وبل الغمامة في شرح عمدة الفقه لابن قدامةكِتابُ الحُدُوْدِ
أهل الأثرالأرشيف العلمي

(1)  (1)

قوله «كِتابُ الحُدُوْدِ»:

الحدود: جمع حد، وهو في الأصل المنع، ويطلق على معانٍ كثيرة، ففي كتاب الله تطلق الحدود على المحرمات، قال تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوهَا﴾ 1، وتطلق على الواجبات، وما حدَّده الشرع وقدَّره، كالمواريث، والزواج من الأربع ونحو ذلك، قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ 2، وتطلق على العقوبات المقدَّرة، لكونها تمنع عن المعاودة، ولأنها مقدَّرة من الشارع.
والحد شرعاً: عقوبة بدنية مقدَّرة شرعاً لحق الله تعالى.
فقولنا: عقوبة بدنية: قيد أول يخرج العقوبة المالية، مثل: جزاء الصيد.
وقولنا: مقدَّرة شرعاً: قيد ثان خرج به التعزير، لأنه غير مقدَّر، كالعقوبة التي يقدرها القاضي كأن يحكم على شخص بأن يجلد خمسين جلدة، فليس هذا حداً، لأن قائلها هو القاضي.
وقولنا: لحق الله تعالى: يخرج القصاص ونحوه مما يكون فيه الحق للآدمي، وهذا باعتبار الأغلب، لأن القصاص وإن كان فيه حق لله تعالى إلا أنه غُلِّبَ حق الآدمي، ولهذا إذا عفا الأولياء سقط القصاص.

  • فائدة: الحكمة من إقامة الحدود ما يلي: أولاً: الردع لأجل ألا يفعلها هو، أو غيره مرة ثانية، فهي زواجر تمنع =

الجزء: 8 - الصفحة: 81

لا يَجِبُ الْحَدُّ إِلاَّ عَلى مُكَلَّفٍ 3،  = من الوقوع في مثل هذه الجريمة، وتمنع من انتشار الفساد وشيوع الجرائم، وتحقق الأمن في البلاد.
ثانياً: التطهير والكفارة، فإن الإنسان إذا فعل ذنباً وحُدَّ عليه كفَّر الله عنه، فلا يجمع الله عليه بين عقوبة الدنيا والآخرة، لحديث عبادة بن الصامت -رضي الله عنه- وفيه: «وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيئاً فَعُوقِبَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَتُهُ» (1). (1) قوله «لا يَجِبُ الْحَدُّ إِلاَّ عَلى مُكَلَّفٍ»: أي لا يقام الحد إلاَّ على مكلف: وهو البالغ العاقل، فلا حَدَّ على صغير ولا مجنون، لأنهما غير مكلفين بالعبادة، ولقوله - صلى الله عليه وسلم -: «رُفِعَ القَلَمُ عَنْ ثَلاثَةٍ» 4، وذكر منهم الصغير والمجنون، لأنهما ليسا أهلاً للعقوبة لعدم صحة القصد التام منهما، ولهذا منع الله من إتيانهم أموالهم حتى لا يضيعوها.
ولكن لا يعني ذلك أن الصغير لا يُعزَّر، بل يعزر، والتعزير غير الحد، ولهذا قال -صلى الله عليه وسلم-: «مُرُوا أَبْنَاءَكُمْ بِالصَّلاةِ لِسَبْعِ سِنِينَ، وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا لِعَشْرِ سِنِينَ» 5، فأمر بضربهم قبل البلوغ، فالتعزير شيء وإقامة الحد شيء آخر، وعلى هذا فلو أن صغيراً فعل الفاحشة فلا نقول: هذا صغير، لا يجب عليه الحد، اتركوه، بل لا بد أن يعزر بما يردعه وأمثالَه عن هذه الفِعلة، وكذلك - أيضاً - لو سرق فإنه لا يُترك، بل لو أفسد شيئاً دون =

الجزء: 8 - الصفحة: 82

عَالِمٍ بِالتَّحرِيمِ (1)،  = شيئاً دون ذلك فإنه لا يُترك بدون تعزير.
والبلوغ كما سبق يحصل بواحد من أمور ثلاثة: إما بإنزال المني، وإما بإنبات العانة، وإما بتمام خمس عشرة سنة.

  • فائدة: قال شيخنا تعليقاً على قول صاحب الزاد: «لا يَجِبُ الْحَدُّ إِلاَّ عَلى مُكَلَّفٍ»، قال: «ليت المؤلف قال: «يجب الحدّ على كل بالغ» لأن الإثبات أحسن من النفي؛ لأنه إذا قال: لا يجب الحد إلا على كذا، كأن الأصل عدم وجوب الحد، لكن لو قال: «يجب الحد على كل بالغ عاقل ملتزم عالم بالتحريم» صار أبلغ؛ لأن الحد إقامته واجبة بالكتاب، وبالسنة، والإجماع» (1).

(1)

قوله «عَالِمٍ بِالتَّحرِيمِ»:

خرج به الجاهل بالتحريم، فهذا لا حد عليه، وهذا هو الشرط الثانِي، فلابد أن يكون عالماً بالتحريم، فإن كان جاهلاً، كحديث عهدٍ بالإسلام، أو ناشئ في بادية بعيدة عن المسلمين فلا حدَّ عليه، لأن الحد يدرأ بالشبهة والجهل شبهة، فإن ادعى الجهل وقد نشأ في بلاد الإسلام لم تقبل دعواه.

- فائدة: هل يشترط أن يكون عالماً بالعقوبة؟

لا يشترط أن يكون عالماً بالعقوبة، فلو قال الرجل المحصن الذي زنا: إنه لو علم أن حده الرجم ما زنا أبداً، لكنه ظن أن المسألة جلد فقط، وهو يصبر على الجلد فإننا نرجمه؛ لأنه لا يشترط العلم بالعقوبة، فإذا كان=6

الجزء: 8 - الصفحة: 83

وَلا يُقِيْمُهُ إِلاَّ الإِمَامُ أَوْ نَائِبُهُ (1)، إِلاَّ السَّيِّدُ، فَإِنَّ لَهُ إِقَامَتَهُ بِالْجَلْدِ خَاصَّةً عَلى رَقِيْقِهِ القِنِّ؛ لِقَوْلِ رَسُوْلِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: «إِذَا زَنَتْ أَمَةُ أَحَدِكُمْ، فَلْيَجْلِدْهَا» (2)،  =عالماً بالتحريم فمعنى ذلك أنه رضي بأن ينتهك حرمات الله، والله عزّ وجل قد أوجب العقوبة على هذا الفاعل لهذه المعصية، ولا عذر له.

(1)

قوله «وَلا يُقِيْمُهُ إِلاَّ الإِمَامُ أَوْ نَائِبُهُ»:

أي لا يقيم الحد إلا إمام المسلمين والمراد به من له السلطة العليا في الدولة أو من ينيبه، ويرجع في تحديد نائبه إلى العرف، كالأمراء والقضاة على حسب عادة الإمام، وإنما خُصَّ إقامة الحد بالإمام أو نائبه، لأن إقامته تفتقر إلى ثبوت اجتهاد ونظر، ولأجل أن يؤمن الحيف في استيفائه، وأما كونه يجوز لنائب الإمام أن يقيمه، فلأن أنيساً -رضي الله عنه- رجم امرأة بطريق النيابة عن النبي -صلى الله عليه وسلم-.
(2)

قوله «إِلاَّ السَّيِّدُ، فَإِنَّ لَهُ إِقَامَتَهُ بِالْجَلْدِ خَاصَّةً عَلى رَقِيْقِهِ القِنِّ؛ لِقَوْلِ رَسُوْلِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «إِذَا زَنَتْ أَمَةُ أَحَدِكُمْ، فَلْيَجْلِدْهَا»:

هذا معطوف على ما قبله، أي: ولا يقيم الحد إلا الإمام أو نائبه أو السَّيد إذا كان الحد جلداً، فله أن يقيمه على رَقِيقِهِ، لحديث أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: سمعت رسول -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ: «إِذَا زَنَتْ أَمَةُ أَحَدِكُمْ فَتَبَيَّنَ زِنَاهَا فَليَجْلِدْهَا الحَدَّ ... » 7 الحديث، وعن علي -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «أَقِيمُوا الحُدُودَ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ» 8، وظاهره أن للسيد إقامة حد السرقة والشرب.

الجزء: 8 - الصفحة: 84

وَلَيْسَ لَهُ قَطْعُهُ فِيْ السَّرِقَةِ، وَلا قَتْلُهُ فِيْ الرِّدَّةِ (1)، وَلا جَلْدُ مُكَاتَبِهِ وَلا أَمَتِهِ الْمُزَوَّجَةِ (2). وَحَدُّ الرَّقِيْقِ فِيْ الْجَلْدِ نِصْفُ حَدِّ الْحُرِّ (3)، وَمَنْ أَقَرَّ بِحَدٍّ ثُمَّ رَجَعَ عَنْهُ سَقَطَ (4)،  (1)

قوله «وَلَيْسَ لَهُ قَطْعُهُ فِيْ السَّرِقَةِ، وَلا قَتْلُهُ فِيْ الرِّدَّةِ»:

أي ليس للسيد أن يقيم حد السرقة أو حد الردة على عبده، فالحد الذي خوِّل له أن يقيمه عليه هو الحد الذي ليس فيه إتلاف عضو ولا نفس، وهو الجلد، لأنه أقرب إلى التأديب، وللسيد تأديب رقيقه.
(2)

قوله «وَلا جَلْدُ مُكَاتَبِهِ وَلا أَمَتِهِ الْمُزَوَّجَةِ»:

أي وليس له كذلك أن يجلد مكاتبه وهو من كاتبه على العتق لأنه قد انعقد في حقه سبب الحرية، وكذا لا يجوز له أن يجلد أمته المتزوجة لقول ابن عمر -رضي الله عنه-: «إذا كانت الأمة ذات زوج فزنت دفعت إلى السلطان فإن لم يكن لها زوج جلدها سيدها نصف ما على المحصن» (1)، ولا يعرف له مخالف.
(3)

قوله «وَحَدُّ الرَّقِيْقِ فِيْ الْجَلْدِ نِصْفُ حَدِّ الْحُرِّ»:

أي ويتنصف الجلد بسبب الرق، فيجلد الرقيق إذا زنا خمسين جلدة، لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ (2) وإذا ثبت التنصيف في حق الأمة فإنه يقاس عليها الرقيق.
(4)

قوله «وَمَنْ أَقَرَّ بِحَدٍّ ثُمَّ رَجَعَ عَنْهُ سَقَطَ»:

أي ومن أقر على نفسه بحد كزنا، ثم رجع عن إقراره قُبل منه وتُرك، وكذا لو رجع في أثناء إقامة الحد عليه فإنه لا يتمم الحد، لأن الصحابة رضي الله عنهم لما ذكروا للنبي -صلى الله عليه وسلم- =910

الجزء: 8 - الصفحة: 85

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =أن ماعزاً -رضي الله عنه- هرب قال: «هَلا تَرَكْتُمُوهُ» 11، ولأن الرجوع شبهة، والحدود تدرأ بالشبهات، وإذا سقط جميع الحد بالرجوع فلأن يسقط تمامه بطريق الأولى.

الجزء: 8 - الصفحة: 86

فَصْلٌ فِيْ كَيْفِيَةِ إِقَامَةِ الحَدِّ

(1) وَيُضْرَبُ فِيْ الْحَدِّ بِسَوْطٍ (2)، لا جَدِيْدٍ وَلا خَلَقٍ (3)، وَلا يُمَدُّ، وَلا يُرْبَطُ وَلا يُجَرَّدُ (4)،  (1)

قوله «فَصْلٌ فِيْ كَيْفِيَةِ إِقَامَةِ الحَدِّ»:

أي هذا فصل في بيان صفة الجلد وكيفيته التي جاءت بها السنة، فقد جاءت السنة ببعض الضوابط لهذه العقوبة، كما سيأتي ذلك مفصلا.
(2)

قوله «وَيُضْرَبُ فِيْ الْحَدِّ بِسَوْطٍ»:

السوط: هو خيزرانة أو عصا أو ما أشبه ذلك، ولا يكون بشيء قاسٍ كالحديد.
(3)

قوله «لا جَدِيْدٍ وَلا خَلَقٍ»:

الخلق: هو القديم والبالي؛ لأنه يتكسر ويتهشم ولا يؤلم، والجديد أكثر إيلاماً وتمزيقاً للجسد، وإنما يكون سوطاً بين سوطين، لا جديد ولا خلق.
(4)

قوله «وَلا يُمَدُّ، وَلا يُرْبَطُ وَلا يُجَرَّدُ»:

أي لا يمد على الأرض، ولا يربط: أي لا يقيد، ولا يجرد من ثيابه لقول ابن مسعود -رضي الله عنه-: «ليس في ديننا مد ولا قيد ولا تجريد» 12 لكن الأثر ضعيف، والمعنى صحيح ويدل عليه ما في الأحاديث من إقامة الحد من النبي -صلى الله عليه وسلم- فإنه لم يجرد ولم يمد ولم يقيد، فإن دعت الحاجة إلى القيد فإنه يُفعل ولا بأس بذلك.
ويكون عليه قميص أو قميصان مما جرت العادة بلبسه مما يجعله يشعر بألم الضرب، وأما إذا كانت عليه ثياب كثيرة بحيث لا يبالي بالضرب فلا.

الجزء: 8 - الصفحة: 87

وَيُتَّقَى وَجْهُهُ وَرَأْسُهُ وَفَرْجُهُ (1)، وَيُضْرَبُ الرَّجُلُ قَائِمًا (2)، وَالْمَرْأَةُ جَالِسَةً وَتُشَدُّ عَلَيْهَا ثِيَابُهَا، وَتُمْسَكُ يَدَاهَا (3)،  (1)

قوله «وَيُتَّقَى وَجْهُهُ وَرَأْسُهُ وَفَرْجُهُ»:

أما الوجه فليس فيه إشكال، فكلهم متفقون على أن الوجه لا يجوز ضربه، وقد نهى النبي -صلى الله عليه وسلم- عن ذلك كما في صحيح البخاري أنه نهى عن ضرب الوجه في الحدود وفي غيرها، فالوجه يتقى ولا يضرب، وإنما يكون الضرب على الأعضاء.
وأما الرأس فقال بعض الفقهاء يجوز ضرب الرأس، وذلك لقول أبي بكر -رضي الله عنه- لما أمر بتعزير: «اضرب الرأس؛ فإن فيه شيطاناً» (1)، وجاء عن عمر -صلى الله عليه وسلم- أنه كان يعلو بالدرة ويضرب بها.
قلت: والصواب ما ذكرنا، وهو - ظاهر السنة - أن الضرب يكون على الظهر، لأن المقصود هو التأديب وليس هو الإتلاف.

(2)

قوله «وَيُضْرَبُ الرَّجُلُ قَائِمًا»:

وذلك ليعم الضرب بدنه، لأنه إذا كان قاعداً لا يفرق على كل الأعضاء بالوجه المعتبر حتى يصيب كل عضو حقه، ولئلا يخص ذلك موضعاً منه فيضّر به، ولأنه يمكن الجالد من الجلد.
(3)

قوله «وَالْمَرْأَةُ جَالِسَةً وَتُشَدُّ عَلَيْهَا ثِيَابُهَا، وَتُمْسَكُ يَدَاهَا»:

هذه أمور ثلاثة تراعى عند إقامة الجلد على المرأة، وهي: أولاً: تضرب جالسة؛ لأن ذلك أستر لها.
ثانياً: تشد عليها ثيابها أي: تربط؛ لأنه ربما مع الضرب تضطرب، وتتحرك، وتنحل ثيابها.13

الجزء: 8 - الصفحة: 88

وَمَنْ كَانَ مَرِيْضًا يُرْجَى بُرْؤُهُ، أُخِّرَ حَتَّى يَبْرَأَ، لِمَا رَوَى عَلِيٌّ -رضي الله عنه-: أَنَّ أَمَةَ رَسُوْلِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- زَنَتْ، فَأُمِرْتُ أَنْ أَجْلِدَهَا، فَإِذَا هِيَ حَدِيْثَةُ عَهْدٍ بِنِفَاسٍ، فَخَشِيْتُ إِنْ أَنا جَلَدْتُهَا أَنْ أَقْتُلَهَا، فَذَكَرْتُ ذلِكَ لِرَسُوْلِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فَقَالَ: «أَحْسَنْتَ» (1). فَإِنْ لَمْ يُرْجَ بُرْؤُهُ وَخُشِيَ عَلَيْهِ مِنَ السَّوْطِ، جُلِدَ بِضِغْثٍ فِيْهِ عِيْدَانٌ بِعَدَدٍ مَا يَجِبُ عَلَيْهِ مَرَّةً وَاحِدَةً (2)،  =ثالثاً: تمسك يداها حتى لا تنكشف؛ لأنها ربما تفرج ثيابها بيديها فتنكشف.
فهذا هو الذي يفرق فيها بينها وبين الرجل؛ لأن الحاجة داعية له، وإلا فالأصل أنها كالرجل.

(1)

قوله «وَمَنْ كَانَ مَرِيْضًا يُرْجَى بُرْؤُهُ، أُخِّرَ حَتَّى يَبْرَأَ، لِمَا رَوَى عَلِيٌّ -رضي الله عنه-: أَنَّ أَمَةَ رَسُوْلِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- زَنَتْ، فَأُمِرْتُ أَنْ أَجْلِدَهَا، فَإِذَا هِيَ حَدِيْثَةُ عَهْدٍ بِنِفَاسٍ، فَخَشِيْتُ إِنْ أَنا جَلَدْتُهَا أَنْ أَقْتُلَهَا، فَذَكَرْتُ ذلِكَ لِرَسُوْلِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-، فَقَالَ: «أَحْسَنْتَ»

(1): أي فإن كان من سيقام عليه الحد مريضاً مرضاً يرجى السلامة منه فإنه يؤخر عنه الجلد حتى يبرأ، والحجَّة ما تقدم من حديث علي -رضي الله عنه- فإنه لا يحد بالجلد المريض والنفساء حتى تخرج من نفاسها لأنه مرض، وأما من حدَّه القتل فيحد كل حين، لأنه لا فائدة فيه إذا كان قتله متحتمًا.
(2)

قوله «فَإِنْ لَمْ يُرْجَ بُرْؤُهُ وَخُشِيَ عَلَيْهِ مِنَ السَّوْطِ، جُلِدَ بِضِغْثٍ فِيْهِ عِيْدَانٌ بِعَدَدٍ مَا يَجِبُ عَلَيْهِ مَرَّةً وَاحِدَةً»:

أي أما المريض الذي لا يرجى برؤه فهذا يقام عليه الحد في الحال ولا يؤخر، فان خيف عليه من ذلك=14

الجزء: 8 - الصفحة: 89

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =جمع ضغثاً فيه مائة شمراخ فيضرب به ضربة واحدة، وبهذا قال الشافعي 15. وأنكر مالك 16 هذا، وقال: قد قال الله تعالى ﴿فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ 17، وهذا جلدة واحدة.
قلت: والصواب هو ما ذهب إليه المؤلف دليل ذلك حديث أمامة بن سهل بن حنيف عن سعيد بن سعد بن عبادة قال: كان بين أبياتنا رجل مخدج ضعيف فلم نرع إلا وهو على أمة من إماء الدار يخبث بها فرفع شأنه سعد بن عبادة إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال «اجْلِدُوهُ مِائَةَ سَوْطٍ».
فقالوا: يا نبي الله هو أضعف من ذاك لو ضربناه مائة سوط مات قال: «فَخُذُوا لَهُ عِثْكَالاً فِيهِ مِائَةُ شِمْرَاخٍ فَاضْرِبُوهُ وَاحِدَةً» 18. ولأنه لا يخلو من أن يقام عليه الحد على ما ذكرنا أو لا يقام أصلاً أو يضرب ضرباً كاملاً: فلا يجوز تركه بالكلية لأنه يخالف الكتاب والسنة، ولا أن يجلد جلداً تاماً لأنه يفضي إلى إتلافه فتعين ما ذكرناه، وقولهم هذا جلدة واحدة قلنا يجوز أن يقام ذلك في حال العذر كما قال الله تعالى في حق أيوب ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِب بِّهِ وَلا تَحْنَثْ﴾ 19، وهذا أولى من ترك حده بالكلية أو قتله بما لا يوجب القتل.

الجزء: 8 - الصفحة: 90

فَصْلٌ فِيْ تَدَاخُلِ الحُدُوْدِ

(1) وَإِنِ اجْتَمَعَتْ حُدُوْدٌ للهِ تَعَالى فِيْهَا قَتْلٌ، قُتِلَ، وَسَقَطَ سَائِرُهَا (2)،  (1)

قوله «فَصْلٌ فِيْ تَدَاخُلِ الحُدُوْدِ»:

اتفق الفقهاء على أن الحدود - كحد الزنا والسرقة والشرب - إذا اتفقت في الجنس والموجب أي الحد فإنها تتداخل، فمن زنى مراراً، أو سرق مراراً، أو شرب مراراً، أقيم عليه حد واحد للزنا المتكرر، وآخر للسرقة المتكررة، وآخر للشرب المتكرر، لأن ما تكرر من هذه الأفعال هو من جنس ما سبقه، فدخل تحته.
ومثل ذلك حد القذف إذا قذف شخصاً واحداً مراراً، أو قذف جماعة بكلمة واحدة، فإنه يكتفي فيه بحد واحد اتفاقاً، بخلاف ما لو قذف جماعة بكلمات، أو خص كل واحد منهم بقذف.

(2)

قوله «وَإِنِ اجْتَمَعَتْ حُدُوْدٌ للهِ تَعَالى فِيْهَا قَتْلٌ، قُتِلَ، وَسَقَطَ سَائِرُهَا»:

فإن كان فيها قتل، مثل: إن شرب، وسرق، وزنا وهو محصن، أو لزمه قتل بردة، فإنها تتداخل - أيضاً - ويستوفى القتل، ويسقط سائرها، على الراجح من قولي أهل العلم، وهو قول الجمهور، وقد ورد عن ابن مسعود -رضي الله عنه- أنه قال: «إِذَا جَاءَ القَتْل مَحَا كُلّ شَيء» 20، وعن عطاء وابن شهاب والنخعي وحماد وغيرهم أنهم قالوا مثل ذلك 21. قال ابن قدامة 22: «وهذه أقوال انتشرت في عصر الصحابة والتابعين، ولم=

الجزء: 8 - الصفحة: 91

وَلَوْ زَنَى مِرَارًا، أَوْ سَرَقَ مِرَارًا، وَلَمْ يُحَدَّ، فَحَدٌّ وَاحِدٌ (1)، وَإِنِ اجْتَمَعَتْ حُدُوْدٌ مِنْ أَجْنَاسِ لا قَتْلَ فِيْهَا، اسْتُوْفِيَتْ كُلُّهَا (2)، وَيُبْدَأُ بِالأَخَفِّ فَالأَخَفِّ مِنْهَا (3)،  =يظهر لها مخالف، فكانت إجماعاً»، ولأن المقصود من إقامة الحد هو الزجر وهو يحصل بالقتل، ولا فائدة تشرع بعد ذلك من تطبيق غيره معه فيكتفى به.

(1)

قوله «وَلَوْ زَنَى مِرَارًا، أَوْ سَرَقَ مِرَارًا، وَلَمْ يُحَدَّ، فَحَدٌّ وَاحِدٌ»:

أي وإن اجتمعت حدود الله تعالى وكانت من جنس واحد مثل الزنا مراراً، أو السرقة مراراً، أو الشرب كذلك فإنها تتداخل ويجزي حد واحد كما سبق، لأن الغرض الزجر عن إتيان مثل ذلك في المستقبل، وذلك حاصل بالحد الواحد، ولأن الواجب هنا من جنس واحد، فوجب التداخل فيه، كالكفارات.
(2)

قوله «وَإِنِ اجْتَمَعَتْ حُدُوْدٌ مِنْ أَجْنَاسِ لا قَتْلَ فِيْهَا، اسْتُوْفِيَتْ كُلُّهَا»:

أي: فإن كانت الحدود من جنس واحد كزنا وشرب، أو لم يكن فيها قتل فلا تتداخل، لأن التداخل إنما يمكن إذا كانت من جنس واحد، أما من أجناس فلا يمكن، فتستوفى كلها، لأنه لو حُدَّ في واحد من الحدود ربما اعتقد أنه لا حدّ للباقي، فلا ينْزجر عنها، لذلك تقام عليه كلها، ولأن الحدود تختلف مقاصدها، فإن المقصود من حد الخمر صيانة العقول، والمقصود من حد الزنا صيانة الأنساب، وحد السرقة حفظ الأموال، وهكذا.
(3)

قوله «وَيُبْدَأُ بِالأَخَفِّ فَالأَخَفِّ مِنْهَا»:

أي: إذا أريد إقامة أكثر من حد فإنه يبدأ بالأخف منها، فإذا زنا، وشرب، وسرق بدئ بالجلد للشرب، ثم=

الجزء: 8 - الصفحة: 92

وَتُدْرَأُ الحُدُوْدُ بِالشُّبُهَاتِ (1)،  =الجلد للزنا، لأن الأول أخف من الثانِي، ثم قطعت يده

(1)

قوله «وَتُدْرَأُ الحُدُوْدُ بِالشُّبُهَاتِ»:

هذه قاعدة عظيمة جداً في باب الحدود، وقد أجمع الفقهاء على أن الحدود تدرأ بالشبهات.
والشبهة ما يشبه الثابت وليس بثابت، سواء كانت في الفاعل: كمن وطئ امرأة ظنها حليلته.
أو في المحل: بأن يكون للواطئ فيها ملك أو شبهة ملك كالأمة المشتركة.
والأصل في هذه القاعدة العظيمة قوله -صلى الله عليه وسلم-: «ادْرَءُوا الْحُدُودَ بِالشُّبُهَاتِ» 23، وفي حديث عائشة رضي الله تعالى عنها: «ادْرَءُوا الْحُدُودَ عَنِ الْمُسْلِمِينَ مَا اسْتَطَعْتُمْ فَإِنْ كَانَ لَهُ مَخْرَجٌ فَخَلُّوا سَبِيلَهُ فَإِنَّ الإِمَامَ أَنْ يُخْطِئَ فِى الْعَفْوِ خَيْرٌ مِنْ أَنْ يُخْطِئَ فِى الْعُقُوبَةِ» 24. قال ابن المنذر: «أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن الحدود تدرأ بالشبهات» 25.

الجزء: 8 - الصفحة: 93

فَلَوْ زَنَى بِجَارِيَةٍ لَهُ فِيْهَا شِرْكٌ وَإِنْ قَلَّ (1)، أَوْ لِوَلَدِهِ (2)،  (1)

قوله «فَلَوْ زَنَى بِجَارِيَةٍ لَهُ فِيْهَا شِرْكٌ وَإِنْ قَلَّ»:

أي فلو أن رجلاً يشترك مع آخر في أمةً فليس لأحدهما أن يطأها لكن إن وطئها فلا يقام عليه الحد لوجود الشبهة.
مثال ذلك: رجل بينه وبين رجل آخر أمة مشتركة، اشترياها بعشرة آلاف، كل واحد قدم في ثمنها خمسة آلاف ريال، فهل تحل لواحد منهما؟ لا تحل لأحدهما، لا بالتسري، ولا بالنكاح، وإن وافق أحدهما، لكن تحل لغيرهما بالنكاح، فلو اتفقا على أن يزوجاها شخصاً حل ذلك، فإن وطئها أحدهما فلا حد عليه؛ لأن له بعضها، ففيه شبهة مُلك، حتى لو كان يعلم أنها لا تحل له، وأن هذا الجماع محرم، لأن شبهة الملك تمنع من إقامة الحد.

(2)

قوله «أَوْ لِوَلَدِهِ»:

وكذا إذا وطئ أمةً لولده فإنه لا يقام عليه الحد لوجود شبهة الملك لقول النبي -صلى الله عليه وسلم- «أَنْتَ وَمَالُكَ لأَبِيكَ» 26. فلو زنا بأمةٍ لولده فيها شِرك، فالأب لا يملكها، لكن يملك أن يتملك ما يملكه ولده من هذه الأمة، فلما كان له أن يتملك صار زناه بهذه الأمة التي لولده فيها شرك فيه شبهة، فلا يقام عليه الحد، ولو لم يكن للولد فيها إلا واحد من عشرة آلاف سهم، لعموم قوله -رحمه الله-: «لَهُ فِيْهَا شِرْكٌ وَإِنْ قَلَّ».

الجزء: 8 - الصفحة: 94

أَوْ وَطِئَ فِيْ نِكَاحٍ مُخْتَلَفٍ فِيْهِ (1)، أَوْ مُكْرَهًا (2)،  (1)

قوله «أَوْ وَطِئَ فِيْ نِكَاحٍ مُخْتَلَفٍ فِيْهِ»:

النكاح المختلف فيه: كالنكاح بلا ولي، ونكاح المتعة، والشغار، والتحليل، وبلا شهود، ونكاح الأخت في عدة أختها البائن، ونكاح المجوسية «لم يحد» في قول أكثر أهل العلم لأن الاختلاف شبهة والحد يدرأ بالشبهات، وهذا هو المشهور في المذهب أي أنه لا يقام عليه الحد وإن اعتقد بطلانه وذلك لوجود الشبهة.
وفي رواية أخرى عن الإمام أحمد (1): أنه يقام عليه الحد، وذلك لأنه لا شبهة له في ذلك.

(2)

قوله «أَوْ مُكْرَهًا»:

أي وكذلك يسقط الحد إذا أُكره الشخص على الزنا، وفي قول أخر أنه لو أكره الرجل أقيم عليه الحد، لأن الإكراه في حق الرجل لا يتصور؛ لأنه لا جماع إلا بانتشار، ولا انتشار إلا بإرادة، والإرادة رضا وليست إكراهاً، فلما لم يتصور الإكراه في حقه صار الحد واجباً عليه، ولا يعارض هذا الحديثَ: «وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» 28 لأنهم يقولون: هذا الرجل ما استكره، بل رضي.
والصواب: هو القول الأول وهو اختيار شيخنا -رحمه الله- 29.27

الجزء: 8 - الصفحة: 95

أَوْ سَرَقَ مِنْ مَالٍ لَهُ فِيْهِ حَقٌّ (1)،  (1)

قوله «أَوْ سَرَقَ مِنْ مَالٍ لَهُ فِيْهِ حَقٌّ»:

أي وكذلك يسقط الحد إذا سرق من مال له فيه حق كأن يكون شريكاً فيه، أو أن يسرق من بيت المال، أو من الغنيمة، ونحو ذلك فإنه لا يحد.
واختلف الفقهاء في هذه المسألة: فذهب الحنفية 30، والشافعية 31 في الأصح عندهم، والحنابلة 32 إلى عدم إقامة الحد، على من سرق من مال له فيه حق كأن يكون شريكاً فيه، لأن للسارق حقا في هذا المال، فكان هذا الحق شبهة تدرأ عنه الحد.
وذهب المالكية 33 إلى إيجاب القطع إن تحقق شرطان: أحدهما: أن يكون المال في غير الحرز المشترك، كأن يكون الشريكان قد أودعاه عند غيرهما، فإن لم يكن المال محجوباً عنهما وسرق أحدهما منه فلا يجوز القطع.
الثاني: أن يكون فيما سرق من حصة صاحبه فضل عن جميع حصته ربع دينار فصاعدا.
وللشافعية 34 في سرقة الشريك من مال الشركة قولان: الراجح منهما أن لا قطع، والقول الآخر إيجاب القطع؛ لأنه لا حق للشريك في نصيب=

الجزء: 8 - الصفحة: 96

أَوْ لِوَلَدِهِ وَإِنْ سَفَلَ (1)،  =شريكه، فإذا سرق نصف دينار من المال المشترك بينهما بالسوية كان سارقاً لنصاب من مال شريكه فيقطع به.
أما السرقة من بيت المال: فذهب الحنفية (1)، والحنابلة (2) إلى عدم إقامة الحد على من سرق من بيت المال، إذا كان السارق مسلماً، غنياً كان أو فقيراً؛ لأن لكل مسلم حقاً في بيت المال، فيكون هذا الحق شبهة تدرأ الحد عنه، كما لو سرق من مال له فيه شركة.
وقد روي أن عبد الله ابن مسعود كتب إلى عمر بن الخطاب يسأله عمن سرق من بيت المال، فقال: أرسله، فما من أحد إلا وله في هذا المال حق.
وذهب المالكية (3) إلى وجوب إقامة الحد على السارق من بيت المال، لعموم نص الآية، وضعف الشبهة، لأنه سرق مالا من حرز لا شبهة له فيه في عينه، ولا حق له فيه قبل حاجته إليه.

(1)

قوله «أَوْ لِوَلَدِهِ وَإِنْ سَفَلَ»:

أي ولا يقام الحد على من سرق من مال ابنه أو ابن ابنه، أو ابن ابن ابنه، لأن للسارق شبهة حق في مال المسروق منه.
وذلك لقوله -صلى الله عليه وسلم- لمن جاء يشتكي أباه الذي يريد أن يجتاح ماله: «أَنْتَ وَمَالُكَ لأَبِيكَ» 38.353637

الجزء: 8 - الصفحة: 97

أَوْ مِنْ مَالِ غَرِيْمِهِ الَّذِيْ يَعْجِزُ عَنْ تَخْلِيْصِهِ مِنْهُ بِقَدْرِ حَقِّهِ، لَمْ يُحَدَّ (1)،  (1)

قوله «أَوْ مِنْ مَالِ غَرِيْمِهِ الَّذِيْ يَعْجِزُ عَنْ تَخْلِيْصِهِ مِنْهُ بِقَدْرِ حَقِّهِ، لَمْ يُحَدَّ»:

هذه المسألة لها ثلاث حالات: 1 -

إن كان المدين باذلاً غير ممتنع عن أداء ما عليه، ثم ترك الدائن مطالبته،

وعمد إلى سرقة حقه، وجب قطعه إن بلغت قيمة المسروق نصاباً، إذ لا شبهة له في الأخذ ما دام الوصول إلى حقه ميسوراً.
2 - و

إن عجز الدائن عن استيفاء حقه فسرق قدر دينه

فلا يقام عليه الحد لأن اختلاف الفقهاء في إباحة أخذه حقه يورث شبهة تدرأ عنه الحد، كالوطء في نكاح مختلف في صحته.
3 - و

إن عجز رب الدين عن استيفاء حقه فأخذ من مال مدينه أكثر من حقه

وبلغت الزيادة نصاباً: فإن أخذ الزائد من نفس المكان الذي فيه ماله، فلا قطع؛ لأن هتك الحرز لأخذ ماله جعل المكان غير محرز بالنسبة لكل ما فيه، وإن أخذ الزائد من غير الحرز الذي فيه ماله وجب القطع؛ لعدم الشبهة.

الجزء: 8 - الصفحة: 98

فَصْلٌ فِيْ اسْتِيْفَاءِ القِصَاصِ فِيْ الْحَرَمِ وَالغَزْوِ وَمَنْ أَتىَ حَدًّا خَارِجَ الْحَرَمِ، ثُمَّ لَجَأَ إِلى الحَرَمِ، أَوْ لَجَأَ إِلَيْهِ مَنْ عَلَيْهِ قِصَاصٌ، لَمْ يُسْتَوْفَ مِنْهُ حَتَّى يَخْرُجَ (1)،  (1) قوله

«فَصْلٌ فِيْ اسْتِيْفَاءِ القِصَاصِ فِيْ الْحَرَمِ وَالغَزْوِ. وَمَنْ أَتىَ حَدًّا خَارِجَ الْحَرَمِ، ثُمَّ لَجَأَ إِلى الحَرَمِ، أَوْ لَجَأَ إِلَيْهِ مَنْ عَلَيْهِ قِصَاصٌ، لَمْ يُسْتَوْفَ مِنْهُ حَتَّى يَخْرُجَ»: أي من وجب عليه حد من حدود الله كجلد أو رجم أو قصاص أو قطع ثم لجأْ إلى الحرم هارباً، فإنه لا يقام عليه الحد. هذا معنى كلامه -رحمه الله-.

وما ذكره المؤلف هنا محل خلاف بين الفقهاء، فالمشهور في مذهب الإمام أحمد 39، وهو اختيار المؤلف، واختيار ابن القيم 40 أنه لا يقام عليه الحد في الحرم، لكن: يضيق عليه فلا يؤاكل ولا يشارب ولا يؤوى ولا يبايع ولا يشارى؛ بمعنى: إن استأجر لم يؤجر، وإن طلب ماءً لا يسقى، ولا يجالس، ويناشد الله عز وجل أن يخرج من الحرم إلى الحل ليقام عليه حد الله تعالى، واستدلوا لذلك بأدلة منها: قوله تعالى ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ 41، ولأن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ مَكَّةَ يَومَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ، وإِنَّمَا أحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِن نَهْار، ثُمَ عَادت إلى حُرمَتِها، فَلا يُسْفَكُ فِيهَا دَم ... » 42.

الجزء: 8 - الصفحة: 99

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =وروى ابن جرير عن ابن عمر قال: «لو رأيت قاتل عمر في الحرم ما ندهته» 43، أي ما زجرته.
وعن ابن عباس أنه قال: «من قتل أو سرق في الحل ثم دخل الحرم فلا يجالس ولا يكلم ولا يؤوى ويناشد أن يخرج فإذا خرج أقيم عليه الحد» 44. وهذان الأثران لا يعلم لهما عن الصحابة مخالف، بل قال ابن القيم: «إن هذا القول هو قول جمهور التابعين وإنه لا يحفظ صحابي ولا عن تابعي عن خلاف هذا القول» 45. القول الثاني: وهو مذهب المالكية 46، والشافعية 47 أنه يقام عليه الحد، واستدلوا بعمومات النصوص التي تدل على إقامة الحد، كقوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ 48، وقوله: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ 49، وغير ذلك من الآيات العامة فإنها عامة في الحل والحرم.
والصواب في هذه المسألة أن يقال: بأن من قتل في الحرم فأنه يقتل فيه، =

الجزء: 8 - الصفحة: 100

لَكِنْ لا يُبَايِعُ وَلا يُشَارِيْ (1)، وَإِنْ فَعَلَ ذلِكَ فِيْ الحَرَمِ، اسْتُوْفِيَ مِنْهُ فِيْهِ (2)،  = أما إن قتل خارجه ثم لجأ إليه فهنا إن أمكن إخراجه منه وقتله خارجه فهو أولى، فإن تعذر ذلك أو ترتب على إخراجه مفاسد فيقتل في الحرم قطعاً لشره.

(1)

قوله «لَكِنْ لا يُبَايِعُ وَلا يُشَارِيْ»

أي: ومن قتل أو أتى حداً خارج الحرم، ثم لجأ إليه لم يستوف منه فيه - كما تقدم - ولكن يضيق عليه، فلا يبايع ولا يُشارى حتى يخرج إلى الحل فيقام عليه، لأن الاستيفاء واجب في الجملة، وفي مبايعته ومشاراته إبقاءً له في الحرم، وذلك يفضي إلى عدم استيفاء الواجب.
والمراد بالحرم: حرم مكة، فأما حرم المدينة فليس كذلك على الصحيح من المذهب، والله تعالى أعلم.

(2)

قوله «وَإِنْ فَعَلَ ذلِكَ فِيْ الحَرَمِ، اسْتُوْفِيَ مِنْهُ فِيْهِ»:

أي إن فعل ما يوجب الحد في الحرم استوفي منه فيه، لأن الله تعالى حرم القتال في الحرم وأباحه لمن قوتل فيه، فقال تعالى: ﴿وَلا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ﴾ 50، ولأنه انتهك حرمة الحرم وعَرَّضَ نفسه للعقوبة، ولأن أهل الحرم يحتاجون إلى الزجر عند ارتكاب المعاصي، حفظاً لأنفسهم وأموالهم وأعراضهم، كما يحتاج إليه غيرهم، فلو لم يشرع الحد على من ارتكبه في الحرم، لتعطلت حدود الله في حقهم، وفاتت هذه المصالح التي لا بد منها.

الجزء: 8 - الصفحة: 101

إِنْ أَتَى حَدًّا فِيْ الغَزْوِ، لَمْ يُسْتَوْفَ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ دَارِ الحَرْبِ (1)،  =فإن قيل: فما الفرق بين من فعل ذلك في الحرم ومن فعله في الحل ثم لجأ إلى الحرم؟ نقول: بأن الفرق بينهما ظاهر وهو من وجهين: الوجه الأول: أن يقال إن من فعل ذلك في الحل ثم لجأ إلى الحرم هارباً مستعيذاً فهو معظم للحرم، وأما من فعل ذلك في الحرم فهو مستهين به.
الوجه الثاني: أن في عدم إقامة الحد في أهل الحرم فوضى وفساداً كبيراً، وتعطيلاً لحدود الله، ولا شك أن مثل هذا الفساد العظيم يجب درؤه.

(1)

قوله «إِنْ أَتَى حَدًّا فِيْ الغَزْوِ، لَمْ يُسْتَوْفَ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ دَارِ الحَرْبِ»:

أي من أتى حدا من الغزاة أو ما يوجب قصاصاً في أرض الحرب لم يقم عليه حتى يقفل فيقام عليه حده، وما ذكره المؤلف هو المشهور في المذهب، وهو من مفردات مذهب الإمام أحمد أي لا يقام عليه الحد، دليل ذلك قوله -صلى الله عليه وسلم-: «لا تُقْطَعُ الأَيْدِى فِى الْغَزْوِ» 51، وذلك لئلا يترتب على إقامة الحد ما هو أعظم ضرراً كأن يلحق بالعدو فراراً يعني تأخذه العزة بالإثم.
وأيضاً ليكون أنكى في قتال العدو فإن إقامة الحد يضعفه، فإذا رجع أقيم عليه الحد، للأدلة في ذلك.
واختار ابن القيم «أنه إن ظهرت منه التوبة النصوح أو ظهرت منه حسنات كنكاية عظيمة في العدو فإنه يعفى، ويدل على ذلك: ما كان=

الجزء: 8 - الصفحة: 102

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =من سعد بن أبي وقاص مع أبي محجن، وهي قصة صحيحة رواها عبد الرزاق في مصنفه، وابن أبي سعد، وسعيد بن منصور، وغيرهم، وقد صحح إسنادها الحافظ ابن حجر، والقصة أنه شرب الخمر وكان له بعد ذلك نكاية بالعدو فحلف سعد بن أبي وقاص ألا يجلده البتة لما كان له من النكاية بالعدو» 52.

الجزء: 8 - الصفحة: 103

بَابُ حَدِّ الزِّنا

(1) الزَّانِيْ، مَنْ أَتَى الفَاحِشَةَ فِيْ قُبُلٍ أَوْ دُبُرٍ (2)،  (1)

قوله «بَابُ حَدِّ الزِّنا»:

الزنا حرمه الله في جميع الشرائع لعظم فحشه وكثرة أضراره، فهو يفسد الفرد، ويدمر المجتمعات، ومن رحمة الله بعباده أنه حرمه عليهم، وزجرهم عنه بالحدود الشديدة التي تختلف باختلاف حال الزاني، ولابد من توافر شروط محددة حتى تقام هذه الحدود.
(2)

قوله «الزَّانِيْ، مَنْ أَتَى الفَاحِشَةَ فِيْ قُبُلٍ أَوْ دُبُرٍ»:

الزنا: فيه لغتان: المد «الزنا»، والقصر «الزنى» اسم مقصور على لغة أهل الحجاز، وبها ورد القرآن الكريم، وهو مصدر زنا يزني زناءً بالمد على لغة أهل نجد، وقيل: لبني تميم منهم خاصة، أو زنى بالقصر كما مضى.
والأصل أن تكتب الكلمة بالألف المقصورة، وعليه جرى الرسم في القرآن، ويجوز كتابتها بالألف الممدودة «الزنا».
واصطلاحاً: ذكره بقوله: «مَنْ أَتَى الفَاحِشَةَ فِيْ قُبُلٍ أَوْ دُبُرٍ»، وهذا هو أقصر تعريف له.
وقال صاحب الزاد في تعريفه «وهو تَغيِيبُ الحَشَفَةِ أو قَدرِهَا في قُبُلٍ أصلِيٍّ، أو دبرٍ، من آدَمِيٍّ، حَرَامَاً مَحْضَاً، مُختاراً، بِلا شُبهةٍ»، وهذا تعريف مُطَوَّل له.
ولما كان هذا التعريف أشمل وأوسع مما ذكره المؤلف سنقوم بتوضيح هذا التعريف وذلك لحاجتنا لبعض ألفاظه فيما بعد.
فقوله «وهو تَغيِيبُ الحَشَفَةِ أو قَدرِهَا»: أي تغييب الزاني حشفته، =

الجزء: 8 - الصفحة: 104

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =والحشفة هي الجزء المكشوف من رأس الذكر بعد الختان، فإن حصل تغييب بعض الحشفة أو وطئ دون الفرج فليس بزنا، فلا يثبت به الحد، لكن يعزر، كما سيأتي إن شاء الله.
وقوله «في قُبُلٍ أصلِيٍّ» احتراز من الخنثى المشكل لو جُومع في قُبُله فلا حَدَّ، لاحتمال أن يكون ذكراً، لكن على الواطئ التعزير.
وقوله «أو دُبرٍ»: أي أو تغييب الحشفة في دبر امرأة أجنبية فهو زنا، يحد الواطئ حد الزنا.
قال الموفَّق: «والوطء في الدبر مثله في كونه زنا، لأنه وطء في فرج امرأة لا ملك فيها ولا شبهة، فكان زناً كالوطء في القبل» 53. وقال الخرقي الزاني من أتى الفاحشة من قبل أو دبر.
وعلى هذا فوطء المرأة في دبرها يعتبر زنا، فيشمله التعريف، وعقوبته عقوبة الزاني، وهذا مذهب المالكية 54 أيضاً، وكذا الشافعية 55 على الخلاف عندهم في عقوبته.
وعند الحنفية 56 أنه كاللواط، لا حدَّ فيه، بل فيه التعزير، والصواب القول الأول.
وقوله «من آدَمِيٍّ»: احتراز من غير الآدمي، بأن يطأ بهيمة، فلا يعتبر زنا، لا لغة ولا شرعاً، ولا يجب فيه الحد، بل يعزر على الراجح من أقوال أهل=

الجزء: 8 - الصفحة: 105

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =العلم، لأنه فَعَل محرماً مجمعاً عليه، فاستحق العقوبة، والبهيمة لا حرمة لها، وليس بمرغوب فيها، فلا حاجة للزجر عنها بالحد، وأما حديث ابن عباس -رضي الله عنه-: «مَنْ وَجَدْتُمُوهُ وَقَعَ عَلَى بَهِيمَةٍ فَاقْتُلُوهُ وَاقْتُلُوا البَهِيمَةَ» 57، فلم يثبت ثبوتاً تقوم به الحجة.
وقد ورد عن عمر وابن عباس رضي الله عنهما: «أَنَّهُ لا حَدَّ عَلَيهِ» 58. وقوله «حَرَاماً مَحضَاً»: أي في فرج تمحَّض تحريمه، قُبلاً كان أم دُبُراً.
وقوله «مُختَاراً»: هذا شرط من شروط وجوب حد الزنا، وهو أن يكون الزانِي مختاراً، فإن كان مُكرهاً فلا حد عليه، كما سبق لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي الخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيهِ» 59، ولأن الإكراه يمنع من نسبة الفعل إلى الفاعل، وهذا بالنسبة إلى المرأة إذا أكرهت.
وأما الرجل إذا أكره على الزنا فالمذهب أنه يحد، لأن الإكراه في حقه غير متصور، فإن الوطء لا يتم إلا بالانتشار، وذلك لا يحصل إلا من شهوته وإرادته، وحصول الشهوة والإرادة تنفي حصول الإكراه.
والقول الثانِي: أنه لا يُحد إذا كان مُكرهاً على الزنا، وهو رواية عن أحمد، =

الجزء: 8 - الصفحة: 106

مِنِ امْرَأَةٍ لا يَمْلِكُهَا (1)، أَوْ مِنْ غُلامٍ (2)،  =قال ابن قدامة: «وهذا أصح الأقوال إن شاء الله تعالى» (1). ودليله ما تقدم، ولأن الحد يدرأ بالشبهة، والإكراه شبهة، وما ذكره أصحاب القول الأول من أن الإكراه غير متصور، لأنه إذا انتشرت آلته فقد اختار، غير صحيح، فإنه قد يكون قوي الشهوة فيكره على الزنا وهو لا يختار، وشدة شهوته توجب له الانتشار ولو على الإكراه، وهذا هو الصواب وهو اختيار شيخنا -رحمه الله- (2). وقوله «بِلا شُبْهَةٍ»: هذا أيضاً شرط من شروط وجوب الحد، وهو انتفاء الشبهة.
والشبهة: التردد بين الحلال والحرام، أو ما لم يُتَيَقَّن كونه حراماً أو حلالاً، فلا بد من انتفاء الشبهة لإقامة الحد، فإن كان في ثبوت الزنا شبهة فلا حَدَّ، كما سبق.

(1)

قوله «مِنِ امْرَأَةٍ لا يَمْلِكُهَا»:

هذا قيد لما سبق وهو أنه لا يكون زنى إذا وطء امرأة يملكها سواء بنكاح صحيح أو بملك يمين، فإذا أتى الفاحشة في قبل أو دبر من امرأة لا يملكها فقد وقع في جريمة الزنا.
(2)

قوله «أَوْ مِنْ غُلامٍ»:

أي وكذلك يكون زنى إذا أتى غلاماً في دبره فيقام عليه الحد، إن كان محصناً رجم حتى الموت وإن كان غير محصن جلد مائة جلدة، هذا هو المشهور في مذهب أحمد، واستدلوا: بما روى البيهقي أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «إِذَا أَتَى الرَّجُلُ الرَّجُلَ فَهُمَا زَانِيَانِ وَإِذَا أَتَتِ الْمَرْأَةُ=6061

الجزء: 8 - الصفحة: 107

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =الْمَرْأَةَ فَهُمَا زَانِيَتَانِ» 62، لكن الحديث ضعيف.
والقول الثاني في المسألة: وهو مذهب المالكية 63، والشافعية 64، ورواية عن الإمام أحمد 65، أن من فعل مثل فعل قوم لوط فإنه يقتل مطلقاً لا ينظر هل محصن أو ليس بمحصن، واستدلوا بالسنة والإجماع.
أما السنة: فعن ابن عباس أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «مَنْ وَجَدْتُمُوهُ يَعْمَلُ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ فَاقْتُلُوا الْفَاعِلَ وَالْمَفْعُولَ بِهِ» 66. قال ابن القيم: «إن الإمام أحمد احتجَّ بهذا الحديث» 67. وأما الإجماع: فقد نقل ابن قدامة 68، وشيخ الإسلام ابن تيمية 69، وابن القيم، وغيرهم إجماع الصحابة على قتله.
يقول ابن القيم: «اتفق أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على قتله، ولم يختلف فيه=

الجزء: 8 - الصفحة: 108

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =منهم رجلان، وإنما اختلفت أقوالهم في صفة قتله، فظن بعض الناس أن ذلك اختلاف منهم في قتله، فحكاها مسألة نزاع بين الصحابة رضي الله عنهم، وهي بينهم مسألة إجماع لا مسألة نزاع» 70. والقول الثالث: أنه يعزَّر، وهو قول أبي حنيفة 71، والظاهرية 72، وقول عند الشافعية 73، واحتجوا بأن الصحابة اختلفوا فيه، واختلافهم فيه يدل على أنه ليس فيه نص صحيح، وأنه من مسائل الاجتهاد.
والراجح عندي: هو ما ذهب إليه أصحاب القول الأول، وهو اختيار شيخنا -رحمه الله- 74، أي أن عقوبته القتل مطلقاً، أحصن أم لم يحصن، لقوة أدلة هذا القول، وهي السُّنة، والإجماع المؤيد لها - على ما تقدم - وقاعدة الشريعة المطردة من تغليظ العقوبات كلما تغلَّظت المحرمات، فإن وطء من لا يباح بحال أعظم جرماً من وطء مَنْ يباح في بعض الأحوال فيكون حدُّه أغلظ.
وأما صفة قتله: فالراجح أن ذلك راجع إلى اجتهاد الإمام فيفعل ما يرى أنه أردع سواء قتلاً بالسيف أو رجماً.
وإن كان أقواها أنه يرجم لقول ابن عباس، أنه قال في البكر يوجد على اللوطية قال: «يرجم»، ويشهد له قوله سبحانه: {فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا=

الجزء: 8 - الصفحة: 109

أَوْ مَنْ فُعِلَ بِهِ ذلِكَ (1)، فَحَدُّهُ الرَّجْمُ، إِنْ كَانَ مُحْصَنًا، أَوْ جَلْدُ مِئَةٍ وَتَغْرِيْبُ عَامٍ، إِنْ لَمْ يَكُنْ مُحْصَنًا، لِقَوْلِ رَسُوْلِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «خُذُوْا عَنِّيْ، خُذُوْا عَنِّيْ، قَدْ جَعَلَ اللهُ لَهُنَّ سَبِيْلاً؛ البِكْرُ بِالبِكْرِ، جَلْدُ مِئَةٍ وَتَغْرِيْبُ عَامٍ، وَالثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ الرَّجْمُ» (2)،  =وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ} (1).

(1)

قوله «أَوْ مَنْ فُعِلَ بِهِ ذلِكَ»:

أي وكذلك يقام الحد على المفعول به لحديث ابن عباس رضي الله عنهما «مَنْ وَجَدْتُمُوهُ يَعْمَلُ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ فَاقْتُلُوا الْفَاعِلَ وَالْمَفْعُولَ بِهِ» (2). (2)

قوله «فَحَدُّهُ الرَّجْمُ، إِنْ كَانَ مُحْصَنًا، أَوْ جَلْدُ مِئَةٍ وَتَغْرِيْبُ عَامٍ، إِنْ لَمْ يَكُنْ مُحْصَنًا، لِقَوْلِ رَسُوْلِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: «خُذُوْا عَنِّيْ، خُذُوْا عَنِّيْ، قَدْ جَعَلَ اللهُ لَهُنَّ سَبِيْلاً؛ البِكْرُ بِالبِكْرِ، جَلْدُ مِئَةٍ وَتَغْرِيْبُ عَامٍ، وَالثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ الرَّجْمُ»

(3): شرع المؤلف في بيان حد الزنا.
و

لا يخلو الزاني من حالين

:

الأول: أن يكون محصنا

ً، فهذا حكمه أنه يرجم بالحجارة حتى الموت.

الثاني: غير المحصن؛ أي غير المتزوج،

فحده أن يجلد مائة ويُبعد عن بلده عاماً، لحديث أبي هريرة وزيد بن خالد الجهني، وفيه: «وَالذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لأَقْضِيَنَّ بَينَكُمَا بِكِتَابِ اللَّهِ: الوَلِيدَةُ وَالغَنَمُ رَدٌّ عَليكَ، وَعَلَى ابْنِكَ جَلدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ، واغْدُ يَا أُنَيْسُ إِلَى امْرَأَةِ هَذَا فَإِنِ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا» 78 =757677

الجزء: 8 - الصفحة: 110

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  = وهذا هو مذهب الجمهور 79 أي: أن من حد الزاني - إن كان بكراً - التغريب لمدة سنة، وذلك لما ذكره المؤلف، وأيضاً لحديث زيد بن خالد -رضي الله عنه- المتقدم، ولأن الخلفاء الراشدين جمعوا بين الجلد والتغريب، ولم يعرف لهم مخالف، فكان كالإجماع.
وذهب الحنفية 80 إلى أن التغريب ليس من الحد، ولكنهم يجيزون للإمام أن يجمع بين الجلد والتغريب، إن رأى في ذلك مصلحة.
فالتغريب عندهم عقوبة تعزيرية، وذهبوا إلى أن ما روي من قوله -صلى الله عليه وسلم-: «خُذُوا عَنِّى خُذُوا عَنِّى قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً الْبِكْرُ بِالْبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ وَنَفْىُ سَنَةٍ وَالثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ جَلْدُ مِائَةٍ وَالرَّجْمُ» 81. لا يؤخذ به؛ لأنه لو أخذ به لكان ناسخاً للآية، لأن فيه زيادة على نص الآية، وهي قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ﴾ 82، وهذا الحديث لا يقوى على نسخ الآية لأنه خبر آحاد.
وقالوا: ولأنه في التغريب فتح لباب الفساد، ففيه نقص وإبطال للمقصود منه شرعاً.
ولما جاء: عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- أنه عرَّب ربيعة بن أمية ابن خلف في الشراب إلى خيبر، فلحق بهرقل فتنصر، فقال عمر: =

الجزء: 8 - الصفحة: 111

وَالْمُحْصَنُ هُوَ: الحُرُّ البَالِغُ العَاقِلُ الَّذِيْ قَدْ وَطِئَ زَوْجَةً مِثْلَهُ فِيْ هَذِهِ الصِّفَاتِ، فِيْ قُبُلِهَا فِيْ نِكَاحٍ صَحِيْحٍ (1)،  = لا أغرب بعده مسلماً» (1). والصواب عندي: ما ذهب إليه جمهور أهل العلم، وهو اختيار شيخنا -رحمه الله- (2)، أي أنه لابد من الجمع بين الجلد والتغريب في إقامة حد الزنا لصراحة الأدلة التي تدل على ذلك.

(1)

قوله «وَالْمُحْصَنُ هُوَ: الحُرُّ البَالِغُ العَاقِلُ الَّذِيْ قَدْ وَطِئَ زَوْجَةً مِثْلَهُ فِيْ هَذِهِ الصِّفَاتِ، فِيْ قُبُلِهَا فِيْ نِكَاحٍ صَحِيْحٍ»:

هذا هو تعريف المحصن، والإحصان في اللغة: مصدر أحصنَ يُحصن إحصاناً، وهو في الأصل: المنع والحفظ والحياطة والحرز.
وقول المؤلف «قَدْ وَطِئَ زَوْجَةً مِثْلَهُ»: أي موصوفة بمثل صفات الذكر، قال تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلاَّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ 85. قال أهل العلم: المراد بالمحصنات هنا الحرائر، والمحصنات تطلق في القرآن على معانٍ، منها: أولاً: المتزوجات يعني ذوات الأزواج.
ثانياً: العفيفات عن الزنا.
ثالثاً: الحرائر.8384

الجزء: 8 - الصفحة: 112

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  = فقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ (1)، المراد بالمحصنات هنا العفيفات.
وقوله: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلاَّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ على قول فيها، إن المراد المتزوجات، وأما المحصنات الحرائر، فمثل هذه الآية: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾.
وقد ذكر المؤلف هنا الشروط المعتبرة في المحصن، وهي:

1 -

كون الزوجين حال الوطء مكلفين،

وذلك بأن يكون كل منهما بالغاً عاقلاً حراً، فإن كانا صبيين حال الوطء أو غير عاقلين لم يثبت لهما الإحصان عند الجمهور.
قال ابن قدامة: «فلو وطئ وهو صبي أو مجنون، ثم بلغ أو عقل لم يكن محصناً، وهذا قول أكثر أهل العلم» (2). وكذا لو كان الزوج غير حر، أو الموطوءة غير حرة فلا إحصان في قول جمهور أهل العلم، لأن الله تعالى لم يبح نكاح الأَمَة إلا عند الضرورة - كما تقدم في النكاح -، فالمتعة بها ليست كاملة، لأن كمالها في هذا الشأن أن يكون العقد على حرة ويدخل بها، فيقضي كمال وطره، ويعطي شهوته حقها، ويضعها موضعها (3).

2 -

تحقق الوطء بتغييب الحشفة، أو قدرها من فاقدها في القبل،

ولا خلاف=868788

الجزء: 8 - الصفحة: 113

وَلايَثْبُتُ الزِّنا إِلاَّ بِأَحَدِ أَمْرَيْنِ: إِقْرَارُهُ بِهِ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ، مُصَرِّحًا بِذِكْرِ حَقِيْقَتِهِ (1)،  =بين الفقهاء في اشتراط هذا الشرط، وأن النكاح الخالي من الوطء لا يحصل به إحصان، لقوله -صلى الله عليه وسلم-: «الثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ جَلدُ مِائَةٍ وَالرَّجْمُ» (1)، والثيوبة إنما تحصل بالوطء في القبل، لا بمجرد العقد الخالي عن الوطء.

3 -

كون الوطء في نكاح صحيح،

فإن كان النكاح باطلاً كأن يتزوج أخت زوجته أو معتدة زمن عدتها لم يحصل به إحصان.
وكذلك إن كان النكاح فاسداً كأن يتزوج بلا ولي لم يحصل به إحصان عند الجمهور لأن الإحصان إنما يعتبر إذا اكتملت به المتعة والنعمة في حق الواطئ، وذلك لا يكون إلا في النكاح الصحيح.

(1)

قوله «وَلا يَثْبُتُ الزِّنا إِلاَّ بِأَحَدِ أَمْرَيْنِ: إِقْرَارُهُ بِهِ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ، مُصَرِّحًا بِذِكْرِ حَقِيْقَتِهِ»:

أي أن حَدَّ الزنا

يثبت بأحد أمرين

: الأول: أن يُقر الزاني على نفسه أربع مرات مع التصريح الصحيح بذكر حقيقة الزنا الذي هو تغييب الحشفة في الحشفة، وهذا هو المذهب 90، وقول الحنفية 91، مستدلين بالنص والقياس.
أما النص فهو ما روى أبو هريرة -رضي الله عنه- قال: أَتَى رَجُلٌ مِنْ المُسلِمينَ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- وَهُوَ فِي المَسْجِدِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي زَنَيتُ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ، فَتَنَحَّى تِلقاءِ وَجْهِهِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي زَنَيتُ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ، حَتَى ثَنَّىَ ذَلِكَ عَلَيه أَرْبَعَ مَرَّاتٍ، فَلَمَّا شَهِدَ عَلَى نَفْسِهِ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ دَعَاهُ =89

الجزء: 8 - الصفحة: 114

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =رَسُولُ الله -صلى الله عليه وسلم- فَقَالَ: «أَبِكَ جُنُونٌ؟ » قَالَ: لا، قَالَ: «فَهَل أَحْصَنْتَ؟ » قَالَ: نَعَمْ، فقال رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: «اذْهَبُوا بِهِ فَارْجُمُوهُ» 92. ووجه الاستدلال: أن قوله: «فَلَمَّا شَهِدَ عَلَى نَفْسِهِ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ» إشعار بأن العدد هو العلة في تأخير إقامة الحد عليه، وإلا لأمر برجمه في أول مرة.
أما القياس فقد قاسوا الإقرار على الشهادة بالزنا، فإذا كان لا يقبل إلا أربعة شهود، فكذا لا يقبل إلا أربع إقرارات.
القول الثانِي: أنه يكفي الإقرار مرة واحدة، وهو مذهب المالكية 93، والشافعية 94، لحديث: «وَاغْدُ يَا أُنَيْسُ إِلَى امْرَأَةِ هَذَا فَإِنْ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا» 95، ولم يذكر إقرارات أربعة، مع أن المقام مقام بيان واستيفاء، قال شيخنا: «وهذا القول أرجح» 96 والذي يظهر - والله أعلم - هو الجمع بين الأدلة والعمل بها، وهذا هو القول الوسط وذلك بأنه إذا اشتهر الأمر واتضح فإنه يُكتفى فيه بالإقرار مرة واحدة، بخلاف ما لم يشتهر فإنه يحتاط فيه بتكرار الإقرار أربعاً، وعلى هذا يكون هذا القول أخذاً بالقولين، فيشترط التكرار في حال، =

الجزء: 8 - الصفحة: 115

أَوْ شَهَادَةِ أَرْبَعَةِ رِجَالٍ أَحْرَارٍ عُدُوْلٍ (1)،  =ولا يشترط في حال أخرى.

(1)

قوله «أَوْ شَهَادَةِ أَرْبَعَةِ رِجَالٍ أَحْرَارٍ عُدُوْلٍ»:

هذا هو الأمر الثانِي مما يثبت به حد الزنا وهو الشهادة، لما ورد عن عمر -رضي الله عنه- أنه قال في خطبته: «وَإِنَّ الرَّجْمَ حَقٌّ فِي كِتَابِ اللَّهِ عَلَى مَنْ زَنَى إِذَا أَحْصَنَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، إِذَا كَانَتِ البَيِّنَةُ، أَو كَانَ الحَبَلُ، أَو الاعْتِرَافُ» 97. واشترط كون الشهود أربعة لقوله تعالى: ﴿لَوْلا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ 98، وهذا بالإجماع وأما اشتراط كونهم رجالاً فهذا هو قول الجمهور من أهل العلم، لأن في شهادة النساء شبهة، لما في قبول شهادتهن من الاختلاف، والحدود تدرأ بالشبهات، ولظاهر الآية، فإن الله تعالى قال: ﴿لَوْلا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾، وكلمة «أربعة» عدد يكون للمذكر، وعلى هذا فلابد أن يكونوا رجالاً، فإن «أربعة» بمعنى أربعة رجال، وقوله: «شهداء» - أيضاًـ للمذكر، وهي جمع شاهد أو شهيد، فلو شهد ثمان نسوة لا يقبل، وكذلك ثلاثة وامرأتان لا يقبل، فالحاصل أن شهادة النساء في الحدود لا تقبل، أما في الأموال وغير ذلك فتقبل شهادتهن.
وأما اشتراط كونهم عدولاً فبالإجماع، لأن ذلك شرط في سائر الشهادات، فلأن يشترط ذلك فيما فيه يُحتاط بطريق الأَولى.

الجزء: 8 - الصفحة: 116

يَصِفُوْنَ الزِّنَى (1)، وَيَجِيْؤُوْنَ فِيْ مَجْلِسٍ وَاحِدٍ (2)، وَيَتَّفِقُوْنَ عَلى الشَّهَادَةِ بِزِنًى وَاحَدٍ (3)،  (1)

قوله «يَصِفُوْنَ الزِّنَى»:

أي يصفون حقيقة ما رأوه بأعينهم من تغييب الحشفة بالحشفة كرؤية المرود إذا دخل المكحلة، فلو قالوا: رأيناه عليها متجردَيْن، فإن ذلك لا يقبل حتى لو قالوا: نشهد بأنه قد كان منها كما يكون الرجل من امرأته، فإنها لا تكفي الشهادة، بل لا بد أن يقولوا: نشهد أن ذكره في فرجها.
(2)

قوله «وَيَجِيْؤُوْنَ فِيْ مَجْلِسٍ وَاحِدٍ»:

أي لا بد أن يأتوا الحاكم في مجلس واحد جملة.
والصواب أنه لا يشترط المجلس الواحد، بل إذا أتوْه متفرقين صحت شهادتهم.

(3)

قوله «وَيَتَّفِقُوْنَ عَلى الشَّهَادَةِ بِزِنًى وَاحَدٍ»

أي: ويتفق الشهود في شهادتهم فيشهدون على فعل واحد غير متعدد، فلو شهد رجلان أنه زنى في الساعة الثامنة صباحاً، ورجلان على أنه زنى في المساء فهذان فعلان، وكذا لو اجتمعوا ونظروا واحداً بعد واحد لم تصح شهادتهم، لاحتمال تعدد الوطء، وأن الثانِي رأى إيلاجاً غير الذي رآه مَنْ قبله، لأن الأفعال لا يُضم بعضها إلى بعض، فلا تقبل الشهادة.

الجزء: 8 - الصفحة: 117

بابُ حَدِّ القَذْفِ

(1)  (1)

قوله «بابُ حَدِّ القَذْفِ»:

«حد» مضاف، و «القذف» مضاف إليه، والإضافة هنا من باب إضافة الشيء إلى سببه، يعني باب الحد الذي سببه القذف.
والقذف في اللغة: الرمي بالحجارة ونحوها مما يؤذي ويضر، استعير للسب وتوجيه العيوب، بجامع الإضرار والإيذاء في كل.
والمراد به هنا رمي شخص بالزنا، أو اللواط، فيقول: يا زانٍ، يا لوطي، أو أنت زانٍ، أو أنت لوطي، وما أشبه ذلك.
وشرعاً: الرمي بوطء يوجب الحد على المقذوف، وذلك كالرمي بزنا أو لواط، كما ذكرنا آنفاً.

فائدة: في حكم القذف

: القذف محرم؛ بل من كبائر الذنوب إذا كان المقذوف محصناً، والحكمة من تحريمه صيانة أعراض الناس عن الانتهاك، وحماية سمعتهم عن التدنيس، وهذا من أحكم الحكم؛ لأن الناس لو سُلط بعضهم على بعض في التدنيس، والسب، والشتم حصلت عداوات، وبغضاء، وربما حروب طواحن من أجل هذه الأمور، لكن حفظاً لأعراض الناس، وحماية لها، ولسمعة المسلمين جاء الشرع محرماً للقذف، وموجباً للعقوبة الدنيوية فيه، يقول الله عزّ وجل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ 99، =

الجزء: 8 - الصفحة: 118

وَمَنْ رَمَى مُحْصَنًا بِالزِّنا، أَوْ شَهِدَ عَلَيْهِ بِهِ، لَمْ تَكْمُلِ الشَّهَادَةُ عَلَيْهِ (1)،  =فرتب على ذلك أمرين عظيمين: الأول: اللعنة في الدنيا والآخرة، والعياذ بالله.
الثاني: العذاب العظيم.
ثم قال: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ﴾ (1)، وقد عدَّه النبي -صلى الله عليه وسلم- من الكبائر كما في حديث: «اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ قَالُوا: يا رسول الله وما هن قال: الشِّرْكُ بِاللَّهِ وَالسِّحْرُ وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَأَكْلُ الرِّبَا وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ وَقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ الْغَافِلاتِ» (2).

(1)

قوله «وَمَنْ رَمَى مُحْصَنًا بِالزِّنا، أَوْ شَهِدَ عَلَيْهِ بِهِ، لَمْ تَكْمُلِ الشَّهَادَةُ عَلَيْهِ»:

أي من رمى المحصن وهو من اجتمعت فيه أوصاف - سيأتي ذكرها قريباً - رماه بالزنا أو باللواط، أو شهد عليه بهما ولم يكتمل العدد وهو أربعة من الشهود فإنه لا يقام على المقذوف الحد، وأُقيم على القاذف حد القذف.
وقوله: «مُحْصَنًا» نكرة في سياق الشرط، فتعم ما إذا كان المحصن امرأة أو رجلاً، فتكون كلمة محصن بمعنى شخصاً محصناً، وقدَّرنا ذلك من =100101

الجزء: 8 - الصفحة: 119

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  = أجل الشمول والعموم.
وأيضاً قوله «مُحْصَنًا» ظاهره أن ذلك شامل لقذف الولد والده، فيجلد ثمانين جلدة، فإذا قذف والده فقال: يا زانٍ - والعياذ بالله - فإنه يجلد حد القذف؛ لأن قذف الولد الوالد شنيع جداً.
ويشمل كلام المؤلف: قذف الوالد ولده، فالوالد إذا قذف ولده، قال له: أنت لوطي، أنت زانٍ، أنت فاعل لشيء من هذه الخبائث، وما أشبه ذلك، فعلى كلام المؤلف يجلد الوالد؛ لأنه أطلق فقال: «محصناً» وهذا خلاف المذهب.
فالمذهب أن الوالد إذا قذف ولده فإنه لا يجلد به، كما أنه لو قتله لا يقتص به، وقد سبق لنا أن هذه المسألة فيها خلاف.
والصواب: أن قذف الوالد لولده يجب فيه الحد، سواء قلنا: إنه حق لله، أو للآدمي؛ لأننا إذا قلنا: إنه حق لله، فالأمر فيه ظاهر؛ لأنه لا سُلْطَة للوالد على ولده فيه، وإذا قلنا: إنه حق للآدمي، فإننا نقول: إن الولد إذا لم يرضَ بإسقاط حقه فإن له المطالبة به، فكما أن له أن يطالب والده بالنفقة، فهذا مثله، فلمَّا أهدر كرامة ولده، وأهانه أمام الناس، فليقم عليه الحد، والآية عامة 102. ويدخل في كلام المؤلف من قذف نبياً، وقد قيل: إن من قذف نبياً فليس عليه إلا الحد، ولكن هذا القول ضعيف.
=

الجزء: 8 - الصفحة: 120

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =والصحيح: أن من قذف نبياً فإنه يكفر ويقتل كفراً، فإن تاب فإنه يقتل حداً، وليس كفراً؟ والفرق بين القِتْلتين: أننا إذا قتلناه كفراً فإنه لا يغسل، ولا يكفن، ولا يصلى عليه، ولا يدفن مع المسلمين، وإذا قتلناه حداً صار الأمر بالعكس.
وظاهره أيضاً ولو قذف أم نبي - نسأل الله العافية - مثل أن يقول: إن مريم - والعياذ بالله - بغي، فهل يقتل أو لا؟ الجواب: لا بد أن يقتل؛ لأنه حتى لو فرضنا أنه ليس من باب القذف، فهو من باب تكذيب القرآن؛ لأن الله تعالى قال في مريم: ﴿وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ 103، وأما أم نبي غير مريم، فالصحيح أنه يقتل كفراً، لما في ذلك من الشناعة العظيمة؛ حيث يوهم أن الأنبياء - وحاشاهم من ذلك - أولاد بغايا.
وظاهر كلامه أيضاً حتى لو قذف زوجة نبي فإنه يحد ثمانين؛ لأنه داخل في عموم «محصناً»، ولكن هذا فيه خلاف إلا في عائشة رضي الله عنها، فإن من رماها بما برأها الله منه فهو كافر؛ لأنه مكذب للقرآن، لكن لو رماها بغيره، أو رمى إحدى زوجات النبي -صلى الله عليه وسلم-، أو أي نبي كان، فالصحيح أنه يكفر - أيضاً - ويقتل، قال شيخ الإسلام: «لأن في هذا من الغضاضة، وإذلال النبي شيئاً لا يتهاون به، وهو أعظم من تحريم نكاح زوجاته بعده، فإذا كان الله قد نهانا أن نتزوج نساء الرسول -صلى الله عليه وسلم- بعده؛ =

الجزء: 8 - الصفحة: 121

جُلِدَ ثَمَانِيْنَ جَلْدَةً (1)، إِذَا طَالَبَ المَقْذُوْفُ (2)،  =إكراماً له، وحماية لفراشه، فكيف يدنس بهذا؟ وهل قذف زوجات الأنبياء إلا استهزاءٌ بالأنبياء، وسخرية بهم، ولهذا فالصحيح أنه لا يدخل في كلام المؤلف» (1).

(1)

قوله «جُلِدَ ثَمَانِيْنَ جَلْدَةً»:

هذه عقوبة القذف، وهي ثمانون جلدة، ويتبعها عقوبتان: الأولى: عدم قبول شهادته، إلا إن تاب على الراجح من قولي أهل العلم، الثانية: وصفه بالفسق، لأنه ارتكب كبيرة من كبائر الذنوب، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (2)، وظاهر كلامه أن الثمانين تجب على الحر وعلى العبد، لأنه أطلق، وبه قال جماعة من السلف، واختاره الشنقيطي (3) لعموم الآية.
القول الثانِي: أنه أربعون، وهو قول الجمهور (4)، قياساً على الزنا الثابت تنصيفه على الأمة بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ (5)، وقد تقدم ذلك مفصلاً في كتاب الحدود.

(2)

قوله «إِذَا طَالَبَ المَقْذُوْفُ»:

أي إقامة الحد على القاذف مشروط بالمطالبة به من قبل المقذوف، فإذا أراد أن يسقط حد القذف عن القاذف فله ذلك، =104105106107108

الجزء: 8 - الصفحة: 122

وَالْمُحْصَنُ هُوَ الحُرُّ المُسْلِمُ البَالِغُ العَفِيْفُ (1)،  =فإذا بلغ الإمام فإنه لا يسقط ولو عفا المقذوف، لعموم قوله -صلى الله عليه وسلم-: «تَعَافَوا الحُدُودَ فِيمَا بَينَكُمْ، فَمَا بَلَغَنِي مِنْ حَدٍّ فَقَدْ وَجَبَ» (1).

وهل يُعذَّر القاذف إذا عفا المقذوف عن الحد؟ إن رأى ولي الأمر تعزيره إصلاحاً للمجتمع، وصوناً للأعراض فله ذلك، وهذا يقوي القول بأن القذف فيه شائبة من حق الله، وحقوق العباد، لأن الله حرم القذف، وشرع عقوبة فاعله، وفيه أذية للمخلوق.
و

هل يصح العفو عن القاذف بعوض؟

قولان: الأول لا يصح بعوض عن حد قذف، لأنه وإن كان حد القذف للمخلوق لكنه فيه شائبة حق لله عزّ وجل، فلو قال القاذف للمقذوف: «أعطيك عن حقك في القذف مائة ألف ولا ترفعني للقاضي»، فوافق فلا يجوز؛ لأن حد القذف لله عزّ وجل فإما أن ترفعه لولي الأمر أو تتركه.
القول الثاني: أنه يصح بالعوض؛ لأنه حق محض للمقذوف فله إسقاطه بعوض أو بغير عوض فهو الذي سوف تسود صحيفته به، وهذا القول له وجهة نظر؛ لأنه حق لآدمي في الواقع، ولهذا لا يقام حد القذف إلا بمطالبة من المقذوف.
أما إذا قلنا: إنه حق محض لله، وأنه لا تشترط مطالبة المقذوف، فإنه لا يصح بعوض.

(1)

قوله «وَالْمُحْصَنُ هُوَ الحُرُّ المُسْلِمُ البَالِغُ العَفِيْفُ»:

هذه هي الشروط المغتبرة في المقذوف، وبها يتحقق الإحصان في باب «القذف»، قال تعالى=109

الجزء: 8 - الصفحة: 123

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  : ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (1)، والرجال مثل النساء في هذا بالإجماع، وشروطه:

1 -

أن يكون مسلماً،

فالكافر ليس بمحصن، لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (2)، فمن أشرك بالله فلا حد على قاذفه على قول الجمهور، لأنه لا يتورع عن الزنا، إذ ليس هناك ما يردعه عن ارتكاب الفاحشة، ولأن عِرْضَ الكافر لا حرمة له، كالفاسق المعلن لا حرمة لعرضه، بل الكافر أولى، لزيادة الكفر على المعلن بالفسق (3). 2 -

أن يكون المقذوف مكلفاً،

بأن يكون عاقلاً بالغاً، فإن كان مجنوناً لم يجب الحد على القاذف، بل يعزر، وكذا إن كان صبياً، لأن زنا الصبي لا يوجب عليه الحد، فلا يجب الحد بالقذف، كزنا المجنون، ولأن البلوغ أحد شرطي التكليف، أشبه العقل، وهذا قول الشافعي، وأصحاب الرأي، وهو رواية عن الإمام أحمد.
والقول الثانِي: أنه لا يشترط البلوغ، وهذا رواية عن أحمد 113، وقول مالك 114، لأنه حر عاقل عفيف يتعَيَّرُ بهذا القول الممكن صدقه، فأشبه =110111112

الجزء: 8 - الصفحة: 124

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =الكبير، وحددوا ذلك بأن يكون مثله يطأ أو يوطأ.
والأول أظهر وهو أن من قذف غير بالغ لا يُحد، ولكنه يعزر، لأن من لم يبلغ من الذكور والإناث مرفوع عنه القلم، ولا مَعَرَّةَ تلحقه بذنب، لأنه غير مؤاخذ.

3 -

أن يكون حراً،

لأن الإحصان يطلق على الحرية، كما في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ (1) أي: الحرائر، فالرقيق ليس محصناً بهذا المعنى على قول الجمهور.
وقالت الظاهرية: يقام الحد على قاذف العبد، لعموم قوله -صلى الله عليه وسلم-: «إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيكُمْ حَرَامٌ» (2)، ولم يفرق في ذلك بين الحر والعبد (3).

4 -

أن يكون عفيفاً،

أي: عفيفاً عن الزنا، لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ 118، أي: العفيفات، جمع محصنة، قال تعالى: ﴿وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا﴾ 119، أي: عفت، قال في «لسان العرب»: «يقال: امرأة حَصَانٌ وحاصن، وكُلُّ امرأةٍ عفيفةٍ مُحصنةٌ» 120.115116117

الجزء: 8 - الصفحة: 125

وَيُحَدُّ مَنْ قَذَفَ الْمُلاعِنَةَ أَوْ وَلَدَهَا 121. وَمَنْ قَذَفَ جَمَاعَةً بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ، فَحَدٌّ وَاحِدٌ، إِذَا طَالَبُوْا أَوْ وَاحِدٌ مِنْهُمْ 122،  =فمن قذف المعروف بفجوره، أو المشتهر بالعبث والمجون فلا يحد، لأن القذف إنما شرع لحفظ كرامة الإنسان الفاضل، ولا كرامة للفاسق الماجن، وهذا مستفاد من الآية الكريمة.
(1) قوله «وَيُحَدُّ مَنْ قَذَفَ الْمُلاعِنَةَ أَوْ وَلَدَهَا»: الملاعنة: هي التي رماها زوجها بالزنا، أو قال لها هذا الولد الذي في بطنك أو ولدتيه ليس بابن لي، ولم تقر بالزنا أو بنفي الولد، ولم يقم بينة على ما قذفها به.
ففي هذه الحال إذا طالبت بإقامة حد القذف عليه فلها ذلك ولا يسقط عنه حد القذف إلا بثلاثة أمور: الأول: إسقاطه باللعان، فيُحْضِرُهما القاضي، ويقول: اشهد على زوجتك أربع مرات، وفي الخامسة أن لعنة الله عليك إن كنت من الكاذبين، فيحلف أربع مرات، ويقول في الشهادة الخامسة: أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين.
ثم يقول لها: احلفي في تكذيبه، فتحلف بالله أربع مرات إنه لمن الكاذبين، وفي الخامسة تقول: أنَّ غضب الله عليها إن كان من الصادقين، فإذا تم ذلك فرق بينهما تفريقاً مؤبداً لا تحل له أبداً، وقد سبق بيانه في باب اللعان.
الثاني: أن تعفو المرأة عنه فيسقط بالعفو الحد.
الثالث: أن تقر بما رماها به.
(2) قوله «وَمَنْ قَذَفَ جَمَاعَةً بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ، فَحَدٌّ وَاحِدٌ، إِذَا طَالَبُوْا أَوْ وَاحِدٌ مِنْهُمْ»: أي ومن قذف جماعة يتصور منهم الزنا بكلمة واحدة ففيه حد=

الجزء: 8 - الصفحة: 126

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =واحد إذا طالبوا أو طلبه واحد منهم، وهذه المسألة على ثلاث روايات في المذهب (1): إحداها: عليه حد واحد لأن كلمة القذف واحدة فلم يجب بها أكثر من حد واحد، كما لو كان المقذوف واحداً، ولأنه بالحد الواحد يظهر كذبه ويزول عار القذف عن جميعهم.
الثانية: عليه لكل واحد حد لأنه قذفه، فلزمه الحد له، كما لو قذفه بكلمة مفردة.
الثالثة: إن طلبوه جملة فحد واحد لأنه يقع استيفاؤه لجميعهم، وإن طلبوه متفرقاً أقيم لكل مطالب مرة لأن استيفاء المطالب الأول له خاصة فلم يسقط به حق الباقين.
والأظهر عندي: هو القول الأول، لقوله سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ (2) , ولم يفرق بين قذفهم واحدة أو جماعة، ولأن الذين شهدوا على المغيرة قذفوه بامرأة فلم يحدهم عمر إلا حداً واحداً، ولأنه قذف واحد فلم يجب إلا حد واحد كما لو قذف واحداً، ولأن الحد إنما وجب بإدخال المعرة على المقذوف بقذفه وبحد واحد يظهر كذب هذا القاذف وتزول المعرة فوجب أن يكتفى به بخلاف ما إذا قذف كل واحد بكلمة فإن ظهور كذبه في قذف واحد لا يزيل المعرة عن الآخر ولا يتحقق كذبه فيه.

الجزء: 8 - الصفحة: 127

فَإِنْ عَفَى بَعْضُهُمْ، لَمْ يَسْقُطْ حَقُّ غَيْرِهِ (1)،  (1)

قوله «فَإِنْ عَفَى بَعْضُهُمْ، لَمْ يَسْقُطْ حَقُّ غَيْرِهِ»:

أي إن أسقط أحدهم حقه في إقامة الحد عليه لم يسقط حق غيره لأنه ثابت لهم على سبيل البدل فأشبه ولاية النكاح.

الجزء: 8 - الصفحة: 128

بابُ حَدِّ المُسْكِرِ

(1)  (1)

قوله «بابُ حَدِّ المُسْكِرِ»:

أي هذا باب في بيان العقوبة الشرعية لمن شرب الخمر، أو تعاطى ما يسكر العقل سواء كان بالخمر أو كان بالمخدر الموجود في زماننا.
وقوله -رحمه الله- «حَدِّ المُسْكِرِ»، سبق تعريف الحدود، وبيَّنَّا أنها العقوبات المقدرة شرعاً، وعلى هذا فإن حد المسكر هي: العقوبة التي نص عليها الشارع، إما مقدرة محددة كما اختاره جمهور العلماء رحمهم الله، وإما أن تترك لنظر الإمام فيما هو أولى في ردع الناس وزجرهم، كما سيأتي إن شاء الله تعالى توضيحه وبيانه.
وقوله «المُسْكِرِ» يقال: أسكر الشيء يسكر فهو مسكر: اسم فاعل من أسكره الشراب فهو مُسْكِرٌ: إذا كان فيه قوة تجعل متناوِله يزول صحوه ويستتر عقله.
والسَّكران: من زال صحوه، واستتر عقله، ومَن داوم على السُّكر.
قيل له: سِكِّير - بكسر السين وتشديد الكاف - صيغة مبالغة 123. والمسكر: هو الخمر من عصير كل شيء أو نقيعه كما سبق، والمراد به ما خامر العقل وغطاه، سواء كان ذلك بالشراب أو بغيره، وسواء كان قليلاً أو كثيراً، وسواءً كان من العنب أو التمر أو الشعير أو غيرها، وسواءً كان مطبوخاً أو غير مطبوخٍ، فالمدار على الإسكار وغيبوبة العقل، وهذا =

الجزء: 8 - الصفحة: 129

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =مذهب الجمهور (1) لقوله -صلى الله عليه وسلم-: «كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ، وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ» (2)، وعن عمر -رضي الله عنه- قال: «نَزَلَ تَحْرِيمُ الخَمْرِ وَهْيَ مِنْ خَمْسَةٍ: مِنْ العِنَبِ، وَالتَّمْرِ، وَالعَسَلِ، وَالحِنْطَةِ، وَالشَّعِيرِ، وَالخَمْرُ مَا خَامَرَ العَقْلَ» (3). وعند الحنفية (4): الخمر هو النيئ من ماء العنب إذا اشتد وقذف بالزبد، وما كان من غيره لا يسمى خمراً، ولا يتناوله اسم الخمر، وهو قول ضعيف مخالف للغة العرب وللسنة الصحيحة ولفهم الصحابة رضي الله عنهم (5)، كما سبق بيان ذلك مفصلاً.

ذكر بعض الفوائد

:

  • الفائدة الأُولى: فرّق بعض العلماء رحمهم الله بين السكر والجنون: فجعلوا الجنون ما يذهب العقل، وجعلوا السكر ما يغطي العقل، فهم يرون أن هناك فرقاً بين السكر والجنون من هذا الوجه؛ ولذلك وصف المسكر بكونه خمراً لأنه يخامر يعني: يغطي، وعلى هذا فالعقل في الأصل يكون موجوداً، وتجد السكران تارة يفهم الأشياء وتارة لا يفهمها.124125126127128

الجزء: 8 - الصفحة: 130

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  -

الفائدة الثانية: في ضوابط السكر الذي يقام به الحد

: ذهب جمهور الفقهاء إلى أن ضابط السكر هو: من اختلط كلامه وكان غالبه هذياناً.
وقال بعض الفقهاء في ضابط السكر: إنه الذي اختل كلامه المنظوم، وانكشف سره المكتوم.
وذهب بعضهم: إلى أن السكران هو الذي لا يعرف الأرض من السماء، والرجل من المرأة.
وقال بعض العلماء رحمهم الله: هو الذي لا يفهم الخطاب، ولا يحسن الجواب، لا يفهم ما تخاطبه به، ولا يحسن أن يجيبك، ويختلّ ذلك الكلام المعهود منه.

الفائدة الثالثة: في بيان الحكمة من تحريم الخمر

: لقد حرَّمَ الله تعالى الخمر لما تشتمل عليه من الأضرار والمفاسد العظيمة، التي كشف الطب الحديث عن كثير منها بما لديه من وسائل وأجهزة علمية دقيقة، وهي كما قال -صلى الله عليه وسلم- لمن سأله عن الخمر يصنعها للدواء: «إِنَّهَا لَيسَتْ بِدَوَاءٍ، وَلَكِنَّهَا دَاءٌ» 129. والخمر تحتوي على مواد كيماوية كثيرة، أهمها: مادة «الغَول الإيثيلي»، وتسمى «الكحول»، وهي تنتج عن تخمر مادة السُّكَّر، وهي السبب في=

الجزء: 8 - الصفحة: 131

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =جميع الأضرار الناتجة عن تعاطي الخمور بأنواعها، وتوجد في السوائل الأخرى بنسب قليلة، وترتفع في المقَطَّرة منها، وتحديد الخمر وما يتبعها من السوائل المسكرة لا يتوقف على تساوي النِّسَبِ، ولا على ارتفاع وجودها، بل يتوقف على مجرد الوجود وإن كانت نسبتها قليلة، كالبيرة مثلاً، والغول سريع الذوبان في الماء، ويصل إلى الدم، ويتوزع على جميع أخلاط البدن وأنسجته بسرعة فائقة، ولاسيما إذا أُخذ على معدة فارغة، ولعل هذا هو السر في أن الغول يؤثر على جميع أجزاء البدن، لا يستثنى منها شيء.
وأكثر الأجهزة تأثراً في حالة السُّكْر هو الدماغ، ثم جهاز الدوران الدموي، والجهاز العصبي، والعقل، ثم الجهاز الهضمي بجميع أجزائه، ثم الكبد والبنكرياس، ثم الجهاز التنفسي والبولي، وما ينشأ عن ذلك من الأمراض النفسية والعقلية، والشيخوخة المبكرة، والموت المفاجئ، وضعف مقاومة الجسم للأمراض، ثم الأضرار الاجتماعية، والاقتصادية، حتى نَسْلُ الإنسان لم يسلم من أذى المسكرات، بل وصل إلى الأجنة في بطون أمهاتها.
والمخدرات من الأسباب الرئيسية في تفشي الجريمة في المجتمعات التي ابتليت بها لأن المدمن في الأعم الأغلب يكون فاشلاً غير قادر على عمل ما ينفعه وينفع الآخرين، ولا يستطيع المساهمة في نهضة البلاد في أي من المجالات التنموية سواء كانت اقتصادية أو زراعية أو اجتماعية أو عمرانية أو صناعية، كما أنه يصبح خالياً من الشعور بالمسئولية لأنه لا يحمل أي مؤهل من مؤهلات تحمل المسئولية، فهو ضعيف التدين معتوه العقل=

الجزء: 8 - الصفحة: 132

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =ومن كانت هذه حاله فدوافع الجريمة عنده كثيرة، ولهذا أثبتت الدراسات التي أجريت على بعض المتعاطين للمخدرات ما تضمنته بعض البيانات الصادرة عن وزارة الداخلية في المملكة العربية السعودية بشأن تنفيذ أحكام الله في بعض المجرمين حيث أوضحت أن بعض الجرائم تم اقترافها تحت تأثير وطأة المخدر وهذه الجرائم من أخطر الجرائم كجريمة القتل والاغتصاب والسطو وقطع الطريق.
ويظهر الضرر الأمني الخطير للمخدرات في السلوك العدواني الآثم الذي يقوم به المهربون والمروجون مع رجال الأمن عند القبض عليهم، ولقد شهدت كثير من البلاد معارك دامية بين رجال الأمن وتجار المخدرات وبلادنا الحبيبة رغم ما حباها الله من أمن ورغد عيش إلا أنها لم تسلم من هذا السلوك العدواني، فقد حدث أكثر من مرة اصطدام بين المهربين ورجال الأمن الذين يسهرون على راحة المواطنين، ويقدمون أرواحهم رخيصة لينعم هذا البلد بالأمن والأمان، ولكننا نحمد الله أن هذا قليل بالنسبة لكثير من البلاد الأخرى.
ثم إن العقوبة الصارمة التي تنتظر المروج في هذه البلاد هي التي تدفعه للاستماتة وسفك الدم، وصدق الله العظيم: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنْ الأَرْضِ﴾ 130.

الجزء: 8 - الصفحة: 133

وَمَنْ شَرِبَ مُسْكِرًا، قَلَّ أَوْ كَثُرَ (1)، مُخْتَارًا، عَالِمًا أَنَّ كَثِيْرَهُ يُسْكِرُ (2)،  =وبالجملة فهي أم الخبائث، وجماع الإثم، ومجمع الأمراض، ولهذا تجد السكارى غالباً هم أفقر الناس، وأتعس الناس، وأشقى الناس (1).

(1)

قوله «وَمَنْ شَرِبَ مُسْكِرًا، قَلَّ أَوْ كَثُرَ»:

أي من شرب مسكراً قليلاً كان أو كثيراً أسكره أم لم يسكره، وجب إقامة الحد عليه، وإنما حُرِّم القليل وحُدَّ شاربه وإن كان لا يسكر حسماً لمادة الفساد.
وفيه رد صريح على من قال من الحنفية: إن الخمر - وهو عصير العنب عندهم - يحرم قليله وكثيره، وغيره من المسكرات يحرم قدر المسكر منه، دون القليل الذي لا يسكر، وهذا قول باطل كما ذكرنا، ترده الأحاديث الكثيرة الصحيحة الصريحة، لأن الرسول -صلى الله عليه وسلم- وصف القليل بأنه حرام، ولأن السُّكْرَ إنما يحصل بالمجموع من الشراب، لا من الشربة الأخيرة فقط، فإن الشربة الأخيرة إنما أثَّرت في السُّكر بانضمامها إلى ما قبلها.
وقد ورد عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «مَا أَسْكَرَ مِنهُ الفَرَقُ فَمِلءُ الكَفِّ مِنْهُ حَرَامٌ» (2).

(2)

قوله «مُخْتَارًا، عَالِمًا أَنَّ كَثِيْرَهُ يُسْكِرُ»:

هذه هي

الشروط التي تجب بها عقوبة حد شارب المسكر

:

الأول: أن يشربها مختارا

ً، فإن شربها مكرهاً فلا حد عليه، لقوله -صلى الله عليه وسلم-: =131132

الجزء: 8 - الصفحة: 134

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  = «إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي الخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيهِ» (1)، سواء كان الإكراه بالوعيد، أو بالضرب، أو ألجئ إلى شربها، بأن يُفتح فُوه وتصب فيه.

الشرط الثانِي: أن يكون عالماً أن كثير هذا المشروب يسكر،

فإن لم يعلم أن كثيره يُسكر فلا حدَّ عليه، وكذا لو شربه ظاناً أنه ليس بمسكر وكان قد تحول إلى الإسكار فلا حد عليه ولو سكر منه، ولأنه جاهل بحال هذا الشراب، ولم يقصد ارتكاب المعصية.
وهذه الشروط الثلاثة شروط للحد وللحرمة.
ومن الشروط الأُخرى التي لم يذكرها المؤلف:

الشرط الثالث: أن يكون الشارب مسلما

ً، فإن كان غير مسلم كالذمي فإنه لا يحد؛ لأن المسلم هو الذي يعتقد تحريمه، أما غير المسلم فهم لا يعتقدون تحريمه؛ ولهذا لا يقام عليهم الحد إذا شربوا الخمر، ولكنهم يمنعون من إظهاره في بلاد المسلمين.

الشرط الرابع: أن يكون عالماً بالتحريم، بالغاً، عاقلاً،

فإن كان جاهلاً معذوراً بجهله فلا حد عليه، كأن يكون حديث عهد بالإسلام، أو ينشأ ببلدة بعيدة عن العلماء بحيث يخفى عليه أمر الخمر، فإن ادعى أنه جاهل بالتحريم وقد نشأ بين المسلمين لم يقبل.133

الجزء: 8 - الصفحة: 135

جُلِدَ الحَدَّ أَرْبَعِيْنَ جَلْدَةً؛ «لأَنَّ عَلِيًّا -رضي الله عنه- جَلَدَ الوَلِيْدَ بْنَ عُقْبَةَ فِيْ الخَمْرِ أَرْبَعِيْنَ، وَقالَ: جَلَدَ النَّبِيُّ -رضي الله عنه- أَرْبَعِيْنَ، وَأَبُوْ بَكْرٍ أَرْبَعِيْنَ، وَعُمَرُ ثَمَانِيْنَ، وَكُلٌّ سُنَّةٌ، وَهَذَا أَحَبُّ إِلَيَّ.
وَسَوَاءٌ كَانَ مِنْ عَصِيْرِ العِنَبِ أَوْ غَيْرِهِ 134،  (1) قوله «جُلِدَ الحَدَّ أَرْبَعِيْنَ جَلْدَةً؛ «لِأَنَّ عَلِيًّا -رضي الله عنه- جَلَدَ الوَلِيْدَ بْنَ عُقْبَةَ فِيْ الخَمْرِ أَرْبَعِيْنَ، وَقالَ: «جَلَدَ النَّبِيُّ -رضي الله عنه- أَرْبَعِيْنَ، وَأَبُوْ بَكْرٍ أَرْبَعِيْنَ، وَعُمَرُ ثَمَانِيْنَ، وَكُلٌّ سُنَّةٌ» (1)، وَهَذَا أَحَبُّ إِلَيَّ.
وَسَوَاءٌ كَانَ مِنْ عَصِيْرِ العِنَبِ أَوْ غَيْرِهِ»: شرع المؤلف ببيان عقوبة شارب المسكر، وبين أنها أربعون جلدة، وهو قول الشافعي 135، ورواية عن الإمام أحمد 136، اختارها شيخ الإسلام ابن تيمية 137، وتلميذه ابن القيم 138، قالوا: وللإمام أن يزيد على الأربعين تعزيزاً، لما ورد عن أنس -رضي الله عنه- «أَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- أُتِيَ بِرَجُلٍ قَدْ شَرِبَ الخَمْرَ، فَجَلَدَهُ بِجَرِيدَتَينِ نَحْوَ أَرْبَعِينَ، قَالَ وَفَعَلَهُ أَبُو بَكْرٍ، فَلَمَّا كَانَ عُمَرُ اسْتَشَارَ النَّاسَ، فَقَالَ عَبد الرَّحْمَن بن عَوفٍ: أَخَفَّ الحُدُودِ ثَمَانِينَ، فَأَمَرَ بِهِ عُمَرُ» 139. والقول الثانِي: أن عقوبته ثمانون، وهو قول أبي حنيفة 140، ومالك 141 =

الجزء: 8 - الصفحة: 136

وَمَنْ أَتَى مِنَ الْمُحَرَّمَاتِ مَا لا حَدَّ فِيْهِ، لَمْ يَزِدْ عَلى عَشْرِ جَلَدَاتٍ؛ لِمَا رَوَى أَبُوْ بُرْدَةَ قَالَ: قَالَ رَسُوْلُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «لا يُجْلَدُ أَحَدٌ أَكْثَرَ مِنْ عَشْرِ جَلَدَاتٍ، إِلاَّ فِيْ حَدٍّ مِنْ حُدُوْدِ اللهِ 142،  = ورواية عند الحنابلة (1)، وقول للشافعي 143، لفعل عمر -رضي الله عنه-، فإنه استشار الصحابة، ولم ينقل أن أحداً خالف، فكان إجماعاً.
والقول الثالث: أنها عقوبة تعزيرية ولا حد فيها، وهو مروي عن طائفة من أهل العلم 144، وهو اختيار الشوكاني 145، وعلى هذا القول فمرجعها إلى الإمام يقدرها بناءً على المصلحة، وما يتحقق به الزجر.
والراجح عندي: أن عقوبة شارب المسكر من باب الحد، الذي لا يُنْقص عن أربعين جلدة؛ لأن هذا أقل ما روي فيه، ولكن للحاكم أن يزيد عليه ما يراه إلى ثمانين إذا رأى المصلحة في ذلك ويرى شيخنا -رحمه الله- 146 أنه كله من باب التعزير.

(1)

قوله «وَمَنْ أَتَى مِنَ الْمُحَرَّمَاتِ مَا لا حَدَّ فِيْهِ، لَمْ يَزِدْ عَلى عَشْرِ جَلَدَاتٍ؛ لِمَا رَوَى أَبُوْ بُرْدَةَ قَالَ: قَالَ رَسُوْلُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «لا يُجْلَدُ أَحَدٌ أَكْثَرَ مِنْ عَشْرِ جَلَدَاتٍ، إِلاَّ فِيْ حَدٍّ مِنْ حُدُوْدِ اللهِ»:

هذه العقوبة تسمى بالتعزير، وهي خاصة بكل فعل جاءت الشريعة بتحريمه، ولم يرد في نصوص الشريعة حد فيها، وقد ذهب المؤلف هنا إلى أنها عشر جلدات لا يزيد على ذلك =

الجزء: 8 - الصفحة: 137

إِلاَّ أَنْ يَطَأَ جَارِيَةَ امْرَأَتِهِ بِإِذْنِهَا، فَإِنَّهُ يُجْلَدُ مِئَةً (1)،  = واحتج بحديث أبي بردة -رضي الله عنه-.
وقد اختلفت أقوال الفقهاء في هذه المسألة، والأظهر عندي أن هذا راجع إلى رأي الحاكم، فيجوز له الزيادة على عشر جلدات، وعشرين، وثلاثين، وأربعين، ومائة، بقدر ما يحصل به التأديب؛ لأن المقصود تقويم الاعوجاج، والتأديب، وإزالة الشر والفساد، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.

(1)

قوله «إِلاَّ أَنْ يَطَأَ جَارِيَةَ امْرَأَتِهِ بِإِذْنِهَا، فَإِنَّهُ يُجْلَدُ مِئَةً»:

أي إلا من وطئ جارية امرأته بإذنها فإنه يجلد مائة ولا يرجم إن كان ثيباً، وإن كان بكراً لم يغرب، وإن لم تكن أحلتها له فهو زان حكمه حكم الزاني بجارية الأجنبي.
وحكي عن النخعي 147 أنه يعزر ولا حد عليه لأنه يملك امرأته فكانت له شبهة في مملوكتها، وهذا هو الأقرب عندي.

الجزء: 8 - الصفحة: 138

بابُ حَدِّ السَّرِقَة

(1)  (1)

قوله «بابُ حَدِّ السَّرِقَة»:

السَّرقة لغة: أخذ الشيء من الغير خِفية 148. واصطلاحاً: أخذ المال على وجه الاختفاء من مالكه أو نائبه، أو هي أخذ العاقل البالغ نصاباً محرزاً، أو ما قيمته نصاب، ملكاً للغير، لا شبهة له فيه على وجه الخفية.
فقولنا «المال»: هو العين المباحة النفع، وخرج بذلك غير المال، كسرقة كلب وإن كان معلماً، لأنه ليس بمال، وسرقة حر ولو كان صغيراً، لأنه ليس بمال - أيضاً - وهذه المسألة محل خلاف بين أهل العلم.
القول الأول: أنه يقطع إذا سرق حراً صغيراً، لأنه مسروق أشبه المال والبهيمة والعبد.
ولا قطع بسرقة ما على الصغير من حلي ونحوه، على المشهور من المذهب 149، لأنه تابع لما لا قطع فيه أشبه بثياب الكبير، ولأن يد الصبي على ما عليه.
والقول الثانِي: أنه يقطع بسرقة ما على الصغير، وهذا هو الصواب لعموم قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا .... ﴾، وكما لو سرقه مفرداً 150. وقولنا: «عَلى وَجه الاختفاء» هذا هو العنصر الأساسي في السرقة، فخرج به ما كان على وجه العلانية، كالمنتهب والمختلس، فلا قطع عليهما، =

الجزء: 8 - الصفحة: 139

وَمَنْ سَرَقَ رُبْعَ دِيْنَارٍ مِنَ العَيْنِ (1)، أَوْ ثَلاثَةَ دَرَاهِمَ مِنَ الوَرِقِ (2)،  =والمنتهب: آخذ الشيء من صاحبه غلبة وقهراً، والمختلس: آخذ الشيء بحضرة صاحبه في غفلة منه والهرب به.
وقولنا «مِن مَالِكِهِ، أو نَائِبِهِ»: نائب المالك: كل من كان مال غيره بيده بإذن الشرع أو بإذن مالكه، كالمستعير، والمستأجر، والمودَع، وولي اليتيم، ونحوهم، فخرج ما لو سرق مغصوباً من غاصبه فلا قطع، لأنه عند الغاصب لا حرمة له (1).

(1)

قوله «وَمَنْ سَرَقَ رُبْعَ دِيْنَارٍ مِنَ العَيْنِ»:

هذا هو الشرط الأول، وهو أن يكون المسروق نصاباً، وهو ربع دينار من الذهب، لحديث عائشة قالت: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «لا تُقْطَعُ يَدُ سَارِقٍ إِلا فِي رُبْعِ دِينَارٍ فَصَاعِداً» (2)، والدينار يزن عند المتقدمين (72) حبة شعير، وزنها بالجرام (3.5)، كما تقدم في «الزكاة».
فإذا سرق ما يقابل جراماً من الذهب الخالص قطع، والقطع بهذا المقدار وإن كان قليلاً، هو لحماية الأموال والقضاء على العبث بالأمن (3).

(2)

قوله «أَوْ ثَلاثَةَ دَرَاهِمَ مِنَ الوَرِقِ»:

أي أو ما قيمته ثلاثة دراهم من الفضة كما في حديث ابن عمر -رضي الله عنه-: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- قَطَعَ فِي مِجَنٍّ ثَمَنُهُ ثَلاثَةُ دَرَاهِمَ» 154.151152153

الجزء: 8 - الصفحة: 140

أَوْ مَا يُسَاوِيْ أَحَدَهُمَا مِنْ سَائِرِ الْمَالِ (1)، وَأَخْرَجَهُ مِنَ الحِرْزِ (2)،  (1)

قوله «أَوْ مَا يُسَاوِيْ أَحَدَهُمَا مِنْ سَائِرِ الْمَالِ»:

أي أو ما يساوي أحد النقدين من سائر الأموال فإن فيه القطع، لحديث عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبي -صلى الله عليه وسلم- «أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الثَّمَرِ الْمُعَلَّقِ فَقَالَ «مَنْ أَصَابَ بِفِيهِ مِنْ ذِي حَاجَةٍ غَيْرَ مُتَّخِذٍ خُبْنَةً فَلا شَىْءَ عَلَيْهِ وَمَنْ خَرَجَ بِشَىْءٍ مِنْهُ فَعَلَيْهِ غَرَامَةُ مِثْلَيْهِ وَالْعُقُوبَةُ وَمَنْ سَرَقَ مِنْهُ شَيْئًا بَعْدَ أَنْ يُئْوِيَهُ الْجَرِينُ فَبَلَغَ ثَمَنَ الْمِجَنِّ فَعَلَيْهِ الْقَطْعُ وَمَنْ سَرَقَ دُونَ ذَلِكَ فَعَلَيْهِ غَرَامَةُ مِثْلَيْهِ وَالْعُقُوبَةُ» (1). والقول الثاني في المسألة: أن النصاب ربع دينار فقط، وليس ثلاثة دراهم، فإذا سرق شيئاً يساوي ثلاثة دراهم، لكن لا يساوي ربع دينار، فليس عليه القطع، وإذا سرق ما يساوي ربع دينار فعليه القطع، وإن كان لا يساوي ثلاثة دراهم، وهذا القول أصح، لأن حديث عائشة رضي الله عنها صريح فيه: «لا قطع إلا في ربع دينار فصاعداً» (2)، وأما الحديث الآخر أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- «قطع في مجنٍّ قيمته ثلاثة دراهم» (3)، فهذا محمول على أن ثلاثة الدراهم تساوي ربع دينار في ذلك الوقت، والدينار اثنا عشر درهماً من الفضة.

(2)

قوله «وَأَخْرَجَهُ مِنَ الحِرْزِ»:

هذا هو الشرط الثاني، وهو أن تكون السرقة=155156157

الجزء: 8 - الصفحة: 141

قُطِعَتْ يَدُهُ اليُمْنى مِنْ مِفْصَلِ الكَفِّ وَحُسِمَتْ (1)،  =من حرز.
والحرز: ما يحفظ فيه المال عادةً، والمرجع فيه إلى العرف، وليس إلى الشرع؛ لأن الشرع أطلق ولم يقيد، وكل شيء يطلقه الشارع ولم يقيده فإنه يرجع فيه إلى العرف، إذا لم يكن له حقيقة شرعية، ولأنه لم يرد تقديره في الشرع، وإنما ورد مجملاً، فاعتبر فيه العرف (1).

(1)

قوله «قُطِعَتْ يَدُهُ اليُمْنى مِنْ مِفْصَلِ الكَفِّ وَحُسِمَتْ»:

دليل ذلك قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا .. ﴾ 159، والدليل على أنها اليمين قراءة ابن مسعود -رضي الله عنه- ﴿فَاقْطَعُوا أَيْمَانَهمَا﴾، وهي قراءة شاذة 160، قال الموفَّق: «وهذا إن كان قراءة وإلا فهو تفسير» 161، وهذا قول أبي بكر، وعمر رضي الله عنهما ولا مخالف لهما، كما حكاه الموفق وغيره.
وقوله «مِنْ مِفْصَلِ الكَفِّ»: أي دون الذراع، وإنما وجب قطعها من هنا لا إلى المرفق؛ لأن الله تعالى أطلق ولم يقيد، واليد عند الإطلاق تحمل على الكف، والدليل على أنها من مفصل الكف أن هذا هو المتبادر عند الإطلاق، فهو أقل ما يطلق عليه اسم اليد.
وقد روى عكرمة عن ابن عباس أنه سئل عن التيمم فقال: «إِنَّ اللَّهَ قَالَ فِي كِتَابِهِ حِينَ ذَكَرَ الوُضُوءَ: قال: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾، وَقَالَ فِي التَّيَمُّمِ: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ =158

الجزء: 8 - الصفحة: 142

فَإِنْ عَادَ، قُطِعَتْ رِجْلُهُ اليُسْراى مِنْ مِفْصَلِ الكَعْبِ وَحُسِمَتْ (1)،  =وَقَال: ﴿ .. وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا .. ﴾ (1)، فَكَانَت السُّنَّةُ فِي القَطْعِ الكَفَّيْنِ، إِنَّمَا هُوَ الوَجْهُ وَالكَفَّانِ، يَعْنِي: التَّيَمُّمَ» (2). وقوله «فَكَانَت السُّنَّةُ»: يفيد أنه مرفوع حكماً، وأن الله تعالى حدد الوضوء إلى المرفقين فوقفنا عند تحديده، وأطلق القول في اليدين في التيمم فحملناه على ظاهر مطلق اسم اليد، وهو الكَفَّان، وكذا في السرقة (3). قال البخاري: «وَقَطَعَ عَلِيٌّ -رضي الله عنه- مِنَ الكَّفِّ» (4)، وقوله «وَحُسِمَتْ»: الحسم في اللغة القطع، والمراد حسم الدم - أي قطعه - وذلك بأن يغلى زيت، أو دهن، أو نحوهما، ثم تغمس فيه وهو يغلي، فإذا غمست فيه وهو يغلي تسددت أفواه العروق، وإنما وجب حسمها؛ لأنها لو تركت لنزف الدم ومات، والحد لا يراد به موته وإتلافه، إنما يراد به تأديبه.

(1)

قوله «فَإِنْ عَادَ، قُطِعَتْ رِجْلُهُ اليُسْراى مِنْ مِفْصَلِ الكَعْبِ وَحُسِمَتْ»:

أي: فإن عاود السرقة بعد قطع اليمنى قطعت قدمه اليسرى، لأن في قطع الرِّجل اليسرى رفقاً به، لأنه يمكنه المشي على خشبة، بخلاف قطع الرجل اليمنى، لأنها إذا قطعت لا يمكنه ذلك.162163164165

الجزء: 8 - الصفحة: 143

فَإِنْ عَادَ حُبِسَ، وَلا يُقْطَعُ غَيْرُ يَدٍ وَرِجْلٍ (1). لَا تَثْبُتُ السَّرِقَةُ إِلاَّ بِشَهَادَةِ عَدْلَيْنِ (2)، أَوِ اعْتِرَافٍ مَرَّتَيْنِ (3)،  (1)

قوله «فَإِنْ عَادَ، حُبِسَ، وَلا يُقْطَعُ غَيْرُ يَدٍ وَرِجْلٍ»:

أي فإن عاد وسرق بعد قطع يده اليمنى ورجله اليسرى فسرق ثالثاً حبس، ولا يقطع، لأن في قطع اليدين تعطيلاً لمنفعة الجنس، فلم يشرع في حد، كالقتل، ومرادهم حبسه حتى يموت (1)، وهو ظاهر كلام ابن قدامة (2)، لورود أقضية عن الصحابة رضي الله عنهم في ذلك (3)، وفي رواية أخرى في المذهب أنه إن عاد فإنه تقطع يده اليسرى في الثالثة، ورجله اليمنى في الرابعة (4). (2)

قوله «لا تَثْبُتُ السَّرِقَةُ إِلاَّ بِشَهَادَةِ عَدْلَيْنِ»:

هذا أحد الأُمور الذي يثبت به القطع، وهو شهادة رجلين عدلين، وهذا قول الجمهور من أهل العلم، وعلى هذا فلا تثبت عقوبة القطع بشهادة رجل واحد، ولا بشهادة النساء.
(3)

قوله «أَوِ اعْتِرَافٍ مَرَّتَيْنِ»:

هذا هو الأمر الثاني الذي يثبت به القطع وهو إقرار السارق بالسرقة مرتين، وهذا من مفردات المذهب، لما ورد عن أبي أمية المخزومي أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أُتِي بِلِصٍ قد اعترف فقال: «مَا إِخَالُكَ سَرَقْتَ» قَال: بَلَى، فَأَعَادَ عَلَيهِ مَرَّتَينِ أَو ثَلاثاً، قَالَ: بَلَى، فَأَمَرَ بِهِ فَقُطِعَ» 170، =166167168169

الجزء: 8 - الصفحة: 144

وَلا يُقْطَعُ حَتَّى يُطَالِبُ المَسْرُوْقُ مِنْهُ بِمَالِهِ (1)،  =ولأنه يتضمن إتلافاً في حد، فكان من شرطه التكرار كحد الزنا.
والقول الثانِي: أنه لا يشترط تكرار الإقرار بل إذا أقر ولو مرة واحدة أقيم عليه الحد إذا تمت شروط الإقرار بأن يكون بالغاً عاقلاً مختاراً، وهو قول الجمهور، لأن السرقة قد ظهرت بالإقرار مرة، فيكتفي به، كما في القصاص وحد القذف (1)، وهذا هو الراجح عندي، وهو اختيار شيخنا -رحمه الله- (2). وأما الحديث - إن صح - فالمراد به الاستثبات وتلقين المسقط للحد، ولأن الراوي تردد هل عاد عليه مرتين أو ثلاثاً، فطريق الاحتياط في الاستدلال أن يقولوا بالإقرار ثلاثاً.

فائدة: فيما تثبت به السرقة

: تثبت السرقة بطرق ثلاثة: الأول: الشهادة: وهي أن يشهد عدلان على أن فلان هو السارق.
الثاني: الإقرار: وقد سبق بيانه، وهو أن يعترف على نفسه أنه هو السارق.
الثالث: أن يوجد المسروق عند السارق ما لم يدّع شبهة تمنع الحد، وهذا قال به جماعة من أهل العلم.

(1)

قوله «وَلا يُقْطَعُ حَتَّى يُطَالِبُ المَسْرُوْقُ مِنْهُ بِمَالِهِ»:

هذا أيضاً شرط من شروط قطع يد السارق، وهو أَن يطالب المسروق منه بماله، فإن لم يطالب فإنه لا يقطع، ولو ثبتت السرقة، ما دام صاحبه لم يطالب، =171172

الجزء: 8 - الصفحة: 145

وَإِنْ وَهَبَهَا لِلسَّارِقِ، أَوْ بَاعَهُ إِيَّاهَا قَبْلَ ذلِكَ، سَقَطَ القَطْعُ (1)،  =والدليل حديث صفوان بن أمية -رضي الله عنه- «أَنَّهَا سُرِقَتْ خَمِيصَتُهُ مِنْ تَحْتِ رَأْسِهِ، وَهُوَ نَائِمٌ فِي مَسْجِدِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم-، فَأَخَذَ اللِّصَّ فَجَاءَ بِهِ إِلَى النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم-: فَأَمَرَ بِقَطْعِهِ قَالَ صَفْوَانُ: أَتَقْطَعُهُ؟ قَالَ: فَهَلاَّ قَبْلَ أَنْ تَأْتِيَنِي بِهِ تَرَكْتَهُ» (1). فإنه يدل على أنه لو وهبه له قبل أن يرفعه للحاكم سقط القطع، وذهب شيخ الإسلام ابن تيمية (2) -رحمه الله- إلى أنه لا تشترط المطالبة، وأنه إذا ثبتت السرقة قطع، لأن القطع لحفظ الأموال، وليس حقاً خاصاً لهذا الرجل؛ حتى نقول: إنه إذا طالب قطع وإلا فلا، بخلاف القصاص، فإذا لم يطالب لا يقطع.

مسألة: هل البصمات طريق رابع لمعرفة المجرم؟

تعتبر قرينة وليست بينة قطعية، لأنه قد يكون الذي لمس الباب لمسه قبل السرقة أو بعدها، لكن لو قيل: ليس فيه بصمة سوى هذه، فيمكن أن نقول: حتى لو لم يوجد إلا هذه البصمة فإنه يوجد احتمال أن تكون قبل السرقة أو بعدها، وأن يكون السارق تحاشى أن يمس هذا الباب، بل مسه بحديدة وما أشبه ذلك.

(1)

قوله «وَإِنْ وَهَبَهَا لِلسَّارِقِ، أَوْ بَاعَهُ إِيَّاهَا قَبْلَ ذلِكَ، سَقَطَ القَطْعُ»:

أي إن وهب المسروق ما سرق منه للسارق أو قال المسروق للسارق بعنيه فباعه عليه سقط الحد وذلك أنه إذا باعه العين أو وهبها له قبل رفعه إلى=173174

الجزء: 8 - الصفحة: 146

وَإِنْ كَانَ بَعْدَهُ، لَمْ يَسْقُطْ (1)، وَإِنْ نَقَصَتْ عَنِ النِّصَابِ بَعْدَ الإِخْرَاجِ لَمْ يَسْقُطِ القَطْعُ (2)، وَإِنْ كَانَ قَبْلَهُ لَمْ يَجِبْ (3)، وَإِذَا قُطِعَ، فَعَلَيْهِ رَدُّ المَسْرُوْقُ، إِنْ كَانَ بَاقِيًا، أَوْ قِيْمَتُهُ إِنْ كَانَ تَالِفًا (4).  =الحاكم سقط القطع عنه، لأن المطالبة شرط لما سبق ولم يبق مطالب وإن كان البيع أو الهبة بعد أن رفعه إلى الحاكم لم يسقط القطع.
(1) قوله «وَإِنْ كَانَ بَعْدَهُ، لَمْ يَسْقُطْ» أي وإن كان ما وهبه له أو باعه عليه بعد رفعه للحاكم لم يسقط كما في حديث صفوان ابن أمية المتقدم.

(2)

قوله «وَإِنْ نَقَصَتْ عَنِ النِّصَابِ بَعْدَ الإِخْرَاجِ لَمْ يَسْقُطِ القَطْعُ»:

أي وإن نقصت العين المسروقة بعد إخراجها من حرزها عن النصاب «وهو ربع دينار كما سبق» فإنه لا يسقط القطع، لأنه نقصان حدث في العين فلم يمنع القطع كما لو نقص باستعماله, وسواء نقصت قيمتها قبل الحكم أو بعده؛ لأن سبب الوجوب السرقة فيعتبر النصاب حينئذ.
فأما إن نقص قبل الإخراج فقد قال المؤلف -رحمه الله-.
(3)

قوله «وَإِنْ كَانَ قَبْلَهُ لَمْ يَجِبْ»:

أي فإن كان النقص الحاصل في العين المسروقة قبل إخراج هذه العين من حرزها لم يجب القطع لعدم الشرط قبل تمام السبب وسواء نقصت بفعله أو بغير فعله, وإن وجدت ناقصة ولم يدر هل كانت ناقصة حين السرقة أو حدث النقص بعدها لم يجب القطع للشك في شرط الوجوب ولأن الأصل عدمه.
(4)

قوله «وَإِذَا قُطِعَ، فَعَلَيْهِ رَدُّ المَسْرُوْقُ، إِنْ كَانَ بَاقِيًا، أَوْ قِيْمَتُهُ إِنْ كَانَ تَالِفًا»:

أي يجتمع القطع للسارق والضمان للمسروق، لأنهما حقان=

الجزء: 8 - الصفحة: 147

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =لمستحقين فجاز اجتماعهما، كالدية والكفارة في قتل الخطأ، فيرد ما أخذه لمالكه إن كان باقياً، لأنه عين ماله، وإن كان تالفا فعليه ضمانه.

الجزء: 8 - الصفحة: 148

بابُ حَدِّ المُحَارِبِيْنَ

(1)  (1)

قوله «بابُ حَدِّ المُحَارِبِيْنَ»:

أي سيذكر المؤلف جملة من الأحكام والمسائل التي تتعلق بحد المحاربين قطاع الطرق، وما جعله الله من العقوبة لهذه الجريمة.
والمحاربة في اللغة: مصدر حارب يحارب حرابة ومحاربة، واسم الفاعل محارب، مأخوذ من الحرب الذي هو نقيض السِّلم، ويأتي الحرب بمعنى القتل، وبمعنى المعصية، لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ * إِلا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ 175، وتأتي بمعنى السلب، يقال: حَربَه بمعنى: سلب ماله وتركه بلا شيء 176. واصطلاحاً: المحاربة والحرابة وقطع الطريق بمعنى واحد، وهو تعرض المكلف الملتزم ذي الشوكة والقوة للمسلمين مع تعذر الغوث، في العراء أو البنيان أو البحر أو الجو، لأخذ مال محترم أو انتهاك فرج، مجاهرةً لا خفية.
وقولنا «تعرض المكلف الملتزم»: هذا يخرج تعرض الصبي والمجنون والحربي، فإنه لا يعتبر حرابة.
=

الجزء: 8 - الصفحة: 149

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =وقولنا «ذي الشوكة والقوة»: يخرج ما إذا كان التعرض صادراً ممن لا شوكة له ولا قوة، فإنه لا يعتبر محارباً، ولا ينقطع به السبيل.
وقولنا «مع تعذر الغوث»: يخرج ما إذا كان الغوث ممكناً والنجدة متيسرة فإنه لا يعتبر حرابة.
وقولنا «في العراء ... إلخ»: بيان مواضع الحرابة، وأنه لا يشترط كونها خارج العمران، على الصحيح من آراء العلماء، لعموم ﴿وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا﴾ 177، بل يدخل ما ذكر، وقد أشار البهوتي في شرحه على «الزاد» 178 إلى ذكر البحر وإعطائه حكم الحرابة، أما الجو فلم يذكروه، لأن الطائرات لم تكن موجودة في زمانهم، لكن لها حكم ما ذكر، فإن الاعتداء على ركاب وملاحي الطائرات المدنية وتهديدهم بالسلاح لقطع الرحلات الجوية أو الاتجاه قهراً إلى بلدٍ ما يُعَدُّ من قطع الطريق والإفساد في الأرض، لاسيما إذا وقع في ديار المسلمين.
وقولنا «لأخذ مال محترم»: يخرج غير المحترم، كالخمر ونحوه.
وقولنا «أو انتهاك فرج»: يفيد أن الحرابة كما تكون لأخذ مال تكون للاعتداء على الفروج المحرمة.
وقولنا «مجاهرة لا خفية»: لإخراج السرقة، وسميت هذه الجريمة حرابة ومحاربة لما فيها من سلب الأموال أو الأرواح ولما فيها من مخالفةٍ وعصيانٍ =

الجزء: 8 - الصفحة: 150

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =لأمر الله تعالى، وبعض الفقهاء يسميها: قَطْعَ الطريق، وبعضهم بالمحاربين، وهذا أحسن لأمرين: الأول: أن هذا اللفظ مطابق لما ورد في القرآن الكريم.
الثانِي: أنه أعم من غيره وأدل على المراد حيث يشمل جميع الصور.
والأصل في جريمة الحرابة وعقوبتها قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ 179، فهذه أربعة أنواع من العقوبات اشتملت عليها الآيات في المحارب: 1 - النفي.
2 - القطع.
3 - القتل.
4 - القتل والصَّلب.
وظاهر الآية الكريمة لا يدل على هذا التقسيم، لأن الحرف ﴿أوْ﴾ أصله للتخيير، لكنَّ القائلين بذلك يرون أن الآية فيها قيود مقدرة، والمعنى: أن يقتلوا إذا قتلوا ولم يأخذوا المال، أو يصلبوا إذا قتلوا وأخذوا المال، أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف إذا أخذوا المال ولم يقتلوا أحداً، أو ينفوا من الأرض إذا أخافوا السبيل ولم يقتلوا ولم يأخذوا مالاً، وهذا قول الجمهور من الحنفية 180، والشافعية 181، والحنابلة 182، وهو اختيار شيخنا -رحمه الله- 183 واستدلوا بما ورد عن=

الجزء: 8 - الصفحة: 151

وَهُمُ الَّذِيْنَ يَعْرِضُوْنَ لِلنَّاسِ فِيْ الصَّحْرَاءِ جَهْرَةً؛ لِيَأْخُذُوْا أَمْوَالَهُمْ (1)،  = ابن عباس -رضي الله عنه- أنه قال في قُطَّاعِ الطريق: «إِذَا قَتَلُوا وَأَخَذُوا المَالَ قُتِلُوا وَصُلِبُوا وَإذَا قَتَلُوا وَلَمْ يأخُذُوا المَال قُتِلُوا وَلَمْ يُصْلَبُوا, وإِذَا أَخَذُوا المَال وَلَمْ يَقْتُلُوا قُطِعَتْ أَيْدِيهمْ وَأَرْجُلهمْ، وإِذَا أَخَافُوا السَّبِيل وَلَمْ يَأْخُذُوا مَالاً نُفوا مِن الأَرض» (1)، قالوا: فتكون ﴿أَوْ﴾ في الآية للتنويع والتفصيل، فتُنوع العقوبة على حسب الجريمة، ولكن هذا التفسير عن ابن عباس ضعيف جداً.
وقالت المالكية (2): إن تعدد العقوبات هنا يقصد به التخيير، وأن الإمام مخير، فيجتهد في اختيار العقوبة الملائمة للجريمة، ما لم يقتل المحارب، فإن قتل فلابد من قتله، وعند هؤلاء تعزير في الآية، لأن القول بزيادة القيود على ظاهر القرآن يحتاج إلى نص من كتاب أو سنة.
قلت: والراجح عندي هو قول المالكية، وسيأتي زيادة تفصيل في هذه المسألة قريباً إن شاء الله.

(1)

قوله «وَهُمُ الَّذِيْنَ يَعْرِضُوْنَ لِلنَّاسِ فِيْ الصَّحْرَاءِ جَهْرَةً؛ لِيَأْخُذُوْا أَمْوَالَهُمْ»:

هذا وصف للمحاربين، فهم موصوفون بأوصاف ثلاثة: الأول «يَعْرِضُوْنَ لِلنَّاسِ»: أي أن يكون معهم سلاح فان لم يكن معهم سلاح فليسوا محاربين لأنهم لا يمنعون من يقصدهم، فان عرضوا بالعصي والحجارة فهم محاربون.
=184185

الجزء: 8 - الصفحة: 152

فَمَنْ قَتَلَ مِنْهُمْ، وَأَخَذَ الْمَالَ، قُتِلَ وَصُلِبَ حَتَّى يَشْتَهِرَ، وَدُفِعَ إِلى أَهْلِهِ (1)،  = وقوله «فِيْ الصَّحْرَاءِ»: هذا قيد آخر، فإن فعلوا ذلك في البنيان لم يكونوا محاربين لأن الواجب يسمى حد قطاع الطريق، وقطع الطريق إنما هو في الصحراء، ولأن من في المصر يلحق به الغوث غالباً فتذهب شوكة المعتدين ويكونون مختلسين والمختلس ليس بقاطع ولا حد عليه.
والصواب كما سبق: أنه لا يشترط كونها في الصحراء، على الصحيح من آراء العلماء، لكنهم أكثر ما يكونون في الصحراء؛ لأن البنيان فيها من يحمي الناس، وفيها أناس كثيرون يمنعون فساد هؤلاء، فأكثر ما يكونون في الصحراء، وأكثر ما يكونون أيضاً في الصحراء غير المسلوكة.
وقوله «جَهْرَةً»: هذا هو القيد الثالث، أي أن يأتوا مجاهرة ويأخذوا المال قهراً، فأما إن أخذوه مختفين فهم سُرَّاق، وإن اختطفوه وهربوا فهم منتهبون لا قطع عليهم، وكذلك إن خرج الواحد والاثنان على آخر قافلة فاستلبوا منها شيئاً فليسوا بمحاربين لأنهم لا يرجعون إلى منعة وقوة، وان خرجوا على عدد يسير فقهروهم فهم قطاع طريق.

(1)

قوله «فَمَنْ قَتَلَ مِنْهُمْ، وَأَخَذَ الْمَالَ، قُتِلَ وَصُلِبَ حَتَّى يَشْتَهِرَ، وَدُفِعَ إِلى أَهْلِهِ»:

شرع المؤلف ببيان الحكم الشرعي للمحاربين، وهم على أصناف، ولذا كان الحكم في حقهم يختلف من صنف لأخر.
وهذا هو الصنف الأول وهم من جمعوا بين القتل وأخذ المال فهنا يجمع لهم بين العقوبتين، وهما: القتل، والصلب، فيصلب بعد القتل، أي: نربطه على خشبة لها يدان معترضتان، وعود قائم، فنقيمه عليها، =

الجزء: 8 - الصفحة: 153

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  = ونربطه، ونربط يديه على الخشبتين المعروضتين.
وقوله «حَتَّى يَشْتَهِرَ»: أي حتى يتضح أمره.
وهل يقتل أولاً ثم يصلب أم العكس؟ نقول ظاهر كلام المؤلف بل صحيحه أنه يقتل قبل الصلب.
والقول الثاني: أنه يصلب قبل القتل.
والذي نراه أنه ينظر في هذا إلى المصلحة، فإذا رأى القاضي أن المصلحة أن يصلب قبل أن يقتل فعل.

ذكر بعض الفوائد

:

  • الفائدة الأولى: لم يذكر المؤلف هنا أي آلة يقتل بها: والصواب أنه يقتل بما يكون أسهل؛ لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «إِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا القِتْلَة» 186، وليس هذا كالزاني إذا كان محصناً يرجم، بل المقصود بهذا إتلافه.
    فإذا دار الأمر بين أن نقتله بالسيف، أو نقتله بالصعق بالكهرباء، فالسيف أولى من جهة أنه لا يصيب الإنسان بالصدمة القوية التي تقضي عليه، والصعق بالكهرباء أولى من جهة؛ لأنه أسرع.
    وهنا ينبغي أن نرجع إلى الأطباء، فإذا قالوا: إن قتله بالصعق أسهل وأكثر راحة فعلنا، وهو أيضاً بالنسبة للصلب أقل ترويعاً؛ لأن ذاك لو قتل بالسيف فستصيبه الدماء، ويتروع الناس بمجرد رؤيته، بخلاف ما إذا قتل بالصعق فإنه يكون كالميت ميتة طبيعية.

الجزء: 8 - الصفحة: 154

وَمَنْ قَتَلَ وَلَمْ يَأْخُذِ المَالَ، قُتِلَ وَلَمْ يُصْلَبْ (1)،  -

الفائدة الثانية: هل يغسل، ويكفن، ويصلى عليه، ويدفن مع المسلمين؟

نعم؛ يغسل، ويكفن، ويصلى عليه، وندفنه في مقابر المسلمين، إلا على رأي طائفتين مبتدعتين، وهما الخوارج الذين يقولون: إن فاعل الكبيرة يكفر ما لم يتب، والمعتزلة الذين يقولون: إنه مخلد في النار، فإن الصلاة عليه غير ممكنة؛ لأن المقصود بالصلاة عليه الدعاء له، وعندهم لا يجوز الدعاء لمثل هذا؛ لأنه لن يُرحم، فهو في النار (1).

  • الفائدة الثالثة: هل يجوز أن يعطى السارق وقاطع الطريق عند قطع أعضائه مادة مخدرة لتخفيف الألم أو منع الشعور به؟ نقول: نعم يجوز ذلك لأن المقصود إتلاف العضو وليس الألم بخلاف من وجب عليه القصاص فإنه لا يجوز أن نبنجه، لأنه قصاص فيجب أن ينال من الألم مثل ما نال المجني عليه.

(1)

قوله «وَمَنْ قَتَلَ وَلَمْ يَأْخُذِ المَالَ، قُتِلَ وَلَمْ يُصْلَبْ»:

هذا هو الحكم الثاني للصنف الثاني من المحاربين، وهم من قتل ولم يأخذ المال، فإنه يقتل ولا يصلب.
و

هل لأولياء المقتول أن يعفوا عنهم؟

نقول ليس فيه خيار لأولياء المقتول، لأن القتل هنا ليس قصاصاً، بل هو حد، فإذا لم يكن قصاصاً، بل كان حداً فإنه يتحتم قتله، لأن الله قال: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا﴾ 188.187

الجزء: 8 - الصفحة: 155

وَمَنْ أَخَذَ المالَ وَلَمْ يَقْتُلْ، قُطِعَتْ يَدُهُ اليُمْنى وَرِجْلُهُ اليُسْراى فِيْ مَقَامٍ وَاحِدٍ، وَحُسِمَتَا (1)، وَلا يُقْطَعُ إِلاَّ مَنْ أَخَذَ مَا يُقْطَعُ السَّارِقُ بِهِ (2)، وَمَنْ أَخَافَ السَّبِيْلَ وَلَمْ يَقْتُلْ وَلا أَخَذَ مَالاً، نُفِيَ مِنَ الأَرْضِ (3)،  (1)

قوله «وَمَنْ أَخَذَ المالَ وَلَمْ يَقْتُلْ، قُطِعَتْ يَدُهُ اليُمْنى وَرِجْلُهُ اليُسْراى فِيْ مَقَامٍ وَاحِدٍ، وَحُسِمَتَا»:

هذا هو الصنف الثالث من أصناف المحاربين، وهو أن يأخذ مالاً، ولم يقتل، فعقوبته أن يُقَطَّعَ من خلاف، فتقطع يده اليمنى، ورجله اليسرى، لقوله تعالى: ﴿أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ﴾ (1). (2)

قوله «وَلا يُقْطَعُ إِلاَّ مَنْ أَخَذَ مَا يُقْطَعُ السَّارِقُ بِهِ»:

أي إنما يقام حد الحرابة عليهم إن أخذ كل واحد منهم من المال قدر ما يقطع به السارق، وهو على المذهب ربع دينار، أو ثلاثة دراهم، أو عرض قيمته كأحدهما، والقول الثاني: أن النصاب ربع دينار؛ لحديث عائشة رضي الله عنها: «لا قَطْعَ إِلا فِي رُبُعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا» (2)، وهذا هو الصحيح، فإذا أخذوا مالاً يبلغ نصاب قطع السرقة فإنهم تقطع أيديهم لأخذ المال، وأرجلهم لقطع الطريق؛ لأنهم يأخذون باليد ويمشون بالرِّجل.
(3)

قوله «وَمَنْ أَخَافَ السَّبِيْلَ وَلَمْ يَقْتُلْ وَلا أَخَذَ مَالاً، نُفِيَ مِنَ الأَرْضِ»:

هذا هو الصنف الرابع من أصناف المحاربين وهم من أخاف السبيل، ولم يقتل ولم يأخذ مالاً فإنه يُنفى من الأرض، فلا يترك يأوي إلى بلد، وهذا=189190

الجزء: 8 - الصفحة: 156

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =قول الحنابلة 191، لقوله تعالى: ﴿أَوْ يُنفَوْا مِنَ الأَرْضِ﴾.
وظاهر اللفظ أن النفي معناه: الطرد والإبعاد، والنفي من الأرض يقتضي النفي من جميعها، فلا يترك يأوي إلى بلد.
والقول الثانِي: أن النفي هو السَّجْنُ، وهو قول الحنفية 192، والشافعية 193، ورواية عن أحمد 194. والقول الثالث: أنه ينفى إلى بلد آخر ويُسجن فيه، وهذا قول لمالك 195، واختاره ابن جرير 196، والشنقيطي 197. فإن كانوا جماعة نُفُوا مفرقين، ولا يزال منفياً حتى تظهر توبته، على الصحيح من المذهب.
إلا إن كان شرهم لا يندفع بتشريدهم فيتوجه القول بالحبس على القول الثانِي في تفسير النفي 198، لأن المقصود دفع شرهم، وهذا هو الصواب.

الجزء: 8 - الصفحة: 157

وَمَنْ تَابَ قَبْلَ القُدْرَةِ عَلَيْهِ، سَقَطَتْ عَنْهُ حُدُوْدُ اللهِ، وَأُخِذَ بِحُقُوْقِ الآدَمِيِّيْنَ، إِلاَّ أَنْ يُعْفَى لَهُ عَنْهَا (1)،  (1)

قوله «وَمَنْ تَابَ قَبْلَ القُدْرَةِ عَلَيْهِ، سَقَطَتْ عَنْهُ حُدُوْدُ اللهِ، وَأُخِذَ بِحُقُوْقِ الآدَمِيِّيْنَ، إِلاَّ أَنْ يُعْفَى لَهُ عَنْهَا»:

أي فإن تاب المحارب قبل الظفر به والقدرة عليه سقط عنه ما وجب من الحد لحرابته، وهذا أمر مجمع عليه 199، لقوله تعالى: ﴿إِلا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ 200، فختم الآية باسمين كريمين يدلان على العفو والمغفرة، فيسقط عنه تحتم القتل والصلب والنفي.
أما ما يتعلق بحق الآدمي فلا يسقط، بل يبقى مسئولاً عنه، فإن كان أخذ مالاً فعليه رده، وإن كان قَتَلَ أو جَرَحَ فعليه القصاص أو الدية، وتتحقق توبته على الراجح بتركه ما كان عليه من الحرابة وإتيانه إلى الإمام طائعاً مختاراً ملقياً سلاحه قبل القدرة عليه، أما إذا تاب المحارب بعد القدرة عليه فإنه لا يسقط عنه شيء من الحدود، لقوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ 201، ووجه الاستدلال: أن الله تعالى أوجب الحد على المحاربين وذكر عقوبتهم، ثم استثنى التائبين قبل القدرة عليهم، فيبقى من عداهم على العموم، ولأن توبته قبل القدرة عليه لا تهمة فيها، أما بعد القدرة فالظاهر أنها تُقية من إقامة الحد عليه 202.

الجزء: 8 - الصفحة: 158

فَصْلٌ فِيْ دَفْعِ الصَّائِلِ

(1) وَمَنْ عُرِضَ لَهُ مَنْ يُرِيْدُ نَفْسَهُ، أَوْ مَالَهُ، أَوْ حَرِيْمَهُ، أَوْ حَمَلَ عَلَيْهِ سِلاحًا، أَوْ دَخَلَ مَنْزِلَهُ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، فَلَهُ دَفْعُهُ بِأَسْهَلِ مَا يَعْلَمُ أَنَّهُ يَنْدَفِعُ بِهِ (2)، فَإِنْ لَمْ يَنْدَفِعْ إِلاَّ بِقَتْلِهِ، فَلَهُ قَتْلُهُ، وَلا ضَمَانَ عَلَيْهِ (3)،  (1)

قوله «فَصْلٌ فِيْ دَفْعِ الصَّائِلِ»:

الصائل: اسم فاعل من صال يصول صولاً: إذا سطا ووثب، فالصائل على شيء: القاصد الوثوب عليه.
والمراد هنا: من سطا عادياً على غيره يريد نفسه أو عرضه أو ماله، سواءً كان الصائل آدمياً أو بهيمةً.

(2)

قوله «وَمَنْ عُرِضَ لَهُ مَنْ يُرِيْدُ نَفْسَهُ، أَوْ مَالَهُ، أَوْ حَرِيْمَهُ، أَوْ حَمَلَ عَلَيْهِ سِلاحًا، أَوْ دَخَلَ مَنْزِلَهُ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، فَلَهُ دَفْعُهُ بِأَسْهَلِ مَا يَعْلَمُ أَنَّهُ يَنْدَفِعُ بِهِ»:

أي من سطا على غيره يريد نفسه أو عِرْضه أو ماله، أو يريد نساءه، كأمه وبنته وأخته وزوجته، أو حمل عليه سلاحاً أو دخل بيته من غير إذنه يريد ماله سواءً كان الصائل آدمياً أو بهيمةً، فله دفعه بأسهل ما يغلب على ظنه دفعه به، فإذا اندفع بالتهديد فلا يضربه، وإن كان لا يندفع إلا بالضرب ضربه بيده، ثم بعصا، ومتى أمكن الأسهل حرم الأصعب، كضربه بحديدة، لعدم الحاجة إليه وقد سبق الإشارة إلى ذلك في كتاب الجنايات.
(3)

قوله «فَإِنْ لَمْ يَنْدَفِعْ إِلاَّ بِقَتْلِهِ، فَلَهُ قَتْلُهُ، وَلا ضَمَانَ عَلَيْهِ»:

أي فإن لم يندفع الصائل إلا بالقتل فقتله فلا ضمان، والدليل على هذا حديث أَبي هريرة -رضي الله عنه- قال «جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ إِنْ جَاءَ رَجُلٌ يُرِيدُ أَخْذَ مَالِي قَالَ «فَلا تُعْطِهِ مَالَكَ».
قَالَ أَرَأَيْتَ إِنْ =

الجزء: 8 - الصفحة: 159

وَإِنْ قُتِلَ الدَّافِعُ، فَهُوَ شَهِيْدٌ، وَعَلى قَاتِلِهِ ضَمَانُهُ (1)،  =قَاتَلَنِي قَالَ «قَاتِلْهُ».
قَالَ أَرَأَيْتَ إِنْ قَتَلَنِ قَالَ «فَأَنْتَ شَهِيدٌ».
قَالَ أَرَأَيْتَ إِنْ قَتَلْتُهُ قَالَ «هُوَ فِى النَّارِ» (1). وكون القاتل لا ضمان عليه لأن الصائل معتدٍ ظالم، والمعتدي الظالم لا ضمان فيه؛ ولأن العدوان حصل من الصائل فهو الذي قتل نفسه في الحقيقة فلا ضمان على القاتل، ولكن يجب أن يدافعه كما سبق بالأسهل فالأسهل، فإذا اندفع بالتهديد فلا يضربه، وإذا اندفع بالضرب الخفيف فلا يضربه ضرباً شديداً، وإذا اندفع بالضرب الشديد فلا يقتله، وإذا لم يندفع إلا بالقتل فله قتله.

  • فائدة: إذا ادعى أولياء المقتول أنه لم يَصُلْ على هذا الرجل، وأن هذا الرجل هو الذي اعتدى عليه وقتله ثم ادعى أنه صائل، فهنا يجب أن يُنظر للقرائن في القاتل والمقتول، فإذا كان القاتل ممن عُرِف بالصلاح والاستقامة وأنه لا يمكن أن يعتدي على أحد بالقتل، وَعُرِف الصائل بالشر والفساد والهجوم على الناس، فالقول قول القاتل لكن بيمينه ولا حاجة لبينة.

(1)

قوله «وَإِنْ قُتِلَ الدَّافِعُ، فَهُوَ شَهِيْدٌ، وَعَلى قَاتِلِهِ ضَمَانُهُ»:

أي إن قُتل من يدافع عن نفسه، أو عرضه، أو ماله، أو نسائه فهو شهيد لحديث أبي هريرة المتقدم، وعلى الصائل ضمانه لكونه ظالم بقتله.203

الجزء: 8 - الصفحة: 160

وَمَنْ صَالَتْ عَلَيْهِ بَهِيْمَةٌ، فَلَهُ دَفْعُهَا بِمِثْلِ ذلِكَ، وَلا ضَمَانَ فِيْهَا (1)، وَمَنِ اطَّلَعَ فِيْ دَارِ إِنْسَانٍ، أَوْ بَيْتِهِ مِنْ خَصَائِصِ البَابِ أَوْ نَحْوِهِ، فَحَذَفَهُ بِحَصَاةٍ، فَفَقَأَ عَيْنَهُ، فَلا ضَمَانَ عَلَيْهِ (2)،  (1)

قوله «وَمَنْ صَالَتْ عَلَيْهِ بَهِيْمَةٌ، فَلَهُ دَفْعُهَا بِمِثْلِ ذلِكَ، وَلا ضَمَانَ فِيْهَا»:

أي وإن صالت عليه بهيمة فله دفعها بأسهل ما تندفع به فإن لم يمكن إلا بالقتل فقتلها لم يضمنها لأنه إتلاف بدفع جائز فلم يضمنه كدفع الآدمي الصائل ولأنه حيوان قتله لدفع شره أشبه الآدمي، وقال أبو حنيفة (1) عليه ضمانها لأنه أتلف مال غيره لإحياء نفسه فكان عليه ضمانه كالمضطر إلى طعام غيره.
والصواب القول الأول، وهو قول الجمهور (2) لأنه قتله بالدفع الجائز، فلم يضمنه، كالعبد، ولأنه حيوان، جاز إتلافه فلم يضمنه، كالآدمي المكلف، ولأنه قتله لدفع شره، فأشبه العبد، وذلك لأنه إذا قتله لدفع شره، كان الصائل هو القاتل لنفسه، فأشبه ما لو نصب حربة في طريقه، فقذف نفسه عليها، فمات بها.

(2)

قوله «وَمَنِ اطَّلَعَ فِيْ دَارِ إِنْسَانٍ، أَوْ بَيْتِهِ مِنْ خَصَائِصِ البَابِ أَوْ نَحْوِهِ، فَحَذَفَهُ بِحَصَاةٍ، فَفَقَأَ عَيْنَهُ، فَلا ضَمَانَ عَلَيْهِ»:

وجملة ذلك أن من نظر في بيت رجل من خصاص باب أو نافذة أو من فوق سطح، إنسان من ثقب أو شق باب أو نحوه فرماه صاحب الدار بحصاة أو طعنه بعود فقلع=204205

الجزء: 8 - الصفحة: 161

وَإِنْ عَضَّ إِنْسَانٌ يَدَهُ فَانْتَزَعَ فَسَقَطَتْ ثَنَايَاهُ، فَلا ضَمَانَ فِيْهَا (1)،  =عينه لم يكن عليه جناح ولا يضمنها، وبه قال الشافعي (1). وقال أبو حنيفة (2) يضمنها لأنه لو دخل منزله ونظر فيه أو نال من امرأته ما دون الفرج لم يجز قلع عينه، فبمجرد النظر أولى.
والصواب القول الأول لحديث أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال «لَوْ أَنَّ امْرَءًا اطَّلَعَ عَلَيْكَ بِغَيْرِ إِذْنٍ فَخَذَفْتَهُ بِعَصَاةٍ فَفَقَأْتَ عَيْنَهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْكَ جُنَاحٌ» (3). وعن سهل بن سعد أن رجلاً اطلع من جحر في باب النبي -صلى الله عليه وسلم- يحك رأسه بمدرى في يده، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم- «لَوْ عَلِمْتُ أَنَّكَ تَنْظُرُ لَطَعَنْتُ بِهَا فِي عَيْنِكَ إِنَّمَا جُعِلَ الإِذْنُ مِنْ قِبَلِ الأَبْصَارِ» (4). قلت: وهذا هو عدل الإسلام، وحفاظه على سلامة المجتمع، وانتظام مصالحه؛ لتعمر البلاد، ويأمن العباد، على أرواحهم وأُسرهم، ومحارمهم.

(1)

قوله «وَإِنْ عَضَّ إِنْسَانٌ يَدَهُ فَانْتَزَعَ فَسَقَطَتْ ثَنَايَاهُ، فَلا ضَمَانَ فِيْهَا»:

وذلك لحديث عمران بن حصين أن رجلا عض يد رجل فنزع يده من فيه فوقعت ثناياه فاختصموا إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: «يَعَضُّ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ كَمَا يَعَضُّ الْفَحْلُ لا دِيَةَ لَكَ» 210، ولأنه عضو تلف ضرورة لدفع شر =206207208209

الجزء: 8 - الصفحة: 162

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =صاحبه فلم يضمن كما لو صال عليه فلم يمكنه دفعه ألا بقطع عضوه.
إلا أن يكون العض مباحاً له مثل أن يمسكه في موضع يتضرر بإمساكه أو يعصر يده بما لا يقدر على التخلص من ضرره إلا بعضه فيعضه فما سقط من أسنانه ضمنه لأنه معتد.
وكذلك لو عض أحدهما يد الآخر ولم يمكن المعضوض تخليص يده إلا بعضه فله عضه ويضمن الظالم منهما ما تلف من المظلوم وما تلف من الظالم كان هدراً.
وكذلك الحكم فيما إذا عضه في غير يده أو عمل به عملاً غير العض أفضى إلى تلف شيء من الفاعل لم يضمنه.

الجزء: 8 - الصفحة: 163

بابُ قِتالِ أَهْلِ البَغْيِ

(1)  (1)

قوله «بابُ قِتالِ أَهْلِ البَغْيِ»:

البغي أصله الاعتداء، ومجاوزة الحد والعلو والاستطالة، يقال: «بغى» إذا طغى وجاوز الحد في أذية الناس وأذية الغير، وبغى على فلان إذا استطال عليه.
سموا بغاة لعدولهم عن الحق وما عليه أئمة المسلمين، والأصل في قتالهم قوله تعالى: ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ (1)، ولحديث «مَنْ أَتَاكُمْ وَأَمْرُكُمْ جَمِيعٌ عَلَى رَجُلٍ وَاحِدٍ يُرِيدُ أَنْ يَشُقَ عَصَاكُمْ وَيُفَرِقَ جَمَاعَتِكُمْ فَاقْتُلُوه» (2). وعن ابن عباس مرفوعاً «مَنْ رَأَى مِنْ أَمِيرِهِ شَيْئًا يَكْرَهُهُ فَلْيَصْبِرْ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ مَنْ فَارَقَ الْجَمَاعَةَ شِبْرًا فَمَاتَ إِلاَّ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً» (3).

وقوله -رحمه الله- «أَهْلِ البَغْيِ»: البغاة كما سيذكر المؤلف هم الخارجون عن إمام المسلمين وجماعته، و

الخروج على الإمام وجماعة المسلمين له صورتان

:

الصورة الأولى: أن يكون الخروج بدون تأويل سائغ

، بمعنى أنه لا يكون هناك شبهة ولا تأويل، فهو خروج المحاربين، وقد بيَّنَّاه وانتهينا من أحكامه فيما مضى.211212213

الجزء: 8 - الصفحة: 164

وَهُمُ: الخَارِجُوْنَ عَلى الإِمَامِ (1)،  =و

الصورة الثانية: أن يكون الخروج بتأويل وشبهة

، وهذا هو مراد المؤلف هنا فلما انتهى من بيان حكم الحرابة شرع في بيان قتال أهل البغي، والمناسبة من هذا الوجه واضحة، حيث يجتمع البابان في حكم الخروج، فينفرد الباب الأول بأنه خروج من دون تأويل، والباب الثاني بأنه خروج بتأويل وشبهة.
(1)

قوله «وَهُمُ: الخَارِجُوْنَ عَلى الإِمَامِ»:

هذا وصف لأهل البغي، فالبغاة لهم ضوابط ذكرها العلماء: وهم القوم الخارجون على الإمام وجماعة المسلمين، ولهم شوكة ومنعة بتأويل وشبهة.
هذه أهم المعالم التي ينبغي توفرها للحكم على من خرج بكونهم بغاة وآخذين حكم أهل البغي.
فقد ذكر العلماء لهم أربعة شروط:

الشرط الأول: الخروج على الإمام وجماعة المسلمين

.

الشرط الثاني: أن يكونوا قوماً وجماعة

ذات عدد على تفصيل عند العلماء رحمهم الله في هذا الموضع.

الشرط الثالث: أن تكون لهم شوكة ومنعة لتحقق البغي

، وأصل الشوكة: شدة البأس وقوة السلاح، والمراد: أن لهم كثرة أو قوة ولو بحصن، بحيث يمكن معها مقاومة الإمام.

الشرط الرابع: أن يكون عندهم تأويل سائغ

، أو كما يقول بعض العلماء: عندهم شبهة.

الجزء: 8 - الصفحة: 165

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =وقولنا: «أن يكون عندهم تأويل سائغ» هذا شرط لتحقق البغي، وهو أن يكون لهم تأويل يعتقدون به جواز الخروج على الإمام، والمراد: به الشبهة التي يحتجون بها ويظنونها تسوغ لهم الخروج على الإمام، وهي ليست كذلك، ويمثل لذلك بعض أهل العلم بتأويل الخارجين من أهل الجمل وصِفِّين على عليٍّ -رضي الله عنه- بأنه يعرف قَتَلَةَ عثمان -رضي الله عنه- ويقدر عليهم ولا يقتص منهم 214. ومن أمثلة شبههم وتأويلاتهم أو تأويلهم السائغ: أن يقع من الإمام ظلم وعدوان، أو يُقصِّر في تنفيذ شرع الله، أو يوالي أعداء الإسلام، أو يترك أهل الفساد يعيثون في الأرض بفسادهم، ونحو ذلك مما أوردوه أهل العلم في شبههم التي جرَّت البلاد إلى فتنة كشفها الله تعالى 215. فإن لم يكن لهم تأويل، أو لهم تأويل غير سائغ فهم قطاع طريق وليسوا بغاة على قول الحنفية 216، والحنابلة 217. ويرى الشافعية 218 أن حكمهم حكم غيرهم من أهل العدل، ويحاسبون على ما يأتون من أفعال، فإن فعلوا جريمة الحرابة عوقبوا على الحرابة، وإن فعلوا جرائم أخرى عوقبوا عليها.

الجزء: 8 - الصفحة: 166

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  والشرط الثالث: أن يكونوا جماعة، ويؤخذ من قول المصنف «ولَهُمْ» أنهم لابد أن يكونوا جماعة.
فإذا قام مجموعة من الناس على هذا الصفات فهم بغاة على الإمام، ومتى اختل شرط من ذلك بأن لم يكن خروجهم بتأويل أو بتأويل غير سائغ، أو كانوا جمعاً يسيراً لا شوكة لهم فليسوا بغاة، كما تقدم.
وظاهر كلامه «عَلى الإِمَامِ» أي ولو كان الإمام غير عدل، كأن يكون ظالماً أو جائراً ما لم يحدث كفراً، وهذا قول الشافعية 219، وجمهور الحنابلة 220، واختار هذا شيخ الإسلام ابن تيمية، فقال: «مذهب أهل الحديث ترك الخروج بالقتال على الملوك البغاة، والصبر على ظلمهم إلى أن يستريح بَرٌّ، أو يُستراح من فاجر» 221، وقال أيضاً: « .. لا يجوز إنكار المنكر بما هو أنكر منه، ولهذا حرم الخروج على ولاة الأمر بالسيف لأجل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لأن ما يحصل بذلك من فعل المنكرات، وترك واجبٍ أعظم مما يحصل بفعلهم المنكر والذنوب» 222، وهذا هو الصواب لوجود أدلة تؤيده، كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ 223، فإن الآية الكريمة دلت على وجوب طاعة ولي الأمر، ولم تشترط عدالته، وهذا دليل على عدم جواز الخروج عليه وإن كان جائراً، ما لم يرتكب كفراً =

الجزء: 8 - الصفحة: 167

يُرِيْدُوْنَ إِزَالَتَهُ عَنْ مَنْصِبِهِ (1)، فَعَلَى المُسْلِمِيْنَ مَعُوْنَةُ إِمَامِهِمْ فِيْ دَفْعِهِمْ بِأَسْهَلِ مَايَنْدَفِعُوْنَ بِهِ (2)،  = صريحاً لا شبهة فيه، أو يعطل شعائر الدين من إقامة الصلاة، والحكم بشريعة الله، وعلى الرعية مناصحته بالحكمة والموعظة الحسنة، والدعاء له بالهداية والتوفيق.

(1)

قوله «يُرِيْدُوْنَ إِزَالَتَهُ عَنْ مَنْصِبِهِ»:

هذا هو غاية خروجهم على الإمام فمن خرج على الإمام يريد إزالته، عن منصبه، فهو باغي، مثل الخوارج الذين خرجوا عن طاعة علي -رضي الله عنه-.
(2)

قوله «فَعَلَى المُسْلِمِيْنَ مَعُوْنَةُ إِمَامِهِمْ فِيْ دَفْعِهِمْ بِأَسْهَلِ مَا يَنْدَفِعُوْنَ بِهِ»:

أي ويجب على رعية الإمام مساعدته وتأييده على قتال البغاة، وذلك لأن الصحابة رضي الله عنهم أجمعوا على قتال مانعي الزكاة، وَقَاتَلَ عليٌّ -رضي الله عنه- أهل البصرة يوم الجمل، وأهل الشام يوم صفين، وأهل النهروان 224. ومما يدل على أن الرعية تكون عوناً لإمامهم في مقاتلة أهل البغي قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ 225، ولحديث عبادة - رضي الله عنه - قال: «بَايَعْنَا رَسُولَ الله -صلى الله عليه وسلم- عَلَى السَّمعِ وَالطَّاعَةِ» 226، والإمام قائم مقامه فوجب أن يعطى حكمه.
ويرى شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- وجوب التفريق بين أهل التأويل =

الجزء: 8 - الصفحة: 168

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  = السائغ والمارقين من الدين من الخوارج والمرتدين ونحوهم، وأن الشريعة إنما جاءت بطلب قتال الفئة الأخيرة، كما فعل الصديق -رضي الله عنه- مع المرتدين ومانعي الزكاة، وعليٌّ -رضي الله عنه- مع الخوارج.
أما الفئة الأولى فليس في النصوص أمر بقتالها، ومن قال بوجوب قتالها فهو مجرد تقليد، بل تعصب، والموقف حينئذ من أولئك الخارجين يتركز في الإصلاح، كما دل عليه القرآن، فإن بدأت بالقتال قوتلت وإلا فلا.» (1).

فائدة: هل قتال الخوارج كقتال البغاة أم لا؟

قولان لأهل العلم: فالمشهور في مذهب أحمد 228، كما سيذكره المؤلف أن قتال الخوارج كقتال البغاة فلا يجهز على جريحهم، ولا يطلب دم فارِّهم، ولا يسلب قتيلهم.
القول الثاني: في المذهب أنه ليس لهم هذا الحكم، بل يجهز على جريحهم، ويسلب قتيلهم، ويتبع فارهم، ويطلب دمة.
وبعض أهل العلم يرجع هذه المسألة إلى الحكم بتكفيرهم، هل يكفرون أم لا؟ لكن الذي عليه نصوص أحمد 229، وهو المشهور عنه أنهم لا يكفرون، وهو قول علي، وهو أعظم من قاتل الخوارج؛ فإنه لما سئل أكفارٌ هُم قال: «من الكفر فروا»، وهناك رواية عن الإمام أحمد في التكفير.227

الجزء: 8 - الصفحة: 169

فَإِنْ آلَ إِلى قَتْلِهِمْ، أَوْ تَلَفِ مَالِهِمْ، فَلا شَيْءَ عَلى الدَّافِعِ (1)، وَإِنْ قُتِلَ الدَّافِعُ كَانَ شَهِيْدًا (2)، وَلا يُتْبَعُ لَهُمْ مُدْبِرٌ (3)، وَلا يُجَازُ عَلى جَرِيْحٍ (4)،  =لكن الذي يظهر أن هذه المسألة لا تنبني على مسألة تكفيرهم وإنما ينبني على أن الخوارج يستبيحون دماء المسلمين وأموالهم وتكفيرهم بالمعاصي، وأما البغاة فليسوا كذلك، ولذا فقد فرَّق بينهم بعض أهل العلم كما تقدم.

(1)

قوله «فَإِنْ آلَ إِلى قَتْلِهِمْ، أَوْ تَلَفِ مَالِهِمْ، فَلا شَيْءَ عَلى الدَّافِعِ»:

أي فمن عاون الإمام على قتالهم فلا إثم ولا ضمان عليه فيمن قتل منهم لأنه فعل ما أمر به وقتل من أحل الله قتله, وكذلك ما أتلفه من أموالهم حال الحرب لا يضمنه لأنهم إذا لم يضمنوا الأنفس فالأموال أولى.
(2)

قوله «وَإِنْ قُتِلَ الدَّافِعُ كَانَ شَهِيْدًا»:

لأنه قتل في قتال أمره الله تعالى به بقوله سبحانه: ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي﴾ (1). (3)

قوله «وَلا يُتْبَعُ لَهُمْ مُدْبِرٌ»:

أي لا يقاتل مدبرهم، والمدبر: من ولى دبره وهرب، لأن شرط حِلِّ قتالهم كونهم مقاتلين، والجريح تمنعه جراحته عن القتال، والمدبر تارك للقتال فلا يقاتل.
(4)

قوله «وَلا يُجَازُ عَلى جَرِيْحٍ»:

أي لا يقتل، يقال: أجاز عليه، أي قتله، لأن المقصود دفعهم وكفهم، وقد حصل فلم يجز قتلهم كالصائل، ولا يقتلون لما يخاف في ثاني الحال كما لو لم تكن لهم فئة، فعلى هذا إذا قتل إنساناً منع من قتله ضمنه لأنه قتل معصوماً لم يؤمر بقتله ويجب عليه=230

الجزء: 8 - الصفحة: 170

وَلا يُغْنَمُ لَهُمْ مَالٌ (1)، وَلا تُسْبَى لَهُمْ ذُرِّيَّةٌ (2)، وَمَنْ قُتِلَ مِنْهُمْ غُسِّلَ وَكُفِّنَ وَصُلِّيَ عَلَيْهِ (3)،  =القصاص في أحد الوجهين لأنه قتل مكافئا معصوماً.
والثاني: لا يجب لأن في قتلهم اختلافاً بين الأئمة فكان ذلك شبهة دارئة للقصاص لأنه مما يندرئ بالشبهات.

(1)

قوله «وَلا يُغْنَمُ لَهُمْ مَالٌ»:

أي ولا يجوز أخذ مال البغاة، لأنهم لم يكفروا ببغيهم وقتالهم، وعصمةُ أموالهم تابعة لعصمة دينهم، قال تعالى: ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ (1). قال الشافعي: «الآية تدل على أنه إنما أبيح قتالهم في حال، وليس في ذلك إباحة أموالهم ولا شيء منها» (2). (2)

قوله «وَلا تُسْبَى لَهُمْ ذُرِّيَّةٌ»:

السبي: هو الأخذ، يقال: سَبَى يَسبِي سَبيَاً وسباء، إذا أَخَذَ، والمراد بالذُّريَّة: النساء والصبيان، فهؤلاء لا يجوز سبيهم، وذلك لأنه لم يحصل منهم سبب يقتضي سبيهم، بخلاف آبائهم فإنه قد وجد منهم البغي والقتال، ولأن قتال البغاة إنما هو لدفعهم وردهم إلى الحق لا لكفرهم فلا يستباح منهم إلا ما حصل ضرورة الدفع كالصائل وقاطع الطريق ويبقى حكم المال والذرية على أصل العصمة.
(3)

قوله «وَمَنْ قُتِلَ مِنْهُمْ غُسِّلَ وَكُفِّنَ وَصُلِّيَ عَلَيْهِ»:

لأنهم مسلمون لم يثبت لهم حكم الشهادة، فيصلى عليهم، ويغسلون كما لو لم يكن لهم فئة، فإن المخالف يسلم في هذه الصورة.231232

الجزء: 8 - الصفحة: 171

وَلا ضَمَانَ عَلى أَحَدِ الفَرِيْقَيْنِ فِيْمَا أَتْلَفَ حَالَ الحَرْبِ، مِنْ نَفْسٍ أَوْ مَالٍ (1)،  =وهذه المسألة على روايتين في المذهب (1): الأولى: لا يغسل ولا يصلى عليه لأنه شهيد معركة أمر بالقتال فيها فأشبه شهيد معركة الكفار.
الثانية: ما ذكرها المؤلف أي أنه يغسل ويصلى عليه لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- أمر بالصلاة على من قال لا إله إلا الله، واستثنى قتيل الكفار في المعركة ففيما عداه يبقى على الأصل، ولأن شهيد معركة الكفار أجره أعظم وفضله أكثر، وقد جاء أنه يشفع في سبعين من أهل بيته، وهذا لا يلحق به في فضله، فلا يثبت فيه مثل حكمه لأن الشيء إنما يقاس على مثله، وهذا هو الراجح عندي.

(1)

قوله «وَلا ضَمَانَ عَلى أَحَدِ الفَرِيْقَيْنِ فِيْمَا أَتْلَفَ حَالَ الحَرْبِ، مِنْ نَفْسٍ أَوْ مَالٍ»:

سبق أن ذكرنا أن الدافع وهم من قاتلوا مع الإمام لا يضمنون ما أتلفوه، أما أهل البغي فهل حكمهم كحكم أهل الدفع أي أنهم لا يضمنون ما أتلفوه حال الحرب، فالذي ذكره المؤلف أنه ليس على أهل البغي أيضاً ضمان ما أتلفوه حال الحرب من نفس ولا مال، وعن أحمد رواية ثانية أنهم يضمنون لقول أبي بكر -رضي الله عنه- لأهل الردة: «تدون قتلانا ولا ندي قتلاكم»، ولأنها نفوس وأموال معصومة أتلفت بغير حق ولا ضرورة دفع مباح فوجب ضمانه كالذي تلف في غير حال الحرب.
قلت: والصواب عندي هو ما ذهب إليه المؤلف، أي أنهم لا يضمنون وهو اختيار الموفق -رحمه الله- 234.233

الجزء: 8 - الصفحة: 172

وَمَا أَخَذَ البُغَاةُ حَال امْتِنَاعِهِمْ مِنْ زَكَاةٍ، أَوْ جِزْيَةٍ، أَوْ خَرَاجٍ لَمْ يُعَدْ عَلَيْهِمْ (1)، وَلا عَلى الدَّافِعِ إِلَيْهِمْ (2)، وَلا يُنْقَضُ مِنْ حُكْمِ حَاكِمِهِمْ، إِلاَّ مَا يُنْقَضُ مِنْ حُكْمِ غَيْرِهِ (3)،  (1)

قوله «وَمَا أَخَذَ البُغَاةُ حَال امْتِنَاعِهِمْ مِنْ زَكَاةٍ، أَوْ جِزْيَةٍ، أَوْ خَرَاجٍ لَمْ يُعَدْ عَلَيْهِمْ»:

أي إذا غلب أهل البغي على بلد فجبوا الخراج والزكاة والجزية وأقاموا الحدود وقع ذلك موقعه، فإذا ظهر أهل العدل بعد على البلد وظفروا بأهل البغي لم يطالبوا بشيء مما جبوه ولم يرجع به على من أخذ منه.
وقال بعض أهل العلم: على من أخذوا منه الزكاة الإعادة لأن أخذها ممن لا ولاية له صحيحة فأشبه ما لو أخذها آحاد الرعية.
والصواب: القول الأول لأن هذا هو ما فعله علي -رضي الله عنه- لما ظهر على أهل البصرة لم يطالبهم بشيء مما جبوه، ولأن في ترك الاحتساب بها ضرراً عظيماً ومشقة كبيرة، فإنهم قد يغلبون على البلاد السنين الكثيرة فلو لم يحتسب بما أخذوه لحصل الضرر.

(2)

قوله «وَلا عَلى الدَّافِعِ إِلَيْهِمْ»:

أي وكذلك يكون الحكم في الدافع إليهم.
(3)

قوله «وَلا يُنْقَضُ مِنْ حُكْمِ حَاكِمِهِمْ، إِلاَّ مَا يُنْقَضُ مِنْ حُكْمِ غَيْرِهِ»:

أي: إذا نصب أهل البغي قاضياً يصلح للقضاء، فهو كقاضي أهل العدل ينفذ من أحكامه ما ينفذ من أحكام قاضي أهل العدل، ويرد منه ما يرد، فإن كان ممن يستحل دماء أهل العدل وأموالهم لم يجز قضاؤه، لأنه ليس بعدل.

الجزء: 8 - الصفحة: 173

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =وقال أبو حنيفة 235 لا يجوز قضاؤه بحال لأن أهل البغي يفسقون ببغيهم، والفسق ينافي القضاء.
والصواب: ما ذهب إليه المؤلف؛ لأن هذا اختلاف في الفروع بتأويل سائغ فلم يمنع صحة القضاء ولم يفسق به كاختلاف الفقهاء.
إذا ثبت هذا فإنه إذا حكم بما لا يخالف نصاً ولا إجماعاً نفذ حكمه، وإن خالف ذلك نقض حكمه كقاضي أهل العدل، فإن حكم بسقوط الضمان على أهل البغي فيما أتلفوه حال الحرب جاز حكمه لأنه موضع اجتهاد، وإن كان حكمه فيما أتلفوه قبل قيام الحرب لم ينفذ لأنه مخالف للإجماع، وإن حكم على أهل العدل بوجوب الضمان فيما أتلفوه حال الحرب لم ينفذ حكمه لمخالفته للإجماع، وإن حكم بوجوب ضمان ما أتلفوه في غير حال الحرب نفذ حكمه، وإن كتب قاضيهم إلى قاضي أهل العدل جاز قبول كتابه لأنه قاض ثابت القضايا نافذ الأحكام، وقيل لا يقبله كسراً لقلوبهم.

الجزء: 8 - الصفحة: 174

بابُ حُكْمِ المُرْتَدِّ

(1) وَمَنِ ارْتَدَّ عَنِ الإِسْلامِ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، وَجَبَ قَتْلُهُ، لِقَوْلِ رَسُوْلِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: «مَنْ بَدَّلَ دِيْنَهُ فَاقْتُلُوْهُ» (2)،  (1)

قوله «بابُ حُكْمِ المُرْتَدِّ»:

المرتد لغة: هو الراجع.
أما في الاصطلاح: فهو الذي يكفر بعد إسلامه.
والردة: هي الرجوع من الإسلام إلى الكفر طوعاً؛ بقول كفرٍ، أو فعلٍ، أو اعتقادٍ، أو شَكٍّ فيما عُلم من الدين بالضرورة ولو هازلاً.

(2)

قوله «وَمَنِ ارْتَدَّ عَنِ الإِسْلامِ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، وَجَبَ قَتْلُهُ، لِقَوْلِ رَسُوْلِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: «مَنْ بَدَّلَ دِيْنَهُ فَاقْتُلُوْهُ»

236 أي: فمن كفر بالله تعالى فهو مرتد، سواء كان رجلاً أو امرأة، سواء كانت هذه الردة باعتقاد الكفر، كأن ينكر وجود الله تعالى، أو ينكر وحدانيته، أو بقول: كأن يقول إن الله ثالث ثلاثة، أو بفعل كأن يسجد للصنم، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «الكفر عدم الإيمان بالله ورسله، سواء كان معه تكذيب أو لم يكن معه تكذيب، بل شك وريب، أو إعراض عن هذا كله، حسداً، أو كبراً، أو إتباعاً لبعض الأهواء الصارفة عن إتباع الرسالة، وإن كان المكذب أعظم كفراً» 237. والردة: تكون بالاعتقاد، وبالقول، وبالفعل، وبالترك.
هذه أربعة أنواع للردة، بالاعتقاد كأن يعتقد ما يقتضي الكفر وظاهره الإسلام، مثل حال المنافقين، وتكون بالقول كالاستهزاء بالله عزّ وجل=

الجزء: 8 - الصفحة: 175

لا يُقْتَلُ حَتَّى يُسْتَتَابَ ثَلاثًا، فَإِنْ تَابَ، وَإِلاَّ قُتِلَ بِالسَّيْفِ (1)،  =والقدح فيه أو في دينه، أو أن يدعو غير الله، أو يستغيث به، أو يقول: «لبيك لا شريك لك إلا شريكاً هو لك، تملكه وما ملك»، وما أشبه ذلك، وتكون بالفعل كالسجود للصنم، وتكون بالترك كترك الصلاة مثلاً، وكترك الحكم بما أنزل الله رغبة عنه، أما كراهة ما أنزل الله فهي بالاعتقاد، لأنها داخلة في عمل القلب.

(1)

قوله «لا يُقْتَلُ حَتَّى يُسْتَتَابَ ثَلاثًا، فَإِنْ تَابَ، وَإِلاَّ قُتِلَ بِالسَّيْفِ»:

هذا هو حكم المرتد، وهو أنه يستتاب ثلاثة أيام، لحديث جابر -رضي الله عنه-: «أنَّ امرَأةً يُقَالُ لها: أم مَروَان ارتَدَّت عن الإسلامِ، فأَمَرَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- أن يُعرَضَ عَلَيها الإسلام، فإن رَجَعَت، وإلا قُتِلَت» 238. ولأن الردة إنما تكون عن شبهة، وهي لا تزول في الحال، ولأنه أمكن إصلاحه فلم يجز إتلافه قبل استصلاحه، وهذا هو المذهب، وهو وجوب الاستتابة، وهو قول مالك 239، والمشهور عند الشافعية 240. وعن أحمد 241: لا تجب الاستتابة، بل تستحب، ويجوز قتله في الحال، وهو قول أبي حنيفة 242، وقول عند الشافعية 243، لقوله -صلى الله عليه وسلم- «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ=

الجزء: 8 - الصفحة: 176

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =فَاقْتُلُوهُ» 244، ولم يذكر فيه استتابة، ولحديث أبي موسى -رضي الله عنه- قال: «قَدِمَ عَلَيَّ مُعَاذٌ وَأَنَا بِاليَمَنِ وَرَجُلٌ كَانَ يَهُودِيَّاً فَأَسْلَمَ، فَارْتَدَّ عَنْ الإِسْلامِ، فَلَمَّا قَدِمَ مُعَاذٌ قَالَ: لا أَنْزِلُ عَنْ دَابَّتِي حَتَّى يُقْتَلَ فَقُتِلَ» 245، وعنه تجب الاستتابة دون التأجيل 246. والأظهر عندي: هو ما ذهب إليه شيخنا 247 -رحمه الله-: وهو الذي تدل عليه النصوص أنه يقتل لقوله «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ» 248، ولقوله «لا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ يَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللهِ إِلاَّ بِإِحْدَى ثَلاثٍ النَّفْسُ بِالنَّفْسِ وَالثَّيِّبُ الزَّانِي وَالْمَارِقُ مِنَ الدِّينِ التَّارِكُ الْجَمَاعَةَ»، ولأنه كفر وارتد.
فإن رأى الإمام المصلحة في تأجيله واستتابته فعل ذلك؛ لأنه قد يرى المصلحة في هذا، فقد يكون هذا الرجل سيداً في قومه، وقتلُهُ يثير فتنة عظيمة، وقد يكون هذا الرجل يحتاج إليه المسلمون لكونه ماهراً في صناعة شيء ما، أو قائداً محنكاً في الطائرات الحربية، أو ما أشبه ذلك، فيرى الإمام أن يستتاب.

الجزء: 8 - الصفحة: 177

وَمَنْ جَحَدَ اللهِ تَعَالى (1)، أَوْ جَعَلَ لَهُ شَرِيْكًا، أَوْ نِدًّا وَوَلَدًا (2)، وَكَذَّبَ اللهَ تَعَالى أَوْ سَبَّهُ (3)، أَوْ كَذَّبَ رَسُوْلَهُ أَوْ سَبَّهُ (4)،  =فالصحيح من هذه الروايات الثلاث أنه يقتل فوراً، إلا إذا رأى الإمام المصلحة في تأجيله ثلاثة أيام فإنه يستتاب.

(1)

قوله «وَمَنْ جَحَدَ اللهِ تَعَالى»:

هذه جملة من الأفعال والأقوال التي يصير بها المسلم مرتداً، فمن ذلك ما ذكره المؤلف وهو أن يجحد الله كأن ينكر وجود الله تعالى، أو ينكر وحدانيته، أو يجحد صفة من صفات الله تعالى، كالحياة والعلم، ونحو ذلك، ومثله لا يجهلها، فهذا كافر بالإجماع، لأنه مكذب لله ورسوله.
(2)

قوله «أَوْ جَعَلَ لَهُ شَرِيْكًا، أَوْ نِدًّا وَوَلَدًا»:

أي ومن الردة أن يجعل للَّه تعالى شريكاً، والمراد: الشرك الأكبر في الخلق أو التدبير أو الملك، أو يعبد مع الله غيره، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء﴾ (1) أو أن يجعل لله نداً يدعوه كما يدعو الله، أو يخافه أو يرجوه، أو يحبه كحب الله، أو يصرف له شيئاً من أنواع العبادة.
(3)

قوله «وَكَذَّبَ اللهَ تَعَالى أَوْ سَبَّهُ»:

أي أو كذب الله تعالى فيما أخبر به، وكذا سَبُّ الله تعالى، وهو وصفه بالعيب، أو الاعتراض على أحكامه الكونية أو الشرعية بالعيب، فإنه يكفر بهذا السَّبِّ، لأنه لا يسبُّه إلا وهو جاحد له.
(4)

قوله «أَوْ كَذَّبَ رَسُوْلَهُ أَوْ سَبَّهُ»:

أي كذب رسوله -صلى الله عليه وسلم- فيما يخبر به عن ربه أو سبُّ رسولٍ من رسله، فيكفر بذلك، لأن هذا ليس تنقصاً للرسول=249

الجزء: 8 - الصفحة: 178

أَوْ جَحَدَ نَبِيًّا، أَوْ كِتَابَ اللهِ تَعَالى (1)،  =بشخصه، وإنما تنقص لرسالته، وتنقص لمن أرسله، سواء كان السَّابُّ يعتقد ما يقول، أو تلفظ به استهزاءً وسخرية، قال تعالى: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِؤُونَ﴾ (1). يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: «اتفق الأئمة على أن مَنْ سَبَّ نبياً قُتل، ومن سب غير النبي لا يقتل بكل سَبٍّ سبَّهُ، بل يفصل في ذلك، فإن من قذف أم النبي -صلى الله عليه وسلم- قُتل، مسلماً كان أو كافراً، لأنه قدح في نسبه، ولو قذف غير أمِّ النبي -صلى الله عليه وسلم- ممن لم يعلم براءتها لم يقتل» (2). وقد حكى ابن القيم إجماع الصحابة - رضي الله عنهم - ومَنْ بعدهم على أن من سب النبي -صلى الله عليه وسلم- فهو كافر مرتد، وعقوبته القتل (3)، وكذا حكاه الخطابي (4)، وشيخ الإسلام ابن تيمية (5).

(1)

قوله «أَوْ جَحَدَ نَبِيًّا، أَوْ كِتَابَ اللهِ تَعَالى»:

أي فإنه يكفر بذلك لأنه مكذب لله جاحد لنبوة نبي من أنبيائه، فيكفر لثبوت ذلك في القرآن، ولأن جَحْدَ شيءٍ من ذلك كجحده كله، لاشتراكهما في كون الكل من عند الله سبحانه وتعالى.250251252253254

الجزء: 8 - الصفحة: 179

أَوْ شَيْئًا مِنْهُ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ (1)، أَوْ جَحَدَ أَحَدَ أَرْكَانِ الإِسْلامِ (2)، أَوْ أَحَلَّ مُحَرَّمًا ظَهَرَ الإِجْمَاعُ عَلى تَحْرِيْمِهِ، فَقَدِ ارْتَدَّ (3)، إِلاَّ أَنْ يَكُوْنَ مِمَّنْ تَخْفَى عَلَيْهِ الوَاجِبَاتُ وَالْمُحَرَّمَاتُ، فَيُعَرَّفُ ذلِكَ، فَإِنْ لَمْ يَقْبَلْ، كَفَرَ (4)،  (1)

قوله «أَوْ شَيْئًا مِنْهُ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ»:

أي أو جحد شيئاً مما اتفقت عليه شريعته كأن يجحد وجوب عبادة من العبادات كالطهارة، والصلاة، والزكاة، والصيام، والحج، فإذا أنكر وجوب عبادة من هذه العبادات وهو ممن لا يجهل ذلك كفر، لأنه مكذب لله تعالى ولرسوله -صلى الله عليه وسلم- وسائر الأمة، لأن هذه العبادات مجمع عليها إجماعاً قطعياً، ومنكر الإجماع القطعي يكفر.
(2)

قوله «أَوْ جَحَدَ أَحَدَ أَرْكَانِ الإِسْلامِ»:

هذا داخل فيما قبله، لأن الأركان الخمسة مما اتفقت الأمة على ركنيتها، فمن جحدها أو جحد واحدة منها فقد كفر.
(3)

قوله «أَوْ أَحَلَّ مُحَرَّمًا ظَهَرَ الإِجْمَاعُ عَلى تَحْرِيْمِهِ، فَقَدِ ارْتَدَّ»:

كأن يحل الربا، أو الزنا أو الخمر وغير ذلك مما انعقد الإجماع على تحريمه فإنه يكفر بذلك لأنه كذَّب الله ورسوله، ولأن أدلة ذلك قد ظهرت في الكتاب والسنة فلا تخفى على المسلمين ولا يجحدها إلا مكذِّبٌ لله ورسوله -صلى الله عليه وسلم- (4)

قوله «إِلاَّ أَنْ يَكُوْنَ مِمَّنْ تَخْفَى عَلَيْهِ الوَاجِبَاتُ وَالْمُحَرَّمَاتُ، فَيُعَرَّفُ ذلِكَ، فَإِنْ لَمْ يَقْبَلْ، كَفَرَ»:

هذا شرط عائد لما تقدم، والمعنى: أنه لا يحكم بالردة فيما ذكرناه إلا إذا صدر الجحود من إنسان لا يجهل الحكم، وهو الناشئ في بلاد الإسلام، أو يجهله وعُرِّف، فأصر على جحوده وإنكاره، فإنه يكفر لامتناعه عن قبول تعاليم الإسلام التي أجمعت الأمة=

الجزء: 8 - الصفحة: 180

وَيَصِحُّ إِسْلامُ الصَّبِيِّ العَاقِلِ، وَإِنِ ارْتَدَّ لَمْ يُقْتَلْ حَتَّى يُسْتَتَابَ ثَلاثًا بَعْدَ بُلُوْغِهِ (1)،  =عليها، أما إذا كان في بلاد إسلامية ويظهر فيها العلم وأدعى أنه لا يعلم أن الزنا حرام أو أن الصلاة فرض فإن ذلك لا يقبل منه.

وعليه ف

الجهل عذر في ثلاث مسائل

:

المسألة الأولى: أن يكون مدعي الجهل ناشئاً في بادية.

المسألة الثانية: أن يكون حديث عهد بإسلام

.

المسألة الثالثة: أن تكون من المسائل الخفية

. (1)

قوله «وَيَصِحُّ إِسْلامُ الصَّبِيِّ العَاقِلِ، وَإِنِ ارْتَدَّ، لَمْ يُقْتَلْ حَتَّى يُسْتَتَابَ ثَلاثًا بَعْدَ بُلُوْغِهِ»:

اختلفت الروايات 255 عن الإمام أحمد في هذه المسألة ففي رواية: إن عقل الصبي الإسلام صح إسلامه وردته، وفي رواية أخرى عنه: يصح إسلامه دون ردته، وعنه لا يصح منهما شيء حتى يبلغ، والمذهب صحة إسلام الصبي إذا عقل الإسلام وفهم معناه، وأنه إذا رجع وقال: «لم أدر ما قلت» لم يلتفت إلى قوله وأجبر على الإسلام.
وروي عن أحمد أنه يقبل منه ولا يجبر على الإسلام.
وهل يحد ذلك بسن؟ فيه ثلاث روايات: الأولى: عشر؛ وهو الذي اعتمده الخرقي، واختاره القاضي 256. الثانية: سبع.

الجزء: 8 - الصفحة: 181

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =الثالثة: لا حد لذلك.
حكاه ابن المنذر عن أحمد 257. ومال إليه ابن قدامة 258. والأظهر عندي: أنه لا حد للسن في قبول إسلامه لعموم «مَنْ قَالَ لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ دَخَلَ الجَنَّةَ» 259، وقوله -صلى الله عليه وسلم-: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لا إِلَهَ إِلا اللهُ فَإِذَا قَالُوا لا إِلَهَ إِلا اللهُ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلا بِحَقِّهَا وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللهِ» 260، وقوله: «كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ كَمَثَلِ الْبَهِيمَةِ تُنْتَجُ الْبَهِيمَةَ هَلْ تَرَى فِيهَا جَدْعَاءَ» 261 , وهذا يدخل في عموم الصبي، ولأن الإسلام عبادة محضة فصحت من الصبي كالصلاة والحج, ولأن هذا هو الثابت عن الصحابة حين أسلموا، فقد ثبت أن علياً والزبير أسلما وهما ابنا ثماني سنين، وبايع النبي -صلى الله عليه وسلم- ابن الزبير لسبع أو ثماني سنين.

الجزء: 8 - الصفحة: 182

وَمَنْ ثَبَتَتْ رِدَّتُهُ فَأَسْلَمَ، قُبِلَ مِنْهُ (1)، وَيَكْفِيْ فِيْ إِسْلامِهِ أَنْ يَشْهَدَ لا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُوْلُ اللهِ (2)،  =أما الردة فلا تصح منه، لأنه لا إرادة له، والإرادة مناط التكليف، فإن كان مميزاً ثبتت ردته، لكن لا يستتاب إلا بعد بلوغه، وعلى هذا فلا يقتل قبل البلوغ، لأن القتل عقوبة، ومن دون البلوغ ليس من أهل العقوبة، وهذا موضع اتفاق بين أهل العلم.

(1)

قوله «وَمَنْ ثَبَتَتْ رِدَّتُهُ فَأَسْلَمَ، قُبِلَ مِنْهُ»:

أي من ارتد عن الإسلام بأي شيءٍ مما ذكر أو غيره مما تكون به الردة ثم أسلم فإنه يقبل منه إسلامه كالكافر الأصلي.
(2) قوله «وَيَكْفِيْ فِيْ إِسْلامِهِ أَنْ يَشْهَدَ لا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُوْلُ اللهِ»: أي ويكفي في توبة المرتد بأن يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله.
دليل هذا ما ثبت في الصحيحين أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلاَّ بِحَقِّ الإِسْلامِ وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللهِ» 262. وقيل: بل يكفي قبول شهادته بالوحدانية أي بأن يقول: أشهد أن لا إله إلا الله، أو يقول: لا إله إلا الله، فإنه يقبل منه، ودليل ذلك حديث أسامة بن زيد في الصحيحين فإن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنكر عليه قتل من قال: =

الجزء: 8 - الصفحة: 183

إِلاَّ أَنْ يَكُوْنَ كُفْرُهُ بِجَحْدِ نَبِيٍّ، أَوْ كِتَابٍ، أَوْ فَرِيْضَةٍ، أَوْ يَعْتَقِدُ أَنَّ مُحَمَّدًا بُعِثَ إِلى العَرَبِ خَاصَّةً، فَلا يُقْبَلُ مِنْهُ حَتَّى يُقِرَّ بِمَا جَحَدَهُ 263،  =لا إله الله» (1)، وليس فيه أنه قال: وأن محمداً رسول الله.
وهذا ظاهر جداً حيث استلزم ذلك الإيمان بالرسالة، فإن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يدعوهم إلى لا إله إلا الله، فإذا أقروا بذلك فهذا دليل على إقرارهم بالرسالة.
بخلاف اليهود، مثلاً فإنهم إنما كانوا إذا قالوا: لا إله إلا الله فإن هذا لا يستلزم إيمانهم بالرسالة، فإنهم إنما كانوا يجحدون نبوة النبي -صلى الله عليه وسلم- ولم يكونوا يجحدون ألوهية الله عز وجل ووحدانيته.

(1)

قوله «إِلاَّ أَنْ يَكُوْنَ كُفْرُهُ بِجَحْدِ نَبِيٍّ، أَوْ كِتَابٍ، أَوْ فَرِيْضَةٍ، أَوْ يَعْتَقِدُ أَنَّ مُحَمَّدًا بُعِثَ إِلى العَرَبِ خَاصَّةً، فَلا يُقْبَلُ مِنْهُ حَتَّى يُقِرَّ بِمَا جَحَدَهُ»:

أي ومن كان كفر بجحد شيءٍ من هذه المذكورات كأن يكون قد كفر بجحد النبوات، أو بكتاب من الكتب المنزلة، أو بححد فريضة من فرائض الإسلام كأن ينكر وجوب الصلاة، أو أحل محرماً من المحرمات الظاهرة المجمع عليها كأن يحل الزنا أو حرم حلالاً مجمعاً على حله كأن يحرم الماء، أو يعتقد أن رسالة محمد -صلى الله عليه وسلم- خاصة بالعرب دون غيرهم فتوبته مع الشهادتين إقراره بالمجحود به، وذلك لأن الشهادتين كان يقر بهما سابقاً=

الجزء: 8 - الصفحة: 184

وَإِذَا ارْتَدَّ الزَّوْجَانِ وَلَحِقَا بِدَارِ الحَرْبِ فَسُبِيَا، لَمْ يَجُزْ اسْتِرْقَاقُهُمَا (1)،  =وهنا قد أنكر شيئاً آخر فلا يكفي أن يقر بالشهادتين بل لابد أن يقر بما نفاه وجحده فيقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأن الصلاة فرض وأن الزنا حرام ونحو ذلك مما كان يجحده فلا يقبل منه ذلك إلا بهذا لأنه إنما كفر به.
وهذا أحد الأقوال في هذه المسألة.
والقول الثاني في المسألة: أن الشهادتين لا تجب عليه، لأنه لم ينف ذلك بل هو مقر بهما، وهو على إقراره بهما.
والأظهر عندي: هو القول الأول لأن جحده ترتب عليه إبطال شهادته، فأصبحت الشهادتان باطلتين لأنه جحد ما يكفر به، وهذا يبطل الشهادتين.

(1)

قوله «وَإِذَا ارْتَدَّ الزَّوْجَانِ وَلَحِقَا بِدَارِ الحَرْبِ، فَسُبِيَا، لَمْ يَجُزْ اسْتِرْقَاقُهُمَا»:

أي إن الرق لا يجرى على المرتد سواء كان رجلاً أو امرأة، وسواء لحق بدار الحرب أو أقام بدار الإسلام.
وقيل: إذا لحقت المرتدة بدار الحرب جاز استرقاقها لأن أبا بكر -رضي الله عنه- سبى بني حنفية واسترق نساءهم، وأم محمد بن الحنفية منهم.
والصحيح: ما ذهب إليه المؤلف لعموم قوله -صلى الله عليه وسلم-: «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوه» 264، ولأنه لا يجوز إقرارها على كفرها فلم يجز استرقاقها كالرجل، ولم ينقل أن الذين سباهم أبو بكر -رضي الله عنه- كانوا أسلموا ولا ثبت لهم حكم الردة.

الجزء: 8 - الصفحة: 185

وَلا اسْتِرْقَاقُ مَنْ وُلِدَ قَبْلَ رِدَّتِهِمَا، وَيَجُوْزُ اسْتِرْقَاقُ سَائِرِ أَوْلادِهِمَا (1)،  (1)

قوله «وَلا اسْتِرْقَاقُ مَنْ وُلِدَ قَبْلَ رِدَّتِهِمَا، وَيَجُوْزُ اسْتِرْقَاقُ سَائِرِ أَوْلادِهِمَا»:

أي أما أولاد المرتدين فإن كانوا ولدوا قبل الردة فإنهم محكوم بإسلامهم تبعاً لآبائهم ولا يتبعونهم في الردة لأن الإسلام يعلو وقد تبعوهم فيه فلا يتبعونهم في الكفر، فلا يجوز استرقاقهم صغاراً لأنهم مسلمون، ولا كباراً لأنهم إن ثبتوا على إسلامهم بعد كفرهم فهم مسلمون، وإن كفروا فهم مرتدون حكمهم حكم آبائهم في الاستتابة وتحريم الاسترقاق، وأما من ولد بعد الردة فهو محكوم بكفره لأنه ولد بين أبوين كافرين، ويجوز استرقاقه لأنه ليس بمرتد.

الجزء: 8 - الصفحة: 186

فصول الكتاب · 25 فصل
فصول وبل الغمامة في شرح عمدة الفقه لابن قدامة
المقدمةالمقدمةكِتَابُ الصَّلاةِكتاب الجنائزكِتَابُ الزَّكَاةِكِتَابُ الصِّيَامِكتاب الحجكِتَابُ الْبَيْعِكِتَابُ الْوَقْفِكِتَابُ الْوَصَايَاكتاب الفرائضكتاب النكاحكتاب النِّكاحِكِتابُ الصَّدَاقِكتاب الطلاقكِتابُ الظِّهارِكِتابُ الأَطْعِمَةِكتاب الصيدكِتَابُ الأَيْمَانِكتاب الجناياتكِتابُ الدِّياتِكِتابُ الحُدُوْدِ
قوله «كِتابُ الحُدُوْدِ»:قوله «عَالِمٍ بِالتَّحرِيمِ»:- فائدة: هل يشترط أن يكون عالماً بالعقوبة؟قوله «وَلا يُقِيْمُهُ إِلاَّ الإِمَامُ أَوْ نَائِبُهُ»:قوله «إِلاَّ السَّيِّدُ، فَإِنَّ لَهُ إِقَامَتَهُ بِالْجَلْدِ خَاصَّةً عَلى رَقِيْقِهِ القِنِّ؛ لِقَوْلِ رَسُوْلِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «إِذَا زَنَتْ أَمَةُ أَحَدِكُمْ، فَلْيَجْلِدْهَا»:قوله «وَلَيْسَ لَهُ قَطْعُهُ فِيْ السَّرِقَةِ، وَلا قَتْلُهُ فِيْ الرِّدَّةِ»:قوله «وَلا جَلْدُ مُكَاتَبِهِ وَلا أَمَتِهِ الْمُزَوَّجَةِ»:قوله «وَحَدُّ الرَّقِيْقِ فِيْ الْجَلْدِ نِصْفُ حَدِّ الْحُرِّ»:قوله «وَمَنْ أَقَرَّ بِحَدٍّ ثُمَّ رَجَعَ عَنْهُ سَقَطَ»:فَصْلٌ فِيْ كَيْفِيَةِ إِقَامَةِ الحَدِّقوله «فَصْلٌ فِيْ كَيْفِيَةِ إِقَامَةِ الحَدِّ»:قوله «وَيُضْرَبُ فِيْ الْحَدِّ بِسَوْطٍ»:قوله «لا جَدِيْدٍ وَلا خَلَقٍ»:قوله «وَلا يُمَدُّ، وَلا يُرْبَطُ وَلا يُجَرَّدُ»:قوله «وَيُتَّقَى وَجْهُهُ وَرَأْسُهُ وَفَرْجُهُ»:قوله «وَيُضْرَبُ الرَّجُلُ قَائِمًا»:قوله «وَالْمَرْأَةُ جَالِسَةً وَتُشَدُّ عَلَيْهَا ثِيَابُهَا، وَتُمْسَكُ يَدَاهَا»:قوله «فَإِنْ لَمْ يُرْجَ بُرْؤُهُ وَخُشِيَ عَلَيْهِ مِنَ السَّوْطِ، جُلِدَ بِضِغْثٍ فِيْهِ عِيْدَانٌ بِعَدَدٍ مَا يَجِبُ عَلَيْهِ مَرَّةً وَاحِدَةً»:فَصْلٌ فِيْ تَدَاخُلِ الحُدُوْدِقوله «فَصْلٌ فِيْ تَدَاخُلِ الحُدُوْدِ»:قوله «وَإِنِ اجْتَمَعَتْ حُدُوْدٌ للهِ تَعَالى فِيْهَا قَتْلٌ، قُتِلَ، وَسَقَطَ سَائِرُهَا»:قوله «وَلَوْ زَنَى مِرَارًا، أَوْ سَرَقَ مِرَارًا، وَلَمْ يُحَدَّ، فَحَدٌّ وَاحِدٌ»:قوله «وَإِنِ اجْتَمَعَتْ حُدُوْدٌ مِنْ أَجْنَاسِ لا قَتْلَ فِيْهَا، اسْتُوْفِيَتْ كُلُّهَا»:قوله «وَيُبْدَأُ بِالأَخَفِّ فَالأَخَفِّ مِنْهَا»:قوله «وَتُدْرَأُ الحُدُوْدُ بِالشُّبُهَاتِ»:قوله «فَلَوْ زَنَى بِجَارِيَةٍ لَهُ فِيْهَا شِرْكٌ وَإِنْ قَلَّ»:قوله «أَوْ لِوَلَدِهِ»:قوله «أَوْ وَطِئَ فِيْ نِكَاحٍ مُخْتَلَفٍ فِيْهِ»:قوله «أَوْ مُكْرَهًا»:قوله «أَوْ سَرَقَ مِنْ مَالٍ لَهُ فِيْهِ حَقٌّ»:قوله «أَوْ لِوَلَدِهِ وَإِنْ سَفَلَ»:قوله «أَوْ مِنْ مَالِ غَرِيْمِهِ الَّذِيْ يَعْجِزُ عَنْ تَخْلِيْصِهِ مِنْهُ بِقَدْرِ حَقِّهِ، لَمْ يُحَدَّ»:إن كان المدين باذلاً غير ممتنع عن أداء ما عليه، ثم ترك الدائن مطالبته،إن عجز الدائن عن استيفاء حقه فسرق قدر دينهإن عجز رب الدين عن استيفاء حقه فأخذ من مال مدينه أكثر من حقه«فَصْلٌ فِيْ اسْتِيْفَاءِ القِصَاصِ فِيْ الْحَرَمِ وَالغَزْوِ. وَمَنْ أَتىَ حَدًّا خَارِجَ الْحَرَمِ، ثُمَّ لَجَأَ إِلى الحَرَمِ، أَوْ لَجَأَ إِلَيْهِ مَنْ عَلَيْهِ قِصَاصٌ، لَمْ يُسْتَوْفَ مِنْهُ حَتَّى يَخْرُجَ»: أي من وجب عليه حد من حدود الله كجلد أو رجم أو قصاص أو قطع ثم لجأْ إلى الحرم هارباً، فإنه لا يقام عليه الحد. هذا معنى كلامه -رحمه الله-.قوله «لَكِنْ لا يُبَايِعُ وَلا يُشَارِيْ»قوله «وَإِنْ فَعَلَ ذلِكَ فِيْ الحَرَمِ، اسْتُوْفِيَ مِنْهُ فِيْهِ»:قوله «إِنْ أَتَى حَدًّا فِيْ الغَزْوِ، لَمْ يُسْتَوْفَ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ دَارِ الحَرْبِ»:بَابُ حَدِّ الزِّناقوله «بَابُ حَدِّ الزِّنا»:قوله «الزَّانِيْ، مَنْ أَتَى الفَاحِشَةَ فِيْ قُبُلٍ أَوْ دُبُرٍ»:قوله «مِنِ امْرَأَةٍ لا يَمْلِكُهَا»:قوله «أَوْ مِنْ غُلامٍ»:قوله «أَوْ مَنْ فُعِلَ بِهِ ذلِكَ»:لا يخلو الزاني من حالينالأول: أن يكون محصناالثاني: غير المحصن؛ أي غير المتزوج،قوله «وَالْمُحْصَنُ هُوَ: الحُرُّ البَالِغُ العَاقِلُ الَّذِيْ قَدْ وَطِئَ زَوْجَةً مِثْلَهُ فِيْ هَذِهِ الصِّفَاتِ، فِيْ قُبُلِهَا فِيْ نِكَاحٍ صَحِيْحٍ»:كون الزوجين حال الوطء مكلفين،تحقق الوطء بتغييب الحشفة، أو قدرها من فاقدها في القبل،كون الوطء في نكاح صحيح،قوله «وَلا يَثْبُتُ الزِّنا إِلاَّ بِأَحَدِ أَمْرَيْنِ: إِقْرَارُهُ بِهِ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ، مُصَرِّحًا بِذِكْرِ حَقِيْقَتِهِ»:يثبت بأحد أمرينقوله «أَوْ شَهَادَةِ أَرْبَعَةِ رِجَالٍ أَحْرَارٍ عُدُوْلٍ»:قوله «يَصِفُوْنَ الزِّنَى»:قوله «وَيَجِيْؤُوْنَ فِيْ مَجْلِسٍ وَاحِدٍ»:قوله «وَيَتَّفِقُوْنَ عَلى الشَّهَادَةِ بِزِنًى وَاحَدٍ»بابُ حَدِّ القَذْفِقوله «بابُ حَدِّ القَذْفِ»:فائدة: في حكم القذفقوله «وَمَنْ رَمَى مُحْصَنًا بِالزِّنا، أَوْ شَهِدَ عَلَيْهِ بِهِ، لَمْ تَكْمُلِ الشَّهَادَةُ عَلَيْهِ»:قوله «جُلِدَ ثَمَانِيْنَ جَلْدَةً»:قوله «إِذَا طَالَبَ المَقْذُوْفُ»:هل يصح العفو عن القاذف بعوض؟قوله «وَالْمُحْصَنُ هُوَ الحُرُّ المُسْلِمُ البَالِغُ العَفِيْفُ»:أن يكون مسلماً،أن يكون المقذوف مكلفاً،أن يكون حراً،أن يكون عفيفاً،قوله «فَإِنْ عَفَى بَعْضُهُمْ، لَمْ يَسْقُطْ حَقُّ غَيْرِهِ»:بابُ حَدِّ المُسْكِرِقوله «بابُ حَدِّ المُسْكِرِ»:ذكر بعض الفوائدالفائدة الثانية: في ضوابط السكر الذي يقام به الحدالفائدة الثالثة: في بيان الحكمة من تحريم الخمرقوله «وَمَنْ شَرِبَ مُسْكِرًا، قَلَّ أَوْ كَثُرَ»:قوله «مُخْتَارًا، عَالِمًا أَنَّ كَثِيْرَهُ يُسْكِرُ»:الشروط التي تجب بها عقوبة حد شارب المسكرالأول: أن يشربها مختاراالشرط الثانِي: أن يكون عالماً أن كثير هذا المشروب يسكر،الشرط الثالث: أن يكون الشارب مسلماالشرط الرابع: أن يكون عالماً بالتحريم، بالغاً، عاقلاً،قوله «إِلاَّ أَنْ يَطَأَ جَارِيَةَ امْرَأَتِهِ بِإِذْنِهَا، فَإِنَّهُ يُجْلَدُ مِئَةً»:بابُ حَدِّ السَّرِقَةقوله «بابُ حَدِّ السَّرِقَة»:قوله «وَمَنْ سَرَقَ رُبْعَ دِيْنَارٍ مِنَ العَيْنِ»:قوله «أَوْ ثَلاثَةَ دَرَاهِمَ مِنَ الوَرِقِ»:قوله «أَوْ مَا يُسَاوِيْ أَحَدَهُمَا مِنْ سَائِرِ الْمَالِ»:قوله «وَأَخْرَجَهُ مِنَ الحِرْزِ»:قوله «قُطِعَتْ يَدُهُ اليُمْنى مِنْ مِفْصَلِ الكَفِّ وَحُسِمَتْ»:قوله «فَإِنْ عَادَ، قُطِعَتْ رِجْلُهُ اليُسْراى مِنْ مِفْصَلِ الكَعْبِ وَحُسِمَتْ»:قوله «فَإِنْ عَادَ، حُبِسَ، وَلا يُقْطَعُ غَيْرُ يَدٍ وَرِجْلٍ»:قوله «لا تَثْبُتُ السَّرِقَةُ إِلاَّ بِشَهَادَةِ عَدْلَيْنِ»:قوله «أَوِ اعْتِرَافٍ مَرَّتَيْنِ»:فائدة: فيما تثبت به السرقةقوله «وَلا يُقْطَعُ حَتَّى يُطَالِبُ المَسْرُوْقُ مِنْهُ بِمَالِهِ»:مسألة: هل البصمات طريق رابع لمعرفة المجرم؟قوله «وَإِنْ وَهَبَهَا لِلسَّارِقِ، أَوْ بَاعَهُ إِيَّاهَا قَبْلَ ذلِكَ، سَقَطَ القَطْعُ»:قوله «وَإِنْ نَقَصَتْ عَنِ النِّصَابِ بَعْدَ الإِخْرَاجِ لَمْ يَسْقُطِ القَطْعُ»:قوله «وَإِنْ كَانَ قَبْلَهُ لَمْ يَجِبْ»:قوله «وَإِذَا قُطِعَ، فَعَلَيْهِ رَدُّ المَسْرُوْقُ، إِنْ كَانَ بَاقِيًا، أَوْ قِيْمَتُهُ إِنْ كَانَ تَالِفًا»:بابُ حَدِّ المُحَارِبِيْنَقوله «بابُ حَدِّ المُحَارِبِيْنَ»:قوله «وَهُمُ الَّذِيْنَ يَعْرِضُوْنَ لِلنَّاسِ فِيْ الصَّحْرَاءِ جَهْرَةً؛ لِيَأْخُذُوْا أَمْوَالَهُمْ»:قوله «فَمَنْ قَتَلَ مِنْهُمْ، وَأَخَذَ الْمَالَ، قُتِلَ وَصُلِبَ حَتَّى يَشْتَهِرَ، وَدُفِعَ إِلى أَهْلِهِ»:ذكر بعض الفوائدالفائدة الثانية: هل يغسل، ويكفن، ويصلى عليه، ويدفن مع المسلمين؟قوله «وَمَنْ قَتَلَ وَلَمْ يَأْخُذِ المَالَ، قُتِلَ وَلَمْ يُصْلَبْ»:هل لأولياء المقتول أن يعفوا عنهم؟قوله «وَمَنْ أَخَذَ المالَ وَلَمْ يَقْتُلْ، قُطِعَتْ يَدُهُ اليُمْنى وَرِجْلُهُ اليُسْراى فِيْ مَقَامٍ وَاحِدٍ، وَحُسِمَتَا»:قوله «وَلا يُقْطَعُ إِلاَّ مَنْ أَخَذَ مَا يُقْطَعُ السَّارِقُ بِهِ»:قوله «وَمَنْ أَخَافَ السَّبِيْلَ وَلَمْ يَقْتُلْ وَلا أَخَذَ مَالاً، نُفِيَ مِنَ الأَرْضِ»:قوله «وَمَنْ تَابَ قَبْلَ القُدْرَةِ عَلَيْهِ، سَقَطَتْ عَنْهُ حُدُوْدُ اللهِ، وَأُخِذَ بِحُقُوْقِ الآدَمِيِّيْنَ، إِلاَّ أَنْ يُعْفَى لَهُ عَنْهَا»:فَصْلٌ فِيْ دَفْعِ الصَّائِلِقوله «فَصْلٌ فِيْ دَفْعِ الصَّائِلِ»:قوله «فَإِنْ لَمْ يَنْدَفِعْ إِلاَّ بِقَتْلِهِ، فَلَهُ قَتْلُهُ، وَلا ضَمَانَ عَلَيْهِ»:قوله «وَإِنْ قُتِلَ الدَّافِعُ، فَهُوَ شَهِيْدٌ، وَعَلى قَاتِلِهِ ضَمَانُهُ»:قوله «وَمَنْ صَالَتْ عَلَيْهِ بَهِيْمَةٌ، فَلَهُ دَفْعُهَا بِمِثْلِ ذلِكَ، وَلا ضَمَانَ فِيْهَا»:قوله «وَمَنِ اطَّلَعَ فِيْ دَارِ إِنْسَانٍ، أَوْ بَيْتِهِ مِنْ خَصَائِصِ البَابِ أَوْ نَحْوِهِ، فَحَذَفَهُ بِحَصَاةٍ، فَفَقَأَ عَيْنَهُ، فَلا ضَمَانَ عَلَيْهِ»:قوله «وَإِنْ عَضَّ إِنْسَانٌ يَدَهُ فَانْتَزَعَ فَسَقَطَتْ ثَنَايَاهُ، فَلا ضَمَانَ فِيْهَا»:بابُ قِتالِ أَهْلِ البَغْيِقوله «بابُ قِتالِ أَهْلِ البَغْيِ»:الخروج على الإمام وجماعة المسلمين له صورتانالصورة الأولى: أن يكون الخروج بدون تأويل سائغالصورة الثانية: أن يكون الخروج بتأويل وشبهةقوله «وَهُمُ: الخَارِجُوْنَ عَلى الإِمَامِ»:الشرط الأول: الخروج على الإمام وجماعة المسلمينالشرط الثاني: أن يكونوا قوماً وجماعةالشرط الثالث: أن تكون لهم شوكة ومنعة لتحقق البغيالشرط الرابع: أن يكون عندهم تأويل سائغقوله «يُرِيْدُوْنَ إِزَالَتَهُ عَنْ مَنْصِبِهِ»:قوله «فَعَلَى المُسْلِمِيْنَ مَعُوْنَةُ إِمَامِهِمْ فِيْ دَفْعِهِمْ بِأَسْهَلِ مَا يَنْدَفِعُوْنَ بِهِ»:فائدة: هل قتال الخوارج كقتال البغاة أم لا؟قوله «فَإِنْ آلَ إِلى قَتْلِهِمْ، أَوْ تَلَفِ مَالِهِمْ، فَلا شَيْءَ عَلى الدَّافِعِ»:قوله «وَإِنْ قُتِلَ الدَّافِعُ كَانَ شَهِيْدًا»:قوله «وَلا يُتْبَعُ لَهُمْ مُدْبِرٌ»:قوله «وَلا يُجَازُ عَلى جَرِيْحٍ»:قوله «وَلا يُغْنَمُ لَهُمْ مَالٌ»:قوله «وَلا تُسْبَى لَهُمْ ذُرِّيَّةٌ»:قوله «وَمَنْ قُتِلَ مِنْهُمْ غُسِّلَ وَكُفِّنَ وَصُلِّيَ عَلَيْهِ»:قوله «وَلا ضَمَانَ عَلى أَحَدِ الفَرِيْقَيْنِ فِيْمَا أَتْلَفَ حَالَ الحَرْبِ، مِنْ نَفْسٍ أَوْ مَالٍ»:قوله «وَمَا أَخَذَ البُغَاةُ حَال امْتِنَاعِهِمْ مِنْ زَكَاةٍ، أَوْ جِزْيَةٍ، أَوْ خَرَاجٍ لَمْ يُعَدْ عَلَيْهِمْ»:قوله «وَلا عَلى الدَّافِعِ إِلَيْهِمْ»:قوله «وَلا يُنْقَضُ مِنْ حُكْمِ حَاكِمِهِمْ، إِلاَّ مَا يُنْقَضُ مِنْ حُكْمِ غَيْرِهِ»:بابُ حُكْمِ المُرْتَدِّقوله «بابُ حُكْمِ المُرْتَدِّ»:قوله «وَمَنِ ارْتَدَّ عَنِ الإِسْلامِ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، وَجَبَ قَتْلُهُ، لِقَوْلِ رَسُوْلِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: «مَنْ بَدَّلَ دِيْنَهُ فَاقْتُلُوْهُ»قوله «لا يُقْتَلُ حَتَّى يُسْتَتَابَ ثَلاثًا، فَإِنْ تَابَ، وَإِلاَّ قُتِلَ بِالسَّيْفِ»:قوله «وَمَنْ جَحَدَ اللهِ تَعَالى»:قوله «أَوْ جَعَلَ لَهُ شَرِيْكًا، أَوْ نِدًّا وَوَلَدًا»:قوله «وَكَذَّبَ اللهَ تَعَالى أَوْ سَبَّهُ»:قوله «أَوْ كَذَّبَ رَسُوْلَهُ أَوْ سَبَّهُ»:قوله «أَوْ جَحَدَ نَبِيًّا، أَوْ كِتَابَ اللهِ تَعَالى»:قوله «أَوْ شَيْئًا مِنْهُ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ»:قوله «أَوْ جَحَدَ أَحَدَ أَرْكَانِ الإِسْلامِ»:قوله «أَوْ أَحَلَّ مُحَرَّمًا ظَهَرَ الإِجْمَاعُ عَلى تَحْرِيْمِهِ، فَقَدِ ارْتَدَّ»:قوله «إِلاَّ أَنْ يَكُوْنَ مِمَّنْ تَخْفَى عَلَيْهِ الوَاجِبَاتُ وَالْمُحَرَّمَاتُ، فَيُعَرَّفُ ذلِكَ، فَإِنْ لَمْ يَقْبَلْ، كَفَرَ»:الجهل عذر في ثلاث مسائلالمسألة الأولى: أن يكون مدعي الجهل ناشئاً في بادية.المسألة الثانية: أن يكون حديث عهد بإسلامالمسألة الثالثة: أن تكون من المسائل الخفيةقوله «وَيَصِحُّ إِسْلامُ الصَّبِيِّ العَاقِلِ، وَإِنِ ارْتَدَّ، لَمْ يُقْتَلْ حَتَّى يُسْتَتَابَ ثَلاثًا بَعْدَ بُلُوْغِهِ»:قوله «وَمَنْ ثَبَتَتْ رِدَّتُهُ فَأَسْلَمَ، قُبِلَ مِنْهُ»:قوله «وَإِذَا ارْتَدَّ الزَّوْجَانِ وَلَحِقَا بِدَارِ الحَرْبِ، فَسُبِيَا، لَمْ يَجُزْ اسْتِرْقَاقُهُمَا»:قوله «وَلا اسْتِرْقَاقُ مَنْ وُلِدَ قَبْلَ رِدَّتِهِمَا، وَيَجُوْزُ اسْتِرْقَاقُ سَائِرِ أَوْلادِهِمَا»:
كِتابُ الجِهَادِكِتابُ القَضَاءِكِتابُ الشَّهَادَاتِ
جارٍ التحميل