفعة بسعر المثل، أو كانت تبيعه بأكثر من سعر المثل، لكن يوجد له مثيل أو بديل في السوق يباع بسعر المثل، أو كان هذا المنتج لا ضرورة إليه لكونه من السلع أو المنافع الترفيهية، كالسيارات الفارهة، وكمنفعة عمال ومزارعي حدائق الزينة، ونحو ذلك، فلا يجوز التسعير على الوكالة في كل هذه الأحوال (1).
(1)
قوله «وَإِنْ وَجَدَ أَحَدُهُمَا بِمَا اشْتَرَى عَيْبًا لَمْ يَكُنْ عَلِمَهُ، فَلَهُ رَدُّهُ، أَوْ أَخْذُ أَرْشِ الْعَيْبِ»:
هذا هو النوع الثالث من أنواع الخيار وهو خيار العيب من إضافة الشيء إلى سببه والمعنى أي الخيار الذي سببه العيب، والعيب في اللغة الرداءة والنقص، والمراد به هنا ما أوجب نقصاً للثمن عند التجار، وعرفت سلامة المبيع منه غالباً، فالتعويل في ذلك على عرف التجار، فما نقص الثمن في عرفهم فهو عيب موجب للخيار ولكن يشترط للرد بالعيب ألا يعلم به المشتري حال العقد فإن كان عالماً به وقت العقد فلا خيار لأنه اشترى على بصيرة وهذا معنى كلامه «لم يكن علمه»، وإن أراد أخذ المبيع وبه العيب=178
الجزء: 4 - الصفحة: 90
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
=فله أخذه وأخذ أرش العيب وهو قسط ما بين قيمة الصحة والعيب أي يقدر ثمن المبيع إذا لم يكن المبيع معيباً ويقدره إذا كان معيباً، والفرق بينهما هو الأرش.
وذهب شيخ الإسلام (1) إلى أنه إذا وجد في المبيع عيباً فإما أن يأخذه مجاناً وإما أن يرده، أما الأرش فلا بد من رضا البائع لأنه معاوضة، فالبائع يقول: «أنا بعت عليك هذا الشيء إما أن تأخذه وإما أن ترده» أما الأرش فهذا يعتبر عقداً جديداً.
والأظهر عندي في هذه المسألة: هو أن للمشتري الخيار بين الإمساك بالأرش أو رده.
ذكر بعض الفوائد
:
- الفائدة الأولى: إذا حصل بالسلعة عيب عند المشتري وبها عيب قبل البيع يريد ردها به، فقد اختلف في ذلك الفقهاء على قولين:
الأول: يمنع ردها بالعيب الأول، لأن العيب الجديد على مسئولية المشتري، وفي ردها ضرر، والضرر لا يزال بالضرر فتعين الإمساك وأخذ الأرش.
الثاني: له أن يردها بالعيب الأول، ويدفع للبائع ارش العيب الجديد، وإن أمسكها فله ارش العيب الأول وهذان القولان في المذهب 180. - الفائدة الثانية: إذا اختلفا المتبايعان في حدوث العيب فيقول البائع حدث عندك، ويقول المشتري بل حدث عندك، فبأي القولين نأخذ؟ =179
الجزء: 4 - الصفحة: 91
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
=نقول في هذا تفصيل:
إذا كان العيب لا يحتمل إلا قول أحدهما، فإنه يقبل بلا يمين كأن يكون بالمبيع دليل على أن ما به قديم كأن تكون به إصبع زائدة أو جرح قديم، فالقول قول المشتري.
أما إذا كان العكس كأن يكون الجرح جديداً ينزف دماً فالقول قول البائع ولا يقبل قول المشتري.
أما إذا لم توجد قرينة تدل على هذا ولا هذا فعلى قولين في المذهب:
القول الأول: أن القول قول البائع مع يمينه وهذا هو قول جمهور الفقهاء وهو القول الراجح.
القول الثاني: أن القول قول المشتري مع يمينه لأن الأصل أنه لم يشتر هذا القدر الفائت بالبيع والأصل كونه سليماً، وهذا هو المذهب.
دليل ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم - «إِذَا اخْتَلَفَ الْبَيِّعَانِ وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا بَيِّنَةٌ فَهُوَ مَا يَقُولُ رَبُّ السِّلْعَةِ أَوْ يَتَتَارَكَانِ» (1)، وهذا نص صريح في هذه المسألة، ولأن الأصل عدم وجود العيب والسلامة ودعوى أن العيب سابق على العقد خلاف الأصل.
- الفائدة الثالثة: هل خيار العيب على التراخي
أم على الفورية؟ قولان لأهل العلم: الأول: أنه على التراخي بشرط ألا يتصرف في المبيع لأن الخيار لإزالة الضرر، فإذا تصرف بعد علمه بالعيب فلا خيار، وهذا رواية في المذهب 182.181
الجزء: 4 - الصفحة: 92
وَمَا كَسَبَهُ الْمَبِيْعُ، أَوْ حَدَثَ فِيْهِ مِنْ نَمَاءٍ مُنْفَصِلٍ قَبْلَ عِلْمِهِ بِالْعَيْبِ، فَهُوَ لَهُ؛ لأَنَّ الْخَرَاجَ بِالضَّمَانِ (1)، وَإِنْ تَلِفَتِ السِّلْعَةُ أَوْ أُعتِقَ الْعَبْدُ، أَوْ تَعَذَّرَ رَدُّهُ، فَلَهُ أَرْشُ الْعَيْبِ (2)،
القول الثاني: وهو رواية أخرى في المذهب أيضاً أن الخيار على الفور فإذا اكتشف العيب رد أو قبل لأن في التراخي ضرراً على صاحب السلعة كالشفعة.
والراجح عندي: أن خيار العيب على التراخي لأنه حق للمشتري لا يلزمه أن يطالب به فوراً، ولا يسقط إلا بما يدل على إسقاطه، ولكن بعض أهل العلم يقول: أنه على التراخي ما لم يؤخر تأخيراً يضر البائع، وهذا صحيح وهو اختيار شيخنا محمد بن صالح العثيمين -رحمه الله- (1)
(1)
قوله «وَمَا كَسَبَهُ الْمَبِيْعُ، أَوْ حَدَثَ فِيْهِ مِنْ نَمَاءٍ مُنْفَصِلٍ قَبْلَ عِلْمِهِ بِالْعَيْبِ، فَهُوَ لَهُ؛ لأَنَّ الْخَرَاجَ بِالضَّمَانِ»:
وقد سبق بيان ذلك، وقوله «لأَنَّ الْخَرَاجَ بِالضَّمَانِ»: أي من عليه ضمان شيء فله خراجه، فإذا اشترى السلعة المشتري ونمت عنده مثل حملت النخلة أو ولدت الشاة قبل علم المشتري بالعيب ولم يكن تبين له العيب ثم ظهر العيب فإن للمشتري الخراج وهو النماء المنفصل لأن الخراج بالضمان كما ذكرنا.
(2)
قوله «وَإِنْ تَلِفَتِ السِّلْعَةُ أَوْ أُعتِقَ الْعَبْدُ، أَوْ تَعَذَّرَ رَدُّهُ، فَلَهُ أَرْشُ الْعَيْبِ»:
أي إذا تعذر رد المبيع كأن يشتري ناقة فيجد بها عيباً ثم تموت قبل أن يردها فيتعين الأرش على البائع، أو يشتري كتاباً فيجد فيه عيباً ثم يتلف أو اشترى عبداً فأعتقه ثم وجد فيه عيباً فيتعين الأرش لتعذر الرد لأن عبودية العبد =183
الجزء: 4 - الصفحة: 93
وَقَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «لا تُصَرُّوْا الإِبِلَ وَالْغَنَمَ، فَمَنِ ابْتَاعَهَا بَعْدَ ذلِكَ، فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ بَعْدَ أَنْ يَحْلُبَهَا، إِنْ رَضِيَهَا، أَمْسَكَهَا، وَإِنْ سَخِطَهَا، رَدَّهَا وَصَاعًا مِنْ تَمْرٍ».
فَأَمَّا إِنْ عَلِمَ تَصْرِيَتَهَا قَبْلَ حَلْبِهَا، رَدَّهَا، وَلا شَيْءَ مَعَهَا 184،
=هنا زالت بالعتق، فإن تعذر الرد كأن يلزم من الأرش الربا.
مثل أن يبيع حلياً من الذهب ثم يجد في الحلي عيباً، فهنا لا يمكن أن يأخذ الأرش لأنه يلزم منه الوقوع في الربا، أو سيكون للمشتري ذهب بوزن الذهب الذي دفع ثم يزاد على ذلك الأرش.
فالقاعدة هنا: إذا تعذر الرد تعين الأرش، وإذا لزم من الأرش الوقوع في الربا تعين الرد.
ومن هنا نقول لمن وجد في الحلي عيباً أنت بالخيار إما أن ترده وإما أن تمسكه بدون أرش.
(1)
قوله «وَقَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «لا تُصَرُّوْا الإِبِلَ وَالْغَنَمَ، فَمَنِ ابْتَاعَهَا بَعْدَ ذلِكَ، فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ بَعْدَ أَنْ يَحْلُبَهَا، إِنْ رَضِيَهَا، أَمْسَكَهَا، وَإِنْ سَخِطَهَا، رَدَّهَا وَصَاعًا مِنْ تَمْرٍ» فَأَمَّا إِنْ عَلِمَ تَصْرِيَتَهَا قَبْلَ حَلْبِهَا، رَدَّهَا، وَلا شَيْءَ مَعَهَا»
(1): هذا هو النوع الرابع من أنواع الخيارات ويسمى خيار التدليس أو خيار التصرية.
وتعريفه: هو أن يظهر البائع السلعة بمظهر مرغوب فيه وهي خالية منه، مثل أن يبقى اللبن في الضرع ليوهمه بكثرة اللبن ونحو ذلك، والحديث رواه البخاري ومسلم.
الجزء: 4 - الصفحة: 94
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
=والتصرية: هي حبس اللبن في الضرع حتى يجتمع، وهو نوع من أنواع التدليس على المشتري.
وهذا النوع من التدليس حرام لقوله - صلى الله عليه وسلم - «لا تُصِرُّوا الإِبِلَ» 185، وقوله: «مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا» 186.
فمن اشترى مصراة من بهيمة الأنعام وهو لا يعلم تصريتها ثم علم فله الخيار في الرد أو الإمساك، وهذا هو قول عامة أهل العلم، وإن كان علمه بذلك بعد حلبه لها رد معها صاعاً من تمر كما جاء في الحديث.
وذهب أبو حنيفة 187 أنه لا خيار له، لأن ذلك ليس بعيب بدليل أنها لو لم تكن مصراة فوجدها أقل لبناً من أمثالها لم يملك ردها والتدليس بما ليس بعيب لا يثبت الخيار.
والراجح ما ذهب إليه جمهور الفقهاء 188، ولا حجة لأبي حنيفة وغيره بعد ورود النهي عن ذلك.
لكن هل يجوز إمساكه مع الأرش؟
نقول: لا يجوز ذلك لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يجعل له في المصراة أرشاً بل خيره بين الإمساك والرد مع صاع من تمر، فإن تعذر عليه الرد بتلف كأن يشتري ناقة مصراة ثم لما علم بالتدليس ماتت عنده فهنا يتعذر عليه الرد فعليه الثمن ولا أرش له، فإن تعيب عنده المبيع قبل العلم بالتدليس فله رده ورد أرش =
الجزء: 4 - الصفحة: 95
وَكَذلِكَ كَلُّ مُدَلَّسٍ لَمْ يَعْلَمْ تَدْلِيْسَهُ، لَهُ رَدُّهُ (1)، كَجَارِيَةٍ حَمَّرَ وَجْهَهَا (2)، أَوْ سَوَّدَ شَعَرَهَا (3)، أَوْ جَعَّدَهُ (4)، أَوْ رَحًى ضَمَّرَ الْمَاءَ وَأَرْسَلَهُ عَلَيْهَا عِنْدَ عَرْضِهَا عَلَى الْمُشْتَرِيْ (5)، =العيب عنده وأخذ الثمن، وإن شاء أمسك ولا شيء له، وإن تصرف في المبيع بعد علمه بالتدليس بطل رده وسيأتي ذلك في كلام المؤلف رحمه الله.
(1)
قوله «وَكَذلِكَ كَلُّ مُدَلَّسٍ لَمْ يَعْلَمْ تَدْلِيْسَهُ، لَهُ رَدُّهُ»:
سبق أن ذكرنا تعريف خيار التدليس أما صوره فله صورتان:
الأولى: أن يظهر الشيء على وجه أكمل مما كان عليه.
الثانية: أن يظهر الشيء على وجه كامل وفيه عيب وحكم هذا النوع كما ذكرنا أن للمشتري خيار الرد أو الإمساك بلا أرش.
وقوله «وَكَذلِكَ كَلُّ مُدَلَّسٍ»: أي قياساً على المصراة، فكل ما يحصل فيه تدليس فللمشتري الخيار بين الرد أو الإمساك بلا أرش.
(2)
قوله «كَجَارِيَةٍ حَمَّرَ وَجْهَهَا»:
تدليساً للمشتري وترغيباً في بيعها.
(3)
قوله «أَوْ سَوَّدَ شَعَرَهَا»:
كأن يكون شعرها أبيض إما لآفة أو كبر سن فيسوِّده تدليساً للمشتري فيظن الظان أنها شابة صغيرة، فهذا حرام ويثبت فيه الخيار للمشتري كما سبق.
(4)
قوله «أَوْ جَعَّدَهُ»:
أي جعد شعرها، فيدهنه بدهن يجعله مموجاً لأنه إذا ظهر مجعداً دل ذلك على أنه قوي، وضده البسيط اللين الذي لا يكون له تجعيد فالشعر المجعد أرغب عند الناس، فإذا كان شعر الجارية مسترسلاً ليناً سهلاً ثم جعده فيرغب الناس في شراءها فهذا حرام لا يجوز.
(5)
قوله «أَوْ رَحًى ضَمَّرَ الْمَاءَ وَأَرْسَلَهُ عَلَيْهَا عِنْدَ عَرْضِهَا عَلَى الْمُشْتَرِيْ»:
هذه صورة أخرى من صور التدليس وهو أن يجمع الماء عند الرحى - الساقية - =
الجزء: 4 - الصفحة: 96
وَكَذلِكَ لَوْ وَصَفَ الْمَبِيْعَ بِصِفَةٍ يَزِيْدُ بِهَا فِيْ ثَمَنِهِ، فَلَمْ يَجِدْهَا فِيْهِ (1)، كَصِنَاعَةٍ فِي الْعَبْدِ أَوْ كِتَابَةٍ (2)،
=فإذا جاء المشتري فيشغل الرحى فتخرج ماء عظيماً ويشبهها كذلك بما يسمى الغطاس فكل ذلك من صور التدليس.
ومن صور التدليس في هذا العصر:
1 - ما يفعله بعض الباعة كمن يبيع التمور والفواكه والخضار ونحو ذلك من وضع أوراق أو قش وغير ذلك مما يأخذ جزءاً كبيراً من الصندوق أو المكتل أو غيرها مما تباع فيه البضائع في أسفل هذا الوعاء، ثم توضع البضاعة فوقها، ليخيل للمشتري أنها مملوءة بضاعة.
2 - ومن صور التدليس أيضاً عند الباعة، ما يفعله بعضهم من وضع البضاعة الجيدة في أعلى الوعاء، ووضع الرديء في آخره.
3 - ومن صور التدليس أيضاً ما يفعله بعض باعة السيارات من إخفاء سمكرة السيارة أو إخفاء عيب في بعض محركات السيارة وهكذا في جميع ما يباع ويشترى.
والحاصل: أن كل معيب أظهره البائع بصفة مرغوب فيها وهو خال منها فهو حرام.
(1)
قوله «وَكَذلِكَ لَوْ وَصَفَ الْمَبِيْعَ بِصِفَةٍ يَزِيْدُ بِهَا فِيْ ثَمَنِهِ، فَلَمْ يَجِدْهَا فِيْهِ»:
فيثبت له الخيار أيضاً لأنه تدليس يختلف الثمن باختلافه فأثبت الخيار، وسيذكر المؤلف أمثلة على ذلك.
(2)
قوله «كَصِنَاعَةٍ فِي الْعَبْدِ أَوْ كِتَابَةٍ»:
أي أن يصف العبد بأنه ذو صنعة أو أنه يكتب ليزيد ثمنه فبان خلاف ما قاله فله الخيار لتدليس البائع عليه.
الجزء: 4 - الصفحة: 97
أَوْ أَنَّ الدَّابَةَ هِمْلاجَةٌ (1)، وَالْفَهْدَ صَيُوْدٌ أَوْ مُعَلَّمٌ (2)، أَوْ أَنَّ الطَّيْرَ مُصَوِّتٌ وَنَحْوَ هَذَا (3)، (1)
قوله «أَوْ أَنَّ الدَّابَةَ هِمْلاجَةٌ»:
أي سريعة أو حسنت السير.
(2) قوله «وَالْفَهْدَ صَيُوْدٌ أَوْ مُعَلَّمٌ»: أي يتمكن من الصيد ثم بان خلاف ما ذكر فهنا المشتري له الإمساك أو الرد فهو بالخيار بين هذا وهذا.
(3) قوله «أَوْ أَنَّ الطَّيْرَ مُصَوِّتٌ وَنَحْوَ هَذَا»: أي له صوت مميز كصوت البلبل مثلاً أو أن صوته قوي كالديك الذي يصيح آخر الليل وغير ذلك مما يزيد في قيمته فبان خلاف ذلك، فكل هذا نوع من التدليس المحرم، وفيه نوع كذب وغش.
فإذا ظهر في هذه المذكورات خلاف ما ذكر البائع فللمشتري الخيار بين الإمساك أو الرد ولا شيء مع الرد.
ويقاس على المصراة أيضاً ما وجد في هذا العصر من تقليد العلامات التجارية المعروفة بالإتقان والجودة، كما تفعله بعض المصانع التي تنتج سلعاً فتكتب عليها اسم شركة أخرى اشتهرت بجودة منتجاتها.
وقد يفعل ذلك أيضاً بعض الباعة الذين يبيعون السلع، فتجده يكتب عليها صنع في اليابان مثلاً وهو لم يكن مصنوعاً في اليابان، بل في أي دولة أخرى.
وهذا فيه تدليس على المشتري لأنه إنما أراد أن يشتري سلعة من إنتاج الشركة التي قلدها هذا المنتج لهذه السلعة أو البائع لها.
لكن يستثنى من ذلك ما إذا أذنت الشركة التي قلدتها والتزمت بالمواصفات والجودة في منتجات الشركة التي قلدتها.
الجزء: 4 - الصفحة: 98
وَلَوْ أَخْبَرَهُ بِثَمَنِ الْمَبِيْعِ، فَزَادَ عَلَيْهِ، رَجَعَ عَلَيْهِ بِالزِّيَادَةِ، وَحَظِّهَا مِنَ الرِّبْحِ، إِنْ كَانَ مُرَابَحَةً (1)، (1)
قوله «وَلَوْ أَخْبَرَهُ بِثَمَنِ الْمَبِيْعِ، فَزَادَ عَلَيْهِ، رَجَعَ عَلَيْهِ بِالزِّيَادَةِ، وَحَظِّهَا مِنَ الرِّبْحِ، إِنْ كَانَ مُرَابَحَةً»:
هذا هو القسم الخامس من أنواع الخيار وهو خيار تخيير الثمن، وتعريفه: هو أن يعتمد المشتري على البائع بمقدار الثمن فلا يشتري بطريقة المساومة بل يشتريها منه بالثمن الذي اشتراها به البائع ويحدده فيبين الثمن أكثر فيثبت له الخيار.
وشرط صحة البيع هنا أن يعرف الطرفان الثمن عند العقد كأن يقول اشتريتها بعشرة وأبيعها عليك بإحدى عشرة، فإن قال له أشتريها منك بالثمن الذي اشتريته به بدون تحديد يكون البيع باطلاً.
والصور التي يثبت فيها هذا النوع من الخيار أربع صور:
الأولى: التولية: وهي أن يبيع السلعة برأس مالها.
الثانية: المرابحة: وهي أن يبيعها له برأس مالها وربح معلوم كالعشر مثلاً.
الثالثة: المواضعة: أن يبيعها له برأس مالها ونقص معلوم كالعشر مثلاً.
الرابعة: الشركة: أن يقول اشتريت هذه السلعة بمائة ريال فشاركني بنصف الثمن فيدخل معه بقسطه من الثمن الذي اشتراها به، فهذه هي صور التخيير بالثمن ولا بد في هذه الصور من معلومية الثمن عند العقد، فإذا باعه بالتخيير بالثمن ثم تبين أن البائع قد كذب عليه برفع السعر، فهنا قال المؤلف رحمه الله، «رجع عليه بالزيادة أو حظها من الربح إذا كان مرابحة»، أي يرجع عليه بالزيادة لأنه مغبون.
مثال ذلك: كأن يقول أبيع عليك هذه السيارة برأس مالها بمائة ألف وربح=
الجزء: 4 - الصفحة: 99
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
=عشرة آلاف، فباعها عليه، فتبين أن رأس المال تسعون ألفاً، فيرجع المشتري عليه بعشرة آلاف ريال لأنه باعه برأس ماله.
توضيح ذلك: لو أخبر البائع المشتري بأن السلعة مثلاً بـ (100) مائة ريال وأربح (10%) يعني عشرة ريالات فتصير (110) ريالاً، ثم رجع المشتري وتبين أن سعر السلعة (90) ريالاً، ففي هذه الحالة يرجع للبائع ويأخذ منه (11) ريالاً لأن حظ العشرة من الربح (ريال واحد)، فكل عشرة يربح منها ريالاً واحداً فيكون سعر السلعة (99) ريالاً.
فإذا حطت الزيادة وربحها فهل للمشتري الخيار؟ على قولين في المذهب 189:
الأول: له الخيار فتنزل الزيادة وينزل قدرها من المرابحة ثم له الخيار مع الإمضاء أو الفسخ لأنه قد تفوت مصلحته.
الثاني: أنه لا خيار له لإلغاء الزيادة التي كذب عليه فيها البائع إذا ألزم بالسعر الحقيقي.
وهذا هو الصحيح عندي: لأن الضرر قد زال بتنزيل الزيادة، ويدخل في هذا النوع أيضاً ما يفعله بعض أصحاب المحلات فيضعون على السلعة سعراً أكثر من سعرها ويعرضها على المشتري بهذا السعر ثم يشتريها منه.
لكن هل هناك حد للغبن في هذه السلعة:
نقول حدده بعض الفقهاء بالثلث لقوله - صلى الله عليه وسلم - في الوصية «الثُّلُثُ وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ».
وجاء في حاشية الروض: يحرم أن تبيع ما يساوي سبعة بعشرة.
والراجح: أنه ليس له حد، بل هو حسب العرض والطلب ونوعية السلعة، فالمرجع فيه للعرف.
الجزء: 4 - الصفحة: 100
وَإِنْ بَانَ أَنَّهُ غَلِطَ عَلَى نَفْسِهِ، خُيِّرَ الْمُشْتَرِيْ بَيْنَ رَدِّهِ أوَإِعْطَائِهِ مَا غَلِطَ بِهِ (1)، (1) قوله «وَإِنْ بَانَ أَنَّهُ غَلِطَ عَلَى نَفْسِهِ، خُيِّرَ الْمُشْتَرِيْ بَيْنَ رَدِّهِ أوَإِعْطَائِهِ مَا غَلِطَ بِهِ»: مثال ذلك: أن يقول البائع هذه السلعة رأس مالي فيها خمسون ريالاً، وأريد أن أربح فيها عشرة ريالات، فقبل المشتري، ثم تبين أن رأس ماله ريال فهنا قال المؤلف «خُيِّرَ الْمُشْتَرِيْ بَيْنَ رَدِّهِ أوَإِعْطَائِهِ مَا غَلِطَ بِهِ»، وذلك لمنع الضرر على البائع والمشتري، فالبائع يحصل له الضرر ببيع السلعة بخسارة هو جاهل بها، والمشتري لا يجبر على سعر لم يقدم عليه عند الشراء.
فائدة: البيع بالتخيير يقابله البيع بالمساومة
: فالبيع بالتخيير فيه نوع من التقييد والبيع بالمساومة فيه نوع من التحرر، فالبائع والمشتري غير مقيدين بثمن، والبيع بالمساومة أسلم من وجه ولكنه أخطر من وجه آخر، فهو أسلم من جهة أنه لا يكون فيه كذب، وأخطر من جهة أن البائع قد يزيد في ثمن السلعة كثيراً، ففي كل منها سهولة من وجه وخطورة من وجه آخر، والغالب أن التخبير أشد طمأنينة للمشتري 190.
لكن هل تقبل دعواه في ذلك على أربعة أقوال:
الأول: لا يقبل ادعاؤه الغلط مطلقاً سواء جاء ببينة أم لم يأت, صدّقه المشتري أو لم يصدقه.
الثاني: أنه يقبل قوله إذا جاء ببينة لأن البينة تقبل قال - صلى الله عليه وسلم - «الْبَيِّنَةِ عَلَى الْمُدَّعِي» 191.
الثالث: يقبل قوله بيمينه.
الجزء: 4 - الصفحة: 101
وَإِنْ بَانَ أَنَّهُ مُؤَجَّلٌ وَلَمْ يُخْبِرْهُ بِتَأْجِيْلِهِ فَلَهُ الْخِيَارُ بَيْنَ رَدِّهِ وَإِمْسَاكِهِ (1)، وَإِنِ اخْتَلَفَ الْبَيِّعَانِ فِيْ قَدْرِ الثَّمَنِ، تَحَالَفَا وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْفَسْخُ، إِلاَّ أَنْ يَرْضَى بِمَا قَالَ صَاحِبُهُ (2)،
الرابع: إذا صدقه المشتري قبل بدون يمين.
والصحيح: أنه إذا جاء ببينة تثبت غلطه قُبِل قوله وللمشتري الخيار بين رد المبيع أو إعطائه ما غلط به.
(1)
قوله «وَإِنْ بَانَ أَنَّهُ مُؤَجَّلٌ وَلَمْ يُخْبِرْهُ بِتَأْجِيْلِهِ فَلَهُ الْخِيَارُ بَيْنَ رَدِّهِ وَإِمْسَاكِهِ»:
صورة هذه المسألة أن يقول: «بعتك هذا الكتاب برأس ماله عشرون ريالاً»، ويقول المشتري: «اشتريته»، وكان هذا الذي باع عليه الكتاب قد اشتراه بعشرين ريالاً مؤجلاً ولم يخبر المشتري، ومعلوم أن الثمن إذا كان مؤجلاً يكون أكثر، فاشترى المشتري وصدّقه وأخذه بعشرين حالاً، ثم تبين له أن هذا الثمن الذي اشترى به مؤجلاً، فهو صادق في أنه اشتراه بعشرين لكن الثمن مؤجل فما الحكم هنا؟
نقول: كما قال المؤلف للمشتري الخيار إن شاء أمسكه وإن شاء رده وذلك لأن البائع خدعه وغره.
قلت: والمذهب في هذه المسألة أنه ليس له الفسخ ولكن يأخذه لأجله.
والصحيح عندي: ما ذهب إليه المؤلف.
(2)
قوله «وَإِنِ اخْتَلَفَ الْبَيِّعَانِ فِيْ قَدْرِ الثَّمَنِ، تَحَالَفَا وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْفَسْخُ، إِلاَّ أَنْ يَرْضَى بِمَا قَالَ صَاحِبُهُ»:
هذا هو القسم السادس من أقسام الخيار ويسمى خيار لاختلاف المتبايعين وهذا النوع له صور كثيرة منها: 1 - أن يختلفا في مقدار الثمن.
الجزء: 4 - الصفحة: 102
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
2 - أن يختلفا في صحة العقد وبطلانه.
3 - أن يختلفا في الحلول والتأجيل والرهن والكفيل والضمان.
4 - أن يختلفا في مقدار المبيع.
5 - أن يختلفا في عين المبيع.
6 - أن يختلفا في التسليم.
7 - أن يختلفا في صفة الثمن.
8 - أن يختلفا في شروط العقد.
والذي ذكره المؤلف من هذه الصور كلها هي الصورة الثانية أن يختلفا في مقدار الثمن، فيقول البائع: «بعتكها بمائة ريال»، فيقول المشتري: «بل اشتريتها منك بتسعين ريال»، ولم تكن هناك بينة لأحدهما تثبت قوله، فهذه المسألة فيها خلاف بين العلماء.
القول الأول: أنهما يتحالفان، كما قال المؤلف يحلف البائع «أنه ما باعه بتسعين بل باعه بمائة»، ويقول المشتري: «أنه ما اشتراه بمائة بل اشتراه بتسعين، وهذا هو قول جمهور الفقهاء 192.
القول الثاني: أنه يقبل قول المشتري بيمينه لأن المشتري منكر، فإذا لم يأت البائع ببينة فالحلف على المشتري وهذا رواية عن مالك 193.
القول الثالث: أن القول قول البائع بيمينه وهي رواية عن أحمد 194.
والراجح عندي: ما ذهب إليه جمهور الفقهاء، وهو ما ذكره المؤلف أنهما=
الجزء: 4 - الصفحة: 103
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
=يتحالفان ولكل منهما الفسخ إلا أن يرضى بما قاله صاحبه، دليل ذلك عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ -رضي الله عنه- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - «إِذَا اخْتَلَفَ الْبَيِّعَانِ وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا بَيِّنَةٌ فَالْقَوْلُ مَا يَقُولُ صَاحِبُ السِّلْعَةِ أَوْ يَتَرَادَّانِ» (1).
وهنا مسائل:
1 - من الذي يبدأ منهما بالحلف؟ على قولين:
القول الأول: يحلف البائع ثم المشتري لأن القول قول البائع.
القول الثاني: يبدأ بالمشتري لأنه منكر واليمين في جانبه أقوى.
والأظهر عندي: هو القول الأول، وهو قول جمهور الفقهاء (2).
2 - إذا حلف أحدهما ونكل الثاني «أي امتنع عن اليمين» أو رفض أحدهما اليمين، فيقضى عليه بالنكول، وإذا رفض الحلف قبل ذلك قضى عليه بحلف الآخر ولا يطلب من الخصم إعادة الحلف.
3 - إذا تم التحالف بين المتبايعين فهل ينفسخ الحكم تلقائياً بدون حكم الحاكم على قولين:
الأول: أن البيع ينفسخ تلقائياً بدون حكم الحاكم.
الثاني: أنه لا بد من حكم الحاكم في فسخ العقد.
فائدة: القسم السابع خيار الغبن
، وهو أن يزيد في ثمن السلعة زيادة فاحشة.
والراجح: أنه ليس هناك حد معين، بل المرجع إلى العرف حسب العرض والطلب.195196
الجزء: 4 - الصفحة: 104
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
=وقد قصره الحنابلة في ثلاث صور:
أـ تلقي الركبان.
ب - النجش.
ج - بيع المسترسل.
والذي يظهر لي: أنه يشمل هذه الصور وغيرها مما يأخذ حكمها.
الجزء: 4 - الصفحة: 105
بَابُ السَّلَمِ (1) الشرح:
(1)
قوله «بَابُ السَّلَمِ»:
السلم: قيل هو لغة أهل الحجاز، والسلف: لغة أهل العراق، وأجيب بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال «مَنْ أَسْلَفَ فِي شَيْءٍ» (1)، وهو من أهل الحجاز.
والسلم في اللغة: بفتح السين واللام هو السلف وزناً ومعنى، وسمي سلماً بتسليم رأس المال في المجلس، وسلفاً لتقديم رأس المال، ومعنى السلم في لغة العرب: الإعطاء، والترك، والتسليف.
أما تعريفه شرعاً: فهو بيع موصوف في الذمة ببدل يعطى عاجلاً، أو عقد موصوف في الذمة مؤجل بثمن مقبوض في مجلس العقد.
وصورته: هو أن يشتري شخص سلعة موصوفة في ذمة البائع يسلمها له بعد مدة بثمن حاضر يدفعه للمشتري في مجلس العقد.
دليل مشروعيته: دل الكتاب والسنة والإجماع والعقل على مشروعيته.
فدليل الكتاب: قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ .. ﴾ 197.
وجه الدلالة من الآية إباحة الدين، والسلم نوع من الدين.
قال ابن عباس رضي الله عنهما 198 «أَشْهَدُ أَنَّ السَّلَفَ الْمَضْمُونَ إِلَى أَجَلٍ=199
باب السلم
في وزن معلوم (2086).
الجزء: 4 - الصفحة: 106
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، قَالَ: قَدِمَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - الْمَدِيْنَةَ، وَهُمْ يُسْلِفُوْنَ فِي الثِّمَارِ السَّنَةَ وَالسَّنَتَيْنِ، فَقَالَ: «مَنْ أَسْلَفَ فِيْ تَمْرٍ، فَلْيُسْلِفْ فِيْ كَيْلٍ مَعْلُوْمٍ، وَوَزْنٍ مَعْلُوْمٍ، إِلَى أَجَلٍ مَعْلُوْمٍ» (1)
=مُسَمًّى أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَحَلَّهُ وَأَذِنَ فِيهِ وَقَرَأَ هَذِهِ الآيَة ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُمْ بِدَيْنٍ .. ﴾ (1).
أما دليل السنة: فقوله - صلى الله عليه وسلم - «مَنْ أَسْلَفَ فِي شَيْءٍ فَفِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ إِلَى أَجَلٍ مَعْلُوم» (2).
وقد نقل ابن المنذر (3) الإجماع على مشروعية السلم.
أما دليل العقل: فإن العقل والحكمة تقتضي هذا لأن مصالح الناس تتم في السلم، فالمحتاج إلى دراهم تندفع حاجته بالنقود الحاضرة، والتاجر ينتفع بأخذ السلعة المسلم فيها لرخصها ولكونها بثمن أقل، والمصلحة للطرفين.
فائدة: السلم نوع من البيع
لأنه بيع إلى أجل، فشمله النص فيصح بألفاظ البيع، لأنه بيع حقيقة، وبلفظ السلم والسلف لأنهما حقيقة فيه ويعتبر فيه شروط البيع.
200
قوله «عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، قَالَ: قَدِمَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - الْمَدِيْنَةَ، وَهُمْ يُسْلِفُوْنَ فِي الثِّمَارِ السَّنَةَ وَالسَّنَتَيْنِ، فَقَالَ: «مَنْ أَسْلَفَ فِيْ تَمْرٍ، فَلْيُسْلِفْ فِيْ كَيْلٍ مَعْلُوْمٍ، وَوَزْنٍ مَعْلُوْمٍ، إِلَى أَجَلٍ مَعْلُوْمٍ»
203 الحديث رواه البخاري=201202
الجزء: 4 - الصفحة: 107
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
=ومسلم وغيرهما، ومعنى الحديث أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما قدم المدينة مهاجراً وجد أهل المدينة وهم أهل زروع وثمار يسلفون، وذلك بأن يقدموا الثمن ويؤجلوا المثمن من الثمار مدة سنة أو سنتين أو ثلاث سنين، فأقرهم - صلى الله عليه وسلم - على هذه المعاملة، ولم يجعلها من باب بيع ما ليس عند البائع المفضي إلى الغرر، لأن السلف متعلقة الذمم لا الأعيان، ولكن بين لهم - صلى الله عليه وسلم - في المعاملة أحكاماً تبعدهم عن المنازعات والمخاصمات التي ربما يجرها طول المدة في الأجل فقال «من أسلف في شيء ... »، وذكر الحديث.
أي من أسلف في شيء فليضبط قدره بمكياله وميزانه الشرعيين المعلومين، وليربطه بأجل معلوم حتى إذا عرف قدره وأجله انقطعت الخصومة والمشاجرة واستوفى حقه بسلام، هذا معنى الحديث.
- فائدة: السلم إذا تم أصبح عقداً لازماً
يشترط له شروط: وهذه الشروط لها علاقة وثيقة ب
أركان السلم
، فكل ركن له شروط معتبرة، ولذا نقول لا بد من بيان الأركان ثم بيان الشروط المعتبرة في هذه الأركان.
أركان السلم ثلاثة:
الأول: الصيغة: وهي الإيجاب والقبول، أو ما يقوم مقامهما عرفاً.
الثاني: العاقدان: وهما «المسلم، والمسلم إليه».
الثالث: المحل: وهما شيئان «رأس المال، والمسلم فيه».
أولاً: الصيغة: اتفق الفقهاء على صحة الإيجاب بلفظ السلم أو السلف وكل ما اشتق منهما «كأسلفتك»، أو «أسلمتك وأعطيتك»، كذا سلماً أو سلفاً.
واختلفوا هل ينعقد بلفظ البيع؟
الجزء: 4 - الصفحة: 108
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والصحيح عندي: ما ذهب إليه شيخ الإسلام (1) أن المتعاقدين إن عرفا المقصود انعقد فأي لفظ من الألفاظ عرف به المتعاقدان مقصودهما انعقد به السلم.
وهذا عام في جميع العقود، فإن الشارع لم يحدد لألفاظ العقود حداً.
فائدة: هل يجوز الخيار في صيغة السلم؟
اختلف الفقهاء في ذلك:
فذهب جمهور الفقهاء من الحنفية 205، والشافعية 206، والحنابلة 207 إلى أن صيغة السلم تكون بائنة لا خيار فيها لأي من المتعاقدين، فلو قال رجل لرجل «ابتاع منك بمائة ريال مائة صاع تمر إلى شهر على أني بالخيار بعد تفرقنا من مقامنا الذي تبايعنا فيه أو أنت بالخيار أو كلانا بالخيار»، لم يجز البيع.
وذهب المالكية 208 إلى جواز خيار الشرط في السلم للمتعاقدين أو لأحدهما ثلاثة أيام فما دون ذلك.
والأرجح عندي: ما ذهب إليه جمهور الفقهاء وذلك لأنه يشترط لصحة السلم تمليك رأس المال وإقباضه للمسلم إليه قبل التفرق ووجوب تحققهما مناف لخيار الشرط.204
الجزء: 4 - الصفحة: 109
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ثانياً: المتعاقدان «المسلم، والمسلم إليه»: ويشترط في كل منهما أن يكون أهلاً لصدوره عنه، ولا تتحقق هذه الأهلية إلا في البالغ العاقل الرشيد غير محجور عليه بأي سبب من أسباب الحجر.
أما من كان يعقد لغيره فلا بد أن يكون مخولاً شرعاً ويكون ذلك إما بالنيابة الاختيارية التي تثبت بالوكالة، وإما بالنيابة الإجبارية وتكون لمن يلي المحجور عليهم من الأولياء والأوصياء الذين جعلت لهم سلطة شرعية على إبرام العقود.
ثالثاً: أي الركن الثالث وهما المعقود عليه «رأس المال، والمسلم فيه».
وهذا ما سيذكره المؤلف في العمدة، وسنقوم ببيانه إن شاء الله في أثناء الشرح، لكن نذكر هنا الشروط المعتبرة في السلم إجمالاً ثم سنذكرها في أثناء الشرح مستوفاة - إن شاء الله -.
شروط السلم
:
1 - أن يمكن ضبطه بصفات لا يختلف معه.
2 - ذكر الجنس والنوع: مثل التمر جنس، والنوع برحي أو سكري أو خضري وغير ذلك.
3 - ذكر القدر وذلك لأنه بيع والبيع لا بد من معرفة قدره.
4 - ذكر أجل معلوم مثلاً إلى رجب، أو رمضان، أو شعبان وغير ذلك.
5 - قبض الثمن مباشرة في مجلس العقد قبل أن يتفرقا.
6 - أن يوجد المسلم فيه في محل الوفاء، وهذا شرط مختلف فيه وسيتم بيانه قريباً مع بيان الراجح.
الجزء: 4 - الصفحة: 110
وَيَصِحُّ السَّلَمُ فِيْ كُلِّ مَا يُضْبَطُ بِالصِّفَاتِ (1) 7 - أن يسلم في الذمة فلا يصح في عين مكيل أو موزون لأنه يسمى بيعاً وليس سلماً ولذلك لا بد أن تكون الثمرة موصوفة في الذمة أي غير موجودة، فهذه جملة شروط السلم.
(1)
قوله «وَيَصِحُّ السَّلَمُ فِيْ كُلِّ مَا يُضْبَطُ بِالصِّفَاتِ»:
هذا هو الشرط الأول من شروط السلم وهو شرط في أحد أركانه «وهو المسلم فيه» يشترط فيه ضبط صفته على وجه لا يبقى معه بعد الوصف شيء إلا تفاوت يسير وهذا لا يكون إلا فيما يمكن ضبط صفاته، أما ما لا يمكن ضبط صفاته فلا يصح فيه السلم كالجواهر، والنخيل ونحو ذلك فلا يصح فيه السلم وذلك لوجود الغرر والجهالة ولحصول المنازعة والمخاصمة.
و
الأوصاف التي يتعين ذكرها في المسلم فيه
على قسمين:
قسم تشترك فيه الأشياء وهي ثلاثة: الجنس والنوع والجودة والرداءة، فهذه مجمع عليها بين أهل العلم.
وقسم يختص بكل نوع على حده.
والأظهر عندي في هذا القسم: أنه يشترط في كل نوع بحسبه وما يناسبه لأن في ذلك ضبطاً للمسلم فيه، ولكن بذكر الأوصاف الغالبة فلا نذكر أوصافاً تفضي إلى التعذر.
مثال ذلك: السلف في التمر فإنه يوصف بأربعة أشياء:
أـ النوع: فيشترط هل يكون «برجي - سكري - خضري ... ».
ب - البلد: من الزلفي، من الحوطة، من الخرج، من القصيم، من المدينة، وهكذا.
ج - والكبر والصغر: وهذا معروف.
الجزء: 4 - الصفحة: 111
إِذَا ضَبَطَهُ بِهَا (1)، وَذَكَرَ قَدْرَهُ بِمَا يُقَدَّرُ بِهِ (2)، مِنْ كَيْلٍ، أَوْ وَزْنٍ، أَوْ ذَرْعٍ، أَوْ عَدٍّ (3) دـ القدم والحداثة: كأن يقول تمر هذه السنة أو العام الماضي وهكذا, كل ما يسلم فيه مثل البر، والشعير، ونحو ذلك.
فائدة: هل السلم مخصوص في الزروع والثمار أم هو عام؟
الجواب: قولان لأهل العلم.
منهم من يقول: أنه عام في الزروع والثمار والحيوان وغير ذلك.
ومنهم: من جعله في الزروع والثمار فقط.
والصحيح: أنه عام في كل مكيل وموزون وما يمكن ضبط صفته.
أما ما لا يمكن ضبط صفته كالمعدود المختلف والبقول والجلود والرؤوس والأواني المختلفة ونحو ذلك مما لا يمكن ضبطه فلا يصح فيه السلم.
(1)
قوله «إِذَا ضَبَطَهُ بِهَا»:
أي إذا ضبطه بالصفة على الوجه الذي ذكرناه آنفاً فيصح السلم بذلك.
(2)
قوله «وَذَكَرَ قَدْرَهُ بِمَا يُقَدَّرُ بِهِ»:
هذا هو الشرط الثاني من شروط السلم.
وهو اشتراط معرفة قدر المسلم فيه وتكون معرفة القدر بأمور أربعة ذكرها المؤلف بقوله:
(3)
قوله «مِنْ كَيْلٍ، أَوْ وَزْنٍ، أَوْ ذَرْعٍ، أَوْ عَدٍّ»:
فهذه هي طرق معرفة القدر:
أولاً: الكيل:
فإذا كان المسلم فيه مما يكال فيذكر قدره كيلاً كالزيت والدهن ونحو ذلك.
ثانياً: الوزن:
فإذا كان المسلم فيه مما يوزن فيذكر قدره بالوزن كالحديد والنحاس والرصاص والقطع الكبيرة.
ثالثاً: الذرع: إذا كان المسلم فيه مما يقاس بالذراع فيحدد قدره بالذراع =
الجزء: 4 - الصفحة: 112
وَجَعَلَ لَهُ أَجَلاً مَعْلُوْمًا (1)
=كالقماش والحبال ونحو ذلك.
رابعاً: العد: والمعدود على نوعين: حيوان وغير حيوان:
أما المعدود من الحيوان: فلا سبيل فيه عند السلف إلا بالعد ولو اختلف فإن الاختلاف فيه يسير وينضبط بالذكورة والأنوثة والنوع والسن فيمكن ضبطه.
وأما المعدود من غير الحيوان، فهو نوعان:
النوع الأول: معدود لا يختلف كثيراً كالبيض والجوز ونحوه، فهذا يسلم بالعد على الصحيح، وقال بعض الفقهاء يسلم فيه بالوزن، والصحيح الأول.
النوع الثاني: معدود يختلف كثيراً كالبطيخ والخيار وحزم البقول وغير ذلك، فهذا على وجهين في المذهب (1): الأول: أنه يكون فيه القدر بالعد كأن يقول مائة بطيخة لأن الاختلاف متقارب ولأن الناس يتبايعون هكذا.
الثاني: أنه بالوزن.
وهذا هو الراجح عندي: لأن حجم البطيخ والخيار ونحوه يختلف اختلافاً متبايناً ولا سبيل له إلا بوزنه.
(1)
قوله «وَجَعَلَ لَهُ أَجَلاً مَعْلُوْمًا»:
هذان شرطان من شروط السلم، وهما الشرط الثالث والرابع، فالثالث أن يكون المسلم فيه مؤجلاً، أما الرابع فلا بد أن يكون الأجل معلوماً.
أما الشرط الثالث: فقد اتفق جمهور الفقهاء من الحنفية 210، والمالكية 211، والحنابلة 212 لصحة السلم أن يكون المسلم فيه مؤجلاً، فلا يصح السلم فيه =209
الجزء: 4 - الصفحة: 113
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= في الحال والحجة في ذلك عندهم قوله - صلى الله عليه وسلم - «مَنْ أَسْلَفَ فِيْ تَمْرٍ، فَلْيُسْلِفْ فِيْ كَيْلٍ مَعْلُوْمٍ، وَوَزْنٍ مَعْلُوْمٍ، إِلَى أَجَلٍ مَعْلُوْمٍ» 213، فأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بالأجل وأمره يقتضي الوجوب ولأن السلف معناه أن يتقدم رأس المال ويتأخر المسلم فيه، فوجب منع ما أخرجه من ذلك.
وذهب الشافعية 214 إلى جواز السلم في الحال كما هو جائز مؤجلاً وهو اختيار شيخ الإسلام 215، وشيخنا محمد بن صالح العثيمين 216 رحمهما الله لأن هذا ليس فيه غرر ولا ربا ولا ظلم ومدار المعاملات المحرمة على هذه الثلاث، أما قول النبي - صلى الله عليه وسلم - « ... إِلَى أَجَلٍ مَعْلُوْمٍ» 217، فهو يعود إلى علم الأجل يعني لا إلى أجل مجهول.
قلت والأحوط عندي: ما ذهب إليه جمهور الفقهاء، فلابد أن يكون السلم إلى أجل، وعلى اعتبار توجيه الدليل عند من قال بعدم اشتراط الأجل نقول بأن السلم إنما جاز من أجل الرخصة والرفق ولا يحصل ذلك إلا بأجل.
الشرط الرابع: أن يكون الأجل معلوماً: دليله قول النبي - صلى الله عليه وسلم - في حديث ابن عباس المتقدم «فَلْيُسْلِفْ فِيْ كَيْلٍ مَعْلُوْمٍ، وَوَزْنٍ مَعْلُوْمٍ، إِلَى أَجَلٍ مَعْلُوْمٍ»، فإن كان الأجل مجهولاً فلا يصح لأن ذلك يفضي إلى المنازعة، ويتم ذلك بأن يقول له إلى أجل كذا أي بعد شهر أو شهرين, أو سنة أو سنتين، أو حصاد =
الجزء: 4 - الصفحة: 114
وَأَعْطَاهُ الثَّمَنَ قَبْلَ تَفَرُّقِهِمَا (1) = زرعة كذا من هذه السنة ونحو ذلك مما ينص فيه علم الأجل.
وهنا
فائدتان
:
- الأولى: اشترط الفقهاء في الأجل المعلوم أن يكون له وقع في الثمن: فما معنى قولهم «له وقع في الثمن»؟ أي أن هذه المدة يتغير بها الثمن بحيث يستفيد المسلم الذي أسلم النقود من هذه المدة لأن هذا الذي استلمه سيرتفع ثمنه في الغالب والمسلم إليه سينتفع بهذا المال الذي قدم.
مثال ذلك: أن يقول المسلم للمسلم إليه «أعطيك المائة ريال بمائة صاع من البر»، في حين المائة ريال تعادل ثمانين صاعاً، فهو يأخذ العشرين في مقابل الأصل، فحصل بذلك منفعة للمسلم والمسلم إليه, وهذا معنى قول بعض الفقهاء «له وقع في الثمن». - الثانية: اشترط الفقهاء أيضاً في أن يكون المسلم فيه عام الوجود أي يعم وجوده عند محله, لأن وقت حلوله هو وقت تسليمه, فإذا لم يكن موجوداً وقت الحلول فلا يمكن تسليمه, فلو أسلم إليه مائة ريال بمائة كيلو أرز أو قمح في وسط الشتاء لم يجز, لأن المسلم فيه لا يوجد في وقت حلول الأجل.
(1)
قوله «وَأَعْطَاهُ الثَّمَنَ قَبْلَ تَفَرُّقِهِمَا»:
هذا هو الشرط الخامس وهو قبض الثمن في مجلس العقد بحيث لا يتفرقان وبينهما شيء، فإن تفرقا ولم يقبض الثمن بطل العقد لأنه أصبح بيع دين بدين.
ومعنى السلم والسلف هو تقديم الثمن وتأخير المثمن، دليل ذلك ما ذهب إليه المؤلف، وهو قول الجمهور 218.
الجزء: 4 - الصفحة: 115
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
=وذهب مالك (1) إلى أنه لا بأس بتأخر قبض الثمن يوماً أو يومين أو ثلاثة لأنها كالمجلس الواحد ومما يتسامح فيه.
والأظهر عندي: هو قول الجمهور، فلا بد أن يكون القبض قبل التفرق من مجلس العقد، ولو قمنا من مكان العقد ومشينا جميعاً مثل أسلمت إليه بمائة ريال صاع من البر، ولكن ليس معي مائة ريال فمشينا جميعاً إلى أحد أصدقائي واستلفت منه مائة ريال وأعطيتها الرجل فهذا يجوز لأننا لم نفترق.
أما إذا افترقنا وذهب كل منا إلى مكان آخر فلا يجوز.
ذكر بعض الفوائد
:
- الفائدة الأولى: هناك قاعدة: وهي أنه يشترط في الثمن والمثمن ألا يكون بينهما ربا النسيئة، فإن كان بينهما ربا النسيئة لم يصح، لأن ما يجري فيه ربا النسيئة يشترط فيهما التقابض, والسلم يشترط فيه التأخير وهذا من التضاد، فلو أسلمت براً بتمرٍ لم يجز، ولو أسلمت ذهباً بفضة لم يجز لأن هذه المذكورات مما يجرى فيها الربا.
- الفائدة الثانية: إذا قبض البعض ثم تفرقا ثم قبض البقية فهذه المسألة على قولين:
الأول: وهي ظاهر كلام الخرقي 220 أنه يبطل فيما قبض وفيما لم يقبض لأنه عقد على مبلغ واحد وإذا أبطل في بعضه بطل في جميعه.
الثاني: أنه يصح فيما قبض ويبطل فيما لم يقبض، وهذا يجري على =219
الجزء: 4 - الصفحة: 116
وَيَجُوْزُ السَّلَمُ فِيْ شَيْءٍ يَقْبِضُهُ أَجْزَاءً مُتَفَرِّقَةً فِيْ أَوْقَاتٍ مَعْلُوْمَةٍ (1)،
=القاعدة في تفريق الصفقة.
فلو أسلم في مائة كيلو من التمر بألف ريال وأعطاه خمسمائة ريال في المجلس صح في نصف المسلم فيه، وما لم يقبض بطل فيه ويعقد عليه عقداً آخر.
وهذا هو الصواب، وعليه الأكثر في المذهب.
الفائدة الثالثة: هل يشترط رد المسلم فيه في محل الوفاء
؟
هذا الشرط قد اختلف فيه الفقهاء على أقوال:
الأول: وهو قول أكثر الفقهاء أنه لا يشترط لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يذكره في الحديث، فلم يقل في مكان معلوم عند اشتراط الكيل والوزن، ولأن اشتراطه يزيد السلم تعقيداً.
الثاني: أنه يشترط لأن هذا مما يتعين بيانه في العقد, ولأنه به ينقطع النزاع والخلاف لأن الأماكن تختلف, فإذا اشترط التسليم الزماني اشترط التسليم المكاني.
الثالث: التفصيل في ذلك: فما كان لحمله مؤونة كالتمر، والشعير, والطعام فيشترط المكان، أما إذا لم يكن لحمله مؤونة، كالجواهر والأشياء الخفيفة فلا يشترط ذكر مكان الوفاء، وهناك أقوال أخرى.
والأرجح عندي: أنه لا يشترط ذلك إلا إذا اشترطا ذلك عند العقد، أما ما لم يشترط فالأصل عدم الاشتراط.
(1)
قوله «وَيَجُوْزُ السَّلَمُ فِيْ شَيْءٍ يَقْبِضُهُ أَجْزَاءً مُتَفَرِّقَةً فِيْ أَوْقَاتٍ مَعْلُوْمَةٍ»:
كأن يشتري منه مائة كيلو تمر يقبض بعضها في شهر رجب وباقيها في شهر شعبان, ووجه جوازه أن كل بيع جاز في أجل واحد جاز في أجلين وأجال.
الجزء: 4 - الصفحة: 117
وَإِنْ أَسْلَمَ ثَمَنًا وَاحِدًا فِيْ شَيْئَيْنِ، لَمْ يَجُزْ حَتَّى يُبَيِّنُ ثَمَنَ كُلِّ جِنْسٍ مِنْهُمَا (1)،
=ومثاله أيضاً: أن يعطيه مائة ريال على أن يأخذ منه في أجلين كل يوم قدراً معلوماً من لحم أو غيره.
لكن يشترط لذلك ما ذكره المؤلف أنه لا بد أن تكون الأوقات معلومة، وكذلك معرفة كل جنس وثمنه حتى لا يحصل تنازع.
(1)
قوله «وَإِنْ أَسْلَمَ ثَمَنًا وَاحِدًا فِيْ شَيْئَيْنِ، لَمْ يَجُزْ حَتَّى يُبَيِّنُ ثَمَنَ كُلِّ جِنْسٍ مِنْهُمَا»:
مثاله: أن يسلمه أو يسلفه بر وشعير، فيقول مائة صاع من بر وشعير بألف ريال، فلا بد أن يبين مقدار كل جنس فيقول مثلاً ستمائة بر وأربعمائة شعير، وأيضاً يحدد كيله أو وزنه فيقول خمسون صاعاً من البر وخمسون صاعاً من الشعير، فالستمائة يقابلها خمسون صاعاً من البر، والأربعمائة يقابلها خمسون صاعاً من الشعير، وهكذا فلا بد من بيان ثمن كل جنس.
قلت: وهذه المسألة التي ذكرها المؤلف على قولين في المذهب 221:
الأول: أنه يلزمه أن يعين قسط كل جنس كما ذكر المؤلف وذلك لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن الغرر والجهالة في العقود، ولو حصل فسخ في أحدهما لم نعرف قسطه من الثمن.
الثاني: أنه لا بأس بذلك ولو لم يبين لأنها صفقة واحدة بثمن واحد، ولو قدر أنه حصل فسخ في أحدهما أخذ بالحصة، فإذا كان البر نصفه فله نصف القيمة أو الربع فله ربعها وهكذا.
لكن الأظهر عندي أن ما يحصل فيه الخلاف والنزاع والغرر والجهالة لا بد=
الجزء: 4 - الصفحة: 118
وَمَنْ أَسْلَفَ فِيْ شَيْءٍ، لَمْ يَصْرِفْهُ إِلَى غَيْرِهِ (1) =من ضبطه بما يحصل به الضبط ولذا فالأخذ بالمذهب هو الأولى والأحوط.
(1)
قوله «وَمَنْ أَسْلَفَ فِيْ شَيْءٍ، لَمْ يَصْرِفْهُ إِلَى غَيْرِهِ»:
مثاله: أن يسلف في بر مثلاً فلا يصرفه إلى شعير فهذا حرام سواء كان المسلم فيه موجوداً أو معدوماً وسواء كان العوض مثل المسلم فيه في القيمة أو أقل أو أكثر، وهذا هو قول الجمهور 222.
وفي رواية في المذهب 223 أن من أسلم في بر فعدمه عند المحل فرضي أن يأخذ شعيراً مثله جاز لأنهما من جنس واحد.
وذهب الإمام مالك 224 إلى جواز أن يأخذ غير المسلم فيه مكانه، وأحتج لذلك بما جاء عن ابن عباس قال: «إذا أسلفت في طعام فحل الأجل فلم تجد طعاما فخذ منه عرضا بأنقص ولا تربح عليه مرتين» 225.
قلت: والأظهر عندي ما ذهب إليه مالك لعدم المانع الشرعي فيجوز بيعه بما دونه أو بسعر المثل لعدم المانع الشرعي من ذلك لكن يشترط في ذلك أن لا يكون بربح لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لعبد الله بن عمر «لا بَأْسَ أَنْ تَأْخُذَهَا بِسَعْرِ يَوْمِهَا مَا لَمْ تَفْتَرِقَا وَبَيْنَكُمَا شَيْءٌ» 226، أما حديث «مَنْ أَسْلَفَ فِي شَيْءٍ فَلا يَصْرِفْهُ إِلَى غَيْرِهِ» 227 فهو حديث ضعيف لا تقوم الحجَّة به في هذا المقام, فمن أسلم براً فلم يجده فأبدله بشعير جاز وهكذا.
الجزء: 4 - الصفحة: 119
وَلَمْ يَجُزْ لَهُ بَيْعُهُ قَبْلَ قَبْضِهِ (1)، وَلا الْحِوَالَةُ بِهِ (2)، (1)
قوله «وَلَمْ يَجُزْ لَهُ بَيْعُهُ قَبْلَ قَبْضِهِ»:
أي لا يجوز التصرف في المسلم فيه قبل قبضه لا ببيع ولا استبدال ولا بهبة لغير من هو عليه، والعلة في ذلك لأمور:
الأول: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال «لا يَجُوزُ شَرْطَانِ فِي بَيْعٍ وَاحِدٍ وَلا بَيْعٌ وَسَلَفٌ مَعًا وَلا بَيْعُ مَا لَمْ يُضْمَنْ» (1)، والسلم ما دام في ذمة المسلم إليه فهو في ضمانه، فإذا كان في ضمانه فلا يجوز بيعه قبل القبض.
الثاني: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن بيع الطعام قبل قبضه (2).
الثالث: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال «مَنْ أَسْلَفَ في شيء فَلا يَصْرِفْهُ إِلَى غَيْرِهِ» (3).
وجه الدلالة منه: أنه إذا باعه قبل قبضه فيكون صرفه إلى غيره وأخذ غيره.
قلت: هذا هو المذهب (4)، وهو قول جمهور (5) الفقهاء.
القول الثاني في هذه المسالة: يجوز بيع المسلم فيه قبل قبضه لمن هو في ذمته، وهذا هو الراجح عندي، وإليه ذهب شيخ الإسلام (6)، وهو مذهب مالك (7)، واختاره شيخنا محمد بن صالح العثيمين (8).
(2)
قوله «وَلا الْحِوَالَةُ بِهِ»:
أي ولا تجوز الحوالة به ولا عليه, وصورة ذلك أن يكون لك دين سلم على شخص ولآخر دين عليك كطعام مثلاً من جنس=228229230231232233234235
الجزء: 4 - الصفحة: 120
وَتَجُوْزُ الإِقَالَةُ فِيْهِ، وَفِيْ بَعْضِهِ، لأَنَّهَا فَسْخٌ (1)
=المسلم فيه فتحيله على المسلم إليه فهذا من صورة الحوالة به.
أما الحوالة عليه بأن يكون المسلم في ذمته دين لشخص فلما جاء يطلبه قال أحيلك على فلان، لأن في ذمته لي مائة صاع بر سلماً، فلا يجوز الحوالة به ولا الحوالة عليه، وهذا هو قول الجمهور (1) وذلك لأن الحوالة بيع، ولأنها لا تصح إلا على دين مستقر ودين السلم غير مستقر.
وفي قول آخر عند الأصحاب (2) جواز الحوالة به وعليه، وهذا هو اختيار شيخنا -رحمه الله- (3).
دليل ذلك ما رواه مسلم عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: « ... وَإِذَا أُتْبِعَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِئٍ فَلْيَتْبَعْ» (4).
قلت: وهنا يوجد مخرج شرعي وهو أن أُوكل هذا الشخص في قبض تلك السلعة وكالة شرعية، والفرق بين الوكالة والحوالة هنا أن الوكالة لا تبرئ الذمة بها إلا بعد أن تقبضه، وأما الحوالة فقد برئت ذمته بمجرد الحوالة.
(1)
قوله «وَتَجُوْزُ الإِقَالَةُ فِيْهِ، وَفِيْ بَعْضِهِ، لأَنَّهَا فَسْخٌ»:
الإقالة في اللغة: هي الإزالة، وإقالة الذنوب مغفرتها وعفو الله عنها, وهي مستحبة لأنها من باب الإحسان، وعن أبى هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «مَنْ أَقَالَ مُسْلِمًا، أَقَالَهُ اللَّهُ عَثْرَتَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» 240.236237238239
الجزء: 4 - الصفحة: 121
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
=ففي الإقالة تفريج عن العاجز لعجزه, وغير القادر عن دفع الثمن.
أما تعريفها في الاصطلاح: فهي رفع العقد وفسخه وإلغاء حكمه وآثاره بتراضي الطرفين.
أما صورتها في السلم: فهي فسخ العقد بعد دين السلم، فيرد المسلم إليه الثمن إلى المسلم فيكون العقد كأن لم يكن.
أما صورتها في السلم فلها صورتان ذكرهما المؤلف:
الأولى: أن تكون في جميع المسلم فيه: فهذه لا خلاف في جوازها بالإجماع، «كما حكى ذلك ابن المنذر 241».
الصورة الثانية: أن تكون في بعض المسلم فيه، وهذه الصورة على روايتين في المذهب 242:
الأولى: لا تصح.
الثانية: أنها تصح، وهذا هو الصواب عندي لأنها إذا جازت في الكل جازت في البعض، لأن البعض جزء من الجميع، وهذا مذهب أبي حنيفة 243، والشافعي 244.
هذا آخر ما جاء في باب السلم.
ذكر بعض الفوائد في باب السَّلَم:
هناك بعض الفوائد التي لم يذكرها المؤلف في كتابه نذكر بعضها إتماماً للفائدة:
الجزء: 4 - الصفحة: 122
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
- الفائدة الأولى: إذا اختلف المسلم والمسلم إليه:
نقول اختلاف المسلم والمسلم إليه له أنواع:
الأول: أن يختلفا في حلول الأجل وعدمه مع عدم وجود بينة تشهد لأحد الطرفين، بأن قال المسلم يحل في رجب وقال المسلم إليه يحل في شعبان، فالقول قول المسلم إليه مع يمينه لأن المسلم إليه منكر لحلول الأجل.
الثاني: أن يختلفا في تسليم دين السلم وعدمه ولم توجد بينة مع المدعي, فالقول قول المسلم مع يمينه لأنه منكر والمسلم إليه مدع, ولأن الأصل عدم التسليم ولا يثبت التسليم إلا بدليل.
الثالث: أن يختلفا في تسليم رأس مال السلم وعدم تسليمه ولم توجد بينة فالقول قول المسلم إليه مع يمينه لأن الأصل عدم التسليم ولأنه منكر والمسلم مدع ولم يأت ببينة.
- الفائدة الثانية: في أخذ الرهن والكفيل في دين السلم: إذا قصد المسلم توثيق الدين وذلك بأخذ رهن أو كفيل ليكون مطمئناً على حقه فهل يجوز مثل هذا في السلم، نقول على قولين:
الأول: لا يجوز.
الثاني: يجوز أخذ الرهن أو الكفيل في دين السلم كغيره من الديون، وهو قول أكثر أهل العلم، وهو اختيار شيخنا -رحمه الله- 245. - الفائدة الثالثة: إذا جاء بالمسلم فيه قبل محله فهل يلزمه قبوله أم لا؟ نقول في ذلك تفصيل: أما إذا كان بذله إليه في غير محله فيه ضرر عليه فلا=
الجزء: 4 - الصفحة: 123
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . =يلزمه قبوله كأن جاءه بشيء يسرع إليه الفساد كاللحم في رجب وحاجته إليه في شوال, وكذا العنب والتفاح وغيرها فهنا لا يلزمه أخذه، أما إذا كان لا يتضرر بأخذه كأن يسلمه إليه محفوظاً في حديد أو رصاص ولا يحصل له ضرر بتسليمه فهنا يلزمه قبوله ولا يمتنع عن ذلك.
- الفائدة الرابعة: إذا أحضر المسلم فيه بصفته أو أجود منها أو أقل منها فما الحكم؟ نقول:
1 - إذا جاءه بصفته لزم المسلم قبوله لأنه جاء به على الوصف الذي اشترطه.
2 - إذا جاءه به أجود مما وصف لزمه أيضاً قبوله لأنه زاده خيراً، فإذا قال المسلم إليه أريد في مقابل هذه الصفة الزائدة ثمناً نقول له لا يجوز لك ذلك لأنها صفة غير متميزة، فلا بد أن يأتي بالموصوف أو يبذل الزيادة بلا ثمن.
3 - إذا جاءه بأقل مما وصفه فإنه لا يلزم المُسْلِم قبوله لأنه أقل من حقه، ولو قال أقبله على أن تدفع لي تعويضاً عن النقص لم يجز لأنه صرف المُسْلَم إلى غيره وبيع له فإما أن يقبله أو يرده.
وقيل يجوز أن يقبله مع أخذ قيمة النقص، وهو الأظهر عندي. - الفائدة الخامسة: في حكم التولية والشركة بدين السلم قبل قبضه:
مثالها: أن يكون لشخص دين سلم على رجل ويأتي آخر فيقول له لي دين سلم على فلان فأعطني كذا من الريالات ويكون شريكاً في دين السلم، والتولية بأن يقول أعطني كذا من الدراهم وتحل محلي في السلم فيتولى مكان السلم الأول.
فهذا محل خلاف فالجمهور 246 على منع ذلك.
الجزء: 4 - الصفحة: 124
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . =وذهب مالك 247 إلى جواز ذلك.
- الفائدة السادسة: ما تفعله بعض البنوك من وضع «شرط جزائي» عند تأخر المدين عن تسليم المسلم فيه وقته, فهو شرط باطل, لأنه دين, ولا يجوز اشتراط الزيادة على الدين عند التأخير, لأنه ربا وقد سبق، أما ما يفعله بعض الأشخاص فيما بينهم في شروط العقد «الشرط الجزائي» لمصلحة العقد, كأن يشترط رب العمل على المتعامل, أنه إذا تأخر في إنجاز العمل أن عليه عن كل يوم تأخير مبلغ مائة ريال مثلاً فهذا جائز، لكن يشترط أن لا يكون هذا الشرط الجزائي كثيراً, بحيث يراد به التهديد المالي وأكل مال الطرف الأخر بالباطل فإنه حينئذ يجب الرجوع في تقديره إلى العدل والإنصاف بحسب ما فات من مصلحة أو لحق من مضرة.
- الفائدة السابعة: أنه إذا حصلت ظروف طارئة عامة بعد عقد السلم وقبل تسليم المسلم فيه، وتسببت هذه الظروف في حصول غلاء فاحش للسلع المسلم فيها - ومثل ذلك المقاولات التي تحتاج إلى وقت طويل لتنفيذها وحصل ارتفاع حاد لأسعار السلع التي عقد على توريدها أو التي يحتاج إليها العمل الذي تعاقد مع غيره على تنفيذه ونحو ذلك - ولم يكن المسلم إليه أو المقاول متسبباً في ذلك بتأخير أو غيره، فإنه يحق للقاضي في هذه الحالة عند التنازع وبناء على الطلب تعديل الحقوق والالتزامات العقدية بصورة تعدل القدر المتجاوز للمتعاقد من الخسارة على الطرفين المتعاقدين، كما يجوز له أن يفسخ العقد فيما لم يتم تنفيذه منه، إذا رأى أن فسخه أصلح وأسهل في =
الجزء: 4 - الصفحة: 125
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
=القضية المعروضة عليه، وذلك مع تعويض عادل للملتزم له - وهو صاحب الحق في التنفيذ - يجبر له جانباً معقولاً من الخسارة التي تلحقه من فسخ العقد، بحيث يتحقق عدل بينهما دون إرهاق للملتزم، ويعتمد القاضي في هذه الموازنات جميعاً رأي أهل الخبرة الثقات 248.
هذا ومن العقود التي كثر التعامل بها في هذا الوقت، وبها شبه بالسلم:
عقد الاستصناع، وهو عقد يتعهد به الطرف الأول للطرف الثاني بصناعة سلعة معينة يسلمها له في وقت معين مقابل مبلغ معين.
فهو يزيد على عقد السلم بأنه عقد على العمل أيضاً، ولهذا يجوز فيه تأجيل الثمن كله أو تقسيطه إلى أقساط معلومة لآجال محددة 249.
الجزء: 4 - الصفحة: 126
باب القرض
(1) الشرح:
(1)
قوله «بَابُ الْقَرْضِ»:
القرض في اللغة: القطع، وفي الاصطلاح: دفع مال لمن ينتفع به ويرد بدله.
وقيده بعضهم على وجه الإحسان: أي أنه من باب الإرفاق والإحسان لا من باب المعاوضات، فليس هو من بيع ربوي بجنسه من غير قبض، لأن القرض من باب الإرفاق والقربة، ولا يمكن أن يبيع عاقلاً درهماً بمثله ولا صاعاً بمثله.
والقرض: مندوب إليه كما دل على ذلك الكتاب والسنة والإجماع.
أما دليل الكتاب: فمن ذلك قوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ﴾ 250.
وقال أيضاً: ﴿وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَنا﴾ 251.
والمراد بإقراض الله تعالى هنا: الإحسان إلى عباده، وإلا فهو سبحانه ليس بحاجة إلى خلقه.
ومعنى القرض في الآيات: السلف.
ومن ذلك أيضاً قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ 252، والقرض نوع من الإحسان.
الجزء: 4 - الصفحة: 127
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أما السنة: فقد جاءت أحاديث كثيرة تدل على فضله فمن ذلك:
عن ابن مسعود -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُقْرِضُ مُسْلِمًا قَرْضًا مَرَّتَيْنِ إِلَّا كَانَ كَصَدَقَتِهَا مَرَّةً» 253.
ما رواه البخاري ومسلم عن أبي رافع أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - اسْتَسْلَفَ مِنْ رَجُلٍ بَكْرًا فَقَدِمَتْ عَلَيْهِ إِبِلٌ مِنْ إِبِلِ الصَّدَقَةِ فَأَمَرَ أَبَا رَافِعٍ أَنْ يَقْضِىَ الرَّجُلَ بَكْرَهُ فَرَجَعَ إِلَيْهِ أَبُو رَافِعٍ فَقَالَ لَمْ أَجِدْ فِيهَا إِلاَّ خِيَارًا رَبَاعِيًا.
فَقَالَ: «أَعْطِهِ إِيَّاهُ إِنَّ خِيَارَ النَّاسِ أَحْسَنُهُمْ قَضَاءً» 254.
الحكمة في مشروعيته: لما كانت أحوال الناس مختلفة منهم المعسر ومنهم الموسر نُدِب إلى القرض وجعله قربة من القرب وذلك لما فيه من إيصال النفع للمقترض، وذلك لقضاء حاجته وتفريج كربته.
فعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ -رضي الله عنه- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - «مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا نَفَّسَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ» 255.
فالقرض من محاسن الدين لأنه يحتاجه من ضاقت أموره وانكسر خاطره واشتدت حاجته.
الجزء: 4 - الصفحة: 128
عَنْ أَبِيْ رَافِعٍ - صلى الله عليه وسلم -، أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - اسْتَلَفَ مِنْ رَجُلٍ بَكْرًا، فَقَدِمَتْ عَلَيْهِ إِبِلُ الصَّدَقَةِ، فَأَمَرَ أَبَا رَافِعٍ أَنْ يَقْضِيَ الرَّجُلَ بَكْرَهُ، فَرَجَعَ إِلَيْهِ أَبُوْ رَافِعٍ، فَقَالَ: لَمْ أَجِدْ فِيْهَا، إِلاَّ خِيَارًا رُبَاعِيًا.
فَقَالَ: أَعْطُوْهُ إِيَّاهُ، فَإِنَّ خَيْرَ النَّاسِ أَحْسَنُهُمْ قَضَاءً 256
(1) قوله «عَنْ أَبِيْ رَافِعٍ - صلى الله عليه وسلم -، أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - اسْتَلَفَ مِنْ رَجُلٍ بَكْرًا، فَقَدِمَتْ عَلَيْهِ إِبِلُ الصَّدَقَةِ، فَأَمَرَ أَبَا رَافِعٍ أَنْ يَقْضِيَ الرَّجُلَ بَكْرَهُ، فَرَجَعَ إِلَيْهِ أَبُوْ رَافِعٍ، فَقَالَ: لَمْ أَجِدْ فِيْهَا، إِلاَّ خِيَارًا رُبَاعِيًا.
فَقَالَ: «أَعْطُوْهُ إِيَّاهُ، فَإِنَّ خَيْرَ النَّاسِ أَحْسَنُهُمْ قَضَاءً» (1): هذا الحديث رواه البخاري ومسلم وأهل السنن، وقوله «بَكْرًا»: بفتح الباء، وهي الصغير من الإبل.
وفي الحديث فوائد منها:
1 - جواز المطالبة بالدين إذا حل الأجل.
2 - حسن خلق النبي - صلى الله عليه وسلم - وعظم حلمه وتواضعه وإنصافه.
3 - أن من عليه دين لا ينبغي له مجافاة صاحب الحق.
4 - فيه جواز استقراض الإبل ويلحق به جميع الحيوانات، وهو قول أكثر أهل العلم 257 بخلاف ما ذهب إليه بعض الفقهاء 258 من منع ذلك لحديث النهي عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة.
5 - فيه أيضاً جواز وفاء ما هو أفضل من المثل إذا لم تقع شرطية ذلك في العقد فيحرم حينئذ بالاتفاق.
6 - وفيه أيضاً أن الاقتراض في البر والطاعة وكذا الأمور المباحة لا يعاب.
الجزء: 4 - الصفحة: 129
وَمَنِ اقْتَرَضَ شَيْئًا، فَعَلَيْهِ رَدُّ مِثْلِهِ إِنْ كَانَ مِثْلِيًّا (1)، (1)
قوله «وَمَنِ اقْتَرَضَ شَيْئًا، فَعَلَيْهِ رَدُّ مِثْلِهِ إِنْ كَانَ مِثْلِيًّا»: هذا هو الأصل فالذي يرد في القرض المثل إن كان مثلياً كالمكيل والموزون والمذروع لأن المثلي يضمن بمثله كالمتلفات والمثلي كما ذكرنا كل مكيل أو موزون أو مذروع.
أما غير المثلي فهو نوعان: حيوان وغير حيوان، وقد اختلف العلماء فيما يرد من غير المثلي بنوعيه على قولين:
القول الأول: ترد قيمته حيواناً كان أو غير حيوان.
القول الثاني: أن في ذلك تفصيلاً، فالحيوان يرد بمثله كما في حديث أبي رافع المتقدم، وغير الحيوان كالجواهر وسائر الأموال غير المثلية ترد قيمتها، لكن هل تنضبط المثلية في الحيوان؟
الصواب: أنه لا يمكن انضباطها كلياً ولذا نقول تكفي المقاربة ولو لم تكن مثلية تامة، فالضأن متقاربة، والإبل متقاربة، وتنضبط بالسن والذكورة والأنوثة وغيرها كما سبق في السلم.
أما القيميات فتضمن بالقيمة، ولكن كيف تعرف القيمة؟
تعرف القيمة بوقت القرض لا وقت الوفاء به لأن القرض إنما دخل ذمة المستقرض من حين قبضه فاعتبرت القيمة في ذلك الوقت.
فالحاصل أن القيميات تضمن بالقيمة وقت القرض سواء كانت قيمته عند الدفع أكثر أم أقل أم مساوية، كما أنه يضمن المثلي بمثله بغض النظر عن قيمته في الزيادة والنقصان، فلو أعوز المثل «يعني تعذر حصوله»، فله القيمة وقت الإعواز «أي وقت الطلب» لا وقت القرض لأنه يجب المثل، فإذا لم يجد المثل وجبت قيمة المثل، ويحصل الإعواز بأمور ثلاثة:
الجزء: 4 - الصفحة: 130
وَيَجُوْزُ أَنْ يَرُدَّ خَيْرًا مِنْهُ لِلْخَيْرِ (1)
1 - العدم؛ كأن يعدم المثل في السوق مثلاً فلا يوجد.
2 - الغلاء الفاحش؛ كأن يقترض منه بمائة فوجده في السوق بألف مثلاً فهذا غلاء فاحش يضر.
3 - البعد الشاق؛ بأن يكون موجوداً لكن لا يمكن إحضاره كأن يكون المثل في روسيا ونحن الآن في الرياض فهنا يكون إعوازاً، فينتقل إلى القيمة وتكون قيمته وقت الإعواز, فإذا قال المقرض أنا أريد المثل فقال له المقترض والله ليس موجوداً إلا في بلاد بعيدة فقال اذهب واشتره فلا يلزمه لأنه إذا اشتراه سيأتي بأضعاف أضعافه.
وهذا فيه إضرار، وقد جاء عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ -رضي الله عنه-: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى الله عَليْهِ وسَلَّمَ قَضَى أَنْ لا ضَرَرَ وَلا ضِرَارَ» (1).
- فائدة: إذا كان القرض نقوداً وألغى السلطان التعامل بها واستبدلها بنقود أخرى: فمن العلماء من يرى أنه يأخذ مثلها ولو أبطلها السلطان لأن إلغائها لم يكن من قبل المستقرض.
والقول الأخر: أن له قيمتها وقت القرض من النقود البديلة، وهذا هو الأظهر عندي.
أما إذا كان قد بقي التعامل بهذا النقد عند بعض الناس فله أن يرد مثله ولو كان أقل من قيمته.
(1) قوله «وَيَجُوْزُ أَنْ يَرُدَّ خَيْرًا مِنْهُ لِلْخَيْرِ»: سواء كان في الصفة أو الكمية على القول الصحيح لحديث أبي رافع المتقدم و
الزيادة في القرض على نوعين
:259
الجزء: 4 - الصفحة: 131
وَأَنْ يَقْتَرِضَ تَفَارِيْقَ وَيَرُدَّ جُمْلَةً إِذَا لَمْ يَكُنْ بِشَرْطٍ (1)،
1 - أن تكون مشترطة في أصل العقد وهذا ربا بالإجماع، فقد أجمع العلماء على أن اشتراط الزيادة في القرض ربا، لأن القرض عقد إرفاق وهو قربة، فإذا أخذ عليه الزيادة فهو ربا ويسمى هذا ربا القرض، ولهذا القروض التي تعطى من البنوك بالزيادة قروض محرمة سواء كانت قروضاً استهلاكية أو قروضاً استثمارية مع الأفراد أو الشركات أو الدول.
2 - أن تكون الزيادة غير مشروطة في أصل العقد، وإنما بذلها المقترض من باب حسن الأداء، فهذا جائز، وهو الذي عناه المؤلف هنا بقوله «وَيَجُوْزُ أَنْ يَرُدَّ خَيْرًا مِنْهُ».
لكن اختلف الفقهاء في ما إذا كان من المعلوم عن المقترض أنه يزيد في الوفاء فهل يجوز الإقراض والتطلع إلى الزيادة ولو لم يشترط؟ .
نقول: كره هذا بعض الفقهاء، والصحيح عدم الكراهة لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان كريماً معروفاً بأنه يزيد في الوفاء وكانوا يقرضونه، فلا بأس بذلك إن كان تبرعاً من المقترض بدون إلزام من المقرض.
(1)
قوله «وَأَنْ يَقْتَرِضَ تَفَارِيْقَ وَيَرُدَّ جُمْلَةً إِذَا لَمْ يَكُنْ بِشَرْطٍ»:
مثاله: أن يقترض مائة ثم بعد فترة يقترض مائة وهكذا حتى يصل إلى ألف مثلاً فله أن يرد الألف جملة لأنه أدى ما عليه من غير زيادة ولا نقصان ويكون كمن اقترض جملة ورد بالتفريق.
لكن لو اشترط المقرض أن يعطيه مائة بعد مائة قرضاً فإذا وفاه إياها أعطاها جملة، فهذا لا يجوز لأن فيه نفعاً للمقرض فيكون قرضاً جر نفعاً فلا يجوز كما لو شرط زيادة في القرض.
الجزء: 4 - الصفحة: 132
وَإِنْ أَجَّلَهُ، لَمْ يَتَأَجَّلْ (1)، وَلا يَجُوْزُ شَرْطُ شَيْءٍ يَنْتَفِعُ بِهِ الْمُقْرِضُ (2)، (1)
قوله «وَإِنْ أَجَّلَهُ، لَمْ يَتَأَجَّلْ»:
كأن يقول له أقرضك على أن توفيني إياه في شهر كذا، وقد اختلف الفقهاء فيما لو شرط في القرض أجلاً محدداً على قولين (1):
القول الأول: لا يصح الأجل في القرض ولا يلزم لأن القرض دين حال والدين الحال لا يتأجل فله مطالبته به في الحال مطلقاً، كسائر الديون الحالة، وأيضاً لأن القرض عقد منع فيه من التفاضل فمنع الأجل فيه كالصرف، فالشرط باطل وليس له مفعول لو اشترط وهذا هو قول الأكثر وعليه المذهب (2).
القول الثاني: ما ذهب إليه جمع من أهل العلم وهو صحة اشتراط تأجيل القرض.
وهذا هو الصحيح، وهو اختيار شيخ الإسلام -رحمه الله- (3)، وشيخنا محمد بن صالح العثيمين -رحمه الله- (4)، فلو قال المستقرض سأوفيك القرض بعد سنة صح هذا الشرط، فإذا رضي المقرض فإنه يثبت الأجل ويكون لازماً ولا يحل للمقرض أن يطالب المستقرض حتى يحل الأجل، لكن إن أطلق ولم يحدد السداد فالأصل أنه حال إلا أن يكون المقترض معسراً فإنه ينظره.
(2)
قوله «وَلا يَجُوْزُ شَرْطُ شَيْءٍ يَنْتَفِعُ بِهِ الْمُقْرِضُ»:
كأن يقول للمقترض أقرضك المبلغ على أن أسكن بيتك لمدة سنة، فهذا القرض جر نفعاً للمقرض فهو حرام.260261262263
الجزء: 4 - الصفحة: 133
إلاَّ أَنْ يَشْتَرِطَ رَهْنًا، أَوْ كَفِيْلاً (1) وَلا تُقْبَلُ هَدِيَّةُ الْمُقْتَرِضِ، إِلاَّ أَنْ يَكُوْنَ بَيْنَهُمَا عَادَةً بِهَا، قَبْلَ الْقَرْضِ (2). =لكن إن اشترط المقرض على المقترض مالاً زيادة فيه على المقترض مما ينتفع به المقرض، كأن يقول له - أي المقرض - أقرضك الذي تريد بشرط أن توفيني به في مكان كذا، فهذا قد اختلف فيه الفقهاء، والصحيح عندي: أن هذا جائز بشرط أن لا يكون في حمله مؤونة لأن المقرض لم يأته زيادة على ما أقرضه، لكن اختلف في المكان فقط، وسيأتي مزيد إيضاح لهذه المسألة قريباً إن شاء الله تعالى.
(1)
قوله «إِلاَّ أَنْ يَشْتَرِطَ رَهْنًا، أَوْ كَفِيْلاً»:
كما مر بنا في السلم فيجوز أن يقرضه على أن يأخذ رهناً عنده لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - رهن درعه على شعير أخذه لأهله ويجوز أيضاً للمقرض أن يشترط وجود كفيل يضمن به المقرض ويرجع إليه عند المماطلة أو عدم رد القرض.
فالحاصل أن الرهن أو الكفيل توثيق لاستيفاء القرض، وليس فيهما زيادة على المقترض وكذلك لا نفع زائد للمقرض.
(2)
قوله «وَلا تُقْبَلُ هَدِيَّةُ الْمُقْتَرِضِ، إِلاَّ أَنْ يَكُوْنَ بَيْنَهُمَا عَادَةً بِهَا، قَبْلَ الْقَرْضِ»:
أي لا يجوز للمقرض أن يقبل هدية من المقترض قبل الوفاء إلا ما استثناه المؤلف من جريان العادة بذلك قبل القرض مثال ذلك: أن يكون الذي عليه القرض صاحباً للمقرض، وجرت العادة أنه إذا سافر أن يعطي المقرض هدية بعد رجوعه من السفر، فلما رجع المقترض من سفره أعطى هدية للمقرض فهذا لا بأس، وكذلك إذا جرت العادة أنهما يتبادلان الهدايا بعضهم مع بعض فلا بأس، لأن الحامل له ليس الاقتراض، بل الحامل له=
الجزء: 4 - الصفحة: 134
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
=المودة والمصاحبة بينه وبين صاحبه أما إذا لم تكن هناك عادة بينهما فإنه لا يحل للمقرض قبول هدية المقترض قبل وفاء القرض، دليل ذلك ما جاء عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِيهِ «أَتَيْتُ الْمَدِينَةَ فَلَقِيتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلَامٍ -رضي الله عنه- فَقَالَ أَلَا تَجِيءُ فَأُطْعِمَكَ سَوِيقًا وَتَمْرًا وَتَدْخُلَ فِي بَيْتٍ ثُمَّ قَالَ إِنَّكَ بِأَرْضٍ الرِّبَا بِهَا فَاشٍ إِذَا كَانَ لَكَ عَلَى رَجُلٍ حَقٌّ فَأَهْدَى إِلَيْكَ حِمْلَ تِبْنٍ أَوْ حِمْلَ شَعِيرٍ أَوْ حِمْلَ قَتٍّ فَلَا تَأْخُذْهُ فَإِنَّهُ رِبًا» 264.
والعلة في المنع من ذلك أيضاً سد الذرائع لأخذ الزيادة في القرض، الذي موجبه رد المثل، أو يتخذ ذريعة إلى تأخير الدين، فيكون ربا، لأنه يعود عليه ماله مع أخذ الفضل الذي استفاده.
أما إذا أخذ المقرض ما أهداه إليه المقترض بنية احتساب ما أعطاه من الدين أو بنية أن يكافئه عليه فإنه يجوز.
ونذكر هنا بعض المسائل التي لم يتعرض لها المؤلف في باب القرض:
المسألة الأولى: إذا أقرضه وشرط عليه الوفاء ببلد آخر: هذه المسألة لها حالتان:
الأولى: ما يكون لحملة مؤونة، فهذا لا يصح قولاً واحداً لأنه قرض جر نفعاً، كما لو أقرضه براً أو تمراً وشرط عليه الأداء في بلد آخر، فلا يجوز لأنه أراد أن يسلم من أجرة نقله «وكل قرض جر نفعاً فهو ربا».
الثانية: إذا لم يكن لحمله مؤونة كالنقود فهذه موضع خلاف بين أهل العلم.
القول الأول: المنع من ذلك لأنه قرض جر نفعاً فاستفاد المقترض باستخدام هذه النقود في هذه البلدة وهذا قرض جر نفعاً.
الجزء: 4 - الصفحة: 135
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
القول الثاني: جواز ذلك لأن النفع لم ينفرد به المقترض وإنما انتفع به الطرفان، لأن المقترض ربح من أمن الطريق والمقترض ربح بأنه استفاد من النقود واشترى بها فلا بأس، والممنوع النفع الذي للمقترض فقط ثم إن هذه المصلحة لم يكن بها ضرر، والشرع قد جاء بجلب المصالح.
وهذا هو الراجح، وهو اختيار شيخ الإسلام -رحمه الله- (1).
المسألة
الثانية: في شروط صحة القرض
: هناك شروط في المقرض، وشروط في المقترض: وشروط في القرض:
أولاً: شروط المقرض: يشترط في المقرض شروط قد سبق بيانها في أول كتاب البيوع, فلا بد أن يكون المقرض ممن يصح تبرعه بأن يكون بالغاً عاقلاً رشيداً، فلو كان صغيراً أو بالغاً سفيهاً فلا يصح إقراضه كما لا تصح سائر تصرفاته، وكذا لا يصح إقراض من حجر عليه لحظ الغرماء.
ثانياً: شروط المقترض: يشترط في المقترض أن يصادف القرض ذمة صالحة للتحمل وهل يجوز، إقراض جهة الوقف ونحوها على قولين، الصحيح جواز ذلك لكن لا بد فيه من إذن حاكم أو من ينوب عنه.
ثالثاً: ما يشترط في المال المقترض: ذكرنا ذلك في ثنايا شرحنا وقلنا إنه يشترط أن يكون المال المقترض مثلياً كالمكيل والموزون والمذروع.
وقد اختلف 266 الفقهاء في ذلك على ثلاثة أقوال:
الأول: يشترط أن يكون المال المقترض مثلياً ولا يجوز في غيره لأن المطلوب =265
الجزء: 4 - الصفحة: 136
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= رد المثل ولا يكون إلا في المكيل أو الموزون.
الثاني: كل ما جاز فيه السَّلَم جاز فيه القرض سواء كان مثلياً أم لم يكن مثلياً.
الثالث: أن كل ما صح بيعه صح قرضه حتى ولو لم يجز فيه السلم كالجواهر والأشياء التي لا تنضبط بالوصف، وهذا هو الصحيح.
المسألة الثالثة: هل يجوز إقراض المنافع؟
الجمهور (1) على أنه لا يجوز إقراض المنافع كأن يقول أحصد عندي هذا اليوم وأحصد عندك غداً، أو يسكنه داراً ليسكنه الأخر بدلها.
وأجاز شيخ الإسلام -رحمه الله- (2) ذلك، وهو الصحيح لأن المنفعة لها حكم المال، ويقصد لها ما يقصد من المال، فيجوز إقراض المنافع والتفاوت اليسير لا يضر، ولأن الأصل في المعاملات الإباحة، ولأن المنافع تجوز المعاوضة عنها فيجوز قرضها.
المسألة
الرابعة: في قرض الخبز
: أجاز الفقهاء قرض الخبز ولا يشترط فيه الوزن لأنه مما يتسامح فيه، لكن يعتبر فيه العدد ومثله أنواع الخبز كالقرصان ونحوه، والتفاوت اليسير لا يضر، وهذا هو قول جمهور الفقهاء 269، وهو اختيار شيخ الإسلام 270، ومنع أبو حنيفة 271 ذلك.267268
الجزء: 4 - الصفحة: 137
بَابُ أَحْكَامِ الدَّيْنِ (1) الشرح:
(1)
قوله «بَابُ أَحْكَامِ الدَّيْنِ»:
لما ذكر المؤلف -رحمه الله- أحكام القرض ناسب أن يلحق بها أحكام الدين، لأن القرض أصل، والدين فرع عليه، فإذا وقع القرض وحصل الدين فهناك آثار تترتب على القرض والدين، فقد يكون الشخص الذي أخذ الدين معسراً أو طرأ عليه الإعسار، وقد يحكم بفلسه ومن ثم يحجر عليه في ماله وتصرفاته فيه، ومن هنا اعتنى المؤلف بأن يذكر
باب أحكام الدين
بعد القرض.
- فائدة: بيع الدين يشمل:
1 - بيع الدين لمن هو عليه بثمن حال: مثاله: يطلبه مائة ريال مؤجلة فيأخذ عنها سلعة قبل حلول الأجل أو يأخذ مبلغاً أقل، فهذا ما دام برضاهما وليس حيلة على الربا فالصواب جواز ذلك، ومنعه بعض أهل العلم.
2 - بيع الدين لمن هو عليه بثمن مؤجل: مثاله: يطلبه مائة ريال فيأخذ عنها عشرة آصع من البر بعد سنة، فهذا محل خلاف، والصواب المنع.
3 - بيع الدين لغير المدين بثمن حال كأن يكون على شخص عشرة آصع من البر بعد سنة فيبيعها على شخص آخر بمائة ريال حاله وهذا محل خلاف، والصواب: أنه إذا كان العوضان لا يجري فيها الربا فالقول بالجواز فيه تيسير وتسهيل ورفع للحرج.
4 - بيع الدين لغير المدين بثمن مؤجل: كأن يكون له على شخص عشرة آصع من البر فيبيعها على شخص ثالث بمائة ريال بعد سنة، فهذا محل خلاف.
=
الجزء: 4 - الصفحة: 138
مَنْ لَزِمَهُ دَيْنٌ مُؤَجَّلٌ، لَمْ يُطَالَبْ بِهِ قَبْلَ أَجَلِهِ (1)، وَلَمْ يُحْجَرْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْلِهِ (2)، وَلَمْ يَحِلَّ بِفَلَسِهِ (3)، وَلا بِمَوْتِهِ، إِذَا وَثَّقَهُ الْوَرَثَةُ بِرَهْنٍ، أَوْ كَفِيْلٍ (4)،
=والصواب: عدم الجواز إلا إذا كان الدين حالا ولم يبعه بشيء ربوي فهنا لو قيل بالجواز لكان فيه وجه.
5 - بيع الدين بالدين ابتداء مثل السلم ولا يسلم الثمن فهذا لا يجوز.
(1) قوله «مَنْ لَزِمَهُ دَيْنٌ مُؤَجَّلٌ، لَمْ يُطَالَبْ بِهِ قَبْلَ أَجَلِهِ»: لأن المدين لا يلزمه أداؤه قبل أجله بل ولا يحل للدائن أن يطالب به قبل حلول أجل الدين حتى ولو أفلس المدين قبل وقت السداد، دليل ذلك قوله -صلى الله عليه وسلم- «الْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ» (1)، وصاحب الدين قد رضي بتأجيله، فيجب عليه الانتظار حتى يحل الأجل.
(2) قوله «وَلَمْ يُحْجَرْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْلِهِ»: لأن المدين لا يستحق المطالبة به قبل موعده ولأن الأجل حق للمدين، فلم يملك منعه من ماله بسببه.
(3)
قوله «وَلَمْ يَحِلَّ بِفَلَسِهِ»:
أي لا يحكم من أجل هذا الدين المؤجل ولا يتحول حالا إذا أفلس المدين، بل يبقى الدين إلى أجله لأن الأجل حق للمدين فلا يسقط بفلسه كسائر حقوقه.
(4)
قوله «وَلا بِمَوْتِهِ، إِذَا وَثَّقَهُ الْوَرَثَةُ بِرَهْنٍ، أَوْ كَفِيْلٍ:
أي لا يحل الدين المؤجل بموت المدين لكن من حق الدائن أن يطلب توثيق الدين برهن أو كفيل.
مثال ذلك: رجل عليه دين قدره مائة ألف ريال تحل بعد سنة، ثم مات الرجل قبل حلول أجل الدين فهل يحل الدين؟
نقول: لا؛ لأن المال انتقل إلى الورثة بأعيانه وأوصافه, ومن أوصافه أنه =272
الجزء: 4 - الصفحة: 139
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
=مؤجل، فالحق للورثة الآن فلو قال الورثة لا نوفيك الآن لأن أجل الدين لم يحل بعد فالقول قولهم، فإن خشي الدائن أن يقسم الورثة التركة فيضيع حقه فقال اجعلوا لي رهناً, فقالوا هذا البيت رهن لك وهذا البيت ثمنه يكفي الدين فللدائن ذلك، فإن قالوا لا نرهنك شيئاً فقال قدموا لي كفيلاً قالوا هذا فلان يكفل دينك فإن كان الكفيل مليئاً أي يستطيع أن يوفي الدين بماله وقوله وبدنه قبل وإلا فلا.
فالحاصل أنه إذا أفلس الرجل المدين فإنه لا يحل دينه ويبقى مؤجلاً، فإن مات ففي ذلك تفصيل، إن وثَّق الدين برهن يكفي أو بكفيل مليء فالدين باق لا يحل لأنه لا ضرر على صاحب الدين، أما إذا لم يوثق برهن أو كفيل مليء فإنه يحل الدين، لئلا يضيع حقه.
قلت: وفي رواية أخرى في المذهب 273 أن الدين يصبح حالا بموت المدين وعللوا لذلك بأن في بقائه ضرراً على الميت لبقاء ذمته مرتهنة به، وعلى الوارث لمنعه من التصرف في التركة، وعلى الغريم بتأخير حقه، وربما تلفت التركة والحق يتعلق بها، وقد لا يكون للورثة قدره على السداد فيؤدي تصرفهم إلى هلاك الحق.
قلت: والأظهر عندي: ما ذهب إليه المؤلف اللهم إلا إذا كان الورثة يريدون أن يتخلصوا من الديون التي على المدين ويريدون تعجيل الدين فهذا أفضل وأحسن.
الجزء: 4 - الصفحة: 140
إِنْ أَرَادَ سَفَرًا يَحِلُّ الدَّيْنُ قَبْلَ مُدَّتِهِ، أَوِ الْغَزْوَ تَطَوُّعًا، فَلِغَرِيْمِهِ مَنْعُهُ، إِلاَّ أَنْ يُوَثِّقَهُ بِذلِكَ (1)، وَإِنْ كَانَ حَالاًّ عَلَى مُعْسِرٍ، وَجَبَ إِنْظَارُهُ (2)، (1)
قوله «وَإِنْ أَرَادَ سَفَرًا يَحِلُّ الدَّيْنُ قَبْلَ مُدَّتِهِ، أَوِ الْغَزْوَ تَطَوُّعًا، فَلِغَرِيْمِهِ مَنْعُهُ، إِلاَّ أَنْ يُوَثِّقَهُ بِذلِكَ»:
أي إذا أراد المدين أن يسافر والدين يحل أجله قبل عودته من السفر، فللغريم منعه إلا أن يوثق ذلك برهن أو كفيل، ولكن إذا كان سيرجع قبل موعد السداد ففي ذلك روايتان في المذهب (1).
الأولى: أنه له منعه لأن رجوعه مرة أخرى من سفره غير متيقن ولا ظاهر فيملك منعه منه.
الثانية: ليس له منعه لأنه لا يملك المطالبة به في الحال ولا يعلم أن السفر مانع منه عند الحلول فأشبه السفر القصير.
(2)
قوله «وَإِنْ كَانَ حَالاًّ عَلَى مُعْسِرٍ، وَجَبَ إِنْظَارُهُ»:
لقوله تعالى ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ .. ﴾ 275، وعَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ قَالَ أُصِيبَ رَجُلٌ في عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - في ثِمَارٍ ابْتَاعَهَا فَكَثُرَ دَيْنُهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - «تَصَدَّقُوا عَلَيْهِ».
فَتَصَدَّقَ النَّاسُ عَلَيْهِ فَلَمْ يَبْلُغْ ذَلِكَ وَفَاءَ دَيْنِهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - لِغُرَمَائِهِ «خُذُوا مَا وَجَدْتُمْ وَلَيْسَ لَكُمْ إِلاَّ ذَلِكَ» 276، وقوله عَنْ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - «لَيُّ الْوَاجِدِ يُحِلُّ عُقُوبَتَهُ .. » 277 فبمفهومه أن غير الواجد لا تحل عقوبته فلا يجوز مطالبة المدين المعسر بل تحرم مطالبته بالدين والحجر عليه ما دام معسراً، وفي إنظار المعسر فضل، فعَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: =274
الجزء: 4 - الصفحة: 141
وَإِنِ ادَّعَى الإِعْسَارَ، حُلِّفَ، وَخُلِّيَ سَبِيْلُهُ (1)، إِلاَّ أَنْ يُعْرَفَ لَهُ مَالٌ قَبْلَ ذلِكَ، فَلا يُقْبَلُ قَوْلُهُ، إِلاَّ بِبَيِّنَةٍ (2)، وَإِنْ كَانَ مُوْسِرًا بِهِ، لَزِمَهُ وَفَاؤُهُ (3)، = سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ: «مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِرًا فَلَهُ بِكُلِّ يَوْمٍ مِثْلِهِ صَدَقَةٌ» (1). وعلى ذلك ما تقوم به المصارف الربوية من إعادة جدولة الديون, فيقوم البنك بزيادة الدين على المدين المعسر, أو بيع الدين على المدين بذهب أو فضة أو نقد مؤجل أكثر من مقدار الدين كل هذا ربا, بل هو ربا الجاهلية الذي جاءت نصوص الكتاب والسنة بالنهي عنه, لأنه بيع نقد حال بنقد مؤجل أكثر منه.
(1)
قوله «وَإِنِ ادَّعَى الإِعْسَارَ، حُلِّفَ، وَخُلِّيَ سَبِيْلُهُ»:
أي فإن ادعى المدين أنه معسر لزمه أن يحلف أنه معسر ثم يخلى سبيله وذلك لأن الإعسار هو الأصل.
279 قوله «إِلاَّ أَنْ يُعْرَفَ لَهُ مَالٌ قَبْلَ ذلِكَ، فَلا يُقْبَلُ قَوْلُهُ، إِلاَّ بِبَيِّنَةٍ»: أي فلا يقبل دعواه أنه معسر لأن الأصل بقاء المال, فدعوى أنه معسر تحتاج إلى بينة من شهود أو ما يثبت ذلك، فيحبس حتى يأتي ببينة على إعساره ونفاد ماله, وعليه مع البينة اليمين أنه معسر لأنه صار بهذه البينة كمن لم يعرف له مال.
(3) قوله «وَإِنْ كَانَ مُوْسِرًا بِهِ، لَزِمَهُ وَفَاؤُهُ»: أي إن كان المدين موسراً وحل الأجل لسداد الدين فإنه يلزمه الوفاء لقوله - صلى الله عليه وسلم - «مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ فَإِذَا أُتْبِعَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيءٍّ فَلْيَتْبَعْ» (2)، ولأنه حق واجب عليه فلزمه أداؤه.278
الجزء: 4 - الصفحة: 142
فَإِنْ أَبَى، حُبِسَ حَتَّى يُوَفِّيَهُ (1)، فَإِنْ كَانَ مَالُهُ لا يَفِيْ بِدَيْنِهِ كُلِّهِ، فَسَأَلَ غُرَمَاؤُهُ الْحَاكِمَ الْحَجْرَ عَلَيْهِ، لَزِمَهُ إِجَابَتُهُمْ (2)، فَإِذَا حَجَرَ عَلَيْهِ، لَمْ يَجُزْ تَصَرُّفُهُ فِيْ مَالِهِ (3) (1)
قوله «فَإِنْ أَبَى، حُبِسَ حَتَّى يُوَفِّيَهُ»:
أي أبى المدين عن سداد الدين لا لإعساره وإنما مماطلة فإنه يحبس لذلك حتى يوفي الدَّين، دليل ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم - «لَيُّ الْوَاجِدِ يُحِلُّ عُقُوبَتَهُ .. » (1) , أي مطل الغني يحل عرضه فيغلظ عليه وينسب إلى سوء القضاء ويقول له أنك ظالم ومتعد, ومع ذلك تجب عقوبته بأن يحبس حتى يؤدي الحق.
(2) قوله «فَإِنْ كَانَ مَالُهُ لا يَفِيْ بِدَيْنِهِ كُلِّهِ، فَسَأَلَ غُرَمَاؤُهُ الْحَاكِمَ الْحَجْرَ عَلَيْهِ، لَزِمَهُ إِجَابَتُهُمْ»: مما سبق يتضح لنا أن المدين له ثلاثة أحوال:
الأول: أن يكون معسراً.
الثانية: أن يكون غير معسرٍ.
الثالثة: أن يكون ماله لا يفي بما عليه وهو مراد المؤلف هنا.
مثال ذلك: رجل له ألف ريال وهو مطالب بألفين، فالمال الذي عنده لا يفي بما عليه حالاً، فماذا نصنع؟
نقول: إذا سأل الغرماء الحاكم الحجر عليه فإنه يلزمه إجابتهم وذلك حماية لحقهم وحماية لذمة المدين حتى لا تبقى ذمته معلقة ومشغولة بالدين دائماً.
(3)
قوله «فَإِذَا حَجَرَ عَلَيْهِ، لَمْ يَجُزْ تَصَرُّفُهُ فِيْ مَالِهِ»:
أي لا يعتد بتصرفه في ماله ببيع ولا شراء ولا تأجير ولا هبة ولا رهن ولا وقف وغير ذلك، فأي تصرف في المال بعد الحجر عليه لا يصح لأن أمواله أصبحت مشغولة بحقوق الغرماء.280
الجزء: 4 - الصفحة: 143
وَلَمْ يُقْبَلْ إِقْرَارُهُ عَلَيْهِ (1)، وَيَتَوَلَّى الْحَاكِمُ قَضَاءَ دَيْنِهِ (2)، (1)
قوله «وَلَمْ يُقْبَلْ إِقْرَارُهُ عَلَيْهِ»:
أي لا يصح بعد الحجر أن يقر على شيء من ماله الذي بيده، ويصح إقراره في ذمته.
مثال ذلك: لو قال «هذه السيارة لفلان»، فلا يقبل إقراره هنا بعد الحجر عليه لكن يقبل في ذمته، بمعنى أننا نقول له هذه السيارة تباع ويوفي منها الدين، وأما الذي أقر له بالسيارة فيطالبه بعد فك الحجر عليه.
لكن ما الحكمة من قوله لا يقبل إقراره؟
نقول: لأنه قد يتواطأْ الغريم وآخر على الإقرار، بأن هذا شيء للآخر من أجل ألا يباع في دينه.
مثاله: شخص محجوز عليه وعنده سيارة تساوي خمسين ألفاً فجاءه صاحب له وقال يا فلان أقر بأن هذه السيارة لي من أجل ألا تباع في الدين، فهنا لا يؤخذ إقراره بذلك.
(2)
قوله «وَيَتَوَلَّى الْحَاكِمُ قَضَاءَ دَيْنِهِ»:
دليل ذلك ما جاء عن بلال بن الحارث قال: كان رجل يغالي بالرواحل ويسبق الحاج حتى أفلس، قال فخطب عمر بن الخطاب فقال: «أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ فَإِنَّ الأُسَيْفِعَ أُسَيْفِعَ جُهَيْنَةَ رَضِيَ مِنْ دِينِهِ وَأَمَانَتِهِ أَنْ يُقَالَ سَبَقَ الْحَاجُّ إِلاَّ أَنَّهُ قَدِ أَدَّانَ مُعْرِضًا فَأَصْبَحَ وَقَدْ رِينَ بِهِ فَمَنْ كَانَ لَهُ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَلْيَأْتِنَا بِالْغَدَاةِ نَقْسِمُ مَالَهُ بَيْنَ غُرَمَائِهِ وَإِيَّاكُمْ وَالدَّيْنَ فَإِنَّ أَوَّلَهُ هَمٌّ وَآخِرَهُ حَرْبٌ» (1)، والمراد بالحاكم هنا القاضي.
ولكن
هل يتولى القاضي بنفسه البيع؟
الجواب: لا لكن يأمر من يبيع ماله، المهم أنه يبيع ما يمكن بيعه وتقسم بين=281
الجزء: 4 - الصفحة: 144
وَيَبْدَأُ بِمَنْ لَهُ أَرْشُ جِنَايَةٍ مِنْ رَقِيْقِهِ فَيَدْفَعُ إِلَى الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ أَقَلَّ الأَمْرَيْنِ مِنْ أَرْشِهَا أَوْ قِيْمَةِ الْجَانِيْ، ثُمَّ بِمَنْ لَهُ رَهْنٌ، فَيَدْفَعُ إِلَيْهِ أَقَلَّ الأَمْرَيْنِ مِنْ دَيْنِهِ (1) =غرمائه على ما سيذكره المؤلف.
فائدة: يشترط أن لا يكون ماله من جنس الدين
, فإن كان من جنس الدين فإنه لا يبيعه، لأنه لا حاجة للبيع حينئذ، ولأن البيع قد يضر المحجور عليه.
(1)
قوله «وَيَبْدَأُ بِمَنْ لَهُ أَرْشُ جِنَايَةٍ مِنْ رَقِيْقِهِ فَيَدْفَعُ إِلَى الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ أَقَلَّ الأَمْرَيْنِ مِنْ أَرْشِهَا أَوْ قِيْمَةِ الْجَانِيْ، ثُمَّ بِمَنْ لَهُ رَهْنٌ، فَيَدْفَعُ إِلَيْهِ أَقَلَّ الأَمْرَيْنِ مِنْ دَيْنِهِ»:
لأن الأرش تعلق برقبة العبد الجاني, فإن كان للمفلس عبد جاني بدأ الحاكم في القسمة بأرش الجناية، سواء كانت الجناية قبل الحجر أو بعده لأن الحق كما ذكرنا تعلق بحق الجاني يفوت بفواتها بخلاف بقية الغرماء فيعطي المجني عليه الأقل من قيمته أي قيمة العبد الجاني أو الأقل من قدرها أي قدر الجناية وهي الأرش ولا شيء عليه إلا الأقل منهما، فإن بقي شيء من ثمن الجاني عن أرش الجناية قسم على بقية الغرماء، فإن كان الجاني هو المفلس فالمجني عليه أسوة الغرماء فيضرب له معهم بأرش الجناية سواء كانت قبل الحجر أو بعده.
مثال ذلك: أن يكون للمفلس عبد قد جني جناية على عبد آخر فقُدرت قيمة الجناية بعشرة ألاف, وكانت قيمة هذا العبد الجاني خمسة عشر ألفاً, فإنه يدفع لسيد العبد المجني عليه قيمة الجناية هي عشرة ألاف, لأنها أقل من قيمة العبد الجاني, ثم يقدم بعد من له أرش جناية من له رهن في دين.
كأن يكون رهنه منزلاً, فيدفع لهذا الدائن الذي عنده رهن الأقل من قيمة هذا الرهن أو الدين.
الجزء: 4 - الصفحة: 145
أَوْ ثَمَنِ رَهْنِهِ، وَلَهُ أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ فِيْ بَقِيَّةِ دَيْنِهِ (1)، ثُمَّ مَنْ وَجَدَ مَتَاعَهُ الَّذِيْ بَاعَهُ بِعَيْنِهِ لَمْ يَتْلَفْ بَعْضُهُ، وَلَمْ يَزِدْ زِيَادَةً مُتَّصِلَةً، وَلَمْ يَأْخُذْ مِنْ ثَمَنِهِ شَيْئًا، فَلَهُ أَخْذُهُ؛ لِقَوْلِ رَسُوْلِ اللهِ: «مَنْ أَدْرَكَ مَتَاعَهُ بِعَيْنِهِ عِنْدَ إِنْسَانٍ قَدْ أَفْلَسَ، فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ مِنْ غَيْرِهِ» (2) (1)
قوله «أَوْ ثَمَنِ رَهْنِهِ، وَلَهُ أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ فِيْ بَقِيَّةِ دَيْنِهِ»:
أي ثم يعطي الغرماء، فيبدأ بمن له رهن مقبوض للمفلس مقابل دين، فيخصه الحاكم بثمنه، بأن يبيعه ويعطيه ثمنه إن كان بقدر دينه أو أقل، فإن كان المرهون لم يوفي حق المرتهن بعد أخذه ثمن الرهن فإنه يضرب له مع الغرماء لأنه ساواهم في ذلك وإن بقي من الرهن مال رد عليَّ بقية أموال المفلس.
مثال ذلك: أن يكون على رجل دين مقداره مائة ألف ريال، وقد رهن المدين منزلاً لصاحب الدين قيمته خمسون ألفاً، فهنا يعطي المدين خمسين ألفاً التي هي قيمة الرهن, أما الباقي من الدين وهي خمسون ألفا المتبقية فتكون بالنسبة مع بقية الغرماء.
والحجة في تقديم من معه الرهن على غيره من الغرماء، أن دين الدائن قد تعلق بالرهن وبذمة المفلس معاً، بخلاف باقي الغرماء فإن دينهم متعلق بذمة المفلس فقط، فكان حقه أقوى من غيره.
(2)
قوله: «ثُمَّ مَنْ وَجَدَ مَتَاعَهُ الَّذِيْ بَاعَهُ بِعَيْنِهِ لَمْ يَتْلَفْ بَعْضُهُ، وَلَمْ يَزِدْ زِيَادَةً مُتَّصِلَةً، وَلَمْ يَأْخُذْ مِنْ ثَمَنِهِ شَيْئًا، فَلَهُ أَخْذُهُ؛ لِقَوْلِ رَسُوْلِ اللهِ: «مَنْ أَدْرَكَ مَتَاعَهُ بِعَيْنِهِ عِنْدَ إِنْسَانٍ قَدْ أَفْلَسَ، فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ مِنْ غَيْرِهِ»:
كأن يكون المحجور عليه اشترى من أحد الغرماء ساعة أو كتاباً أو سيارة ونحو ذلك، فلما حجر على المدين وجد هذه السلعة بعينها عند المدين فهو أحق بهذه العين من =
الجزء: 4 - الصفحة: 146
وَيُقَسَّمُ الْبَاقِيْ بَيْنَ الْغُرَمَاءِ عَلَى قَدْرِ دُيُوْنِهِمْ (1)،
=غيره، لقوله - صلى الله عليه وسلم - في حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-: «مَنْ وَجَدَ مَتَاعَهُ بِعَيْنِهِ عِنْدَ رَجُلٍ قَدْ أَفْلَسَ، فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ مِنْ غَيْرِهِ» (1). لكن يشترط لذلك شروطٌ:
1 - أن تكون بحالها سالمة لم يتلف بعضها.
2 - أن لا تزيد زيادة متصلة كالسِمن والكبر وتعلم صنعة، وهذا الشرط على روايتين في المذهب (2) أصحها عدم اشتراطه لأن النماء إنما كان في ملكه فكانت له كما لو ردها بعيب.
3 - أن لا يكون البائع قد أخذ من ثمنها شيئاً، فإن قبض بعض ثمنها فلا رجوع له، دليل ذلك ما ثبت عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي قال: «أَيُّمَا رَجُلٍ بَاعَ سِلْعَةً فَأَدْرَكَ سِلْعَتَهُ بِعَيْنِهَا عِنْدَ رَجُلٍ وَقَدْ أَفْلَسَ وَلَمْ يَكُنْ قَبَضَ مِنْ ثَمَنِهَا شَيْئًا فَهِيَ لَهُ وَإِنْ كَانَ قَبَضَ مِنْ ثَمَنِهَا شَيْئًا فَهُوَ أُسْوَةٌ لِلْغُرَمَاءِ» (3).
4 - ألا يتعلق بها حق غير حق المفلس، فإن خرجت عن ملكه ببيع أو غيره لم يرجع لأنه تعلق بها حق غيره.
5 - أن يكون المفلس حيًّا، فإن مات فالبائع أسوة الغرماء.
(1)
قوله «وَيُقَسَّمُ الْبَاقِيْ بَيْنَ الْغُرَمَاءِ عَلَى قَدْرِ دُيُوْنِهِمْ»:
أي يقوم القاضي بتقسيم ما بقي من المبيع بقدر ديون الغرماء، ويكون تقسيم ذلك بأن يقسم الباقي من الديون بالنِسَبِ، فما حصل من النسب فهو لكل واحد من دينه.=282283284
الجزء: 4 - الصفحة: 147
وَيُنْفَقُ عَلَى الْمُفْلِسِ وَعَلَى مَنْ تَلْزَمُهُ مُؤْنَتُهُ مِنْ مَالِهِ إِلَى أَنْ يُقْسَمَ (1)، وَإِنْ وَجَبَ لَهُ حَقٌّ بِشَاهِدٍ فَأَبَى أَنْ يَحْلِفَ، لَمْ يَكُنْ لِغُرَمَائِهِ أَنْ يَحْلِفُوْا (2).
=مثال ذلك: الدين عشرة آلاف ريال والموجود من باقي المبيع ثمانية، فينسب الثمانية إلى العشرة تكون أربعة أخماس، فلكل واحد من الغرماء أربعة أخماس ماله، فمن له ألف نعطيه ثمانمائة، ومن له مائة نعطيه ثمانين، وهكذا.
(1) قوله «وَيُنْفَقُ عَلَى الْمُفْلِسِ وَعَلَى مَنْ تَلْزَمُهُ مُؤْنَتُهُ مِنْ مَالِهِ إِلَى أَنْ يُقْسَمَ»: أي إذا حجر على المفلس انفق عليه وعلى من تلزمه نفقته كزوجته ووالديه وأولاده وعبيده ينفق عليهم من ماله إلى أن يقسم بين الغرماء، وإن طالت المدة لأن ملكه باق عليه قبل القسمة ومن النفقة كسوته وكسوة عياله على الصحيح من المذهب (1) إذا لم يكن له كسب، فإن كان له كسب لم يترك شيء من النفقة.
(2)
قوله «وَإِنْ وَجَبَ لَهُ حَقٌّ بِشَاهِدٍ فَأَبَى أَنْ يَحْلِفَ، لَمْ يَكُنْ لِغُرَمَائِهِ أَنْ يَحْلِفُوْا»:
أي ولو وجب للمفلس حق على أحد بشاهد واحد عدل فأبى المفلس أن يحلف مع هذا الشاهد ليثبت الحق له لم يجبر، لأننا لا نعلم صدق الشاهد، فإذا قال الغرماء نحن نحلف مع الشاهد على أن هذا حقه لم يكن لهم ذلك لأنهم يثبتون ملكاً لغريمهم تتعلق حقوقهم به بعد ثبوته فلم يجز لهم ذلك.
- فائدة: إن ظهر غريم بعد قسمة مال المحجور عليه: فإنه يرجع على الغرماء بقسطه.
مثال ذلك: رجل عليه دين ثمانية ألاف ومجموع ما عنده ستة ألاف تم =285
الجزء: 4 - الصفحة: 148
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . =تقسيمها على الغرماء، ثم ظهر غريم له أربعة ألاف فهنا نضم دينه إلى الدين السابق فيصير اثني عشر ألف، ونسبة الدين الذي ظهر إلى مجموع الدين الثلث فيرجع على كل واحد بثلث نصيبه.
الجزء: 4 - الصفحة: 149
بَابُ الْحِوَالَةِ وَالضَّمَانِ
(1) الشرح:
(1)
قوله «بَابُ الْحِوَالَةِ وَالضَّمَانِ»:
الحوالة والضمان هما بابان من أبوب الفقه وقد جمعهما المؤلف مع أن الأكثر على إفراد كل باب على حده، ولعل المؤلف -رحمه الله- لما راعى الاختصار في كتابه، ورأى قرب الحوالة من الضمان في بعض الأحكام جمعهما في باب واحد.
والحوالة في اللغة: التحويل، أو التحول من أحال.
والأصل: حوالة.
أما في الاصطلاح: فهي نقل دين من ذمة إلى ذمة.
وصورتها أن يكون لشخص دين على آخر فيطلبه منه فيقول له المدين اذهب إلى فلان, فإن لي عنده ديناً مماثلاً لدينك الذي في ذمتي, فليعطك إياه سداداً لدينك الذي عليّ.
أما حكمها الشرعي: فهي ثابتة بالسنة والإجماع.
أما دليل السنة فقوله - صلى الله عليه وسلم - «مَنْ أُحِيلَ عَلَى مَلِيءٍ فَلْيَحْتَلْ» 286، وقوله أيضاً: «مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ فَإِذَا أُتْبِعَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيءٍّ فَلْيَتْبَعْ» 287.
فأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - من أحيل بحقه أن يقبل الحوالة ويتبع المحال عليه لأخذ حقه منه.
أما الإجماع فقد نقل صاحب المغني 288 الإجماع على مشروعية الحوالة في الجملة.
الجزء: 4 - الصفحة: 150
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ذكر بعض الفوائد المتعلقة بهذا الباب
:
-
الفائدة الأولى: اختلف الفقهاء في حقيقة الحوالة هل هي نوع من الاستيفاء أم هي بيع؟ والصحيح: أنها استيفاء؛ أي عقد إرفاق ليست من باب بيع الدين بالدين وإنما هي من جنس إيفاء الحق.
الفائدة الثانية: الحوالة يتعلق بها ثلاثة أطراف
:
المحال: وهو صاحب الحق ويقال له المحتال.
المحيل: وهو من عليه حق وله حق.
المحال عليه: وهو من عليه حق للمحيل, ونضرب مثالاً للتقريب: شخص - المحال - يطلبني بألف ريال ولي - المحيل - عند زيد من الناس ألف ريال فجاء إليَّ صاحب الدين الذي عليّ يطلبني الألف ريال فقلت له اذهب إلى زيد - المحال عليه - فإن لي عنده ألف ريال فخذها منه, فهذه صورة الحوالة.
- الفائدة الثالثة: يشترط رضا المحيل فقط، أما المحال والمحال عليه، فلا يشترط رضاهم، لأن المحيل لا يتعين عليه أن يسدد من دينه الذي على الناس، فلو أكره على الحوالة لم تصح، ولا ضرر على المحيل عليه في ذلك لأن الحق سيؤخذ منه سواء من المحيل أم المحال، والمحال لا ضرر عليه، لأنه سيأخذ حقه سواء من المحيل أم المحال عليه.
- الفائدة الرابعة: يشترط لصحة الحوالة شروط هي: 1 - اتفاق الدينين: ويكون اتفاق الدينين في ثلاث صور: 2 - الجنس: كالذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والطعام بالطعام، وإذا=
الجزء: 4 - الصفحة: 151
وَمَنْ أُحِيْلَ بِدَيْنِهِ عَلَى مَنْ عَلَيْهِ مِثْلُهُ، فَرَضِيَ، فَقَدْ بَرِئَ الْمُحِيْلُ (1)
=اختلف الجنس لم تكن حوالة وإنما هي صرف.
3 - الصفة: فلو أحال بمكسرة على صحيحة، أو برديء على جيد، أو العكس لم تصح لاختلافهما في الوصف.
4 - الحلول والتأجيل: فإن اختلف الدينان في الحلول والتأجيل لم يصح، فلو أحال بدين حال على مؤجل أو مؤجل على حال لم يصح، فلا بد أن يكونا حالين أو مؤجلين إلى أجل واحد، حتى ولو حصل الرضا لأن هذا يقلبه إلى بيع.
5 - أن تكون الحوالة على دين مستقر - ثابت -: أما الدين الذي هو عرضة للفسخ فلا تصح فيه.
فلا تصح في دين السلم، ودين الكتابة كمن أحال على مكاتب لأن العبد يملك الفسخ، وكذا المرأة إذا أحالت بصداقها قبل الدخول بها لأن الصداق لا يستقر إلا بالدخول.
6 - رضا المحيل: وقد سبق بيان ذلك في الفائدة التي قبل هذا.
7 - أن تكون الحوالة بمال معلوم: فلو كان المحال به مجهولاً لم يصح، فيقول مثلاً: «أحيلك بألف ريال لي عند فلان» حتى يمكن الإلزام به، أما الحق المبهم كقوله «أحلتك بحقي على فلان» فلا يصح.
(1)
قوله «وَمَنْ أُحِيْلَ بِدَيْنِهِ عَلَى مَنْ عَلَيْهِ مِثْلُهُ، فَرَضِيَ، فَقَدْ بَرِئَ الْمُحِيْلُ»:
أي من أحيل بدينه على من عليه مثله أي بالشروط المذكورة آنفا فرضي المحيل فقد بريء المحيل براءة تامة ولا يعتبر في صحة الحوالة رضا المحتال - صاحب الحق - إن أحاله على شخص مليء غير مماطل كما سيذكر ذلك المؤلف.
الجزء: 4 - الصفحة: 152
وَمَنْ أُحِيْلَ عَلَى مَلِيْءٍ، لَزِمَهُ أَنْ يَحْتَالَ؛ لِقَوْلِ رَسُوْلِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - إِذَا أُتْبِعَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيْءٍ، فَلْيَتْبَعْ (1) (1)
قوله «وَمَنْ أُحِيْلَ عَلَى مَلِيْءٍ، لَزِمَهُ أَنْ يَحْتَالَ؛ لِقَوْلِ رَسُوْلِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - «إِذَا أُتْبِعَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيْءٍ، فَلْيَتْبَعْ»
الجزء: 4 - الصفحة: 153
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= فإن كان جاهلاً أو خدعه المحيل فله الرجوع.
ومعنى قوله - صلى الله عليه وسلم - «مَلِيْءٍ» يعني غني غير مماطل.
ذكر بعض الفوائد
:
- الفائدة الأولى: إذا تبين أن المحال عليه قد أعسر أو أنه قد مات فهل يرجع على المحيل؟ نقول فيه تفصيل: أن يكون المحال - صاحب الحق - لم يشترط يسار المحال عليه ففي هذه الحالة ثلاثة أقوال:
القول الأول: أنه لا يرجع أبداً وهو قول الجمهور 294، لأن ذمة المحيل برئت والمحال لم يشترط يساراً.
قال الحافظ في الفتح في شرحه الحديث «إِذَا أُتْبِعَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيْءٍ، فَلْيَتْبَعْ»، قال: واستدل به على أن الحوالة إذا صحت ثم تعذر القبض بحدوث حادث كموت, أو فلس، لم يكن للمحتال الرجوع على المحيل، لأنه لو كان له الرجوع لم يكن لاشتراط الغني فائدة، فلما شرطت علم أنه انتقل انتقالاً لا رجوع فيه، كما لو عوضه عن دينه بعوض، ثم تلف العوض في يد صاحب الدين فليس له الرجوع 295. القول الثاني: أنه يرجع مطلقاً في حالة الموت وفي حالة الإعسار، لأن أصل الدين ثابت في ذمة المحيل، فلما لم يحصل عليه من المحال عليه رجع إلى الأصل وهو المحيل وهذا رواية في المذهب 296.
الجزء: 4 - الصفحة: 154
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
القول الثالث: أنه يرجع على المحيل في حالة واحدة هي حالة الإفلاس إذا لم يعلم بالواقع، أما إذا علم بها حال الحوالة سواء بإقراره أو قامت البينة على ذلك فلا رجوع.
والأظهر عندي: أن في ذلك تفصيلاً: وهو أن المحال إن علم أن المحال عليه مفلس، ورضي بذلك فلا يرجع بلا خلاف وإن علم أنه مفلس ولم يقبل الإحالة عليه فله الرجوع بلا خلاف، وإن جهل حاله وكانت حالته جيدة فقبل حاله، لأنه كان غنياً بالأمس، ثم تبين أنه قد أفلس فقد اختلف فيه الفقهاء، والأقرب عندي أن له الرجوع، وكذلك لو ظنه غير مماطل فتبين أنه مماطل وهذا هو ما رجحه شيخنا -رحمه الله- (1).
إذا شرط اليسار ثم تبين أنه مفلس فعلى قولين عند الفقهاء:
الأول: أن له الرجوع لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «الْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ» (2).
الثاني: أنه لا يرجع، وهو قول في المذهب (3) لأن الحق انتقل من ذمة المحيل إلى ذمة المحال عليه بالحوالة، ولأنها صدرت مستوفية لشروطها فلا يرجع ولا يعتبر الشرط.
والراجح عندي: أنه متى اشترط ذلك في الحوالة ثم تبين خلافه فله الرجوع لقوله - صلى الله عليه وسلم - «الْمُسْلِمُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ» (4).
الفائدة الثانية: إذا أحال على شخص وتبين أنه ليس له دين
عليه أو أنه=297298299300
الجزء: 4 - الصفحة: 155
وَإِنْ ضَمِنَهُ عَنْهُ ضَامِنٌ، لَمْ يَبْرَأْ، وَصَارَ الدَّيْنُ عَلَيْهِمَا (1) = قد سدد أو أحال على بنك وليس له فيه رصيد: نقول لا تصح الحوالة، لأن من شروطها كما سبق أنها تكون على دين مستقر، فلا تصح على دين غير مستقر، فإحالته على غير دين من باب أولى.
- الفائدة الثالثة: لو أحاله على شخص ليس عليه دين من باب الثقة فهل تكون حوالة؟ ليست حوالة، ولصاحب الحق الرجوع إذا لم يقبل الطرف الثاني تسديد الدين.
(1)
قوله «وَإِنْ ضَمِنَهُ عَنْهُ ضَامِنٌ، لَمْ يَبْرَأْ، وَصَارَ الدَّيْنُ عَلَيْهِمَا»: هذا هو الشق الثاني من تبويب المؤلف وهو الضمان - الكفالة -.
والضمان تعريفه في اللغة: مصدر ضمن، يضمن ضماناً، مأخوذ من الضم، لأنه ضم ذمة إلى ذمة.
أما في الشرع: فهو التزام المرء ما وجب أو يجب على غيره من حق.
فقولنا التزام المرء ما وجب أي أن يلتزم إنسان يصح تبرعه ما وجب على غيره كثمن بيع أو قرض أو قيمة متلف ونحوه مع بقائه على مضمون عنه، فلا يسقط بالضمان.
مثاله: أن يكون على شخص لآخر مال، فيمسكه صاحب الدين فيقول له أعطني ديني وإلا رفعت أمرك للسلطان، فيأتي إنسان آخر فيقول أنا أضمن ما عليه.
وقولنا «مع بقائه على مضمون عنه»: أي لم تبرأ ذمة المضمون عنه إلا بالإيفاء فلا يسقط بمجرد الضمان.
وقولنا «أو يجب على غيره من حق»: أي ما قد يجب مستقبلاً كجعل على=
الجزء: 4 - الصفحة: 156
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . =عمل أو ثمن بيع مستقبل كأن يقول للبقال افتح له حساباً وأنا ضامنه.
ذكر بعض الفوائد
المتعلقة بالضمان:
- الفائدة الأولى في حكم الضمان:
أما في حق المضمون عنه فهو جائز وفي حق الضامن فهو سنة مستحبة، لأنه من الإحسان، والله يحب المحسنين ولكنه سنة مقيدة بقدرة الضامن على الوفاء، فإن كان لا يستطيع الوفاء فلا ينبغي له ذلك لأنه يجلب مضرة على نفسه.
الفائدة الثانية: في أركان الضمان
: للضمان أربعة أركان:
الضامن؛ ويشترط فيه أوصاف خمسة: «أن يكون بالغاً - عاقلاً - رشيداً - حراً - راضياً بأن يكون ضامناً».
مضمون عنه: وهو من يشترط فيه الأوصاف الأربعة السابقة عدا شرط الرضا، فلا يشترط فيه أن يكون راضياً لأنه ليس عليه ضرر، بل إحسان عليه ومساعدة.
مضمون له: وهو أيضاً من تحقق فيه الشروط الأربعة السابقة ولا يشترط رضاه على القول الراجح، وهو قول الجمهور 301.
وذهب أبو حنيفة 302 إلى اشتراط رضا المضمون له، والراجح قول الجمهور لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يطلب حضور صاحب الدين وهل رضي أم لا.
المضمون فيه: وهو أنواع: مضمون فيه معلوم، ومضمون فيه مجهول كأن يضمن الدين ولا يعلم قدره, ومعلوم كأن يقول من داين فلاناً فأنا متكفل=
الجزء: 4 - الصفحة: 157
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = عنه جميع التحملات، وكل هذه الحالات جائزة.
الفائدة الثالثة: في حقيقة الضمان
: هل الضمان تعدد لمحل الدين، أي بدل أن يكون الدين في ذمة يكون في ذمتين؟ أم هو في ذمة المدين والضمان توثيق له فقط؟ قلت: قبل بيان الراجح أبين: ما الذي يترتب على الأمرين؟
فأقول: يترتب على الأمرين من الذي يطالب بالدين هل هو الضامن أم المدين، فإذا قلنا بأن الضمان تعدد لمحل الدين فيكون للدائن مطالبة أيهما - الضامن أو المدين - فهو مخير وله ذلك في حال الحياة أو الموت وهذا هو رأي الجمهور 303.
وإن قلنا إن الضمان توثيق فقط فليس لصاحب الحق أن يطالب الضامن، بل يطالب المدين فإن أبى أو تعذر فإنه يطالب الضامن كالرهن.
والراجح عندي: هو القول الثاني، وهو اختيار الشيخ عبد الرحمن ابن سعدي 304، فكون المضمون له يترك المدين - المضمون عنه - ويطالب الضامن هذا خلاف الأصل، لأن الضامن فرع والمدين أصل، فلا يعدل إلى الفرع مع وجود الأصل كالتيمم مع وجود الماء، فهذا خلاف القاعدة وخلاف العرف لأن الناس يستقبحون هذا ولأن هذا ينفر من الضمان.
أما إذا تعذرت مطالبة المضمون عنه بموت أو غيبة أو مماطلة أو فقر فإن له أن يطالب الضامن، وعلى ذلك نقول بأن حقيقة الضمان توثيق للدين فقط، فمتى تعذر الرجوع على المدين رجع على الضامن.
الجزء: 4 - الصفحة: 158
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
- الفائدة الرابعة: هل يصح الضمان عن الحي والميت
أم عن الميت فقط؟
أقول: هذه المسألة محل خلاف عند الفقهاء:
فالجمهور 305 يرون جوازها في الاثنين - الحي والميت - سواء كان له تركة أم لم يكن له تركة لحديث قتادة عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ -رضي الله عنه- قَالَ «كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - إِذْ أُتِيَ بِجَنَازَةٍ فَقَالُوا صَلِّ عَلَيْهَا فَقَالَ هَلْ عَلَيْهِ دَيْنٌ قَالُوا لَا قَالَ فَهَلْ تَرَكَ شَيْئًا قَالُوا لَا فَصَلَّى عَلَيْهِ ثُمَّ أُتِيَ بِجَنَازَةٍ أُخْرَى فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ صَلِّ عَلَيْهَا قَالَ هَلْ عَلَيْهِ دَيْنٌ قِيلَ نَعَمْ قَالَ فَهَلْ تَرَكَ شَيْئًا قَالُوا ثَلَاثَةَ دَنَانِيرَ فَصَلَّى عَلَيْهَا ثُمَّ أُتِيَ بِالثَّالِثَةِ فَقَالُوا صَلِّ عَلَيْهَا قَالَ هَلْ تَرَكَ شَيْئًا قَالُوا لَا قَالَ فَهَلْ عَلَيْهِ دَيْنٌ قَالُوا ثَلَاثَةُ دَنَانِيرَ قَالَ صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ قَالَ أَبُو قَتَادَةَ صَلِّ عَلَيْهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَعَلَيَّ دَيْنُهُ فَصَلَّى عَلَيْهِ» 306.
وذهب أبو حنيفة 307 إلى أن الضمان مختص بالحي دون الميت لأن الحي له ذمة ترجع إليها.
أما الميت ففيه تفصيل: إن ترك تركة تغطي الدين صح الضمان عنه ويرجع الضامن إلى التركة، وإن لم تكن له تركة لم يصح الضمان عنه، وهذا أخذ من معنى الضمان، لأنه ضم ذمة إلى ذمة أخرى وهو مفقود في التحمل عن الميت، لأن ذمته قد خربت فأين يرجع الضامن، ويمكن أن يكون التحمل عن الميت تبرع بالوفاء عنه وليس ضماناً عنه.
الجزء: 4 - الصفحة: 159
وَإِنْ ضَمِنَهُ عَنْهُ ضَامِنٌ، لَمْ يَبْرَأْ (1) وَصَارَ الدَّيْنُ عَلَيْهِمَا (2)، وَلِصَاحِبِهِ مُطَالَبَةُ مَنْ شَاءَ مِنْهُمَا (3)، فَإِنِ اسْتَوْفَى مِنَ الْمَضْمُوْنِ عَنْهُ (4)، أَوْ أَبْرَأَهُ (5)، بَرِئَ ضَامِنُهُ (6)، = والأظهر عندي: ما ذهب إليه الجمهور، فمتى ضمن الضامن عن الميت برئت ذمة الميت وللضامن أن يطالب الميت في تركته، فإن لم يخلف تركة طالبه يوم القيامة.
(1)
قوله «وَإِنْ ضَمِنَهُ عَنْهُ ضَامِنٌ، لَمْ يَبْرَأْ»:
أي متى ضمن المضمون عنه ضامن فإنه لم يبرأ بذلك، بل الحق ثابت في ذمة الضامن مع بقائه في ذمة المضمون عنه ولصاحب الحق مطالبة من شاء منهما في الحياة وبعد الموت.
وقد سبق بيان هذه المسألة، وذكرنا الخلاف فيها، وبينا أن الراجح في هذه المسألة أن صاحب الحق لا يطالب الضامن إلا إذا تعذر مطالبة المضمون عنه.
(2)
قوله «وَصَارَ الدَّيْنُ عَلَيْهِمَا»:
أي على الضامن والمضمون عنه.
(3)
قوله «وَلِصَاحِبِهِ مُطَالَبَةُ مَنْ شَاءَ مِنْهُمَا»:
قلت: هذا هو المذهب، وهو قول الجمهور.
والصحيح: كما ذكرنا أنه لا يطالب الضامن إلا إذا تعذر مطالبة المضمون عنه بموت أو غيبة أو مماطلة ونحو ذلك، أما كونه يطالب الضامن ابتداء فلا كما سبق توضيح ذلك.
(4) قوله «فَإِنِ اسْتَوْفَى مِنَ الْمَضْمُوْنِ عَنْهُ»: أي إذا استوفى صاحب الحق وهو المضمون له حقه من المضمون عنه فإن ذمة الضامن تبرأ بذلك.
(5)
قوله «أَوْ أَبْرَأَهُ»:
أي أسقط عنه الدين أو قام المدين بسداد الدين.
(6)
قوله «بَرِئَ ضَامِنُهُ»:
أي برئت ذمة الضامن بذلك لأن الضامن تابع للمضمون عنه فزال بزوال أصله كالرهن.
الجزء: 4 - الصفحة: 160
وَإِنْ أَبْرَأَ الضَّامِنَ، لَمْ يَبْرَأِ الأَصِيْلُ (1)، وَإِنِ اسْتَوْفَى مِنَ الضَّامِنِ، رَجَعَ عَلَيْهِ (2)، (1)
قوله «وَإِنْ أَبْرَأَ الضَّامِنَ، لَمْ يَبْرَأِ الأَصِيْلُ»:
أي أن أبرأ المضمون له الضامن فإن المضمون عنه - المدين - لا يبرأ لأن الأصل لا يبرأ ببراءة التبع ولأنه وثيقة انحلت من غير استيفاء فلم يسقط الدين كالرهن إذا فسخ من غير استيفاء.
لكن بأي شيء تحصل براءة الضامن؟ نقول تحصل بأمور ثلاثة:
الأول: أن يبرأ صاحب الحق ويقول له: يا فلان أسقطت ضمانك.
ثانياً: أن يوفي الضامن ما ضمنه فتبرئ ذمته.
ثالثاً: أن يبرئ المضمون عنه، بأن يقول له يا فلان - يعني المضمون عنه وهو المدين - أبرأتك فهنا تبرئ ذمة الضامن.
(2) قوله «وَإِنِ اسْتَوْفَى مِنَ الضَّامِنِ، رَجَعَ عَلَيْهِ»: أي إن استوفى الدائن دينه من الضامن رجع على المضمون عنه هذا إذا كان في نيته الرجوع على المضمون عنه سواء أذن المضمون عنه في القضاء أو لم يأذن.
وهذه المسألة التي ذكرها المؤلف لها سبع حالات:
الحالة الأولى: أن يضمن بإذنه ويؤدي الدين بإذنه ففي هذه الحالة يرجع على المضمون عنه فكأنه وكله في التسديد وقال بعض الفقهاء يرجع إذا كان خليطاً يعني شريكاً بخلاف ما إذا كان أجنبياً فلا يرجع.
والصحيح: القول الأول، وهو قول الجمهور 308.
الحالة الثانية: أن يأذن له بالضمان دون الإستبراء - يعني التسديد -:
قال الجمهور 309 له المطالبة لأن إذنه له بالضمان إذن له بالسداد ولو لم ينطق به.
الجزء: 4 - الصفحة: 161
وَمَنْ كَفَلَ بِإِحْضَارِ مَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَلَمْ يُحْضِرْهُ، لَزِمَهُ مَا عَلَيْهِ (1)
=وعند الشافعي (1) لا يرجع عليه لأنه لم يأذن له إلا في الضمان لا التسديد.
الحالة الثالثة: أن يأذن له بالتسديد دون الضمان فيصح الضمان ولو لم يأذن له، فهنا يرجع إليه، لأنه سدد عنه بأمره فكأنه وكله وأنابه.
الحالة الرابعة: ألا يأذن له في الضمان ولا التسديد، فالضمان يصح ولو لم يأذن له وكذلك لو لم يعرفه أما الرجوع ففيه قولان:
الأول: لا يرجع عليه بشيء لأنه لم يأذن له فظاهره أنه تبرع.
الثاني: أنه يرجع عليه، فكما صح الضمان ولو بدون إذن فكذلك التسديد، لأنه متبرع عنه فإنه يرجع عليه، فكأنه محسن وهذا هو الصحيح، لأنه فتح باب للخير وليس فيه مجال للتهمة.
الحالة الخامسة: أن يضمنه ويؤدي عنه وفي نيته الرجوع عليه فهنا يرجع عليه كما ذكرنا في أول المسألة.
الحالة السادسة: أن يؤدي عنه ولم ينو تبرعاً ولا رجوعاً، بل ذهل عن قصد الرجوع وعدمه، فالمذهب (2) أنه لا يرجع وقيل يرجع وهو ظاهر كلام الخرقي، وهو الأظهر عندي لأن ذهول المكلف عن النية أمر وارد.
الحالة السابعة: أن يؤدي عنه ولم ينو رجوعاً بل جعله من محض التبرع عنه فالصحيح أنه لا يرجع.
(1)
قوله «وَمَنْ كَفَلَ بِإِحْضَارِ مَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَلَمْ يُحْضِرْهُ، لَزِمَهُ مَا عَلَيْهِ»:
بدأ المؤلف هنا ببيان نوع آخر من عقود التوثيق وهو الكفالة فعقود التوثيق =310311
الجزء: 4 - الصفحة: 162
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= ثلاثة ضمان وقد سبق، وكفالة ورهن وسيأتي بيانه إن شاء الله.
وبهذا يتضح لنا أن المؤلف جمع في هذا الباب ثلاثة أمور من عقود المعاملات وهي: «الحوالة - الضمان - الكفالة»، ولما كان كتاب المؤلف مختصراً والحاجة داعية لبيان بعض الأحكام فيه فسنوضح بعض الأحكام المتعلقة بالكفالة في الفوائد التالية:
الفائدة الأولى: تعريف الكفالة
: الكفالة في اللغة: يقال كفل فلان كفلاً، وكفالة: ضمنه (1).
وقال بعض الفقهاء (2): إن العرف قد خصص الضمين بالمال والحميل بالدية، والزعيم بالمال العظيم، والكفيل بالنفس، والصبير يعم الكل، ومثله القبيل.
الكفالة في الشرع: من خلال التعريفات السابقة يتبين لنا تعريف الكفالة بأنها: التزام جائز التصرف في إحضار بدن من عليه حق.
الفائدة الثانية: في حكم الكفالة
: الكفالة جائزة بالكتاب والسنة:
قال تعالى عن يعقوب عليه السلام: ﴿قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِي مَوْثِقاً مِنْ اللَّهِ لَتَأْتُونَنِي بِهِ إِلاَّ أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قَالَ اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾ 314، وجه الدلالة في أنهم وثقوه وتكفلوا له ببدنه، فدل على أن الكفالة تكون بالبدن.
أما السنة: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَجُلاً لَزِمَ غَرِيمًا لَهُ بِعَشْرَةِ دَنَانِيرَ فَقَالَ وَاللَّهِ لا=312313
الجزء: 4 - الصفحة: 163
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
=أُفَارِقُكَ حَتَّى تقضيني أَوْ تأتيني بِحَمِيلٍ فَتَحَمَّلَ بِهَا النبي - صلى الله عليه وسلم - فَأَتَاهُ بِقَدْرِ مَا وَعَدَهُ فَقَالَ لَهُ النبي - صلى الله عليه وسلم - «مِنْ أَيْنَ أَصَبْتَ هَذَا الذَّهَبَ»، قَالَ مِنْ مَعْدِنٍ.
قَالَ «لا حَاجَةَ لَنَا فِيهَا وَلَيْسَ فِيهَا خَيْرٌ»، فَقَضَاهَا عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - 315.
وفي رواية: فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «فَأَنَا أَحْمِلُ لَهُ» 316، فتركه الرجل لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - تحمل عنه وكفله.
والجمهور 317 على شرعية الكفالة لهذين الدليلين.
وقد نقل البعض الإجماع عليها، لكن نقل الإجماع فيه نظر.
- الفائدة الثالثة: أكثر الفقهاء يطلقون لفظ الضمان والكفالة كل واحد منهما على الآخر، فهما مترادفان يراد منهما ما يعم ضمان المال وضمان النفس وضمان الطلب.
- الفائدة الرابعة: من تصح منه الكفالة؟ تصح الكفالة من الرشيد البالغ العاقل فيخرج من ذلك الصغير والسفيه فلا تصح منهما الكفالة، لأن الكفالة تحمل وهؤلاء ليسوا أهلاً للتحمل، أما المحجور عليه لفلس فتصح منه الكفالة، لأن الذمة موجودة وإنما حجر عليه في المال فقط.
- الفائدة الخامسة: إذا كان العرف عند الناس أن الكفالة بمعنى الضمان فهل يحمل المعنى على العرف أم على الشرع؟ الجواب: لا شك أنه يحمل على العرف، لأن هذه معاملات يجري الناس فيها على أعرافهم.
الجزء: 4 - الصفحة: 164
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
- الفائدة السادسة: يلزم الكفيل إحضار المكفول حال طلبه ولو كان غائباً وأمكن إحضاره إلا إذا غاب غيبة طويلة ولم يعرف له أثر وتعذر إحضاره فتبرأ ذمته ولا يكفي قوله بحثت عنه ولم أجده حتى يثبت ذلك.
ولو رفض إحضاره أو البحث عنه فإنه يلزمه السداد عنه، أما إذا مات المكفول برئ الكفيل ولا يلزم أن يسلم عنه شيئاً، لأن التسليم بدل الإحضار والإحضار هنا متعذر، وهذا مما يفارق فيه الضمان الكفالة، لأن الضامن يسدد عنه ولو كان ميتاً.
وقول المؤلف: «وَمَنْ كَفَلَ بِإِحْضَارِ مَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَلَمْ يُحْضِرْهُ، لَزِمَهُ مَا عَلَيْهِ»: أي إذا كان ميتاً فلا شيء على الكفيل أما إذا كان حياً فما ذكره المؤلف على قولين:
القول الأول: وهو ما ذهب إليه أكثر الفقهاء أنه لا يلزم الكفيل التحمل، بل يلزمه الإحضار، لأن الكفالة بالبدن وليست بالمال.
القول الثاني: وهو ما ذهب إليه المؤلف وهو المذهب أنه إذا لم يحضره وهو حي فيلزم بما عليه سواء كان إحضاره ممكناً أو غير ممكن، كأن يلحق بدار العدو مثلاً لما ثبت عَنْ أَبِى أُمَامَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «الزَّعِيمُ غَارِمٌ» 318، فعلى هذا إذا كان المكفول حيًّا ولم يحضره الكفيل، فإنه يلزم بما عليه من حق سواء كان إحضاره ممكناً أو معسراً.
والراجح عندي: أن الكفيل لا يلزمه التحمل إذا كان المكفول ميتاً أو بعيداً=
الجزء: 4 - الصفحة: 165
فَإِنْ مَاتَ، بَرِئَ كَفِيْلُهُ (1). =عنه ولا يستطيع إحضار المكفول، أما إذا كان قريباً ويستطيع إحضاره أو بعيداً يمكنه البحث عنه فهنا يلزمه التحمل بالسداد.
(1)
قوله «فَإِنْ مَاتَ، بَرِئَ كَفِيْلُهُ»:
أي فإن مات المدين فإن الكفيل يبرئ من الدين وتسقط الكفالة، لأن الحضور سقط بموت المكفول وما ذهب إليه المؤلف هو قول الجمهور (1). وذهب المالكية (2) إلى أنه إذا مات المكفول فإن الكفيل يتحمل لأن الكفيل كالرهن فيستوفي منه المكفول له عند التعذر وكذلك يبرئ الكفيل إذا تلفت العين عند المكفول بفعل الله تعالى وكذا يبرئ إذا سلَّم المكفول نفسه في الوقت المحدد أو سدد الكفيل ما عليه.
ذكر بعض الفوائد
:
- الفائدة الأولى: يعتبر في الكفالة رضا الكفيل لا المكفول وذلك لأن الكفيل سوف يلتزم بحق وإذا لم يرضى بذلك فإنه لا يلزم به.
- الفائدة الثانية: لا تصح كفالة من عليه حد سواء كان لله تعالى، كالزنا، والسرقة، والشرب، أو كان لآدمي كالقذف، لأنه لا فائدة من الكفالة، ولأنه لا يجوز استيفاؤه من الكفيل في حالة تعذر الاستيفاء من المكفول.319320
الجزء: 4 - الصفحة: 166
بَابُ الرَّهْنِ
(1) الشرح:
(1)
قوله «بَابُ الرَّهْنِ»:
الرهن من جملة التوثيقات، فالتوثيقات تكون بالكتابة كما في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ .. ﴾ 321، وتكون أيضاً بالإشهاد كما في قوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ .. ﴾ 322، وقوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ ... ﴾ 323، وتكون بالرهن كما في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تجِدُوا كَاتِباً فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ .. ﴾ 324.
تعريف الرهن: الرهن في اللغة: يطلق على معان منها الحبس كما في قوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ 325 أي محبوس بعمله.
الثبوت والدوام: كما تقول ماء راهن، وهو الدائم الذي لا يجري.
أما تعريفه في الاصطلاح: فهو جعل عين مالية وثيقة بدين ليستوفي منها أو من ثمنها إذا تعذر الوفاء.
مثاله: إنسان في ذمته لي ألف ريال، فأعطاني ما قيمته ألف ريال رهناً بالدين، فهنا يمكن استيفاء الدين من الرهن، أو يكون لي في ذمته ألفا ريال فأعطاني رهناً قيمته ألف ريال فهذا يمكن استيفاء بعضه منها، أو يكون لي=
الجزء: 4 - الصفحة: 167
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
=في ذمته ألف ريال فأعطاني رهناً قيمته ألفا ريال فهذا يمكن استيفاء الرهن منه وزيادة عليه وكل هذا جائز يعني سواء كان الرهن أكثر من الدين أو الدين أكثر من الرهن أو كان الرهن يعادل الدين.
وقول الفقهاء في تعريف الرهن «جعل عين مالية»، يستفاد منه أنه لابد من أن يكون الرهن عيناً، لأن الاستيفاء الكامل لا يكون إلا بالعين فإن كان منافع أو ديناً فإنه لا يصح على كلام الفقهاء.
والصحيح: صحة الرهن في المنافع والدَّين.
مثال ذلك: أن يكون لي في ذمة شخص خمسة ألاف ريال فأقول له أرهني منافع هذا البيت الذي لك ثم يؤجره ويأخذ أجرته رهناً فإنه يجوز.
وكذلك في الدين كأن يكون لشخص دين على فلان يقدر بعشرة ألاف فيقول له اجعل هذا الدين الذي لي عندك رهناً عند فلان الذي تطلبه بعشرة ألاف ريال فهذا أيضاً جائز على القول الصحيح.
ويمكن جعل
حالات الرهن
ما يلي:
الحالة الأولى: توثقة دين بعين؛ كأن يقترض منه ألف ريال ويعطيه ساعة رهناً.
الحالة الثانية: توثقة دين بدين؛ كان يقترض ألف ريال ويرهنه ألف ريال في ذمة زيد.
الحالة الثالثة: دين بمنفعة؛ كأن يقترض ألف ريال ويرهنه منفعة بيت قد استأجره.
الحالة الرابعة: توثقة عين بدين؛ كأن يقول لصاحب الكتاب خذ رهناً ألف=
الجزء: 4 - الصفحة: 168
وَكُلُّ مَا جَازَ بَيْعُهُ، جَازَ رَهْنُهُ (1) =ريال لي عند فلان.
حكم الرهن
: الرهن جائز بالكتاب والسنة والإجماع.
أما دليل الكتاب: فقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تجِدُوا كَاتِباً فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ .. ﴾ (1)، والمعنى هنا: وإن كنتم مسافرين، فالوثيقة رهان يقبضها من له الحق ليستوثقه بها.
أما السنة: فمن ذلك ما ثبت عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - «اشْتَرَى طَعَامًا مِنْ يَهُودِيٍّ إِلَى أَجَلٍ وَرَهَنَهُ دِرْعًا مِنْ حَدِيدٍ» (2).
أما الحكمة في مشروعيته: فهي أن الناس يحتاجون إليه فإذا كان الإنسان يريد ديناً أو عارية ولا يتوصل إلى ذلك إلا بالرهن صح الرهن والرَّاهن يستوثق بالرهن دينه أو عاريته.
أما عقد الرهن: فهو من العقود اللازمة في حق الرَّاهن، وهو المدين الذي دفع الرهن، لأن الحظ فيه لغيره فلزم من جهته.
أما المرتهن فهو عقد جائز في حقه لأن له أن يفسخ العقد لأن الحظ فيه له وحده، فكان له فسخه.
(1)
قوله «وَكُلُّ مَا جَازَ بَيْعُهُ، جَازَ رَهْنُهُ»:
أي يصح الرهن في كل ما يجوز بيعه، وهذه قاعدة في الرهن وذلك لأن الغرض من الرهن هو الاستيفاء من ثمنه عند تعذر ذلك من المدين، فإن كان لا يجوز بيعه كالكلب والوقف والخمر =326327
الجزء: 4 - الصفحة: 169
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
=والمجهول فإنه لا يصح رهنه لأنه لا يمكن استيفاء الحق منه وهنا بعض المسائل:
المسألة الأولى: في حكم رهن المشاع:
المشاع: هو الشيء غير المقسوم، فإذا كان شيء بين اثنين ولم يقسم فهو مشاع كالأرض، والدار، والبستان، وغيرها.
وقد اختلف الفقهاء على جواز الرهن بذلك: فذهب الجمهور إلى جواز الرهن بالمشاع لأنه قسط أو شقص يجوز بيعه فيجوز رهنه.
وقال الحنفية 328 لا يجوز رهن المشاع لأن الرهن يقتضي حبس المرهون وإقباضه للمشتري فيلزم منه تعطيل المرهون.
قلت: والراجح عندي جواز الرهن بالمشاع لأنه ليس المقصود من الرهن الحبس كما قال الحنفية، بل المقصود منه التوثيق والاستيفاء من ثمنه عند التعذر وهذا متحقق في المشاع فلا يكون الحبس علة المنع.
المسألة الثانية: في حكم رهن ما يسرع إليه الفساد: كالخضروات، والفواكه، واللحوم.
نقول في هذه المسألة تفصيل:
1 - أن يكون الدين حل أجله قبل وقت فساد المرهون فيصح رهنه لحصول الغرض.
2 - أن يفسد المرهون قبل حلول الأجل، ففيه حالتان:
الأولى: أن يكون المرهون مما يمكن تجفيفه: كاللحوم والعنب ونحوه، فيجفف أو يعلب حتى يحل الأجل وتكون نفقة التجفيف والتعليب على الراهن =
الجزء: 4 - الصفحة: 170
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= كما لو احتاجت الدابة إلى علف.
الثانية: أن يكون المرهون مما لا يمكن تجفيفه: فهنا يباع قبل فساده ويحتفظ بثمنه حتى يحل الأجل، فلو ترك المرهون حتى فسد، فإن العقد يبطل وتكون على الراهن إلا إذا كان الفساد بسبب تعد من المرتهن وناتج عن تصرف غير مأذون فإنه يضمن.
المسألة الثالثة: في رهن العصير: يصح رهن العصير لجواز بيعه ولو انقلب خلاً لأنه يجوز بيعه ولو أن المرهون تغيرت صفته أما إذا تخمر العصير فإنه يبطل الرهن كالذي تلف، لكن هل يهرق أم يمسك حتى يتحول إلى خل؟
الصحيح أنه يهرق، وإن تخلل قبل إهراقه عاد الرهن لأنها مفسدة وزالت.
المسألة الرابعة: في حكم رهن الثمرة قبل بدو صلاحها والزرع قبل اشتداد حبه: اختلف الفقهاء في هذه المسألة على قولين:
الأول: وهو المذهب جواز رهنه لجواز بيعه بشرط القطع في الحال أو مع أصله ويجوز رهنه بشرط التبقية لأن الرهن ليس بيعاً بل هو توثيق واستيفاء عند العجز.
الثاني: لا يجوز رهن هذه الأشياء لأنه لا يجوز بيعها في الحال وما لا يجوز بيعه لا يجوز رهنه.
والصحيح من القولين: الأول وعليه العمل عندنا.
المسألة الخامسة: في رهن المصحف:
تقدم الخلاف في جواز بيع المصحف وقلنا بأن بعض العلماء أجاز بيعه وأن البيع لا يقع على كلام الله تعالى وإنما يقع على المواد المالية فيه كالورق=
الجزء: 4 - الصفحة: 171
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
=والطباعة والعمالة ونحو ذلك، وعلى ذلك يجوز رهنه.
وقال الحنابلة 329 لا يجوز لاشتماله على كلام الله، وكلام الله سبحانه ليس مالاً، وعلى ذلك لا يجوز رهنه.
والصحيح عندي: كما ذكرنا جواز البيع للمصحف، وهو قول جمهور الفقهاء 330، وهو ما عليه عمل الناس الآن وعلى ذلك يجوز رهنه.
المسألة السادسة: في رهن المستعار: يجوز للإنسان أن يستعير عيناً مالية ليرهنها عند دائنه لأن هذا معناه التوثيق وهو بإذن العين فيكون جائزاً لكن لا يكون ذلك إلا بشروط:
1 - أن يذكر قدر الدين المرهون.
2 - تعيين المرتهن.
3 - تعيين مدة الرهن.
أما إذا أطلق الرهن ولم يعين هذه الشروط فعلى قولين عند العلماء:
الأول: الجواز.
الثاني: أنه لا يجوز لوجود الجهالة ولأن الرهن كالضمان والضمان المجهول لا يصح فكذلك الرهن فلا يجوز رهن المعار من أجل هذه الجهالة، وهذا هو الأظهر عندي.
المسألة السابعة: إذا حل الدين وبيع الرهن المستعار فبماذا يرجع المعير؟
الجواب: فيه خلاف قيل يرجع على المعار بما يساويها عند التقويم دون النظر إلى ما بيع به لأن هذا هو موجب ضمان الأموال، وقيل فيه تفصيل إذا =
الجزء: 4 - الصفحة: 172
وَمَا لا، فَلا (1) وَلا يَلْزَمُ إِلاَّ بِالْقَبْضِ (2) = كانت القيمة التي بيع بها مساوية للقيمة التي يقوم بها أو أقل منها فله القيمة وقت الرد، أما إذا كانت القيمة التي بيع بها أكثر من الدين فإنه يرد القيمة التي بيع بها فبم يستحل هذه الزيادة، وهذا هو الراجح.
(1)
قوله «وَمَا لا، فَلا»:
أي وما لا يجوز بيعه لا يصح رهنه لأن رهنه لا فائدة منه كرهن الوقف مثلاً وكذا رهن الإبن.
(2)
قوله «وَلا يَلْزَمُ إِلاَّ بِالْقَبْضِ»:
دليل ذلك قوله تعالى: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ 331: أي ويشترط في الرهن القبض وذلك لأن الرهن عقد إرفاق يفتقر إلى القبول، فافتقر إلى القبض كالقرض، وقبض الرهن كقبض البيع، فإذا رهنه منزلاً سلمه مفاتيحه، وإذا رهن سيارة سلمها إياها، وما ذكره المؤلف في اشتراط القبض للرهن هو المذهب 332. وفي رواية في المذهب: أن القبض ليس شرطاً في الرهن لعموم الأدلة على وجوب الوفاء بالعقود والعهود ولقول الله تعالى: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ 333، وهذا دليل على أنه إذا حصل الائتمان لم يلزم القبض اكتفاء بالائتمان عنه، ثم إن اشتراط القبض ضرر كبير على بعض ما يرهن، فالمزارع والسيارات ونحوها مما يكون الراهن مضطراً إلى بقائه في يده وتحت تصرفه وهذا هو القول الصحيح، وهو اختيار شيخنا محمد بن صالح العثيمين -رحمه الله- 334، وعليه عمل الناس من قديم الزمن، فنجد=
الجزء: 4 - الصفحة: 173
وَهُوَ نَقْلُهُ إِنْ كَانَ مَنْقُوْلاً (1)، وَالتَّخْلِيَةُ فِيْمَا سِوَاهُ (2)، وَقَبْضُ أَمِيْنِ الْمُرْتَهِنِ يَقُوْمُ مَقَامَ قَبْضِهِ (3)، وَالرَّهْنُ أَمَانَةٌ عِنْدَ الْمُرْتَهِنِ، أَوْ أَمِيْنِهِ (4)،
= أن الفلاح يستدين من الشخص ويرهنه مزرعته وهو باق في المزرعة، ويستدين صاحب السيارة من شخص ويرهنه السيارة، والسيارة بيد صاحبها وكل يعرف أن هذه العين المرهونة لا يجوز أن يتصرف فيها الراهن وأن الرهن لازم ولا يملك الراهن أن يفسخه.
(1) قوله «وَهُوَ نَقْلُهُ إِنْ كَانَ مَنْقُوْلاً»: أي ويحصل القبض بنقله إن كان منقولاً، وذلك لأن القبض في الرهن كالقبض في البيع فإن كان منقولاً فإنه يحصل القبض بنقله أو تناوله كالثوب والعبد والكتاب ونحو ذلك، والمكيل يحصل نقله بالكيل فقبضه اكتياله وإن كان موزوناً فقبضه بالوزن.
(2)
قوله «وَالتَّخْلِيَةُ فِيْمَا سِوَاهُ»:
أما ما لا يمكن نقله كالعقار والثمار على الشجرة فقبضها إنما يكون بالتخلية بين مرتهنه وبينه من غير حائل بأن يفتح له باب الدار ويسلم إليه مفاتيحها.
(3)
قوله «وَقَبْضُ أَمِيْنِ الْمُرْتَهِنِ يَقُوْمُ مَقَامَ قَبْضِهِ»:
أمين المرتهن هو وكيله ونائبه فإذا قبض الرهن صح القبض لأنه يقوم مقامه في القبض.
(4)
قوله «وَالرَّهْنُ أَمَانَةٌ عِنْدَ الْمُرْتَهِنِ، أَوْ أَمِيْنِهِ»:
أي أن الرهن أمانة في يد المرتهن أو أمينه ووجه ذلك أنه حصل المال في يده من مالكه، وكل ما حصل بإذن من المالك فهو بيد صاحبه أمانة، وإذا كان أمانة فلا يجوز له أن يتصرف فيه إلا ما استثنى الشرع في قوله - صلى الله عليه وسلم - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رضي الله عنه- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - «الظُهرُ يُرْكَبُ بِنَفَقَتِهِ إِذَا كَانَ مَرْهُونًا وَلَبَنُ الدَّرِّ يُشْرَبُ بِنَفَقَتِهِ إِذَا كَانَ مَرْهُونًا» 335، =
الجزء: 4 - الصفحة: 174
لا يَضْمَنُهُ إِلاَّ أَنْ يَتَعَدَّى (1)، وَلا يَنْتَفِعُ بِشَيْءٍ مِنْهُ، إِلاَّ مَا كَانَ مَرْكُوْبًا أَوْ مَحْلُوْبًا، فَيُرْكَبُ وَيُحْلَبُ بِقَدْرِ الْعَلَفِ (2) =وما عدا ذلك لا يجوز التصرف فيه.
(1)
قوله «لا يَضْمَنُهُ إِلاَّ أَنْ يَتَعَدَّى»:
فإن تلف الرهن وهو بيد المرتهن بغير قصد منه، ولا تفريط فلا شيء عليه لأنه أمانة في يده كالوديعة ولأنه لو ضمن الرهن لامتنع الناس من فعله خوفاً من الضمان، وذلك وسيلة إلى تعطيل المداينات والقروض وفيه ضرر عظيم، فإن تعدى على الرهن بفعل ما لا يسوغ فيه شرعاً أو فرط في حفظه بأن لم يضعه في حرز مثله فإنه يضمن بالإجماع (1) لزوال ائتمانه.
(2)
قوله «وَلا يَنْتَفِعُ بِشَيْءٍ مِنْهُ، إِلاَّ مَا كَانَ مَرْكُوْبًا أَوْ مَحْلُوْبًا، فَيُرْكَبُ وَيُحْلَبُ بِقَدْرِ الْعَلَفِ»:
أي إذا كان الرهن حيواناً يحتاج إلى مؤنة فللمرتهن أن يركب ويحلب بقدر علفه ولو لم يأذن له المالك لأنه مأذون فيه شرعاً لقوله - صلى الله عليه وسلم - «الظُهرُ يُرْكَبُ بِنَفَقَتِهِ إِذَا كَانَ مَرْهُونًا وَلَبَنُ الدَّرِّ يُشْرَبُ بِنَفَقَتِهِ إِذَا كَانَ مَرْهُونًا» 337، لكن عليه أن يتحرى العدل في الحلب والركوب.
أما غير المحلوب والمركوب فلا يجوز الانتفاع منه كالدار والمتاع والسيارة ونحوها فلا يجوز للمرتهن الانتفاع به بغير إذن الراهن.
قال ابن قدامه 338 لا نعلم فيه خلافاً، لأن الرهن ملك الراهن فكذلك منافعه فليس لغيره أخذها إلا بإذنه.
=336
الجزء: 4 - الصفحة: 175
وَلِلرَّاهِنِ غُنْمُهُ مِنْ غَلَّتِهِ، وَكَسْبِهِ وَنَمَائِهِ (1)
=قلت: وذهب جمهور الفقهاء من المالكية (1)، والشافعية (2)، وأحمد (3) في رواية عنه إلى أنه لا يجوز للمرتهن أن ينتفع من الرهن بشيء مطلقاً لأنه ملك غيره ولم يأذن له في الانتفاع، وردوا على الحديث بأنه مخالف للقياس من وجهين:
1 - التجويز لغير المالك أن يركب ويشرب بغير إذن المالك، والأصل أنه لا يجوز إلا بإذنه لحديث ابن عمر -رضي الله عنه-: «لا يَحْلُبَنَّ أَحَدٌ مَاشِيَةَ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِهِ» (4)
2 - تضمنه الانتفاع بالنفقة لا القيمة، والأصل أن النفقة تقابل القيمة.
والراجح عندي: ما ذهب إليه الحنابلة (5) لقوة الدليل، وهو اختيار شيخ الإسلام (6).
(1)
قوله «وَلِلرَّاهِنِ غُنْمُهُ مِنْ غَلَّتِهِ، وَكَسْبِهِ وَنَمَائِهِ»:
وغُنْمه بضم الغين وسكون النون ثمرته وكسبه.
أي لصاحب الرهن نماء رهنه وهو ما يحصل منه من أجرة كتأجير الدار وتأجير العبد، وكذا النماء المتصل كالسِّمن وتعلم الصنعة ونحو ذلك.
وقد اختلف الفقهاء: هل نماء الرهن والكسب يتبع العين المرهونة أم لا؟
على أقوال:339340341342343344
الجزء: 4 - الصفحة: 176
لَكِنَّهُ يَكُوْنُ رَهْنًا مَعَهُ (1)
القول الأول: ما ذكره المؤلف أي أن النماء والكسب يتبع الرهن ويكون رهناً معه، لأنه نماء وغلة حاصلان من عين الرهن ومتفرعان عنه فيتبعانه في الحكم.
القول الثاني: أنهما لا يتبعان الرهن بحال من الأحوال لأنها عين زائدة لم تدخل في العقد فلا تدخل في الرهن.
القول الثالث: أن نماء الرهن يتبع العين، لكن الكسب لا يتبعها لأن النماء متولد منها وهو جزء منها أما الكسب فللراهن لأنه عين مستقلة ولم يشملها العقد.
القول الرابع: قول المالكية (1) أن الولد - ولد الأمة والدابة - يتبع العين أما ما عداه من أنواع النماء والكسب فلا يتبعها.
والراجح عندي من الأقوال: هو القول الأول، يعني قول المؤلف -رحمه الله- لأن الكسب والنماء يتبع العين لأنه متولد عنها فيتبعها في الرهن، ثم إن الرهن ملك للراهن لم تزل ملكيته عنه فأشبه غير المرهون فيكون النماء في ملكه، ثم إن المدار على سداد الدين فإذا سدد الدين يرجع الزائد إلى الراهن.
(1)
قوله «لَكِنَّهُ يَكُوْنُ رَهْنًا مَعَهُ»:
أي يكون النماء والكسب والغلة وجميع ما يتفرع من الرهن يلحق به أي يصير رهناً معه، فكسب العبد رهن تبعاً للأصل، وكذا نماءه كأن تَسْمن الشاة أو تلد فيكون نماءها المتصل والمنفصل تبعاً لأصله.345
الجزء: 4 - الصفحة: 177
وَعَلَيْهِ غُرْمُهُ (1) مِنْ مُؤْنَتِهِ (2)، وَمَخْزَنِهِ (3)، وَكَفَنِهِ إِنْ مَاتَ (4)، وَإِنْ أَتْلَفَهُ (5)، أَوْ أَخْرَجَهُ مِنَ الرَّهْنِ بِعِتْقٍ (6)، أَوِ اسْتِيْلادٍ (7)، فَعَلَيْهِ قِيْمَتُهُ تَكُوْنُ رَهْنًا مَكَانَهُ (8)، (1)
قوله «وَعَلَيْهِ غُرْمُهُ»:
غُرْمُهُ بضم الغين المعجمة وسكون الراء المهملة يعني هلاكه ونقصه ونفقته.
(2)
قوله «مِنْ مُؤْنَتِهِ»:
يعني طعامه وشرابه وكسوته إن كان يحتاج إلى كسوة لقوله - صلى الله عليه وسلم - «لا يَغْلَقُ الرَّهْنُ مِنْ صَاحِبِهِ الَّذِي رَهَنَهُ لَهُ غُنْمُهُ وَعَلَيْهِ غُرْمُهُ» (1). (3)
قوله «وَمَخْزَنِهِ»:
يعني عليه كذلك أجرة مخزنه لو كان الرهن يحتاج إلى خزن واستأجرنا مكاناً نخزنه فيه فأجرة المخزن على الراهن.
(4)
قوله «وَكَفَنِهِ إِنْ مَاتَ»:
كأن يكون المرهون عبداً فيموت فإذا مات يحتاج إلى أجرة غسل، وقيمة ماء، وقيمة كفن فتكون هذه على الراهن لأنه ملكه له غنمه وعليه غرمه.
(5) قوله «وَإِنْ أَتْلَفَهُ»: أي الراهن.
(6) قوله «أَوْ أَخْرَجَهُ مِنَ الرَّهْنِ بِعِتْقٍ»: كأن يكون الرهن عبداً فأعتقه فإنه بذلك أخرج المرهون وهو العبد بسبب إعتاقه من الرهن.
(7)
قوله «أَوِ اسْتِيْلادٍ»:
أي وطأ الجارية ثم ولدت فإنه بذلك قد أخرجها من الرهن بفعله ذلك لأنها إذا ولدت صارت أم ولد فخرجت من الرهن، والولد حر لكن يجب عليه شيءٌ آخر وهو ما ذكره المؤلف.
(8) قوله «فَعَلَيْهِ قِيْمَتُهُ تَكُوْنُ رَهْنًا مَكَانَهُ»: أي فعليه قيمة الرهن تكون رهناً مكانه يدفع الراهن قيمة ما أتلفه، وتحجز القيمة عند المرتهن بدلاً من هذا الذي =346
الجزء: 4 - الصفحة: 178
وَإِنْ جَنَى عَلَيْهِ غَيْرُهُ (1) فَهُوَ الْخَصْمُ فِيْهِ، وَمَا قُبِضَ بِسَبَبِهِ، فَهُوَ رَهْنٌ (2)، وَإِنْ جَنَى الرَّهْنُ، فَالْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ أَحَقُّ بِرَقَبَتِهِ (3)، فَإِنْ فَدَاهُ، فَهُوَ رَهْنٌ بِحَالِهِ (4)، وَإِذَا حَلَّ الدَّيْنُ فَلَمْ يُوَفِّهِ الرَّاهِنُ (5)، بِيْعَ، وَوُفِّيَ الْحَقُّ مِنْ ثَمَنِهِ وَبَاقِيْهِ لِلرَّاهِنِ (6)، =أعتقه أو أخرجه من الولادة لأنه لا يجوز الإضرار بالمرتهن وإسقاط حقه اللازم له.
(1)
قوله «وَإِنْ جَنَى عَلَيْهِ غَيْرُهُ»:
أي إن جنى على الرهن غير الراهن.
(2)
قوله «فَهُوَ الْخَصْمُ فِيْهِ، وَمَا قُبِضَ بِسَبَبِهِ، فَهُوَ رَهْنٌ»:
أي الراهن خصم في الرهن على من جنى عليه لأنه ملكه، فإن كانت الجناية عليه موجبة للقصاص فلسيده الاقتصاص، وله العفو لأنه مالكه، فإن اقتص فعليه قيمة أقلهما قيمة من العبد الجاني والعبد المرهون، وما قبضه سيده بسبب ذلك من القتل أو الجرح على العبد المرهون فهو رهن لأنها بدل عنه أو بدل جزء منه.
(3)
قوله «وَإِنْ جَنَى الرَّهْنُ، فَالْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ أَحَقُّ بِرَقَبَتِهِ»:
أي إذا كان الرهن عبداً مثلاً وجنى جناية موجبة للمال سواء كانت على إنسان أو مال فالمجني عليه أحق برقبة الجاني «وهو العبد» من المرتهن لأن الجناية مقدمة على حق المالك، ويبطل الرهن بتسليمه للمجني عليه.
(4)
قوله «فَإِنْ فَدَاهُ، فَهُوَ رَهْنٌ بِحَالِهِ»:
أي إن اختار سيد العبد الجاني فداءه فهو رهن بحاله، لأن حق المرتهن قائم لوجود سببه، وإنما قدم حق المجني عليه لقوته، فإذا زال رجع الأمر كما كان عليه أي صار رهناً بحاله بيد المرتهن.
(5)
قوله «وَإِذَا حَلَّ الدَّيْنُ فَلَمْ يُوَفِّهِ الرَّاهِنُ»:
أي إن حل موعد سداد الدين وامتنع الراهن من الوفاء فما الحكم إذاً قال المؤلف.
(6)
قوله «بِيْعَ، وَوُفِّيَ الْحَقُّ مِنْ ثَمَنِهِ وَبَاقِيْهِ لِلرَّاهِنِ»:
أي إن امتنع الراهن =
الجزء: 4 - الصفحة: 179
وَإِذَا شُرِطَ الرَّهْنُ أَوِ الضَّمِيْنُ (1) فِيْ بَيْعٍ، فَأَبَى الرَّاهِنُ أَنْ يُسَلِّمَهُ، أَوْ أَبىَ الضَّمِيْنُ أَنْ يَضْمَنَ (2) خُيِّرَ الْبَائِعُ بَيْنَ الْفَسْخِ أَوْ إِقَامَتِهِ بِلا رَهْنٍ وَلا ضَمِيْنٍ (3). =من سداد الدين باعه لأن هذا هو المقصود من الرهن، فإن أبى الراهن بيع المرهون قام الحاكم ببيعه وقضى دينه من ثمنه لأنه حق تعين عليه، ولا يخلو بيع الرهن من أمور، إما أن يكون الثمن أقل من قيمة الدَّين فهنا يأخذ الموجود والباقي يكون في ذمة المرتهن، وإن كان ثمن الرهن بقدر الدَّين أخذه المرتهن وإن كان ثمنها أكثر من قيمة الدَّين أخذ المرتهن حقه ورد الباقي على الراهن.
(1)
قوله «وَإِذَا شُرِطَ الرَّهْنُ أَوِ الضَّمِيْنُ»:
أي إذا شرط البائع رهناً أو ضميناً على المشتري.
(2)
قوله «فِيْ بَيْعٍ، فَأَبَى الرَّاهِنُ أَنْ يُسَلِّمَهُ، أَوْ أَبىَ الضَّمِيْنُ أَنْ يَضْمَنَ»:
أي وقد وافق الراهن على تسليم رهن أو وافق الضمين على أن يضمن ثم نكص عن ذلك فما الحكم إذاً؟ قال المؤلف.
(3)
قوله «خُيِّرَ الْبَائِعُ بَيْنَ الْفَسْخِ أَوْ إِقَامَتِهِ بِلا رَهْنٍ وَلا ضَمِيْنٍ»:
أي للبائع الخيار بين فسخ البيع لأنه إنما بذل ماله بهذا الشرط، فإذا لم يسلم له استحق الفسخ وله أيضاً إتمام البيع بلا رهن ولا ضمين لأن ذلك حقه وقد أسقطه فيلزمه البيع كما لو لم يشترطه.
ذكر بعض المسائل المتعلقة بالرهن
:
المسألة الأولى: في اختلاف المتراهنين
، إذا اختلف المتراهنان ففي اختلافهما أحوال: الحالة الأولى: أن يختلفا ولأحدهما بينة فيقبل قوله.
الجزء: 4 - الصفحة: 180
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحالة الثانية: أن يختلفا وليس لأحدهما بينة، فهذا محل تفصيل:
1 - أن يختلفا في قيمة الرهن التالف في يد المرتهن: فإن كان بدون نقد ولا تفريط لم يضمن لأنها أمانة في يده، وهذا مذهب الجمهور 347.
أما إذا تلف بتفريط فإنه يضمنه نتيجة لفعله، فإن اختلفا في قيمة الرهن فقال الراهن قيمته عشرة ألاف، وقال المرتهن لك قيمته خمسة ألاف، فيقبل قول المرتهن لأنه غارم ولأنه منكر للزيادة وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم - «الْبَيِّنَةَ عَلَى الْمُدَّعِى وَالْيَمِينَ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» 348، فهنا قد اتفقا على خمسة ألاف واختلفا في خمسة ألاف، وإذا لم توجد بينة فالقول قول المنكر مع يمينه والمنكر هو المرتهن وهذا هو مذهب الجمهور 349، وذهب بعض أهل العلم إلى أن القول قول الراهن إذا كانت قيمة المرهون بقدر الدين، لأن الغالب أن الرهن يكون بحدود الدين أما إذا زادت على الدين فلا تقبل، واختار هذا القول شيخ الإسلام بن تيمية -رحمه الله- 350، والأظهر عندي ما ذهب إليه جمهور الفقهاء.
2 - أن يختلفا في قدر الحق الذي بسببه كان الرهن كأن يقول الراهن رهنته عندك بألف فقال المرتهن بل رهنته بألفين، فالقول قول الراهن لأنهما اتفقا في ألف والألف الأخرى منكرة والقول قول المنكر مع يمينه وهو الراهن، لأن الأصل عدم الرهن بالألف الزائدة.
3 - أن يختلفا في حلول الدين وتأجيله كأن يكون على الراهن دين حال للمرتهن =
الجزء: 4 - الصفحة: 181
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= ودين مؤجل فقال الراهن: الرهن على الدين المؤجل، وقال المرتهن الرهن على الدين الحال، فالقول قول الراهن بأن الرهن للدين المؤجل، لأنه هو المنكر في هذا والمرتهن هو المدعي والقول قول المنكر وهو الراهن فيكون الرهن للدين المؤجل لا الحال.
4 - أن يختلفا في قدر الرهن عند التبايع: كأن يقول الراهن رهنتك ثلاث سيارات ويقول المرتهن بل خمس سيارات، فيقبل قول المنكر مع يمينه وهو الراهن لأنهما اتفقا على ثلاثة واختلفا في اثنين.
5 - أن يختلفا في عين الرهن فيقول الراهن رهنتك الدار، ويقول المرتهن بل رهنتني المزرعة، فيتحالفان؛ فيحلف الراهن أنه لم يرهنه المزرعة وإنما رهنه الدار، ويحلف المرتهن أنه لم يرهنه الدار وإنما رهنه المزرعة، ويسقط الرهن ويكون البيع بدون رهن، وإذا بطل الرهن يكون للمرتهن الخيار، لأنه اشترط شرطاً ولم يسلم له دفعاً للضرر عنه.
ولو قال المرتهن أنا أتنازل عن المزرعة إلى الدار لم يقبل ذلك لأنه كان منكراً له إلا إذا رضي الراهن بذلك وإذا امتنع أحدهما عن الحلف قضى عليه بالنكول، فيكون فيه اعترافٌ للآخر ويلزم بقول خصمه، وقيل بل يقبل قول الراهن، لأنه منكر لما ادعاه المرتهن وهو رهن العين الأخرى لأن الأصل عدم الرهن ولم يعترف بما ادعاه المرتهن فيقع بما اعترف به الراهن.
6 - إذا اختلفا في رد الرهن إلى الراهن فقال المرتهن رددت إليك الرهن: فقال الراهن بل لم ترده، فيقبل قول الراهن لأن الأصل عدم الرد مع يمينه، ويلزم المرتهن برد الرهن أو قيمته عند تلفه، هذا بخلاف الأمانة فلو كان عنده لشخص=
الجزء: 4 - الصفحة: 182
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = أمانة وادعى ردها فيقبل قوله، لأنه مؤتمن مع يمينه ولأنه قبضها لحظ غيره، وإذا ادعى تلفها فإن كان بحادث ظاهر قبلت دعواه وإلا فلا بد من بينة.
المسألة الثانية: الشروط في الرهن
:
الشروط في الرهن منها شروط فاسدة وشروط صحيحة وشروط مختلف فيها.
أولاً: الشروط الفاسدة:
تعريفها: هي كل شرط يخالف مقتضى العقد أو لا يقتضيه العقد.
مثالها: كأن يشترط ألا يباع الرهن عند حلول الدين، أو شرط ألا يقبضه المرتهن، أو شرط ألا يوفي الدين من ثمن الرهن فهذه شروط فاسدة تخالف مقتضى العقد.
أما الشروط التي لا يقتضيها العقد مثل شرط شيء محرم مثل شرطه رهناً مجهولاً أو خمراً أو معدوماً أو ما لا يقدر على تسليمه فهذه شروط فاسدة لكن هل تؤثر على العقد فتبطله أم لا؟ قولان لأهل العلم:
الأول: يبطل البيع لأن البيع وقع على هذا الشرط فإذا فسد فسد ما بني عليه.
الثاني لا يفسده فهوَ يفْسُدْ ولا يفسد البيع.
ثانياً: الشروط الصحيحة: كما لو شرط أن يكون الرهن عند عدل يحفظه، أو شرط أنه عند حلول الدين يباع الرهن ويستوفي من ثمنه فهذه شروط لا تخالف مقتضى العقد فيجب الوفاء بها.
ثالثاً: الشروط المختلف فيها وهي أنواع:
النوع الأول: أن يشترط رهن المبيع على ثمنه بأن قال أبيع عليك السيارة بعشرة ألاف ريال إلى أجل لكن أرهنها حتى تسدد فهذا النوع لها ثلاث حالات:
1 - أن يكون رهن المبيع مشروطاً في العقد، وهذه الحالة محل خلاف بين العلماء=
الجزء: 4 - الصفحة: 183
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
=والصحيح أنه يجوز رهن المبيع على ثمنه إذا شرطه لقوله - صلى الله عليه وسلم - «الْمُسْلِمُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ» 351.
2 - إذا رهنه المبيع قبل لزوم العقد: فهذا يرجع إلى الخلاف في أصل المسألة وهو التصرف في المبيع قبل قبضه، فمن رأى أنه يتصرف فيه قبل قبضه أجاز ذلك، ومن لم يجز التصرف فيه قبل قبضه لم يجزه، وهو الصحيح.
3 - إذا رهنه بعد قبضه فلا خلاف في جوازه.
النوع الثاني: أن يقول الراهن: إن جئتك بحقك في وقت كذا وإلا فالرهن لك، فهل هذا يجوز؟
قولان للفقهاء، والصحيح عندي جواز ذلك.
الجزء: 4 - الصفحة: 184
بَابُ الصُّلْحِ
(1) الشرح:
(1)
قوله «بَابُ الصُّلْحِ»:
الصلح لغة: قطع المنازعة.
وشرعاً: معاقدة يتوصل بها إلى إصلاح بين متخاصمين.
أما حكمه: فهو جائز بالكتاب والسنة والإجماع.
أما دلالة الكتاب: فقوله ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ .. ﴾ 352، وقوله ﴿لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً﴾ 353، وقوله تعالى ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ 354.
أما السنة: فقد ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من قوله وفعله ما يدل على ذلك، فمن الفعل ما رواه البخاري ومسلم عن سهل بن سعد «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - ذَهَبَ إِلَى بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ لِيُصْلِحَ بَيْنَهُمْ» 355.
أما القول فمن ذلك ما رواه أبو داود والترمذي عن أبي الدرداء قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - «أَلا أُخْبِرُكُمْ بِأَفْضَلَ مِنْ دَرَجَةِ الصِّيَامِ وَالصَّلاةِ وَالصَّدَقَةِ».
قَالُوا بَلَى.
قَالَ «إِصْلاحُ ذَاتِ الْبَيْنِ وَفَسَادُ ذَاتِ الْبَيْنِ الْحَالِقَةُ» 356، وعن أبي=
الجزء: 4 - الصفحة: 185
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . =هريرة -رضي الله عنه- عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «الصُّلْح جَائِز بَيْن الْمُسْلِمِينَ, إِلَّا صُلْحًا حَرَّمَ حَلَالًا أَوْ أَحَلَّ حَرَامًا» (1). أما الإجماع: فقد أجمعت الأمة على جواز الصلح بين المتخاصمين.
ذكر بعض الفوائد
:
-
الفائدة الأولى: أعدل الصلح وأحقه ما اعتمد فيه رضا الله ورضا المتخاصمين ولا يكون ذلك إلا بشرطين العلم والعدل العلم بالوقائع والمعرفة بالواجب وقصد العدل.
الفائدة الثانية: في أنواع الصلح
: الصلح على خمسة أنواع:
1 - الصلح بين المسلمين والكفار.
2 - الصلح بين أهل العدل وأهل البغي.
3 - الصلح بين الزوجين إذا خيف الشقاق بينهما أو خافت الزوجة إعراض الزوج عنها.
4 - الصلح بين المتخاصمين في غير مال.
5 - الصلح بين المتخاصمين في الأموال، وهذا هو الذي يريده الفقهاء في تبويبهم بباب الصلح وهو مراد المؤلف هنا.
الفائدة الثالثة: في شروط الصلح
: 1 - أن يكون المصالح ممن يصح تبرعه، فإن كان ممن لا يصح تبرعه لم =357
الجزء: 4 - الصفحة: 186
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
=يصح الإسقاط ولا الهبة لفوات الشرط.
مثال ذلك: ولي اليتيم إذا أسقط بعض دينه وأخذ الباقي فلا يصح الإسقاط لأنه لا يصح تبرعه، اللهم إلا إذا كان في الإسقاط مصلحة لليتيم، كأن يكون مال اليتيم عند مماطل ولا يمكن الحصول عليه إلا بإسقاط بعض المال فهنا يجوز الإسقاط وذلك لأن استدراك بعض الشيء أولى من فوات الكل.
2 - أن يكون المصالح عنه «الشيء المنازع فيه» مالاً متقوّماً مقدور التسليم أو منفعة مباحة.
3 - أن يكون المصالح عنه مالاً معلوماً علماً نافياً للجهالة أو ما يقوم مقام المال.
وسيأتي إن شاء الله مزيد من التوضيح في ثنايا شرحنا كلام المؤلف على هذه الشروط.
الفائدة الرابعة: الصلح في الأموال ينقسم إلى قسمين:
القسم الأول: الصلح مع الإقرار: وذلك بأن يكون المدعى عليه مقراً بحق خصمه وهو نوعان:
النوع الأول: الصلح على جنس الحق ببعضه، كأن يقر له بدين فيضع عنه بعضه كنصفه أو ربعه فيقول وهبتك نصف الدين فأعطني بقيته، أو يقر له بعين كدار أو ثياب أو كتب فيهب له بعضها، ويأخذ الباقي فهذا يصح باتفاق الفقهاء، لأن الإنسان لا يمنع من إسقاط حقه كما لا يمنع من استيفائه، دليل ذلك قصة جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ - رضي الله عنه - «أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَاهُ قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ شَهِيدًا فَاشْتَدَّ الْغُرَمَاءُ فِي حُقُوقِهِمْ فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَكَلَّمْتُهُ فَسَأَلَهُمْ أَنْ يَقْبَلُوا ثَمَرَ =
الجزء: 4 - الصفحة: 187
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . =حَائِطِي وَيُحَلِّلُوا أَبِي .. » (1). وأيضاً ما رواه البخاري ومسلم عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ كَعْبٍ أَنَّهُ تَقَاضَى ابْنَ أَبِي حَدْرَدٍ دَيْنًا كَانَ لَهُ عَلَيْهِ فِي الْمَسْجِدِ فَارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمَا حَتَّى سَمِعَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَهُوَ فِي بَيْتِهِ فَخَرَجَ إِلَيْهِمَا حَتَّى كَشَفَ سِجْفَ حُجْرَتِهِ فَنَادَى «يَا كَعْبُ قَالَ لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ ضَعْ مِنْ دَيْنِكَ هَذَا وَأَوْمَأَ إِلَيْهِ أَيْ الشَّطْرَ قَالَ لَقَدْ فَعَلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ قُمْ فَاقْضِهِ» (2). النوع الثاني: الصلح عن الحق بغير جنسه: وهو ما يسمى بصلح المعاوضة، وصفته أن يكون عليه دين فيصالحه على أرض عوضاً عنه، أو يكون عليه دار فيقرُّ له بها ثم يصالحه عنها على ثوب أو دار أخرى، وهذا النوع جائز باتفاق الفقهاء، ويعد بيعاً، وإن عقد بلفظ الصلح، لأنه مبادلة مال بمال، ويشترط فيه جميع شروط البيع كمعلومية البدل، والقدرة على التسليم والتقابض في المجلس إن جرى بين العوضين ربا النسيئة، وكذلك تتعلق به جميع أحكام البيع كرد المعيب، وحق الشفعة، والمنع من التصرف قبل القبض، وكذلك يدخل في هذا النوع إن صالحه على منفعة في مقابل الدين كما إذا ادعى على رجل شيئاً فأقر به ثم صالحه على سكن داره أو ركوب دابته.
القسم الثاني: الصلح على الإنكار
«الصلح مع إنكار المدعى عليه»: وهو أن يدعي شخص على آخر عيناً أو ديناً أو منفعة فينكر ما ادعاه ثم يتصالحان.358359
الجزء: 4 - الصفحة: 188
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مثاله: أن يدَّعي «زيد» على «عمرو» عشرة آلاف ريال، أو يدَّعى عليه سيارة بيده، أو داراً، فأنكر المدعى عليه «عمرو» هذا الدَّين، وبدلاً من الذهاب إلى المحكمة والقضاء أراد المدعى عليه قطع النزاع وافتداءً اليمين، فصالح المدعى عليه المدعي على سبعة آلاف ريال مثلاً فأخذها «زيد» وانتهى ما بينهما.
وهذا القسم قد اختلف الفقهاء فيه على قولين:
الأول: جوازه، وهذا هو قول جمهور الفقهاء من الحنفية 360، والمالكية 361، والحنابلة 362 بشرط أن يكون المدعي معتقداً أن ما ادعاه حق، والمدعى عليه يعتقد أن لا حق عليه، فيتصالحان قطعاً للخصومة والنزاع.
أما إذا كان أحدهما عالماً بكذب نفسه، فالصلح باطل في حقه وما أخذه بكذب نفسه حرام عليه لأنه من أكل أموال الناس بالباطل.
واستدل الجمهور لذلك بعموم الأدلة التي تدل على جواز الصلح.
الثاني: قول الشافعية 363، وابن حزم 364 أن الصلح مع الإنكار باطل لا يجوز، واحتجوا لذلك بقول النبي - صلى الله عليه وسلم - «الصُّلْح جَائِز بَيْن الْمُسْلِمِينَ, إِلا صُلْحًا حَرَّمَ حَلالاً أَوْ أَحَلَّ حَرَامًا» 365، وأيضاً بالقياس على ما لو أنكر الزوج الخلع ثم=
الجزء: 4 - الصفحة: 189
وَمَنْ أَسْقَطَ بَعْضَ دَيْنِه (1) أَوْ وَهَبَ غَرِيْمَهُ بَعْضَ الْعَيْنِ الَّتِيْ لَهُ فِيْ يَدِهِ، جَازَ (2) مَا لَمْ يَجْعَلْ وَفَاءَ الْبَاقِيْ شَرْطًا فِي الْهِبَةِ وَالإِبْرَاءِ (3)، أَوْ يَمْنَعْهُ حَقَّهُ إِلاَّ بِذلِكَ (4)،
=تصالح مع زوجته على شيء فلا يصح ذلك.
وأيضاً لو كان المدعي كاذباً فقد استحل مال المدعى عليه.
والراجح عندي ما ذهب إليه جمهور الفقهاء، فالحاجة داعية إلى هذا النوع قطعاً للنزاع، فإن المدعي يأخذ عوضاً عن حقه الثابت في اعتقاده، وهذا مشروع، والمدعى عليه يؤديه افتداءً لنفسه من الدعوى واليمين.
(1)
قوله «وَمَنْ أَسْقَطَ بَعْضَ دَيْنِهِ»:
كأن يكون عند شخص عشرة آلاف ريال فأسقط ثلاثة.
(2)
قوله «أَوْ وَهَبَ غَرِيْمَهُ بَعْضَ الْعَيْنِ الَّتِيْ لَهُ فِيْ يَدِهِ، جَازَ»:
كأن يقرَّ له بعين ثم يصالحه على نصفها أو ربعها أو ما شابه ذلك، فهذا جائز وهو كما سبق يسمى صلح الإقرار، وقد سبق بيان حكمه وأنواعه.
(3)
قوله «مَا لَمْ يَجْعَلْ وَفَاءَ الْبَاقِيْ شَرْطًا فِي الْهِبَةِ وَالإِبْرَاءِ»:
كأن يقول له نعم أنا مقر لك بهذا الدين أو بهذه العين ولكن لا أوفيك دينك أو لا أعطيك عينك إلا بأن تصالحني على شيء منها هبة منك لي أو تبرأني على شيء منها، فهذا لا يصح ولا يحل له أن يمنعه حقه إلا إذا تنازل عن بعضه.
فهذا حرام ومن أكل أموال الناس بالباطل، ولأن في هذه الحالة تحولت المسألة إلى معاوضة فتؤدي إلى ربا، فالحاصل أن محل صحة صلح الإقرار ألا يكون ذلك بشرط.
(4)
قوله «أَوْ يَمْنَعْهُ حَقَّهُ إِلاَّ بِذلِكَ»:
أي لا يعطيه حقه إلا بأن يهب له أو يبرأه من بعضه، وهذا لا يجوز أيضاً.
الجزء: 4 - الصفحة: 190
أَوْ يَضَعَ بَعْضَ الْمُؤَجَّلِ؛ لِيُعَجِّلَ لَهُ الْبَاقِيْ (1)، (1)
قوله «أَوْ يَضَعَ بَعْضَ الْمُؤَجَّلِ؛ لِيُعَجِّلَ لَهُ الْبَاقِيْ»:
مثل أن يصالحه عن عشرة آلاف ريال مؤجله بخمسة آلاف حالة لم يجز.
والعلة في ذلك أنه ربا وهو بيع بعض ماله بماله، ولأن بيع الحلول غير جائز.
وهذا هو قول الجمهور من الحنفية 366، والمالكية 367، والشافعية 368، وهو الصحيح في مذهب الإمام أحمد 369، والرواية الثانية للإمام أحمد، وهي اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية 370، وتلميذه ابن القيم 371، والشوكاني 372.
بل هي قول ابن عباس، وإبراهيم النخعي 373 جواز ذلك لأن فيه مصلحة للدائن وهي أنه تعجل قبض حقه، ومصلحة للمدين وهي براءة ذمته وإسقاط بعض الدين عنه.
وقد يحتاج صاحب الحق حقه لعذر من الأعذار، ولا دليل على المنع وليس هذا من الربا، لأن الربا يتضمن الزيادة في أحد العوضين في مقابلة الأصل، وهذا يتضمن براءة ذمته من العوض في مقابلة سقوط الأصل.
وهذا هو القول الراجح، وهو اختيار شيخنا -رحمه الله- 374.
الجزء: 4 - الصفحة: 191
وَيَجُوْزُ اقْتِضَاءُ الذَّهَبِ عَنِ الْوَرِقِ، وَالْوَرِقِ عَنِ الذَّهَبِ إِذَا أَخَذَهَا بِسِعْرِ يَوْمِهَا، وَتَقَابَضَا فِيْ الْمَجْلِسِ (1)، وَمَنْ كَانَ لَهُ عَلَى غَيْرِهِ حَقٌّ لا يَعْلَمُهُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، فَصَالَحَهُ عَلَى شَيْءٍ، جَازَ (2) (1)
قوله «وَيَجُوْزُ اقْتِضَاءُ الذَّهَبِ عَنِ الْوَرِقِ، وَالْوَرِقِ عَنِ الذَّهَبِ إِذَا أَخَذَهَا بِسِعْرِ يَوْمِهَا، وَتَقَابَضَا فِيْ الْمَجْلِسِ»:
سبق بيان ذلك في باب الربا والصرف، وقلنا أنه يجوز بيع الذهب بالورق «الفضة» والعكس، لكن يشترط لذلك شرطان هما:
1 - أن تكون بسعر يومها.
2 - التقابض قبل التفرق.
دليل ذلك حديث ابن عمر رضي الله عنهما أنه سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال إني أبيع الإبل بالنقيع، فأبيع بالدنانير وأخذ بالدراهم وأبيع بالدراهم وأخذ الدنانير أخذ هذا من هذا لأعطي هذا من هذا فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «لا بَأْسَ أَنْ تُؤْخَذَ بِسِعِّرِ يَوْمِهَا بِشَّرْطِ أَنْ تَتَفَرَقَا وَلَيْسَ بَيْنَكُمَا شَيء» (1).
فمتى صالح صاحب الدين المدين عن أثمان بأثمان «كذهب بورق» أو العكس فإنه يجوز ذلك، لكن يعتبر لذلك شروط الصرف لأنه صرف أثمان بأثمان، فيشترط له أن يكون بسعر يومه والتقابض قبل التفرق.
(2)
قوله «وَمَنْ كَانَ لَهُ عَلَى غَيْرِهِ حَقٌّ لا يَعْلَمُهُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، فَصَالَحَهُ عَلَى شَيْءٍ، جَازَ»:
هذا هو صلح الإنكار، وقد سبق بيانه في أقسام الصلح وقلنا بأن هذا القسم جائز، وهو قول الجمهور.375
الجزء: 4 - الصفحة: 192
فَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا يَعْلَمُ كَذِبَ نَفْسِهِ، فَالصُّلْحُ بَاطِلٌ فِيْ حَقِّهِ (1)، وَمَنْ كَانَ لَهُ حَقٌّ عَلَى رَجُلٍ لا يَعْلَمَانِ قَدْرَهُ، فَاصْطَلَحَا عَلَيْهِ، جَازَ (2) (1)
قوله «فَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا يَعْلَمُ كَذِبَ نَفْسِهِ، فَالصُّلْحُ بَاطِلٌ فِيْ حَقِّهِ»:
سبق أن قلنا بأن صلح الإنكار يشترط لجوازه أن يكون المدعي معتقداً صدق نفسه، وأن ما ادعاه حق والمدعى عليه يعتقد أنه لا حق عليه، فيتصالحان قطعاً للخصومة والنزاع.
أما إذا كان أحدهما عالماً بكذب نفسه فالصلح باطل في حقه، وما أخذه حرام لأنه من أكل أموال الناس بالباطل.
دليل ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم - «الصُّلْح جَائِز بَيْن الْمُسْلِمِينَ, إِلا صُلْحًا حَرَّمَ حَلَالاً أَوْ أَحَلَّ حَرَامًا» (1)، هذا فيما بينه وبين الله تعالى، أما ظاهراً فإنهما لو ترافعا إلى القاضي في المحكمة حكم بالصلح، وعلى هذا لا يجوز له أن يتصرف في العين التي أخذها وهو يعتقد أنها ليست له في الواقع.
مثال ذلك: رجل ادعى أن قطعة الأرض هذه له، وهي أرض مشتركة، فأنكر من بيده الأرض ثم اتفقا على الصلح، فأعطى المدعي عشرة آلاف ريال عوضاً عن الأرض.
إن كان المدعي صادقاً والمنكر - المدعى عليه - كاذباً فالأرض حرام على المدعى عليه كالأرض المغصوبة تماماً، وإن كان بالعكس المدعى عليه هو المحق والمدعي هو المبطل فالعوض الذي أخذه عن الأرض حرام.
(2)
قوله «وَمَنْ كَانَ لَهُ حَقٌّ عَلَى رَجُلٍ لا يَعْلَمَانِ قَدْرَهُ، فَاصْطَلَحَا عَلَيْهِ، جَازَ»:
هذا ما يسمى بالصلح عن المجهول وقد اختلف الفقهاء في هذا النوع من=376
الجزء: 4 - الصفحة: 193
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
=الصلح، فذهب المالكية 377، والحنابلة 378 إلى جوازه سواء كان عيناً أو ديناً لا سبيل إلى معرفته.
ويرى الحنفية 379 أن هذا النوع لا يجوز إذا كان مما يحتاج إلى التسليم لئلا يفضي إلى المنازعة، كما إذا ادعى حقاً في دار رجل ولم يسلم، فاصطلحا على مال معلوم يعطيه المدعي، أما إذا كان مما لا يحتاج إلى تسليم كترك الدعوى مثلاً فيجوز لأن جهالة الساقط لا تفضي إلى المنازعة فهو بمنزلة الإبراء عن المجهول وهو جائز.
ويرى الشافعية 380 أنه لا يجوز الصلح عن المجهول لأن الصلح فرع البيع ولا يصح بيع المجهول.
والراجح من الأقوال الثلاثة: جواز الصلح عن المجهول، دليل ذلك ما ثبت عن أم سلمة قالت: «جَاءَ رَجُلَانِ مِنْ الْأَنْصَارِ يَخْتَصِمَانِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فِي مَوَارِيثَ بَيْنَهُمَا قَدْ دُرِسَتْ لَيْسَ بَيْنَهُمَا بَيِّنَةٌ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - إِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ وَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَلْحَنُ بِحُجَّتِهِ أَوْ قَدْ قَالَ لِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ فَإِنِّي أَقْضِي بَيْنَكُمْ عَلَى نَحْوِ مَا أَسْمَعُ فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ شَيْئًا فَلَا يَأْخُذْهُ فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنْ النَّارِ يَأْتِي بِهَا إِسْطَامًا فِي عُنُقِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَبَكَى الرَّجُلَانِ وَقَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَقِّي لِأَخِي فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - أَمَا إِذْ قُلْتُمَا فَاذْهَبَا فَاقْتَسِمَا ثُمَّ تَوَخَّيَا الْحَقَّ ثُمَّ اسْتَهِمَا ثُمَّ لِيَحْلِلْ كُلُّ وَاحِدٍ=
الجزء: 4 - الصفحة: 194
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . =مِنْكُمَا صَاحِبَهُ» (1)، ولو لم يجز الصلح لأفضى إلى ضياع الحق أو بقاء شغل الذمة على تقدير أن يكون بينهما مال لا يعرف كل واحد منهما قدر حقه منه، وليس الصلح هنا بيعاً وإنما هو إبراء.
ذكر بعض الفوائد
المتعلقة بهذا الباب:
-
الفائدة الأولى: اتفق الفقهاء على عدم صحة الصلح عن حق الله، فلا يصح الصلح عن حد الزنا والسرقة وشرب الخمر ونحو ذلك، أما حقوق العباد فيجوز الصلح عن كل حق ثابت للمُصالح إذا كان مما يجوز أخذ العوض عنه، سواء كان مما يجوز بيعه أم لا، وسواء أكان مالاً أم غير مال، فيجوز العفو عن دم العمد في النفس وما دونها، وعن سكنى دار ونحوها، وعن عيب في المبيع قطعاً للخصومة والمنازعة.
الفائدة الثانية: الصلح بين الجاني والمدعي
:
يرى الحنفية 382 أن الصلح إما أن يكون بإذن المدعى عليه أو بغير إذنه، فإن كان بإذنه صح الصلح، وأما إذا كان بغير إذنه فهذا هو صلح الفضولي وهو جائز وصحيح، ويكون الفضولي متبرعاً حيث التزم ببدل الصلح ولا شيء له لأنه أجرى العقد بلا أمر المدعى عليه، وإذا أطلق الفضولي الصلح ولم يلتزم بشيء فَصُلْحُه هذا موقوفٌ على إجازة المدعى عليه.
ويرى المالكية 383 أنه لا يجوز للرجل أن يصالح عن غيره بوكالة أو بغير وكالة =381
الجزء: 4 - الصفحة: 195
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= ويلزم المصالح إذا كانت الدعوى على عين وبإذن المدعى عليه، أما إذا كانت على دين فيصح سواء كان ذلك بإذن المدعى عليه أم لا.
أما الحنابلة 384 فإنهم قالوا بجواز الصلح سواء كان عيناً أو ديناً بإذن المدعى عليه أو بغير إذنه، لكن إن كان الصلح بإذن المدعى عليه فإن الأجنبي يرجع عليه بما أدى، وإن كان بغير إذن المدعى عليه فلا يرجع لأنه أدى عنه ما لا يلزمه فكان متبرعاً.
والراجح من الأقوال: ما ذهب إليه الحنابلة لحديث علي وأبي قتادة -رضي الله عنه- ما حيث قضى عن الميت فأجازه النبي - صلى الله عليه وسلم -، ويرجع بما أداه إذا كان بإذنه لأنه قد أقره فيما يقوم به من الصلح، وفي حال عدم الإذن لا يرجع عليه بشيء، فإن إلزام المدعى عليه بما لم يقبله فيه مضرة عليه حيث أنه يمكن ألا يثبت هذا الحق المدعى به.
- الفائدة الثالثة: تجري على أحكام الصلح أقرب العقود إليه شبهاً، فالصلح عن مال بمال يعتبر في حكم البيع.
والصلح عن مال بمنفعة يكون في حكم الإجارة، والصلح على بعض العين المدعاة هبة، والصلح عن نقد بنقد له حكم الصرف، والصلح في دعوى الدَّين على أن يأخذ المدعي أقل من المطلوب لترك دعواه يعتبر أخذ بعض الحق وإبراء الباقي، ونتيجة لذلك فإنه يجري في الصلح أحكام العقد الذي اعتبر فيه وتراعى فيه شروطه ومتطلباته 385.
الجزء: 4 - الصفحة: 196
بَابُ الْوَكالَةِ
(1) الشرح:
(1)
قوله «بَابُ الْوَكالَةِ»:
الوكالة في اللغة: بفتح الواو وكسرها، وهي اسم مصدر بمعنى الوكيل، وهي لغة: التفويض والحفظ (1)، يقال: وكلت الأمر إليه أي فوضته إليه.
أما في الاصطلاح: فهي استنابة جائز التصرف مثله فيما تدخله النيابة.
قولنا جائز التصرف: هو من اجتمعت فيه أوصاف أربعة «الحرية - البلوغ - العقل - الرشد»، وقولنا فيما تدخله النيابة احترازاً مما لا تدخله النيابة، كالوضوء، والصلاة مثلاً، فلا تدخلها النيابة.
فلو قال «وكلتك لتصلي عني، أو لتتوضأ عني» فهذا لا يجوز.
ذكر بعض الفوائد
:
- الفائدة
الأولى: حكم الوكالة
: الوكالة جائزة بالنسبة للموكل لأنها من التصرفات المباحة أي التي أباحها الله، سُنَّة بالنسبة للوكيل لما فيها من الإحسان إلى أخيه المسلم وقضاء حاجته، وقد دلَّ الكتاب والسنة على مشروعيتها.
ومن أدلة الكتاب: قال الله تعالى عن أصحاب الكهف: ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَاماً فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ .. ﴾ 387، وجه الدلالة من الآية أن أصحاب الكهف وكلوا واحداً =386
الجزء: 4 - الصفحة: 197
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= منهم أن يذهب إلى المدينة ويأتي بطعام، ويكون في ذهابه متلطفاً يعني مستتراً ما أمكنه ولا يخبر عنهم.
ومن ذلك أيضاً قول موسى عليه السلام لأخيه هارون عليه السلام ﴿اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي .. ﴾ (1)، وهذه وكالة.
أما دليل السنة: فقد ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - «أَنَّه أَمَرَ عَلِىَّ بْنَ أَبِى طَالِبٍ أَنْ يَقُومَ عَلَى بُدْنِهِ وَأَمَرَهُ أَنْ يَقْسِمَ بُدْنَهُ كُلَّهَا لُحُومَهَا وَجُلُودَهَا وَجِلالَهَا فِي الْمَسَاكِينِ وَلا يُعْطِىَ في جِزَارَتِهَا مِنْهَا شَيْئًا» (2).
ووكَّل - صلى الله عليه وسلم - عروة بن أبي الجعد -رضي الله عنه- ليشتري له أضحية بدينار، « .. فَاشْتَرَى شَاتَيْنِ فَبَاعَ إِحْدَاهُمَا بِدِينَارٍ فَأَتَاهُ بِشَاةٍ وَدِينَارٍ فَدَعَا لَهُ بِالْبَرَكَةِ فِي بَيْعِهِ كَانَ لَوْ اشْتَرَى تُرَابًا لَرَبِحَ فِيهِ» (3)، فكان لا يبيع شيئاً أو يشتريه إلا ربح فيه.
ومن حيث النظر فإن الحاجة داعية إلى جواز الوكالة لأنها من مصلحة العباد، فقد لا يستطيع الإنسان أن يعمل أعماله بنفسه، فمن رحمة الله تعالى أن أجاز هذا النوع من المعاملات فالمصلحة تقتضيه.
- الفائدة
الثانية: حكم عقد الوكالة
: عقد الوكالة جائز بين الطرفين «الوكيل والموكل»، يملك كل واحد منهما فسخه، لأنها من جهة الموكل إذن ومن جهة الوكيل بذل نفع وكلاهما غير لازم وهذا هو الأصل، لكن إن تعلق على عزل الوكيل من الموكل أو من نفسه بعد مباشرته الوكالة وعمله بموجبها ضرر على الوكيل أو الموكل فهنا يلزم عقد الوكالة لأن الوكالة تعلق بها حق الغير.388389390
الجزء: 4 - الصفحة: 198
وَهِيَ جَائِزَةٌ فِيْ كُلِّ مَا تَجُوْزُ النِّيَابَةُ فِيْهِ (1) =والقول بلزوم الوكالة في تلك الحالة حسن لعموم قوله - صلى الله عليه وسلم - «لا ضَرَرَ وَلا ضِرَارَ» (1).
-
الفائدة الثالثة: أركان الوكالة: للوكالة أركان أربعة: 1 - العاقدان: وهما «الوكيل - الموكل».
2 - الصيغة: وهي الإيجاب والقبول؛ ويصح الإيجاب بكل لفظ يدل على الإذن، ويجوز القبول بكل لفظ أو فعل يدل عليه على الصحيح.
3 - الموكل فيه وهو كل حق لله تعالى تدخله النيابة من العبادات، ويصح في كل حق آدمي من العقود والفسخ والعتق والطلاق والرجعة، وسيأتي في كلام المؤلف ما يدل على ذلك. -
الفائدة
الرابعة: شروط الوكالة
:
1 - تعيين الوكيل.
2 - أن يكون الوكيل والموكل جائزي التصرف.
3 - أن يكون التوكيل فيما تدخله النيابة.
4 - أن تكون الوكالة بشيء معين.
(1)
قوله «وَهِيَ جَائِزَةٌ فِيْ كُلِّ مَا تَجُوْزُ النِّيَابَةُ فِيْهِ»:
بين المؤلف هنا حكم الوكالة وقد سبق بيان حكمها، وقوله «في حكم ما يجوز النيابة فيه»، أي فيما يقبل النيابة من العبادات كالزكاة، وكذلك سائر العقود كالبيع والشراء والإجارة والنكاح والطلاق والهبة والصدقة والخلع والصلح والإعارة والإبداع وقبض الحقوق والخصومة والرهن وطلب الشفعة.391
الجزء: 4 - الصفحة: 199
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
=ولا تصح الوكالة في العبادات التي لا تدخلها النيابة كالإيمان، والصلاة، والطهارة.
ولا تصح في العقود التي لا تقبل النيابة، كالظهار، والأيمان، واللعان، والنذر.
ومن خلال ما ذكرناه يمكن القول بأن الأعمال بالنسبة لجواز الوكالة تنقسم إلى قسمين:
القسم الأول: حقوق الله تعالى، وهي نوعان:
نوع تدخله النيابة، ونوع لا تدخله النيابة.
فالذي تدخله النيابة هي العبادات المالية، أي التي لها تعلق بالمال كالزكاة والصدقات والكفارات وغيرها، فيجوز التوكيل في قبضها وتفريقها.
أما الذي لا يقبل النيابة فهي العبادات البدنية المحضة كالوضوء والصلاة والصوم والاعتكاف ونحو ذلك، أما الحج فتدخله النيابة، لكن بشرط العجز من الموكل لحديث الخثعمية حيث قالت يا رسول الله «إِنَّ فَرِيضَةَ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ فِي الْحَجِّ أَدْرَكَتْ أَبِي شَيْخًا كَبِيرًا لَا يَثْبُتُ عَلَى الرَّاحِلَةِ أَفَأَحُجُّ عَنْهُ قَالَ نَعَمْ وَذَلِكَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ» 392.
القسم الثاني: ما كان له تعلق بحقوق الآدميين، وهو أيضاً نوعان:
الأول: ما يتعلق بشخص الفاعل كالحدود والقصاص فلا يجوز فيه النيابة.
الثاني: ما يتعلق بفعل الفاعل فهذا تدخله النيابة كما سبق بيان ذلك.
الجزء: 4 - الصفحة: 200
إِذَا كَانَ الْمُوَكِّلُ وَالْوَكِيْلُ مِمَّنْ يَصِحُّ ذلِكَ مِنْهُ (1)، وَهِيَ عَقْدٌ جَائِزٌ (2) يَبْطُلُ بِمَوْتِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا (3)، (1)
قوله «إِذَا كَانَ الْمُوَكِّلُ وَالْوَكِيْلُ مِمَّنْ يَصِحُّ ذلِكَ مِنْهُ»:
سبق أن بيَّنَّا تعريف الوكالة اصطلاحاً، واشترطنا فيها أن تكون الاستنابة فيمن اجتمع فيه أربعة أوصاف: «الحرية - البلوغ - العقل - الرشد».
فهذه الأوصاف الأربعة لا بد من توفرها في الموكل والوكيل، والقاعدة في ذلك أن كل من له التصرف في شيء - وكان مما تدخله النيابة - فله أن يوكل فيه وله أن يتوكل، ومن ليس له التصرف في شيء فليس له أن يوكل وليس له أن يتوكل.
(2)
قوله «وَهِيَ عَقْدٌ جَائِزٌ»:
يعني الوكالة عقد جائز من الطرفين ولكل منهما أن يتخلى عنها متى شاء إلا إذا كان في ذلك ضرر على كل منهما كما سبق فتكون عقداً لازماً في حق أحدهما.
(3)
قوله «يَبْطُلُ بِمَوْتِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا»:
هذا أول مبطلات الكفالة فهي تبطل بموت الموكل أو الوكيل لأنها تعتمد على الحياة، فإذا انتفت الحياة انتفت صحتها وذلك لانتفاء ما تعتمد عليه وهو أهلية التصرف.
فإذا كان الموكل هو الذي قد مات فإن الموكل به انتقل إلى ملك آخرين لم يأذنوا بتصرف الوكيل، وعلى ورثة الموكل إبلاغ الوكيل بموت موكله ليكف عن التصرف وإلا فهم المسئولون عن كل تصرف قبل علم الوكيل بموت الموكل، وفي حالة موت الوكيل انتفت الوكالة ويجب على ورثته إذا توفرت فيهم الأهلية وكانوا على علم بالوكالة أن يبادروا بإخبار الموكل، والقيام بحفظ كل ما يتعلق بالوكالة.
الجزء: 4 - الصفحة: 201
وَفَسْخِهِ لَهَا (1)، وَجُنُوْنِهِ (2)، وَالْحَجْرِ عَلَيْهِ لِسَفَهِهِ (3)، (1)
قوله «وَفَسْخِهِ لَهَا»:
هذا هو الأمر الثاني فيما تبطل به الوكالة وهو الفسخ سواء كان فسخ الموكل أو الوكيل، وقد سبق أنه لا بد أن لا يترتب على الفسخ ضرر على الموكل أو الوكيل والقاعدة في ذلك «إذا تضمن الفسخ ضرراً على أحد الطرفين فإن العقود الجائزة تنقلب لازمة دفعاً للضرر».
(2)
قوله «وَجُنُوْنِهِ»:
هذا هو الأمر الثالث، فتبطل الوكالة بجنون الوكيل أو الموكِّل لزوال أهلية التصرف، وقد سبق أن أهلية التصرف لا تتحقق إلا بأمور أربعة: «الحرية - البلوغ - العقل - الرشد».
ولكن أي أنواع الجنون الذي تبطل به الوكالة؟
قال أهل العلم: الجنون المطبق أي الدائم، أما إذا كان جنوناً مؤقتاً أو كان أحدهما قليل الجنون فهنا لا تبطل لأنها تأخذ حكم الإغماء، والإغماء على القول الصحيح لا تبطل به الوكالة لأنه بمنزلة النوم.
(3)
قوله «وَالْحَجْرِ عَلَيْهِ لِسَفَهِهِ»:
هذا هو النوع الرابع مما تبطل به الوكالة وقد سبق بيان الحجر وما يتعلق به من أحكام، فإذا حجر على أحد المتعاقدين بالوكالة «الموكل - الوكيل» لسفه أحدهما فإن الوكالة تبطل، فإذا حجر على الموكل لسفه فإن تصرفاته غير نافذة في شؤونه الخاصة، فتصرفات وكيله من باب أولى أما الوكيل إذا حجر عليه لسفهه، فإنه لما منع من التصرف فيما يختص به كان الأولى أن يمنع من التصرف في حق غيره.
وقول المؤلف «وَالْحَجْرِ عَلَيْهِ لِسَفَهِهِ» فهم منه أنه إذا حجر عليه لفلسه أنها لا تبطل لأنه لم يخرج بالفلس عن أهلية التصرف فصحت وكالته، فإن كانت الوكالة متعلقة بما حجر عليه فيه وهو عين ماله بطلت بفلسه لانقطاع تصرفه فيه
ولو كان الحجر على الوكيل لم تتأثر الوكالة بذلك لكمال أهليته لأن الوكالة=
الجزء: 4 - الصفحة: 202
وَكَذلِكَ الشَّرِكَةُ وَالْمُسَاقَاةُ وَالْمُزَارَعَةُ وَالْجَعَالَةُ وَالْمُسَابَقَةُ (1)، وَلَيْسَ لِلْوَكِيْلِ أَنْ يَفْعَلَ إِلاَّ مَا تَنَاوَلَهُ الإِذْنُ لَفْظًا أَوْ عُرْفًا (2)، وَلَيْسَ لَهُ تَوْكِيْلُ غَيْرِهِ (3)
= ليست من التصرفات المالية التي سلبت أهليته فيها.
(1) قوله «وَكذلِكَ الشَّرِكَةُ وَالْمُسَاقَاةُ وَالْمُزَارَعَةُ وَالْجَعَالَةُ وَالْمُسَابَقَةُ»: أي كل هذه المذكورات تبطل بموت أو عزل أو جنون أو الحجر عليه لسفه أحد المتعاقدين، وسيأتي - إن شاء الله - بيان ذلك موضحاً في موضعه.
(2)
قوله «وَلَيْسَ لِلْوَكِيْلِ أَنْ يَفْعَلَ إِلاَّ مَا تَنَاوَلَهُ الإِذْنُ لَفْظًا أَوْ عُرْفًا»:
أي ليس للوكيل أن يفعل إلا ما تناوله إذن الموكل لفظاً أو عرفاً، لفظاً كأن يقول له بع سيارتي بعشرة آلاف فليس له أن يبيعها بأقل من ذلك، وإن قال له بع سيارتي وسكت لم يبيعها بقرض ولا نسيئة ولا بغير نقد البلد لأن العرف ينصرف إلى ذلك، ولو باعها بثمن المثل أو بأكثر منه فالقرينة العرفية تقتضي صحة ذلك.
(3)
قوله «وَلَيْسَ لَهُ تَوْكِيْلُ غَيْرِهِ»:
أي ليس للوكيل أن يوكل غيره فيما أسند إليه نيابة عن الموكل فلو وكَّل إنسان فلاناً من الناس ليبيع له سيارة فليس له أن يوكل غيره، لأن التوكيل كان له بنفسه فقد يكون الموكل يثق فيه هو ولا يثق في غيره، لاسيما في الأمور التي يختلف فيها القصد اختلافاً كبيراً كالزكاة مثلاً إذا وكل بها شخصاً فإنما وكله لعلمه به وثقته به لأن أمرها عظيم وربما يثق في فلان ولا يثق في فلان، فإذا أراد الموكل أن يوكل غيره فلابد من إذن الوكيل.
والموكل عند توكيله لغيره له حالات:
الحالة الأولى: أن ينهاه الموكل عن التوكيل فهنا لا يجوز له أن يوكل غيره.
الحالة الثانية: أن يأذن له في التوكيل فيجوز أيضاً.
الجزء: 4 - الصفحة: 203
وَلا الشِّرَاءُ مِنْ نَفْسِهِ (1)،
الحالة الثالثة: أن يطلق الوكالة فهذا لا يخلو من أربعة أحوال أيضاً:
الأولى: أن يكون العمل مما لا يتناسب مع الموكل كالأعمال الدنيئة مع أشراف الناس، كأن يقول لقاضي أو أمير ونحوه إني مسافر وأوكلك في علف دابتي مثلاً فهذه مما لا يفعله الوكيل بنفسه عادة فهنا يوكل من يشتري له علفاً لدابته وإن لم يؤذن له في ذلك.
الثانية: أن يكون العمل مما يتناسب معه لكنه عمل كثير لا يستطيع أن يؤديه وحده، كأن يكون وكله في بيع أموال كثيرة، وقال له اصرف هذه الأموال في شهر كذا لا تتعدى هذا الشهر، ولا يمكن له أن يباشر هذه الأعمال وحده وينتهي الشهر ولم ينتهي منها، فهنا يجوز له أن يوكل أحداً معه ويكون إذن الموكل معلوماً من قرينة الحال.
الثالثة: أن يكون العمل مناسباً له، ويستطيع أن يؤديه بغير كلفة عليه، فهذا لا يجوز له أن يوكل غيره إلا بإذن الموكل.
الرابعة: أن يكون العمل مما يعجز عن القيام بمثله عادة مثل أن يوكل رجلاً ضعيفاً في حمل حجر كبير إلى سطح منزل، فهذا رجل ضعيف لا يستطيع حمل هذا الحجر وحده فله أن يوكل من يحمل هذا الحجر إلى سطح المنزل.
(1)
قوله «وَلا الشِّرَاءُ مِنْ نَفْسِهِ»:
إذا وكل في بيع فإنه لا يبيع على نفسه لأنه متهم في ذلك، وهذا هو المذهب وهو قول الحنفية 393، والشافعية 394، وعلى ذلك لو وكلته في بيع سيارة أو بيع بيت فباعه على نفسه لا يصح البيع، =
الجزء: 4 - الصفحة: 204
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
=وذهب المالكية (1)، وهو رواية في مذهب أحمد (2) إلى جواز البيع على النفس لكن بشرطين:
1 - أن يزيد على مبلغ ثمنه في النداء.
2 - أن يتولى النداء غيره.
والأظهر عندي ما ذهب إليه الجمهور.
ذكر بعض الفوائد
:
-
الفائدة الأولى: هل له أن يبيع على ولده أو والده ومن لا تقبل شهادته له؟ على روايتين في المذهب (3): الرواية الأولى: وهي المذهب أنه لا يجوز لحصول التهمة بذلك ولما قد يحصل فيه من المحاباة.
-
الرواية الثانية: جواز ذلك إلا إذا ظهرت المحاباة لأنه وكله في البيع ولم يقل له لا تبع على هؤلاء، فاللفظ يشمل هؤلاء وهؤلاء، والأحوط عندي أن لا يبيع عليهم لحصول التهمة ولما يحصل فيه من المحاباة.
-
الفائدة الثانية: قال بعض العلماء إذا كان البيع في المزايدة وانتهى الثمن على ولده أو نفسه فإن البيع يصح لأنه ليس فيه تهمة، والأحوط عندي أن لا يبيع على نفسه حتى وإن كان في المزاد العلني.
-
الفائدة
الثالثة: إذا حدد الموكل الثمن للوكيل
وقال بعها بكذا فاشتراها الوكيل لنفسه بالسعر الذي حدده الموكل جاز هذا البيع اللهم إلا إذا كان الموكل لا يعلم سعر السلعة التي حددها وسعرها أكثر مما حددها به والوكيل يعلم ذلك فهذا لا يجوز لما فيه من الغش.395396397
الجزء: 4 - الصفحة: 205
وَلا الْبَيْعُ لَهَا، إِلاَّ بِإِذْنٍ (1)، وَإِنِ اشْتَرَى لإِنْسَانٍ مَا لَمْ يَأْذَنْ لَهُ فِيْهِ، فَأَجَازَهُ، جَازَ، وَإِلاَّ لَزِمَ مَنِ اشْتَرَاهُ (2) (1)
قوله «وَلا الْبَيْعُ لَهَا، إِلاَّ بِإِذْنٍ»:
الضمير يعود على الوكيل، أي كما أنه لا يشتري لنفسه لا يجوز أن يبيع لنفسه لأن العرف في البيع بيع الرجل من غيره فحملت الوكالة عليه.
(2)
قوله «وَإِنِ اشْتَرَى لإِنْسَانٍ مَا لَمْ يَأْذَنْ لَهُ فِيْهِ، فَأَجَازَهُ، جَازَ، وَإِلاَّ لَزِمَ مَنِ اشْتَرَاهُ»:
سبق أن بينا حكم بيع الفضولي، وكذلك الحكم هنا قريباً منه وهو أن يشتري الإنسان ما لم يأذن له فيه، اختلف الفقهاء في ذلك على ثلاثة أقوال:
القول الأول: أنه إذا اشترى الوكيل شيئاً لم يأذن له فيه الموكل.
فإن الشراء صحيح، ويكون موقوفاً على إجازة الموكل فإن أجازه صح ولزم الموكل.
وإن لم يجزه لزم الوكيل لأن الشراء صدر منه ولا يلزم الموكل لأنه لم يأذن له في شرائه، وهذا ما ذكره المؤلف، وهو رواية في مذهب الإمام أحمد 398.
القول الثاني: أن الشراء له باطل، لأن الموكل لم يرض بخروج نقوده من ملكه على غير الوجه الذي يرتضيه، والبدل الذي وقع عوضاً له خلاف مطلوبه، وهذا قول الشافعية 399، وهو الصحيح من المذهب عند الحنابلة 400 إذا كان التزم بعين مال الموكل.
القول الثالث: أن الشراء صحيح ويكون للوكيل لا للموكل وهذا قول =
الجزء: 4 - الصفحة: 206
وَالْوَكِيْلُ أَمِيْنٌ (1)،
=الحنفية (1)، والمالكية (2)، ورواية في مذهب الإمام أحمد (3)، وذلك لأن العقد يعتمد على صحة عبارة العاقد لكونه أهلاً لذلك، فإذا فسدت الإنابة بقي العقد على أصله وهو الصحة.
والأظهر عندي هو القول الأول، وأن حكمه في ذلك حكم تصرف الفضولي في البيع، فالأمر راجع إلى الموكل فهو بالخيار بين الإمساك والرد على الوكيل.
(1)
قوله «وَالْوَكِيْلُ أَمِيْنٌ»:
أي الوكيل مؤتمن على مال الموكل لأن المال حصل بيده بإذن مالكه.
لكن ما هو الضابط في حد المؤتمن؟
نقول الضابط كل من كان المال بيده بإذن من الشرع أو إذن من المالك، كولي اليتيم وناظر الوقف والموصي إليه والمستأجر الذي تحت يده العين المؤجرة والوكيل الذي حصلت بيده الوكالة بإذن من الموكل.
ومتى ترفع الأمانة؟ ترفع إذا فرط أو تعدى وصارت يده غير أمينة، و
ماذا يترتب على كون الوكيل أمين
اً؟ يترتب على كون الوكيل أميناً أن القول يكون قوله في دفع الضمان عن نفسه - كما سيأتي إن شاء الله -، بمعنى أنه لو ادعى الموكل عليه التعدي أو التفريط، فأنكر الوكيل ذلك، كان القول قوله مع يمينه في دفع الضمان عن نفسه، لأن مبنى الوكالة على التسامح والتيسير والإرفاق بالناس، فيقبل فيها قول الأمين مع يمينه في دفع الضمان عن نفسه، وإلا امتنع الناس عن الدخول في الأمانات وفي ذلك من الضرر ما فيه.401402403
الجزء: 4 - الصفحة: 207
لا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِيْمَا يَتْلَفُ، إِذَا لَمْ يَتَعَدَّ (1)، وَالْقَوْلُ قَوْلُهُ فِيْ الرَّدِّ وَالتَّلَفِ وَنَفْيِ التَّعَدِّيْ (2) (1)
قوله «لا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِيْمَا يَتْلَفُ، إِذَا لَمْ يَتَعَدَّ»:
ما ذكره المؤلف هنا بيان للحكم الذي يترتب على كونه أميناً، فإنه إذا كان أميناً وتلف المال بيده بلا تعد منه فإنه لا ضمان عليه فيما أتلفه لأنه أثناء قيامه بتنفيذ الوكالة مقيد بما يقضي به الشرع من عدم الإضرار بالموكل لقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «لا ضَرَرَ وَلا ضِرَارَ» (1)، ومقيد بما يأمره به الموكل، كما أنه مقيد بما يقضي به العرف إذا كانت مطلقة عن القيود، فإذا تعدى الوكيل فيما تحت يده من مال لموكله أو فرط في المحافظة عليه كان ضامناً لما أتلفه، فلو حمل على الدابة فوق طاقتها أو ضيع المال الذي تحت يده ولا يعرف كيف ضاع أو وضعه في محل فنسيه كان ضامناً لمال موكله، ولكن ما كيفية الضمان؟ نقول: كيفية الضمان تكون كالأتي: إذا كان المال مثلياً كان الوكيل ضامناً لمثله، وإن كان قيمياً ضمن قيمته، وكذلك إذا كان مثلياً وتعذر الحصول على المثل فإنه يضمن، وتعتبر القيمة التي يضمنها الوكيل بقيمة الشيء يوم التعدي والتلف أو الهلاك لا من أي وقت آخر فلا غرر فيما زاد أو نقص فيها عن هذا الوقت، وقد سبق بيان ذلك في باب الضمان.
(2)
قوله «وَالْقَوْلُ قَوْلُهُ فِيْ الرَّدِّ وَالتَّلَفِ وَنَفْيِ التَّعَدِّيْ»:
أي القول قول الوكيل في نفي التفريط والتعدي والهلاك مع يمينه وذلك لأن الأصل عدم التفريط ولأن الموكل قد ائتمنه على ذلك.404
الجزء: 4 - الصفحة: 208
وَإِذَا قَضَى الدَّيْنَ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ، ضَمِنَ (1)، إِلاَّ أَنْ يَقْضِيَهُ بِحَضْرَةِ الْمُوَكِّلِ (2)، - فائدة: هل يقبل قول الموكل في طلب التفصيل بمعنى أن يقول الموكل بأي شيء تلفت؟ وكيف تلف؟ ومتى تلف؟ نقول لا يُلزم بالتفصيل لكن لو ادعاه بسبب ظاهر فقال الدكان قد احترق أو انهدم ونحو ذلك فلا بد من بينة.
(1)
قوله «وَإِذَا قَضَى الدَّيْنَ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ، ضَمِنَ»:
أي إذا قضى ديناً عن الموكل وقد وكله بقضائه عنه ولم يكن مع الوكيل ما يثبت سداده عنه وأنكر الغريم «صاحب الدين» السداد ضمن الوكيل ذلك لأنه مفرط حيث لم يُشهد والمفرط ضامن، فللموكل الرجوع على الوكيل، لأنه أذن له في قضاءً يبرئه، وهذا هو المذهب عند الإمام أحمد (1)، ومذهب الشافعي (2). وذهب الإمام أبو حنيفة (3)، وهو وجه لأصحاب الشافعي، ورواية في مذهب أحمد أنه لا يرجع عليه بشيء لأنه لم يطلب إلا أن يكون أمره بالإشهاد فلم يفعل، وعليه فإن صدقه الموكل في الدفع لم يرجع عليه بشيء، وإن كذبه فالقول قول الوكيل بيمينه لأن الوكيل ادعى فعل ما أمره به موكله، فكان القول قوله كما لو أمره ببيع سيارته فادعى أنه باعها، وهذا هو الأظهر عندي.
(2)
قوله «إِلاَّ أَنْ يَقْضِيَهُ بِحَضْرَةِ الْمُوَكِّلِ»:
أي إن قضى الدين بحضرة الموكل فإنه لا يضمن، لأن حضور الموكل مترتب على رضاه بقضاء الدين بغير بينة، وقد سبق الخلاف فيما إذا قضاه عنه بدون حضوره وبغير بينة.405406407
الجزء: 4 - الصفحة: 209
وَيَجُوْزُ التَّوْكِيْلُ بِجُعْلٍ وَبِغَيْرِهِ (1)، وَلَوْ قَالَ: بِعْ هَذَا بِعَشَرَةٍ، فَمَا زَادَ، فَلَكَ، صَحَّ (2). (1)
قوله «وَيَجُوْزُ التَّوْكِيْلُ بِجُعْلٍ وَبِغَيْرِهِ»:
هذا بالاتفاق بين الفقهاء، فالوكالة يجوز فيها الأمران: أن تكون بجعل أو بدون جعل، وقد ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - الأمران، فقد وكل أنيساً في إقامة الحد، وعروة بن الجعد في شراء شاة، وعمرو بن أمية الضمري وأبا رافع في قبول النكاح، كل هؤلاء وكلهم بلا جعل، أما ما كان بجعل فقد كان يبعث عماله لقبض الصدقات ويجعل لهم جعلاً، ولهذا قال له ابنا عمه - صلى الله عليه وسلم - «قَدْ بَلَغْنَا النِّكَاحَ فَجِئْنَا لِتُؤَمِّرَنَا عَلَى بَعْضِ هَذِهِ الصَّدَقَاتِ فَنُؤَدِّىَ إِلَيْكَ كَمَا يُؤَدِّى النَّاسُ وَنُصِيبَ كَمَا يُصِيبُونَ» (1) يعنيان العمالة على الأجرة، فمتى اتفق الوكيل والموكل على الجعل وغيره وجب ذلك اتفاقاً، أما إذا لم يتفقا على الجعل واختلفا في ذلك؟
نقول: إذا لم يتفق الطرفان على الجعل فإن الوكيل لا يخلو من حالين:
الحالة الأولى: أن يكون ممن لا يعمل بالجعل فتكون الوكالة هنا تبرعاً لأن الأصل فيها ذلك، فإذا لم يشترط الأجرة حمل على الأصل.
الحالة الثانية: أن يكون الوكيل من أصحاب المهن الذين يعملون بالجعل كالسمسار والدلال ونحوه فهنا يستحق الوكيل الجعل ولو لم يتفقا عليه وقت التعاقد ويكون له جعل المثل.
(2)
قوله «وَلَوْ قَالَ: بِعْ هَذَا بِعَشَرَةٍ، فَمَا زَادَ، فَلَكَ، صَحَّ»:
وله الزيادة لكن هل يلزم أن يخبر الموكل بثمن البيع؟ نقول لا يلزم.408
الجزء: 4 - الصفحة: 210
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وهل يلزم أن يخبر المشتري بسعرها الذي حدده الموكل؟
قولان؛ قيل يلزم، وقيل لا يلزم.
وهو الصحيح إلا إذا رفع السعر عن حده لأن فيه غبناً.
ذكر بعض الفوائد
:
الفائدة الأولى: شروط استحقاق الجعل في الوكالة
:
إذا كانت الوكالة بجعل فقد اشترط الفقهاء للاستحقاق بجعل شروطاً هي:
1 - أن يكون العمل الموكل به معلوماً علماً يمكن معه إنفاذ الوكالة.
2 - أن يكون الجعل معلوم المقدار.
3 - أن لا يكون الجعل من الموكل به ولو كانت كذلك فسدت التسمية واستحق الوكيل أجر المثل، وهذا الشرط عند بعض الفقهاء.
والصحيح: أنه لا يشترط ذلك كما سبق، فلو جعل له جعلاً في قيمة شيء يبيعه لصح.
4 - أن يقوم الوكيل بتنفيذ الوكالة تنفيذاً صحيحاً.
- الفائدة الثانية: إذا عُزِل الوكيل هل بمجرد العزل تنتهي الوكالة؟
مثل أن يبلغ الموكَل أن وكيله يتصرف في ماله كثيراً فقال أمام الشهود أن قد عزلته، ثم تصرف بعد عزله بدون علمه أنه عزله فهل يضمن ما تصرف فيه؟ نقول قولان: الصواب: أنه لا يضمن إلا بعد علمه بعزله.
- الفائدة الثالثة: الوكيل في الخصومة ليس وكيلاً بالقبض لأنه قد يكون أهلاً للخصومة وليس أهلاً للقبض، وكذا الوكيل في القبض ليس وكيلاً في=
الجزء: 4 - الصفحة: 211
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . =الخصومة بل لو ذهب وكيل القبض إلى من عنده الحق ثم أنكر فهنا يرجع الوكيل للموكل ويخبره ويطلب توكيله في الخصومة.
الفائدة الرابعة: الوكالة نوعان
: وكالة خاصة ووكالة عامة.
الوكالة الخاصة
: هو ما كان إيجاب الموكل فيها خاصاً بتصرف معين، كأن يوكل إنساناً في بيع سلعة معينة، وفي هذه الحالة لا يكون للوكيل التصرف إلا فيما وكل به.
الوكالة العامة
: كأن يقول الموكل للوكيل أنت وكيلي في كل شيء أو في القليل والكثير، وهذه محل خلاف بين الفقهاء:
وقد ذهب الحنفية 409، والمالكية 410 إلى صحة الوكالة العامة ولهم تفصيلات في ذلك.
وذهب الشافعية 411، والحنابلة 412 إلى عدم صحة التوكيل العام لأنه يشترط أن يكون الموكل فيه معلوماً من بعض الوجوه حيث يقل معه الغرر ويحصل معه الخطر.
الجزء: 4 - الصفحة: 212
بَابُ الشَّرِكَةِ
(1) الشرح:
(1)
قوله «بَابُ الشَّرِكَةِ»:
الشركة في اللغة: مصدر شركتك في الأمر أشركتك شركاً، وشِرْكة، وشَرِكة، أي صرت شريكاً لك في المال.
أما في الاصطلاح: فهي الاجتماع في استحقاق أو تصرف، فالاستحقاق يعني أن يشترك شخصان في ملك شيء ملكاه، إما بشراء أو إرث أو هبة أو وصية.
أما التصرف: فالمراد به الاجتماع في التصرف بأن يجتمع اثنان في ماليهما بالتصرف فيهما، فيكون لكل واحد منهما التصرف بالشركة بالبيع والشراء ونحوهما، وهذا النوع هو المراد في هذا الباب.
أما
حكمها الشرعي
: فقد جاء بها الكتاب، والسنة، وانعقد الإجماع على جوازها.
أما دليل الكتاب: فقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ كَثِيراً مِنْ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ .. ﴾ 413 أي الشركاء، وقال تعالى عن موسى عليه الصلاة والسلام: ﴿وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي﴾ 414 أي أجعله شريكاً لي في شأني وهو الرسالة، وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾ 415، هذا اجتماع في استحقاق، وتسمى شركة أملاك كما سبق.
أما دلالة السنة على جوازها: فقد ورد في ذلك أحاديث كثيرة منها حديث=
الجزء: 4 - الصفحة: 213
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
=السائب بن السَّائِبِ «قَالَ لِلنَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - كُنْتَ شَرِيكِي فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَكُنْتَ خَيْرَ شَرِيكٍ لَا تُدَارِينِي وَلَا تُمَارِينِي» (1).
أما الإجماع: فقد انعقد الإجماع على مشروعيتها، قال ابن قدامة (2) في المغني أجمع المسلمون على جواز الشركة في الجملة وإنما اختلفوا في أنواع منها.
الحكمة من مشروعية الشركة:
الحاجة داعية إليها لما فيها من التعاون والألفة والنصح، وكثرة العمل المثمر، وغير ذلك، لأن من الناس من يملك المال الكثير لكن ليس عنده المهارة الكافية لممارسة التجارة، فهو محتاج إلى من يقوم بذلك، كما يوجد من لا يملك المال وعنده المهارات والخبرات والشيء الكثير، فباجتماع هؤلاء وهؤلاء يستفيد المجتمع كله وتسعد الأمة في بناء اقتصادها بناءً سليماً.
- فائدة:
حكم عقد الشركة
:
يرى عامة الفقهاء أن عقد الشركة من العقود الجائزة غير اللازمة بمعنى أن لكل من الشركاء فسخه متى شاء ولو بدون رضا الآخر وذلك لتضمن عقد الشركة توكيل كل شريك لصاحبه والوكالة عقد غير لازم.
ويرى الحنفية 418 أنه لا بد من علم الشريك الآخر بالفسخ، فإن لم يعلم به فلا تنفسخ الشركة حتى يعلم لأن في الفسخ من دون علم شريكه بذلك إضراراً به والضرر ممنوع.416417
الجزء: 4 - الصفحة: 214
وَهِيَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَضْرُبٍ (1): - فائدة: في أركان وشروط الشركة: أركان الشركة أربعة وهي: الصيغة - العاقدان - المعقود عليه «محل العقد».
أولاً:
الركن الأول: الصيغة
: وهو التعبير الصادر من كل من المتعاقدين الدال على إرادة إنشائه، وتتكون من الإيجاب والقبول وتنعقد بكل ما دل عليه مقصودها من قول أو فعل.
الركن الثاني والثالث: العاقدان: وهما طرفا العقد اللذان لا يتم انعقاده إلا بهما، ولابد أن يكون كل من العاقدين ممن تتوفر فيه الأهلية المباشرة للعقد ولا يكون ذلك إلا بأوصاف أربعة كما سبق «البلوغ - الرشد - العقل - كونه غير محجور عليه».
الركن الرابع: المعقود عليه
: ويقصد به رأس مال الشركة، وقد يكون مالاً وقد يكون عملاً، ولا بد من أن يكون رأس مال الشركة موجوداً، فلا يجوز أن يكون ديناً ولا مالاً غائباً، لأنه لا يمكن التصرف فيه لتحصيل مقصود الربح حيث لا يؤمن أداء الدين وحضور المال الغائب عند الحاجة إليه، أما شروط الشركة بمعناها العام فهي:
1 - أن يكون كل من العاقدين جائز التصرف.
2 - أن يكون المالان معلومين للشريكين.
3 - حضور المال، فلا تصح الشركة بمال غائب.
4 - اشتراط جزء معلوم من الربح لكل منهما.
(1)
قوله «وَهِيَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَضْرُبٍ»:
يعني شركة العقود على أربعة أضرب وسيذكرها المؤلف.
الجزء: 4 - الصفحة: 215
شَرِكَةُ الْعِنَانِ (1)، وَهِيَ: أَنْ يَشْتَرِكَا بِمَالَيْهِمَا وَبَدَنَيْهِمَا (2) (1)
قوله «شَرِكَةُ الْعِنَانِ»:
هذا هو النوع الأول من أنواع الشركات وهي ما تسمى بشركة العنان، والعنان بكسر العين وضمها «العُنان» وهي من إضافة الشيء إلى نوعه لأن الشركات أجناس وأفرادها أنواع، والعنان قيل: أنها مشتقة من أعنة الخيل، فالشريكان كالمتسابقين كل منهما قد أمسك بعنان فرسه.
وقيل: من «عنَّ له» إذا طرأ عليه كأن كل منهما طرأ عليه أن يشارك الأخر، وقيل: مشتقة من العُنان من عنَّ يَعِنُّ إذا ظهر أمامك وذلك لظهور مال كل من الشريكين لصاحبه أو لأنها أظهر أنواع الشركة.
أما تعريفها في الاصطلاح: فقد اختلف الفقهاء في تعريفها، لكن أولى التعريفات لها أنها: عقد يلتزم بمقتضاه شخصان أو أكثر بأن يساهم كل منهم بدفع حصة معينة في رأس مال يتجرون به ويقتسمون ما ينتج عنه من أرباح.
(2)
قوله «وَهِيَ: أَنْ يَشْتَرِكَا بِمَالَيْهِمَا وَبَدَنَيْهِمَا»:
هذا هو تعريفها، وهي أن يشترك شخصان أو أكثر «بِمَالَيْهِمَا»، أي المعلوم بان يدفع كل منهما حصة معينة في رأس المال ولو كان متفاوتاً، كأن يدفع أحدهما عشرة آلاف والأخر خمسة آلاف «بَدَنَيْهِمَا»، أي بأن يعملا في هذا المال ببدنيهما أو يعمل فيه أحدهما بشرط أن يكون له من الربح أكثر من ربح صاحبه.
وحكم هذه الشركة: الجواز باتفاق الفقهاء، دليلها ما ثبت عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ قَالَ «إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ أَنَا ثَالِثُ الشَّرِيكَيْنِ مَا لَمْ يَخُنْ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ فَإِذَا خَانَهُ خَرَجْتُ مِنْ بَيْنِهِمَا» 419، وما ورد عَنْ أَبِى عُبَيْدَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ اشْتَرَكْتُ أَنَا وَعَمَّارٌ وَسَعْدٌ فِيمَا نُصِيبُ يَوْمَ بَدْرٍ قَالَ فَجَاءَ سَعْدٌ بِأَسِيرَيْنِ وَلَمْ=
الجزء: 4 - الصفحة: 216
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . =أَجِئْ أَنَا وَعَمَّارٌ بشيء» 420.
- فائدة: شروط شركة العنان:
1 - أن يكون رأس المال من النقد دون العروض، وهذا اشترطه صاحب العدة في شرح العمدة، وهو شرط في المذهب، أي يشترط أن يكون رأس المال من النقدين «الذهب والفضة» المضروبين «وهو الذي جعل سكة ونقداً»، وهناك قول آخر في هذا الشرط أنه يصح أن يكون رأس المال من عروض التجارة، لكن يقوَّم عند عقد الشركة بنقد حتى إذا حصل فسخ رجعنا إلى القيمة ويقسم الربح حسب الشرط، وهذا هو القول الصحيح، وهو اختيار شيخنا -رحمه الله- 421.
2 - أن يكون لكل واحد منهما جزء من الربح، وأن يكون مشاعاً معلوماً، ومعنى كونه مشاعاً أي مشتركاً، فيكون المضارب والمضارب له شريكين في كل حبة، فلو لم يذكر الربح أو شرطاً لأحدهما جزءًا مجهولاً أو دراهم معلومة كأن يقول لك من الربح عشرة آلاف والباقي لي وشرط له ربح شيء يضارب به كأن يقول ربح هذه السيارات لي وربح الأطعمة هذه لك فهذا كله لا يصح لأن الشركة مبنية على أصل وهو اشتراك الشريكين في المغنم والمغرم.
3 - أن يكون المال معلوماً للشريكين، فلا يجوز أن يكون مجهولاً لأنه لا بد أن نرجع عند فسخ الشركة إلى المال، فكل شخص يريد ماله ولا يمكن الرجوع إلى المال إلا بمعلوميته عند عقد الشركة.
الجزء: 4 - الصفحة: 217
وَشَرِكَةُ الْوُجُوْهِ (1)، وَهِيَ: أَنْ يَشْتَرِكَا فِيْمَا يَشْتَرِيَانِ بِجَاهِهِمَا (2)،
4 - أن يكون العاقدان جائزي التصرف وقد سبق بيان ذلك.
(1) قوله «وَشَرِكَةُ الْوُجُوْهِ»: هذا هو النوع الثاني أو الضرب الثاني من أضرب الشركة في العقود، والمراد بالوجه هنا الجاه، وجاه الإنسان يعني شرفه وقيمته عند الناس ومنزلته بينهم، وتكييفها الفقهي هنا أنها تقوم على الاشتراك والتعامل في البيع والشراء نتيجة لما يتمتع به الشركاء من الوجاهة والثقة عند التجار دون أن يكون هناك رأس مال للشركة، فهي تقوم على شراء شيء نسيئة وبيعه نقداً، وقد اختلف الفقهاء في جوازها.
والراجح جوازها لأنها تقوم على البيع والشراء وهو عمل وذلك إلى جانب الوجاهة، كما أنه ليس فيها غرر، وجهالة الكسب لا يمنع الصحة لأن الكسب في كل أنواع الشركات مجهول ولم يمنع صحتها لأن العبرة إنما هي بمعرفة مقدار النصيب من الربح، وما زال الناس يتعاملون بهذا النوع من الشركات، وفي التعامل بهذا النوع من الشركات مصالح كثيرة للفرد والجماعة والإسلام يحرص على مراعاة المصالح.
(2)
قوله «وَهِيَ: أَنْ يَشْتَرِكَا فِيْمَا يَشْتَرِيَانِ بِجَاهِهِمَا»:
وقد سبق بيان ذلك، فما ربح فهو بينهما على ما شرطاه نصفين أو أثلاثاً أو أرباعاً، وكذلك الوضيعة على قدر ملكيهما فيه فما رزق الله تعالى فهو بينهما على ما شرطاه وقد يكون أحدهما أحذق من الآخر ويشترط أن يكون له من الربح أكثر من الثاني وقد يتساويان وكل هذا جائز.
ذكر بعض الفوائد
:
- الفائدة الأولى: شركة الوجوه كل واحد من الشريكين وكيل صاحبه وهذا =
الجزء: 4 - الصفحة: 218
وَالْمُضَارَبَةُ، وَهِيَ: أَنْ يَدْفَعَ أَحَدُهُمَا إِلَى الآخَرِ مَالاً يتَّجِرُ فِيْهِ وَيَشْتَرِكَانِ فِيْ رِبْحِهِ (1) =هو مقتضاها فيكون وكيله في البيع والشراء وسائر التصرفات المالية التي هي من مصلحة الشركة.
- الفائدة الثانية: شركة الوجوه يكون كل شريك كفيل عن صاحبه بالثمن ما دام أن البائع باع عليهما بجاهيهما، فلو فرض أن أحدهما أخذ السلعة وهرب وبقي واحد منهما، فالذي لم يهرب يضمن الذي هرب.
- الفائدة الثالثة: الوضيعة «الخسارة» على قدر ملكيهما، فإذا اتفق على أن يكون لزيد قدر الثلث ولعمرو قدر الثلثين وخسر المال فيكون لعمرو قدر الثلثين من الخسارة، ولزيد قدر الثلث، لأن الوضيعة على قدر المال في جميع الشركات.
- الفائدة الرابعة: لو قدَّر أن المال تلف بغير تعدٍ ولا تفريط فهل يضمنان لمن أعطاهما بوجهيهما أو لا؟ الجواب نعم يضمنان، لأنهما أخذا هذا المال على أنه ملك لهما، عليهما غرمه ولهما غنمه، وليس هذا من باب المضاربة أو من باب الأمانة أو ما أشبه ذلك بل هذا بيع وشراء.
(1)
قوله «وَالْمُضَارَبَةُ، وَهِيَ: أَنْ يَدْفَعَ أَحَدُهُمَا إِلَى الآخَرِ مَالاً يتَّجِرُ فِيْهِ وَيَشْتَرِكَانِ فِيْ رِبْحِهِ»:
هذا هو النوع الثالث من أنواع الشركات «شركات العقود» مأخوذة من الضرب في الأرض، كما قال تعالى ﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ 422، وهذا تسمية أهل العراق أي «شركة المضاربة»، وهي موافقة للقرآن.
الجزء: 4 - الصفحة: 219
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
=ويسميها أهل الحجاز بالقراض، من القرض وهو القطع، لأن المالك قطع للعامل قطعة من ماله وأعطاها له مقارضة يتجر بها.
والمقارضة والقراض: دفع مال إلى شخص يتجر به (1).
حكم هذا النوع من الشركات
: الجواز؛ فهي جائزة بإجماع (2) أهل العلم،
أما صفتها الشرعية: فهي كما ذكر المؤلف أن يتفق اثنان أو أكثر يقدم أحدهما مالاً والآخر عملاً ويكون الربح بينهما حسب الاتفاق.
مثال ذلك: أعطى رجل مائة ألف ريال، وأقول له خذ هذا المال فاتجر به ولك نصف الربح أو ثلثه أو ربعه ولابد من تحقق شروطها وهي التي تم ذكرها في شركة العنان وهذه الشروط هي:
1 - أن يكون العاقدان جائزي التصرف.
2 - أن يكون المال المتجر به - المضارب به - معلوماً للشريكين.
3 - أن يكون الربح جزءً معلوماً مشاعاً النصف مثلاً - الربع - الثلث، فإن قال خذ هذا المال مضاربة ببعض ربحه فلا يجوز.
أقسام شركة المضاربة،
تنقسم المضاربة إلى قسمين
:
1 - المضاربة المطلقة: وهي أن يدفع فيها المالك المال مضاربة إلى العامل من غير تقييد العمل والمكان والزمان ومن يتعامل المضارب معه، وهذا النوع يخول للمضارب بما يراه محققاً للمصلحة وبما يتناوله عرف التجار.
2 - المضاربة المقيدة: وهي التي يدفع المالك المال فيها إلى العامل مضاربة=423424
الجزء: 4 - الصفحة: 220
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
=ويعين المكان والزمان أو من يتعامل معه المضارب، والفقهاء يختلفون في هذه القيود وما يجب الالتزام فيها.
والراجح عندي أن جميع القيود مقيدة وليس في القول بها مخالفة للشرع وإنما هو الرأي والاجتهاد، أما قول من يقول بأن في التقييد تضيقاً على العامل قد ينتج عنه عدم حصول الربح المطلوب فنقول ما دام أن الشريكين التزما الوفاء بها فإنه يجب الوفاء ويجب على المضارب الالتزام بما شرطه المالك لقوله - صلى الله عليه وسلم - «الْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ» (1).
ذكر بعض الفوائد
:
-
الفائدة الأولى: هل تصح المضاربة بالعروض «مثل العقارات - الدور - السيارات» وغير ذلك؟ الجواب: محل خلاف بين الفقهاء من أهل العلم من يمنعه قالوا لأن قيمتها تختلف من وقت لآخر.
وقال بعض جمهور الفقهاء بجواز المضاربة بالعروض وقالوا تُقيَّم هذه العروض بداية المضاربة، فيقول كم تساوي مثلاً؟ تساوي مائة ألف ثم يضارب بها، وهذا هو الرأي الراجح لأن الناس يحتاجون إلى ذلك، وهو اختيار شيخ الإسلام -رحمه الله- (2).
الفائدة الثانية: متى يملك المضارب حصته من الربح؟
هل يملكها بمجرد الربح أم بالقسمة؟425426
الجزء: 4 - الصفحة: 221
وَشَرِكَةُ الأَبْدَانِ (1)، وَهِيَ: أَنْ يَشْتَرِكَا فِيْمَا يَكْتَسِبَانِ بِأَبْدَانِهِمَا مِنَ الْمُبَاحِ (2)،
=قولان لأهل العلم.
والراجح أن ذلك حسب الشرط بينهما.
فلو قال المضارب حصتك عند الربح فيكون عند الربح، وإن اشترط صاحب المال أن تكون القسمة بعد سنة أو نحو ذلك فلا بد من ذلك، والمضارب هنا يريد مجرد الربح لأنه قد يخسر بعد ذلك فيخصم من الربح السابق، ولذلك نقول هنا حسب الشرط بينهما.
وإن لم يكن شرط فالأولى أن يبقى إلى نهاية الشركة إذا كانت نهايتها محددة سنة أو سنتين أو أكثر.
الفائدة الثالثة: متى تبطل المضاربة
؟ تبطل المضاربة بما يلي:
1 - موت أحد المتعاقدين.
2 - فسخ أحد المتعاقدين.
3 - مخالفة المضارب للشروط التي اتفق عليها مع صاحب العمل.
4 - تلف المال قبل التصرف فيه كأن يسرق قبل أن يعطيه المضارب مثلاً.
(1)
قوله «وَشَرِكَةُ الأَبْدَانِ»:
هذا هو النوع الرابع من أنواع شركات العقود، وهي أن يشترك اثنان فأكثر فيما يكتسبون من صنائعهم، كالحدادة، والخياطة، والنجارة، وأعمال البناء، ونحو ذلك، أو يشتركوا فيما يكتسبون من المباح كالاحتشاش، والاحتطاب، وسائر المباحات.
(2) قوله «وَهِيَ: أَنْ يَشْتَرِكَا فِيْمَا يَكْتَسِبَانِ بِأَبْدَانِهِمَا مِنَ الْمُبَاحِ»: أي ليس فيها مال وإن كان كل واحد منهما عنده مال لكن لم يشتركا فيه وقوله «مِنَ الْمُبَاحِ» خرج منه ما ليس مباحاً فلا يجوز أن يشتركا في صناعة خمر مثلاً.
الجزء: 4 - الصفحة: 222
إِمَّا بِصِنَاعَةٍ، أَوْ احْتِشَاشٍ، أَوِ اصْطِيَادٍ أَوْ نَحْوِهِ (1) كَمَا رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُوْدٍ أَنَّهُ قَالَ: اشْتَرَكْتُ أَنَا وَسَعْدٌ وَعَمَّارٌ يَوْمَ بَدْرٍ، فَجَاءَ سَعْدٌ بِأَسِيْرَيْنِ، وَلَمْ آتِ أَنَا وَعَمَّارٌ بِشَيْءٍ (2)، (1) قوله «إِمَّا بِصِنَاعَةٍ، أَوْ احْتِشَاشٍ، أَوِ اصْطِيَادٍ أَوْ نَحْوِهِ»: أو غير ذلك من الأعمال الحديثة كهندسة أو ميكانيكا أو كهرباء أو طب ونحو ذلك، فكل هذا جائز.
(2)
قوله «كَمَا رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُوْدٍ أَنَّهُ قَالَ: اشْتَرَكْتُ أَنَا وَسَعْدٌ وَعَمَّارٌ يَوْمَ بَدْرٍ، فَجَاءَ سَعْدٌ بِأَسِيْرَيْنِ، وَلَمْ آتِ أَنَا وَعَمَّارٌ بِشَيْءٍ»
(1). هذا الأثر رواه أبو داود، والنسائي، وقد سبق تخريجه.
ذكر بعض الفوائد
:
- الفائدة الأولى: إذا مرض أحد في شركة الأبدان فالكسب بينهما على ما شرطاه إذا كان النصف أو الربع أو الثلث حسب ما شرطاه، لكن هل لصاحبه أن يفسخ الشركة؟ نقول نعم وله أن يطالبه بمن يقوم مقامه.
- الفائدة الثانية: لو ترك أحد المتعاقدين في شركة الأبدان العمل بغير عذر فالمذهب 428 أن الكسب بينهما لأنه لا يمكن للشريك أن يطالب شريكه بمن يقوم مقامه ولم يفعل.
والصواب عندي أن ما كسبه في هذا اليوم الذي تغيب فيه شريكه بغير عذر فهو له يعني يختص به وحده لأنه ترك العمل بغير عذر والآخر انفرد بالكسب وحده.427
الجزء: 4 - الصفحة: 223
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
- الفائدة الثالثة: من أنواع الشركات التي لم يذكرها المؤلف شركة المفاوضة ومعناها أن يشتركا في جميع الشركات السابقة «العنان - الأبدان - الوجوه - المضاربة»، وهي أن يفوض كل واحد منهما إلى صاحبه كل تصرف مالي من أنواع هذه الشركات، وهذا ما عليه أكثر الشركات اليوم.
وقد اختلف الفقهاء في هذا النوع من الشركات: فمنهم من أجازها، ومنهم من منعها، وقال لو أننا أجزنا هذه الشركة وهي واسعة فلا تمكن الإحاطة بها، فهي مفاوضة قد تؤدي إلى الفوضى والغرر.
والصواب: أنه لا مانع من هذا النوع من الشركات بل عمل أكثر الناس عليه والحاجة تدعو إليها.
الفائدة الرابعة: الحكم الشرعي في بعض الشركات المعاصرة
؟
من المعلوم أنه قد استجد في الآونة الأخيرة شركات كثيرة كالشركات المدنية التي تقوم على أعمال مدنية، مثل الشركات التي تقوم بأعمال المناجم، أو التي تقوم بشراء الأراضي وبيعها، أو الشركات التجارية، وغير ذلك من الشركات المعاصرة.
نقول هذه الشركات وغيرها لا تخرج عن القواعد الشرعية للشركات الواردة في الفقه الإسلامي.
ولذلك نقول بجواز هذه الشركات لما يلي:
1 - أن الأصل في العقود الإباحة والجواز لأن الله تعالى قد أمر بالوفاء بالعقود فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ .. ﴾ 429.
الجزء: 4 - الصفحة: 224
وَالرِّبْحُ فِيْ جَمِيْعِ ذلِكَ عَلَى مَا شَرَطَاهُ (1)، 2 - أن السنة قد جاءت بالالتزام بالشروط التي يتفق عليها ولا تخالف الشريعة الإسلامية، قال - صلى الله عليه وسلم - «الْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ» (1). 3 - أن يتم استبعاد ما خالف الشريعة الإسلامية من شروط وأمور ممنوعة كاشتراط فائدة ثابتة لأي من الشركاء أو توزيع الخسائر بمقتضى اتفاق الشركاء دون اعتبار لمقدار نصيب كل شريك في رأس المال أو كانت الشركة قد أنشئت للتعامل فيما حرم الإسلام من بيع أو شراء أو استيراد أو غير ذلك، فلابد أن تكون الشركة موافقة للقواعد والأسس الشرعية، وما يتم من أمور تنظيمية أو إدارية أو غيرها فلا مانع منه لعدم مخالفته للنصوص والقواعد الشرعية.
الفائدة الخامسة: في أسباب انقضاء الشركة وانتهائها
:
1 - انقضاء المدة المحددة للشركة.
2 - انتهاء العمل الذي من أجله تأسست أو استحالة تنفيذه.
3 - الاتفاق على إنهاء الشركة قبل انقضاء مدتها.
4 - اجتماع الحصص في يد شريك واحد.
5 - اندماج الشركة في شركة أخرى.
6 - التأميم «نقل ملكية الشركة من الملكية الخاصة إلى العامة».
(1)
قوله «وَالرِّبْحُ فِيْ جَمِيْعِ ذلِكَ عَلَى مَا شَرَطَاهُ»:
أي والربح في جميع ما ذكر من أنواع الشركات على ما شرطه المتعاقدان لقوله - صلى الله عليه وسلم - «الْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ».430
الجزء: 4 - الصفحة: 225
وَالْوَضِيْعَةُ عَلَى قَدْرِ الْمَالِ (1)، وَلا يَجُوْزُ أَنْ يُجْعَلَ لأَحَدِهِمَا دَرَاهِمُ مُعَيَّنَةٌ، وَلا رِبْحُ شَيْءٍ مُعَيَّنٍ (2)، وَالْحُكْمُ فِي الْمُسَاقَاةِ وَالْمُزَارَعَةِ، كَذلِكَ (3)، (1)
قوله «وَالْوَضِيْعَةُ عَلَى قَدْرِ الْمَالِ»:
يعني والخسارة على قدر المال الذي بينهم، وهذا في جميع أنواع الشركات وقد سبق الإشارة إلى ذلك، فإذا اتفق الشريكان أن يكون لأحدهم الثلث وللآخر الثلثان وخسر المال، فتكون الخسارة لمن كان له الثلث بقدر الثلث، والخسارة لمن كان له الثلثان بقدر الثلثين، لأن الوضيعة - الخسارة - على قدر المال في جميع الشركات.
(2)
قوله «وَلا يَجُوْزُ أَنْ يُجْعَلَ لأَحَدِهِمَا دَرَاهِمُ مُعَيَّنَةٌ، وَلا رِبْحُ شَيْءٍ مُعَيَّنٍ»:
أي لابد أن يكون الربح مشاعاً معلوماً وقد سبق بيان ذلك، فإنه إذا كان الربح مجهولاً كأن يقول لك بعض الربح ولي بعضه والباقي لي فلا تصح لأنه مجهول، فلا بد من تعيين الربح المشاع، وكذلك إذا عيَّن شيئاً وقال أحدهما للأخر ربح السيارات لي وربح الطعام لك فهذا لا يصح لأنه ربما يربح في السيارات ولا يربح في الطعام، أو قال ربح السفر إلى مكة لي وربح السفر إلى المدينة لك، فلا يصح أيضاً لأنه قد يربح في مكة ولا يربح في المدينة أو العكس، الحاصل أنه لا بد من أن يكون الربح مشاعاً معلوماً «الثلث - الربع - الخمس»، وهكذا، وذلك لأن الأصل أن يشترك الاثنان في المغنم والمغرم.
(3)
قوله «وَالْحُكْمُ فِي الْمُسَاقَاةِ وَالْمُزَارَعَةِ، كَذلِكَ»:
المساقاة: هي أن يدفع الإنسان أرضه ونخله لشخص يقوم عليها بجزء من الثمر، والمزارعة أن يدفع الإنسان أرضه لمن يزرعها بجزء معلوم مشاع من الزرع، وسيأتي توضيح للأحكام المتعلقة بها في موضعها إن شاء الله تعالى.
ومعنى كلام المؤلف أن المساقاة والمزارعة تقاس على الشركة فلا يصح أن=
الجزء: 4 - الصفحة: 226
وَتُجْبَرُ الْوَضِيْعَةُ مِنَ الرِّبْحِ (1)، وَلَيْسَ لأَحَدِهِمَا الْبَيْعِ نَسِيْئَةً (2). =يشترط العامل فيها ثمرة معينة أو زرع ناحية بعينها لأن الربح يشترط أن يكون مشاعاً معلوماً كما سبق، فلو قال له «خذ هذا الشجر واعمل فيه ولك بعضه»، فهذا لا يصح لأنه غير معلوم، أو قال له «خذ هذا الشجر اعمل فيه ولك ثمر الشجر كذا والباقي لي»، فهذا لا يصح لأنه ربما يثمر هذا ولا يثمر هذا، أو قال «خذ هذه الأرض ولك ثمرتها عام كذا ولي ثمرتها عام كذا» فهذا لا يصح لأنه مجهول، وقد تثمر في عام ولا تثمر في الأخر، أو قال «خذ هذا الثمر اعمل فيه ولي ثمر الجزء الغربي ولك ثمر الجزء الشرقي»، فهذا أيضاً لا يجوز، فلا بد أن يكون الربح مشاعاً معلوماً كما سبق، والدليل على ما ذكره المؤلف ما ثبت عَنْ رَافِعٍ -رضي الله عنه- قَالَ «كُنَّا أَكْثَرَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ حَقْلًا وَكَانَ أَحَدُنَا يُكْرِي أَرْضَهُ فَيَقُولُ هَذِهِ الْقِطْعَةُ لِي وَهَذِهِ لَكَ فَرُبَّمَا أَخْرَجَتْ ذِهِ وَلَمْ تُخْرِجْ ذِهِ فَنَهَاهُمْ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم -» (1).
(1)
قوله «وَتُجْبَرُ الْوَضِيْعَةُ مِنَ الرِّبْحِ»:
شركة المضاربة إذا دفع أحد المضاربين مبلغ مائة ألف مثلاً، فاشترى بخمسين ألف سيارة والخمسين الألف الأخرى أرضاً، فربح في الأرض ولم يربح في السيارة، أو تلف المال في الأخرى فهنا وجب جبر الخسران من الربح ولا يستحق المضارب شيئاً إلا بعد كمال المائة ألف.
(2) قوله «وَلَيْسَ لأَحَدِهِمَا الْبَيْعِ نَسِيْئَةً»: أي ليس لأحد الشريكين أن يبيع شيئاً من أموال الشركة مؤجلاً إلا بإذن شريكه الأخر وذلك لأن النائب لا يجوز =431
الجزء: 4 - الصفحة: 227
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
=له التصرف في المال إلا على وجه الحظ والاحتياط وفي النسيئة تغرير بالمال، وفي رواية عن الإمام أحمد جواز البيع نساءً، وقالوا هذا هو الصحيح من مذهب أحمد، وهو قول أبي حنيفة 432، وعللوا ذلك لأن إذنه في التجارة والمضاربة ينصرف إلى التجارة المعتادة، وهذه عادة التجار، ولأن المقصود من الشركة الربح والربح في النساء أكثر، وقيل أيضاً يصح البيع ويلزمه الضمان لأن ذهاب الثمن حصل بتفريطه.
قلت: والأظهر عندي القول الأول، وهو مذهب جمهور الفقهاء.
الجزء: 4 - الصفحة: 228
بَابُ الْمُسَاقَاةِ وَالْمُزَارَعَةِ
(1) تَجُوْزُ الْمُسَاقَاةُ (2) الشرح:
(1)
قوله «بَابُ الْمُسَاقَاةِ وَالْمُزَارَعَةِ»:
المساقاة: سبق تعريفها وهي مأخوذة من السقي، وشرعاً: هي دفع شجر لمن يسقيه ويعمل عليه بجزء معلوم من ثمره، كالنخل، وشجر الرمان، والعنب، ونحو ذلك.
أما المزارعة: فهي مأخوذة من الزراعة، وهي دفع أرض لمن يزرعها بجزء معلوم مما يخرج منها، والمساقاة والمزارعة من عقود الشركات القائمة على العدل بين الشريكين.
(2)
قوله «تَجُوْزُ الْمُسَاقَاةُ»:
ذهب جماهير الفقهاء من المالكية 433، والشافعية 434، والحنابلة 435، وغيرهم إلى جواز المساقاة لعموم الأدلة التي جاءت بذلك.
وخالف في مشروعيتها أبو حنيفة 436 فمنعها لأدلة أوردها وهي أدلة حكم عليها العلماء بالاضطراب في سندها ومتنها.
أما أدلة مشروعيتها فما ثبت عن ابن عمر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «عَامَلَ أَهْلَ خَيْبَرَ بِشَطْرِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا مِنْ ثَمَرٍ أَوْ زَرْعٍ» 437.
قلت: ويرى الشافعية 438 مشروعية المساقاة لحديث معاملة أهل خيبر المذكور=
الجزء: 4 - الصفحة: 229
فِيْ كُلِّ شَجَرٍ لَهُ ثَمَرٌ (1)
=آنفا وكذلك حديث رَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ -رضي الله عنه- يَقُولُ كُنَّا أَكْثَرَ الْأَنْصَارِ حَقْلًا فَكُنَّا نُكْرِي الْأَرْضَ فَرُبَّمَا أَخْرَجَتْ هَذِهِ وَلَمْ تُخْرِجْ هذِهِ فَنُهِينَا عَنْ ذَلِكَ وَلَمْ نُنْهَ عَنْ الْوَرِقِ» (1).
قلت: والراجح هو مشروعية المساقاة والمزارعة للأحاديث الصحيحة الواردة فيها سواء كانتا مجتمعتين أم كان الاتفاق على واحدة منهما منفردة.
وأما حديث رافع بن خديج المتقدم فقد رده زيد بن ثابت -رضي الله عنه- وأخبر أن النهي لفض النزاع، وكذلك عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - «مَنْ كَانَتْ لَهُ أَرْضٌ فَلْيَزْرَعْهَا أَوْ لِيَمْنَحْهَا أَخَاهُ فَإِنْ أَبَى فَلْيُمْسِكْ أَرْضَهُ» (2).
قال شيخ الإسلام -رحمه الله- (3) المقصود أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن المشاركة التي هي كراء الأرض بالمعنى العام إذا اشترط رب الأرض فيها زرع مكان بعينه، وقد حث الإسلام على المساقاة والمزارعة كما جاء عن أنس بن مالك عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال «مَا مِنْ مُسْلِمٍ غَرَسَ غَرْسًا فَأَكَلَ مِنْهُ إِنْسَانٌ أَوْ دَابَّةٌ إِلا كَانَ لَهُ بِهِ صَدَقَةٌ» (4).
(1)
قوله «فِيْ كُلِّ شَجَرٍ لَهُ ثَمَرٌ»:
أي تجوز المساقاة في جميع الشجر المثمر وهذا قول جماهير الفقهاء وقال الشافعي لا تجوز إلا في النخيل والعنب لأن الزكاة=439440441442
الجزء: 4 - الصفحة: 230
بِجُزْءٍ مِنْ ثَمَرِهِ، مُشَاعًا مَعْلُوْمًا (1)، وَالْمُزَارَعَةُ فِي الأَرْضِ بِجُزْءٍ مِنْ زَرْعِهَا (2)،
=تجب في ثمرتها، أما الأشجار غير المثمرة فيرى مالك (1)، والشافعي (2) أنها لا تجوز المساقاة عليها، لأن المساقاة تكون بجزء من الثمر، وهذا لا ثمر له واستثنى منه ما يقص ورقه كالتوت والورد.
قلت: والراجح عندي جواز المساقاة في كل شجر ولو كان غير مثمر، ودليل ذلك الحديث السابق يعني حديث ابن عمر رضي الله عنهما «أَنَّ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - عَامَلَ أَهْلَ خَيْبَرَ بِشَطْرِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا مِنْ ثَمَرٍ أَوْ زَرْعٍ» (3). وهذا عام يشمل المثمر وغير المثمر، كما أن الأشجار غير المثمرة محل حاجة الناس في الوقت الحاضر لعمل الورق والأثاث وما يحتاجه الناس في أمور حياتهم، وهو مقصود كثير وفي جوازه تيسير على الناس إذ هو طريق من الكسب.
(1)
قوله «بِجُزْءٍ مِنْ ثَمَرِهِ، مُشَاعًا مَعْلُوْمًا»:
هذا هو شرط صحة المساقاة وهو كما سبق تقدير نصيب العامل بجزء معلوم من الثمرة كالنصف أو الربع أو الثلث ونحو ذلك، فلو شرط ثمرة شجرة معينة لم تصح وقد سبق بيان ذلك مفصلاً في باب الشركة فالحاصل أنه لا بد أن يكون نصيب العامل من الثمر مشاعاً معلوماً.
(2)
قوله «وَالْمُزَارَعَةُ فِي الأَرْضِ بِجُزْءٍ مِنْ زَرْعِهَا»:
سبق بيان معنى المزارعة ومعنى كلامه -رحمه الله- أنه تجوز المزارعة بجزء معلوم من الزرع كربع الزرع أو نصفه ونحو ذلك مما تقدم.443444445
الجزء: 4 - الصفحة: 231
سَوَاءٌ كَانَ الْبَذْرُ مِنْهُمَا، أَوْ مِنْ أَحَدِهِمَا (1) لِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ رَضْيَ اللهُ عَنْهُمَا: عَامَلَ رَسُوْلُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أَهْلَ خَيْبَرَ بِشَطْرِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا مِنْ زَرْعٍ وَثَمَرٍ، وَفِيْ لَفْظٍ: عَلَى أَنْ يَعْتَمِلُوْهَا مِنْ أَمْوَالِهِمْ (2)، وَعَلَى الْعَامِلِ عَمَلُ مَا جَرَتِ الْعَادَةُ بِعَمَلِهِ (3)، =فإن شرط العامل أن يكون له من الزرع مائة صاع مثلاً فلا تصح لأنه قد لا يكون إلا ذلك القدر الذي حدده فيختص به العامل دون صاحب الأرض.
(1)
قوله «سَوَاءٌ كَانَ الْبَذْرُ مِنْهُمَا، أَوْ مِنْ أَحَدِهِمَا»:
ما ذكره المؤلف هنا هو إحدى الروايتين في المذهب (1)، أي يجوز أن يكون البذر بين رب الأرض والعامل، وفي رواية في المذهب أن البذر من رب الأرض، وهو المشهور من المذهب لأنه عقد يشترك فيه رب الأرض والعامل في نمائه فوجب أن يكون رأس المال كله من أحدهما كالمضاربة.
والصحيح: هو القول الأول لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - حين عامل أهل خيبر لم يشترط أن يكون البذر على المسلمين، ولم ينقل عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه كان ينقل البذر إليهم من المدينة (2).
(2)
قوله «لِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ رَضْيَ اللهُ عَنْهُمَا: عَامَلَ رَسُوْلُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أَهْلَ خَيْبَرَ بِشَطْرِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا مِنْ زَرْعٍ وَثَمَرٍ، وَفِيْ لَفْظٍ: عَلَى أَنْ يَعْتَمِلُوْهَا مِنْ أَمْوَالِهِمْ»
(3): هذا الحديث رواه البخاري ومسلم وغيرهما، وهو عمدة لمن أجاز المزارعة والمخابرة.
(3)
قوله «وَعَلَى الْعَامِلِ عَمَلُ مَا جَرَتِ الْعَادَةُ بِعَمَلِهِ»:
كالحرث والسقي والزرع وكل ما فيه صلاح الثمر كما جرت به العادة، فإن اشترط أحدهما شيئاً =446447448
الجزء: 4 - الصفحة: 232
وَلَوْ دَفَعَ إِلَى رَجُلٍ دَابَّةً يَعْمَلُ عَلَيْهَا، وَمَا حَصَلَ بَيْنَهُمَا، جَازَ عَلَى قِيَاسِ ذلِكَ (1)
=جاز ذلك، لكن يعتبر أن يكون ما يلزم كل واحد منهما من العمل معلوماً، وأن لا يكون على رب المال أكثر العمل ولا نصفه لأن العامل إنما يستحقه بعمله.
(1) قوله «وَلَوْ دَفَعَ إِلَى رَجُلٍ دَابَّةً يَعْمَلُ عَلَيْهَا، وَمَا حَصَلَ بَيْنَهُمَا، جَازَ عَلَى قِيَاسِ ذلِكَ»: يعني إذا أعطاه دابته وقال له اعمل عليها والربح بيني وبينك ولك الربع أو النصف أو الثلث فهذا جائز قياساً على ما سبق.
مثال ذلك: أعطاه سيارة أجرة وقال اعمل عليها ولك كل مائة كيلو كذا، أو إذا كسبت كذا لك كذا، وهذا موجود، فهذا جائز ما دام نسبة محددة.
أما إذا حدد مبلغاً يعطيه إياه يومياً، فقال خذ هذه السيارة واعمل عليها وأعطني في اليوم كذا فهذا لا يجوز لحصول الغرر، فقد لا تأتي بالمبلغ المحدد لكن كما سبق يجوز أن يقول له لك الربع أو النصف أو الثلث من الربح وعليك البنزين وإصلاح السيارة ونحو ذلك فهذا جائز.
ذكر بعض الفوائد
:
- الفائدة الأولى: لا يجوز تحديد المبلغ حتى ولو اتفقا عليه لأن فيه غرراً ظاهراً.
- الفائدة الثانية: إذا قال له أنا لي مائة ريال ولكن إذا حصلت أقل من مائة ما أخذ إلا ما حصلت أو قال إذا حصلت أكثر من مائة ريال أخذ منك مائة ريال والباقي لك فهذا لا إشكال في جوازه لانتفاء الغرر.
- الفائدة الثالثة: يجوز أن يؤجر دابته لسقي أرضٍ أو يؤجر سيارته بمائة ريال في اليوم ونحو ذلك لانتفاء الغرر.
- الفائدة الرابعة: يجوز إجارة الأرض بالنقد وبالعروض أما الطعام فقد منعه=
الجزء: 4 - الصفحة: 233
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
=مالك (1) مطلقاً سواء كان من الخارج منها أو من غيرها.
وأجاز ذلك الجمهور (2) لحديث عَبْدِ اللَّهِ بْنِ السَّائِبِ قَالَ دَخَلْنَا عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْقِلٍ فَسَأَلْنَاهُ عَنِ الْمُزَارَعَةِ فَقَالَ زَعَمَ ثَابِتٌ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - «نَهَى عَنِ الْمُزَارَعَةِ وَأَمَرَ بِالْمُؤَاجَرَةِ وَقَالَ -صلى الله عليه وسلم- لا بَأْسَ بِهَا» (3)، والنهي عن المزارعة في الحديث هي المزارعة الفاسدة التي يدخلها كثير من الجهالة والغرر والظلم لأحد الطرفين.
الفائدة الخامسة: في الشروط المعتبرة في المساقاة
:
(1) أهلية المتعاقدين.
(2) أن يكون الخارج لهما معاً.
(3) أن تكون الحصة مشاعة معلومة القدر «الربع - الثمن - النصف».
(4) التخلية بين الساقي والعمل.
(5) صلاحية الشجر بالمساقاة ليحصل المقصود.
الفائدة السادسة: في أركان المساقاة
:
(1) العاقدان «العامل - صاحب العمل».
(2) المحل «محل السقي والزرع».
(3) الصيغة «وهي تصح بكل ما يؤدي إلى الرضا».
الفائدة السابعة: في انتهاء المساقاة والمزارعة
: تنتهي المساقاة والمزارعة بأمور هي:449450451
الجزء: 4 - الصفحة: 234
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
1 - هرب العامل، وهذا يخول الفسخ للمالك على القول بأنها عقد جائز وأما على قول من يقول أنها عقد لازم فحكمه أن يستأجر القاضي عليه من يعمل عمله.
2 - عجز العامل عن العمل وفي تلك الحالة يقيم من يعمل مقامه والأجرة عليه لأن عليه توفية العمل.
3 - موت كل واحد منهما أو جنونه على القول بأنها عقد جائز وأما مع اللزوم فإن الوارث والولي يقوم مقام الميت أو جنونه.
4 - اتفاقهما على إنهائها برضاهما.
- الفائدة الثامنة: حكم عقد الإجارة هل هو لازم أم جائز؟
اختلف الفقهاء في ذلك:
فأكثر الفقهاء من المالكية 452، والشافعية 453، وأصحاب الإمام أحمد 454 على أنها عقد لازم لأنها عقد معاوضة.
وقال بعض الفقهاء منهم الإمام أحمد 455، وهو قول لبعض الشافعية 456 أنها عقد جائز لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يضرب لأهل خيبر مدة ولا خلفاؤه من بعده، ولأنها عقد على جزء من نماء المال فكانت جائزة.
والأرجح عندي: أنها عقد لازم، وهو اختيار شيخنا -رحمه الله- 457.
الجزء: 4 - الصفحة: 235
بَابُ إِحْيَاءِ الْمَوَاتِ
(1) وَهِيَ الأَرْضُ الدَّاثِرَةُ (2) الَّتِيْ لا يُعْرَفُ لَهَا مَالِكٌ (3)، فَمَنْ أَحْيَاهَا مَلَكَهَا؛ لِقَوْلِ رَسُوْلِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيْتَةً، فَهِيَ لَهُ» (4)، الشرح:
(1)
قوله «بَابُ إِحْيَاءِ الْمَوَاتِ»:
أي الأرض التي ليس لها مالك من الآدميين ولا ينتفع بها أحد كما سيذكر المؤلف.
والإحياء: مصدر أحيّا، أي بث فيها الحياة بعد أن كانت هامدة، والمراد هنا جعل الأرض الميتة منتفعاً بها بوجه من الوجوه، كالغرس، والزرع، والبناء، ونحو ذلك.
(2)
قوله «وَهِيَ الأَرْضُ الدَّاثِرَةُ»:
أي الأرض التي لا أثر للحياة عليها، والداثرة أي التي لم تعمر، وهذا هو الشرط الأول، أي أن تكون أرضاً لا أثر للحياة فيها.
(3)
قوله «الَّتِيْ لا يُعْرَفُ لَهَا مَالِكٌ»:
هذا هو الشرط الثاني، وهو أن لا يعرف لها صاحب، ولا تتعلق بها مصالح الناس، كالطرق، والأقنية، والغابات، والمراعي، والبقاع المعدة لدفن الموتى، ونحو ذلك، فلا يجوز إحياؤه، والمالك هنا يشترط أن يكون معصوماً، يعني معصوم الدم ممن لا يجوز قتله لكونه مسلماً أو ذمياً معاهداً، فإن كان غير معصوم الدم فأحيّا شيئاً بدار الحرب قد اندرس كان كالموات يملكه المسلم بالإحياء.
(1)
قوله «فَمَنْ أَحْيَاهَا مَلَكَهَا؛ لِقَوْلِ رَسُوْلِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيْتَةً، فَهِيَ لَهُ» 458»: أي تكون لمن أحياها ملكاً له، واستدل لذلك بحديث عَنْ عَائِشَةَ=
الجزء: 4 - الصفحة: 236
وَإِحْيَاؤُهَا عِمَارَتُهَا بِمَا تَتَهَيَّأُ بِهِ لِمَا يُرَادُ مِنْهَا، كَالتَّحْوِيْطِ عَلَيْهَا (1)،
=رضي الله عنها عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال «مَنْ أَعْمَرَ أَرْضًا لَيْسَتْ لِأَحَدٍ فَهُوَ أَحَقُّ» (1)، وعن سعيد بن زيد -رضي الله عنه- أيضاً عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال «مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيْتَةً فَهِيَ لَهُ وَلَيْسَ لِعِرْقٍ ظَالِمٍ حَقٌّ» (2)، وقوله «لِعِرْقٍ ظَالِمٍ» كل ما احْتُفر أَو أُخذَ أَو غُرسَ بغير حقٍ.
لكن هل يشترط إذن الإمام في الإحياء؟
محل خلاف بين العلماء؛ فقال بعضهم: لا يشترط، وقال آخرون: يشترط، وبعضهم فرق بين ما هو مجاور للعمران وما ليس مجاور، فقالوا إن كان قريباً من العمران فلا بد من الإذن.
والصواب عندي: أنه لا بد من إذن الإمام لما فيه من تحقيق مصلحة الأفراد والجماعات.
(1)
قوله «وَإِحْيَاؤُهَا عِمَارَتُهَا بِمَا تَتَهَيَّأُ بِهِ لِمَا يُرَادُ مِنْهَا، كَالتَّحْوِيْطِ عَلَيْهَا»:
هذا شروع فيما يحصل به الإحياء وهي: التحويط عليها يضرب عليها حائطاً يمنع من الدخول إليها وليس حائطاً يسيراً كحجر أو حجرين، بل لا بد أن يكون مرتفعاً عن الأرض.
والمعمول عندنا في المحاكم أنه إذا كان الارتفاع متراً ونصف المتر فهو إحياء لأنه منيع وما كان سوى ذلك فهو تحجير، وهو منع الغير من إحياء الأرض الموات، فهذا يفيد الاختصاص لا الملك، فيعطي مهلة فإن أحياها وإلا أعطيت لمن يريد إحياءها.459460
الجزء: 4 - الصفحة: 237
وَسَوْقِ الْمَاءِ إِلَيْهَا إِذَا أَرَادَهَا لِلزَّرْعِ (1)، وْقَلْعِ أَحْجَارِهَا وَأَشْجَارِهَا الْمَانِعَةِ مِنْ غَرْسِهَا وَزَرْعِهَا (2)، وَإِنْ حَفَرَ فِيْهَا بِئْرًا، فَوَصَلَ إِلَى الْمَاءِ، مَلَكَ حَرِيْمَهُ (3)، وَهُوَ خَمْسُوْنَ ذِرَاعًا مِنْ كُلِّ جَانِبٍ، إِنْ كَانَتْ عَادِيَةً (4)، (1)
قوله «وَسَوْقِ الْمَاءِ إِلَيْهَا إِذَا أَرَادَهَا لِلزَّرْعِ»:
هذا هو الوصف الثاني لما يحصل به الإحياء، فإن أرادها للزرع تم إحياءها بوصول الماء إليها من عين أو نهر أو حفر ونحو ذلك، وكذلك قد يكون الإحياء بحبس الماء عن الأرض كأن تكون أرضاً الماء فيها كثير لا تصلح للزرع بسببه فقام فحبس عنها الماء لتصلح للزرع فقد أحياها.
(2)
قوله «أَوْ قَلْعِ أَحْجَارِهَا وَأَشْجَارِهَا الْمَانِعَةِ مِنْ غَرْسِهَا وَزَرْعِهَا»:
هذا هو الوصف الثالث الذي يحصل به الإحياء، فمتى كانت الأرض فيها أشجار لا يمكن أن يغرس معها أو تزرع فأزال الأشجار فهو إحياء، وكذلك لو كان بها أحجار متراكمة عليها لا تصلح الأرض مع هذه الحجارة فقام وأزالها فهذا إحياء.
قلت: والأظهر عندي أن كل ما يحصل به الإحياء فإنه يرجع فيه إلى العرف فما عدَّه الناس إحياء فهو إحياء، وما لم يعدوه إحياء فليس بإحياء.
(3) قوله «وَإِنْ حَفَرَ فِيْهَا بِئْرًا»: يعني في الأرض الموات، «فَوَصَلَ إِلَى الْمَاءِ، مَلَكَ حَرِيْمَهُ»: والمراد بالبئر هنا: هي بئر السقيا لا الزرع.
أي إن حفر من الموات بئراً فوصل إلى الماء ملك حريمها، وحريم الشيء ما حوله يعني ملك ما حولها من مرافقها وحقوقها، وسمي بذلك لأنه يحرم على غيره التصرف فيه أو لأنه يحرم منع صاحبه منه.
(4)
قوله «وَهُوَ خَمْسُوْنَ ذِرَاعًا مِنْ كُلِّ جَانِبٍ، إِنْ كَانَتْ عَادِيَةً»:
البئر العادية يعني القديمة، وهي التي سبق للشخص أن حفرها ثم بعد ذلك دفنها الرمل=
الجزء: 4 - الصفحة: 238
وَحَرِيْمُ الْبِئْرِ الْبَدِيْءِ خَمْسَةٌ وَعِشْرُوْنَ ذِرَاعًا
(1)
= أو السيول أو غير ذلك، وقد حدد المؤلف بأن تكون خمسين ذراعاً من كل جانب، يعني أن هذا الرجل يملك بهذه البئر خمسين ذراعاً إذا كانت قد أعيدت.
(1) قوله «وَحَرِيْمُ الْبِئْرِ الْبَدِيْءِ خَمْسَةٌ وَعِشْرُوْنَ ذِرَاعًا»: البئر البدائي أي المستحدث، وهي التي تحفر لأول مرة، فهذه حريمها يعني ما حوله خمسة وعشرون ذراعاً من كل جانب.
دليل ذلك ما روى أبو عبيد عن سعيد بن المسيب قال: «السنة في حريم القليب العادي خمسون ذراعاً، والبدئ خمسة وعشرون ذراعاً» (1).
قلت: والأظهر عندي أن حريم البئر إذا حفرت في أرض موات يكون بقدر ما يحتاجه فإن حفرها للزراعة فله ما حواليه من مقدار الزرع، وإن حفرها للسقي يكون حريمها ما يحتاجه لمعاطن إبله، وهو ما تأوي إليه وتقيم فيه.
فائدة: الأرض على نوعين
:
1 - نوع لا مالك له وهي تملك بالإحياء بعد إذن الحاكم.
2 - نوع فيها آثار ملك ولا يعرف مالكه وهذه محل خلاف.
والصواب: أنها إذا تم إحيائها ولم يتقدم أحد بالمطالبة بها وأذن الحاكم فإنها تملك بالإحياء، ومن أحيّا أرضاً وصرف عليها ثم تبين له بعد ذلك أنها لغيره فإنه في هذه الحالة يقول لصاحب الأرض أنت بالخيار فإما أن تعطيني ما دفعت وصرفت عليها وإما أن تبيع الأرض ويشتريها الذي أحياها.461
الجزء: 4 - الصفحة: 239
بَابُ الْجُعَالَةِ
(1) الشرح:
(1)
قوله «بَابُ الْجُعَالَةِ»:
الجعالة فعالة من الجَعْل، ومعناه وضع الشيء.
أما في الاصطلاح: فهي أن يجعل شيئاً معلوماً لمن يعمل عملاً معلوماً أو مجهولاً مدة معلومة أو مجهولة، وسيأتي زيادة بيانها إن شاء الله تعالى في كلام المؤلف.
ذكر بعض الفوائد
:
- الفائدة الأولى: حكم الجعالة: الجعالة جائزة ومشروعة بالكتاب، والسنة، والمعقول.
أما دليل الكتاب: فقوله تعالى ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ 462، وجه الدلالة من الآية: أنه جعل لمن يأتي بصواع الملك الذي فُقد جعلاً وهو حمل بعير، ووثّق ذلك بكونه ضمنه والتزمه على نفسه.
أما دلالة السنة: فما سيذكره المؤلف من حديث أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه-.
ووجه الدلالة منه: أنهم جعلوا جعلاً لمن سيكون سبباً في شفاء سيدهم.
أما دلالة المعقول: فإن حاجة الناس قد تدعو إليها لرد مال ضائع أو عمل لا يقدر عليه الجاعل ولا يجد من يتطوع به ولا تصح الإجارة عليه لجهالته، فجازت شرعاً للحاجة إليها كالمضاربة. - الفائدة الثانية: الفرق بين الجعالة والإجارة: 1 - صحة الجعالة على عمل مجهول يعسر ضبطه وتعيينه كرد مال ضائع=
الجزء: 4 - الصفحة: 240
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
=خلافاً للإجارة.
2 - صحة الجعالة على عامل غير معين.
3 - كون العامل لا يستحق الجعل إلا بعد تمام العمل.
4 - لا يشترط للجعالة تلفظ العامل بالقبول.
5 - الجعالة عقد غير لازم خلافاً للإجارة.
-
الفائدة الثالثة: حكم عقد الجعالة: عقد الجعالة عقد جائز لكل واحد من العاقدين فسخه قبل الشروع في العمل، فإن شرع في العمل فإن كان الفسخ من العامل لم يستحق شيئاً لأنه لم يأت بما شرط عليه، وإن كان الفسخ من الجاعل فعليه أجرة المثل للعامل لأنه عمل بعوض لم يتمكن من إتمامه.
الفائدة الرابعة: في شروط الجعالة
: كون العمل مباحاً فلا يصح عقد الجعالة على شيء غير مباح كخمر وغناء مثلاً.
كون الجعل مالاً معلوماً جنساً وقدراً لأن جهالة العوض تفوت المقصود من عقد الجعالة.
كون الجعل ظاهراً مقدوراً على تسليمه ومملوكاً للجاعل.
أن يتم العامل العمل المجاعل عليه ويفرغ منه ويسلمه الجاعل.
الفائدة الخامسة: في تخصيص الإذن والجعل لشخص محدد
. إذا حدد الجاعل شخصاً بعينه في الإذن واستحقاق الجعل فإنه يتحدد بذلك عند الشافعية 463، والحنابلة 464 ولا يستحق الجعل أحدٌ غيره، وإذا قام غيره بذلك فإنه يعتبر متبرعاً.
الجزء: 4 - الصفحة: 241
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . =وقال المالكية (1) يستحق جعل المثل إن كان معروفاً بأداء مثل هذا العمل بعوض وإلا فله النفقة.
الفائدة السادسة: في اختلاف المتعاقدين
في الجعالة:
إذا اختلف المتعاقدان في بذل الجعل وتسميته، فقال العامل بذلت جعلاً وأنكر الجاعل، فإنه على العامل أن يثبت قوله ببينة وإلا فإن القول قول الجاعل بيمينه لأن الأصل براءته.
وإن اختلفا في قدر الجعل أو في جنسه أو صفته فإن الشافعية 466 يرون أنهما يتحالفان وينفسخ العقد ويجب للعامل أجرة المثل إذا كان ذلك بعد الشروع في العمل أو بعد انتهائه، وهو رواية عند الحنابلة 467.
ويرى الحنابلة 468 كذلك أن القول قول الجاعل بيمينه لأن الأصل عدم الزائد المختلف فيه.
والراجح عندي: أن القول قول الجاعل لأن الأصل عدم الجعالة إلا إذا اختلفا في القدر وادعى الجاعل قدراً لا يمكن أن يقام العمل بمثله، وادعى العامل قدراً يمكن أن يقام بمثله، فهنا تكون دعوى الجاعل غير صحيحة لأن العادة والعرف تكذبانها فلا يقبل قوله ويقبل قول العامل، والعكس بالعكس فإذا ادعى العامل شيئاً كثيراً فإنه لا يقبل لأنه ادعى ما يخالف العادة ولأنه ادعى على العامل ما لم يعترف به فيقبل قول الجاعل.465
الجزء: 4 - الصفحة: 242
وَهِيَ أَنْ يَقُوْلَ: مَنْ رَدَّ لُقَطَتِيْ، أَوْ ضَالَّتِيْ، أَوْ بَنَى لِيْ هَذَا الْحَائِطَ، فَلَهُ كَذَا (1) -
الفائدة السابعة: ما يترتب على الجعالة من آثار
: يترتب على الجعالة آثارٌ هي:
1 - لزوم عقد الجعالة بعد تمام العمل لأن الجُعل قد استقر على الجاعل.
2 - أن يد العامل على ما وقع في يده من مال الجاعل يد أمانة لا ضمان عليه ما لم يفرط.
3 - أن نفقة المال على المال المجاعل عليه على المالك لأن الإنفاق مأذون فيه شرعاً لحرمة النفس وصيانة المال.
الفائدة الثامنة: في انتهاء عقد الجعالة
: تنفسخ الجعالة لأسباب منها:
1 - موت أحد المتعاقدين أو جنونه جنوناً مطبقاً، وقال بعض الفقهاء بل يلزم للورثة، والراجح القول الأول.
2 - فسخ العامل للجعالة.
3 - فسخ الجاعل قبل الشروع في العمل.
(1)
قوله «وَهِيَ أَنْ يَقُوْلَ: مَنْ رَدَّ لُقَطَتِيْ، أَوْ ضَالَّتِيْ، أَوْ بَنَى لِيْ هَذَا الْحَائِطَ، فَلَهُ كَذَا»:
هذا هو تعريف الجعالة الذي سبق بيانه وهي أن يقول إن رددت لقطتي فلك ألف ريال مثلاً، أو يقول إن رددت ضالتي كبعيري مثلاً فلك ألفا ريال، أو من بني لي هذا الجدار فله كذا ونحو ذلك.
الجزء: 4 - الصفحة: 243
فَمَنْ فَعَلَ ذلِكَ، اسْتَحَقَّ الْجُعْلَ؛ لِمَا رَوَى أَبُوْ سَعِيْدٍ - رضي الله عنه -، أَنَّ قَوْمًا لُدِغَ رَجُلٌ مِنْهُمْ، فَأَتَوْا أَصْحَابَ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -، فَقَالُوْا: هَلْ فِيْكُمْ مِنْ رَاقٍ، فَقَالُوْا: لا، حَتَّى تَجْعَلُوْا لَنَا شَيْئًا، فَجَعَلُوْا لَهُمْ قَطِيْعًا مِنَ الْغَنَمِ.
قَالَ: فَجَعَلَ رَجُلٍ مِنْهُمْ يَقْرَأُ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ، وَيَرْقِيْ، وَيَتْفُلُ حَتَّى بَرَأَ، فَأَخَذُوْا الْغَنَمَ، وَسَأَلُوْا عَنْ ذلِكَ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم -، فَقَالَ: «وَمَا يُدْرِيْكُمْ أَنَّهَا رُقْيَةٌ؟ خُذُوْا وَاضْرِبُوْا لِيْ مَعَكُمْ بِسَهْمٍ» 469،
(1)
قوله «فَمَنْ فَعَلَ ذلِكَ، اسْتَحَقَّ الْجُعْلَ؛ لِمَا رَوَى أَبُوْ سَعِيْدٍ - رضي الله عنه -، أَنَّ قَوْمًا لُدِغَ رَجُلٌ مِنْهُمْ، فَأَتَوْا أَصْحَابَ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -، فَقَالُوْا: هَلْ فِيْكُمْ مِنْ رَاقٍ، فَقَالُوْا: لا، حَتَّى تَجْعَلُوْا لَنَا شَيْئًا، فَجَعَلُوْا لَهُمْ قَطِيْعًا مِنَ الْغَنَمِ.
قَالَ: فَجَعَلَ رَجُلٍ مِنْهُمْ يَقْرَأُ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ، وَيَرْقِيْ، وَيَتْفُلُ حَتَّى بَرَأَ، فَأَخَذُوْا الْغَنَمَ، وَسَأَلُوْا عَنْ ذلِكَ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم -، فَقَالَ: «وَمَا يُدْرِيْكُمْ أَنَّهَا رُقْيَةٌ؟ خُذُوْا وَاضْرِبُوْا لِيْ مَعَكُمْ بِسَهْمٍ»
(1): هذا هو دليل الجعالة، وقد سبق الإشارة إلى أدلة الجعالة من الكتاب والسنة، وفي الحديث بعض الفوائد منها:
1 - مشروعية الجعل، وذلك لقول الصحابة «اجعلوا لنا جعلاً»، فدل على مشروعيته.
2 - أن الجعل جعل على الشيء الذي يمكن أن يحصل ويمكن أن لا يحصل، وهو المجهول العاقبة المتردد بين الحصول وعدمه كما في البعير الشارد والعبد الآبق واللقطة.
3 - صحة الجعل بالمشارطة لأن الصحابة رضي الله عنهم امتنعوا وقالوا «حتى تجعلوا لنا جعلاً».
4 - جواز رقية الكافر، لأنهم رقوا سيد القوم وكان كافراً، فدل على جواز=
الجزء: 4 - الصفحة: 244
وَلَوْ الْتَقَطَ اللُّقَطَةَ قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَهُ الْجُعْلُ، لَمْ يَسْتَحِقَّهُ (1).
=ذلك، وتفرع عليه جواز معالجة المسلم للكافر إذا كانت له حرمة.
5 - أن الجعل يكون بالشيء المعين المحدد كما في قولهم «قطيعاً من الغنم».
6 - في قوله - صلى الله عليه وسلم - «خُذُوْا وَاضْرِبُوْا لِيْ مَعَكُمْ بِسَهْمٍ»: دليل على حل مال الجعل، وحل أكل المال من الرقية الشرعية إذا نفعت بإذن الله تعالى، وفي قوله: «خُذُوْا وَاضْرِبُوْا لِيْ مَعَكُمْ بِسَهْمٍ» أيضاً تأكيد بالإباحة والحل.
7 - مشروعية أخذ الأجرة على الطب وعمل الطب لأن كلاً من الرقية الشرعية والطب يشترك في معالجة الأجساد والأرواح.
(1)
قوله «وَلَوْ الْتَقَطَ اللُّقَطَةَ قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَهُ الْجُعْلُ، لَمْ يَسْتَحِقَّهُ»:
أي من عمل ما قاله صاحب العمل قبل أن يبلغه الجُعل الذي قدره صاحب العمل فإنه لا يستحقه لأنه لا يوجد عقد بينهما.
والذي يظهر لي والله أعلم أن الأولى في حق صاحب العمل أن يعطيه ما يطيب به قلبه لأنه عمل معروفاً، وقد قال - صلى الله عليه وسلم - «مَنْ صَنَعَ إِلَيْكُمْ مَعْرُوفًا فَكَافِئُوهُ .. » 470، ولأنه مثل هذا الرجل ينبغي أن يشجع لأن كونه أتى به بدون أن يطلب منه فإنه يدل على أمانته.
الجزء: 4 - الصفحة: 245
بَابُ اللُّقَطَةِ
(1) الشرح:
(1)
قوله «بَابُ اللُّقَطَةِ»:
اللقطة في اللغة: هي الشيء الملتقط، أي المأخوذ من الأرض، قال تعالى: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً .. ﴾ (1). أما في الاصطلاح: فهي «مال أو ما في حكمه» وجد في مكان غير مملوك ولم يعرف مستحقه.
ذكر بعض الفوائد
:
- الفائدة الأولى: في حكم اللقطة:
اتفق الفقهاء على جواز الالتقاط في الجملة، لكنهم اختلفوا فيما هو الأفضل والأولى، هل الأفضل الالتقاط أم الأولى تركه؟
ذهب الحنفية 472، والشافعية 473 إلى أنه إذا خاف عليها الضيعة لو تركها فأخذها لصاحبها أفضل من تركها لما فيه من حفظ مال المسلم.
وذهب مالك 474 إلى كراهية الالتقاط، وهذا مروي عن ابن عباس وابن عمر.
وقال الإمام أحمد 475 الأفضل ترك الالتقاط لأن في أخذها تعريضاً لنفسه لأكل الحرام وتضييعاً للواجب من تعريفها فكان تركه أولى وأسلم.
وقال ابن هبيرة والذي أرى أنه إذا أخذها ناوياً بأخذها حفظها لصاحبها =471
الجزء: 4 - الصفحة: 246
وَهِيَ عَلَى ثَلاثَةِ أَضْرُبٍ (1) أَحَدُهَا: مَا تَقِلُّ قِيْمَتُهُ، فَيَجُوْزُ أَخْذُهُ وَالاِنْتِفَاعُ بِهِ مِنْ غَيْرِ تَعْرِيْفٍ؛ لِقَوْلِ جَابِرٍ - رضي الله عنه -: رَخَّصَ لَنَا رَسُوْلُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فِي الْعَصَا وَالسَّوْطِ وَأَشْبَاهِهِ، يَلْتَقِطُهُ الرَّجُلُ يَنْتَفِعُ بِهِ (2)،
=واثقاً من نفسه بتحمل الأمانة من ذلك فإن الأفضل أخذها، وإن كان يخاف منها الفتنة ولا يستطيع القيام بواجبها فليتركها.
وهذا قول جيد، وفيه جمع بين الأقوال الواردة في اللقطة.
- الفائدة الثانية: في حكمة مشروعية اللقطة: أن صاحب اللقطة يصيبه الهم والغم عند فقدها وكيف أنه فقد هذا المال، فإذا وجده أحد غيره وأعلن ذلك ووصل إلى صاحبه فإنه يسر به وبذلك يشيع الأمن والطمأنينة لأن مالهم إذا فقد فإنه قد يرد ويرجع إليهم لأنه بأيدي أمينة.
- الفائدة الثالثة: حكم الإشهاد على اللقطة: ذهب بعض أهل العلم إلى أن الإشهاد على اللقطة واجب, وذهب بعضهم إلى عدم الوجوب لأنها مبنية على ثقة الناس وأمانتهم، وسيأتي - إن شاء الله تعالى - قريباً ذكر الخلاف في ذلك مع بيان الراجح.
(1)
قوله «وَهِيَ عَلَى ثَلاثَةِ أَضْرُبٍ»:
«هذا إجمال قبل التفصيل والبيان»، أي اللقطة على ثلاثة أضرب باعتبار الشيء الملقوط هل يملك أم لا؟ هل يُعَرَّف أم لا؟ فهي على هذا الاعتبار ثلاثة أضرب.
قوله «أَحَدُهَا: مَا تَقِلُّ قِيْمَتُهُ، فَيَجُوْزُ أَخْذُهُ وَالاِنْتِفَاعُ بِهِ مِنْ غَيْرِ تَعْرِيْفٍ؛ لِقَوْلِ جَابِرٍ - رضي الله عنه -: رَخَّصَ لَنَا رَسُوْلُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فِي الْعَصَا وَالسَّوْطِ وَأَشْبَاهِهِ، يَلْتَقِطُهُ الرَّجُلُ يَنْتَفِعُ بِهِ»
الجزء: 4 - الصفحة: 247
الثَّانِيْ: الْحَيَوَانُ الَّذِيْ يَمْتَنِعُ بِنَفْسِهِ مِنْ صِغَارِ السِّبَاعِ، كَالإِبِلِ وَالْخَيْلِ، وَنَحْوِهَا، فَلا يَجُوْزُ أَخْذُهَا؛ لأَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - سُئِلَ عَنْ ضَالَّةِ الإِبِلِ، فَقَالَ: «مَالَكَ وَلَهَا، دَعْهَا مَعَهَا حِذَاؤُهَا وَسِقَاؤُهَا، تَرِدُ الْمَاءَ، وَتَأْكُلُ الشَّجَرَ حَتَّى يَأْتِيَهَا رَبُّهَا» 478 =حكمه، فالضرب الأول ما تقل قيمته أي قيمته قليلة ولا يهتم به أوساط الناس بحيث إذا فقد لا يبحث عنه ولا يسأل عنه غالباً كالسوط والرغيف وبعض الأقلام الجافة مثلاً والنقد اليسير وغير ذلك فهذا يملك بمجرد التقاطه ولا يجب تعريفه، دليل ذلك ما رواه أبو داود وغيره من حديث جابر الذي ذكره المؤلف.
- فائدة: من وجد مالاً فالمال على ثلاثة أقسام: الأول: أن يعلم أن صاحبه تركه رغبة عنه، فهذا لواجده كما يوجد الآن كبعض الكراسي المكسرة ترمى في الأسواق أو الأواني التي تلقى ونحو ذلك مما يوجد بجانب براميل البلدية نعلم أن صاحبها تركها رغبة عنها فهذه يملكها واجدها بدون شيء.
الثاني: أن يكون مما لا تتبعه الهمة لكونه زهيداً كقلم يساوي ريال، فهذا زهيد لا تتبعه همة أوساط الناس، فأي إنسان يجده فهو له، وقد سبق شرح ذلك في كلام المؤلف.
الثالث: وهو الذي تتبعه همة أوساط الناس، فهذا يجب أن يُعَرَّف سنة كما سيأتي - إن شاء الله تعالى -.
(1)
قوله «الثَّانِيْ: الْحَيَوَانُ الَّذِيْ يَمْتَنِعُ بِنَفْسِهِ مِنْ صِغَارِ السِّبَاعِ، كَالإِبِلِ وَالْخَيْلِ، وَنَحْوِهَا، فَلا يَجُوْزُ أَخْذُهَا؛ لأَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - سُئِلَ عَنْ ضَالَّةِ الإِبِلِ، فَقَالَ: مَالَكَ وَلَهَا، دَعْهَا مَعَهَا حِذَاؤُهَا وَسِقَاؤُهَا، تَرِدُ الْمَاءَ، وَتَأْكُلُ الشَّجَرَ حَتَّى يَأْتِيَهَا رَبُّهَا»
(1) هذا هو الضرب الثاني وبيان حكمه، والحيوان الضائع قسمان:
الجزء: 4 - الصفحة: 248
وَمَنْ أَخَذَ هَذَا لَمْ يَمْلِكْهُ، وَلَزِمَهُ ضَمَانُهُ، وَلَمْ يَبْرَأْ إِلاَّ بِدَفْعِهِ إِلَى نَائِبِ الإِمَامِ (1)
الأول: ما يمتنع بنفسه كالثور والجمل والخيل من صغار السباع، وصغار السباع «كالذئب، والثعلب، وولد الأسد، والكلب الذي يفترس»، وغير ذلك فهذه يحرم التقاطها ولا يملك بالتقاطه ولو عرَّفه لم يملكه لأنه متعد، اللهم إلا إذا خاف على هذه المذكورات «الإبل، والخيل، والثور» ونحو ذلك، إذا خاف عليها من قطاع الطرق ففي هذه الحال له أن يأخذها إن لم نقل بالوجوب.
الثاني: وهو الحيوان الذي لا يمتنع من صغار السباع كالضأن والمعز وصغار الإبل وما أشبهها، فهذه حكمها أنه يجوز التقاطها وينفق عليها ويرجع بها على ربها إن وجده.
فإن خشي أن تزيد نفقته على قيمتها فإنه يضبط صفاتها ثم يبيعها ويحفظ ثمنها لربها، فإذا جاء ووصفها على الصفة الذي ضبطها فإنه يعطيه الثمن، وسيذكر ذلك المؤلف -رحمه الله-.
(1)
قوله «وَمَنْ أَخَذَ هَذَا لَمْ يَمْلِكْهُ، وَلَزِمَهُ ضَمَانُهُ، وَلَمْ يَبْرَأْ إِلاَّ بِدَفْعِهِ إِلَى نَائِبِ الإِمَامِ»:
هذه أمور ثلاثة تترتب على أخذ ما يمتنع بنفسه من صغار السباع.
الأمر الأول: أنه لا يملكه بالتقاطه لأنه يحرم أخذه.
الأمر الثاني: أنه يلزمه ضمانه لأنه بمنزلة الغاصب.
الأمر الثالث: أنه لم يبرأ إلا بدفعه للإمام فيزول عنه الضمان لأن الإمام له نظر في ضوال الناس، فكان نائباً عن أصحابها.
لكن يستثنى من ذلك ما ذكرناه قريباً أنه إذا خاف على ما يمتنع بنفسه من الضياع والهلاك فإنه يجوز له التقاطه لأن في التقاطها صيانة لها من الضياع والهلاك، ولا ضمان عليه بذلك، لأن فيه إنقاذها من الهلاك.
الجزء: 4 - الصفحة: 249
وَالثَّالِثُ: مَا تَكْثُرُ قِيْمَتُهُ مِنَ الأَثْمَانِ وَالْمَتَاعِ وَالْحَيَوَانِ الَّذِيْ لا يَمْتَنِعُ مِنْ صِغَارِ السِّبَاعِ، فَيَجُوْزُ أَخْذُهُ (1)، وَيَجِبُ تَعْرِيْفُهُ حَوْلاً (2)، (1)
قوله «الثَّالِثُ: مَا تَكْثُرُ قِيْمَتُهُ مِنَ الأَثْمَانِ وَالْمَتَاعِ وَالْحَيَوَانِ الَّذِيْ لا يَمْتَنِعُ مِنْ صِغَارِ السِّبَاعِ، فَيَجُوْزُ أَخْذُهُ»:
هذا هو الضرب الثالث من أنواع اللقطة وهو ما له قيمة من الدراهم والمتاع الذي له قيمة في أوساط الناس، وكذلك ما لا يمتنع بنفسه من الحيوان كالغنم، والفصلان، والعجاجيل، ونحو ذلك، فهذه حكمها:
1 - جواز أخذها لمن أمن نفسه من الخيانة.
2 - تعريفها سنة كما سيذكره المؤلف.
3 - دفعها إلى صاحبها بعد وصفه لها.
4 - بعد تعريفها سنة ولم يُعْرف صاحبها تكون في ملكه غنياً كان أو فقيراً.
5 - أنه يجب معرفة صفة ما التقطه، وجنسه، وقيمته، وما يختص به، ونحو ذلك حتى إذا جاء صاحبها ردها إليه أو رد قيمتها، وسيأتي بيان ذلك - إن شاء الله -.
(2)
قوله «وَيَجِبُ تَعْرِيْفُهُ حَوْلاً»:
أي يجب تعريف ما التقطه سنة كاملة، دليل ذلك ما ورد عن زيد بن خالد -رضي الله عنه- قال: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَسَأَلَهُ عَنْ اللُّقَطَةِ فَقَالَ «اعْرِفْ عِفَاصَهَا وَوِكَاءَهَا ثُمَّ عَرِّفْهَا سَنَةً فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا وَإِلا فَشَأْنَكَ بِهَا قَالَ فَضَالَّةُ الْغَنَمِ قَالَ هِيَ لَكَ أَوْ لأَخِيكَ أَوْ لِلذِّئْبِ قَالَ فَضَالَّةُ الإِبِلِ قَالَ مَا لَكَ وَلَهَا مَعَهَا سِقَاؤُهَا وَحِذَاؤُهَا تَرِدُ الْمَاءَ وَتَأْكُلُ الشَّجَرَ حَتَّى يَلْقَاهَا رَبُّهَا» 479.
الجزء: 4 - الصفحة: 250
فِيْ مَجَامِعِ النَّاسِ، كَالأَسْوَاقِ وَأَبْوَابِ الْمَسَاجِدِ (1)، فَمَتَى جَاءَ طَالِبُهُ، فَوَصَفَهُ، دُفِعَ إِلَيْهِ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ (2)،
=والتعريف يكون بأن ينادي في المجامع التي وجدها فيه، أو في مجامع الناس كعلى أبواب المساجد، ولا يكون داخل المسجد بل على أبواب المساجد، وفي الأسواق ونحو ذلك.
والأمر بالتعريف للوجوب، لكن لا يلزم أن يعرفها في الليل والنهار ولا استيعاب الأيام بل يعرفها على المعتاد في كل يوم مرة أو مرتين أو في كل أسبوع مرة، وهكذا.
(1)
قوله «فِيْ مَجَامِعِ النَّاسِ، كَالأَسْوَاقِ وَأَبْوَابِ الْمَسَاجِدِ»:
هذه هي أماكن تعريف اللقطة، لكن تعريفها في مكان التقاطها مقدم على غيره لأنه مكان بحث صاحبها عنها، فإن عدم عرَّفها في هذه الأماكن المذكورة وهي مجامع الناس، أي الحافلة بالناس وبخاصة يوم الجمعة أو في الأسواق وبخاصة الأوقات التي يكثر فيها وجود الناس، ويمكن كذلك أن يقوم بوضع إعلانات على جدران المحلات ونحو ذلك، وتنوب وسائل الإعلام المختلفة في وقتنا الحاضر عن التعريف بمجامع الناس.
- فائدة: لا يجوز إنشاد الضالة في المسجد كما يفعله بعض الناس لما ثبت عن أبى عبد الله مولى شداد بن الهاد أنه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «مَنْ سَمِعَ رَجُلاً يَنْشُدُ ضَالَّةً فِي الْمَسْجِدِ فَلْيَقُلْ لا رَدَّهَا اللَّهُ عَلَيْكَ فَإِنَّ الْمَسَاجِدَ لَمْ تُبْنَ لِهَذَا» (1).
(2)
قوله «فَمَتَى جَاءَ طَالِبُهُ، فَوَصَفَهُ، دُفِعَ إِلَيْهِ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ»:
أي في أي وقت جاء=480
الجزء: 4 - الصفحة: 251
وَإِنْ لَمْ يُعْرَفْ، فَهُوَ كَسَائِرِ مَالِهِ (1)، =صاحبها قبل تعريفها حولاً أو بعد تعريفها فوصفها طبق الواقع فإنه يلزمه أن يدفعها إليه، ولا يلزم أن يطلب منه بينة لأنه لا منازع للواصف لها ولا يلزمه كذلك اليمين لأن الأصل أنها ملكه، وقد وصفها بما لا يكون فيه ريب ولا شك فوجب دفعها إليه بمقتضى السنة.
فائدة: هل له أن يشهد على رده اللقطة
؟ نقول ليس له ذلك لأنه متبرع، والمتبرع يقبل قوله في رد العين إلى مالكها.
(1)
قوله «وَإِنْ لَمْ يُعْرَفْ، فَهُوَ كَسَائِرِ مَالِهِ»:
أي وإن لم يعرف صاحبها بعد تعريفها سنة فإنها يعني اللقطة تدخل في ملك الملتقط لقوله - صلى الله عليه وسلم - كما في حديث زيد بن خالد المتقدم «ثُمَّ عَرِّفْهَا سَنَةً فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا وَإِلا فَشَأْنَكَ بِهَا» 481. وفي رواية: «عَرِّفْهَا سَنَةً ثُمَّ اعْرِفْ وِكَاءَهَا وَعِفَاصَهَا ثُمَّ اسْتَنْفِقْ بِهَا .. » 482.
- فائدة: وهل يكون ملكه لها قهراً أم اختياراً؟ على قولين:
الأول: أنها تدخل في ملكه قهراً وهذا هو المذهب.
وعلى ذلك إن تلفت قبل الحول بتعدٍ منه فعليه الضمان وبغير تعدٍ فلا ضمان عليه، وإن تلفت بعد الحول فعليه الضمان سواء تعدى أو لم يتعد لأنها دخلت في ملكه وصارت في ضمانه، وفي قول آخر لا يضمنها إلا إذا تعدى أو فرط فيكون الحكم واحداً.
القول الثاني: أنها تدخل في ملكه اختياراً.
وعلى ذلك تكون أمانة في يده، وإن تلفت من غير تعد ولا تفريط فلا =
الجزء: 4 - الصفحة: 252
وَلا يَتَصَرَّفَ فِيْهِ حَتَّى يَعْرِفَ وِعَاءَهُ، وَوِكَاءَهُ وَصِفَتَهُ (1)، =ضمان عليه، والأقرب عندي أنها تدخل في ملكه قهراً فإن تلفت من غير تعد منه ولا تفريط قبل الحول أو بعده فإنه لا ضمان عليه.
(1)
قوله «وَلا يَتَصَرَّفَ فِيْهِ حَتَّى يَعْرِفَ وِعَاءَهُ، وَوِكَاءَهُ وَصِفَتَهُ»:
الوكاء: الحبل الذي يربط به ويشد عليها والمعنى أنه لا يتصرف واجدها - يعني اللقطة - قبل معرفة وعاءها، والحبل الذي تشد به وصفتها، وغير ذلك مما تنضبط به لئلا تختلط بماله ويشتبه عليه، وليعلم صدق واصفها من كذبه.
لكن هل يشهد على واجدها، يعني يأتي بشهود فيقول اشهدوا أني وجدت لقطة؟
نقول اختلف الفقهاء في حكم الإشهاد على اللقطة:
فذهب مالك 483، والشافعي 484 في أحد قوليه، وهو المذهب عند الحنابلة 485 أن الإشهاد مستحب، واحتجوا لذلك بالحديث فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يذكر الإشهاد فيه فيحمل هذا على الندب.
القول الثاني: أن الإشهاد على اللقطة واجب، وهو قول في مذهب الإمام أحمد 486 اختاره جمع، وهو قول أبي حنيفة 487، وأحد قولي الشافعي 488، واختاره الصنعاني 489، وسماحة شيخنا بن باز -رحمه الله- 490.
الجزء: 4 - الصفحة: 253
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
=واحتجوا لذلك بحديث عَنْ عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - «مَنْ وَجَدَ لُقَطَةً فَلْيُشْهِدْ ذَوَيْ عَدْلٍ وَلْيَحْفَظْ عِفَاصَهَا وَوِكَاءَهَا فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا فَلَا يَكْتُمْ وَهُوَ أَحَقُّ بِهَا وَإِنْ لَمْ يَجِئْ صَاحِبُهَا فَإِنَّهُ مَالُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ» (1).
قالوا وهذا أمر يقتضي الوجوب ولا ينافي ذلك عدم ذكره في الأحاديث الأخرى.
قلت: والأظهر عندي القول باستحباب الإشهاد عليها وذلك لما يلي:
(1) صيانة نفس الملتقط عن الطمع فيها، فقد يطمع بعد إيجادها، لكن لو علم أن هناك شهوداً عليه فإنه يخاف من التهمة.
(2) أن في الإشهاد عليه حفظها من ورثته إذا مات لأنه لا يأمن من حدوث المنية به فيدِّعيها ورثته ويحوزونها في تركته أو يستولى عليها غرماؤه إذا أفلس.
(3) أن في الإشهاد عليها وسيلة من وسائل ضبطها والأمر بالضبط واجب كما سبق.
فائدة: هل للملتقط الانتفاع باللقطة؟
الجواب: إن كان بعد تمام الحول فله أن ينتفع بها لأنها ملكه, وأما قبل تمام الحول فإن احتاجت إلى نفقة كالحيوان يحتاج إلى علف وسقي فله أن ينتفع بقدرها، وإلا فلا كالإناء فليس له أن ينتفع به.
وعلى القول بأنها تدخل في ملكه هل يجوز له أن يتصرف فيها؟
الجواب: ما دام أنه بعد تمام الحول فقد دخلت في ملكه فله أن يتصرف فيها بأي شيء بهبة أو بيع أو رهن أو إيقاف، أما قبل تمام الحول فهي وديعة =491
الجزء: 4 - الصفحة: 254
فَمَتَى جَاءَ طَالِبُهُ، فَوَصَفَهُ، دَفَعَهُ إِلَيْهِ أَوْ مِثْلَهُ إِنْ كَانَ قَدْ هَلَكَ (1)، وَإِنْ كَانَ حَيَوَانًا يَحْتَاجُ إِلىَ مُؤنَةٍ (2)، أَوْ شَيْئًا يَخْشَى تَلَفَهُ (3)،
=عنده لا يجوز له أن يتصرف فيها إلا إذا كانت اللقطة فيها ضرر على صاحبها فله أن يتصرف فيها.
مثال ذلك: لو كانت اللقطة من الأشياء التي لا تبقى مثل الأشياء التي تفسد فهنا يتصرف فيها بالبيع ويحفظ الثمن، وإن كانت من الأشياء التي تبقى لكن تستنفق أكثر من قيمتها أضعافاً مضاعفة، كما لو وجد شاة فهنا يبيعها وإن كان لم يملكها لأن بقاءها ضرر على صاحبها.
وسيأتي كلام المؤلف قريباً - إن شاء الله -.
(1)
قوله «فَمَتَى جَاءَ طَالِبُهُ، فَوَصَفَهُ، دَفَعَهُ إِلَيْهِ أَوْ مِثْلَهُ، إِنْ كَانَ قَدْ هَلَكَ»:
أي متى جاء صاحب اللقطة بعد تمام الحول فوصفها فوافق الوصف اللقطة لزم الملتقط أن يردها إليه إن كانت اللقطة موجودة بعينها، أو يدفع ثمنها إذا لم تكن موجودة عنده، وكانت من ذوات المثل، أو دفع قيمتها إن لم يكن لها مثل وذلك لأنها وديعة عنده، هذا إذا كان الهلاك والإتلاف بسبب تفريطه.
أما إذا تلفت بغير تفريط فقد سبق أن القول الصحيح أنه لا ضمان عليه، ودليل ما ذكره المؤلف حديث زيد بن خالد «فَإِنْ لَمْ تَعْرِفْ فَاسْتَنْفِقْهَا وَلْتَكُنْ وَدِيعَةً عِنْدَكَ فَإِنْ جَاءَ طَالِبُهَا يَوْمًا مِنَ الدَّهْرِ فَأَدِّهَا إِلَيْه» (1).
(2)
قوله «وَإِنْ كَانَ حَيَوَانًا يَحْتَاجُ إِلىَ مُؤنَةٍ»:
كعلف أو سقي ونحو ذلك.
(3)
قوله «أَوْ شَيْئًا يَخْشَى تَلَفَهُ»:
كالفواكه والخضروات.492
الجزء: 4 - الصفحة: 255
فَلَهُ أَكْلُهُ قَبْلَ التَّعْرِيْفِ، أَوْ بَيْعُهُ، ثُمَّ يُعَرِّفُهُ؛ لِمَا رَوَى زَيْدُ بْنُ خَالِدٍ - رضي الله عنه - قَالَ: سُئِلَ رَسُوْلُ اللهِ عَنْ لُقَطَةِ الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ، فَقَالَ: «اعْرِفْ وِكَاءَهَا وَعِفَاصَهَا ثُمَّ عَرِّفْهَا سَنَةً، فَإِنْ جَاءَ طَالِبُهَا يَوْمًا مِنَ الدَّهْرِ، فَادْفَعْهَا إِلَيْهِ».
وَسَأَلَهُ عَنِ الشَّاةِ، فَقَالَ: «خُذْهَا فَإِنَّمَا هِيَ لَكَ، أَوْ لأَخِيْكَ، أَوْ لِلذِّئْبِ» (1)، وَإِنْ هَلَكَتِ الُّلقَطَةُ فِيْ حَوْلِ التَّعْرِيْفِ مِنْ غَيْرِ تَعَدٍّ، فَلا ضَمَانَ فِيْهَا (2).
(1) قوله «فَلَهُ أَكْلُهُ قَبْلَ التَّعْرِيْفِ، أَوْ بَيْعُهُ، ثُمَّ يُعَرِّفُهُ؛ لِمَا رَوَى زَيْدُ بْنُ خَالِدٍ - رضي الله عنه - قَالَ: سُئِلَ رَسُوْلُ اللهِ عَنْ لُقَطَةِ الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ، فَقَالَ: «اعْرِفْ وِكَاءَهَا وَعِفَاصَهَا ثُمَّ عَرِّفْهَا سَنَةً، فَإِنْ جَاءَ طَالِبُهَا يَوْمًا مِنَ الدَّهْرِ، فَادْفَعْهَا إِلَيْهِ».
وَسَأَلَهُ عَنِ الشَّاةِ، فَقَالَ: «خُذْهَا فَإِنَّمَا هِيَ لَكَ، أَوْ لأَخِيْكَ، أَوْ لِلذِّئْبِ»: أي فهو بالخيار بين أكله أو بيعه ثم بعد ذلك يعرفه، وقد سبق بيان ذلك مفصلاً.
(2)
قوله «وَإِنْ هَلَكَتِ الُّلقَطَةُ فِيْ حَوْلِ التَّعْرِيْفِ مِنْ غَيْرِ تَعَدٍّ، فَلا ضَمَانَ فِيْهَا»:
لأنها لم تدخل في ملكه بعد، فلا ضمان عليه وقد سبق الخلاف فيما إذا هلكت بعد تمام الحول هل يضمن أم لا؟ وبيان الراجح.
الجزء: 4 - الصفحة: 256
فَصْلٌ فِي اللَّقِيْطِ
وَاللَّقِيْطُ، هُوَ الطِّفْلُ الْمَنْبُوْذُ (1)، وَهُوَ مَحْكُوْمٌ بِحُرَّيَتِهِ (2)، وَإِسْلامِهِ (3)، الشرح:
(1)
قوله «وَاللَّقِيْطُ، هُوَ الطِّفْلُ الْمَنْبُوْذُ»:
انتقل المؤلف هنا إلى بيان حكم اللقيط وهو الصبي من سن الولادة إلى سن البلوغ سواء كان ذكراً أو أنثى, والمنبوذ أي المطروح في شارع أو مسجد وغير ذلك.
حكم التقاطه: التقاط الصبي اللقيط فرض كفاية إذا قام به البعض سقط الإثم عن الباقين لأن في التقاطه إحياء نفس فكان واجباً كإطعامه إذا اضطر.
دليل ذلك قوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى .. ﴾ 493، وما ثبت عن عبد الله بن عمر - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ لا يَظْلِمُهُ وَلا يُسْلِمُهُ .. » 494.
(2) قوله «وَهُوَ مَحْكُوْمٌ بِحُرَّيَتِهِ»: وهذا في قول عامة أهل العلم، بل نُقل الإجماع على ذلك، وذلك لأن الأصل في الإنسان الحرية.
(3) قوله «وَإِسْلامِهِ»: هذا هو الحكم الثاني، فيحكم بإسلامه لكن هذا مقيد بالدار التي وجد فيها، فإن كان في دار إسلام فقط، أو دار إسلام ويوجد فيها أهل ذمَّة حُكِمَ بإسلامه تغليباً للإسلام أو الدار، أما إن كان في دار كفار فقد قال الفقهاء بأنه يحكم بكفره تغليباً لجانب الدار والقرينة لأن الدار للكفار وأهلها منهم.
الجزء: 4 - الصفحة: 257
وَمَا وُجِدَ عِنْدَهُ مِنَ الْمَالِ، فَهُوَ لَهُ (1) وَوِلايَتُهُ لِمُلْتَقِطِهِ، إِذَا كَانَ مُسْلِمًا عَدْلاً (2) =والذي رجحه شيخنا -رحمه الله- (1) أنه مسلم يحكم بإسلامه حتى وإن وجد في دار كفر لأن انقطاع تبعيته نسباً يستلزم انقطاع تبعيته ديناً لما ثبت عن أبى هريرة -رضي الله عنه- أنه كان يقول: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلاَّ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ وَيُنَصِّرَانِهِ وَيُمَجِّسَانِهِ» (2). وهذا الطفل ليس له أبوان فلما انقطعت تبعيته في الأبوين من حيث النسب فلتنقطع من حيث الدين ونرجع إلى الأصل وهو الفطرة، والفطرة هي الإسلام.
(1)
قوله «وَمَا وُجِدَ عِنْدَهُ مِنَ الْمَالِ، فَهُوَ لَهُ»:
هذا هو الحكم الثالث فما وجد قريباً منه من فراش أو ثياب أو مال ونحو ذلك مما ينتفع به فهو له لأن هذا هو الظاهر، ولأنه كالمكلف له يد صحيحة، بدليل أنه يرث ويورث، ويمنع التقاطه بدون التقاط المال الموجود عنده لما فيه من الحيلولة بين المال ومالكه.
(2)
قوله «وَوِلايَتُهُ لِمُلْتَقِطِهِ، إِذَا كَانَ مُسْلِمًا عَدْلاً»:
هذا هو الحكم الرابع من أحكام اللقيط وهو أن حضانته لا تكون لأي أحد بل تكون لمن توفر فيه شرطان الإسلام والعدل، والعدالة هي الاستقامة على الدين وذلك يكون بفعل الأوامر وترك النواهي، واستقامة المروءة بفعل ما يفعله الناس من الآداب والأخلاق الجميلة.
أما دليل ما ذكره المؤلف فهو ما رواه مالك عن ابن شهاب عَنْ سُنَيْنٍ أَبِي جَمِيلَةَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ أَنَّهُ وَجَدَ مَنْبُوذًا فِي زَمَانِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، قَالَ: فَجِئْتُ بِهِ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فَقَالَ: مَا حَمَلَكَ=495496
الجزء: 4 - الصفحة: 258
وَنَفَقَتُهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، إِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ مَا يُنْفَقُ عَلَيْهِ (1)، وَمَا خَلَّفَهُ فَهُوَ فَيْءٌ (2)، = عَلَى أَخْذِ هَذِهِ النَّسَمَةِ؟ فَقَالَ: وَجَدْتُهَا ضَائِعَةً فَأَخَذْتُهَا، فَقَالَ لَهُ عَرِيفُهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّهُ رَجُلٌ صَالِحٌ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: أَكَذَلِكَ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: اذْهَبْ فَهُوَ حُرٌّ وَلَكَ، وَلاؤُهُ وَعَلَيْنَا نَفَقَتُهُ (1).
(1)
قوله «وَنَفَقَتُهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، إِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ مَا يُنْفَقُ عَلَيْهِ»:
هذا هو الحكم الخامس من أحكام اللقيط أي تكون نفقته على بيت مال المسلمين إن لم يكن مع اللقيط شيء ولا تجب نفقته على الملتقط، فإن تعذر الإنفاق عليه من بيت مال المسلمين فعلى من علم حاله من المسلمين، ودليل ما ذكره المؤلف في قصة عمر المتقدمة.
(2)
قوله «وَمَا خَلَّفَهُ فَهُوَ فَيْءٌ»:
هذا هو الحكم السادس من أحكام اللقيط، فما تركه من مال أو ديته إن قُتل فإنها فيء يكون لبيت مال المسلمين هذا إن لم يكن له وارث، أما إذا كان له وارث كأن يكون قد تزوج وله أولاد وزوجة فماله لوارثه، وقولنا إذا لم يكن له وارث وله مال أو قتل فديته وماله إلى بيت مال المسلمين.
هذا هو أحد القولين في المسألة، وهو المذهب 498.
والقول الثاني في المسألة أن ميراثه وديته إن قتل تكون لواجده، وهذا رواية في المذهب 499، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية 500، وشيخنا رحمهما الله 501، وهو الصحيح.497
الجزء: 4 - الصفحة: 259
وَمَنِ ادَّعَى نَسَبَهُ، أُلْحِقَ بِهِ (1)، =دليل ذلك ما جاء عَنْ وَاثِلَةَ بْنِ الأَسْقَعِ عَنِ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ «الْمَرْأَةُ تُحْرِزُ ثَلاثَةَ مَوَارِيثَ عَتِيقَهَا وَلَقِيطَهَا وَوَلَدَهَا الَّذِي لاعَنَتْ عَنْهُ» (1)، ولأن هذا أولى من أن نجعله في بيت المال لأن بيت المال ينتفع به عامة المسلمين، لكن هذا ينتفع به الواجد الذي تعب عليه وربما يكون هو السبب أيضاً في تحصيل المال.
(1)
قوله «وَمَنِ ادَّعَى نَسَبَهُ، أُلْحِقَ بِهِ»:
هذا هو الحكم السابع من أحكام اللقيط وهو أنه إذا ادعاه أحد فإنه يلحق به وينسب إليه لأن هذا فيه مصلحة للطفل ولا مضرة على غيره فيه، ولأن شريعة الإسلام تتشوف إلى إلحاق الأنساب وكذلك ما ثبت عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال «الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ» 503.
فإن ادعته امرأة فقالت هذا ولدي ففي إلحاقه بها ثلاثة أقوال:
الأول: أنه يلحق بها مطلقاً سواء كانت ذات زوج أم لا، لأن الإقرار به سبب لمصلحة الطفل، وهذا هو المذهب 504.
القول الثاني: لا يلحق بها مطلقاً لأن المرأة لا ينسب إليها، فلا فائدة من إلحاقه بها.
القول الثالث: يلحق بها إلا أن تكون ذات زوج، فلا يلحق بها إلا أن يقر به الزوج، لأن في إلحاق الولد بها وهي ذات زوج إلحاقاً للنسب وذلك غير جائز ولأن في إلحاقه بها عاراً على الزوج فيلزم أن تكون زانية أو موطوءة بشبهة.502
الجزء: 4 - الصفحة: 260
إِلاَّ أَنَّهُ إِنْ كَانَ كَافِرًا، أُلْحِقَ بِهِ نَسَبًا، لا دِيْنًا، وَلَمْ يُسَلَّمْ إِلَيْهِ (1)، = قلت: وهذا هو الأقرب عندي، وهو اختيار شيخنا محمد بن صالح العثيمين -رحمه الله- (1).
(1)
قوله «إِلاَّ أَنَّهُ إِنْ كَانَ كَافِرًا، أُلْحِقَ بِهِ نَسَبًا، لا دِيْنًا، وَلَمْ يُسَلَّمْ إِلَيْهِ»:
أي إلا إذا ادعاه كافر فإنه يلحق به نسباً لأن الكافر يثبت له حق النكاح والفراش كما للمسلم، أما الدين فلا يلحق به لأن الطفل محكوم بإسلامه، وقد تقدم بيان ذلك عند قول المؤلف «وهو محكوم بحريته وإسلامه».
لكن ما هو وجه الإلحاق به نسباً وعدم الإلحاق به ديناً؟
نقول: كما ذكرنا أن الشريعة تتشوف إلي إلحاق الأنساب فكونه يلحق به نسباً فيه مصلحة للطفل، أما كونه يلحق به ديناً فهذا ليس فيه مصلحة للطفل بل فيه مضرة عليه بكفره، وقد يكون الطفل ليس بابن له ويكون أبواه مسلمين فلا يزول ذلك بدعوى كافر، فالحاصل أن الطفل يحكم له بالإسلام.
ولا يقبل قول الذَّمي في كفره ولا حق له في حضانته ولا يسلم إليه لأنه لا ولاية للكافر على المسلم، فإذا جاء كافر وقال هذا اللقيط ابني قلنا له نعم هو ابنك لكنه محكوم بإسلامه ولا حضانة لك عليه.
- فائدة: لا يلحق اللقيط بمن ادعاه إذا ثبت عن طريق تحليل الدم أو عن طريق البصمات الوراثية أنه ليس ولداً له، أو ثبت طبياً أن هذا المدعي للقيط كان عقيماً لوجود الدليل القاطع على نفي ثبوته له وعكس ذلك إذا ثبت عن طريق الطب وعن طريق البصمات الوراثية إن هذا اللقيط ابن شخص ادعاه فإنه يلحق به، فيقدم هذا الشخص على من ادعاه أو ألحقه القافة به، ولو كان الملتقط له.505
الجزء: 4 - الصفحة: 261
بَابُ السَّبْقِ
(1) الشرح:
(1)
قوله «بَابُ السَّبْقِ»:
السبق بسكون الباء بلوغ الغاية قبل غيره، وبالتحريك «السبَق» ما يتراهن عليه المتسابقون في الخيل والإبل والنضال فمن سبق أخذه ويسمى «الجعل».
ذكر بعض الفوائد
:
الفائدة الأولى: حكم السبق
:
السبق جائز بالكتاب والسنة والإجماع.
أما دليل الكتاب: فقوله تعالى: ﴿قَالُوا يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ .. » 506 أي نترامى بالسهام أو نتجارى على الأقدام، وقوله تعالى: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ .. » 507.
أما دليل السنة: فمنها ما ثبت عن عقبة بن عامر قال سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو على المنبر يقول: «{وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾، أَلا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ، أَلا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ، أَلا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ» 508.
وما جاء عن أبى هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «لا سَبْقَ إِلاَّ فِي خُفٍّ أَوْ فِي حَافِرٍ أَوْ نَصْلٍ» 509. وجه الدلالة منه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أجاز السباق على جعل، وأيضاً ما ثبت عَنِ ابْنِ عُمَرَ - رضي الله عنه - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - «سَابَقَ بِالْخَيْلِ الَّتِي قَدْ =
الجزء: 4 - الصفحة: 262
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
=أُضْمِرَتْ مِنَ الْحَفْيَاءِ وَكَانَ أَمَدُهَا ثَنِيَّةَ الْوَدَاعِ وَسَابَقَ بَيْنَ الْخَيْلِ الَّتِي لَمْ تُضْمَرْ مِنَ الثَّنِيَّةِ إِلَى مَسْجِدِ بَنِى زُرَيْقٍ وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ فِيمَنْ سَابَقَ بِهَا» 510
ومعنى المضمرة: هي التي تربط وتعلف ويسقى كثيراً ثم يعلف قليلاً ويركض في الميدان حتى يخف.
أما الإجماع: فقد انعقد الإجماع على جواز السبق في الجملة لا بالجملة.
- فائدة: في أقسام السبق:
ينقسم السبق إلى ثلاثة أقسام:
الأول: سبق لا يجوز لا بعوض ولا بغير عوض.
الثاني: سبق يجوز بعوض وغيره.
الثالث: سبق يجوز بلا عوض، ولا يجوز بعوض.
أما القسم الأول: «ما لا يجوز بعوض ولا بغير عوض»: فهو كل سبق فيه مفسدة راجحة على المنفعة، وكل مغالبة ألهت عن واجب أو دخلت في محرم.
من أمثلة ذلك النرد والشطرنج، ومن ذلك أيضاً المصارعة والملاكمة التي فيها كشف للعورات وضرب يؤدي إلى الموت، وكذلك المسابقات الفنية المحرمة كالتصوير المحرم، والتمثيل المحرم، والغناء والرقص والموسيقى، وكالمناطحة بين الثيران والشياه، وغير ذلك مما هو محرم، فهذا لا يجوز بعوض ولا بغير عوض.
الجزء: 4 - الصفحة: 263
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أما القسم الثاني: ما يجوز بعوض وغيره: وهو ما فيه مصلحة راجحة كالرمي، والسباق بالخيل، والإبل لصريح النص الوارد في ذلك.
وهل يجوز القياس على هذه الثلاث؟
محل خلاف بين العلماء، والراجح عندي الجواز لما في ذلك من المصلحة المترتبة عليه كالمسابقات على قيادة الطائرات والدبابات والغواصات الحربية وجميع فنون القتال، وكذلك المسابقة على السيارات التي يستخدمها رجال الأمن ومكافحة المخدرات أو رجال حرس الحدود في مطاردة المجرمين، وكذلك المسابقات العلمية النافعة، كالمسابقة في حفظ القرآن والمسابقة في حفظ السنة والمتون العلمية، وكذلك المسابقة في تأليف الكتب والبحوث العلمية، وإجراء التجارب العلمية فكل هذه وغيرها فيها مصلحة راجحة فيجوز فيها السبق بعوض وغيره.
أما القسم الثالث: ما يجوز بلا عوض ولا يجوز بعوض: وهو ما كان مباحاً ولا يجوز أخذ الجعل عليه كالمسابقة في الرسم المباح، والصور المباحة، والسباق على عموم السيارات والدراجات، وكذا المسابقة على الفيلة والبغال والحمير ونحو ذلك مما هو مباح في أصله، ويدخل في ذلك المباح الذي يغلب عليه اللهو ولا يهدف في الغالب إلى تحقيق أمر مندوب إليه في الشرع، وإن كان قد يكون أحياناً مندوباً إليه كالمسابقة على الأقدام وحمل الأثقال والمصارعة التي لا خطورة فيها وكذلك كرة القدم والسلة واليد ونحو ذلك من أنواع الكرة، فهذه منع أهل العلم المعاصرين 511 وضع الجعل فيها.
الجزء: 4 - الصفحة: 264
وَتَجُوْزُ الْمُسَابَقَةُ بِغَيْرِ جُعْلٍ فِي الأَشْيَاءِ كُلِّهَا (1)، وَلا تَجُوْزُ بِجُعْلٍ، إِلاَّ فِيْ الْخَيْلِ وَالإِبِلِ وَالرَّمْيِ؛ لِقَوْلِ رَسُوْلِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - «لا سَبْقَ إِلاَّ فِيْ نَصْلٍ، أَوْ خُفٍّ، أَوْ حَافِرٍ» (2) - فائدة: جميع أنواع ألعاب الكرة الأصل فيها الإباحة، وإن نوى المسلم فيها تقوية بدنه ليتقوى بذلك على طاعة الله كان ذلك عبادة يثاب عليها، لكن إن كان يترتب على لعبه كشف للعورات وضياع للواجبات فهنا يحرم، أما وضع الجعل فيها فهو محرم.
(1)
قوله «وَتَجُوْزُ الْمُسَابَقَةُ بِغَيْرِ جُعْلٍ فِي الأَشْيَاءِ كُلِّهَا»:
أي يجوز السبق في جميع الأشياء كلها بغير جعل ويكون أكل المال في غير ما سيذكره المؤلف مما ورد النص بجوازه مما يحرم فلا يجوز أخذ الجعل عليه.
(2)
قوله «وَلا تَجُوْزُ بِجُعْلٍ، إِلاَّ فِيْ الْخَيْلِ وَالإِبِلِ وَالرَّمْيِ؛ لِقَوْلِ رَسُوْلِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - «لا سَبْقَ إِلاَّ فِيْ نَصْلٍ، أَوْ خُفٍّ، أَوْ حَافِرٍ»
الجزء: 4 - الصفحة: 265
فَإِنْ كَانَ الْجُعْلُ مِنْ غَيْرِ الْمُسْتَبِقَيْنِ، جَازَ، وَهُوَ لِلسَّابِقِ مِنْهُمَا (1)، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَحَدِهِمَا، فَسَبَقَ الْمُخْرِجُ (2)، أَوْ جَاءَا مَعًا، أَحْرَزَ سَبْقَهُ، وَلا شَيْءَ لَهُ سِوَاهُ (3)، وَإِنْ سَبَقَ الآخَرُ أَخَذَهُ (4)، (1)
قوله «فَإِنْ كَانَ الْجُعْلُ مِنْ غَيْرِ الْمُسْتَبِقَيْنِ، جَازَ، وَهُوَ لِلسَّابِقِ مِنْهُمَا»:
أي فإن كان العوض من غير المتسابقين وذلك بأن يبذله طرف ثالث فإنه يصح سواء كان من ماله أو بيت مال المسلمين ويكون العوض لمن سبق منهما.
(2)
قوله «وَإِنْ كَانَ مِنْ أَحَدِهِمَا، فَسَبَقَ الْمُخْرِجُ»:
أي فإن كان الجعل «العوض» بين المتسابقين وقد قام به أحد المتسابقين، فهنا لا يخلو من حالين:
الأولى: إما أن يسبق من جعل المال عوضاً.
الثانية: أو لا يسبق أحدهما الأخر ففي الحالتين يكون المال لمن تبرع به، لأنه لم يستحقه أحد بالمسابقة.
(3)
قوله «أَوْ جَاءَا مَعًا، أَحْرَزَ سَبْقَهُ، وَلا شَيْءَ لَهُ سِوَاهُ»:
أي وإن كان الجعل وهو العوض من أحد المتسابقين على أن من سبق أخذ الجعل فسبق من أخرج العوض أو جاء المتسابقان معاً فهنا يعود الجعل لمن أخرجه منهما وليس للآخر شيء.
(4)
قوله «وَإِنْ سَبَقَ الآخَرُ أَخَذَهُ»:
أي إن سبق المتنافس الأخر فإنه يأخذ سَبْقَ صاحبه لأنه سبقه فملك المال الذي جعله عوضاً.
وهل يعد ذلك قماراً؟
نقول لا يعد ما بذله أحد المتسابقين قماراً لانتفاء شبهة القمار فيه، وهو رأي الجمهور 514.
الجزء: 4 - الصفحة: 266
وَإِنْ أَخْرَجَا جَمِيْعًا، لَمْ يَجُزْ، إِلاَّ أَنْ يُدْخِلا بَيْنَهُمَا مُحَلِّلا يُكَافِئُ فَرَسُهُ فَرَسَيْهِمَا، أَوْ بَعِيْرُهُ بَعِيْرَيْهِمِا، أَوْ رَمْيُهُ رَمْيَيْهِمِا؛ لِقَوْلِ رَسُوْلِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ أَدْخَلَ فَرَسًا بَيْنَ فَرَسَيْنِ، وَهُوَ لا يَأْمَنُ أَنْ يُسْبَقَ، فَلَيْسَ بِقِمَارٍ.
وَمَنْ أَدْخَلَ فَرَسًا بَيْنَ فَرَسَيْنِ، وَقَدْ أَمِنَ أَنْ يُسْبَقَ فَهُوَ قِمَار» 515
(1)
قوله «وَإِنْ أَخْرَجَا جَمِيْعًا، لَمْ يَجُزْ، إِلاَّ أَنْ يُدْخِلا بَيْنَهُمَا مُحَلِّلا يُكَافِئُ فَرَسُهُ فَرَسَيْهِمَا، أَوْ بَعِيْرُهُ بَعِيْرَيْهِمِا، أَوْ رَمْيُهُ رَمْيَيْهِمِا؛ لِقَوْلِ رَسُوْلِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ أَدْخَلَ فَرَسًا بَيْنَ فَرَسَيْنِ، وَهُوَ لا يَأْمَنُ أَنْ يُسْبَقَ، فَلَيْسَ بِقِمَارٍ.
وَمَنْ أَدْخَلَ فَرَسًا بَيْنَ فَرَسَيْنِ، وَقَدْ أَمِنَ أَنْ يُسْبَقَ فَهُوَ قِمَارٌ»
(1): أي فإن أخرج المتسابقان العوض جميعاً كأن يجعل هذا ألفاً وهذا ألفاً مثلاً فإنه لا يجوز لأنه من القمار ولأن أحدهما لا يخلو من كونه غارماً أو غانماً وهذا هو عين القمار المحرم فما الحل إذاً؟ قال يدخلان بينهما محللاً وهو فرس ثالث لم يضع رهناً فيتسابق معهما وهذا ما ذهب إليه الجمهور 516، وذلك لأن بذل الجعل من كلا المتسابقين يعد قماراً كما سبق وهذا أحد القولين في هذه المسألة.
وذهب شيخ الإسلام 517، وابن القيم 518 إلى أنه يجوز بذل العوض من كلا المتسابقين ولو بدون محلل واستدلوا على ذلك بما يلي:
1 - عدم ثبوت الأحاديث التي تدل على اشتراط المحلل.
2 - لو كان المحلل شرطا لكان التصريح به في الحديث المتقدم يعني حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-: «من أدخل فرساً بين فرسين وهو لا يأمن أن يسبق فليس =
الجزء: 4 - الصفحة: 267
فَإِنْ سَبَقَهُمَا، أَحْرَزَ سَبَقَيْهِمِا (1)، وَإِنْ سَبَقَ أَحَدُهُمَا، أَحْرَزَ سَبَقَهُ، وَأَخَذَ سَبَقَ صَاحِبِهِ (2)، = بقمار .. » (1). 3 - أن إدخال المحلل حيلة، لأنه إن جاز أخذ العوض بلا محلل فلا حاجة إلى المحلل، وإن كان حراماً لكونه قماراً صار إدخال المحلل من أجل استحلال الحرام، والحيل ممنوعة شرعاً، وهذا هو الراجح عندي وهو اختيار شيخنا -رحمه الله- (2). وعلى ذلك إخراج الجعل من الطرفين قمار في الأصل، ولكنه في هذه الحالة ليس قماراً محرماً، بل هو مستثنى منه لأن فيه مصلحة تربو على مفسدته، والمصلحة هي التمرن على آلات القتال، وهذه مصلحة عظيمة تنغمر فيها المفسدة التي تحصل بالميسر، والشرع كله مصالح إما غالبة وإما متمحضة.
(1)
قوله «فَإِنْ سَبَقَهُمَا، أَحْرَزَ سَبَقَيْهِمِا»:
أي إن سبق المحلل المتسابقين الذين دفع كل واحد منهما مالاً كرهان بينهما فإنه يأخذ هذا المال الذي دفعاه.
(2)
قوله «وَإِنْ سَبَقَ أَحَدُهُمَا، أَحْرَزَ سَبَقَهُ، وَأَخَذَ سَبَقَ صَاحِبِهِ»:
أي إن سبق أحد المتسابقين اللذين دفعا مالاً كرهان بينهما لمن يفوز فإنه يأخذ ماله الذي دفعه مضافاً إليه سبق الأخر لأنه جعل لمن يسبق وقد وجد، وقد سبق الخلاف فيما ذكره المؤلف هنا، وقلنا بان الصحيح بأنه لا يشترط وجود المحلل مع المتسابقين اللذين دفعا مال الرهان لكن إن دخل معهما غيرهما ممن لم يدفع شيئاً صح ذلك لعدم المانع منه.519520
الجزء: 4 - الصفحة: 268
وَلا بُدَّ مِنْ تَحْدِيْدِ الْمَسَافَةِ، وَبَيَانِ الغَايَةِ (1)، وَقَدْرِ الإِصَابَةِ (2)، وَصِفَتِهَا (3)، وَعَدَدِ الرِّشْقِ (4)، (1)
قوله «وَلا بُدَّ مِنْ تَحْدِيْدِ الْمَسَافَةِ، وَبَيَانِ الغَايَةِ»:
هذا أحد شروط السبق فلا بد من تحديد المسافة من الجري، وتحديد مدى الجري، والمراد بالمسافة بداية المسابقة، بأن يكون لابتداء عدوهما وأخره غاية لا يختلفان فيهما.
وذهب المالكية (1) إلى عدم اشتراط المساواة في المسافة في الميدان ولا في الغاية، فإذا دخلا على اختلاف في ذلك جاز.
والصواب عندي: ما ذهب إليه المؤلف، فلا بد من اشتراط تحديد المسافة والغاية لأنه لا يعلم اسبقهما إلا بذلك.
(2)
قوله «وَقَدْرِ الإِصَابَةِ»:
هذا في الرمي فلا بد من تحديد مدى الإصابة لأنها تختلف بالقرب والبعد، كما يشترط بيان عدد الإصابة كما سيذكره المؤلف بقوله «عدد الرشق».
(3)
قوله «وَصِفَتِهَا»:
صفة الإصابة كأن يقال يشترط في الإصابة أن تخرق الشيء الذي يرمى أو يشترط أن تصيبه فقط ونحو ذلك.
(4)
قوله «وَعَدَدِ الرِّشْقِ»:
أي لا بد من تعيين عدد الإصابات كأن يقول من أصاب عشر إصابات من عشرين فهو السابق أو من أصاب الغرض قبل صاحبه في العشرين رميه الأول فهو السابق ونحو ذلك.
إذاً لا بد من هذه الأمور الثلاثة في الرمي:
1 - تحديد قدر الإصابة.
2 - صفتها.
3 - عدد الرشق، لأنه لا يمكن معرفة السابق إلا بها، ولقطع التنازع بين المتسابقين فلو كان ذلك مجهولاً =521
الجزء: 4 - الصفحة: 269
وَإِنَّمَا تَكُوْنُ الْمُسَابَقَةُ فِي الرَّمْيِ عَلىَ الإِصَابَةِ، لا عَلَى الْبُعْدِ (1) = لأفضى إلى النزاع.
(1)
قوله «وَإِنَّمَا تَكُوْنُ الْمُسَابَقَةُ فِي الرَّمْيِ عَلىَ الإِصَابَةِ، لا عَلَى الْبُعْدِ»:
هذا أحد القولين في المسألة، والمعنى أن المسابقة بالرمي إنما تكون على الإصابة في عدد من الرشق بأن يقول العاقد الرشق عشرون والإصابة ثمان مثلاً لأن الغرض معرفة الحذق ولا يحصل إلا بمعرفة العدد، ولأن المقصود من الرمي الإصابة لا بعد المسافة ولأن المقصود من الرمي التعلم إما لقتل العدو أو جرحه أو الصيد ونحو ذلك وكل هذا إنما يحصل بالإصابة لا الإبعاد.
وذهب بعض أهل العلم إلى أنه يجوز أن تكون المسابقة على الأبعد رمياً لأنه يمتحن به قوة الساعد ويستعان به على قتال العدو عن بعد، وهذا هو الأظهر عندي.
ذكر بعض الفوائد
:
- الفائدة الأولى: يشترط لصحة السبق خمسة شروط:
1 - تعيين المركوبين لأن الغرض معرفة سيرهما ومن ثم فلا يجوز إبدالهما ولا إبدال أحدهما لاختلاف الغرض.
2 - أن يكون المركوب والآلة التي يركبها من نوع واحد، فإن كانتا من جنسين كالفرس مثلاً والبعير لم يجز لأن البعير لا يكاد يسبق الفرس فلا يحصل الغرض من هذه المسابقة، وذهب المالكية 522 إلى الجواز مع الجنس أو اختلافه.
3 - تحديد المسافة وتحديد مدى الرمي وقد سبق.
4 - أن يكون العوض معلوماً وذلك لأنه مال في عقد فلا بد أن يكون =
الجزء: 4 - الصفحة: 270
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
=معلوماً كسائر العقود ويكون معلوماً بالمشاهدة أو القدر أو الصفة ويجوز أيضاً أن يكون حالاً أو مؤجلاً كالعوض في البيع أو يكون بعضه حالاً وبعضه مؤجلاً.
5 - الخروج عن شبة القمار، فإن كان منهما لم يجز، وإن كان من إمام أو أجنبي جاز، وهذا هو مذهب الأئمة الأربعة (1) فإنهم يلزمون أن يكون بين المتسابقين محلل وهو ثالث على فرس كفء.
وذهب شيخ الإسلام (2) إلى عدم اشتراط هذا الشرط، وقد سبق بيان الخلاف في هذه المسألة، وبيان أن الراجح فيها ما رجحه شيخ الإسلام -رحمه الله-.
الفائدة الثانية: حكم عقد المسابقة
:
اختلف الفقهاء في هذه المسألة: فذهب الحنفية 525، والحنابلة 526 إلى أن عقد المسابقة جائز كعقد الجعالة، فلكل واحد من المتسابقين فسخه قبل الشروع في المسابقة.
وذهب المالكية 527 إلى أنه عقد لازم ليس لأحد المتسابقين فسخه إلا برضاهما.
وذهب الشافعية 528 وهو الأظهر عندهم إلى أن عقد المسابقة لازم لمن التزم بالعوض، أما من لم يلتزم شيئاً فجائز في حقه.
=523524
الجزء: 4 - الصفحة: 271
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
=والراجح عندي ما ذهب إليه الحنفية والحنابلة، فهي عقد جائز لكل واحد منهما فسخه لكن يشترط في الفسخ أن لا يظهر الفضل لأحدهما، فإن ظهر الفضل لأحدهما فإنه يمتنع على صاحبه الفسخ لئلا يؤدي إلى التلاعب.
مثال ذلك: إذا كانت الإصابة تسعة من عشرة ثم إن صاحبه أخذ ثلاثة وهو أخذ خمسة فلا يجوز لصاحب الثلاثة أن يفسخ ويجوز لصاحب الخمسة أن يفسخ لأنه ظهر له الفضل، وهذا ما رجحه شيخنا -رحمه الله- (1).
- الفائدة الثالثة: حكم المسابقة في وسائل الإعلام
والمؤسسات والشركات:
كثرت في الآونة الأخيرة هذه المسابقات، وتفنن الناس في أنواعها بهدف الفائدة أحياناً وبهدف كسب الربح المادي فقط أحياناً وبهدف إيصال المعلومة إلى أكبر شريحة من المجتمع في بعض الأحيان، وعلى كل حال فهذه المسابقات يحكمها قواعد في باب المعاملات إذا سلمت منها فالأصل جوازها، فإذا خلت من الربا والغرر والميسر والقمار والظلم فالأصل جوازها، ولذا فمتى كان المتسابق سالماً أو غانماً فهي جائزة أما إن كان غانماً أو غارماً فهنا لا تجوز ومن أمثلة ذلك.
أـ المسابقات في الإذاعة والتليفزيون أو غيرها إن كان المتسابق يدفع نقوداً ليحصل على المسابقة أو ليتم الاتصال بالجهة صاحبة المسابقة فهذه لا تجوز لأنه هنا إما غانم أو غارم، فإما أن يكسب المسابقة ويكون غانماً أو لا يكسب ويكون غارماً قيمة المسابقة أو قيمة الاتصال بالجهة المعينة، لكن لو كانت المسابقة مجانية أو كان الاتصال مجاناً فالأصل الجواز.529
الجزء: 4 - الصفحة: 272
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ب - المسابقات الصحفية: وهذه المسابقات إذا لم تشترط الصحيفة شراءها ولم تشترط نموذجاً - كوبوناً - معيناً، فالأصل الجواز ما دام فيها فائدة ثقافية أما إذا اشترطت الصحيفة شراءها أو اشترطت وضع «الكوبون» ضمن الإجابة فهنا نقول لا تجوز هذه المسابقة إلا لمن كان يشتري الصحيفة قبل المسابقة أو كانت تأتيه من دون قيمة لأنه هنا إما أن يكون غانماً أو سالماً.
ج - الجوائز في المؤسسات والمحلات والشركات، هذا النوع جائز بشروط:
1 - ألا يزيد صاحب المحل من قيمة السلعة.
2 - ألا يوقع الضرر على المحلات الأخرى المماثلة له.
3 - ألا يشترط الشراء بل يسمح لكل من يرغب في دخول المسابقة.
4 - أن لا يشتري المتسابق سلعة لا يحتاج إليها، وبهذا يعلم أن الهدايا التشجيعية عند المحلات التجارية لا حرج فيها - إن شاء الله - لأن المتسابق إما أن يكون غانماً للهدايا أو سالماً لم يخسر شيئاً.
الجزء: 4 - الصفحة: 273
بَابُ الْوَدِيْعَةِ
(1) وَهِيَ أَمَانَةٌ (2)، لا ضَمَانَ فِيْهَا عَلَى الْمُوْدَعِ مَا لَمْ يَتَعَدَّ (3)، الشرح:
(1)
قوله «بَابُ الْوَدِيْعَةِ»:
الوديعة في اللغة: من ودْع الشيء إذا تركه عند المودع، وفي الشرع توكيل المودع من يحفظ ماله بلا عوض.
حكم الوديعة
: الوديعة جائزة، بل هي مستحبة لمن كان أميناً وعلم من نفسه القدرة على حفظها.
عقد الوديعة: عقد الوديعة عقد جائز من الجانبين يملك كل منهما فسخه، قال ابن جِزي (1) «وهي أمانة من الجهتين فلكل واحد منهما حلَّها متى شاء».
(2)
قوله «وَهِيَ أَمَانَةٌ»:
أي الوديعة أمانة عند المودع والأمانة أعم من الوديعة، لأن الأمانة تكون في معاملة الإنسان مع ربه ومع الناس ومع نفسه، والوديعة نوع من الأمانة والأخص دائماً يستلزم معنى الأعم ولا عكس، وعلى ذلك كل وديعة أمانة وليست كل أمانة وديعة.
(3)
قوله «لا ضَمَانَ فِيْهَا عَلَى الْمُوْدَعِ مَا لَمْ يَتَعَدَّ»:
لأنه أمين قبض المال بإذن مالكه والقاعدة في ذلك أن الأمين لا يضمن ما تلف تحت يده إلا بتعد أو تفريط بدليل قوله تعالى: ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ .. ﴾ 531، والمودع محسن فإذا كان محسناً فلا ضمان عليه لكن إن تعدى أو فرط فإنه يضمن، وللتفريط والتعدي صور كثيرة نذكر منها ما يلي: 1 - أن يودعها المودع عند غيره دون إذن المالك فيضمن بذلك.530
الجزء: 4 - الصفحة: 274
وَإِنْ لَمْ يَحْفَظْهَا فِيْ حِرْزِ مِثْلِهَا (1)،
2 - السفر بها بدون إذن صاحبها مع أن بقاءها أضمن.
3 - ترك الإيصاء فإذا مرض المودع مرضاً مخوفاً أو حبس لقتل لزمه أن يوصي بها فإن لم يفعل ضمن.
4 - الانتفاع بالوديعة، فالانتفاع بها يوجب الضمان عليه.
5 - المخالفة في الحفظ فإن أمره بحفظها بوجه مخصوص فجعلها في دونه ضمن.
6 - التأخر في رد الوديعة بعد طلب صاحبها بدون عذر حتى تلفت فإنه يضمن (1).
(1)
قوله «وَإِنْ لَمْ يَحْفَظْهَا فِيْ حِرْزِ مِثْلِهَا»:
الحرز: ما يصون الشيء ويحميه، وهو يختلف بعدة اعتبارات، فيختلف باختلاف الأموال، وباختلاف البلدان وباختلاف السلطان قوة وضعفاً وعدلاً وجوراً.
فاختلاف الأموال مثل حرز الذهب والفضة كحرز الأواني.
واختلاف البلدان مثل البلد الذي فيه جنود الأمن منتشرة ليس كالبلد مفتوح الأبواب ليس فيه أحد من قوى الأمن فهذا أولى بالتحرز.
وكذلك السلطان، فالسلطان إن كان قوياً هان الاحتراس وإن كان ضعيفاً يجب أن يشتد الاحتراس، ومعنى قوله «وَإِنْ لَمْ يَحْفَظْهَا فِيْ حِرْزِ مِثْلِهَا» أي إن حفظها في مكان أقل من مستوى حفظ وصيانة هذه الأمانة فتلفت أو سرقت وجب عليه ضمانها لأنه مفرط في حفظها.532
الجزء: 4 - الصفحة: 275
أَوْ مِثْلِ الْحِرْزِ الَّذِيْ أُمِرَ بِإِحْرَازِهَا فِيْهِ (1)، أَوْ تَصَرَّفَ فِيْهَا لِنَفْسِهِ (2)، أَوْ خَلَطَهَا بِمَا لا تَتَمَيَّزُ مِنْهُ (3)، أَوْ أَخْرَجَهَا لِيُنْفِقَهَا ثُمَّ رَدَّهَا (4)، (1)
قوله «أَوْ مِثْلِ الْحِرْزِ الَّذِيْ أُمِرَ بِإِحْرَازِهَا فِيْهِ»:
أي حفظها في مكان ليس مثل الذي أمر بإحرازها فيه، كأن يأمره صاحبها بأن يضعها في صندوق حديدي بعيداً عن أعين الناس فوضعها في صندوق خشبي عادي أمام أعين الناس فإنه يضمن بذلك لأنه فرط، لأن صاحب الوديعة عيَّن مكاناً للحفظ فلا بد من الضمان عند عدم القيام بما أُمر به.
فإن عين صندوقاً فوضعها في صندوق مثله فلا ضمان عليه إلا إذا كان فيما عينه زيادة حرز، أما إذا جعلها في حرزٍ أقوى منه فلا ضمان عليه.
(2)
قوله «أَوْ تَصَرَّفَ فِيْهَا لِنَفْسِهِ»:
كأن ينفقها على نفسه أو يستخدمها فتلفت فإنه يضمن لأنه تسبب في إتلافها فلزمه ضمانها.
(3)
قوله «أَوْ خَلَطَهَا بِمَا لا تَتَمَيَّزُ مِنْهُ»:
كأن تكون الوديعة بُرًّا فيخلطها بِبُرٍّ فهنا خلط الوديعة بشيء غير متميز لأن حب البُر واحد لا يختلف، فلو خلطها بغير متميز فضاع الكل ضمن.
وما ذكره المؤلف هنا له حالات:
الأولى: أن يخلطها بغير متميز فعليه الضمان.
الثانية: أن يخلطها بتميز يصعب فيه التمييز فعليه الضمان، كما لو خلط وديعة الشعير ببر عنده فهذه يصعب عليه استخلاص الوديعة فهنا يضمن.
الثالثة: أن يخلطها بمتميز يسهل فيه التمييز فهنا ليس عليه ضمان.
(4)
قوله «أَوْ أَخْرَجَهَا لِيُنْفِقَهَا ثُمَّ رَدَّهَا»:
كأن تكون الوديعة دراهم ثم استقرضها فإنه يضمن لأنه ليس له الحق في أن يستقرضها أو يتصرف فيها بأي شيء.
الجزء: 4 - الصفحة: 276
أَوْ كَسَرَ خَتْمَ كِيْسِهَا (1)، أَوْ جَحَدَهَا (2)، أَوِ امْتَنَعَ مِنْ رَدِّهَا عِنْدَ طَلَبِهَا مَعَ إِمْكَانِهِ، ضَمِنَهَا (3)، وَإِنْ قَالَ: مَا أَوْدَعْتَنِيْ، ثُمَّ ادَّعَى تَلَفَهَا، أَوْ رَدَّهَا، لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ (4)، (1)
قوله «أَوْ كَسَرَ خَتْمَ كِيْسِهَا»:
وهذا فيما مضى فإنهم كانوا إذا وضعوا المال في كيس ربطوا أعلاه ثم صبوا على رأس الخيط شمعاً مذاباً ثم ختموا عليه بخاتم، لئلا يجترئ أحد على فكه، فإذا قام المودع عنده بكسر ختم الكيس فإنه يضمن، ومثله أيضاً إذا كسر القفل الذي على الصندوق الذي فيه الوديعة ثم تلفت فإنه يضمن لأنه بذلك قد خان الأمانة فأصبحت يده خائنة لا أمينة واليد الخائنة يلزمها الضمان.
(2)
قوله «أَوْ جَحَدَهَا»:
أي إن جحد المودع الوديعة ثم أقر بها صار خائناً فيضمن بذلك لخروجه بهذا الجحود عن كونه أميناً إلى كونه غاصباً، فإن تلفت عنده صار ضامناً وكذلك إن كان ما ادعاه من الرد أو التلف بعد جحوده كما لو ادعى بالوديعة يوم الجمعة فجحدها ثم أقر بها يوم الأحد ثم ادعى ردها أو تلفت بغير تفريط يوم السبت، وأقام بذلك بينة قبلت بينته لأن جحوده لا يكذبها، إذ يمكن أن يحدث الوديعة آخر نهار الجمعة بعد إنكاره، وإنما لم يقبل قوله إلا ببينة لأنه بإنكاره لها صار غير أمين فلم يقبل قوله.
(3)
قوله «أَوِ امْتَنَعَ مِنْ رَدِّهَا عِنْدَ طَلَبِهَا مَعَ إِمْكَانِهِ، ضَمِنَهَا»:
أي إذا طلب صاحب الوديعة «الوديعة» من صاحبها المودع عنده ثم رفض ردها إليه مع إمكانه حين طلبها ردها إليه فإنه يضمنها عند تلفها لأنه معتدٍ بذلك، وقد سبق بيان صور التعد في أول باب الوديعة.
(4)
قوله «وَإِنْ قَالَ: مَا أَوْدَعْتَنِيْ، ثُمَّ ادَّعَى تَلَفَهَا، أَوْ رَدَّهَا، لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ»:
و
صورة هذه المسألة
أن يقول صاحب الوديعة «لي وديعة عندك»، فقال =
الجزء: 4 - الصفحة: 277
وَإِنْ قَالَ: مَالَكَ عِنْدِيْ شَيْءٌ، ثُمَّ ادَّعَى رَدَّهَا، أَوْ تَلَفَهَا، قُبِلَ مِنْهُ (1)
=المستودع «ما أودعتني شيئاً»، ثم ثبتت الوديعة عنده ببينة أو إقرار، ثم ادعى أنه ردها على صاحبها أو ادعى بأن الوديعة تلفت فهنا لم تقبل دعواه.
وهل لا تقبل دعواه مطلقاً أم تقبل مع البينة؟ قولان:
الأول: ما ذهب إليه المؤلف هنا أنها لا تقبل دعواه مطلقاً.
الثاني: في المسألة أن دعواه تقبل بالبينة، وهذه رواية عن الإمام أحمد (1).
وهذا هو الأظهر عندي أنه إن جاء ببينة تثبت دعواه على تلف الوديعة أو ردها على صاحبها تقبل دعواه لأنهم قوم عدول شهدوا بردها إلى صاحبها.
(1)
قوله «وَإِنْ قَالَ: مَالَكَ عِنْدِيْ شَيْءٌ، ثُمَّ ادَّعَى رَدَّهَا، أَوْ تَلَفَهَا، قُبِلَ مِنْهُ»:
هذا بخلاف الذي قبله والفرق بينهما أن العبارة الأولى وهي قوله «مَا أَوْدَعْتَنِيْ» فيها إنكار أصل الإيداع.
أما قوله «مَالَكَ عِنْدِيْ شَيْءٌ» فإنه لم ينكر أصل الإيداع وإنما نفى أن يكون عنده له شيء، فإن ادعى تلفها أو ردها قبل قوله بيمينه في الرد والتلف لعموم قوله - صلى الله عليه وسلم - « .. وَالْيَمِينَ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» 534، ولا ضمان عليه لأن دعواه التلف أو الرد لا ينافي جوابه في قوله «مَالَكَ عِنْدِيْ شَيْءٌ» لجواز أن يكون أودعه ثم تلف بغير تفريط أو ردها.
ومن تلفت عنده الوديعة بلا تفريط فلا شيء لمالكها عنده ولا يستحق عليه شيئاً.533
الجزء: 4 - الصفحة: 278
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ذكر بعض الفوائد المتعلقة بالوديعة
:
-
الفائدة الأولى: لو شرط الضمان على المودع فهل يضمن؟ قولان لأهل العلم أصحهما أنه لا يضمن إذا لم يتعد أو يفرط.
الفائدة الثانية: يعتبر للوديعة ما يعتبر للوكالة
: من كون المتعاقدين جائزي التصرف رشيدين.
الفائدة الثالثة: في أنواع الوديعة
:
1 - استئجار خزائن حديدية لوضع الوديعة فيها.
2 - وديعة تحت الطلب.
3 - وديعة ادخارية.
4 - وديعة استثمارية.
5 - وديعة وثائق ومستندات.
وسيأتي بيان هذه الأنواع وغيرها قريباً إن شاء الله.
الفائدة الرابعة: أركان الوديعة
: «مودِع، ومُودَع إليه، ومُودَع - وهو المال -».
الفائدة الخامسة: الأموال التي عند البنوك هل هي وديعة
؟ الجواب: الصواب أنها قروض، ويترتب على ذلك مسألة التلف والزيادة وغيرها، فإذا تلفت في البنك صار ضامناً بخلاف لو قلنا بأنه وديعة، وكذلك الزيادة يكون قرضاً جر نفعاً فهو ربا.
الفائدة السادسة: من ادعى سرقة الوديعة دون ماله
فعليه ضمانها.
الفائدة السابعة: من مات وعنده وديعة
لغيره ففقدت فهي دين تقضى من تركته.
- الفائدة الثامنة: إذا حدث للمودع إليه سفر أ
و خوف فعليه أن يرد الوديعة لصاحبها أو وكيله، فإن لم يفعل وتلفت فإنه يضمنها.
الجزء: 4 - الصفحة: 279
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الفائدة التاسعة: إذا أودعها - المودع - عند القاضي أو أجنبي فتلفت فإنه يضمن، وهل يطالبهما بذلك؟
الصواب: أنهما إن لم يفرطا فلا يضمنان، لكنه هو يضمن لأنه لم يؤذن له في الإيداع عند غيره.
الفائدة العاشرة: الودائع المصرفية:
تتنوع الودائع المصرفية من حيث موعد استردادها إلى نوعين:
أولاً: الوديعة الحالة: وتسمى الودائع الجارية أو المتحركة أو الحسابات الجارية كما تسمى الودائع تحت الطلب، وهي المبالغ التي يودعها أصحابها في البنوك بحيث تُرَّد بمجرد الطلب دون توقف أو أخطار سابق، وذلك عن طريق الشيكات أو أوامر التحويل المصرفي أو بطاقات الصرف الآلي ونحو ذلك.
حكم هذا النوع من الودائع؟
هذا النوع يعد قرضاً بالمنظور الفقهي حيث إن المصرف المستلم لهذه الودائع يده يد ضمان لها وهو ملزم شرعاً بردها عند الطلب، وعليه فإن أرصدة ودائع الحساب الجاري تنتقل إلى المصرف فيجوز له التصرف فيها وقد صدر بذلك قرار مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي رقم (86) (3/ 9) وجاء فيه:
«أولاً: الودائع تحت الطلب «الحسابات الجارية» سواء أكانت لدى البنك الإسلامي أو البنوك الربوية هي قرض بالمنظور الفقهي حيث أن المصرف المستلم لهذه الودائع يده يد ضمان لها وهو ملزم بالرد عند الطلب.
الجزء: 4 - الصفحة: 280
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ثانياً: الودائع الآجلة: وتسمى الودائع الثابتة وغير الجارية، وهي الودائع التي لا يلتزم المصرف بردها إلا عند أجل معين حسب الشروط المتفق عليها، ولا يحق للمودع طلب استردادها قبل هذا الأجل، وعرفت بأنها عبارة عن المبالغ التي يودعها أصحابها في البنك بقصد الحصول على دخل فيما يتقاضونه من الفوائد وهذا النوع من الودائع ينقسم إلى أقسام منها:
أـ الودائع لأجل ثابت معين وهي عبارة عن المبالغ التي يضعها صاحبها في البنك بناء على اتفاق بينهما بعدم سحب المودع لها شيئاً منها إلا بعد مضي فترة معينة من الزمن مقابل فائدة ثابتة.
ب - الودائع بشرط الإخطار: وهي الودائع التي يمكن لصاحبها أن يسحبها ولكن بعد أن يعطي إشعاراً بذلك إلى البنك يحدد له مهله معينة لسحبها ابتداء من تاريخ الإخطار لقاء نسبة معينة من المال المودع.
ج - ودائع التوفير ولها صور متعددة:
1 - أن يقوم صاحب هذا النوع بإيداع مبالغ متفرقة بين الحين والآخر، بحيث إنه إذا أودع مبلغاً استحق فائدة عليه من حين الإيداع.
2 - ودائع الادخار، وهي عبارة عن مبالغ تودع لدى البنك ويكون لهم حق السحب منها في فترات محددة كمرة في الأسبوع مثلاً لقاء فائدة معينة وقد تحدد بعض البنوك حداً أعلى للسحب في كل مدة كنسبة مئوية أو مبلغ ثابت.
3 - ما يودعه الموفر في البنك من مبالغ ينشئون بها حساباً في دفتر خاص توضح به إيداعات ومسحوبات صاحبه مقابل نسبة فائدة ثابتة وتوجد حدود للسحب اليومي من الرصيد في هذا الدفتر، ولا يمكن لصاحبه سحب كامل=
الجزء: 4 - الصفحة: 281
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
=رصيده دفعة واحدة».
حكم الودائع المؤجلة: الودائع المؤجلة بجميع أنواعها التي تم ذكرها يعطي البنك عليها فائدة ثابتة على المبالغ المودعة، وحيث إن تلك المبالغ المودعة تعتبر من القروض ولا يجوز شرعاً إعطاء الفائدة على القروض وقد صدر بتحريم ذلك قرار مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي في مكة المكرمة في دورته التاسعة سنة 1406 هـ، كما صدر قرار مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي في جدة رقم (86) (3/ 9) وقد جاء فيه:
«ثانياً: إن الودائع المصرفية تنقسم إلى نوعين حسب واقع التعامل المصرفي.
أـ الودائع التي تدفع لها فوائد كما هي الحال في البنوك هي قروض ربوية محرمة سواء أكانت من نوع الودائع تحت الطلب «الحسابات الجارية» أم الودائع لأجل، أم الودائع بإشعار أم حسابات التوفير.
وبناء عليه فإنه ينبغي إيجاد بدائل عن تلك الودائع الممنوع أخذ فوائد عليها، ومن ذلك أن تكون تلك الودائع بغرض الاستثمار في أشياء مشروعة بحيث تكون رأس مال مضاربة تستثمر باتفاق بين البنك والمودع بحصة من الربح للمودع وبذلك تخرج عن أحكام القرض إلى أحكام المضاربة».
- الفائدة الحادية عشر: وديعة الوثائق والمستندات: تعريفها: هي ودائع يتم من خلالها تسليم المودع الوثائق إلى البنك لحفظها بأعيانها ويعطي صاحبها إيصالاً بها ويقوم البنك بردها عند طلبها أو نهاية الأجل المحدد وذلك مقابل أجرة يتفقان عليها، وحكم هذا النوع من الودائع الجواز لأنه يعتبر عقد إجارة على حفظ ودائع بأجرة معلومة للطرفين.
الجزء: 4 - الصفحة: 282
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . -
الفائدة الثانية عشر: عقد التأمين
:
عقد التأمين من العقود الحادثة التي لم تكن موجودة في عصور الفقه الإسلامي السابقة ولذلك تعددت آراء الباحثين فيه.
تعريفه: التأمين نوعان: تعاوني وتجاري ولكل منهما تعريفه.
1 - التأمين التعاوني: «التبادلي» ويتم عن طريق إسهام أشخاص بمبالغ نقدية تخصص لتعويض من يصيبه الضرر تعاوناً منهم على تفتيت الأخطار، والاشتراك في تحمل المسؤولية عند نزول الكوارث.
2 - التأمين التجاري: وهو عقد يلزم فيه أحد الطرفين وهو المؤمن أن يؤدي إلى الطرف الآخر وهو المؤمن له عوضاً مادياً يتفق عليه يدفع عند وقوع الخطر وتحقق الخسارة المبنية في العقد، وذلك نظير رسم يسمى «قسط التأمين» يدفعه المؤمن له حسب ما ينص عليه عقد التأمين.
حكم التأمين:
أولاً: حكم التأمين التعاوني: يجوز التأمين التعاوني «التبادلي» لأنه يقصد به التعاون على تفتيت الأخطار، والاشتراك في تحمل المسؤولية عند نزول الكوارث، وهو يتماشى مع الأصول والقواعد الشرعية ولا يخالفها وهو مبني على التبرع والتكافل.
وقد قال بجواز هذا النوع هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية، وكذلك مجمع الفقه الإسلامي المنبثق من منظمة المؤتمر الإسلامي ومجمع الفقه الإسلامي لرابطة العالم الإسلامي، وقالوا إن هذا النوع من التأمين من عقود التبرع وخلوه من الربا بنوعيه ربا الفضل وربا النسأ، كما أنه لا يضر جهل=
الجزء: 4 - الصفحة: 283
وَالْعَارِيَةُ مَضْمُوْنُةٌ، وَإِنْ لَمْ يَتَعَدَّ فِيْهَا المُسْتَعِيْرُ (1)،
=المساهمين لأنهم متبرعون فلا مخاطر ولا غرر ولا مقامرة.
ثانياً: حكم التأمين التجاري: اتفق أكثر الباحثين على عدم جواز هذا النوع من التأمين، وهذا ما قرره مجلس هيئة كبار العلماء، ومجمع الفقه الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي، ومجمع الفقه التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي، وعللوا القول بحرمته بأنه عقد من عقود المعاوضات المالية المشتملة على الغرر الفاحش، وأنه ضرب من ضروب المقامرة وأنه من الرهان المحرم.
(1)
قوله «وَالْعَارِيَةُ مَضْمُوْنُةٌ، وَإِنْ لَمْ يَتَعَدَّ فِيْهَا المُسْتَعِيْرُ»: ما ذكره المؤلف هنا هو باب العارية، وقد اختصره المؤلف اختصاراً شديداً وجعل له مسألة واحدة وهي ضمان المستعير للعارية سواء حدث تفريط منه وتعد أم لا، وقد اختلف الفقهاء في ضمان العارية على المستعير على ثلاثة أقوال:
القول الأول: ما ذهب إليه المؤلف أن العارية مضمونة، وهذا هو قول ابن عباس رضي الله عنهما وعطاء، وهو قول الشافعية 535، وهو قول الإمام مالك 536، وهو المشهور في مذهب الإمام أحمد 537، بل ذكر ابن حجر 538 أن هذا هو قول الجمهور، واستدل لذلك بأدلة منها، ما ثبت عَنْ سَمُرَة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال «عَلَى الْيَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تُؤَدِّيَهُ» 539، وجه الدلالة من الحديث أن اليد مطالبة برد ما أخذته ولا يتم ذلك إلا بالضمان.
الجزء: 4 - الصفحة: 284
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . القول الثاني: أن العارية غير مضمونة: وهذا مذهب أبي حنيفة (1)، وقول بعض الحنابلة اختاره ابن القيم (2)، وحجتهم في ذلك أن المستعير أمين كما ثبت عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا ضَمَانَ عَلَى مُؤْتَمَنٍ» (3). القول الثالث: إن كان التلف بشيء ظاهر كالحريق وأخذ السيل وموت الحيوان وانقلاب السيارة فلا يضمن، وإن كان بشيء لا يطلع عليه كدعوى ضياع الكتاب أو سرقته ونحو ذلك فهنا يضمن إلا أن يأتي ببينة تشهد على التلف وهذا مذهب مالك (4). والراجح عندي: هو القول بضمان العارية عند تلفها سواء أكان يتعد أم لم يكن بتعدٍ للأحاديث الواردة فيها، ولأن المصلحة في الانتفاع بها للمستعير دون المعير وتضمينه يدفعه إلى المحافظة عليها، وليكون ذلك دافعاً للناس لبذل المنافع إذا وثقوا من سلامة ملكهم إما بعودته أو ضمانه وبدونه تقل الرغبة بالتعاون في ذلك.
ذكر بعض الفوائد المتعلقة بالعارية
:
الفائدة الأولى: شروط العارية
يشترط للعارية ثلاثة شروط:
1 - أن يكون المعير أهلاً للإعارة.
2 - أن تكون العين منتفعاً بها مع بقائها.540541542543
الجزء: 4 - الصفحة: 285
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . 3 - أن يكون النفع مباحاً.
الفائدة الثانية: حكم عقد العارية
:
اختلف الفقهاء في حكم عقد العارية، فذهب جمهور الفقهاء من الحنفية (1)، والشافعية (2) إلى أن عقد العارية عقد جائز للمعير أن يرجع في العارية متى شاء.
وذهب المالكية (3) في المشهور عندهم أنه ليس له استرجاعها قبل الانتفاع، وإن شرط مدة لزمته تلك المدة، وإن لم يشترط مدة لزمه من المدة ما يرى الناس أنه مدة لمثل تلك العارية.
وذهب الحنابلة (4) أن للمعير أن يرجع ما لم يكن على المستعير ضرر في رجوع المعير كما إذا أعاره أرضاً ليزرعها فله الرجوع ما لم يزرع، فإن زرع لم يملك الرجوع فيها إلى أن ينتهي الزرع.
الراجح من الأقوال الذي يظهر لي أن الأولى هو القول بأن للمعير الرجوع في عاريته ما لم يكن في ذلك ضرر على المستعير، فإن كان فيه ضرر فينظر المدة اللازمة لانتهاء الغرض الذي يزول فيه الضرر، وذلك لما فيه من تحقيق الهدف من العارية.
الفائدة الثالثة: في حكم إعارة العارية وإجارتها
: ذهب بعض الفقهاء منهم الحنفية 548 إلى أن المستعير له إعارة العارية وإن لم=544545546547
الجزء: 4 - الصفحة: 286
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
=يأذن المالك إذا كان مما لا يختلف باختلاف المستعمل وذهب الشافعية (1)، والحنابلة (2) إلى أن المستعير ليس له حق الإعارة أو التأجير إلا بإذن المالك.
والراجح عندي: أنه لا يجوز إعارة العارية ولا تأجيرها إلا بإذن مالكها لأنه قد لا يرضى مالكها ذلك، وهو قول الحنابلة، والشافعية قياساً للمستعير على الضيف، فكما أن الضيف الذي أبيح له الطعام لا يجوز له أن يبيحه لغيره فكذلك المستعير لا يجوز له أن يعير غيره، أما إذا أذن له مالكها جاز ذلك باتفاق الفقهاء، وكذلك إذا علم المستعير أن المعير يأذن في مثل تلك العادة فله إعارتها، المهم إذاً إذن المستعير بالإعارة أو وجد ما يدل على ذلك فله أن يعيرها وإلا فلا، وبذلك يتبين لنا خطأ كثير من الناس الذين يعيرون ما لا يملكون بلا إذن مالك الإعارة.
الفائدة الرابعة: في كيفية تضمين العارية
: يرى الفقهاء أنه يجب ضمان العين بمثلها فإن لم تكن مثلية فإنها تضمن بقيمتها يوم تلفها إلا إذا تلف فيها أجزاء قبل ذلك فإنه يضمنها يوم تلف أجزائها.
- الفائدة الخامسة: يقع بعض الناس في أخطاء بالنسبة للعارية: منها عدم إعادة العين إلى صاحبها متى انتهى منها المستعير، بل يهملها ويتركها، وقد ينساها صاحبها، أو لا يدري من المستعير إذا طال الزمن وهذا من الأخطاء التي لا بد للمستعير أن يتوقاها، ومن ذلك أيضاً الإساءة إلى العين المعارة وعدم ردها كما أخذت وهذا يقع كثيراً في استعارة الكتب، وبعض الأمتعة.549550
الجزء: 4 - الصفحة: 287
بَابُ الإِجَارَاتِ
(1) الشرح:
(1)
قوله «بَابُ الإِجَارَاتِ»:
الإجارة في اللغة: 551 مشتقة من الأجر، وهو العوض، ومنه سمي الثواب أجراً، لأن الله تعالى يعوض العبد به على طاعته، أو صبره عن معصيته.
أما تعريفها في الشرع: فقد اختلفت تعريفات المذاهب في تعريف الإجارة لفظا وإن كانت قد اتفقت في معناها، فعند الحنفية 552 مثلاً: الإجارة عقد على المنافع بعوض.
والمالكية 553 «عقد وارد على المنافع لأجل»، أو «هي تمليك منافع بشيء مباح مدة معلومة بعوض»، وعند الشافعية 554 «عقد على منفعة معلومة مقصودة قابلة للبذل، والإباحة بعوض معلوم وضعاً».
وعند الحنابلة 555 هي عقد على منفعة مباحة معلومة، مدة معلومة، من عين معلومة، أو موصوفة في الذمة، أو عمل بعوض معلوم.
فهذه هي تعريفات أصحاب المذاهب في تعريف الإجارة، ومن نظر إليها وجدها كما ذكرت فيها اختلاف يسير في الألفاظ لكنها تؤدي إلى معنى واحد.
ومن نظر إلى تعريف الحنابلة وجده قد تضمن ما في التعريفات «السابقة» =
الجزء: 4 - الصفحة: 288
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
=وأضاف إليها بعض الشروط اللازم توافرها في عقد الإجارة.
شرح تعريف الحنابلة للإجارة:
قولهم «عقد» أي التزام أحد الطرفين أو كليهما «على منفعة» كسكنى دار أو تأجير دابة ونحو ذلك وقولهم منفعة احترازاً من العقد على الأعيان، فإن العقد على الأعيان يسمى بيعاً، فالمعقود عليه في الإجارة هو المنافع لا الأعيان.
وقولهم «مباحة» خرج منها ما لو كانت المنفعة غير مباحة كأن يستأجر داراً ليجعل فيها أشياء محرمة، أو استأجر دكاناً ليبيع فيه أشياء محرمة وغير ذلك.
وقولهم «معلومة» أي لا بد أن تكون المنفعة معلومة فيقول أريد كذا وكذا ويعين ما يريد، وقولهم «مدة معلومة» أي وتكون مدة الإجارة معلومة كيوم، أو شهر أو سنة.
وقولهم «من عين معلومة» أي مشاهدة بالعيان.
وقولهم «موصوفة في الذمة» كأن يقول أريد استئجار دابة صفتها كذا، أو داراً صفتها كذا وهكذا، وقولهم «بعوض معلوم» أي لا بد أن تكون الأجرة معلومة، فلو قال له استأجرت منك هذه الدار بما في يدي من الدراهم، فالإجارة غير صحيحة، لجهالة ما في يده من الدراهم.
ذكر بعض الفوائد المتعلقة بالإجارة
:
- الفائدة الأولى: الإجارة مشروعة بالكتاب والسنة والإجماع: دليل الكتاب: قال الله تعالى ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ .. ﴾ 556،
الجزء: 4 - الصفحة: 289
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
=ومن ذلك أيضاً قوله تعالى ﴿فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَاراً يُرِيدُ أَنْ يَنقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً﴾ 557. فالإجارة هي سُنَّة الأنبياء كما حصل مع موسى، وهي كذلك سنة الأولياء كما حصل مع الخضر.
أما السنة فالأدلة فيها كثيرة منها:
(1) ما ثبت عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - عَنْ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى «ثَلَاثَةٌ أَنَا خَصْمُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ رَجُلٌ أَعْطَى بِي ثُمَّ غَدَرَ وَرَجُلٌ بَاعَ حُرًّا فَأَكَلَ ثَمَنَهُ وَرَجُلٌ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا فَاسْتَوْفَى مِنْهُ وَلَمْ يُعْطِهِ أَجْرَهُ» 558.
(2) ومن ذلك أيضاً ما جاء عن عبد الله بن عمر - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال «أَعْطُوا الأَجِيرَ أَجْرَهُ، قَبْلَ أَنْ يَجِفَّ عَرَقُهُ» 559.
أما الإجماع 560: فقد انعقد على مشروعية الإجارة وإباحتها، قال الإمام الشافعي 561 في الأم: ولا يختلف أهل العلم ببلدنا فيما علمناه من إجازتها، وعوام فقهاء الأمصار.
- الفائدة الثانية: أركان الإجارة هي: أولاً: العاقدان «المؤجر والمستأجر»: ويشترط لهما شروط: 1 - أن يكونا رشيدين، فإن عقد السفيه والمحجور عليه لا ينفذ، وما عقد=
الجزء: 4 - الصفحة: 290
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
=عليه مما يتضمن تملكاً موقوف على نظر وليه.
2 - أن يكونا مميزين، فلا يصح عقد الإجارة من الصغير والمجنون والسكران.
3 - أن يتم العقد من مالك، أو وكيل، أو ناظر.
4 - أن يتم العقد باختيارهما، فإن وقع العقد تحت الإكراه بغير حق فالعقد باطل.
ثانياً: الصيغة «الإيجاب والقبول»:
والصحيح أن الإجارة تنعقد بأي لفظ من الألفاظ عرف به المتعاقدان مقصودهما، وهذا عام في جميع العقود كما سبق، وذلك لأن الشارع لم يحد في ألفاظ العقود حداً، بل ذكرها مطلقة، فكما تنعقد العقود بما يدل عليها من الألفاظ «الفارسية، والرومية وغيرها» من الألسن العجمية فهي تنعقد بما يدل عليها من الألفاظ العربية.
ثالثاً: المعقود عليه «المنفعة والأجرة»: ويشترط له شروط هي:
1 - القدرة على تسليم العين المؤجرة، ليتمكن المستأجر منها.
2 - بقاء العين المؤجرة بعد استيفاء المنفعة المعقود عليها، دون أن يعود ذلك على استهلاكها، أو أجزاء منها.
3 - اشتمال العين على المنفعة المعقود عليها فلا يصح إجارة أرض لا تنبت مثلاً.
4 - معرفة العين المؤجرة وذلك بأن تكون معلومة علماً يمنع المنازعة ويرفع الجهالة ويمنع الضرر، أما المنفعة فيشترط لصحة العقد بها شروط هي:
1 - كون المنفعة لها قيمة مالية، ليحسن بذل المال في مقابلتها فإن كانت محرمة=
الجزء: 4 - الصفحة: 291
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
=كالزنا، والزمر، والنوح، والغناء فلا يجوز الاستئجار لفعلها.
2 - كون المنفعة مملوكة للمؤجر، أو مأذوناً له فيها، لأنها من بيع المنافع فاشترط فيها ذلك كالبيع.
رابعاً: الأجرة: وهي العوض الذي يعطى مقابل منفعة الأعيان، أو منفعة الآدمي.
- الفائدة الثالثة: لو استأجر رجلاً يرعى الغنم
بنصف درها وبنسلها وصوفها وشعرها أو أكثر أو أقل لم يجز لأن الأجرة غير معلومة، فإن كان رعيه بنصف الغنم أو ربعها أو جزء مشاع معلوم منها جاز ذلك لأن الأجرة معلومة.
الفائدة الرابعة: إذا فسخ المستأجر قبل انقضاء المدة
وترك الانتفاع لزمته الأجرة كاملة، فإن أخرجه المالك قبل تمام المدة لم يستحق قسطها من الأجرة.
- الفائدة الخامسة: الإجارة عقد لازم ليس لهما فسخها إلا برضا الطرف الآخر، وأجاز الحنفية للمستأجر جواز الفسخ لعذر قاهر، كالمرض لمن استأجر دابة للحج مثلاً، وكذا لو ظهر عيب لم يعلم به المشتري حال العقد فله الفسخ، فإن لم يُسَلِّم المؤجر العين أو لم ينتفع المستأجر مع تمكنه من العين فإن المقصر يتحمل في هذه الحالة وسيأتي في كلام المؤلف ما يدل على ذلك.
- الفائدة السادسة: في حكم الاستئجار على القُرب، لا تصح الإجارة على القُرب - العبادات - كالحج والآذان وغير ذلك لأن هذه الأعمال مما يتقرب بها إلى الله وأخذ الأجرة عليها يخرجها عن ذلك أما أخذ رزق من بيت المال على أعمال القربة كالآذان والإمامة وتعليم القرآن فلا بأس به لأنها ليست معاوضة.
الجزء: 4 - الصفحة: 292
وَهِيَ عَقْدٌ عَلَى الْمَنَافِعِ (1)، لازِمٌ مِنَ الطَّرَفَيْنِ (2)، لا يَمْلِكُ أَحَدُهُمَا فَسْخَهَا (3)، (1)
قوله «وَهِيَ عَقْدٌ عَلَى الْمَنَافِعِ»:
الإجارة ضربان:
الأول: الإجارة على العين يستوفي منافعها نحو أجرتك هذه الدار أو هذه الدابة مثلاً.
الثاني: الإجارة على عمل: وهي عقد على عمل معلوم يقوم به العامل كحمل هذا المتاع إلى مكان كذا، أو بناء هذا الجدار ونحو ذلك وقوله «عَلَى الْمَنَافِعِ» احترازاً كما قلنا من أن يكون العقد على العين، فالعقد على العين بيع كما سبق.
(2)
قوله «لازِمٌ مِنَ الطَّرَفَيْنِ»:
اتفق الفقهاء على أن عقد الإجارة من العقود اللازمة بين الطرفين ليس لواحد منهما فسخه اختياراً كما سبق في الفائدة الخامسة وعلى ذلك يترتب على عقد الإجارة أمور:
1 - عدم جواز الفسخ في حالة استيفاء المنفعة المعقود عليها.
2 - إذا ظهر مانع من الانتفاع بالعين المعقود عليها قبل العقد، أو أثناءه كما لو اكترى أرضاً لها ماء ليزرعها فانقطع ماؤها، أو استأجر داراً ليسكنها فانهدمت الدار قبل انقضاء مدة الإجارة انفسخت ويكون الفسخ بحسب المدة، فإن كان قد ظهر المانع من الانتفاع من البداية انفسخت الإجارة من البداية، وإن كان قد ظهر المانع بعد انقضاء مدة من الإجارة فيكون الفسخ فيما تبقى من المدة.
(3)
قوله «لا يَمْلِكُ أَحَدُهُمَا فَسْخَهَا»:
لأن الإجارة كما سبق عقد لازم بين الطرفين، يقتضي تملك المؤجر الأجرة، وتملك المستأجر المنافع، فلا يمكن فسخه إلا لسبب أو لأنها أيضاً عقد معاوضة فكان لازماً كالبيع.
الجزء: 4 - الصفحة: 293
وَلا تَنْفَسِخُ بِمَوْتِهِ وَلا جُنُوْنِهِ (1)، وَتَنْفَسِخُ بِتَلَفِ الْعَيْنِ الْمَعْقُوْدِ عَلَيْهَا (2)، (1)
قوله «وَلا تَنْفَسِخُ بِمَوْتِهِ وَلا جُنُوْنِهِ»:
أي لا تنفسخ الإجارة بموت ولا جنون المؤجر أو المستأجر، لأن الإجارة كما سبق معاوضة أي متعلقة بالمنفعة، فإذا مات أو جن المؤجر أو المستأجر قام ورثتهما مقامهما فيقوم ورثة المستأجر مقامه في استيفاء المنفعة من العين المؤجرة، ويقوم ورثة المؤجر مقامه بأخذ الأجرة واستمرار المستأجر في الانتفاع بالعين المؤجرة إلى انتهاء الإجارة فإن لم يكن للمستأجر وارث انفسخت الإجارة بموته لتعذر استيفاء المنفعة.
(2)
قوله «وَتَنْفَسِخُ بِتَلَفِ الْعَيْنِ الْمَعْقُوْدِ عَلَيْهَا»:
أي تنفسخ الإجارة بتلف العين المعقود عليها، كدار انهدمت أو دابة ماتت، لأن المنفعة زالت بالكلية والتلف له حالات:
الأولى: أن تتلف العين المؤجرة بعد مضي مدة فالحكم هنا أنها انفسخت فيما بقي، ووجب للماضي القسط من الأجرة.
مثال ذلك: شخص استأجر داراً لمدة سنة بألفي ريال، وانهدم البيت بعد تمام ستة أشهر فهنا يلزمه ألف ريال، فلو قدر أن الزمن الذي انهدمت فيه زمن موسم تكون فيه العقارات أغلى، كأن تكون الأربعة أشهر الأخيرة تساوي ثلثي الأجرة باعتبار قيمة المنفعة لا باعتبار قيمة الزمن، فقد تكون ستة أشهر إذا وزعنا الأجرة عليها مع بقية السنة لا تساوي إلا ربع الأجرة، فنعطيه خمسمائة ريال.
الثانية: أن تتلف العين المؤجرة قبل أن يقبضها المستأجر للانتفاع بها فهنا تنفسخ الإجارة ولا شيء للمؤجر بغير خلاف.
الثالثة: أن يكون الإتلاف قد حصل من المستأجر فتنفسخ الإجارة، ويضم المستأجر ما أتلف من العين.
الجزء: 4 - الصفحة: 294
وَانْقِطَاعِ نَفْعِهَا (1)، وَلِلْمُسْتَأْجِرِ فَسْخَهَا بِالْعَيْبِ قَدِيْمًا كَانَ أَوْ حَادِثًا (2)،
الرابعة: إن كانت العين المؤجرة موصوفة في الذمة، كأن يستأجره ليحمله إلى مكة - مثلاً - وتعطلت السيارة لم تنفسخ الإجارة، وعليه إبدالها، فإن عجز أو امتنع فللمستأجر الفسخ.
الخامسة: أن تتلف العين المؤجرة عقيب قبضها، فإن الإجارة تنفسخ أيضاً، ويسقط الأجر في قول عامة الفقهاء.
(1)
قوله «وَانْقِطَاعِ نَفْعِهَا»:
وذلك لفوات المقصود بالعقد، فأشبه تلف العين المؤجرة.
(2)
قوله «وَلِلْمُسْتَأْجِرِ فَسْخَهَا بِالْعَيْبِ قَدِيْمًا كَانَ أَوْ حَادِثًا»:
أي وللمستأجر فسخ عقد الإجارة إذا حدث في المعقود عليه عيب في مدة العقد، وكان هذا العيب يخل بالانتفاع بالمعقود عليه ويفوِّت المقصود بالعقد فإن كان العيب لا يفوت به المقصود أي لا يفوت به غرض المستأجر فإنه لا أثر له.
فالحاصل أن المستأجر إذا وجد عيباً في المعقود عليه قديماً كان العيب أو حادثاً فله الفسخ وعليه أجرة ما مضى لأنه استوفى ما مضى من المنفعة فلزمه عوضها.
- فائدة: إذا قال المستأجر أَصْبر على العيب الذي فيها ولكن أريد الفرق بين أجرتها سليمة وأجرتها معيبة فهل له ذلك؟ الجواب: ظاهر المذهب 562 أنه لا يخيرَّ المستأجر بل يقال له إما أن تبقيها بما فيها من العيب وإلا فاتركها وتنفسخ الإجارة، وفي رواية في المذهب 563 أنه له الأرش قياساً على العيب في المبيع.
الجزء: 4 - الصفحة: 295
وَلا تَصِحُّ إِلاَّ عَلَى نَفْعٍ مَعْلُوْمٍ (1)، =والأقرب أنه ليس له أرش، وهذا ما ذهب إليه شيخنا -رحمه الله- (1).
(1)
قوله «وَلا تَصِحُّ إِلاَّ عَلَى نَفْعٍ مَعْلُوْمٍ»:
سبق بيان شروط الإجارة، وقلنا بأنه لا بد من معرفة النفع للطرفين المؤجر، والمستأجر، فجهالة المنفعة تجعلها من الميسر، لأن المؤجر والمستأجر بين غانم أو غارم للجهالة، ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى «عَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ» 565، وكل مجهول فهو غرر، والإجارة بيع كما سبق لكنه بيع للمنافع، ولأنه إذا كانت المنفعة مجهولة ستؤدي إلى المنازعة والمخاصمة والعداوة والبغضاء.
قلت: ولا بد أن يكون هذا النفع مباحاً كما سبق، فالمحرم لا يجوز كالزنا والغناء والتصوير، أو جعل داره كنيسة أو لبيع الخمر أو الدخان أو القنوات الفضائية الهابطة التي تروج للفاحشة، أو لبيع التلفزيونات التي تنشر الشر، فالإجارة حرام إذا كان الغالب على مشتري التلفزيونات أن يستعملها في محرم، لأن التلفزيون فيه شيء محرم وشيء مباح، لأنه آلة يصرفها الإنسان كما يريد.
فإن كان حين العقد تم التعاقد على شيء مباح ثم صرفه المستأجر إلى شيء محرم، فإن الإجارة صحيحة، كما لو استأجر البيت على أنه يسكنه وكان نصرانياً، فجعل في البيت معبداً فإن الإجارة صحيحة، لأنه حين العقد إنما عقد على عمل مباح وهو السكنى، فالمعصية هنا معصية في البيت لكنه لم يستأجر البيت من أجلها.564
الجزء: 4 - الصفحة: 296
إِمَّا بِالْعُرْفِ، كَسُكْنَى دَارٍ (1)،
مثال آخر: لو أن شخصاً أجَّر بيتاً ثم وضع فيه القنوات الفضائية، وصار يأتي بكل قناة فاسدة، فحكمه أنه إذا كان قد استأجر البيت لهذا الغرض فالإجارة محرمة وفاسدة، وإن استأجره للسكنى ثم وضع هذا فيه فالإجارة صحيحة.
لكن إذا تم العقد أي: إذا تمت مدة الإجارة يقول المؤجر للمستأجر إما أن تخرج هذه الآلة، القنوات الفضائية، وإما أن لا أجدد لك العقد.
وأما ما تم عليه العقد من قبل فإنه يجب إتمامه لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ .. ﴾ (1).
(1)
قوله «إِمَّا بِالْعُرْفِ، كَسُكْنَى دَارٍ»:
هذه طرق العلم بالمنفعة؛ فالطريق الأول لمعرفتها يكون بالعرف، أي أن العرف هو الذي يحدد المنفعة.
فإذا استأجر الدار شهراً أو سنة انصرفت المنفعة إلى سكناها، فلم يحتج إلى ذكر ذلك في العقد لأنه أمر متعارف عليه بين الناس، فيسكن فيها ويضع فيها متاعه، ويترك فيها من الطعام ما جرت العادة به.
ولو استأجرها لغرض آخر غير السكنى فيها كأن يستأجرها لحدادة أو ليبيع فيها الحُمُر أو ليضع غنمه ودوابه فيها أو يجعلها مستودعاً للأطعمة لم يصح ذلك إلا إذا أخبر المؤجر بذلك، لأن الاستئجار لهذه الأغراض لا يدل عليه العرف.566
الجزء: 4 - الصفحة: 297
وَإِمَّا بِالْوَصْفِ، كَخِيَاطَةِ ثَوْبٍ مُعَيَّنٍ، وَبِنَاءِ حَائِطٍ، وَحَمْلِ شَيْءٍ إِلَى مَوْضِعٍ مُعَيَّنٍ (1)، وَضَبْطِ ذلِكَ بِصِفَاتِهِ (2)، (1)
قوله «وَإِمَّا بِالْوَصْفِ، كَخِيَاطَةِ ثَوْبٍ مُعَيَّنٍ، وَبِنَاءِ حَائِطٍ، وَحَمْلِ شَيْءٍ إِلَى مَوْضِعٍ مُعَيَّنٍ»:
هذا هو الطريق الثاني لمعرفة المنفعة وهو الوصف كخياطة ثوب معين بأجرة معينة، واتفق مع المستأجر على وصف الخياطة فيذكر طول الثوب وعرضه ونوع الخياطة وغير ذلك، وكذلك إذا تم التعاقد على بناء حائط فإنه يذكر طوله وارتفاعه وعرضه وآلته من حجارة أو طين ونحو ذلك، وكذلك إذا تم التعاقد على حمل شيء معين فإنه يذكر وزنه أو عدده إذا كان مما يعد إلى موضع كذا.
(2)
قوله «وَضَبْطِ ذلِكَ بِصِفَاتِهِ»:
أي ويتم ضبط هذه المذكورات بصفاته التي تم ذكرها، فيكفي في معرفة المنفعة أن توصف وصفاً تنتفي معه الجهالة والغرر.
ذكر بعض الفوائد
:
- الفائدة الأولى: الإجارة في الدور والأرض للزرع وما أشبه ذلك: لا يكفي عقد الإجارة فيها على الصفة، فلا بد فيها من الرؤية، لأنه لا يمكن إحاطة الوصف بها، فلو أتاك إنسان أشد دقة في الوصف فإنه لا يمكن أن يحيط بالدار أو الأرض لأن الأرض قد تكون تربتها رملية أو سبخية أو طينية، وأيضاً تختلف ارتفاعاً وانخفاضاً فلا يمكن أن يحاط بها بوصف، فلا بد فيها من الرؤية، وإن جعل الخيار بعد الوصف فلا بأس يعني تقول له عندي شقة وصفها كذا وكذا أو أرض صفتها كذا وكذا ووصفها له وصفاً دقيقاً، وله الخيار إذا رآها وتم العقد على الإجارة بذلك فلا بأس.
- الفائدة الثانية: ما استأجر لصوته كساعة منبه، فلا بد أن تسمع، ولا تكفي=
الجزء: 4 - الصفحة: 298
وَمَعْرِفَةِ أُجْرَتِهِ (1)،
=الرؤية.
ولو استأجر ديكاً من أجل أذانه فلا بد أن يسمع صوته، لأن بعض الديكة صوته جميل، وبعضها ليس بجميل، لكن إن استأجره ليوقظه للصلاة فإنه لا يصح، لأنه لا يمكن استيفاء المنفعة لأن الديك ربما ينام في بعض الأيام.
- الفائدة الثالثة: يجوز استئجار الكافر إذا كان أميناً عارفاً بالأمر، ودليله أن النبي - صلى الله عليه وسلم - «استأجر عبد الله بن أريقط في الدلالة على طريق للهجرة» (1).
(1)
قوله «وَمَعْرِفَةِ أُجْرَتِهِ»:
هذا شرط آخر من شروط الإجارة وهو معرفة الأجرة، وهي العوض المأخوذ على المنافع أو هي ما يلتزم به المستأجر عوضاً عن المنفعة التي يتملكها، ودليل هذا الشرط هو دليل معرفة المنفعة، لأنها أحد المعقود عليهما، فلا بد من العلم بها.
فإذا كانت الأجرة مجهولة فلا تصح الإجارة، ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى «عَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ» (2)، والإجارة نوع من البيع فوجب بيان معرفة الأجرة، فلو قال له مثلاً: استأجرت منك هذا البيت ببعض ما في يدي من الدراهم، فالإجارة غير صحيحة، ولو قال: استأجرت منك هذا البيت بما تلده هذه الناقة فلا تصح الإجارة أيضاً لأن الأجرة غير معلومة.
ذكر بعض الفوائد
:
- الفائدة الأولى: كل ما يصلح أن يكون ثمناً في البيع يصلح أن يكون أجرة في=567568
الجزء: 4 - الصفحة: 299
وَإِنْ وَقَعَتْ عَلَى عَيْنٍ، فَلا بُدَّ مِنْ مَعْرِفَتِهَا (1)، =الأجرة، فيجوز أن يكون العوض عيناً أو منفعة أخرى، كأن يؤجره داره بألف ريال في الشهر، أو بدار أخرى يسكنها.
- الفائدة الثانية: إن أجره داره بإصلاح ما انهدم منها لم تصح للجهالة فقد ينهدم منها شيء كثير، أو لا ينهدم منها شيءٌ، وأما عمارة شيء معلوم حال العقد فجائز لأن الأجرة معلومة، وإن قال له أجرتك الدار بألف ريال وإصلاح ما ينهدم منها لم يصح لأن ما زاد مجهول، فقد تزيد العمارة وقد تنقص وقد يقول المؤجر، أردت عمارة أحسن من هذا، أما إن قال أجرتك بعشرة ألاف ريال وإصلاح ما انهدم من الدار على أن يكون من الأجرة صح، لأن الأجرة معلومة.
(1)
قوله «وَإِنْ وَقَعَتْ عَلَى عَيْنٍ، فَلا بُدَّ مِنْ مَعْرِفَتِهَا»:
أي إذا وقعت الإجارة على عين كسيارة أو منزل أو دابة ونحو ذلك فلا بد من معرفة هذه العين وتكون المعرفة بما سبق بيانه بالرؤية أو الصفة إن كانت تنضبط بها, ويشترط أيضا في هذه العين المؤجرة أن تكون مملوكه للمؤجر أو مأذوناً له في تأجيرها.
ذكر بعض الفوائد
:
- الفائدة الأولى: يجوز للشخص أن يعد آخر بشراء سلعة يحتاجها للتأجير أو الشراء لكن لا يكون ذلك إلا بعد تملكه لهذه السلعة لأنه مجرد وعد بالشراء, وإن وكّل هذا الشخص العميل بشراء هذه السلعة التي يحتاجها العميل فاشتراها له ويرجو أن يؤجره إياها أو يشتريها منه فيجوز ذلك, لأن هذا رجاء ونية لكن لا يتم عقد بين العميل وهذا الشخص لشراء هذه السلعة وإلا فقد دخلا في بيع منهي عنه وهو بيع ما لا يملك فكون المشتري ينوي أن =
الجزء: 4 - الصفحة: 300
وَمَنِ اسْتَأْجَرَ شَيْئًا فَلَهُ أَنْ يُقِيْمَ مَقَامَهُ مَنْ يَسْتَوْفِيْهِ بِإِجَارَةٍ أَوْ غَيْرِهَا (1)،
=يؤجر أو يبيع هذه السلعة للوكيل لا يضر، وكذلك كون الوكيل يرجو أن يؤجر هذه العين أو يشتريها منه لا يضر لأنه لم يحصل بسبب ذلك عقد على التأجير أو الشراء.
مثال ذلك: شخص أتى لمصرف - بنك - أو بائع ليستأجر منه سيارة أو ليشتريها منه فلم يجد عنده السيارة التي يريد فقال له البنك أو البائع أُوكلك بشراء هذه السيارة التي تريد ولم يتم بينهما عقد على الشراء وإنما هو وكالة، فذهب الوكيل فاشترى السيارة يرجو أن يبيعها عليه البنك أو يبيعها عليه البائع، وكذلك البنك أو الشخص الأخر الموكل يرجو أن يبيعها على هذا الوكيل، فكل ذلك لا يضر مادام أنه لم يكن هناك عقد مسبق على شراء هذه السيارة، وألا يكون ذلك من باب التحايل على المحرم.
- الفائدة الثانية: الإجارة للعين تنقسم إلى قسمين: أحدهما أن يكون على مدة كإجارة دار للسكن شهراً, أو العبد للخدمة مدة معينة، فيشترط معرفة العين هنا لأن الأعيان تختلف فتختلف أجرتها.
الثاني: أجارتها لعمل معلوم كإجارة سيارة للركوب إلى موضع معين أو استئجار بقر لحرث مكان معين فيشترط معرفة العمل وضبطه بما لا يختلف.
(1)
قوله «وَمَنِ اسْتَأْجَرَ شَيْئًا فَلَهُ أَنْ يُقِيْمَ مَقَامَهُ مَنْ يَسْتَوْفِيْهِ بِإِجَارَةٍ أَوْ غَيْرِهَا»:
أي من حق المستأجر أن يؤجر ما استأجره لأخر يقوم مقامه في استيفاء المنفعة لأنها مملوكة له فجاز له أن يستوفيها بنفسه أو نائبه لكن لا يستغلها المستأجر الثاني بأكثر ضرراً من المستأجر الأول, فلو استأجر الأول لعائلة فلا يؤجرها لأعزب, ولو استأجرها للسكن فلا يؤجرها محلاً تجارياً وهذا ما ذهب إليه=
الجزء: 4 - الصفحة: 301
إِذَا كَانَ مِثْلَهُ أَوْ دُوْنَهُ (1)، وَإِنِ اسْتَأْجَرَ أَرْضًا لِزَرْعٍ، فَلَهُ زَرْعَ مَا هُوَ أَقَلُّ مِنْهُ ضَرَرًا (2)
=جمهور الفقهاء (1) وهو المذهب، وعليه الأصحاب، وفي رواية في المذهب (2) لا يجوز إجارتها، وفي رواية أخرى لا يجوز إلا بإذنه، وفي رواية لا يجوز بزيادة إلا بإذنه، وفي رواية إن جدد فيها عمارة جازت الزيادة.
وعلى كل حال فلو استأذن المؤجر الأول صاحب الملك لكان أولى، وإلا فله أن يؤجرها ما دامت أن العين لا تتأجر بخلاف المستعمل.
(1)
قوله «إِذَا كَانَ مِثْلَهُ أَوْ دُوْنَهُ»:
فلا يجوز أن يجعل غيره يستوفي المنفعة وهو يخالف في صورة الانتفاع بأن يكون المستأجر الثاني أكثر ضرراً منه لأن العقد الذي أبرم بين المؤجر والمستأجر الأول اقتضى منفعة مقدره, فلا يجوز بأكثر منه.
فلو استأجر سيارة للرياض وهو في الزلفي مثلاً فلا يؤجرها المستأجر الأول إلى من يذهب بها إلى مكة, وكذلك استأجر محلاً لبيع الذهب لم يجز له أن يؤجره لمن يبيع الخضروات أو يؤجره لحداد أو خباز.
(2)
قوله «وَإِنِ اسْتَأْجَرَ أَرْضًا لِزَرْعٍ، فَلَهُ زَرْعَ مَا هُوَ أَقَلُّ مِنْهُ ضَرَرًا»:
أي إن استأجر أرضاً لزراعتها زرعاً معيناً فله أن يستبدله بغيره لكن يشترط أن يكون المستبدل به أقل ضرراً مما استأجرها لأجله أو مثله.
مثال ذلك: أن يستأجر أرضاً لزراعة بر فأبدل زراعته بشعير فضرر زراعة البر على الأرض كضرر زراعة الشعير, فإن أبدل البر بقطن مثلاً لزمه أجرة المثل كما سيأتي، لأن المنفعة في البر غير المنفعة في القطن.569570
الجزء: 4 - الصفحة: 302
فَإِنْ زَرَعَ مَا هُوَ أَكْبَرُ ضَرَرًا مِنْهُ (1)، أَوْ يُخَالِفُ ضَرَرُهُ ضَرَرَهُ (2)، وَإِنِ اكْتَرَى إِلَى مَوْضِعٍ مُعَيَّنٍ فَجَاوَزَهُ أَوْ لِحَمْلِ شَيْءٍ فَزَادَ عَلَيْهِ، فَعَلَيْهِ أَجْرُ الْمِثْلِ لِلزَّائِدِ، وَضَمَانُ الْعَيْنِ إِنْ تَلِفَتْ (3)، (1)
قوله «فَإِنْ زَرَعَ مَا هُوَ أَكْبَرُ ضَرَرًا مِنْهُ»:
كما سبق فيزرعها قطناً أو برسيماً أو ذرة بدلاً من البر فهنا يلزمه أجرة المثل, فيلزمه الأجرة المتفق عليها, ويزاد عليه الفرق بين أجرة البر وأجرة القطن.
(2) قوله «أَوْ يُخَالِفُ ضَرَرُهُ ضَرَرَهُ»: أي انتقلت المنفعة المتفق عليها إلى منفعة أخرى تخالف المعقود عليها كأن يستأجر أرضاً للزراعة فيبني عليها بناءاً، أو يستأجر بيتاً للسكن فيجعله ورشة حدادة أو نجارة، وهكذا، فهنا يلزمه أجرة المثل, لأن الأجرة في مقابل المنفعة فتقدر بقدرها، وقد سبق بيان أجرة المثل.
(3)
قوله «وَإِنِ اكْتَرَى إِلَى مَوْضِعٍ مُعَيَّنٍ فَجَاوَزَهُ أَوْ لِحَمْلِ شَيْءٍ فَزَادَ عَلَيْهِ، فَعَلَيْهِ أَجْرُ الْمِثْلِ لِلزَّائِدِ، وَضَمَانُ الْعَيْنِ إِنْ تَلِفَتْ»:
أي وإن استأجر سيارة أو دابة ونحو ذلك لكن تحمله من مكان معين إلى أخر كأن يستأجرها من الزلفي إلى الرياض مثلاً فيذهب بها إلى الدمام، أو استأجر دابة أو سيارة لكي يحمل عليها حمولة معينة كطن مثلاً فزاد على الحمولة فجعلها «طناً أو نصف طن» مثلاً فهنا يترتب على ذلك أمران:
الأول: عليه الأجرة المتفق عليها، وكذلك أجرة المثل للزائد لأنها غير مأذون فيها فلزمه أجرتها.
الثاني: الضمان، أي لزمه ضمان العين إن تلفت بسبب هذه الزيادة لأنه متعد بهذه الزيادة، ولأنه تجاوز المسموح له به.
الجزء: 4 - الصفحة: 303
وَإِنْ تَلِفَتِ الْعَيْنُ مِنْ غَيْرِ تَعَدٍّ فَلا ضَمَانَ عَلَيْهِ (1)، وَلا ضَمَانَ عَلَى الأَجِيْرِ الَّذِيْ يُؤَجِّرُ نَفْسَهُ مُدَّةً بِعَيْنِهَا فِيْمَا يَتْلَفُ فِيْ يَدِهِ مِنْ غَيْرِ تَفْرِيْطٍ (2)، (1)
قوله «وَإِنْ تَلِفَتِ الْعَيْنُ مِنْ غَيْرِ تَعَدٍّ فَلا ضَمَانَ عَلَيْهِ»:
أي أن تلفت العين المؤجرة من المستأجر من غير تعد منه ولا تفريط فإنه لا يضمن لأنه لم يتعمد التلف وهذا مجمع عليه ولذا من استأجر سيارة أو شاحنة أو بعض المعدات الزراعية كماكينة لسقي الأرض أو لحصد الزرع ونحو ذلك فتلفت أو تعطلت منه فلا يلزمه إصلاحها ولا دفع قيمتها عند تلفها.
(2)
قوله «وَلا ضَمَانَ عَلَى الأَجِيْرِ الَّذِيْ يُؤَجِّرُ نَفْسَهُ مُدَّةً بِعَيْنِهَا فِيْمَا يَتْلَفُ فِيْ يَدِهِ مِنْ غَيْرِ تَفْرِيْطٍ»:
الأجير نوعان: أجير خاص، وأجير مشترك.
والفرق بينهما أن ما كان مستأجراً بالزمن فهو الأجير الخاص وما كان مستأجراً على عمل فهو الأجير المشترك.
مثال ذلك: استأجرت عاملاً يعمل عندك في البيت، أو في الدكان، أو في مزرعة فهذا أجير خاص، لأن عمله مقدر بالزمن فالشهر بكذا وبكذا والأسبوع بكذا وكذا، واليوم بكذا فلا يملك أن يعمل عند أحد، فإن استأجرت خياطاً يخيط لك الثوب، فهذا أجير مشترك فهو يخيط لك ولغيرك لأن نفعه مقدر بالعمل الخاص والفرق بينهما من حيث الحكم كما سيذكره المؤلف أن الأجير الخاص لا يضمن لأنه يعمل كالوكيل عن المستأجر.
وقول المؤلف -رحمه الله- «وَلا ضَمَانَ عَلَى الأَجِيْرِ الَّذِيْ يُؤَجِّرُ نَفْسَهُ .. » المراد به الأجير الخاص فإنه لا يضمن.
مثال ذلك: استأجرت عاملاً للمزرعة أو عاملاً للبيت وفي أثناء عمله حصل منه خطأ في العمل وصار في هذا الخطأ ضرر عليك فهذا العامل لا يضمن، =
الجزء: 4 - الصفحة: 304
وَلا عَلَى حَجَّامٍ أَوْ خَتَّانٍ أَوْ طَبِيْبٍ إِذَا عُرِفَ مِنْهُمْ حِذْقُ الصَّنْعَةِ، وَلَمْ تَجْنِ أَيْدِيْهِمْ (1)، =لأنه يشتغل عندك بالوكالة عنك، والوكالة كما سبق لا يضمن ما تلف من فعله من غير تعد ولا تفريط.
(1)
قوله «وَلا عَلَى حَجَّامٍ أَوْ خَتَّانٍ أَوْ طَبِيْبٍ إِذَا عُرِفَ مِنْهُمْ حِذْقُ الصَّنْعَةِ، وَلَمْ تَجْنِ أَيْدِيْهِمْ»:
الحجامة نوع من أنواع العلاج التي يعالج بها المريض وقد جاء عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ «الشِّفَاءُ فِي ثَلَاثَةٍ فِي شَرْطَةِ مِحْجَمٍ أَوْ شَرْبَةِ عَسَلٍ أَوْ كَيَّةٍ بِنَارٍ وَأَنَا أَنْهَى أُمَّتِي عَنْ الْكَيِّ» 571.
والحجامة: هي استخراج الدم من الإنسان بطرق معينة لها أحوال وأوقات ذكرها أهل المعرفة بها.
أما الختَّان فهو الذي يختن سواء كان ذكراً أو أنثى.
وكذلك الطبيب: وهو الذي يعالج البشر.
والبيطار: وهو الذي يعالج البهائم.
فهؤلاء لا ضمان عليهم فيما أتلفوه إذا توفر فيهم شرطان:
الأول: أن يكونوا حُذَّاقاً في مهنتهم، أي عالمين بها مهرة في ذلك.
الثاني: أن لا يخطئوا في عملهم، أي لم تجن أيديهم كأن يحصل ضررٌ على من يحجمه الحجام أو يختتنه الخاتن أو من يعالجه الطبيب، فهؤلاء لا يضمنون على واحد منهم بإجماع أهل العلم.
مثال ذلك: رجل حجَّام حَجَم شخصاً وكان هذا الحجام حاذقاً في الحجامة=
الجزء: 4 - الصفحة: 305
وَلا عَلَى الرَّاعِيْ إِذَا لَمْ يَتَعَدَّ (1).
= ماهراً في عملها، وحجم هذا الشخص بطريقة صحيحة لم يخطئ فيها، وفجأة توفي المحجوم، فهنا لا يضمن الحجَّام لأنه لم يفرط ولم يتعد، وهذا بإجماع أهل العلم.
أما إن كان حاذقاً ولكنه أخطأ في عمله كأن يزيد الخاتن أو الحجام أو الطبيب في مقدار الجرح، فقد اختلف الفقهاء في وجوب الضمان عليه:
فذهب جمهور الفقهاء (1) إلى أنه لا يضمن لأن الإتلاف يستوي عمده وخطؤه.
وذهب بعض الفقهاء (2) إلى أنه لا يضمن إذا لم يكن متعدياً، فإن حصل التلف بخطئه وغلطه فإنه يضمن لأنه إذاً مؤتمن، فإن كان الحجَّام أو الختَّان أو الطَّبيب غير حاذق فيضمن إذا أخطأ بكل حال، وهذا بإجماع أهل العلم (3) لقوله - صلى الله عليه وسلم - «مَنْ تَطَبَّبَ وَلَمْ يُعْلَمْ مِنْهُ طِبٌّ قَبْلَ ذَلِكَ فَهُوَ ضَامِنٌ» (4).
(1)
قوله «وَلا عَلَى الرَّاعِيْ إِذَا لَمْ يَتَعَدَّ»:
أي وكذلك الراعي للبهائم إذا عَدَت عليه ذئاب وأكلت ما أكلت من الماشية، أو حصل موت لبعضها أو تنكسر رجلها ونحو ذلك فإنه لا يضمن لأنه لم يتعد ولم يفرط، ولأن البهائم حصلت في يده بإذن مالكها، فيده يد أمانة، فلا يضمن كالمودع.572573574575
الجزء: 4 - الصفحة: 306
وَيَضْمَنُ الْقَصَّارُ وَالْخَيَّاطُ وَنَحْوُهُمَا مِمَّنْ يَتَقَبَّلُ الْعَمَلَ مَا تَلِفَ بِعَمَلِهِ (1)، (1)
قوله «وَيَضْمَنُ الْقَصَّارُ وَالْخَيَّاطُ وَنَحْوُهُمَا مِمَّنْ يَتَقَبَّلُ الْعَمَلَ مَا تَلِفَ بِعَمَلِهِ»:
هذا هو القسم الثاني من أقسام الأجراء، وهو الأجير المشترك وقد سبق تعريفه.
والقصَّار: هو الذي ينقش الثياب والقلنسوة، ثم يدقها على سندان، فقد تنخرق الثياب أو تتمزق، والخياط معروف: وهو الذي يخيط الثياب.
وقوله «وَنَحْوُهُمَا» كالحداد، والنجار، والبناء، والميكانيكي، والكهربائي، والسباك، ونحوهم كل هؤلاء إذا عمل أحدهم عملاً لشخص بأجرة معينة فحصل منهم خطأ فتلفت السلعة أو أصابها عيب في أثناء عمله، بل إذا أصابها ذلك وهو لم يخطي كأن تعثر الدابة التي فوقها السلعة فتسقط السلعة فتتلف، أو يحترق المكان الذي فيه السلعة، أو يتلف الثوب عند الغسال بسبب عطل في الغسالة، أو تحترق ناقلة سيارات فيحترق ما عليها من سيارات، وهكذا كل هذا يضمنه الأجير المشترك، لأن الإتلاف يستوي فيه العمد والخطأ.
فحقوق الآدميين يجب ضمانها لمن تسبب في تلفها أو عيبها، ولأن الأجير المشترك إنما قبض العين لمنفعته، فكان ضامناً لها كالمستعير.
وذهب بعض الفقهاء 576 إلى أن الأجير المشترك لا يضمن إلا إذا تعمد أو أخطأ أو فرط لأنه مؤتمن ولم يتعد، ولأنه قد قبض العين بإذن المالك، لمنفعته وهي إقامة العمل فيها، فيده عليها يد أمانة لا يد خيانة فلا يضمن، كالمودع، والأجير الخاص وعامل المضاربة، وفي قول آخر في هذه المسألة: ما تلف =
الجزء: 4 - الصفحة: 307
دُوْنَ مَا تَلِفَ مِنْ حِرْزِهِ (1).
= بفعله الذي يفعله هو بنفسه اختياراً يضمنه.
والراجح عندي: أن الأجير المشترك لا يضمن مطلقاً إذا لم يتعد أو يفرط، وهذا هو اختيار شيخنا -رحمه الله- (1)
(1)
قوله «دُوْنَ مَا تَلِفَ مِنْ حِرْزِهِ»:
أي لا يضمن الأجير المشترك ما تلف من حرزه، فإذا تلفت العين عنده وقد حفظها في مكان مناسب لها، كأن يكون خياطاً فأخذ الثياب ووضعها في مكانها المخصص لها ثم اشتعلت النار في الدكان، أو أغلق الدكان بما جرت العادة أن يغلق به ولم يقصر في الإغلاق، فلما كان من الليل قام اللصوص وسرقوا الدكان فإنه لا يضمن، لأن التلف بغير فعله، ولأنه وضع الثياب في موضعها وحرزها.
فإن قال قد خطت الثياب وأعطوني الأجرة فلا أجرة له لأنه لم يسلم الثوب لصاحبه.
وقيل بل له الأجرة لأنه وفَّى بما استؤجر عليه، وما دام أنه لا يضمن لك الثوب، فإنه لا يضمن لك العمل في الثوب، ولأنه لم يكن متعدياً ولا مفرطاً وقد قام بالعمل الذي عليه، وهذا ما رجحه ابن عقيل وقواه في الإنصاف 578 وهو ما رجحه شيخنا محمد بن صالح العثيمين -رحمه الله- 579.577
الجزء: 4 - الصفحة: 308
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ذكر بعض الفوائد المتعلقة بالإجارة
:
-
الفائدة الأولى: في إجارة الوقف: تصح إجارة الوقف لأن منافعه مملوكة للموقوف عليه فجاز له إجارتها كالمستأجر، فإن مات المؤجر، فانتقل الوقف إلى من بعده لم تنفسخ لأنه أجر ملكه في زمن ولايته فلا تبطل بموته وللثاني حصته من الأجرة من حيث موت الأول.
-
الفائدة الثانية: متى تستحق الأجرة: تستحق الأجرة بما يأتي: 1 - الفراغ من العمل.
2 - استيفاء المنفعة.
3 - التمكن من استيفاء المنفعة إذا مضت مدة كافية ولو لم يستوفها.
4 - الاتفاق بين الطرفين على تعجيل الأجرة.
الفائدة الثالثة: ما الذي يلزم كل من الأجير والمستأجر
:
يلزم المؤجِّر بذل كل ما يتمكن به المستأجر من الانتفاع بالمؤجَّر كإصلاح السيارة المؤجرة وتهيئتها للحمل والسير وعمارة الدار المؤجرة، وتهيئة منافعها ومرافقها ليتم الانتفاع بها ويلزم المؤجر أن يسلم العين المؤجرة للمستأجر.
ويمكنه من الانتفاع بها، فإن أجَّره شيئاً منعه من الانتفاع به كل المدة أو بعضها فلا شيء له من الأجرة، وإذا سلمه السيارة أو غيرها كل المدة ولم ينتفع بها المستأجر برغبته لزمه دفع الأجرة كاملة وعلى المستأجر أن يستخدم السيارة حيث الاتفاق دون زيادة ودون إخلال بها، فإن لحق العين شيء لزمه إزالته.
الجزء: 4 - الصفحة: 309
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
- الفائدة الرابعة: تخالف الأجرة الجعالة بما يلي:
1 - الجعالة لا يشترط لصحتها العلم بالعمل.
2 - الجعالة لا يشترط لصحتها العلم بمدة العمل.
3 - الجعالة يجوز فيها الجمع بين المدة والعمل بخلاف الإجارة.
4 - الجعالة لا يشترط فيها تعيين العامل بخلاف الإجارة.
5 - الجعالة عقد جائز بخلاف الإجارة فعقدها لازم كما سبق.
الفائدة الخامسة: ما يسمى بخلو القدم
: الأصل عدم الجواز إلا إذا كان المبلغ الزائد مقابل أشياء وضعها المستأجر الأول في المحل.
-
الفائدة السادسة: ليس للمرأة أن تؤجر نفسها بغير إذن زوجها: لأنه يملك منافعها، حتى الصيام ليس لها أن تصوم النفل إلا بإذنه.
-
الفائدة السابعة: يجوز استئجار الكافر إذا كان أميناً عارفاً بالأمر: ودليله أن النبي - صلى الله عليه وسلم - «استأجر عبد الله بن أريقط في الدلالة على طريق الهجرة» (1).
الفائدة الثامنة: في الاستئجار على القرب
: الاستئجار على أعمال العبادة والقرب كالحج والآذان لا تصح لأن هذه الأعمال يتقرب بها إلى الله وأخذ الأجرة عليها يخرجها عن ذلك، أما أخذ رزق من بيت المال على الأعمال التي نفعها متعدي كالآذان والإمامة وتعليم القرآن فلا بأس به لأنها ليست معاوضة.
- الفائدة التاسعة: الاستئجار بالطعام والكسوة: اختلف فيها أهل العلم فأجازها بعضهم ومنعها آخرون، وحجة المجيزين ما جاء في قصة موسى =580
الجزء: 4 - الصفحة: 310
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
=عليه السلام حيث أنه عليه السلام أجر نفسه ثمان سنين أو عشر سنين على عفة فرجه وطعام بطنه، وقال بعض أهل العلم لا يصح للجهالة.
والصواب: جواز ذلك ويرجع إلى العرف، والجهالة الموجودة مفتقدة وخصه بعضهم بالظئر «المرضع» فقط.
الفائدة العاشرة: إجارة الظئر
: استئجار مرضع غير الأم يجوز بأجر معلوم، ويجوز أيضاً بطعامها وكسوتها، وجهالة الأجرة في هذه لا يفضي إلى المنازعة في الغالب، فالناس درجوا على التوسعة على المرضعات مراعاة لحق الرضع، لكن يشترط العلم بالمدة ومعرفة الطفل بالمشاهدة وموضع الرضاع قال تعالى: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلادَكُمْ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ 581، وهل هي أجير خاص أي ليس لها أن ترضع صبياً آخر أم أن لها ذلك؟ الصواب: أنه ليس لها أن ترضع صبياً آخر لأن الرضيع الأول يتضرر وعليها القيام بما يتطلبه الرضاع مما يحتاجه الصبي من التنظيف وغسل الثياب وطبخ الطعام وعلى الأب النفقة وما يحتاجه الصبي من اللوازم، فإن مات الصبي أو ماتت المرضعة انفسخت الإجارة.
- الفائدة الحادية عشرة: في الإجارة المنتهية بالتمليك: من الأمور المستحدثة في هذا العصر ما يسمى بالإيجار المنتهي بالتمليك، وهي أن يستلم أحد المتعاقدين عيناً لآخر ينتفع بها بعوض على أقساط، ويتملكها بسداد هذه الأقساط، وإن عجز المؤجر عن سداد بعض الأقساط استحق المالك =
الجزء: 4 - الصفحة: 311
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
=الأقساط السابقة واستحق استرجاع العين المعقود عليها.
وقد اختلف أهل العلم المعاصرين في هذا النوع من الإجارة: فذهب جمهورهم 582 إلى تحريمها، ورأى بعضهم جوازها وعللوا لذلك بأن الأصل في العقود الصحة والجواز، وبأن هذه المعاملة تقاس على بيع العربون حيث أنها تشابهه في الكثير من أحكامه، وبيع العربون جائز.
والذي رجحه المجمع الفقهي بجدة 583 أن هذا النوع من الإجارة فيه تفصيل: فإن كانت صورة هذا النوع كالصورة السابقة فهذا لا يجوز، وإن كانت صورة هذا النوع من الإجارة بأن يعد المؤجر المستأجر أن يبيعه هذه السلعة بعد انتهاء مدة الإجارة المتفق عليها بينهما بسعر يتفقان عليه وقت البيع، أو أن يعده المؤجر أن يهبه السلعة بعد انتهاء مدة الإجارة المتفق عليها بينهما فهذا جائز.
- الفائدة الثانية عشرة: إذا اختلف المؤجر والمستأجر في قدر الأجرة: فقال المستأجر أجرتني بثمانية آلاف، وقال المستأجر بل بعشرة، فقيل إذا اختلفا تحالفا كالاختلاف في ثمن المبيع، ويبدأ بيمين المؤجر، فيحلف له ما أجرها بثمانية بل بعشرة، ثم يحلف المستأجر أنه استأجرها بثمانية لا بعشرة، فإذا تحالفا قبل مضي شيء من المدة فسخا العقد، ورجع كل واحد منهما بماله، وإن رضي أحدهما بما حلف عليه الآخر ثبت العقد، وهذا أحد الأقوال في المسألة.
وهناك قول آخر وهو أن القول قول المستأجر، لأنه منكر للزيادة في الأجرة، =
الجزء: 4 - الصفحة: 312
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . =والقول قول المنكر، والقول الأول هو الأظهر عندي، قال ابن قدامة -رحمه الله- 584 هذا الصحيح.
- الفائدة الثالثة عشر: إذا اختلفا في المدة فقال المؤجر: أجرتكها سنة بعشرة ألاف، وقال المستأجر بل سنتين بعشرين، فالقول قول المالك، لأنه منكر للزيادة، فكان القول قوله فيما أنكره لكن مع يمينه، فإن قال: أجرتكها سنة بعشرة قال: بل سنتين بعشرة تحالفا لأنه لا يوجد الاتفاق بينهما على مدة بعوض، فكان كما لو اختلفا في العوض مع اتفاق المدة.
- الفائدة الرابعة عشرة: من أحكام العمل:
1 - يجب على العامل إتقان العمل المنوط به ومراقبة الله تعالى وعدم الغش.
2 - يجب على صاحب العمل أن يعطي العامل أجرته كاملة دون نقص ولا يحسم عليه شيء إلا ما تم الاتفاق عليه معه.
3 - لا يجوز إحضار العمال وتركهم دون عمل أو أخذ مبلغ شهري عليهم والتستر عليهم لما في ذلك من مخالفة نظام ولي الأمر الذي وضعه لمصلحة الناس.
4 - لا يسوغ الاتفاق مع العامل من الباطن.
5 - عند النزاع والخلاف يرجع إلى الاتفاق بينهما فالمؤمنون على شروطهم.
6 - يجوز للمرأة أن تعمل لكن مع الضوابط الشرعية التي تخصها من عدم كشف الوجه بحضرة الرجال، وأمن الفتنة، وخروجها متسترة بالحجاب الشرعي، وعدم الاختلاط، وغير ذلك من الأحكام المتعلقة بالمرأة.
الجزء: 4 - الصفحة: 313
بَابُ الْغَصْبِ
(1) هُوَ اسْتِيْلاءُ الإِنْسَانِ (2) عَلَى مَالِ غَيْرِهِ (3)، الشرح:
(1)
قوله «بَابُ الْغَصْبِ»:
الغصب في اللغة: أخذ الشيء ظلماً.
أما في الاصطلاح: فهو كما ذكره الاستيلاء على حق غيره قهراً بغير حق.
والغصب حكمه حرام بدليل الكتاب والسنة بل أجمع المسلمون على تحريمه.
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ .. ﴾ (1)، وقال تعالى: ﴿وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً .. ﴾ (2).
ومن السنة ما جاء عن سعيد بن زيد قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول «مَنْ أَخَذَ شِبْرًا مِنَ الأَرْضِ بِغَيْرِ حَقِّهِ طُوِّقَهُ فِي سَبْعِ أَرَضِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (3).
قال ابن قدامة في المغني (4) «وأجمع المسلمون على تحريم الغصب في الجملة»
وقال ابن هبيرة (5) «اتفقوا على أن الغصب حرام».
(2)
قوله «هُوَ اسْتِيْلاءُ الإِنْسَانِ»:
الاستيلاء هو كما ذكرنا أخذ الحق من صاحبه مع القهر والغلبة، وعلى ذلك يخرج السارق وهو الذي يأخذ المال على خفية، والمختلس وهو الذي يأخذ الشيء جهاراً بحضرة صاحبه في غفلة منه.
(3)
قوله «عَلَى مَالِ غَيْرِهِ»:
المال هو ما كان فيه منفعة مقصودة مباحة شرعاً=585586587588589
الجزء: 4 - الصفحة: 314
بِغَيْرِ حَقٍّ (1)، وَمَنْ غَصَبَ شَيْئًا، فَعَلَيْهِ رَدُّهُ (2)، وَأَجْرُ مِثْلِهِ إِنْ كَانَ لَهُ أَجْرٌ، مُدَّةَ مَقَامِهِ فِيْ يَدَيْهِ (3)، =كالعقار، والحيوان، وسائر الأمتعة، والأقوات، والفلوس وغير ذلك.
(1)
قوله «بِغَيْرِ حَقٍّ»:
خرج منه ما لو استولى عليه بحق، فإن استولى عليه بحق فإنه ليس بغاصب.
مثال ذلك: أخذ الولي أموال اليتامى وحفظها والقيام عليها والاتجار بها وما شابه ذلك هذا بحق، فلا يعد أخذ الولي لمال اليتيم والتصرف فيه ببيع وشراء وغير ذلك غاصباً، وكذلك استيلاء الحاكم على مال المفلس ليبيعه ويوفي به الغرماء فإن هذا بحق.
(2)
قوله «وَمَنْ غَصَبَ شَيْئًا، فَعَلَيْهِ رَدُّهُ»:
أي وجوباً لما ثبت عن سَمُرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال «عَلَى الْيَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تُؤَدِّىَ» (1)، ولما روي أيضاً عن عبد الله ابن السائب بن يزيد عن أبيه عن جده أنه سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: «لا يَأْخُذَنَّ أَحَدُكُمْ مَتَاعَ أَخِيهِ لاعِبًا وَلا جَادًّا وَمَنْ أَخَذَ عَصَا أَخِيهِ فَلْيَرُدَّهَا» (2)، ولأن هذا أيضاً حق ليس للغاصب فوجب رده إلى صاحبه.
(3)
قوله «وَأَجْرُ مِثْلِهِ إِنْ كَانَ لَهُ أَجْرٌ، مُدَّةَ مَقَامِهِ فِيْ يَدَيْهِ»: أي وإن غصب شيئاً له أجرة، كالعقار والدواب ونحوها فعليه أجرة مثله، لأنه فوت منفعته على صاحبه والمنافع لها قيمة فيضمنها ومنفعتها، فمتى غصب أرضاً فعليه أجرتها منذ غصبها إلى وقت تسليمها، وإن غصب عقاراً فعليه أجرته إذا كان يؤجر وإن غصب سيارة أجرة فعليه أجرتها من حين غصبه إلى تسلم صاحبها لها، وهكذا.590591
الجزء: 4 - الصفحة: 315
وَإِنْ نَقَصَ فَعَلَيْهِ أَرْشُ نَقْصِهِ (1)، وَإِنْ جَنَى فَأَرْشُ جِنَايَتِهِ عَلَيْهِ (2) سَوَاءٌ جَنَى عَلَى سَيِّدِهِ أَوْ عَلَى أَجْنَبِيٍّ (3)، وَإِنْ جَنَى عَلَيْهِ أَجْنَبِيٌّ فَلِسَيِّدِهِ تَضْمِيْنُ مَنْ شَاءَ مِنْهُمَا (4) (1)
قوله «وَإِنْ نَقَصَ فَعَلَيْهِ أَرْشُ نَقْصِهِ»:
أي وإن حصل للمغصوب نقص، فعليه أرش نقصه، لأن ذلك نقص في المغصوب، فكان مضموناً على الغاصب وطريقة معرفة الأرش هو أن ينظر كم قيمة المغصوب قبل غصبه، وكم قيمته عند رده إلى صاحبه فيغرم الغاصب لصاحب المغصوب ما نقص من قيمته عند رده له لأنه يلزمه ضمان السلعة كاملة لو تلفت فلزمه ضمان نقصها.
(2)
قوله «وَإِنْ جَنَى فَأَرْشُ جِنَايَتِهِ عَلَيْهِ»:
أي وإن جنى العبد المغصوب وقت وجوده عند الغاصب وهذه الجناية توجب قصاصاً أو مالاً فأرش الجناية مضمونة على الغاصب.
مثاله: أن يغصب شخص عبداً فيقوم العبد وهو عند غاصبه بإتلاف مال شخص أو يتعدى على شخص فيتلف عضواً من أعضائه فهنا يجب على الغاصب أن يدفع للمعتدى عليه قيمة هذه الجناية لأن هذه الجناية نقص في هذا العبد لأن الجناية تتعلق برقبته فكانت مضمونة على الغاصب، كسائر نقصه.
(3)
قوله «سَوَاءٌ جَنَى عَلَى سَيِّدِهِ أَوْ عَلَى أَجْنَبِيٍّ»:
أي سواء كانت جنايته على مالكه أو أجنبي أخر طالما أن الجناية حصلت عند الغاصب فيجب على الغاصب أن يدفع قيمة هذه الجناية.
(4)
قوله «وَإِنْ جَنَى عَلَيْهِ أَجْنَبِيٌّ فَلِسَيِّدِهِ تَضْمِيْنُ مَنْ شَاءَ مِنْهُمَا»:
أي وإن جنى على العبد شخص غير الغاصب ولا مالكه فللمالك تضمين من شاء منهما=
الجزء: 4 - الصفحة: 316
وَإِنْ زَادَ الْمَغْصُوْبُ أَوْ نَقَصَ رَدَّهُ بِزِيَادَتِهِ وَضَمِنَ نَقْصَهُ (1)، = «الغاصب أو الجاني» أما الجاني فلأنه أتلف، وأما الغاصب فلأن الجناية على العبد حصلت وهو في يده فلزمه ضمانه.
(1)
قوله «وَإِنْ زَادَ الْمَغْصُوْبُ أَوْ نَقَصَ رَدَّهُ بِزِيَادَتِهِ وَضَمِنَ نَقْصَهُ»:
أي إن زاد الشيء المغصوب عند غاصبه رده مع زيادته، سواء كانت الزيادة متصلة كالسمن وتعلم العبد أو سمن الدابة أو حرث الأرض، أو زيادة منفصلة كأجرة الدابة أو ولادتها أو إجارة سيارة فتكسب ونحو ذلك فإنه يلزم الغاصب أن يردها إلى مالكها مع حصول هذه الزيادة ولا يستحق الغاصب شيئاً لقوله - صلى الله عليه وسلم - «لَيْسَ لِعِرْقٍ ظَالِمٍ حَقٌّ» 592، فإن حصل للمغصوب نقص فإنه يضمنه كما سبق بيانه.
- فائدة: إن كان النقص بسبب دنو الأسعار: كأن تكون العين المغصوبة، سعرها عند غصبها ألف ريال، ثم حصل نزول في الأسعار فصار عند ردها لصاحبها قيمتها في السوق تساوي خمسمائة فهل يضمن؟ قولان: المذهب 593 لا يضمن النقص لأن النقص ليس عائداً إلى عين المغصوب بل لأمر خارج وهو قيمته عند الناس، ومعلوم أن القيمة ترتفع أحياناً وتنقص أحياناً.
القول الثاني في المسألة: أنه إذا نقص السعر فإن الغاصب يضمن النقص، وهذا هو اختيار شيخ الإسلام 594، وابن سعدي 595، وشيخنا محمد بن صالح=
الجزء: 4 - الصفحة: 317
سَوَاءٌ كَانَتِ الزِّيَادَةُ مُتَّصِلَةً أَوْ مُنْفَصِلَةً (1)، وَإِنْ زَادَ وَنَقَصَ رَدَّهُ بِزِيَادَتِهِ وَضَمِنَ نَقْصَهُ (2)، =العثيمين (1) رحمهم الله وهذا هو الصحيح، فيقال للغاصب رد العين المغصوبة إلى صاحبها ومعها نقص السعر.
(1)
قوله «سَوَاءٌ كَانَتِ الزِّيَادَةُ مُتَّصِلَةً أَوْ مُنْفَصِلَةً»:
الزيادة المتصلة هي التي لا يمكن انفكاكها عن المغصوب كالسِّمن وتعلم الصنعة وما شابه ذلك، أما الزيادة المنفصلة فهي التي يمكن انفصالها عن المغصوب كأن تلد الدابة فولدها منفصل عنها أو أن يكون بها لبن أو يحصل لها أجرة وما شابه ذلك، فهذه الزيادات لا يكون للغاصب فيها مقابل بل يلزمه رد المغصوب وحصول هذه الزيادة، فلو تلف المغصوب بعد حصول هذه الزيادة فعليه ضمانه وزيادته، لأن زيادة المغصوب حدثت على ملك المالك، فيجب عليه إذا أتلفه أن يضمنه وزيادته.
(1)
قوله «وَإِنْ زَادَ وَنَقَصَ رَدَّهُ بِزِيَادَتِهِ وَضَمِنَ نَقْصَهُ»:
كأن يغصب دابة فتسمن عند الغاصب أو تلد عنده أو غصب عبداً فتعلم صنعة، فهنا زادت قيمة الدابة بسبب سمنها أو بسبب ولادتها وكذلك زادت قيمة العبد بسبب تعلمه صنعة أو كتابة، ثم لما حصلت هذه الزيادة للدابة بسبب ما ذكرنا نقصت قيمتها لنقص حصل في بدنها أو مات وليدها أو نسي العبد الكتابة أو الصنعة فهنا يقول المؤلف ضمن الغاصب الزيادة التي حصلت مع رد المغصوب، لأنها زيادة في نفس المغصوب فلزم الغاصب ضمانها وهذا هو المذهب 597 وفي قول=596
الجزء: 4 - الصفحة: 318
سَوَاءٌ زَادَ بِفِعْلِهِ أَوْ بِغَيْرِ فِعْلِهِ (1)، فَلَوْ نَجَرَ الْخَشَبَةَ بَابًا أَوْ عَمِلَ الْحَدِيْدَ إِبْرًا رَدَّهُمَا بِزِيَادَتِهِمَا وَضَمِنَ نَقْصَهُمَا إِنْ نَقَصَا (2)، وَلَوْ غَصَبَ قُطْنًا فَغَزَلَهُ أَوْ غَزْلاً فَنَسَجَهُ (3)،
=آخر في المذهب، وهو رواية عن الإمام أحمد (1) أنه لا يضمن إلا المغصوب لأنه رد العين كما أخذها.
(1) قوله «سَوَاءٌ زَادَ بِفِعْلِهِ أَوْ بِغَيْرِ فِعْلِهِ»: أي سواء حصلت هذه الزيادة في المغصوب بفعل الغاصب كتعليم صنعة للعبد أم بغير فعله كسمن الدابة فهي لمالكه الأصلي «المغصوب منه»، وقد سبق بيان ذلك.
(2) قوله «فَلَوْ نَجَرَ الْخَشَبَةَ بَابًا أَوْ عَمِلَ الْحَدِيْدَ إِبْرًا رَدَّهُمَا بِزِيَادَتِهِمَا وَضَمِنَ نَقْصَهُمَا إِنْ نَقَصَا»: أي إن غصب خشبة فصنعها باباً أو غصب حديدة فصنعها إبراً وجب على الغاصب رد ما صنع بزيادته إن كان له زيادة، ونقصانه إن حصل له نقصان لأن النقص إنما حصل بفعله، ويكون ذلك أرشاً بسبب النقص فينظر كم قيمة هذا الخشب أو هذا الحديد قبل نجره أو صناعته، ثم كم قيمته بعد صناعته له، فيعطى الفارق وهو الأرش بينهما إلى مالكهما.
(3)
قوله «وَلَوْ غَصَبَ قُطْنًا فَغَزَلَهُ أَوْ غَزْلاً فَنَسَجَهُ»:
أي لو نسج الغزل وهو خيوط، كما لو غصب غزلاً من صوف أو وبر أو شعر ثم حوله إلى نسيج، فهو لمالكه وليس للغاصب شيء لأنه ظالم ولأنه نوع تبرع في ملك غيره بلا إذنه، فكان لاغياً، وفي رواية عن الإمام أحمد 599، اختارها شيخ الإسلام 600 =598
الجزء: 4 - الصفحة: 319
أَوْ ثَوْبًا فَقَصَرَهُ أَوْ فَصَّلَهُ وَخَاطَهُ (1)، أَوْ حَبًّا فَصَارَ زَرْعًا (2)، أَوْ نَوًى فَصَارَ شَجَرًا (3)، أَوْ بَيْضًا فَصَارَ فِرَاخًا (4)، فَكَذلِكَ (5)، وَإِنْ غَصَبَ عَبْدًا فَزَادَ فِيْ بَدَنِهِ أَوْ بِتَعْلِيْمِهِ ثُمَّ ذَهَبَتِ الزِّيَادَةُ، رَدَّهُ وَقِيْمَةَ الزِّيَادَةِ (6)، =أنه يكون - يعني الغاصب - شريكاً للمالك في الزيادة، والقول الأول هو الأظهر عندي لأن الغاصب ظالم وقد قال - صلى الله عليه وسلم -: «وَلَيْسَ لِعِرْقٍ ظَالِمٍ حَقٌّ» (1).
(1)
قوله «أَوْ ثَوْبًا فَقَصَرَهُ أَوْ فَصَّلَهُ وَخَاطَهُ»:
أي غسله بعد أن كان وسخاً أو نقشه وطرزه المهم أنه زاد فيه حسناً أو قام بتفصيله وخياطته بعد أن كان قماشاً فإنه يضمن إن نقص أما الزيادة فهي لمالكه فيردها معه.
(2)
قوله «أَوْ حَبًّا فَصَارَ زَرْعًا»:
أي صار الحب زرعاً فهو لمالك الحب لا للغاصب، لأن هذا الزرع هو عين ملكه ولكنه تحول بإرادة الله تعالى إلى زرع.
(3)
قوله «أَوْ نَوًى فَصَارَ شَجَرًا»:
أي إن غصب نوى - يعني نواة التمر - ثم وضعه في الأرض فصار النوى شجراً، فيكون الشجر لصاحب النوى وليس للغاصب شيء لأنه ظالم، وقد قال - صلى الله عليه وسلم - «لَيْسَ لِعِرْقٍ ظَالِمٍ حَقٌّ».
(4) قوله «أَوْ بَيْضًا فَصَارَ فِرَاخًا»: وكذلك إن صارت البيضة المغصوبة فرخاً، كأن يغصب بيضة ثم يضعها تحت طائر فتصير فرخاً فإن الفرخ يصير لمالك البيضة، لأنه عين ماله.
(5) قوله «فَكَذلِكَ»: أي كذلك جميع ما سبق يلزم الغاصب ردها بزيادتها إن كانت لها زيادة وضمان النقص إن نقصت.
(6)
قوله «وَإِنْ غَصَبَ عَبْدًا فَزَادَ فِيْ بَدَنِهِ أَوْ بِتَعْلِيْمِهِ ثُمَّ ذَهَبَتِ الزِّيَادَةُ، رَدَّهُ
وَقِيْمَةَ الزِّيَادَةِ»:
سبق بيان هذه المسألة وقلنا بأن العبد إذا زاد في القيمة عند=601
الجزء: 4 - الصفحة: 320
وَإِنْ تَلِفَ الْمَغْصُوْبُ أَوْ تَعَذَّرَ رَدُّهُ، فَعَلَيْهِ مِثْلُهُ إِنْ كَانَ مَكِيْلاً أَوْ مَوْزُوْنًا (1)،
=الغاصب، كأن يسمن عند الغاصب، أو يتعلم صنعة عنده، أو يتعلم كتابة عنده فيزيد في قيمته ثم ذهبت الزيادة الحاصلة كأن يضعف بدنه بعد أن كان سميناً أو ينسى التعليم أو الصنعة بعد أن تعلمها عند الغاصب فهنا يلزم الغاصب رد العبد مع قيمة الزيادة التي حصلت عنده، وهذا هو المذهب كما سبق وعللوا لذلك لأنه فوت على المغصوب منه الاستفادة من المغصوب حال وجود هذه الزيادة فيه فلزمه ضمانها.
وقيل بل يرد العبد فقط ولا يضمن الزيادة لأنه رد العين وهي العبد كما أخذها فلا يلزمه رد الزيادة.
(1)
قوله «وَإِنْ تَلِفَ الْمَغْصُوْبُ أَوْ تَعَذَّرَ رَدُّهُ، فَعَلَيْهِ مِثْلُهُ إِنْ كَانَ مَكِيْلاً أَوْ مَوْزُوْنًا»:
أي بموت أو احتراق أو تعذر رده إلى مالكه وجب عليه رد بدله وهو ما كان مثله إن كان مكيلاً أو موزوناً والمكيل كحب وتمر وغيره مما يكال، والموزون كحديد ونحاس ونحوه مما يوزن.
وكون الغاصب لزمه رد مثله لأنه لما تعذر رد العين لزمه رد ما يقوم مقامها والمثل أقرب إليه من القيمة.
- فائدة: في تعريف المثلي:
المثلي تعريفه في المذهب 602 هو كل مكيل أو موزون لا صناعة فيه مباحة يصح السلم فيه، فإن كانت الصناعة فيه محرمة، كحلي الرجال مثلاً لم يجز ضمانه بأكثر من وزنه وجهاً واحداً لأن الصناعة لا قيمة لها شرعاً، أما ما كان فيه صناعة كمعمول الحديد، أو منسوج القطن ونحوها ففيه القيمة، لأن الصناعة تؤثر في قيمته.
الجزء: 4 - الصفحة: 321
وَقِيْمَتُهُ إِنْ لَمْ يَكُنْ كَذلِكَ (1)، =والقول الصحيح في هذه المسألة: ما ذهب إليه شيخ الإسلام (1)، والشيخ عبد الرحمن بن سعدي (2)، وهو اختيار شيخنا محمد بن صالح العثيمين -رحمه الله- (3) أن المثلى ما له مثيل أو مشابه، سواء كان مكيلاً أو موزوناً مصنوعاً أو غير مصنوع، فكل ما له مثيل أو مشابه فإنه مثلي وعلى ذلك لو أن شخصاً كسر فنجالاً لشخص، فهل يلزمه أن يأتي بمثله لصاحبه؟ نقول: المذهب لا يلزمه، بل له قيمة فنجال لأنه مصنوع وكل ما دخل فيه صنعة يختلف، وعلى القول الصحيح أنه يلزمه أن يأتي بفنجال.
(1)
قوله «وَقِيْمَتُهُ إِنْ لَمْ يَكُنْ كَذلِكَ»:
أي إن لم يكن ضمانه بمثله لعدم وجود ما يماثله أو كان بعيداً لا يستطيع الوصول إليه، وغير ذلك فإنه يلزمه قيمته، لكن هل تكون القيمة وقت الضمان أو وقت التعذر؟ على أقوال:
الأول: وهو المذهب 606 أن القيمة تكون وقت التعذر، لأنه وقت استحقاق الطلب بالمثل.
مثاله: لو أن شخصاً غصب سلعة معينة من شخص آخر ثم تلفت في يده وكان وقت غصبها في شهر محرم وكان لها مثل فلما جاء شهر ربيع فقدت من السوق أي لم يكن لها مثل في السوق ثم طالب صاحبها - يعني المغصوب منه - طالب الغاصب برد سلعته في شهر جمادى فلم يجد مثلها فأراد أن يرد =603604605
الجزء: 4 - الصفحة: 322
ثُمَّ إِنْ قَدَرَ عَلَى رَدِّهِ، رَدَّهُ وَأَخَذَ الْقِيْمَةَ (1)، وَإِنْ خَلَطَ الْمَغْصُوْبَ بِمَا لا يَتَمَيَّزُ مِنْهُ مِنْ جِنْسِهِ، فَعَلَيْهِ مِثْلُهُ مِنْهُ (2)، وَإِنْ خَلَطَهُ بِغَيْرِ جِنْسِهِ، فَعَلَيْهِ مِثْلُهُ مِنْ حَيْثُ شَاءَ (3).
=القيمة، فالمذهب يقول القيمة وقت التعذر، يعني وقت فقدها من السوق.
القول الثاني: أنه إذا تغير السعر وفقد المثل فإن القيمة تكون وقت الغصب.
القول الثالث: أن القيمة وقت المحاكمة.
والأظهر عندي: أن الضمان بالقيمة يكون وقت الاستيفاء منه لأن الأصل ثبوت المثل في ذمته حتى يسلمه، وهذا قول في المذهب (1).
(1)
قوله «ثُمَّ إِنْ قَدَرَ عَلَى رَدِّهِ، رَدَّهُ وَأَخَذَ الْقِيْمَةَ»:
أي متى قدر الغاصب على رد المغصوب إلى صاحبه بعد فقده له ودفعه القيمة فإنه يرده إلى صاحبه ويرد القيمة إلى الغاصب، لأن القيمة إنما وجبت لتعذر رد العين وقد زال، فوجب رد العين إلى مالكها ويأخذ القيمة.
(2) قوله «وَإِنْ خَلَطَ الْمَغْصُوْبَ بِمَا لا يَتَمَيَّزُ مِنْهُ مِنْ جِنْسِهِ، فَعَلَيْهِ مِثْلُهُ مِنْهُ»: أي وإن خلط الغاصب ما غصب بشيء لا يتميز بعضه عن بعض كزيت بزيت، أو حنطة بحنطة مثلها، فعلى الغاصب مثل المغصوب من المختلط كيلاً أو وزناً، لأنه مثلى فيجب مثله.
وفي وجه في المذهب: يلزمه مثله من حيث شاء، لأنه تعذر رد عينه أشبه ما لو أتلفه كله.
والقول الأول هو الأظهر عندي، أي يلزمه رد مثل المغصوب من نفس المخلوط ما دام لا يتميز لأنه يقدر على دفعه فلا ينتقل إلى البدل.
(3) قوله «وَإِنْ خَلَطَهُ بِغَيْرِ جِنْسِهِ، فَعَلَيْهِ مِثْلُهُ مِنْ حَيْثُ شَاءَ»: أي وإن خالط المغصوب بغير جنسه كدقيق حنطة بدقيق شعير وزيت ذرة بزيت زيتون=607
الجزء: 4 - الصفحة: 323
وَإِنْ غَصَبَ أَرْضًا، فَغَرَسَهَا، أُخِذَ بِقَلْعِ غَرْسِهِ وَرَدِّهَا وَأَرْشِ نَقْصِهَا وَأُجْرَتِهَا (1)
=وجب على الغاصب أن يدفع المثل من حيث شاء، فيقال له - يعني صاحب الحق - إن شئت أن تأخذ قدر مالك من المخلوط الموجود أو تطالب بالمثلى فأنت بما شئت، لأنه صار بالخلط مستهلكاً، وقد تعذر الوصول إلى عين ماله.
والقول الثاني (1) في هذه المسألة، وهو ظاهر كلام أحمد أنهما شريكان بقدر ملكيهما كاختلاطهما من غير غصب فيباع ويعطى كل واحد قدر حصته.
(1)
قوله «وَإِنْ غَصَبَ أَرْضًا، فَغَرَسَهَا، أُخِذَ بِقَلْعِ غَرْسِهِ وَرَدِّهَا وَأَرْشِ نَقْصِهَا وَأُجْرَتِهَا»:
هذه أمور أربعة يجب على الغاصب للأرض أن يؤديها إلى صاحب الحق، وهي:
1 - قلع ما غرسه، وهدم ما بناه على الأرض إن كان قد فعل ذلك.
2 - رد الأرض إلى مالكها كما كانت عليه قبل الغصب.
3 - إن تسبب الغرس أو البناء في نقصان الأرض ألزم بأرش النقصان.
4 - دفع أجرتها مدة بقائها في يده، دليل ذلك ما ثبت عن عروة بن الزبير - رضي الله عنه - قال: قال رجل من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - إن رجلين اختصما إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في أرض غرس أحدهما فيها نخلاً، والأرض لآخر، فقضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالأرض لصاحبها، وأمر صاحب النخل أن يخرج نخله منها، وقال «لَيْسَ لِعِرْقٍ ظَالِمٍ حَقٌّ» 609، أما لزوم الأرش عليه فلأنه تسبب في نقصان قيمة الأرض فلزمه تعويض المالك عن هذه الخسارة الذي كان سبباً فيها، وكيف يعلم الأرش؟ نقول يعرف الأرش بأن نقدر الأرض مغروسة وغير مغروسة=608
الجزء: 4 - الصفحة: 324
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . =وبين قيمتها قبل البناء عليها وبعد هدم البناء من عليها فالفرق بين القيمتين هو أرش النقص، وأما لزوم أجرة المثل فلأنه فوت على المالك شيئاً له قيمة وهو الأجرة فلزمه ضمانه، وهنا فائدتان:
- الفائدة الأولى: إذا علمنا أنه ليس لصاحب الأرض غرض من هدم البناء أو قلع الغرس إلا المضارة بالغاصب كأن يريد صاحب الأرض أن يبنيها على صفة بناء الغاصب لها، أو زرعها نخلاً ويريد المالك أن يزرعها نخلاً لكن أمر الغاصب أن يقلع الغرس ويهدم البناء مضارة به، فهل يجبر الغاصب على ذلك؟
نقول قال شيخنا -رحمه الله- 610 ليس له أن يجبر الغاصب على إزالة البناء أو الغراس في هذه الحالة.
والدليل على ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم - «لا ضَرَرَ وَلا ضِرَارَ» 611، ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - «نَهَى عَنْ إِضَاعَةِ الْمَالِ» 612، وهذا فيه إضاعة للمال عليهما جميعاً. - الفائدة الثانية: لو طالب رب الأرض أن يبقى الغراس ويدفع القيمة، ففيه تفصيل: إن كان للغاصب غرض صحيح في قلعه فإنه لا يجبر على إبقائه كأن يقلع النخل وينقله في أرض يملكها، أما إن لم يكن له غرض صحيح في امتناعه، وإنما سيقلع هذا الغرس ويرميه في الشمس حتى يتلف فإنه لا يمكن من ذلك لوجوه: الأول: أن هذا من الفساد والله لا يحب المفسدين.
الجزء: 4 - الصفحة: 325
وَإِنْ زَرَعَهَا وَأَخَذَ الْغَاصِبُ الزَّرْعَ رَدَّهَا وَأُجْرَتَهَا (1)، وَإِنْ أَدْرَكَ الزَّرْعَ قَبْلَ حَصَادِهِ خُيِّرَ بَيْنَ تَرْكِهِ إِلَى الْحَصَادِ بِالأُجْرَةِ وَبَيْنَ أَخْذِ الزَّرْعِ بِقِيْمَتِهِ (2)،
الثاني: أن هذا إضاعة للمال.
الثالث: أن في إبقائه وإعطاء الغاصب القيمة منفعة له ورغبته عن المنفعة يعتبر سفهاً.
(1)
قوله «وَإِنْ زَرَعَهَا وَأَخَذَ الْغَاصِبُ الزَّرْعَ رَدَّهَا وَأُجْرَتَهَا»:
هذا بلا خلاف بين الفقهاء (1) فإن غصب رجل أرضاً فزرعها وحصد الزرع وجب عليه أمران:
الأول: أن يرد الأرض إلى صاحبها.
الثاني: أن يرد أجرتها وهي أجرة المثل كما سبق في المسالة السابقة.
ولا يجوز له أن يطالب الغاصب بالحصاد لأنه نماء له.
(2)
قوله «وَإِنْ أَدْرَكَ الزَّرْعَ قَبْلَ حَصَادِهِ خُيِّرَ بَيْنَ تَرْكِهِ إِلَى الْحَصَادِ بِالأُجْرَةِ وَبَيْنَ أَخْذِ الزَّرْعِ بِقِيْمَتِهِ»:
أي إن أدرك رب الأرض أرضه والزرع قائم وقدر على استرجاعها منه فإنه يكون بين أحد أمرين:
الأول: أن يترك الزرع حتى يحصده الغاصب على أن يدفع له الغاصب أجرة زراعة الأرض وأرش نقصها.
الثاني: أن يدفع إليه نفقته ويكون له الزرع، دليل ذلك ما جاء عن رافع بن خديج قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «مَنْ زَرَعَ أَرْضًا بِغَيْرِ إِذْنِ أَهْلِهَا فَلَهُ نَفَقَتُهُ» 614، وعلى ذلك لا يجبر الغاصب على قلع الغرس بل يجبر المالك بين الأمرين السابقين ولا يملك إجبار الغاصب على القلع وذهب أكثر الفقهاء 615 إلى=613
الجزء: 4 - الصفحة: 326
وَإِنْ غَصَبَ جَارِيَةً، فَوَطِئَهَا وَأَوْلَدَهَا، لَزِمَهُ الْحَدُّ، وَرَدُّهَا وَرَدُّ وَلَدِهَا، وَمَهْرُ مِثْلِهَا وَأَرْشُ نَقْصِهَا وَأُجْرَةُ مِثْلِهَا (1)،
=جواز إجبار المالك الغاصب على القلع لقوله - صلى الله عليه وسلم - «ليس لعرق ظالم حق»، وهذا هو الأظهر عندي.
أما الحديث الذي احتج به الحنابلة فهو حديث ضعيف ضعفه الإمام البخاري وغيره من أهل العلم.
(1)
قوله «وَإِنْ غَصَبَ جَارِيَةً، فَوَطِئَهَا وَأَوْلَدَهَا، لَزِمَهُ الْحَدُّ، وَرَدُّهَا وَرَدُّ وَلَدِهَا، وَمَهْرُ مِثْلِهَا وَأَرْشُ نَقْصِهَا وَأُجْرَةُ مِثْلِهَا»:
هذه أمور ستة على الغاصب إذا غصب جارية - الأمة المملوكة - فوطئها وأولدها:
أولاً: أنه يجب عليه الحد إن كان عالماً بالتحريم لأنها ليست زوجة ولا ملك يمين.
ثانياً: ردها إلى مالكها.
ثالثاً: رد ولدها إن أولدها لأنه من نمائها وأجزائها ولا يلحق نسبه بالواطئ، لأنه من زنى.
رابعاً: مهر المثل، وهل يلزم مهر للثيب؟ على قولين في المذهب 616 والمختار لزوم المهر.
خامساً: أرش نقصها لأنه متسبب في هذا النقص.
سادساً: أجرة مثلها لحبسه إياها عن مالكها، ولأنه حال بينه وبين الاستفادة من ملكه طول مكثها عنده.
الجزء: 4 - الصفحة: 327
وَإِنْ بَاعَهَا فَوَطِئَهَا الْمُشْتَرِيْ وَهُوَ لا يَعْلَمُ (1) فَعَلَيْهِ مَهْرُهَا وَقِيْمَةُ وَلَدِهَا إِنْ أَوْلَدَهَا، وَأُجْرَةُ مِثْلِهَا (2)، وَيَرْجِعُ بِذلِكَ عَلَى الْغَاصِبِ (3). (1)
قوله «وَإِنْ بَاعَهَا فَوَطِئَهَا الْمُشْتَرِيْ وَهُوَ لا يَعْلَمُ»:
أي إن باع الغاصب الجارية واشتراها من لا يعلم حالها بأنها مغصوبة فوطئها.
(2)
قوله «فَعَلَيْهِ مَهْرُهَا وَقِيْمَةُ وَلَدِهَا إِنْ أَوْلَدَهَا، وَأُجْرَةُ مِثْلِهَا»:
أي فعلى المشتري الغير عالم بالغصب ما يلي:
أولاً: المهر لأنه وطئ جارية غيره بغير نكاح.
ثانياً: قيمة الولد لا الولد لأنه فوَّت رقه على سيده فوجب عليه قيمته أما الولد فيكون حراً لاعتقاده أنه يطأ مملوكته فيلحقه نسبه.
ثالثاً: أجرة المثل.
أما إن كان المشتري عالماً بالغصب فهل يصح البيع؟ على قولين:
الأول: أن البيع فاسد لأنه اشترى ما علم بغصبه دون إذن مالكه.
الثاني: صحة البيع ويقف البيع على إجازة المالك فإن إجازه وإلا فلا.
والحكم في وطء المشتري العالم، كالحكم في وطء الغاصب أي يجب عليه من الأحكام السابقة من إقامة الحد، والمهر ورد الأمة والولد ومهرها وأجرتها.
(3)
قوله «وَيَرْجِعُ بِذلِكَ عَلَى الْغَاصِبِ»:
أي ويرجع المشتري غير العالم بالغصب على الغاصب بجميع ما ذكر من ضمان المهر وفداء الولد ومقدار الأجرة لأنه غرّه فلزم أن يغرم له كل ما دفعه لسيد الأمة.
الجزء: 4 - الصفحة: 328
بَابُ الشُّفْعَةِ (1)
الشرح:
(1) قوله -رحمه الله- «بَابُ الشُّفْعَةِ»: الشفعة لغة مأخوذة من الشفع وهو ضد الوتر وسميت بذلك لأن الشريك يضم نصيب شريكه إلى ملكه فصار كجعل الوتر شفعاً.
أما في الاصطلاح: فسيأتي قريباً - إن شاء الله تعالى - في كلام المؤلف.
ذكر بعض الفوائد
:
- الفائدة الأولى: في حكم الشفعة: الشفعة حق ثابت بالسنة والإجماع، ولصاحبها المطالبة به أو تركها.
أما دليل السنة فمن ذلك ما جاء عن جابر بن عبد الله - رضي الله عنه - قال «قَضَى النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - بِالشُّفْعَةِ فِي كُلِّ مَا لَمْ يُقْسَمْ فَإِذَا وَقَعَتْ الْحُدُودُ وَصُرِّفَتْ الطُّرُقُ فَلَا شُفْعَةَ» (1). - الفائدة الثانية: حكمة مشروعية الشفعة، لما كانت الشفعة منشأ الضرر في الغالب وكان الخلطاء كثيراً ما يبغي بعضهم على بعض كما قال تعالى ﴿وَإِنَّ كَثِيراً مِنْ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا .. ﴾ 617، شرع الله تعالى رفع هذا الضرر بأمرين:
الأول: القسمة تارة وانفراد كل من الشريكين بنصيبه.
الثاني: بالشفعة وانفراد أحد الشريكين بالجملة إذا لم يكن على الآخر ضرر في ذلك، فإذا أراد أحد الشريكين بيع نصيبه وأخذ عوضه كان شريكه أحق به من غيره ويزول عنه ضرر الشركة ولا يتضرر البائع لأنه يصل إلى حقه من =618
باب الشفعة
فيما لم يقسم (2097).
الجزء: 4 - الصفحة: 329
وَهِيَ اسْتِحْقَاقُ الإِنْسَانِ انْتِزَاعَ حِصَّةِ شَرِيْكِهِ مِنْ يَدِ مُشْتَرِيْهَا (1)،
= الثمن، وكان هذا من أعظم العدل وأحسن الأحكام المطابقة للعقول ومصالح العباد.
لما جاء عن جابر - رضي الله عنه - قال «قَضَى رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - بِالشُّفْعَةِ فِي كُلِّ شِرْكَةٍ لَمْ تُقْسَمْ رَبْعَةٍ أَوْ حَائِطٍ لا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَبِيعَ حَتَّى يُؤْذِنَ شَرِيكَهُ فَإِنْ شَاءَ أَخَذَ وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ فَإِذَا بَاعَ وَلَمْ يُؤْذِنْهُ فَهْوَ أَحَقُّ بِهِ» (1).
وثبت عن سمرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال «جَارُ الدَّارِ أَحَقُّ بِالدَّارِ» (2).
أما الإجماع: فقد نقل ابن قدامة (3) عن ابن المنذر الإجماع على ثبوتها فقال يعني - ابن المنذر -: «أجمع أهل العلم على إثبات الشفعة للشريك الذي لم يقاسم فيما بيع من أرض أو دار أو حائط».
- الفائدة الثالثة: التحايل لإسقاط الشفعة مناقض للمعنى الذي قصده الشارع فلا يجوز بحال، ومن صور التحايل أن يرفع الثمن ظاهراً وهو في الحقيقة أقل، ومن الضرر أيضاً أن يقول وهبته له وهو قد باعه وهذا على رأي من لم يثبتها في الهبة قال - صلى الله عليه وسلم - «لا ترتكبوا ما ارتكب اليهود فتستحلوا محارم الله بأدنى الحيل» (4).
- الفائدة الرابعة: كانت الشفعة معروفة في الجاهلية فجاء الإسلام فأقرها ونظم أحكامها بما يكفل مصلحة الجار والشريك.
(1)
قوله «وَهِيَ اسْتِحْقَاقُ الإِنْسَانِ انْتِزَاعَ حِصَّةِ شَرِيْكِهِ مِنْ يَدِ مُشْتَرِيْهَا»:
هذا هو تعريف الشفعة في الاصطلاح.619620621622
الجزء: 4 - الصفحة: 330
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
=وقوله «اسْتِحْقَاقُ» الأولى أن يقال إسقاط لأن الشفعة ليست استحقاقاً، وإنما هي انتزاع أو انتقال أو تملك، بدليل أن هذا الشريك المستحق لحصة شريكه لو لم ينتزعها لم تثبت الشفعة فلو قال المؤلف الشفعة هي انتزاع الشريك حق شريكه أو تملك الشريك حصة شريكه ونحو ذلك لكان أجود.
وقوله «الإِنْسَانِ»، وقال بعض العلماء «استحقاق الشريك» وهو أدق، لأن الشريك يستوي أن يكون فرداً أو أكثر، فلو أن أربعة اشتركوا في أرض لكل واحد منهم ربعها، فباع أحد هؤلاء الأربعة نصيبه كان للثلاثة الباقين أن يشفعوا، وإذا شفعوا أخذوا الربع، وقسمت قيمة الربع بين الثلاثة، فكل يشفع بمقدار الثلث.
ولو كانوا ثلاثة وباع أحدهم فحينئذ للاثنين الباقين حق الشفعة لكل واحد منهما أن يشفع بنفس النصيب - نصف الثلث وهو السدس - الذي باعه بحيث يصير لأحدهم النصف ويكون للأخر نصف الباقي.
وقوله «انْتِزَاعَ» تفيد الأخذ بالقوة والقهر أي بغير الاختيار ولا الرضى.
وقوله «حِصَّةِ شَرِيْكِهِ» الحصة النصيب وجمعها حصص والمعنى أخذ نصيب الشريك المنتقل عنه إلى غيره.
وقوله «مِنْ يَدِ مُشْتَرِيْهَا» أي لا بد أن تكون حصة الشريك انتقلت من يد الشريك إلى غيره ببيع أو مما كان في معنى البيع.
ويكون الانتزاع بالثمن نفسه، فالشفعة تشفع بنفس الثمن وليس من حقه أن يزيد على هذا الثمن فلو قال مثلاً أنا اشتريت منه أي من شريكك بمائة ألف ولا أبيعه عليك إلا بمائة وخمسين ألفاً فليس من حقه ذلك بل ليس من حقه أن يزيد ولا ريالاً =
الجزء: 4 - الصفحة: 331
وَلا تَجِبُ إِلاَّ بِشُرُوْطٍ سَبْعَةٍ (1)، = واحداً بل بنفس الثمن الذي دفعه.
- فائدة: يقول بعض العلماء إن الشفعة خارجة عن الأصول يعني عن أصول البيع، لأن الأصول تقتضي أن البائع وصاحب الشقص والنصيب الذي أخذه وهو الأجنبي من حقه أن يبيع بالقليل والكثير، ولكن الشفعة خارجة عن أصول البيع فيلزم أن يبيع للشركاء وبقية الشركاء بنفس الثمن وهذا خاص بالشفعة وهنا استثنيت الشفعة عن الأصول.
ولهذا يعرف بعض الفقهاء الشفعة بأنها انتزاع حصة الشريك ممن انتقلت إليه لعوض مالي بمثل الثمن. - فائدة: في صورة الشفعة، صورة الشفعة هي أن يكون هناك شخصان فأكثر اشتركا في عقار كالأراضين من المزارع ونحوها، ثم باع أحد الشركاء نصيبه أو أحد الشريكين نصيبه من أجنبي، فمن حق الشريك أن يأخذ هذا النصيب الذي باعه شريكه من الأجنبي بنفس المبلغ الذي اشترى به سواء رضي الأجنبي أم لم يرضى.
(1)
قوله «وَلا تَجِبُ إِلاَّ بِشُرُوْطٍ سَبْعَةٍ»:
أي لا تثبت الشفعة إلا بشروط سبعة، فالوجوب هنا بمعنى الثبوت وليس بمعنى أنه يجب عليه أن يأخذ حصة شريكه أو يجب على الشركاء أن يأخذوا حصة من باع من الشركاء فليس هذا مراد المؤلف وإنما المراد أنها تثبيت، يعني يكون من حق الشريك أو الشركاء أن يأخذوا بالشفعة إذا توفرت هذه الشروط السبعة، وقال بعض الشافعية 623 إن ترتب على ترك الشفعة معصية كأن يكون المشتري مشهوراً بالفسق والفجور فينبغي أن يكون الأخذ بها مستحباً أو واجباً إن تعين طريقاً لدفع ما يريده =
الجزء: 4 - الصفحة: 332
أَحَدُهَا: الْبَيْعُ (1)، فَلا تَجِبُ فِيْ مَوْهُوْبٍ، وَلا مَوْقُوْفٍ (2)، = المشتري من الفجور.
(1)
قوله «أَحَدُهَا: الْبَيْعُ»:
أي يشترط لحصول الشفعة أن تكون حصة الشريك انتقلت إلى المشتري الأجنبي بالبيع.
فإن كان قد اتخذ المشتري الدار مثلاً مسجداً ثم حضر الشفيع فهل له أن يردها إليه؟
قولان فالجمهور (1) لا يمنعون الشفعة في ذلك فمن حق الشفيع أن ينقض المسجد ويأخذ الدار بالشفعة، وروى عن أبي حنيفة (2) أنه قال ليس له ذلك لأن المسجد يتحرر عن حقوق العباد فيكون بمنزلة إعتاق العبد، وقال الجمهور بل لما كان المشتري يريد الإضرار بالشفيع من حيث إبطال حقه فإذا لم يصح ذلك كان للشفيع أن يأخذ الدار بالشفعة ويرفع المشتري بناءه المحدث.
- فائدة: ذهب جمهور الفقهاء إلى أنه إذا تنازل الشفيع عن حقه في طلب الشفعة قبل بيع العقار المشفوع فيه لم يسقط حقه في طلبها بعد البيع، لأن هذا التنازل إسقاط للحق، وإسقاط الحق قبل وجوبه ووجود سبب ووجوده محال.
(2)
قوله «فَلا تَجِبُ فِيْ مَوْهُوْبٍ، وَلا مَوْقُوْفٍ»:
أي لا تجب الشفعة فيما وهبه الشريك أو أوقفه، فلو أن الشريك وهب هذا النصيب إلى قريب أو إلى أجنبي فإنه لا تثبت الشفعة لبقية الشركاء، وكذلك ما أوقفه الشريك لا تجوز فيه الشفعة لأنه لا يمكن نقل الوقف.624625
الجزء: 4 - الصفحة: 333
وَلا عِوَضِ خُلْعٍ (1)، وَلا صَدَاقٍ (2)، (1)
قوله «وَلا عِوَضِ خُلْعٍ»:
أي ولا تثبت الشفعة في عوض خلع فلو أن امرأة قالت لزوجها خالعني فخالعها فأدت إليه المهر، وكانت شريكة لإخوانها في عقار لها منه الثلث والثلثان للأخوين، فحينئذ دفعت هذا الثلث في عوض خلع، فلا يثبت فيه الشفعة لأن هذا انتقل بغير عوض فلم تجب فيه الشفعة كالميراث.
(2)
قوله «وَلا صَدَاقٍ»:
أي لا تثبت الشفعة في الصداق.
مثال ذلك: رجل له نصيب من أرض مع شريك آخر فأعطى هذا الرجل نصيبه للمرأة صداقاً لها والعكس إذا أعطته المرأة نصيبها من الأرض عوضاً عن الخلع فلا تجب الشفعة كما قال المؤلف.
وجميع هذه الأمور التي ذكرها المؤلف يعني «المرهون والموقوف وعوض الخلع والصداق»، وغير ذلك مما انتقل بغير عوض مالي فالمذهب 626 كما ذكرنا لا شفعة فيه.
وذهب المالكية 627، والشافعية 628، وهي رواية في المذهب 629 اختارها شيخنا -رحمه الله- 630 أن الشفعة تثبت في ذلك كله، فتثبت في الموهوب فيأخذها الشفيع بقيمتها في السوق، وتثبت في الصداق وله قيمة الأرض، وتثبت في الخلع بقيمته وهكذا وذلك لأن الشفعة إنما شرعت من أجل إزالة الضرر عن =
الجزء: 4 - الصفحة: 334
الثَّانِيْ: أَنْ يَكُوْنَ عَقَارًا (1)،
=الشريك وهو موجود في هذه الصور، وأيضاً عموم قوله - صلى الله عليه وسلم - «الشُّفْعَةُ فِي كُلِّ شَيْءٍ» (1)، فهو عام يشمل كل شيء يحصل فيه ضرر على الشريك.
والقاعدة في ذلك أن ما انتقل قهرياً بغير عوض فلا شفعة فيه كإرث مثلاً فلا شفعة، وإن كان اختيارياً كهبة وصدقة وعوض خلع ففيه الشفعة وهذا على الراجح عندي وهو كما ذكرنا اختيار شيخنا -رحمه الله-.
(1)
قوله «الثَّانِيْ: أَنْ يَكُوْنَ عَقَارًا»:
وهذا هو الشرط الثاني لوجوب الشفعة فلا تجب في غير العقار، والعقار هنا هو الأرض.
وعلى ذلك لا تكون الشفعة في منقول كسيارة مثلاً، فلو باع أحد الشريكين في سيارة نصيبه لأجنبي فقال الشريك أريد الشفعة فقال له الأجنبي أو الشريك البائع لا شفعة لك لأن الشفعة لا تكون في المنقولات إنما هي في العقارات فقط وذلك لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - خصها بالعقارات دون المنقولات.
وثبت أيضاً عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قضى بها فيما لا يقسم كما في حديث جابر رضي الله عنهما المتقدم 632، فدل على اختصاصها بالعقارات دون المنقولات، ولأن الشفعة أيضاً إنما شرعت لدفع الضرر، والضرر في العقار يكثر جداً فإنه يحتاج الشريك إلى إحداث المرافق، وتغيير الأبنية، وتضييق الواسع، وتخريب العامر، وسوء الجوار، وغير ذلك مما يختص بالعقار، بخلاف المنقول.
والفرق بين المنقول وغير المنقول أن الضرر في غير المنقول يتأبد بتأبده بخلاف=631
الجزء: 4 - الصفحة: 335
أَوْ مَا يَتَّصِلُ بِهِ مِنَ الْغِرَاسِ وَالْبِنَاءِ (1)
=المنقول فهو ضرر عارض كالمكيل والموزون، وهذا ما ذهب إليه الحنفية (1)، والشافعية (2)، وهو الصحيح في مذهب المالكية (3)، وكذا الحنابلة (4).
وفي رواية أخرى في المذهب (5) أن الشفعة تثبت كذلك في المنقولات لعموم حديث جابر المتقدم «قَضَى النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - بِالشُّفْعَةِ فِي كُلِّ مَا لَمْ يُقْسَمْ .. ».
فالشاهد منه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أثبت الشفعة في كل ما لم يقسم وهذا يتناول العقار والمنقول، لأن (ما) من صيغ العموم فتثبت الشفعة في المنقول كما هي ثابتة في العقار وأيضاً الضرر في الشركة التي في شيء لا يقسم أبلغ من الضرر في العقار الذي يقبل القسمة، فإذا كان الشارع يريد دفع الضرر الأدنى فالأعلى أولى بالدفع.
والراجح ثبوت الشفعة في كل شيء مشترك لعموم الأدلة ولأن العلة التي ثبتت بها الشفعة للشريك وهي دفع الضرر موجودة في العقار وغيره من المنقولات.
(1)
قوله «أَوْ مَا يَتَّصِلُ بِهِ مِنَ الْغِرَاسِ وَالْبِنَاءِ»:
ذكرنا أن المراد بالعقار الأرض فالشفعة تكون فيها وكذلك ما يتصل بها فإذا شفع الشريك في أرض فيها غراس وبناء فإن الغراس والبناء يتبعها إذا كان موجوداً فيها.
مثال ذلك: إذا اشترك اثنان في أرض وقاما بزراعتها ولكل واحد منهما =633634635636637
الجزء: 4 - الصفحة: 336
الثَّالِثُ: أَنْ يَكُوْنَ شِقْصًا مُشَاعًا (1)، فَأَمَّا الْمَقْسُوْمُ الْمَحْدُوْدُ، فَلا شُفْعَةَ فِيْهِ (2)،
= نصف الأرض، وهذه الأرض زرعت نخلاً، فباع أحد الشريكين نصيبه بمائة ألف ريال على أجنبي نقول: تثبت الشفعة على الشريك الآخر في النصف الذي باعه سواء كانت الأرض أو ما يتبعها من الغراس والزرع لأنها تابعة للعقار وتكون المعاوضة عليهما، ولا نقول له يعني للمشتري الأجنبي احمل الزرع واخرج، لا بل تتبع الشفعة في قيمة الأرض والغرس والبناء الذي عليها.
فإن كان الغراس به ثمر أو زرع فهل يتبع أصله فيكون للشريك؟ نقول فيه تفصيل: فإن كانت الثمرة أو الشجر والزرع موجوداً حين البيع فإنها تتبع.
أما إن كان الغراس حين البيع ليس فيه ثمر ثم أثمرت عند المشتري الأجنبي فإنها تكون للمشتري، لأنها نماء ملكه، فإنه قبل أن يؤخذ بالشفعة للمشتري.
(1) قوله «الثَّالِثُ: أَنْ يَكُوْنَ شِقْصًا مُشَاعًا»: أي الشرط الثالث من الشروط التي تجب فيها الشفعة «أَنْ يَكُوْنَ شِقْصًا»، والشقص بكسر أوله هو القطعة من الأرض، والطائفة من الشيء.
وقوله «مُشَاعًا» المشاع هو الشيء المشترك غير المقسوم كأن يملك إنسان نصف دار، أو ربع بستان ونحو ذلك والمعنى أنه يشترط لثبوت الشفعة أن يكون النصيب «شِقْصًا مُشَاعًا»، أي أرضاً غير مقسمة ولذا قال المؤلف.
(2)
قوله «فَأَمَّا الْمَقْسُوْمُ الْمَحْدُوْدُ، فَلا شُفْعَةَ فِيْهِ»:
نقول العقار إذا كان فيه شركة ينقسم إلى قسمين: الأول: إما أن يقسم العقار ويحدد لكل شريك نصيبه فحينئذ هو عقار مقسوم.
الجزء: 4 - الصفحة: 337
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مثاله: لو أن شريكين اشتركا في مزرعة مناصفة وكان لأحدهما النصف الشرقي، والآخر النصف الغربي وحددت الحدود وفصلت بينهما، أو فصل بينهما بطريق أو فصل بينهما بجدار أو فصل بينهما بمعالم تميز نصيب كل واحد عن الآخر فهذا نصيب مقسوم.
الثاني: أن يكون العقار كعقار واحد كما هو للشخص الواحد، ولكنهم يقسمون المنافع فينتفع كل منهما بما ينتفع به الآخر مناصفة، فهذا النوع من العقار تثبت فيه الشفعة بالسنة والإجماع كما في حديث جابر -رضي الله عنه-، وقد نقلنا الإجماع على ثبوتها في هذا النوع من العقار.
أما القسم الأول وهو المقسوم المحدد وهو الذي ذكره المؤلف هنا وقال بأنه لا شفعة فيه فقد اختلف الفقهاء في هذا النوع من العقار على ثلاثة أقوال:
القول الأول: وهو قول جمهور الفقهاء من المالكية 638، والشافعية 639، والحنابلة 640 أنه إذا قسمت العقارات وحددت وصرفت الطرق فلا شفعة، وحينئذ لو بيع العقار على أجنبي فإنه يملكه وليس من حق الجار أن يشفع وهكذا لبقية الشركاء واحتجوا لذلك بحديث جابر المتقدم ووجه الدلالة من حديث جابر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صدره بثبوت الشفعة في غير المقسوم ونفيها في المقسوم، وآخره نفي الشفعة عند وقوع الحدود وتصريف الطرق والحدود بين الجارين واقعة والطرق مصروفة فكانت الشفعة منفية في هذه الحالة، ومن التعليلات الأخرى عندهم إذا كان الشارع يقصد رفع الضرر عن الجار =
الجزء: 4 - الصفحة: 338
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = فهو أيضاً يقصد عن المشتري، ولا يدفع ضرر الجار بإدخال الضرر على المشتري فإن المشتري في حاجة إلى دار يسكنها هو وعياله، فإذا سلط الجار على انتزاع داره منه أضر به ضرراً بيناً، فكان من تمام حكمة الشارع أن أسقط الشفعة بوقوع الحدود وتصريف الطرق لئلا يضر الناس بعضهم بعضاً، ويتعذر على من أراد شراء دار لها جار أن يتم له مقصوده 641. القول الثاني: وهو قول الحنفية 642 أن الشفعة تثبت في ما قسم وما لم يقسم فتثبت الشفعة للجار مطلقاً، سواء كان له مع جاره شركة في زقاق - الطريق الضيق - أو حوش، أو بئر، أو نحو ذلك، واحتج أبو حنيفة لذلك بما ثبت عَنْ عَمْرِو بْنِ الشَّرِيدِ قَالَ وَقَفْتُ عَلَى سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ فَجَاءَ الْمِسْوَرُ بْنُ مَخْرَمَةَ فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى إِحْدَى مَنْكِبَيَّ إِذْ جَاءَ أَبُو رَافِعٍ مَوْلَى النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ «يَا سَعْدُ ابْتَعْ مِنِّي بَيْتَيَّ فِي دَارِكَ فَقَالَ سَعْدٌ وَاللَّهِ مَا أَبْتَاعُهُمَا فَقَالَ الْمِسْوَرُ وَاللَّهِ لَتَبْتَاعَنَّهُمَا فَقَالَ سَعْدٌ وَاللَّهِ لَا أَزِيدُكَ عَلَى أَرْبَعَةِ آلَافٍ مُنَجَّمَةً أَوْ مُقَطَّعَةً قَالَ أَبُو رَافِعٍ لَقَدْ أُعْطِيتُ بِهَا خَمْسَ مِائَةِ دِينَارٍ وَلَوْلَا أَنِّي سَمِعْتُ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ الْجَارُ أَحَقُّ بِسَقَبِهِ مَا أَعْطَيْتُكَهَا بِأَرْبَعَةِ آلَافٍ وَأَنَا أُعْطَى بِهَا خَمْسَ مِائَةِ دِينَارٍ فَأَعْطَاهَا إِيَّاهُ» 643. وأيضاً احتجوا بما ثبت عن الشريد بن سويد قال: قلت يا رسول الله: أرضي ليس لأحد فيها شركة ولا قسمة إلا الجوار، فقال: «الْجَارُ أَحَقُّ بِسَقَبِهِ» 644.
الجزء: 4 - الصفحة: 339
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . =واستدل أيضاً الحنفية بالمعقول فقالوا: إذا كان الحكم بالشفعة ثبت في الشركة لإفضائها إلى ضرر المجاورة فحقيقة المجاورة أولى بالثبوت فيها، وهذا لأن المقصود دفع ضرر المتأذي بسوء المجاورة على الدوام باتصال أحد الملكين بالأخر على وجه لا يتأتى الفضل فيه، والناس يتفاوتون في المجاورة حتى يرغب في المجاورة بعض الناس لحسن خلقه ويرغب عن جوار البعض لسوء خلقه، فلما كان الجار القديم يتأذى بالجار الحادث على هذا الوجه ثبت له حق الملك بالشفعة دفعاً لهذا الضرر 645. القول الثالث: وهو رواية في مذهب الإمام أحمد 646 اختارها شيخ الإسلام 647 وابن القيم 648 والشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي 649 وهو اختيار شيخنا -رحمه الله- 650. التفصيل في ذلك: فإن كان الجار مشاركاً لجاره في حقوق الملك كمرافق من مدخل، أو فناء بحيث لا يتميز حق كل واحد فهو داخل فيما لم يقسم وتثبت فيه الشفعة للشركة لا للجوار، وقد دل على ذلك قصة أبي رافع المتقدمة فإن قوله «بَيْتَيَّ فِي دَارِكَ» معناه: أنهما كانا في دار سعد ابن أبي وقاص والطريق واحد، أما إذا لم يكن شريكاً في حقوق الملك ولم يبعه إلا بمجرد الاشتراك في طريق أو درب غير نافذ مع تقسيم الملك ووقوع الحدود ولم يبق إلا حق=
الجزء: 4 - الصفحة: 340
لِقَوْلِ جَابِرٍ - رضي الله عنه -: قَضَى رَسُوْلُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - بِالشُّفْعَةِ فِيْ كُلِّ مَا لَمْ يُقْسَمْ، فَإِذَا وَقَعَتِ الْحُدُوْدُ، وَصُرِّفَتِ الطُّرُقُ، فَلا شُفْعَةَ (1)،
=الاستطراق لكل من كان على هذا الطريق، سواء كان جاراً أو غيره فإن مثل هذا من جملة المقسوم الذي نفيت فيه الشفعة.
قلت: والراجح عندي ما ذهب إليه جمهور الفقهاء بأن الشفعة للجار لا تثبت إذا كانت الحدود مقسومة والطرق معروفة حتى ولو كان هناك جدار مشترك لكن من الأدب وحق المسلم على أخيه المسلم والجار على الجار أن يبلغه إذا كان يريدها.
(1)
قوله «لِقَوْلِ جَابِرٍ - رضي الله عنه -: قَضَى رَسُوْلُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - بِالشُّفْعَةِ فِيْ كُلِّ مَا لَمْ يُقْسَمْ، فَإِذَا وَقَعَتِ الْحُدُوْدُ، وَصُرِّفَتِ الطُّرُقُ، فَلا شُفْعَةَ»
الجزء: 4 - الصفحة: 341
الرَّابِعُ: أَنْ يَكُوْنَ مِمَّا يَنْقَسِمُ، فَأَمَّا مَا لا يَنْقَسِمُ، فَلا شُفْعَةَ فِيْهِ (1).
=العدل ولدفع الشر والضرر ولتحقيق هذا المعنى السامي الكريم نُظُم مستقيمة وأحكام عادلة.
3 - تكون الشفعة في العقار المشترك الذي لم تميز حدوده ولم تعرف طرقه لإزالة ضرر الشراكة التي تلحق الشريك الشفيع.
4 - استدل بالحديث على أن الشفعة لا تكون إلا في العقار الذي تمكن قسمته دون ما لا تمكن قسمته وذلك أخذاً من قوله «فِي كُلِّ مَا لَمْ يُقْسَمْ»، لأن الذي لا يقبل القسمة لا يحتاج إلى نفيه وسيأتي الخلاف في هذه المسألة بعد هذا الحديث وبيان القول الراجح فيها.
5 - استدل من استدل بهذا الحديث أن الشفعة في كل شيء كما في رواية الطحاوي وقد سبق بيان هذه المسألة وبيان الراجح فيها.
6 - أنه إذا ميزت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة لزوال الضرر وبالقسمة وعدم الاختلاط فالحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً.
7 - حسن أدب المشاركة وهو أن الشريك إذا أراد أن يبيع نصيبه فيحسن أن يعرضه على شريكه فإن رغب شراؤه فهو أحق به من غيره لحق الشراكه والجوار والصحبة بين الشريكين ويزيل عن شريكه وأخيه عناء الشفعة (1).
(1)
قوله «الرَّابِعُ: أَنْ يَكُوْنَ مِمَّا يَنْقَسِمُ، فَأَمَّا مَا لا يَنْقَسِمُ، فَلا شُفْعَةَ فِيْهِ»:
هذا هو الشرط الرابع من الشروط التي تجب بها الشفعة وهو أن يكون مما يقسم أي أن تكون الشفعة في شيء يمكن قسمته كأرض، ودار واسعة، ونحو ذلك دليل ذلك حديث جابر المتقدم وفيه قوله - صلى الله عليه وسلم - «في كل ما لم يقسم»، =653
الجزء: 4 - الصفحة: 342
الْخَامِسُ: أَنْ يَأْخُذَ الشِّقْصَ كُلَّهُ (1)، = فهو بمفهومه إن كان قابلاً للقسمة فلا شفعة فيه كبئر، ودار صغير، ودكان صغير ونحو ذلك وذلك لأن إثبات الشفعة إنما كان لدفع الضرر الذي يلحق بالمقاسمة وهذا لا يوجد فيما لا يقسم، وما ذهب إليه المؤلف هنا هو المذهب (1). وفي رواية في المذهب (2) اختارها شيخ الإسلام، وشيخنا محمد بن صالح العثيمين -رحمه الله- (3) أن الشفعة تثبت فيما لا يقسم لعموم الدليل فإنه صريح في عموم الشفعة في كل عقار لم يقسم، سواء كانت أمكنت قسمته أم لا، ولأنه عقد مشترك فتثبت فيه الشفعة كالذي يمكن قسمته، فإن الشفعة شرعت لإزالة ضرر المشاركة، والضرر في هذا النوع أكثر، لأنه يتأبد ضرره.
(1)
قوله «الْخَامِسُ: أَنْ يَأْخُذَ الشِّقْصَ كُلَّهُ»:
أي الشرط الخامس من شروط ثبوت الشفعة أن يأخذ الشقص كله، والشقص سبق تعريفه وهو القطعة من الأرض أو النصيب من العين المشتركة.
والمعنى أن يأخذ الشفيع كل الشقص المبيع لا بعضه، لأن في أخذ بعضه إضراراً بالمشتري وذلك بتبغيض الصفقة عليه، والضرر لا يزال بمثله ولأن الشفعة تثبت على خلاف الأصل
كما سبق بيانه في أول الشرح وذلك لدفع الضرر عن الشريك خوفاً من سوء المشاركة ومؤونة القسمة، فإذا أخذ بعض الشقص لم يندفع الضرر المذكور.654655656
الجزء: 4 - الصفحة: 343
فَإِنْ طَلَبَ أَخْذَ بَعْضِهِ، بَطَلَتْ شُفْعَتُهُ 657، وَلَوْ كَانَ لَهُ شَفِيْعَانِ، فَالشُّفْعَةُ بَيْنَهُمَا عَلَى قَدْرِ سِهَامِهَمَا 658
(1) قوله «فَإِنْ طَلَبَ أَخْذَ بَعْضِهِ، بَطَلَتْ شُفْعَتُهُ»: أي إن طلب الشفيع أخذ بعض نصيب البائع دون البعض فإن الشفعة تبطل لأنه إما أن يأخذه كله أو يتركه كله، لأن الشفعة لا تتبعض، ولأن الضرر لم يندفع كما سبق بيانه فلا تثبت معه.
(2) قوله «وَلَوْ كَانَ لَهُ شَفِيْعَانِ، فَالشُّفْعَةُ بَيْنَهُمَا عَلَى قَدْرِ سِهَامِهَمَا»: أي إن تعدد الشركاء فشفع كل منهما في البيع، فإن الشفعة بينهما تكون على قدر سهامهم أي على قدر حقوقهم.
مثال ذلك: أرض بين ثلاثة أشخاص، أحدهم له نصفها والثاني له ثلثها والأخر له سدسها، فباع الأول وهو صاحب النصف نصيبه، فلشريكيه الشفعة بقدر سهامهما وعلى ذلك يكون نصيب الثاني سهمين والثالث سهم، فلو باع صاحب الثلث نصيبه تكون المسألة من ستة والثلث يقسم على أربعة لصاحب النصف ثلاثة ولصاحب السدس واحد فلو باع صاحب السدس نصيبه تكون المسألة من خمسة، لصاحب النصف ثلاثة ولصاحب الثلث سهمان، هذا هو مراد المؤلف (1)، وهو ما ذهب إليه المالكية (2) والشافعية 659.
وفي قول آخر في المسالة أن الشفعة بينهم تكون على قدر الرؤوس ولو =
الجزء: 4 - الصفحة: 344
وَإِنْ تَرَكَ أَحَدُهُمَا شُفْعَتَهُ، لَمْ يَكُنْ لِلآخَرِ إِلاَّ أَخْذُ الْكُلِّ، أَوِ التَّرْكِ (1). السَّادِسُ: إِمْكَانُ أَدَاءِ الثَّمَنِ، فَإِنْ عَجِزَ عَنْهُ، أَوْ عَنْ بَعْضِهِ، بَطَلَتْ شُفْعَتُهُ (2)، =اختلفت السهام، فإذا كان أحدهما له ثلاثة أرباع والأخر له الربع فالشفعة لهما بالتساوي لأن كل واحد لو انفرد لأخذها كلها فكذلك إذا اختلفوا تساووا، وهذا رواية في المذهب (1) وهو مذهب الحنفية (2).
(1)
قوله «وَإِنْ تَرَكَ أَحَدُهُمَا شُفْعَتَهُ، لَمْ يَكُنْ لِلآخَرِ إِلاَّ أَخْذُ الْكُلِّ، أَوِ التَّرْكِ»: أي إذا كان الشقص بين شفعاء، فترك بعضهم، فليس للباقين إلا أخذ الجميع أو ترك الجميع.
وقد نقل ابن المنذر (3) الإجماع على ذلك وذلك لأن أخذ البعض إضرارٌ بالمشتري بتبعيض الصفقة عليه، ولا يزال الضرر بالضرر كما سبق بيانه.
(2)
قوله «السَّادِسُ: إِمْكَانُ أَدَاءِ الثَّمَنِ، فَإِنْ عَجِزَ عَنْهُ، أَوْ عَنْ بَعْضِهِ، بَطَلَتْ شُفْعَتُهُ»:
هذا هو الشرط السادس من الشروط التي تثبت بها الشفعة وهو إمكان أداء الثمن من الشفيع، فإن عجز عن دفع الثمن للمشتري أو قال أدفع لك البعض فإن الشفعة تبطل لتعذر حصول المشتري على الثمن، والشفعة إنما شرعت لدفع الضرر فلا تثبت معه.
مثال ذلك: باع رجلٌ شقصه في مشاركة لأجنبي بمائة ألف ريال فقال شريكه وهو الشفيع للمشتري أنا آخذه منك بتسعين ألفاً، فيقال له إما أن تأخذه بثمنه كله بدون مماكسة وبدون أن تحاول تنزيل شيء وإلا فلا شفعة لك فإن=660661662
الجزء: 4 - الصفحة: 345
وَإِذَا كَانَ الثَّمَنُ مِثْلِيًّا، فَعَلَيْهِ مِثْلُهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِثْلِيًّا، فَعَلَيْهِ قِيْمَتُهُ (1)،
= قال أنا ليس عندي إلا هذا المبلغ فقط وهو التسعون ألف نقول سقطت الشفعة لأننا لو قلنا بثبوت الشفعة على إعساره عن الثمن أو إعساره عن بعض الثمن لكان في ذلك ضرر على المشتري، والمشتري سيؤخذ منه قهراً، فنضره من جهتين:
الأول: أننا أخذناه منه قهراً.
الثاني: أننا عاملناه بالأشد من جهة الثمن.
(1)
قوله «وَإِذَا كَانَ الثَّمَنُ مِثْلِيًّا، فَعَلَيْهِ مِثْلُهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِثْلِيًّا، فَعَلَيْهِ قِيْمَتُهُ»: أي أن الشريك يأخذ الشقص المبيع بالثمن الذي استقر عليه العقد فإن كان هذا الثمن ذا مثل أعطاه مثله كالدراهم، والدنانير، والحنطة، والشعير ونحو ذلك مما يكال أو يوزن لأنه أقرب إلى مساواة ما دفعه، فإن كان ما بيعت به السلعة لا مثيل له كأن يبيعها بأرض أو بمنزل أو ثياب أو حيوان فهنا يتعذر المثل فهنا يأخذه بقيمته، فإن كان ثمن السلعة أرضاً مثلاً لها مواصفات كذا أو كان الثمن بيتاً له مواصفات معينة فهذا ليس له مثل فنقول ينظر كم قيمة هذه الأرض أو هذا البيت في السوق، فيدفع الشافع هذه القيمة للبائع، لعدم وجود ثمن له مثل يمكن دفعه للبائع فينتقل إلى القيمة.
ذكر بعض الفوائد:
- الفائدة الأولى:
هل هناك فرق بين الثمن والقيمة؟
نقول نعم هناك فرق بينهما، فالثمن هو ما وقع عليه العقد، والقيمة ما يساوي بين الناس فمثلاً اشترى زيد بيتاً بعشرة ألاف، فالثمن عشرة ألاف، لكن هذا البيت يساوي بين الناس عشرين ألفاً فالقيمة عشرون.
الجزء: 4 - الصفحة: 346
وَإِنِ اخْتَلَفَا فِيْ قَدْرِهِ، وَلا بَيِّنَةَ لَهُمَا، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِيْ مَعَ يَمِيْنِهِ 663.
- الفائدة الثانية: قول المؤلف «فعليه قيمته» فيه إشعار بثبوت الشفعة وأن كون الثمن غير المثلي لا يمنع استحقاق الشفعة لأنه أحد نوعي الثمن فجاز أن تثبت به الشفعة كالمثلي.
(1) قوله «وَإِنِ اخْتَلَفَا فِيْ قَدْرِهِ، وَلا بَيِّنَةَ لَهُمَا، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِيْ مَعَ يَمِيْنِهِ»: أي وإن اختلف المشتري والشفيع في قدر ثمن الشقص وليس للشفيع بينة فالقول قول المشتري، لأن الملك له فلا ينزع من يده بقول المدعي، لأنه العاقد فهو أعرف بالثمن لكن لا بد من اليمين والقاعدة في ذلك:
أولاً: كل من قلنا القول قوله فلا بد من يمينه لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - «البينة على المدعي واليمين على من أنكر» (1).
ثانياً: أن لا تكون دعواه مخالفة للعرف، فإن كانت مخالفة للعرف سقطت، فلو ادعى المشتري أن قيمة الشقص عشرة ألاف وهو لا يساوي إلا ألفاً فالقول قول الشفيع مع اليمين، فإن كان الشقص يساوي خمسة ألاف وادعى المشتري أنه اشتراه بعشرة ألاف فلا يقبل قول المشتري ولا قول الشفيع، لأن المشتري زاد خمسة ألاف على المعتاد والشفيع نقص أربعة ألاف على المعتاد فلا يقبل.
- فائدة: إن قال البائع بعت عليك الشقص بألفين فقال المشتري بل بعته علي بألف وأقام البائع بينة على دعواه فالقول قول البائع، فيثبت على المشتري ألفان بمقتضى دعوى البائع الثابتة بالشهود.
وهل يلزم الشفيع ما ثبت على المشتري ونقول يجب على الشفيع أن يدفع=
الجزء: 4 - الصفحة: 347
السَّابِعُ: الْمُطَالَبَةُ بِهَا عَلَى الْفَوْرِ سَاعَةَ يَعْلَمُ، فَإِنْ أَخَّرَهَا، بَطَلَتْ شُفْعَتُهُ 664
=ألفين، أو نقول يلزم الشفيع ما أقرَّ به المشتري وهو الألف؟
نقول هنا صار لدينا حقَّان:
الأول: وهو حق البائع على المشتري، وثبت أنه ألفان.
الثاني: حق المشتري على الشفيع، وثبت بأنه ألف بإقرار المشتري وهنا تتبعض الأحكام لاختلاف أسبابها، فلا يلزم الشفيع أن يدفع أكثر من ألف للمشتري فإن ادعى أنه أخطأ وقال يعني المشتري إني قد نسيت أو قد أخطأت ففيه قولان، الأقرب عندي أنه إذا جاء المشتري ببينة على دعواه أنه باعه بأكثر فهنا وجب الأخذ به.
(1) قوله «السَّابِعُ: الْمُطَالَبَةُ بِهَا عَلَى الْفَوْرِ سَاعَةَ يَعْلَمُ، فَإِنْ أَخَّرَهَا، بَطَلَتْ شُفْعَتُهُ»: هذا هو الشرط السابع من شروط ثبوت الشفعة، وهو أن الشفعة على الفور وقت علم الشفيع بها، وهذه المسألة على قولين في المذهب: القول الأول: أن الشفعة تكون على الفور، وهو المذهب (1)، وهو مذهب الشافعية 665 أيضاً دليلهم في ذلك ما يلي:
1 - ما جاء عن ابن عمر - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «الشُّفْعَةُ كَحَلِّ الْعِقَالِ»، وفي لفظ آخر «الشُّفْعَةُ كَنشطةِ العِقَال، إِنْ قُيدت ثَبَتَتْ، وَإِنْ تُرِكَتْ فَالّلومُ عَلى مَنْ تَرَكَها» 666.
2 - أما دليل الأخر فهو دليل التعليل فلأن الشفعة شرعت لدفع الضرر عن=
الجزء: 4 - الصفحة: 348
إِلاَّ أَنْ يَكُوْنَ عَاجِزًا عَنْهَا؛ لِغَيْبَةٍ أَوْ حَبْسٍ، أَوْ مَرَضٍ، أَوْ صِغَرٍ، فَيَكُوْنُ عَلَى شُفْعَتِهِ مَتَى قَدَرَ عَلَيْهَا (1)
=الشريك فكانت على الفور.
القول الثاني في هذه المسألة: أن الشفعة على التراخي، وهذا رواية في المذهب (1) وهو مذهب مالك (2) أيضاً اختارها شيخنا -رحمه الله- (3) فلا تسقط الشفعة إلا بإسقاط صاحبها أو بما يدل على رضاه كأن يقول إن السعر الذي بيعت به لا يستطيع دفعه أو يصرح بتركه لها، أو يتركها مدة طويلة تدل على إعراضه عنها وعدم رغبته فيها، واحتج لذلك بأمرين:
1 - أن الشفعة حق من جملة الحقوق التي لا تسقط إلا بالرضا بإسقاطها أو بما يدل على الرضا من قول أو فعل.
2 - أن إلجاء الشفيع إلى الفورية وعدم إعطائه الفرصة للنظر غير مناسب لما شرعت له الشفعة، أما الاحتجاج بحديث ابن عمر - رضي الله عنه - فهو حديث ضعيف لا تقوم به الحجة في هذا المقام.
وهذا هو الراجح عندي.
(1)
قوله «إِلاَّ أَنْ يَكُوْنَ عَاجِزًا عَنْهَا؛ لِغَيْبَةٍ أَوْ حَبْسٍ، أَوْ مَرَضٍ، أَوْ صِغَرٍ، فَيَكُوْنُ عَلَى شُفْعَتِهِ مَتَى قَدَرَ عَلَيْهَا»:
أي إن ترك طلب الشفعة لهذه المذكورات فهو على شفعته متى قدر عليها لأنه معذور وإن جلس سنوات فإن كان غائباً غيبة طويلة ولا يعرف له أثر ولا يعلم أهله عنه شيء فهنا تسقط وكذلك لو حبس لإجراء حكم الإعدام عليه قصاصاً ونحوه =667668669
الجزء: 4 - الصفحة: 349
إلاَّ أَنَّهُ إِنْ أَمْكَنَهُ الإِشْهَادُ عَلَى الطَّلَبِ بِهَا، فَلَمْ يُشْهِدْ، بَطَلَتْ شُفْعَتُهُ (1)،
=فلا شفعة له، أما المرض فقد اختلف فيه على قولين:
الأول: أنه لا فرق بين المرض اليسير كالصداع اليسير أو ألم الأصبع، أو الألم القليل كالحمى وأشباهها.
الثاني: أن المرض إن كان يسيراً لا عبرة به بل يصير كالصحيح وإن كان مرضاً يمنع المطالبة كالغائب.
وهذا هو الراجح عندي، بل لو أخر لعذر كالنوم أو العمل أو السفر فلا بأس لكن يلزمه عند قيامه من نومه أو رجوعه من عمله أو سفره مباشرة أن يشفع لأنه متى زال العذر فإنه يطالب بها على الفور.
(1)
قوله «إِلاَّ أَنَّهُ إِنْ أَمْكَنَهُ الإِشْهَادُ عَلَى الطَّلَبِ بِهَا، فَلَمْ يُشْهِدْ، بَطَلَتْ شُفْعَتُهُ»:
أي إذا علم الغائب والمحبوس والمريض بالبيع وأمكنهم الإشهاد بطلب الشفعة فلم يشهدوا عليها فإنها تبطل، فإن لم يقدر على الإشهاد أو كان من قدر على إشهاده لا تقبل شهادته كالصبي، والمرأة والفاسق لم تسقط شفعته لأنه معذور.
فالحاصل أنه إذا جاءه خبر البيع وهو غائب أو محبوس أو مريض فإنه يلزمه أن يشهد على شفعته متى استطاع ذلك فيشهد رجلين أو رجلاً وامرأتين على أنه أخذ بالشفعة، فإن لم يشهد على الأخذ بالشفعة سقطت شفعته، أما الصبي فتترك له الشفعة حتى يكبر، فالشفعة لم تسقط للصغير كالبائع، لأنها وجبت بالبيع، فله الأخذ بها إذا كبر أي بلغ ورشد، لأنه الوقت الذي يتمكن فيه من الأخذ، وهو مبني على أن الولي ترك الشفعة للصبي، وإلا فالأظهر أن الولي يأخذ الشفعة 670.
الجزء: 4 - الصفحة: 350
فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ حَتَّى تَبَايَعَ ذلِكَ ثَلاثَةٌ أَوْ أَكْثَرُ، فَلَهُ مُطَالَبَةُ مَنْ شَاءَ مِنْهُمْ (1)، فَإِنْ أَخَذَ مِنَ الأَوَّلِ رَجَعَ الثَّانِيْ بِمَا أُخِذَ مِنْهُ، وَالثَّالِثُ عَلَى الثَّانِيْ (2)، (1)
قوله «فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ حَتَّى تَبَايَعَ ذلِكَ ثَلاثَةٌ أَوْ أَكْثَرُ، فَلَهُ مُطَالَبَةُ مَنْ شَاءَ مِنْهُمْ»:
أي فإن لم يعلم الشريك ببيع شريكه لشقصه ثم قام من اشتراه ببيعه على آخر ثم باعه الآخر على غيره فله مطالبة من شاء من هؤلاء الثلاثة بالشفعة، فيشفع عليه، ويدفع إليه الثمن الذي دفعه لمن اشتراه منه، فلو قدَّر أنه شفع على البائع الثالث فقد أقر ببيع الأول والثاني، وإن شفع على الثاني فقد أبطل ببيع الثاني وأقر بالأول، وإن شفع على الأول فدفع له الثمن الذي اشترى به رجع على الثاني كما سيذكر ذلك المؤلف.
(2)
قوله «فَإِنْ أَخَذَ مِنَ الأَوَّلِ رَجَعَ الثَّانِيْ بِمَا أُخِذَ مِنْهُ، وَالثَّالِثُ عَلَى الثَّانِيْ»:
مثال ذلك: رجل باع شقصه لرجل بألف ريال ثم باعه المشتري الأول لآخر بألف وخمسمائة ريال، وباع الشخص الثاني على شخص ثالث بألفين فرجع المطالب بالشفعة على المشتري الأول فدفع له الثمن الذي اشتراه به وهو الألف فهنا يرجع الثاني على المشتري الأول بما أخذه منه وهو ألف وخمسمائة ثم يرجع الثالث على الثاني بما أخذه منه وهو الألفان، لأن الشفعة وجبت له قبل تصرف المشتري الأول والثاني، فإن شاء أمضى تصرف كل منهما وأخذ بالشفعة من المشتري الثاني أو الثالث، لأن له الشفعة في كل هذه العقود فله الخيار في أن يشفع على أي منهم، وهذا قول عامة أهل العلم 671.
الجزء: 4 - الصفحة: 351
وَمَتَى أَخَذَهُ، وَفِيْهِ غَرْسٌ، أَوْ بِنَاءٌ لِلْمُشْتَرِيْ، أَعْطَاهُ الشَّفِيْعُ قِيْمَتَهُ (1)، إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ الْمُشْتَرِيْ قَلْعَهُ مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ فِيْهِ (2)، وَإِنْ كَانَ فِيْهِ زَرْعٌ أَوْ ثَمَرٌ بَادٍ، فَهُوَ لِلْمُشْتَرِيْ مُبَقًّى إِلَى الْحَصَادِ أَوِ الْجِذَاذِ (3)، (1)
قوله «وَمَتَى أَخَذَهُ، وَفِيْهِ غَرْسٌ، أَوْ بِنَاءٌ لِلْمُشْتَرِيْ، أَعْطَاهُ الشَّفِيْعُ قِيْمَتَهُ»: أي متى أخذ الشفيع الجزء المشفوع فيه «الشقص»، وفي هذا الجزء غرس أو بناء للمشتري فللشفيع أن يتملك الغرس أو البناء ويعطي قيمتها إلى المشتري دفعاً للضرر، ويكون ذلك بأن تُقَوَّم الأرض خالية من ذلك ثم تُقَوَّم الأرض وبها هذا الغرس والبناء، فما بينهما فهو قيمة الغراس والبناء.
(2)
قوله «إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ الْمُشْتَرِيْ قَلْعَهُ مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ فِيْهِ»: أي وإن شاء المشتري قلع هذا الغرس أو البناء من غير ضرر يلحق بالأرض فله ذلك، فإن ترتب على ذلك ضرر فليس له قلعه لأن الضرر لا يزال بالضرر، فإن كان المشتري يريد أن يأخذ الغراس أو البناء مضارة لا لمصلحة كأن يقول أنا أريد أن أهدم هذا البناء وأنا أعرف ألان أنني لا أنتفع بالحديد أو اللبن نقول هذا سفه ولا يمكن أن نمكنك من هذا السفه فإن الله تعالى يقول ﴿وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمْ .. ﴾ (1) وعلى ذلك يمنع المشتري من الغراس أو البناء في حالتين:
الأولى: إذا كان على الأرض ضرر.
... الثاني: إذا كان المشتري لا ينتفع بها.
(3)
قوله «وَإِنْ كَانَ فِيْهِ زَرْعٌ أَوْ ثَمَرٌ بَادٍ، فَهُوَ لِلْمُشْتَرِيْ مُبَقًّى إِلَى الْحَصَادِ أَوِ الْجِذَاذِ»:
أي إن باع الشريك شقصه ولم يعلم الشريك الآخر بأنه باعه إلا بعد أن زرع المشتري الأرض وظهرت الثمرة فهنا يكون الزرع والثمر للمشتري ما دام قد ظهر أما إذا كان حباً مدفوناً في الأرض فإنه يتبعها، =672
الجزء: 4 - الصفحة: 352
وَإِنِ اشْتَرَى شِقْصًا وَسَيْفًا فِيْ عَقْدٍ وَاحِدٍ، فَلِلشَّفِيْعِ أَخْذُ الشِّقْصِ بِحِصَّتِهِ 673، =ووجه كونه للمشتري لأنه برز وبان وتعلقت به نفس المشتري فيبقى في الأرض حتى الحصاد أو الجذاذ.
- فائدة: هل النماء المتصل يكون للمشتري؟
مثاله: اشترى شخص نصيب زيد من النخل، والنخل ما زال غراساً صغيراً وبقي الشريك لم يعلم أن شريكه قد باع، ونما النخل وكبر فهل هذا النماء يكون للمشتري؟ نقول على قولين:
الأول: أنه ليس للمشتري فيه شيء لأنه نماء متصل فيتبع العين ولو كان قد تعب عليه وخسر في إصلاح الأرض وحرثها وجلب الماء إليها.
القول الثاني: أن النماء المتصل كالمنفصل يكون لمن انتقل إليه الملك ولا فرق وهذا هو العدل لأن الرجل قد تعب عليه، ونما بسبب عمله، وهذا هو الراجح وهو اختيار شيخنا -رحمه الله- (1)، فإذا كان النماء المتصل لا يمكن فصله فإنه تقدر قيمته للمشتري بأن يقوَّم النخل مثلاً وهو فسيل صغير ويقوَّم وهو كبير قد نما فتقوَّم الأرض وفيها النخل على صفته حين البيع ثم تقوَّم وفيها النخل على صفته حين الأخذ بالشفعة والفرق بين القيمتين يكون للمشتري، لأنه قيمة النماء المتصل.
(1) قوله «وَإِنِ اشْتَرَى شِقْصًا وَسَيْفًا فِيْ عَقْدٍ وَاحِدٍ، فَلِلشَّفِيْعِ أَخْذُ الشِّقْصِ بِحِصَّتِهِ»: أي إذا باع الشريك شقصه لغير الشريك وباع معه سيفاً أو ثوباً أو كتاباً أو أي شيء آخر بثمن واحد كأن يبيع شقصاً وثوباً بألف ريال فيكون للشفيع وهو الشريك في الشقص قيمة الشقص فقط، أما الداخل عليه =
الجزء: 4 - الصفحة: 353
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= وهو الثوب أو السيف ونحو ذلك فلا تجب فيه الشفعة إذا بيع منفرداً، فكذا إذا بيع مع غيره، وهنا يقسم الثمن على قدر قيمتهما، فلو فرض أن المشتري اشتراهما بعشرة ألاف فيقسم الثمن بين قيمتهما فيقوم الشقص فينظر كم يساوي بدون ما لا شفعة فيه، فيقال مثلاً سبعة ألاف وتكون الثلاثة ألاف الباقية لقيمة ما لا شفعة فيه كسيف أو ثوب ونحو ذلك فيعطي الشفيع المشتري قيمة الشقص وهي السبعة ألاف ويبقى للمشتري ما لا شفعة فيه بقيمته وهي الثلاثة ألاف، وذلك لأن أخذ الكل فيه ضرر على المشتري فلربما اشترى هذا الشقص لرغبته فيما لا شفعة فيه وهو السيف أو الثوب أو الكتاب ونحو ذلك.
هذا آخر باب الشفعة، لكن هناك بعض الفوائد التي لم يذكرها المؤلف نريد أن نتعرض لها إتماماً للفائدة.
الفائدة الأولى: في أركان الشفعة
، للشفعة أربعة أركان: «الشافع - المشفوع فيه - المشفوع عليه - الأخذ بالشفعة».
الفائدة الثانية: في الشفعة للكافر
: اتفق الفقهاء على ثبوت الشفعة للمسلم على الذمي وللذمي على الذمي واختلفوا في ثبوتها للذمي على المسلم.
فذهب جمهور الفقهاء من الحنفية 674، والمالكية 675، والشافعية 676 إلى ثبوتها للذمي على المسلم، واستدلوا بعموم الأحاديث الواردة في الشفعة وبالإجماع لما روي عن شريح أنه قضى بالشفعة للذمي على المسلم وكتب إلى عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - فأجازه وأقره وكان ذلك في محضر من الصحابة =
الجزء: 4 - الصفحة: 354
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
=ولم ينكر أحد منهم فكان ذلك إجماعاً، ولأن الذمي والمسلم يتفقان في السبب والقصد من ذلك وهو دفع الضرر عن الشريك، ولأنها خيار ثبت لدفع الضرر بالشراء فاستوى فيه المسلم والكافر كالرد بالعيب.
وذهب الحنابلة 677، وابن القيم 678 إلى عدم ثبوت الشفعة للذمي على المسلم، واستدلوا لذلك بما يلي:
1 - ما ثبت عن أنس - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا شُفْعَةَ لِلنَّصْرَانِيِّ» 679.
2 - أن الشفعة إنما شرعت من أجل الرفق بالشفيع، والرفق لا يستحقه إلا من أقر بها وعمل بمقتضاها، والذمي لم يقر بها ولم يعمل بمقتضاها فلا يستحق الرفق المقصود بتشريع الشفعة فلا تثبت له على المسلم.
3 - أن في إثبات الشفعة للذمي على المسلم تسليطاً عليه بالقهر والغلبة وذلك ممتنع بالاتفاق وقد قال تعالى: ﴿ .. وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً﴾ 680.
والراجح من القولين: هو ما ذهب إليه جمهور الفقهاء في ثبوت الشفعة للذمي على المسلم لعموم الأحاديث الصحيحة.
أما حديث أنس المتقدم فهو ضعيف أخرجه البيهقي واستنكره، ونقل عن ابن عدي إعلاله.
الجزء: 4 - الصفحة: 355
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
- الفائدة الثالثة: تسقط الشفعة بأمور عدة منها:
1 - ترك طلب الشفعة متى علم قدر وفق الشرط المحدد لذلك.
2 - إذا طلب الشفيع بعض العقار المبيع.
3 - الإبراء والتنازل عن الشفعة.
4 - التنازل عن الشفعة مقابل تعويض أو صلح.
-
الفائدة الرابعة: في كيفية الأخذ بالشفعة: يرى الحنفية (1) أنه لا يثبت الملك للشفيع إلا بتسليم المشتري بالتراضي أو بقضاء القاضي، ويرى المالكية (2) أن الشفيع يملك المشفوع فيه بحكم الحاكم له أو دفع الثمن للمشتري أو الإشهاد بالأخذ بالشفعة.
ويرى الشافعية (3) والحنابلة (4) أن الشفيع يملك المشفوع فيه بكل لفظ يدل على أخذه بالشفعة ولا يشترط غير ذلك وهذا هو الراجح.
الفائدة الخامسة: هل تورث الشفعة
؟ اختلف الفقهاء في هذه المسألة على ثلاثة أقوال: الأول: ما ذهب إليه المالكية 685، والشافعية 686 أن حق الشفعة يورث، فإذا مات الشفيع انتقل حق الشفعة إلى ورثته، لأن المقصود بالشفعة دفع الضرر عن المال وذلك موروث كالرد بالعيب.681682683684
الجزء: 4 - الصفحة: 356
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
=وذهب الحنفية 687 إلى أن الشفعة لا تورث وإن كان الميت قد طالب بها إلا أن يكون الحاكم قد حكم له بها ثم مات، لأن ملك المشفوع فيه الذي هو سبب الأخذ بالشفعة قد زال بموته.
وذهب الحنابلة 688 إلى أن موت الشفيع قبل الطلب بها يسقطها ولا تنتقل إلى الورثة، أما إذا طلب الشفعة ثم مات فينتقل حق الشفعة إلى ورثته، قلت والراجح عندي أن الشفعة تثبت للمورث حالة مطالبته بها قبل الموت أو حالة عدم علمه بها فينوب الوارث عنه.
- الفائدة السادسة: الشفاعة طلب العون للغير، وهي قسمان حسنة وسيئة: فالحسنة: أن يشفع لإزالة ضرر، أو لتحصيل حق أو رفع ظلم، فهذه محمودة وصاحبها مأجور، ودليلها ما رواه البخاري عن أبي بردة بن أبي موسى عن أبيه - رضي الله عنه - قال: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - إِذَا جَاءَهُ السَّائِلُ أَوْ طُلِبَتْ إِلَيْهِ حَاجَةٌ قَالَ «اشْفَعُوا تُؤْجَرُوا وَيَقْضِي اللَّهُ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ - صلى الله عليه وسلم - مَا شَاءَ» 689. والسيئة: هي الشفاعة لإسقاط حق أو لإقرار ظلم أو إعطاء غير المستحق أو تقديمه على غيره فهذه مذمومة وصاحبها مأزور غير مأجور وهي في الغالب تسمى الواسطة قال تعالى ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتاً﴾ 690.
الجزء: 4 - الصفحة: 357
وَبَلُ الغَمَامَةِ في شَرْحِ عُمْدَةِ الفِقْهِ لابْنِ قُدَامَة شرح لعبارة المؤلف مع التمثيل لها والاستدلال وتخريج الأحاديث وذكر أقوال أهل العلم وبيان الراجح في كل مسألة (من كتاب الوقف إلى نهاية كتاب الفرائض) تأليف الأستاذ الدكتور/ عبد الله بن محمد بن أحمد الطيار أستاذ الدراسات العليا بكلية الشريعة وأصول الدين بجامعة القصيم المملكة العربية السعودية - الزلفي - ص. ب: 188 - الرمز البريدي: 11932 هاتف: 064226000 - فاكس: 064225666 - جوال: 0505123100 موقع منار الإسلام www.m-islam.net البريد الإلكتروني: a@m-islam.net m-islam 1@hotmail.com الجزء الخامس مدار الوطن للنشر
الجزء: 5 - الصفحة: 1
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الجزء: 5 - الصفحة: 2
وَبَلُ الغَمَامَةِ في شَرْحِ عُمْدَةِ الفِقْهِ لابْنِ قُدَامَة (من كتاب الوقف إلى نهاية كتاب الفرائض)
الجزء: 5 - الصفحة: 3
جميع الحقوق محفوظة الطبعة الأولى 1431 هـ - 2010 م مدار الوطن للنشر - الرياض هاتف: 4792042 (5 خطوط) فاكس: 4723941 - ص. ب: 245760 فرع السويدي: هاتف: 4267177 - فاكس: 4267377 منطقة الرياض: 0503269316 المنطقة الغربية: 0504143198 المنطقة الشرقية: 0503193268 المنطقة الشمالية والقصيم: 0504130728 المنطقة الجنوبية: 0504130727 التوزيع الخيري: 0506436804 - 2831453 التسويق والمعارض الخارجية: 0506495625 البريد الإلكتروني: pop@dar-alwatan.com موقعنا على الإنترنت: www.madar-alwatan.com
الجزء: 5 - الصفحة: 4