وبل الغمامة في شرح عمدة الفقه لابن قدامةالمقدمة
أهل الأثرالأرشيف العلمي

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ 1. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَتَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ 2. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ 3، أمابعد: فلقد جاء ديننا الحنيف بالحث على العلم والترغيب فيه، قال الله جل وعلا: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ 4. وقال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ 5. وقال -صلى الله عليه وسلم-: «مَنْ يُرِدْ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ» 6.

الجزء: 1 - الصفحة: 3

وقال -صلى الله عليه وسلم-: «وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ» 7. والعلماء في الأمة هم العارفون بشرع الله، العاملون بعلمهم على هدىً وبصيرة، وهم الذين يعتمد عليهم الناس بعد الله في أمور دينهم ودنياهم، وهم منارات الهدى، ومصابيح الدجى، وهم ورثة الأنبياء.
وهم كما قال علي بن أبي طالب -رضي الله عنه-: «العلماء باقون ما بقي الدهر، أعيانهم مفقودة، وآثارهم في القلوب موجودة».
وهم كما قال معاذ بن جبل -رضي الله عنه-: «يرفع الله بالعلم أقواماً فيجعلهم في الخير قادة سادة هداة، يقتدى بهم، أدلة في الخير، تقتضى آثارهم وترمق أفعالهم، وترغب الملائكة في خلتهم، وبأجنحتها تمسحهم، وكل رطب ويابس يستغفر لهم، حتى حيتان البحر وهوامه، وسباع البر وأنعامه، والسماء ونجومها ... ». وقال الحسن -رحمه الله-: «لولا العلماء لصار الناس مثل البهائم».
وقال يحيى بن معاذ -رحمه الله-: «العلماء أرحم بأمة محمد -صلى الله عليه وسلم- من آبائهم وأمهاتهم، قيل: وكيف ذلك؟ قال: لأن آبائهم وأمهاتهم يحفظونهم من نار الدنيا، والعلماء يحفظونهم من نار الآخرة».
والعلم دليل الإيمان والعمل ثمرته، وهو أفضل من سائر العبادات، بل الاشتغال به أفضل ما يتطوع به المرء، ونفعه لايقتصر على الدنيا بل يشمل الدنيا والآخرة، فيجمع لحامليه بين الحسنيين، ويرفع درجاتهم عند الله وعند الناس، فثمراته معجلة، وقطوفه دانية.

الجزء: 1 - الصفحة: 4

ولذلك اجتهد الكثيرون للظفر بهذا الفضل، وتلك الخيرية التي وعد بها رسولنا -صلى الله عليه وسلم- في قوله: «مَنْ يُرِدْ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ» 8، فعكف العلماء من السلف والخلف على تعلم العلم وتعليمه، والجلوس له، والتأليف فيه.
وكانوا فيه أصنافاً عديدة، منهم السابقون، ومنهم الجادون، ومنهم المشمرون الحريصون على بلوغ أعلى الدرجات ومراتب الكمال، والله - جل وعلا - يؤتي فضله وحكمته من يشاء.
وقد أوضح ربنا - جل وعلا - مراتب الكمال وغايته في سورة العصر، وهي أربع مراتب: الأولى: معرفة الحق، والثانية: العمل به، والثالثة: تعليمه من لا يحسنه، والرابعة: صبره على تعلمه والعمل به وتعليمه.
وقد بذل العلماء في كل زمان ومكان جهدهم في استنباط الأحكام الشرعية، وألفوا المؤلفات الكثيرة المطولة والمختصرة، ومنها ما هو على شكل متون دقيقة العبارة تحتاج إلى شرح وإيضاح، والمعول عليه عند أهل العلم في بيان الأحكام وتقريرها هو الدليل من الكتاب والسنة.
ولذا اجتهد العلماء في تقرير الأحكام الشرعية، وعولوا على الدليل، بل إن الأئمة الكبار كالأئمة الأربعة أمروا بترك أقوالهم، والإعراض عنها إذا خالفت الدليل، وهذا أمر متقرر معلوم، فكلٌ يؤخذ من قوله ويرد إلا المعصوم -صلى الله عليه وسلم-.
ورغم ذلك نبتت نابتة بعدت عن العلماء، وسلكت غير سبيلهم، فزهدت بكتب أهل العلم وطرحها، وهؤلاء لهم سلف من الخوارج الذين سلكوا غير سبيل المؤمنين، وطعنوا في العلماء، فضلوا وأضلوا - عياذاً بالله -.

الجزء: 1 - الصفحة: 5

لكن أهل العلم وقفوا لهم بالمرصاد، وبينوا خطأهم، وجاهدوهم بألسنتهم وأقلامهم، وهم في كل زمن يأخذون أشكالاً مختلفة، لكن يجمعهم هدف واحد، وطريق واحد، وهو الطعن في أهل العلم، والتنقص منهم، وتزهيد الناس بهم، وصد الناس عن الاستفادة من كتبهم، والتشويش على العامة.
وقد دفعني حب العلماء والدفاع عنهم على التطفل على موائدهم، والحرص على سلوك دربهم رجاء اللحاق بهم، وأن يحشرني الله في زمرتهم، فعقدت العزم على تدريس كتاب (عمدة الفقه لابن قدامة) وشرحه للطلاب بأسلوب واضح، وعبارة سهلة في مناطق متعددة وبلدان كثيرة، وكنت أنا المستفيد أكثر من الطلاب في مراجعة العلم وتثبيت مسائله.
وقد اخترت هذا الكتاب لأنه من أفضل متون الحنابلة وأوضحها عبارة, وأقواها وأكثرها أدلة، ولندرة من شرحه، ثم إن مؤلفه هو شيخ المذهب كما هو المصطلح عليه عند الحنابلة.
وقد يسر الله لي شرحه في دروس كثيرة، ودروات عديدة في أماكن مختلفة - من مملكتنا الغالية - ومن هذه البلدان الزلفي، الخبراء، بريدة، المجمعة، الأفلاج، حوطة بني تميم، مكة، المدينة، الأحساء، الدمام، الجبيل، تبوك، تيماء، حقل، ضباء، البدع، الغاط، الطائف، السر، الباحة، المذنب، الدلم، حفر الباطن، حائل، الرياض.
وأكملت شرح هذا الكتاب المبارك في كل من الزلفي، ومكة، والأفلاج، وكان أول درس ألقيته في هذا الكتاب المبارك في: 10/ 10/1401 هـ، ولا زلت إلى اليوم أشرحه في أماكن متفرقة.

الجزء: 1 - الصفحة: 6

وطريقتي في تدريسه للطلاب أنني أوضح عبارة ابن قدامة في العمدة، وأوضح المذهب، وأشير أحياناً للرواية الثانية، وأحرص على ذكر راي شيخ الإسلام ابن تيمية، والعلامة ابن سعدي، وشيخينا الشيخ عبد العزيز ابن باز، والشيخ محمد بن عثيمين - رحمهم الله - قدر الاستطاعة، كما حرصت على بيان الراجح عندي في معظم المسائل التي تعرضت لها، كما حرصت على ذكر الدليل حسب ما يتيسر لي.
وقد تم هذا الشرح كما قلت في أوقات متفاوتة، وأماكن متفرقة في دروس أسبوعية، وشهرية، وخلال دورات علمية مكثفة، وكنت أقيد على كتابي ما يظهر لي خلال مطالعتي أثناء شرحه.
وقد تم تسجيله في أماكن متفرقة، وتم تفريغه من الأشرطة، وأعدت النظر فيه، فحذفت منه ما يستغنى عنه خشية الإطالة والتكرار، وأضفت ما لاغنى لطالب العلم عنه، فأضفت إليه أقوال المذاهب الأربعة اكتفاءًا بذكر قولهم دون التعرض لأدلتهم، ثم بينت الراجح من أقوال هذه المذاهب مع ذكر دليل الترجيح، ومن رجح هذا القول كشيح الإسلام، وتلميذه ابن القيم، والعلامة ابن سعدي، وسماحة شيخنا ابن باز، وشيخنا محمد الصالح العثيمين - رحمهم الله - وكذا اللجنة الدائمة.
ومتى قلت: قال شيخنا، فأعني به شيخنا العلامة التقي الثبت الضابط المدقق في سائر علوم الشريعة شيخنا الوالد الشيخ محمد بن صالح العثيمين -رحمه الله- رحمة واسعة.
وإذا قلت: قال به شيخنا الشيخ عبد العزيز، فأعني به إمام العلماء في عصره العالم الرباني الشيخ عبد العزيز بن باز -رحمه الله- رحمة واسعة.

الجزء: 1 - الصفحة: 7

وإذا قلت: قال به الشيخان، فأعني به الشيخ عبد العزيز بن باز، والشيخ محمد بن صالح العثيمين.
وإذا قلت: قال به شيخ الإسلام، فأعني به الحبر الإمام شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-.
وإذا قلت: قال به الإمام المجدد، فأعني به الإمام المجدد الشيخ محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله-.
أ. د. عبد الله بن محمد بن أحمد الطيار الزلفي - ص. ب: 188 - الرمز البريدي: 11932 في: 1/ 1/ 1428 هـ

الجزء: 1 - الصفحة: 8

ترجمة المؤلف

اسمه

: هو الشيخ العلامة المجتهد شيخ الإسلام موفق الدين ابو محمد عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة بن مقدام بن نصر المقدسي، الجماعيلي، ثم الدمشقي الصالحي، الحنبلي.

المولد والنشأة

: ولد -رحمه الله- بجماعيل بلدة من أعمال نابلس بفلسطين في شعبان سنة (541 هـ)، وحينما استولى الصليبيون على أرض فلسطين هاجر والد الموفق بأسرته إلى دمشق سنة (551 هـ) تقريباً، ونزلوا في مسجد أبي صالح ظاهر الباب الشرقي، ثم انتقلوا إلى سفح قاسبون من صالحية دمشق.

تلقيه العلم

: كان والده -رحمه الله- الشيخ أبو العباس أحمد بن محمد بن قدامة من أهل العلم والصلاح، فقد كان قبل هجرته إلى دمشق خطيب جماعيل، وعالمها، ومفتيها، ولذا كان من الطبيعي أن يدرس الابن على أبيه، فتلقى الموفق -رحمه الله- عن أبيه العلم.
وقد تتلمذ أيضاً على شيوخ دمشق منهم أبو المكارم عبد الواحد الأزدي الدمشقي المتوفى في جمادى الآخرة سنة (565 هـ)، وأبو المعالي عبد الله بن عبد الرحمن الدمشقي المتوفى سنة (576 هـ)، ثم رحل في طلب العلم خارج دمشق، فخرج هو وابن خاله الحافظ عبد الغني المقدسي إلى بغداد فقرأ على علماءها منهم الشيخ عبد القادر الجيلاني، قرأ عليه (متن الخرقي) ثم توفى بعد أربعين يوماً من لقائه به، ثم لازم أبا الفتح بن المني، وقرأ عليه المذهب، والخلاف، والأصول حتى برع في ذلك.
وقرأ أيضاً على بعض شيوخ بغداد منهم هبة الله بن الحسن الدقاق، وأبي زرعة بن طاهر، وشهدة الكاتبة، وغيرهم.

الجزء: 1 - الصفحة: 9

وفي حجة (574 هـ) لقي بمكة إمام الحنابلة بالحرم المكي المحدث ابا محمد المبارك بن علي البغدادي نزيل مكة المتوفى بها في عيد الفطر سنة (575 هـ)، ثم استقر الإمام الموفق رحمه الله في دمشق، فاشتغل بالتأليف.

ثناء العلماء عليه

: قال الضياء: كان -رحمه الله- إماماً في التفسير، وفي الحديث ومشكلاته، إماماً في الفقه، بل أوحد زمانه فيه، إماماً في علم الخلاف، إماماً في أصول الفقه، إماماً في النحو والحساب والأنجم السيارة والمنازل.
وقال عنه الذهبي -رحمه الله-: سمعت داود بن صالح المقراء سمعت ابن المنى يقول: - وعنده الإمام الموفق - إذا خرج هذا الفتى من بغداد احتاجت إليه.
وسمعت البهاء بن عبد الرحمن -رحمه الله- يقول: كان شيخنا ابن المنى يقول للموفق: إن خرجت من بغداد لا يخلف بها مثلك.
وسمعت المفتي أبا بكر محمد بن معالي بن غنيمة -رحمه الله- يقول: ما أعرف أحداً في زماننا أدرك درجة الاجتهاد إلا الموفق.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: ما دخل الشام بعد الأوزاعي أفقه من الشيخ الموفق.

مؤلفاته

: له -رحمه الله- مؤلفات عديدة أهمها: (1) العمدة في الفقه (للمبتدئين) وهو كتابنا الذي سنقوم بشرحه - إن شاء الله - جعله المؤلف على القول المعتمد في المذهب.
(2) المقنع في الفقه (للمتوسطين) أطلق في كثير من مسائله روايتين ليتدرب طالب العلم على الترجيح، فيربى فيه الميل إلى الدليل.
(3) الكافي؛ وهو أوسع من المقنع، ذكر فيه من الأدلة ما يؤهل الطلبة للعمل بالدليل.

الجزء: 1 - الصفحة: 10

(4) المغني (شرح مختصر الخرقي) ذكر فيه المذاهب وأدلتها.

وفاته

: توفي -رحمه الله- يوم السبت يوم عيد الفطر سنة (620 هـ) بمنزله بدمشق، وصلي عليه من الغد، وحمل إلى سفح قاسبون فدفن به، وكان له جمع عظيم امتد الناس في طرق الجبل فملؤوه فرحمه الله رحمة واسعة.

الجزء: 1 - الصفحة: 11

شرح مقدمة المؤلف

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ 9  (1) قوله «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ» استفتح كتابه بالبسملة، وفي بعض النسخ الاقتصار على تركها والبداءة بالحمد لله، وعلى كلٍ هذه عادة أهل التأليف أنهم ينوعون في البداءة في مؤلفاتهم، فأحياناً يجمعون بين البسملة والحمد له، وأحياناً يقتصرون على ذكر الحمد.
وعلى اعتبار أنه استفتح كتابه بالبسملة نقول: ابتدأ بها المؤلف لآمرين: الأول: اقتداءًا بكتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم-، فكتاب الله يبتدأ في ببسم الله الرحمن الرحيم، والنبي -صلى الله عليه وسلم- في مراسلاته كان يبدأ فيها ببسم الله الرحمن الرحيم، ومن هنا ابتدأ بها المؤلف.
الثاني: أنه ابتدأ بها تبركاً، فإن من طلب البركة أن يبدأ الإنسان في عمله بذكر الله تعالى رجاء حصول البركة، ولذا حث -صلى الله عليه وسلم- عليها عند الأكل، والشرب، والملبس، والجماع، ودخول الخلاء، وركوب الدابة، وغير ذلك مما جاءت به السنة.
وللكلام على البسملة نقول: قوله «بِسْمِ اللَّهِ» الجار والمجرور كلاهما متعلق بمحذوف فعل مؤخر مناسب للمقام.
فتقديره فعلاً لأن الأصل في الأعمال الأفعال، وكونه مؤخراً لفائدتين: الأولى: التبرك بالبداءة باسم الله تعالى.
الثانية: إفادة الحصر، لأن تقديم المتعلق يفيد الحصر.
وكونه مناسباً للمقام لأنه أدل على المراد، فلو أن إنساناً أراد أن يبدأ في =

الجزء: 1 - الصفحة: 12

الحمدُ للهِ أهلِ الحمدِ ومستحِقِّهِ (1)،  = قراءة كتاب مثلاً فقال: بسم الله أبدأ فإنه لا يدري بماذا يبتدى، لكنه لو قال: بسم الله اقرأ فإنه يكون أدل على المراد.
قوله «اللَّهِ» علم على الباري - سبحانه وتعالى - وهو الاسم الذي ترجع إليه جميع الأسماء.
قوله «الرَّحْمَنِ» اسم من أسمائه - سبحانه وتعالى - وهو من الأسماء المختصة به لا يطلق على غيره، ومعنى «الرحمن» ذو الرحمة الواسعة.
قوله «الرَّحِيمِ» هو أيضاً اسم من أسمائه - سبحانه وتعالى - الغير مختصة به كما قال تعالى لنبيه -صلى الله عليه وسلم-: ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (1)، ومعنى «الرحيم» ذو الرحمة الواصلة، أي الموصل رحمته من يشاء.
(1) وقوله «الحمدُ للهِ» جملة اسمية مكونة من مبتدأ وخبر، والحمد في اللغة: ثناء، يقال: حمد فلان فلاناً، إذا أثنى عليه.
أما في الشرع: فمعنى الحمد، الوصف بالجميل الاختياري على المنعم بسبب كونه منعماً على الحامد، فقولنا «فلان عالم»، «فلان جواد»، «فلان كريم» وهكذا كل هذا يعد حمداً.
والألف واللام في الحمد للاستغراق، أي استغراق جميع المحامد وجميع الحمد، واللام (لله) للاختصاص، أي لا تكون هذه المحامد إلا لله وحده لاشريك له.
(2) قوله «أهلِ الحمدِ ومستحِقِّهِ» هو أهل أن يحمد، بل هو المستحق للحمد، فهو المحمود على كل حال في السراء والضراء، والنعماء والبأساء.

الجزء: 1 - الصفحة: 13

حمداً يفضُلُ على كلِّ حمدٍ 10، كَفَضلِ اللهِ على خلقِهِ 11. وأشهدُ أنْ لا إلهَ إِلا اللهُ وحدَهُ لاشَريكَ لَهُ (3)، شَهادةَ قائمٍ للهِ بحقِّهِ (4)، وأشهدُ أنَّ محمّداً عَبدُه ورسُوله (5)،  (1) قوله «حمداً يفضُلُ على كلِّ حمدٍ» أي حمداً يزيد على كل حمد.
(2) قوله «كَفَضلِ اللهِ على خلقِهِ» أي كفضل الخالق - جل وعلا - على المخلوق، ففضل الخالق - سبحانه - على المخلوق لا يحصى ولا يعد، ولذا كان حمد المخلوق له ينبغي أن يفضل على كل حمد.
(3) قوله «وأشهدُ أنْ لا إلهَ إِلا اللهُ» أي أعلم علماً يقيناً لاشك فيه أنه (لا إله إلا الله)، أي لا معبود بحق إلا الله.
قوله «وحدَهُ لاشَريكَ لَهُ» جملة تأكيدية لما قبلها.
(4) قوله «شَهادةَ قائمٍ للهِ بحقِّهِ» أي هذه الشهادة المذكورة شهادة من قائم لله بحقها من إفرادالعبادة لله تعالى وحده لا شريك له لأنه المستحق أن يعبد، فلا تصرف أي نوع من أنواع العبادة لغيره، لأن هذا من لوازم شهادة أن لا إله إلا الله وحده لاشريك له.
(5) قوله «وأشهدُ أنَّ محمّداً عَبدُه ورسُوله» أي أعلم علماً يقيناً أن محمداً -صلى الله عليه وسلم- عبد من عباد الله لا يملك من الربوبية شيء، ومع ذلك هو رسول من عند الله تعالى أرسله الله للثقلين بشيراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً.
ومعنى شهادة أن محمداً رسول الله؛ طاعته فيما أمر، وتصديقه فيما أخبر، واجتناب ما نهى عنه وزجر، وأن لا يعبد الله بما شرع.

الجزء: 1 - الصفحة: 14

غيرَ مُرتابٍ في صدقهِ، صلَّى اللهُ عليهِ (1)، وعلى آلهِ وصحبِه (2)، ما جَادَ سَحابٌ بوَدقِهِ، وما رَعدَ بعد بَرقِهِ (3).  (1) قوله «غيرَ مُرتابٍ في صدقهِ» أي ليس عندي شك ولا ريب في كونه رسول من عند الله، وأن ما يبلغه عن ربه صدق لأن الله تعالى زكاه في النقل عنه فقال ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ (1) قوله «صلَّى اللهُ عليهِ» هذه جملة خبرية دعائية، فهي من جهة الإخبار، فهي خبر عن أن الله تعالى صلى عليه، كما قال تعالى ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ (2). وهي أيضاً دعائية، فهي في طلب من الله تعالى أن يصلي على نبيه، وهذا زيادة في تشريفه وتكريمه -صلى الله عليه وسلم-، ومعنى «-صلى الله عليه وسلم-» أي أثني عليه في الملأ الأعلى.
(2) قوله «وعلى آلهِ وصحبِه» الآل هنا هم المؤمنون من قرابته، مثل بناته - رضي الله عنهن - وعميه العباس وحمزة، وأبناء عمه علي وابن عباس - رضي الله عنهماـ. والمراد بالصحب: كل من اجتمع به مؤمناً، ومات على ذلك ولو لم يره، ولو لم تطل الصحبة بخلاف غيره.
(3) قوله «ما جَادَ سَحابٌ بوَدقِهِ، وما رَعدَ بعد بَرقِهِ» الودق: هوالمطر، والمعنى أي أسألك يا إلهي أن تصلي عليه بعدد قطرات الماء التي تنزل من السحاب، وبعدد الرعد الذي يجيء بعد البرق.

الجزء: 1 - الصفحة: 15

هذا كتابُ أحكامٍ في الفِقه 12، اختَصرتُه حَسَبَ الإمْكَان 13، واقتصَرتُ فيه على قولٍ واحدٍ (3)؛  (1) قوله «هذا كتابُ أحكامٍ في الفِقه» أي هذا كتاب في علم الفقه الذي يختص بالأحكام العملية التي تنقسم إلى قسمين: الأول: العبادات: وهي تشمل الصلاة، والزكاة، والصوم، والحج، وما يتبعها من الأيمان، والنذور، وغيرها.
الثاني: المعاملات؛ سواء كانت مالية كالبيع، والإجارة، والرهن، والشركة، والقرض، والوكالة، والكفالة.
أو كانت معاملات شخصية كالنكاح، والطلاق، والرجعة، والخلع، وغير ذلك.
أو معاملات جنائية قضائية، فهذا هو الذي يشمله الفقه.
(2) قوله «اختَصرتُه حَسَبَ الإمْكَان» أي جعلته مختصراً، والمختصر كما قال أهل العلم: هو ما قل لفظه وكثر معناه، ولما كان اختصار الكلام أمر صعب وعزيز قال -رحمه الله- «حسب الإمكان» أي على حسب قدرتي وطاقتي، فلا يكلف الله نفساً إلا وسعها.
(3) قوله «واقتصَرتُ فيه على قولٍ واحدٍ» بين المؤلف هنا منهجه في هذا المختصر، وأنه جعله على قول واحد في مذهب الحنابلة، وذلك لأن العلماء في المذاهب لهم أقوال، فتارة ما يكون الجائز عند بعضهم لا يكون جائزاً عند الآخر، وتارة ما يكون مكروهاً عند البعض لا يكون مكروهاً عند الآخر، ومن هنا تعددت الأقوال في المذهب، لكن المؤلف لما كان شيخ المذهب ذكر هنا قوله.

الجزء: 1 - الصفحة: 16

ليكونَ عُمدةً لقارئِه (1)، ولا يَلتبِسَ عليه الصَّوابُ باختلاف الوُجوهِ والرِّواياتِ (2). سأَلني بعضُ أصحابنا تلخيصَهُ؛ ليقرُبَ على المتعلِّمِين (1)،  (1) قوله «ليكونَ عُمدةً لقارئِه» ذكر المؤلف هنا السبب الذي من أجله اختصرهذا الكتاب، وجعله على قول واحد فقال «ليكون عمدة لقارئه» وعمدة الشيء ما يقوم عليه، فإذا كان عند طالب العلم قول واحد جعل الحكم عنده أمراً واضحاً، ولا يحصل عنده نوع تذبذب ولا تشتت، وهذا أمر مهم جداً لطالب العلم أن يبدأ بصغار العلم قبل كباره فيبدأ بالمختصرات لينضبط عنده العلم، وهذا هو دأب العلماء الكبار، فإنهم كانوا يبدأون بالمختصرات حفظاً ودراية، ثم بعد ذلك يبدأون بالأوسط ثم المطولات.
(2) قوله «ولا يَلتبِسَ عليه الصَّوابُ باختلاف الوُجوهِ والرِّواياتِ» وذلك لأن طالب العلم إذا أهمل جانب المختصرات وسلك طريق الخلافات والروايات حصل عنده نوع التباس، لأن المذهب الواحد قد يكون فيه أكثر من قول كما ذكرت آنفاً، ولذا نجد القاضي أبو يعلى له كتاب في ذلك باسم «الروايتان والوجهان» هذا في مذهب واحد، فكيف إذا انضم إلى ذلك الروايات والوجوه في المذاهب الأخرى.، ثم انشغل بذلك طالب العلم، فهل يستطيع أن يحصل علماً من واقع الخبرة؟ لا يستطيع أبداً أن يحصِّل شيء، ولذا نجد الكثير ممن يبدأون في الطلب إذا انشغل بذلك يحصل عنده نوع فتور ثم يترك طلب العلم أو تجده ما حصَّل شيء من العلم.
ولذا أنصح طالب العلم أن يهتم بمختصرات المذاهب ويحفظها ويقرأ شروحها، ويجعل له مختصراً واحداً يعلق عليه، ويفهم ألفاظه، وهذا ولله الحمد يكفيه في تحصيل العلم.
(1) قوله «سأَلني بعضُ أصحابنا تلخيصَهُ؛ ليقرُبَ على المتعلِّمِين» وذلك =

الجزء: 1 - الصفحة: 17

ويسهُلَ حِفظُه على الطَّالبين (1)؛ فأَجبتُهُ إلى ذلك، مُعْتمِداً عَلَى اللهِ سُبحَانَهُ في إِخلاصِ القَصدِ لِوجههِ الكَريم (1)، والمعُونةِ على الوصول إلى رِضوانِهِ العظيم (1)، وهو حَسبُنَا ونعم الوكيلُ (1)،  = لكي يسهل عليهم ضبط العلم، ويحصل لهم بذلك العلم الذي به ينتفعون وينفعون.
(2) قوله «ويسهُلَ حِفظُه على الطَّالبين» هذا أيضاً من مميزات المختصرات أنه يسهل حفظها عند طالب العلم، ومن هنا كانت قيمة المختصرات عند طالب العلم فإنها بإذن الله تكون عمدة لقارئها، وأنها تكون سهلة عليه، وأنها تكون مانعاً له بعد الله تعالى من الشتات.
(3) قوله «فأَجبتُهُ إلى ذلك، مُعْتمِداً عَلَى اللهِ سُبحَانَهُ في إِخلاصِ القَصدِ لِوجههِ الكَريم» أي أجبته إلى ما سألني من اختصار الفقه على مذهب الإمام أحمد -رحمه الله- معتمداً على الله تعالى في اختصاري قاصداً بهذا الاختصار وجه الرب - سبحانه وتعالاـ. (4) قوله «والمعُونةِ على الوصول إلى رِضوانِهِ العظيم» أي طالباً من الرب - سبحانه وتعالى - العون وذلك للوصول إلى رضوانه، وهذا من أعظم ما يسأل العبد به ربه، أي أن يرضى عنه، فإذا رضي الله تعالى عن العبد أرضاه في الدنيا والآخرة.
قوله «وهو حَسبُنَا ونعم الوكيلُ» أي هو - سبحانه وتعالى - حسبي، أي كافيني، ونعم الوكيل، أي وربي نعم الوكيل الذي هو قائم على كل خلقه مدبر شؤونهم وأمورهم.

الجزء: 1 - الصفحة: 18

وأودعتُهُ أحاديثَ صحيحةً (1)؛ تَبرُّكاً بها، واعتِمادًا عليها، وجعلتها من الصِّحَاح لأَستغني عن نسبتها إليها (1).  (1) قوله «وأودعتُهُ أحاديثَ صحيحةً» أي جعلت فيه أحاديث صحيحة، وهذا لأمور ذكرها بقوله: (2) قوله «تَبرُّكاً بها، واعتِمادًا عليها، وجعلتها من الصِّحَاح لأَستغني عن نسبتها إليها» هذه هي الأمور التي جعلته يودع في مختصره الأحاديث الصحيحة: أولاً: تبركاً بها، فكما أن القرآن مبارك كما قال تعالى ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ﴾ (1)، فكذلك السنة النبوية فيها البركة، فهي كالقرآن في التماس البركة منها، قال -صلى الله عليه وسلم-: «أَلَا إِنِّي أُوتِيتُ الْقُرْآنَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ» (2). ثانياً: واعتماداً عليها، أي ذكرتها أيضاً للاعتماد عليها، فالحديث الصحيح الذي سلم من القدح في الحقيقة لكون الاحتجاج به أقوى، والاعتماد عليه أولى، ولذا إن كان الدليل صحيحاً استراح طالب العلم ومن هنا جعل المؤلف في هذا الكتاب الأحاديث الواردة فيه صحيحة.
ثالثاً: وجعلها ايضاً من الصحاح: لكي يستغنى عن نسبتها إليها، والأحاديث التي أوردها المؤلف في كتابه أغلبها من الصحيحين، وهناك أيضاً من غير الصحيحين لكنها أحاديث صحاح.
انتهى شرح مقدمة المؤلف.

الجزء: 1 - الصفحة: 19

بَابُ أَحْكَامِ الْمِيَاهِ

(1). خُلِقَ الْمَاءُ طَهُوْرًا (2)،  الشرح:

(1)

قوله «بَابُ أَحْكَامِ الْمِيَاهِ»

لما كانت المياه منها ما هو طهور، ومنها ما هو طاهر، ومنها ما هو نجس، ولكل قسم منها أحكام متعلقة به، أراد المؤلف أن يبين أحكامها؛ وذلك لاختلاف أحكامها وأنواعها وأجناسها.
وقد بدأ المؤلف بالمياه لأن الطهارة مفتاح الصلاة، ولأن الصلاة أهم أركان الإسلام العملية بعد الشهادتين، ولأن الفقه إما عبادات أو معاملات، والعبادات مقدمة على المعاملات، والإنسان بحاجة إلى تصحيح عبادته.
وبدأ بالمياه أيضًا لأنه لابد من الطهارة، والطهارة تكون بالماء أو ما يقوم مقامه وهو التراب، وأيضًا لأن الطهارة تخلية، والتخلية قبل التحلية.

(2)

قوله «خُلِقَ الْمَاءُ طَهُوْرًا»

أي أن الأصل في خلق الله تعالى للماء أنه طهور، دليل ذلك قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ 14، وقوله تعالى: ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ 15، ولقوله - صلى الله عليه وسلم - في ماء البحر: «هُوَ الطَّهُوْرُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ» 16. وقوله «طَهُوْرًا» بالفتح على وزن فعول وهو اسم لما يتطهر به كالسحور =

الجزء: 1 - الصفحة: 20

يُطَهِّرُ مِنَ الأَحْدَاثِ وَالنَّجَاسَاتِ (1)، فَلا تَحْصُلُ الطَّهَارَةُ بِمَائِعٍ غَيْرِهِ (2)  =اسم لما يتسحر به، أما بالضم «طُهُوْرًا» فالمراد به الفعل، والماء الطهور هو الطاهر في نفسه المطهر لغيره وهو الباقي على أصل خلقته حقيقة أو حكمًا.
فقولنا «حقيقة» نعني أن الأصل في خلقته على هذه الصفة الموجودة كماء البحر الأصل في خلقته أنه مالح، وكذا الماء الخارج من البئر، الأصل في خلقته أنه ساخن، أو يكون مالحًا أحيانًا.
وقولنا «حكمًا» أي أنه طهور لا باعتبار أصل خلقته بل تغير بفعل فاعل، ولكن مع هذا التغير لم ينقله عن الطهورية كالماء المتغير بغير ممازج، أو بما يشق صون الماء عنه، أو الماء الذي نقوم بتسخينه من أجل التطهر به.

(1)

قوله «يُطَهِّرُ مِنَ الأَحْدَاثِ وَالنَّجَاسَاتِ»:

الأحداث: جمع حدث، والحدث معنى يقوم بالبدن يمنع من الصلاة ونحوها.
والحدث نوعان: أكبر، وهو ما يلزم الغسل له، كالجنابة والحيض والنفاس، وأصغروهو ما يلزم له الوضوء فقط.
والنجاسات: هي أعيان مستخبثة في الشرع، والمراد بها هنا العين المستخبثة التي يمنع المصلي من استصحابها.
والنجاسة نوعان: معنوية وحسية، فالنجاسة المعنوية نجاسة الشرك كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ (1). أما النجاسة الحسية فهي التي تقع على شيء طاهر فيتنجس بها.

(2)

قوله «فَلا تَحْصُلُ الطَّهَارَةُ بِمَائِعٍ غَيْرِهِ»

أي لا تحصل الطهارة من الأحداث والنجاسات بغير الماء.
أما الأحداث فنعم يشترط لها الماء لأن الله تعالى أمر =17

الجزء: 1 - الصفحة: 21

فَإِذَا بَلَغَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ (1)،  =بالتيمم عند عدمه، فقال تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ (1) ولقوله - صلى الله عليه وسلم -: «إِنَّ الصَّعِيْدَ الطَّيِّبَ طَهُوْرُ الْمُسْلِمِ وَإِنْ لَمْ يَجِدِ الْمَاءَ عَشْرَ سِنِيْنَ» (2). أما النجاسات فهل يشترط لإزالتها الماء؟ المذهب (3): يشترط الماء لإزالة النجاسة، وفي رواية أخرى (4) عن الإمام أحمد أنه لا يشترط بل تزال بكل مائع طاهر يزيل، وهذا هو الراجح؛ لأن المقصود هو زوال النجاسة، فمتى زالت زال حكمها، وهذا قول أبي حنيفة (5)، واختاره شيخ الإسلام (6) وشيخنا (7) - رحمهم الله -.

(1)

قوله «فَإِذا بَلَغَ الْماءُ قُلَّتَيْنِ»

فإنه لا ينجس إلا بتغير أحد أوصافه الثلاثة؛ لونه أو طعمه أو ريحه، لقوله - صلى الله عليه وسلم - «إِذَا كَانَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِلِ الْخَبَثَ» 25.18192021222324

الجزء: 1 - الصفحة: 22

أَوْ كَانَ جَارِيًا، لَمْ يُنَجِّسْهُ شَيْءٌ، إِلاَّ مَا غَيَّرَ لَوْنَهُ، أَوْ طَعْمَهُ، أَوْ رِيْحَهُ (1)، وَمَا سِوَى ذلِكَ يَنْجُسُ بِمُخَالَطَةِ النَّجَاسَةِ (2).  (1)

قوله «أَوْ كَانَ جَارِيًا، لَمْ يُنَجِّسْهُ شَيْءٌ، إِلاَّ مَا غَيَّرَ لَوْنَهُ، أَوْ طَعْمَهُ، أَوْ رِيْحَهُ»

أي أن الماء الجاري وإن كان قليلاً فإنه لا ينجس إلا بالتغير، وهذا هو الراجح وهو اختيار شيخ الإسلام (1) -رحمه الله-، بخلاف من قاس الجاري على الدائم.
دليل ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم - «لا يَبُوْلَنَّ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ الَّذِي لا يَجْرِيْ ثُمَّ يَغْتَسِلُ فِيْهِ» (2). ومفهوم الحديث جواز ذلك في الماء الجاري، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: «لا يَغْتَسِلْ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ وَهُوَ جُنُبٌ» (3)، ومفهومه جواز ذلك في الماء الجاري، ولأن الماء الجاري له قوة يدفع بها التغير عن نفسه، فلا يقاس بالماء الواقف.
ومن قال ينجس بمجرد ملاقاة النجاسة إذا كان قليلاً فغير صحيح؛ لأنه أخذ بمفهوم حديث القلتين ويعارضه حديث بئر بضاعة بمنطوقه والمنطوق مقدم على المفهوم.

(2)

قوله «وَمَا سِوَى ذلِكَ يَنْجُسُ بِمُخَالَطَةِ النَّجَاسَةِ»

أي متى كان الماء أقل من القلتين، فإنه ينجس بمجرد ملاقاة النجاسة وإن لم يتغير، هذا هو المشهور من المذهب 29، واختاره المؤلف -رحمه الله-.
وفي رواية أخرى للإمام أحمد: أن الكثير والقليل لا ينجس إلا بالتغير وهذا هو الراجح واختار هذه الرواية شيخ =262728

الجزء: 1 - الصفحة: 23

وَالْقُلَّتَانِ: مَا قَارَبَ مِائَةً وَثَمَانِيَةَ أَرْطَالٍ بِالدِّمَشْقِيِّ (1). وَإِنْ طُبِخَ فِي الْمَاءِ مَا لَيْسَ بِطَهُوْرٍ (2)،  = الإسلام (1) -رحمه الله-، وبه قال الشيخان (2) (3) - رحمهما الله -. دليل ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم - «إِنَّ الْمَاءَ طَهُوْرٌ لا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ» (4).

(1)

قوله «وَالْقُلَّتَانِ: مَا قَارَبَ مِائَةً وَثَمَانِيَةَ أَرْطَالٍ بِالدِّمَشْقِيِّ»

القلة سميت بذلك لأنها تقل بالأيدي، والقلتان بالذراع تعادل ذراع وربع طولاً وعرضًا وعمقًا، وبالقرب خمس قرب، والقربة مائة رطل والرطل تسعون مثقالاً والمثقال يساوي (3.5) جرام إذن يكون حسابها على النحو التالي: (5×100×90) = (4500 مثقالاً) (4500 × 3.5) = (4500 × 7 ÷ 2) = (31500 ÷ 2) = (15750) جرام أي تعادل (157.5) كيلو جرام.
أما باللتر فهي تعادل قريبًا من ذلك (158) لترًا.
وبالصاع تساوي (93 صاعًا و 3 ÷ 4 الصاع).

(2)

قوله «وَإِنْ طُبِخَ فِي الْمَاءِ مَا لَيْسَ بِطَهُوْرٍ»

أي طبخ فيه شيء طاهر كالباقلاء أو اللحم مثلا فتغير به فإنه يسلبه الطهورية نقل ابن المنذر الإجماع على ذلك 34 ولأنه لا يسمّى ماء حينئذ بل يسمى مرقًا أو شايًا ونحو ذلك مما صبغ فيه.30313233

الجزء: 1 - الصفحة: 24

أَوْ خَالَطَهُ فَغَلَبَ عَلى اسْمِهِ (1)، أَوْ اسْتُعْمِلَ فِيْ رَفْعِ حَدَثٍ سَلَبَ طَهُوْرِيَّتَهُ (2).  (1)

قوله «أَوْ خَالَطَهُ فَغَلَبَ عَلى اسْمِهِ»

أي خالطه شيء طاهر كالحبر أو الصبغ أو الخل ونحو ذلك فغلب على أجزائه حتى صار صبغًا أو خلاً أو حبرًا فإنه يسلبه الطهورية أي يكون طاهرًا غير مطهر.
لكني أنبه إلى ما قاله شيخي -رحمه الله- في ذلك حيث قال: «إنه لا يكفي انتقاله من الطهورية إلى الطهارة إلا إذا انتقل اسمه انتقالا كاملا فيقال هذا صبغ أو هذا حبر أو هذا خل أو هذه قهوة أو هذا مرق وهكذا فحينئذ لا يسمى ماء» (1).

(2)

قوله «أَوْ اسْتُعْمِلَ فِيْ رَفْعِ حَدَثٍ سَلَبَ طَهُوْرِيَّتَهُ»

هذا مبني على القول بأن المياه تنقسم إلى ثلاثة أقسام: طهور وطاهر ونجس، وفي رواية في المذهب 36 أنه ينقسم إلى قسمين: طهور ونجس، والذي اختاره شيخ الإسلام 37، وابن سعدي 38، والشيخان: ابن باز 39، والعثيمين 40 - رحمهم الله-: أن الماء قسمان طهور ونجس، أما الطاهر فلا وجود له في الشرع، وهذا هو الصحيح.
وقوله «أَوْ اسْتُعْمِلَ» الضمير يعود على الماء الطهور ويعبر عنه الفقهاء هنا بالماء المستعمل «فِيْ رَفْعِ حَدَثٍ» أي في طهارة واجبة كوضوء وغسل لا طهارة مستحبة كتجديد وضوء أو غسل جمعة على قول من يقول باستحبابه أو =35

الجزء: 1 - الصفحة: 25

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =الغسل الثانية أو الثالثة فإنه لا يسلبه الطهورية بل يكره استعماله على المذهب بخلاف ما إذا كان مستعملاً في طهارة واجبة فإنه «سَلَبَ طَهُوْرِيَّتَهُ» أي يصير طاهرًا غير مطهر، هذه هي إحدى الروايتين 41 في المذهب، والرواية الأخرى 42 أن الماء المستعمل طاهر مطهر، وهذا هو الراجح، وهو الذي اختاره شيخ الإسلام 43 وشيخنا 44 رحمهما الله.
دليل ذلك ما رواه البخاري «وَإِذَا تَوَضَّأَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - كَادُوْا يَقْتَتِلُوْنَ عَلَى وَضُوْئِهِ» 45، ولما رواه أيضاً مسلم عن ابن عباس - رضي الله عنه - «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - كَانَ يَغْتَسِلُ بِفَضْلِ مَيْمُونَةَ» 46. وفي السنن عن ابن عباس - رضي الله عنه - قال «اغْتَسَلَ بَعْضُ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - فِي جَفْنَةٍ 47 فَجَاءَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - لِيَتَوَضَّأَ مِنْهَا أَوْ يَغْتَسِلَ فَقَالَتْ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي كُنْتُ جُنُبًا، فَقَالَ: «إِنَّ الْمَاءَ لا يُجْنِبُ» 48.

  • تنبيهان: أولاً: الماء المستعمل المراد به المتساقط حال الوضوء أو الغسل وليس المراد به الماء الذي يغترف منه.

الجزء: 1 - الصفحة: 26

وَإِذَا شَكَّ فِيْ طَهَارَةِ الْمَاءِ 49، أَوْ غَيْرِهِ 50، أَوْ نَجَاسَتِهِ، بَنَى عَلى الْيَقِيْنِ 51.  ثانيًا: الماء المستعمل في طهارة غير واجبة، المذهب (1) أنه يكره استعماله خروجًا من الخلاف.
والصحيح أنه لا يكره استعماله لأن الكراهة حكم شرعي لا بد فيها من الدليل ولا دليل على الكراهة وهو اختيار شيخنا (2) -رحمه الله-.
(1) قوله «وَإِذَا شَكَّ فِيْ طَهَارَةِ الْمَاءِ» أي شك هل هو طاهر أو نجس، كأن يرى فيه مثلاً روثًا لا يدري هل هو روث بعير أو روث حمار؟ والماء متغير من هذا الروث، فحصل عنده الشك في طهارة الماء فنقول: ابن على اليقين وهو الطهارة، لأنها الأصل، ولأن اليقين لا يزول بالشك.
(2) قوله «أَوْ غَيْرِهِ» أي غير الماء، كثوب أو أرض ونحوه، فحصل عنده الشك في طهارة ذلك، فإنه يبني على اليقين وهو الطهارة.
(3) قوله «أَوْ نَجَاسَتِهِ، بَنَى عَلى اليَقِيْنِ» اليقين هو ما لا شك فيه، دليل ما ذكرنا حديث عبد الله بن زيد - رضي الله عنه - قال: شكي إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - الرجل يجد الشيء في بطنه فيشكل عليه، هل خرج منه شيء أم لا؟ فقال: «لا يَنْصَرِفُ حَتىَّ يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيْحًا» (3). فهذا الحديث أصل في هذه القاعدة المعروفة: (اليقين لا يزول بالشك).
ومن الأدلة أيضًا ما رواه مسلم عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - قال: قال رسول=

الجزء: 1 - الصفحة: 27

وَإِنْ خَفِيَ مَوْضِعُ النَّجَاسَةِ مِنَ الثَّوْبِ أَوْ غَيْرِهِ، غَسَلَ مَا يَتَيَقَّنُ بِهِ غَسْلَهَا (1). وَإِنِ اشْتَبَهَ مَاءٌ طَاهِرٌ بِنَجِسٍ، وَلَمْ يَجِدْ غَيْرَهُمَا تَيَمَّمَ وَتَرَكَهُمَا (2)،  = الله - صلى الله عليه وسلم - «إِذا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِيْ صَلاتِهِ فَلَمْ يَدْرِ كَمْ صَلَّى؟ ثَلاثًا أَمْ أَرْبَعًا؟ فَلْيَطْرَحِ الشَّكَّ وَلْيَبْنِ عَلَى ما اسْتَيْقَنَ ثُمَّ يَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ» (1). (1) قوله «وَإِنْ خَفِيَ مَوْضِعُ النَّجَاسَةِ مِنَ الثَّوْبِ أَوْ غَيْرِهِ، غَسَلَ مَا يَتَيَقَّنُ بِهِ غَسْلَهَا» أي يغسل حتى يتيقن أن الماء قد أتى على النجاسة، وذلك لاشتباه الطاهر بالنجس، فوجب اجتناب الجميع حتى يتيقن الطهارة، إما بالغسل أو اليقين.
مثال ذلك: إنسان في أحد كميه نجاسة ولا يدري في أيهما النجاسة؟ فعلى كلام المؤلف أنه يعمل ما يتيقن به زوالها فيغسل الكمين لأن هذا هو اليقين، لكن هل هذا هو الراجح؟ نقول: الراجح أنه يتحرى، فإذا تحرى وغسل أحد الكمين أجزأه.

(1)

قوله «وَإِنِ اشْتَبَهَ مَاءٌ طَاهِرٌ بِنَجِسٍ»

كأن يكون عنده إناءان فيهما ماء أحدهما طهور والآخر نجس وشكّ أيهما الطهور قال «وَلَمْ يَجِدْ غَيْرَهُمَا تَيَمَّمَ وَتَرَكَهُمَا» لاشتباه الطهور بالنجس، ولأن اجتناب النجس واجب، ولا يتم إلا باجتناب الإناءين، هذا هو المذهب.
والصحيح أنه يتحرى؛ لأنه إذا تعذر اليقين يرجع إلى غلبة الظن، وهنا تعذر اليقين فنرجع إلى غلبة الظن وهو التحري.
ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - سُئل عن الشكِ في الصلاةِ فقال: «فَلْيَتَحَرَّ الصَّوَابَ فَلْيُتِمَّ =52

الجزء: 1 - الصفحة: 28

وَإِنِ اشْتَبَهَ طَهُوْرٌ بِطَاهِرٍ تَوَضَّأَ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا (1).  = عَلَيْهِ» (1)، وهذا هو قول الشافعي (2)، وإحدى الروايتين في المذهب (3)، واختاره شيخنا (4) -رحمه الله-.

(1)

قوله «وَإِنِ اشْتَبَهَ طَهُوْرٌ بِطَاهِرٍ تَوَضَّأَ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا»

هذا على اعتبار القول بأن الماء ثلاثة أقسام، وبيّنا

القول الصحيح

في ذلك، وهو أن الماء قسمان فقط: طهور ونجس.
وعلى هذا فالمسألة التي ذكرها المؤلف لا ترد على القول الصحيح.

  • تنبيه: ذكرنا أنه إن اشتبه طهور بنجس فإنه يتحرى وذلك إذا كانت هناك قرائن تدل على أن هذا هو الطهور أو هذا هو النجس لكن إذا لم يمكنه التحري لعدم وجود القرائن؟ قال بعض العلماء 57: إنه يعمل بما تطمئن به نفسه فإذا اطمأنت مفسه إلى أحدهما أخذ به.
    قال شيخنا -رحمه الله-: «ولا شك أن استعماله لأحد الماءين في هذه الحالة فيه شيء من الضعف لكنه خير من العدول إلى التيمم» 58.53545556

الجزء: 1 - الصفحة: 29

وَإِنِ اشْتَبَهَتْ ثِيَابٌ طَاهِرَةٌ بِنَجِسَةٍ، صَلَّى فِيْ كُلِّ ثَوْبٍ صَلاةً بِعَدَدِ النَّجِسِ، وَزَادَ صَلاةً (1)، وتُغْسَلُ نَجَاسَةُ الْكَلْبِ وَالْخِنْزِيْرِ سَبْعًا، إِحْدَاهُنَّ بِالتُّرَابِ (2)،  (1)

قوله «وَإِنِ اشْتَبَهَتْ ثِيَابٌ طَاهِرَةٌ بِنَجِسَةٍ»

كأن تقع على بعض ثيابه نجاسة وأيقن حصول ذلك ولكن لا يدري أيّها أصابته النجاسة، قال -رحمه الله- «صَلَّى فِيْ كُلِّ ثَوْبٍ صَلاةً بِعَدَدِ النَّجِسِ، وَزَادَ صَلاةً».
مثاله: إنسان عنده عشرون ثوبًا، خمسة منهن نجسة، يقول المؤلف بأنه يصلي بعدد النجس: أي كم يصلي؟ يصلي خمس صلوات ويزيد صلاة فيصبح عدد الصلوات ست واحدة منهن مائة بالمائة ستكون بثوب طاهر، وذلك لأنه إذا صلى زيادة على عدد ما أصابته النجاسة تيقن أنه صلى في ثوب طاهر هذا هو المذهب.
والصحيح أنه يتحرى، فإذا غلب على ظنه طهارة أحد الثياب صلى فيه ولا يعيد، وهذا هو اختيار شيخ الإسلام (1)، وبه قال شيخنا (2) -رحمه الله-، وهو أحد القولين في المذهب (3).

(2)

قوله «وتُغْسَلُ نَجَاسَةُ الْكَلْبِ وَالْخِنْزِيْرِ سَبْعًا إِحْدَاهُنَّ بِالتُّرَابِ»،

أما الكلب فلقوله - صلى الله عليه وسلم - «إِذَا شَرِبَ الْكَلْبُ فِيْ إِنَاءِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْسِلْهُ سَبْعًا» 62، ولمسلم «طَهُوْرُ إِنَاءِ أَحَدِكُمْ إِذَا وَلَغَ فِيهِ الْكَلْبُ أَنْ يَغْسِلَهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ أُوْلاهُنَّ بِالتُّرَابِ» 63. أما الخنزير فألحقوا نجاسته بالكلب، لأنه أخبث منه، ولأنه لا يباح الانتفاع به أصلاً، وقد نص القرآن عليه، فيكون أولى بالحكم من =596061

الجزء: 1 - الصفحة: 30

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  = الكلب، ومن هنا كان المذهب قياس الخنزير على الكلب في وجوب غسل الإناء منه سبعًا.
وذهب أكثر العلماء منهم ابن سعدي (1)، وشيخنا (2) إلى أن نجاسة الخنزير كنجاسة غيره، لا يغسل سبع مرات بالتراب، لأن القياس ضعيف، فإن الخنزير ذكر في القرآن وهو موجود في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - ولم يرد قياسه بالكلب، وهذه هي رواية عن أحمد (3)، وقول للشافعية (4)، وهو الراجح.

تنبيهات

: أولاً: اختلفت الرواية عن أحمد 68 في عدد الغسلات فتارة قال بغسل الإناء سبعا، وقال في رواية أخرى بغسله ثمان مرات، واحتج لهذه الرواية بما جاء في صحيح مسلم عن عبد الله بن مغفل أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «إِذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِي الإِنَاءِ فَاغْسِلُوْهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ وَعَفِّرُوْهُ الثَّامِنَةَ فِي التُّرَابِ» 69. أما رواية السبع فللأدلة المذكورة سابقًا.
والمختار في المذهب الرواية الأولى، وهي وجوب الغسل سبعًا، لكن كيف يجاب على الرواية الثانية مع صحة الحديث الوارد فيها؟ قيل: بأن الرواية الأولى الأحاديث الواردة فيها أصح، لكن الصحيح أن يقال: بأن الجمع بينهما يكون بأنه عد التراب ثامنة، وإن =64656667

الجزء: 1 - الصفحة: 31

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  = لم تكن غسله، لأنه من غير جنس المغسول به.
ثانيًا: هل يجزئ غير التراب كالأشنان والصابون ونحوه؟ قيل: لا يجزئ مطلقا لتعينه في الحديث مع وجود غيره فلا يجزئ العدول عنه.
وقيل: يجزئ لأن هذه الأشياء أبلغ في التنظيف من التراب وكون النبي - صلى الله عليه وسلم - نص على التراب لأنه هو الأرفق والأيسر، وهذا هو أقوى الوجوه في المذهب، وقيل: بأنه لا يجزئ إلا عند عدم التراب.
واختار شيخنا عدم الإجزاء، إلا عند عدم وجوده، فإن استعمال الأشنان أو الصابون أولى من عدمه.
ثالثًا: المختار في المذهب 70؛ أن كلب الصيد إذا أمسك الصيد بفمه، فلا بد من غسل اللحم سبع مرات، إحداها بالتراب، أو ما يقوم مقامه من الأشنان أو الصابون ونحوه.
والصحيح أنه لا يجب غسله سبع مرات؛ لأن هذا مما عفا عنه الشارع، والقاعدة في ذلك «ما كان معفوًا عنه شرعًا زال ضرره قدرًا» وهذا هو اختيار شيخ الإسلام 71 وشيخنا 72 -رحمه الله-.
رابعًا: إذا تنجس الإناء بالبول أو الروث أو الريق، هل يقاس على الولوغ في وجوب غسل الإناء سبعًا؟ جمهور العلماء 73 على أن الروث والبول كالولوغ في وجوب الغسل سبعًا، وعللوا ذلك بتعليلات منها:

الجزء: 1 - الصفحة: 32

وَيُجْزِئُ فِيْ سَائِرِ النَّجَاسَاتِ ثَلاثٌ مُنْقِيَةٌ (1)،  (1) أن الروث والبول أخبث من الولوغ فقيس عليه.
كون النبي - صلى الله عليه وسلم - نص على الولوغ؛ لأن هذا هو الغالب، فإن الكلب لا يجعل بوله وروثه في الأواني، بل يلغ فيها فقط، وما كان من باب الغالب لا مفهوم له ولا يخص به الحكم.
أما الظاهرية (1) فقصروا الحكم على الولوغ، أما البول والروث فكسائر النجاسات.
والأحوط ما ذهب إليه الفقهاء، وبه قال شيخنا (2) -رحمه الله-.
خامسًا: المذهب (3) الأولى في التراب أن تكون في الأولى، لأنها هي الرواية الأرجح من حيث الأحفظية والأكثرية، ومن حيث المعنى إذا جعلها في الأولى خفت النجاسة وهذا ما رجحه شيخنا -رحمه الله- (4). لكن الأظهر عندي أن تكون الأخيرة لورود النص في ذلك وهو قوله - صلى الله عليه وسلم - «وَعَفِّرُوْهُ الثَّامِنَةَ فِيْ التُّرَابِ» (5) فالأولى إعمال النص دون إهماله.

(1) و

قوله «وَيُجْزِئُ فِيْ سَائِرِ النَّجَاسَاتِ ثَلاثٌ مُنقيةٌ»

وقيل سبع، وقيل واحدة تكفي، وهذا هو الصحيح، وهو ابن سعدي 79 وشيخنا 80 - رحمها الله -. دليل ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم - في دم الحيض الذي يصيب الثوب «تَحُتُّهُ ثُمَّ تَقْرُصُهُ بِالْمَاءِ وَتَنْضَحُهُ وَتُصَلِّي فِيْهِ» 81. وجه الدلالة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يذكر هنا عددًا =7475767778

الجزء: 1 - الصفحة: 33

فَإِنْ كَانَتْ عَلَى الأَرْضِ فَصَبَّةٌ وَاحِدَةٌ تَذْهَبُ بِعَيْنِهَا (1)؛ لِقَوْلِ رَسُوْلِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - «صُبُّوْا عَلىَ بَوْلِ الأَعْرَابِيِّ ذَنُوْبًا مِنْ مَاءٍ» *، وَيُجْزِئُ فِيْ بَوْلِ الْغُلامِ الَّذِيْ لَمْ يَأْكُلِ الطَّعَامَ النَّضْحُ (2)،  = والمقام مقام بيان، فلو كان هناك عدد لبينه النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولما كانت النجاسة عينًا خبيثة فمتى زالت زال حكمها.
فالحاصل أنه لا عبرة بالعدد هنا، فإن زالت بواحدة كفت، وإن احتيج لغسلة ثانية، أو ثالثة، أو رابعة، وهكذا غسلت، لأن العبرة بزوال النجاسة.

(1)

قوله «فَإِنْ كَانَتْ عَلَى الأَرْضِ فَصَبَّةٌ وَاحِدَةٌ تَذْهَبُ بِعَيْنِهَا»

أي تذهب بعين النجاسة أيًّا كانت هذه النجاسة، من آدمي، أو كلب، أو غيره.
فإن كانت النجاسة ذات جرم؛ كعذرة آدمي، أو عذرة كلب، ويخاف على تلويث المكان، فإنه لابد من إزالة الجرم، ثم صب الماء على محل النجاسة.

(2)

قوله «وَيُجْزِئُ فِيْ بَوْلِ الْغُلامِ الَّذِيْ لَمْ يَأْكُلِ الطَّعَامَ النَّضْحُ»:

النضح هو أن تتبع بول الغلام الماء، دون فرك، أو عصر، دليله ما ذكره المؤلف في حديث أم قيس بنت محصن «أَنَّهَا أَتَتْ بِابْنٍ لَهَا صَغِيْرٍ لَمْ يَأْكُلِ الطَّعَامَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَأَجْلَسَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فِي حَجْرِهِ فَبَالَ عَلَى ثَوْبِهِ فَدَعَا بِمَاءٍ فَنَضَحَهُ وَلَمْ يَغْسِلْهُ» 82، وفي رواية «فَأَتْبَعَهُ إِيَّاهُ وَلَمْ يَغْسِلْهُ» 83. وقوله «لَمْ يَأْكُلِ الطَّعَامَ»: أي يشتهيه لكي يتغذى به بخلاف ما يحنك به = = نجاسة الدم وكيفية غسله - رقم (291). * أخرجه البخاري في كتاب الوضوء - باب صب الماء على البول في المسجد (217) من حديث أبي هريرة.

الجزء: 1 - الصفحة: 34

وَكَذلِكَ الْمَذْيُ (2)،  = ويلعقه من الأشربة ونحوها.
ويلاحظ هنا أن عندنا قيدين ذكرهما المؤلف: القيد الأول: أن يكون غلامًا، والغلام خاص بالذكر.
القيد الثاني: لم يأكل الطعام، فيكفي فيه النضح.
فإن قيل: ما السبب في التفريق بين الذكر والأنثى؟ قيل: إن العلة تعبدية، الرسول - صلى الله عليه وسلم - فرق فنقف، هذا أسلم وأحسن وأكثر طمأنينة، وقيل: إن العلة هي أن بول الغلام أخف من بول الجارية، فبول الجارية ينتشر، وقيل: بأن الغلام يبتلى به الناس أكثر لكثرة محبتهم له فجاء التخفيف في بوله، لكن الصواب أن العلة تعبدية كما ذكرنا.

(1) و

قوله «وَكَذلِكَ الْمَذْيُ»:

المذي ماء رقيق يخرج لابتداء الشهوة إذا تحركت بتفكر أو نظر أو مس وبعد فتورها من غير إحساسه به.
واختلف في حكمه هل هو طاهر أم نجس؟ فظاهر المذهب 84 القول بنجاسته، هذا هو المشهور في المذهب وهو الصحيح لكن نجاسته مخففة وفي رواية أخرى في المذهب القول بطهارته 85. فقوله «وَكَذلِكَ الْمَذْيُ» أي أن المذي يأخذ حكم بول الغلام في تطهيره، وذلك بنضح ما أصابه.
وقيل لا يطهر بالنضح بل لا بد فيه من الغسل، وهذا هو المذهب 86. والصحيح أنه يكفي فيه النضح كما ذكر المؤلف -رحمه الله-، دليل ذلك حديث سهل بن حنيف قال: «كُنْتُ أَلْقَى مِنْ الْمَذْيِ شِدَّةً وَكُنْتُ أُكْثِرُ =

الجزء: 1 - الصفحة: 35

وَيُعْفَى عَنْ يَسِيْرِهِ وَيَسِيْرِ الدَّمِ، وَمَا تَوَلَّدَ مِنْهُ مِنَ الْقَيْحِ وَنَحْوِهِ (1)،  = مِنَ الاِغْتِسَالِ فَسَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: إِنَّمَا يُجْزِيْكَ مِنْ ذَلِكَ الْوُضُوءُ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ فَكَيْفَ بِمَا يُصِيْبُ ثَوْبِي مِنْهُ؟ قَالَ: يَكْفِيْكَ بِأَنْ تَأْخُذَ كَفًّا مِنْ مَاءٍ فَتَنْضَحَ بِهَا مِنْ ثَوْبِكَ حَيْثُ تَرَى أَنَّهُ أَصَابَهُ» (1).

(1)

قوله «وَيُعْفَى عَنْ يَسِيْرِهِ وَيَسِيْرِ الدَّمِ، وَمَا تَوَلَّدَ مِنْهُ مِنَ الْقَيْحِ وَنَحْوِهِ»

الضمير في «يَسِيْرِهِ» يعود على المذي، أي يعفى عن يسير المذي، والمذهب 88 لا يعفى عن يسيره، والصحيح ما ذكره المؤلف من العفو عن يسير المذي لعموم البلوى به، ولمشقة التحرز منه، ولأن شريعتنا مبناها على السماحة والتيسير على الخلق، وهذا من باب الرحمة بالخلق.
قوله «وَيَسِيْرِ الدَّمِ» أي يعفى عن يسير الدم أيضًا، وهذا رواية في المذهب 89، وكذلك ما تولد منه؛ من قيح، وصديد، ونحوه، وهذا هو قول أكثر الصحابة، كأبي هريرة وابن عباس وجابر وغيرهم - رضي الله عنهم -، وبه قال شيخ الإسلام 90 -رحمه الله-، وفي رواية في المذهب 91 أنه لا يعفى عن قليله ولا كثيره، لكن الصواب ما ذهب إليه الأولون.

  • تنبيه: قول المؤلف «وَيُعْفَى عَنْ يَسِيْرِ الدَّمِ» ذكر ذلك بناء على القول بنجاسة الدم وهو قول جمهور أهل العلم، والمقصود بالدم هنا دم الآدمي.87

الجزء: 1 - الصفحة: 36

وَهُوَ مَا لا يَفْحُشُ فِيْ النَّفْسِ (1).  = والصحيح القول بطهارته وهو اختيار شيخنا (1) -رحمه الله-، دليل ذلك: الأول: أن الأصل في الأشياء الطهارة حتى يأتي دليل على النجاسة، ولا دليل فيما نعلمه على نجاسة الدم.
الثاني: ما جاء عن الحسن البصري -رحمه الله- حيث قال: «ما زال المسلمون يصلون في جراحاتهم» (2)، ومع القول بطهارته نرى أن الأحوط الطهارة منه إذا نزل وغسل الثوب منه.
لكن عندنا دم باتفاق أهل العلم أنه نجس، وأنه ينقض الوضوء وهو دم الحيض والنفاس والدم المسفوح والذي يخرج من السبيلين قل أو كثر فإنه نجس كما سيأتي بيان ذلك إن شاء الله في نواقض الوضوء.

(1)

قوله «وَهُوَ مَا لا يَفْحُشُ فِي النَّفْسِ»

هذا حد اليسير، فالمرجع فيه إلى النفس، فكل من رأى أنه قليل صار قليلاً، والعكس بالعكس.
وقيل في حده ثلاث قطرات فقط فأكثر 94، وقال بعضهم ما زاد عن مكانه، قال شيخنا -رحمه الله- تعليقًا على ما ذهب إليه المؤلف: «وهذا القول فيه نظر؛ لأن من الناس من عنده وسوسة، فالنقطة الواحدة عنده كثيرة، ومنهم من عنده تهاون فإذا خرج منه دم كثير قال قليل» 95. وقيل بل المعتبر في حد اليسير هو ما اعتبره أوساط الناس، فما اعتبروه يسيرًا =9293

الجزء: 1 - الصفحة: 37

وَمَنِيُّ الآدَمِيِّ (1)، وَبوْلُ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ طَاهِرٌ (2)  = فهو يسير، وما اعتبروه كثيرًا فهو كثير، وهو اختيار شيخنا (1) -رحمه الله-.

(1)

قوله «وَمَنِيُّ الآدَمِيِّ»

اختلفت الرواية في المذهب عن حكم المني: فالمشهور من المذهب (2)، وعليه جماهير الأصحاب، وبه قال الشافعي (3)، وشيخ الإسلام (4)، وابن القيم (5)، وشيخنا (6) - رحمهم الله-، وبه أفتت اللجنة الدائمة (7): القول بطهارته وهو الراجح.
دليل ذلك حديث عائشة - رضي الله عنها- حيث قالت: «كُنْتُ أَفْرُكُ الْمَنِيَّ مِنْ ثَوْبِ رَسُوْلِ الله - صلى الله عليه وسلم - فَيُصَلِّيْ فِيْهِ» (8) فلو كان نجسًا لم يجزئ فركه كسائر النجاسات، ولأن الأصل في الأشياء الطهارة ولا دليل يدل على نجاسته.
والرواية الأخرى في المذهب (9) القول بنجاسته، وبه قال الحنفية (10)، والمالكية (11). والصحيح القول الأول كما ذكرنا.

(1)

قوله «وَبوْلُ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ طَاهِرٌ»:

وما يؤكل لحمه؛ كالإبل، والبقر، =96979899100101102103104105106

الجزء: 1 - الصفحة: 38

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  = والغنم، ونحو ذلك، بولها بل وروثها طاهر في ظاهر المذهب 107، بل لم يذهب أحد من الصحابة إلى القول بنجاسته.
قال شيخ الإسلام 108: «القول بنجاسته قول محدث لا سلف له من الصحابة»، وإلى هذا القول ذهب مالك 109 وشيخنا 110 -رحمه الله- وهو الصحيح، دليل ذلك:

  • حديث أنس ابن مالك - رضي الله عنه - أنه قال: «قَدِمَ أُنَاسٌ مِنْ عُكْلٍ أَوْ عُرَيْنَةَ فَاجْتَوَوا الْمَدِينَةَ فَأَمَرَهُمْ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - بِلِقَاحٍ وَأَنْ يَشْرَبُوْا مِنْ أَبْوَالِهَا وَأَلْبَانِهَا» 111. فالشاهد منه أمره بأن يشربوا من أبوال الإبل فقد ساقه مع اللبن وسياقه معه دليل على طهارته.
  • إذنه - صلى الله عليه وسلم - بالصلاة في مرابض الغنم وهي لا تخلو من البول والروث.
  • استصحاب البراءة الأصلية، إذ لا دليل على نجاسة بول وروث ما يؤكل لحمه، وقد ذكر شيخ الإسلام -رحمه الله- أكثر من خمسة وعشرين دليلاً يدل على طهارتها 112. وبنجاستها قال الحنفية 113 والشافعية 114. قلت: والصحيح القول بالطهارة لما ذكرناه من الأدلة.

الجزء: 1 - الصفحة: 39

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  -

تنبيهات

: أولاً: الرطوبة التي في فرج المرأة اختلفت الرواية فيها في المذهب (1)، لكن الأقوى من هذه الروايات القول بطهارتها، وهذا اختيار شيخنا (2) -رحمه الله-، وهو الصحيح.
لكن لشيخنا تفصيل في هذه الرطوبة فقد ذكر أن الفرج له مجريان: الأول: مجرى مسلك الذكر وهو الذي يتصل بالرحم ولا علاقة له بمجرى البول ولا بالمثانة، فإن كانت الرطوبة خارجة منه فهي طاهرة لأنها ليست من فضلات الطعام ولا الشراب ولأن الأصل عدم النجاسة حتى يأتي دليل.
الثاني: مجرى البول وهو الذي يتصل بالمثانة ويخرج من أعلى الفرج فإن كانت الرطوبة خارجة منه فهي نجاسة وحكمها حكم سلس البول.
ثانيًا: لكن هل ينتقض الوضوء بهذه الرطوبة؟ الجواب: هذا مبني على ما ذكره شيخنا؛ فإن كانت الرطوبة من مجرى البول فإنه ينتقض وضوؤها، أما إن كانت خارجة من مجرى الذكر فالجمهور على أنه ينقض الوضوء، وقيل لا ينقض.
والأحوط عندي أنها تتوضأ لأن نقض الوضوء أسهل من القول بنجاستها وبه قال شيخنا (3) -رحمه الله-.

ثالثًا: إن كانت الرطوبة مستمرة فما العمل؟

نقول: بأن حكمها حكم سلس البول أي أنها تتطهر للصلاة المفروضة بعد دخول وقتها وتتحفظ ما استطاعت وتصلي ولا يضرها ما خرج.
لكن إن كانت هذه الرطوبة تنقطع=115116117

الجزء: 1 - الصفحة: 40

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  = في وقت معين قبل خروج وقت الصلاة فالواجب على المرأة أن تنتظر حتى يأتي وقت الانقطاع ثم تتوضأ فتصلي.
رابعًا: لم يشر المؤلف -رحمه الله- إلى ما يشق صون الماء عنه مثل غدير نبت فيه عشب أو طحلب أو ساقط فيه ورق شجر فيتغير بها فهذا الماء طهور لا يكره استعماله.
خامسًا: لم يشر المؤلف أيضًا إلى غمس يد القائم من النوم في الماء، والصواب في هذه المسألة بقاء طهورية الماء، فيجوز أن يتطهر به المسلم لكن يأثم الغامس يده في الإناء لمخالفته النهي الوارد في ذلك وهو قوله - صلى الله عليه وسلم -: «وَإِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ فَلْيَغْسِلْ يَدَهُ قَبْلَ أَنْ يُدْخِلَهَا فِيْ وَضُوئِهِ فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ» 118.

الجزء: 1 - الصفحة: 41

بَابُ الآنِيَةِ.
لا يَجُوْزُ اسْتِعْمَالُ آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ (1)،  الشرح:

تنبيهان

: أولاً: يذكر الفقهاء

باب الآنية

عقب باب الطهارة لأن الماء جوهر سيال لا يمكن حفظه إلا بإناء ولذلك يتبعون باب أحكام الآنية بباب المياه.

ثانيًا: الأصل في الآنية

الحل لدخولها في عموم قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ (1) والآنية من الأرض، ولقوله - صلى الله عليه وسلم - «إِنَّ اللَّهَ فَرَضَ فَرَائِضَ فَلا تُضَيِّعُوْهَا، وَنَهَى عَنْ أَشْيَاءَ فَلا تَنْتَهِكُوْهَا، وَحَدَّ حُدُوْدًا فَلا تَعْتَدُوْهَا، وَسَكَتَ عَنْ أَشْيَاءَ رَحْمَةً بِكُمْ مِنْ غَيْرِ نِسْيَانٍ فَلا تَبْحَثُوْا عَنْهَا» (2). (1)

قوله «لا يَجُوْزُ اسْتِعْمَالُ آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ»

لورود النهي بتحريم ذلك كما ذكر المؤلف من حديث حذيفة - رضي الله عنه -، وأيضاً لما جاء في حديث أم سلمة - رضي الله عنها - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «الَّذِيْ يَشْرَبُ فِي إِنَاءِ الْفِضَّةِ إِنَّمَا يُجَرْجِرُ فِي بَطْنِهِ نَارَ جَهَنَّمَ» 121. والاستعمال هو أن ينتفع بها فيما استعملت له، والنهي هنا يقتضي التحريم، لكن هل هذا التحريم خاص باستعمالها في الأكل والشرب فقط، أم التحريم في الاستعمال مطلقًا؟ =119120

الجزء: 1 - الصفحة: 42

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  = المذهب 122 على التحريم مطلقًا؛ عللوا لذلك بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - ذكر الأكل والشرب فيهما، لأن هذا هو الغالب في الأفعال، وفي استعمالها في غير الأكل والشرب فيه مظنة السرف باستعمال النقدين في غير ما خلقا له والله لا يحب المسرفين، ولمظنة الخيلاء والكبر والفخر وكسر قلوب الفقراء.
وقيل 123: إن الاستعمال في غير الأكل والشرب يجوز، وبه قال شيخنا 124 -رحمه الله-، وهذا اختيار الشوكاني في نيل الأوطار 125، والصنعاني في سبل السلام 126. دليلهم على ذلك: 1 - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن شيء مخصوص وهو الأكل والشرب، ولو كان المحرم غيرهما لبينه النبي - صلى الله عليه وسلم -، بل إن تخصيصه في الأكل والشرب منهما دليل على أن ما عداهما جائز.
2 - وبما جاء في صحيح البخاري من «أن أم سلمة كان لها جلجل من فضة جعلت فيه شعرات للنبي - صلى الله عليه وسلم - كان الناس يستشفون بها» 127 وهذا استعمال في غير الأكل والشرب.
والأحوط عندي عدم الاستعمال مطلقًا للذهب والفضة، ولو قيل بأن الذهب لا يتسامح فيه مطلقاً لورود التحريم فيه ولكون التحريم فيه أشد، =

الجزء: 1 - الصفحة: 43

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  = أما الفضة فيتسامح فيها لكان متجهًا، ولذا جاء في مسند أحمد « .. وَلَكِنْ عَلَيْكُمْ بِالْفِضَّةِ الْعَبُوْا بِهَا لَعِبًا» 128. وكذلك لما جاء في البخاري من أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان قد اتخذ خاتمًا من ذهب ثم رمى به وقال: «لا أَلْبَسُهُ أَبَدًا» ثُمَّ اتَّخَذَ خَاتَمًا مِنْ فِضَّةٍ 129. وقد نقل أيضًا ابن حجر في فتح البارى 130 عن جماعة من العلماء استعمال الإناء الصغير من الفضة في غير الأكل والشرب، فلعل هذا هو الصواب والله أعلم.

  • تنبيهان: أولاً: في اتخاذ آنية الذهب والفضة بغرض الاقتناء فقط إما للزينة أو للبيع والشراء دون الاستعمال هل يجوز اتخاذها على هذه الصفة؟ قولان في المذهب 131: المشهور في المذهب حرمة الاتخاذ، وبه قال شيخ الإسلام 132 وسماحة الشيخ بن باز 133 -رحمه الله-.
    وقول آخر في المذهب القول بعدم التحريم، وبه قال شيخنا محمد بن صالح العثيمين 134 -رحمه الله- وهو الراجح عندي.

الجزء: 1 - الصفحة: 44

فِيْ طَهَارَةٍ وَلا غَيْرِهَا (1)؛ لِقَوْلِ رَسُوْلِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - «لا تَشْرَبُوْا فِيْ آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالفِضَّةِ، وَلا تَأْكُلُوْا فِيْ صِحَافِهَا؛ فَإِنَّهَا لَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَكُمْ فِي الآخِرَةِ» *  ثانيا: هل الاستعمال هو الاتخاذ أم هناك فرق بينهما؟ الجواب: هناك فرق بينهما، فالاتخاذ هو أن يقتنيه فقط إما للزينة أو للبيع والشراء فيه ونحوه.
أما الاستعمال فهو التلبس بالانتفاع به أي يستعمله فيما صنع له.

(1)

قوله «فِيْ طَهَارَةٍ وَلا غَيْرِهَا»

أي يحرم استعمال آنية الذهب والفضة بغرض الوضوء أو الاغتسال منها وفيها وبها كل ذلك لا يجوز.
لكن إن استعملها في الطهارة هل تصح طهارته؟ وجهان في المذهب 135: الأول: أنها لا تصح الطهارة منها لأنه أتى بالعبادة على الوجه المحرم فأشبه الصلاة في الأرض المغصوبة، واختار هذه الرواية شيخ الإسلام 136 رحمه الله.
الثاني: وهو الصحيح عندي أن الطهارة تصح ويأثم باستعماله، وذلك لأن الإناء ليس شرطًا في الوضوء، ولأن التحريم لا يرجع إلى نفس العبادة ولا إلى شرط من شروط وجوبها، وهذا هو المذهب قطع به الخرقي 137 وبه قال شيخنا 138 رحمه الله.
* أخرجه البخاري في كتاب الأطعمة - باب الأكل في إناء مفضض- رقم (5110)، ومسلم في كتاب اللباس والزينة - باب تحريم إستعمال إناء الذهب والفضة على الرجال والنساء .. - رقم (2067).

الجزء: 1 - الصفحة: 45

وَحُكْمُ الْمُضَبَّبِ بِهِمَا حُكْمُهُمَا (1)، إِلَّا أَنْ تَكُوْنَ الْضَبَّةُ يَسِيْرَةً مِنَ الْفِضَّةٍ (2)  (1)

قوله «وَحُكْمُ الْمُضَبَّبِ بِهِمَا حُكْمُهُمَا»

أي أن حكم الآنية المضببة بالذهب أو الفضة تأخذ حكم آنية الذهب والفضة في التحريم، وصورة هذا الإناء المضبب تكون بانكسار هذا الإناء فيلصق ويجبر بذهب أو فضة، والعلة في تحريم المضبب بهما (يعني الذهب أو الفضة) أنه إذا استعمل هذا الإناء فقد استعملهما.
(2)

قوله «إِلَّا أَنْ تَكُوْنَ الْضَبَّةُ يَسِيْرَةً مِنَ الْفِضَّةٍ»

بشرط أن تكون هناك حاجة، فهذه أربعة شروط لجواز استعمال الفضة في الإناء: 1 - أن تكون ضبة.
2 - أن تكون هذه الضبة يسيرة.
3 - أن تكون الضبة من فضة.
4 - أن تكون لحاجة.
دليل ذلك حديث أنس - رضي الله عنه - قال: «أَنَّ قَدَحَ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - انْكَسَرَ فَاتَّخَذَ مَكَانَ الشَّعْبِ سِلْسِلَةً مِنْ فِضَّةٍ» (1).

تنبيهات

: أولاً: معنى الحاجة هنا أن يتعلق بها غرض غير الزينة وإن كان غيره يقوم مقامه.

ثانيًا: الحاجة أدنى من الضرورة،

فالحاجة كما قال في الإنصاف 140 ما يتعلق بها غرض غير الزينة أي لا يتخذها زينة.
أما كونه لا يجد ما يجبر به المكسور غيرها فهنا تسمى ضرورة وليس بحاجة بل يجوز له أن يجبرها بالذهب إن =139

الجزء: 1 - الصفحة: 46

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  = كانت هناك ضرورة ففرق بين الضرورة والحاجة.
ثالثًا: إن كان هناك يسير لغير حاجة كحلقة الإناء مثلاً فالمنصوص عليه من المذهب أنها لا تباح على الصحيح، وقيل بإباحتها مطلقًا، وقيل تباح بشرط عدم المباشرة لها بالاستعمال 141، والأحوط عندي العمل بالمذهب.
رابعًا: حكم مباشرة الضبة لغير حاجة.
الذي ذهب إليه المؤلف -رحمه الله- القول بكراهية مباشرة موضع الضبة بالاستعمال لكيلا يكون مستعملاً لها.
قالوا: لو أن إنسانًا عنده إناء به ضبة وأراد أن يشرب من هذا الإناء فإنه لا يباشر هذه الضبة حال شربه بشفتيه وهذا هو المذهب 142، إلا إذا كانت هناك حاجة لاستعمالها فلا يكره.
والصحيح عدم الكراهة مطلقًا، وبه قال شيخنا 143 -رحمه الله-؛ لأن الكراهة حكم شرعي يفتقر إلى دليل، ولا دليل على كراهية مباشرة الضبة حال الاستعمال ما دمنا قد قلنا بإباحتها، ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - حال استعماله لقدحه المضبب بالفضة لم يثبت عنه أنه كان يتوقى هذه الجهة المضببة.
خامسًا: الأواني والصنابير المنزلية المطلية بماء الذهب هل يجوز اتخاذها واستعمالها؟ الجواب: أما الاتخاذ فقد بيَّنا أن الصواب جواز اتخاذ آنية الذهب والفضة دون الاستعمال في الأكل والشرب ومن باب أولى جواز اتخاذ المموه والمطلى بهما دون استعمالها.

الجزء: 1 - الصفحة: 47

وَيَجُوْزُ اسْتِعْمَالُ سَائِرِ الآنِيَةِ الطَّاهِرَةِ وَاتِّخَاذُهَا (1)، وَاسْتِعْمَالُ أَوَانِي أَهْلِ الْكِتَابِ (2)،  = سادسًا: هل اليسير كالكثير في الذهب والفضة؟ يعني لو أن إنسانًا استعمل شيئًا يسيرًا من الذهب والفضة هل يجوز له ذلك؟ نقول: رخص بعض أهل العلم في اليسير التابع من الذهب والفضة كالذي يكون في النظارة مثلاً، أو ما يكون في الأقلام ونحو ذلك فقد رخص فيه بعض العلماء، ، لكن لا بد أن يكون يسيرًا تابعًا.
وقال بعض الفقهاء بالتفريق بين الذهب والفضة، فقالوا بأن اليسير من الذهب لا يجوز، أما الفضة فيجوز استعمال اليسير التابع منها وهو قول شيخنا (1) -رحمه الله-.
وقال بعض أهل العلم: لا يجوز استعمالها مطلقًا (2).

(1)

قوله «وَيَجُوْزُ اسْتِعْمَالُ سَائِرِ الآنِيَةِ الطَّاهِرَةِ وَاتِّخَاذُهَا»

لأن النص إنما ورد في الذهب والفضة، فكل إناء سوى آنية الذهب والفضة يجوز استعماله، سواء كان ثمينًا أو غير ثمين، بخلاف من قال بحرمة أو بكراهة استعمال الثمين؛ لما فيه من الخيلاء والإسراف والفخر.
دليل ذلك ما رواه البخاري عن عبد الله بن زيد أن النبي - صلى الله عليه وسلم - «تَوَضَّأَ فِيْ تَوْرٍ مِنْ صُفْرٍ» (3)، والصفر هو النحاس الجيد تصنع منه الأواني.

(2)

قوله «وَاسْتِعْمَالُ أَوَانِي أَهْلِ الْكِتَابِ»

أي يجوز استعمال أواني أهل الكتاب وهم اليهود والنصارى وكذا ثيابهم بشرط عدم نجاستها.144145146

الجزء: 1 - الصفحة: 48

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  = وقد اختلفت الروايات في المذهب 147 في حكم استعمال أواني أهل الكتاب: الرواية الأولى: إباحة استعمالها مطلقًا وهو المذهب وبه قال جمهور أهل العلم، دليل ذلك حديث جابر بن عبد الله - رضي الله عنه - قال: «كُنَّا نَغْزُوْ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَنُصِيْبُ مِنْ آنِيَةِ الْمُشْرِكِيْنَ وَأَسْقِيَتِهِمْ فَنَسْتَمْتِعُ بِهَا فَلا يَعِيْبُ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ» 148. ومن الأدلة أيضًا ما جاء في الصحيحين من حديث عمران بن حصين - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - توضأ من مزادة امرأة مشركة» 149. وروى أحمد في مسنده عن أنس - رضي الله عنه - «أَنَّ يَهُوْدِيًّا دَعَا النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - إِلَى خُبْزِ شَعِيْرٍ وَإِهَالَةٍ سَنِخَةٍ فَأَجَابَهُ» 150. فكل هذه الأدلة تدل على إباحة استعمالها ما لم يعلم أنهم يستخدمونها في النجاسات كطبخ لحم الخنزير فيها ونحوه.
الرواية الثانية في المذهب: كراهية استعمالها؛ لحديث أبي ثعلبة الخشني قال: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا بِأَرْضِ قَوْمٍ أَهْلِ كِتَابٍ نَأْكُلُ فِي آنِيَتِهِمْ، قَالَ: «إِنْ وَجَدْتُمْ غَيْرَ آنِيَتِهِمْ فَلا تَأْكُلُوْا فِيهَا فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَاغْسِلُوْهَا وَكُلُوْا فِيْهَا» 151.

الجزء: 1 - الصفحة: 49

وَثِيَابِهِمْ مَا لَمْ تُعْلَمْ نَجَاسَتُهَا (1)

، وَصُوْفُ الْمَيْتَةِ وَشَعَرُهَا طَاهِرٌ

(2)،  =الرواية الثالثة في المذهب: أن النصارى الذين يكثرون استعمال النجاسات من الخمر والخنزير لا تباح أوانيهم وتباح آنية من سواهم.
والصحيح عندي هو المذهب أي لا يكره استعمال أواني أهل الكتاب إلا إذا علم أنهم يستحلون الميتات ويستعملونها في النجاسات كما جاء في رواية أبي داود من حديث أبي ثعلبة الخشني السابق وفيه قال: إِنَّا نُجَاوِرُ أَهْلَ الْكِتَابِ وَهُمْ يَطْبُخُونَ فِي قُدُورِهِمْ الْخِنْزِيرَ وَيَشْرَبُونَ فِي آنِيَتِهِمْ الْخَمْرَ؟ قال: «إِنْ وَجَدْتُمْ غَيْرَهَا فَكُلُوْا فِيْهَا وَاشْرَبُوْا وَإِنْ لَمْ تَجِدُوْا غَيْرَهَا فَارْحَضُوْهَا بِالْمَاءِ وَكُلُوْا وَاشْرَبُوْا» (1)، أما إذا لم يستعملوها فهي طاهرة وإن شك فيها لأن الأصل الطهارة.

(1)

قوله «وَثِيَابِهِمْ مَا لَمْ تُعْلَمْ نَجَاسَتُهَا»

أي يباح استعمال ثياب أهل الكتاب ما لم تعلم نجاستها، وهذا قول واحد في المذهب 153، أما إذا استعملوا هذه الثياب ففي كراهيتها روايتان، والصحيح جواز استعمالها إلا إذا علمنا نجاستها.
(2) وقوله «وَصُوْفُ الْمَيْتَةِ وَشَعْرُهَا طَاهِرٌ» هذا هو المذهب 154، وبه قال الحنفية 155 والمالكية 156.152

الجزء: 1 - الصفحة: 50

وَكُلُّ جِلْدِ مَيْتَةٍ دُبِغَ أَوْ لَمْ يُدْبَغْ فَهُوَ نَجِسٌ  = لكن اشترط الفقهاء لطهارته شرطا وهو أن يجز الصوف ونحوه جزا لا أن يقلع قلعًا لأنه إذا قلع فإن أصوله تحتقن شيئًا من الميتة وهذا ظاهر في الريش أو تكون أصوله مباشرة للنجاسة وهذا يظهر في الشعر ولذا اشترط أهل العلم ذلك، لكن إن قلعه وفيه شيء من الميتة أو يظهر في أسفله شيء مترطب من النجاسة هل يطهر بالغسل؟ على وجهين: أصحهما عندي طهارته بالغسل.

- تنبيه: هل هذا الحكم خاص بميتة دون ميتة

أم هو عام لجميع الميتات؟ الجواب: نقول هذا خاص بالميتة الطاهرة حال الحياة أي التى تؤكل.
(3) و

قوله «وَكُلُّ جِلْدِ مَيْتَةٍ دُبِغَ أَوْ لَمْ يُدْبَغْ فَهُوَ نَجِسٌ»

هذه هي أشهر الروايات في المذهب 157، وهي إحدى الروايتين عن مالك 158، دليل هذه الرواية حديث عبد الله بن عُكيم قال: «كَتَبَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَبْلَ وَفَاتِهِ بِشَهْرٍ أَنْ لا تَنْتَفِعُوْا مِنَ الْمَيْتَةِ بِإِهَابٍ وَلا عَصَبٍ» 159. الرواية الثانية في المذهب 160 طهارة جلد الميتة بالدبغ، وهو قول مالك في الرواية الثانية عنه 161، والشافعي 162، وأبي حنيفة 163، وهو اختيار شيخ =

الجزء: 1 - الصفحة: 51

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =الإسلام 164، وشيخنا -رحمه الله- 165. وهذه الرواية قيل بأن الإمام أحمد -رحمه الله- رجع إليها وذلك للاضطراب الحاصل في حديث عبد الله بن عكيم.
دليل هذه الرواية حديث ابن عباس - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إِذَا دُبِغَ الإِهَابُ فَقَدْ طَهُرَ» 166، ولحديث ابن عباس - رضي الله عنه - قال: تُصُدِّقَ عَلَى مَوْلاةٍ لِمَيْمُونَةَ بِشَاةٍ فَمَاتَتْ فَمَرَّ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ: هَلاَّ أَخَذْتُمْ إِهَابَهَا فَدَبَغْتُمُوْهُ فَانْتَفَعْتُمْ بِهِ؟ فَقَالُوْا إِنَّهَا مَيْتَةٌ، فَقَالَ: إِنَّمَا حَرُمَ أَكْلُهَا» 167. لكن كيف يجاب عن حديث عبد الله بن عكيم السابق؟ نقول بأنه يجاب عنه بعدة إجابات: أولاً: أن الحديث ضعفه جمع من أهل العلم، فلا يقابل ما ذكرناه من أدلة جواز الانتفاع بجلود الميتة، فإنها صحيحة بلا شك.
ثانيًا: أنه على افتراض صحته، فإن الإهاب كما ذكره أهل العلم هو اسم للجلد قبل الدبغ، أما بعد الدبغ فلا يسمى إهابًا إنما يسمى شنًا أو قربة.

  • تنبيهان: أولاً: جلد الميتة الذي يطهر بالدباغ يشترط في الميتة أن تكون مما تحله الذكاة كالإبل والبقر والغنم والضبع ونحو ذلك، أما ما كان طاهرًا حال الحياة كالهرة والفأرة مثلا ففيه قولان:

الجزء: 1 - الصفحة: 52

وَكَذلِكَ عِظَامُهَا (1).  = الأول: أن جلده يطهر بالدباغ وهذا قول في المذهب (1)، وقول لشيخ الإسلام ابن تيمية (2) -رحمه الله-.
الثاني: وهو الصحيح أنه لا يطهر بالدباغ، وهو قول ابن سعدي (3) واختيارشيخنا (4) -رحمه الله-؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم - «دِبَاغُهَا ذَكَاتُهَا» (5)، فعبر النبي - صلى الله عليه وسلم - بالذكاة، ومعلوم أن الذكاة لا تكون إلا لما يباح أكله.

ثانيًا: هل يلزم غسل الجلد بعد الدبغ؟

على وجهين: اختار صاحب الإنصاف اشتراط غسل المدبوغ وقال على الصحيح (6)، والراجح أنه لا يشترط.
(1) و

قوله «وَكَذلِكَ عِظَامُهَا»

عظم الميتة كذلك نجس وذلك لكونه من أجزائها، وقد قال تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ 174، هذا هو المشهور من المذهب 175، وهو مذهب مالك 176، والشافعي 177. وفي رواية في المذهب 178 طهارة عظم الميتة، وقال به أبو حنيفة 179، =168169170171172173

الجزء: 1 - الصفحة: 53

وَكُلُّ مَيْتَةٍ نَجِسَةٌ إِلاَّ الآدَمِيَّ (1)،  = وهو اختيار شيخ الإسلام (1) -رحمه الله- حيث قال في الاختيارات: وقرن الميتة وعظمها وظفرها وما هو من جنسه كالحافر ونحوه طاهر قاله غير واحد من العلماء وهو الصحيح.

(1)

قوله «وَكُلُّ مَيْتَةٍ نَجِسَةٌ إِلاَّ الآدَمِيَّ»

وهو ظاهر المذهب 181، وظاهر مذهب الشافعي 182، وأصح القولين في مذهب مالك 183، وهو اختيار شيخ الإسلام 184 -رحمه الله-.
دليل ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ 185، ومن جملة تكريمه جعله طاهرًا حيًّا وميتًا، ولقوله - صلى الله عليه وسلم - «إِنَّ الْمُؤْمِنَ لا يَنْجُسُ» 186، وقال البخاري في صحيحه: قال ابن عباس: «الْمُسْلِمُ لا يَنْجُسُ حَيًّا وَلا مَيِّتًا» 187. وهذا هو الصحيح وهو اختيار شيخنا 188 -رحمه الله-.
وفي رواية لأحمد 189: ينجس؛ لعموم الآية وهي قوله تعالى: {قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا =180

الجزء: 1 - الصفحة: 54

وَحَيَوَانَ الْمَاءِ (1)،  = عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ} (1) يعني نجس.
والرواية الأولى هي الأصح لما ذكرناه من الأدلة.
وقال بعض أهل العلم أن الكافر ينجس بالموت دون المسلم؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ (2)، ولعموم حديث أبي هريرة المتقدم «إِنَّ الْمُؤْمِنَ لا يَنْجُسُ»، فمفهوم المخالفة له أن غير المسلم ينجس.
والصحيح أنه سواء كان مؤمنًا أو كافرًا لا ينجس بالموت.
أما الآية فالمراد بالنجاسة فيها هي النجاسة المعنوية، بدليل أن الله أباح لنا التزوج بالكتابيات، وأن نأكل طعام أهل الكتاب، ولا شك أن أيديهم وأبدانهم لا بد من ملامستها، وبخاصة إذا كانت زوجة، ولم يرد ما يدل على الأمر بالتطهر منهن، وهذا هو الصحيح وهو اختيار شيخنا (3) -رحمه الله-.

(1)

قوله «وَحَيَوَانَ الْمَاءِ»

أي طاهر لكن

هل يتناول هذا الحكم جميع ما يكون في الماء

من السمك وغيره؟ المشهور من مذهب أحمد 193: إباحة حيوان البحر مطلقًا عدا الثلاثة وهي الضفدع والحية والتمساح، فالضفدع والحية لخبثهما، أما التمساح فذو ناب مفترس.
ومذهب أبي حنيفة 194 لا يحل من حيوان البحر إلا السمك.
ومذهب مالك 195 =190191192

الجزء: 1 - الصفحة: 55

الَّذِيْ لا يَعِيْشُ إِلاَّ فِيْهِ (1)؛ لِقَوْلِ رَسُوْلِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فِي الْبَحْرِ «هُوَ الطَّهُوْرُ مَاؤُهُ، الْحِلُّ مَيْتَتُهُ» *  = والشافعي (1) إباحة جميع حيوان البحر بلا استثناء؛ لعموم الآية، وهي قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ﴾ (2). وهذا هو الراجح وهو اختيار شيخنا (3) -رحمه الله-.

(1)

قوله «الَّذِيْ لا يَعِيْشُ إِلاَّ فِيْهِ»

أي الذي لا يعيش إلا في البحر، لكن

هل يباح غير ميتة السمك؟

فيه ثلاث روايات في المذهب 199: الأولى: إباحة الجميع بلا ذكاة؛ لعموم الأدلة السابقة.
الثانية: أنه لا يباح غير ميتة السمك؛ لأنه هو المقصود بالميتة في قوله - صلى الله عليه وسلم - «أُحِلَّتْ لَنَا مَيْتَتَانِ ... » 200 وذكر منها السمك.
الثالثة: أن ما كان مأواه البحر ويعيش في البر، ككلب البحر والسلحفاة ونحو ذلك مثلاً، فهذا لا يباح المقدور عليه إلا بالتذكية، وهذا هو المذهب وعليه الأكثرية.
والصحيح القول الأول.196197198

الجزء: 1 - الصفحة: 56

وَمَا لا نَفْسَ لَهُ سَائِلَةً (1) إِذَا لَمْ يَكُنْ مُتَوَلِّدًا مِنَ النَّجَاسَاتِ (2).  (1)

قوله «وَمَا لا نَفْسَ لَهُ سَائِلَةً»

أي لا دم له يسيل منه إذا خرج منه بجرح أو قتل.
(2) قوله «إِذَا لَمْ يَكُنْ مُتَوَلِّدًا مِنَ النَّجَاسَاتِ».
فاشترط المؤلف في ميتة ما لا نفس له سائلة شرطين: الأول: أن لا يكون له نفس سائلة.
الثاني: أن لا يكون متولدا من النجاسات كصراصير الكنيف والبالوعات مثلاً، فهذه نجسة حياةً وموتًا لأن الأصل فيها النجاسة.
أما إذا كان متولدًا من طاهر كالخنفساء، والعقرب، والبق، والبراغيث، والذباب، والقمل، والديدان، فكل هذه طاهرة حياةً وموتًا، فإذا سقطت في مائع فماتت فيه فإنها لا تنجسه.
دليل ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم -: «إِذَا وَقَعَ الذُّبَابُ فِي إِنَاءِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْمِسْهُ كُلَّهُ ثُمَّ لِيَطْرَحْهُ فَإِنَّ فِي أَحَدِ جَنَاحَيْهِ شِفَاءً وَفِي الآخَرِ دَاءً» 201. فلو كان الذباب ينجس بموته لما أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بغمسه في الشراب لأن الظاهر أنه يموت بذلك، وبذلك يتنجس الطعام، فلما كان لا ينجس بالموت أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بغمسه فيه.

الجزء: 1 - الصفحة: 57

بَابُ قَضَاءِ الْحَاجَةِ

(1). يُسْتَحَبُّ (2) لِمَنْ أَرَادَ دُخُوْلَ الْخَلاءِ (3) أَنْ يَقُوْلَ: بِسْمِ اللهِ (4)،  الشرح:

(1)

قوله «بَابُ قَضَاءِ الْحَاجَةِ»

ومن العلماء من يسميه: باب دخول الخلاء، أو باب الاستطابة، أو باب الاستنجاء والاستجمار.
(2) قوله «يُسْتَحَبُّ» المستحب هو الأمر المرغب فيه الذي يمدح فاعله ولا يذم تاركه، لكن هل هو مرادف للمسنون بمعنى أنني أقول للمستحب أنه مسنون أم هناك فرق بينهما؟ نقول بأن الأكثرية على أن المستحب يقال عنه المسنون لا فرق بينهما، ولذا نجد بعض الفقهاء يعبّر بـ «يسن»، وبعضهم يعبّر بـ «يستحب» وقال بعض العلماء ومنهم شيخنا محمد الصالح العثيمين -رحمه الله- بأن المستحب ما ثبت بدليل التعليل والنظر والاجتهاد، أما المسنون فما ثبت بدليل من السنة فلا يعبر عن الشيء الذي لم يثبت بالسنة يسن، ولكن يقال: يستحب 202. (3) قوله «لِمَنْ أَرَادَ دُخُوْلَ الْخَلاءِ» وبعض الفقهاء يقول: «يستحب عند دخول الخلاء» والعندية في قولهم قبلية: أي قبل دخول الخلاء، فإن كان الإنسان في البر مثلاً، فهنا يشرع له الذكر عند جلوسه لقضاء حاجته، وذلك عند خلعه ملابسه أو رفعها.
(4) قوله «أَنْ يَقُوْلَ: بِسْمِ اللهِ» دليل ذلك ما رواه الترمذي وابن ماجه عن علي ابن أبي طالب - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «سَتْرُ مَابَيْنَ أَعْيُنِ الْجِنِّ وَعَوْرَاتِ =

الجزء: 1 - الصفحة: 58

أَعُوْذُ بِاللهِ مِنَ الْخُبُثِ وَالْخَبَائِثِ (1)، وَمِنَ الرِّجْسِ النَّجِسِ الشَّيْطَانِ الرَّجِيْمِ (2). وَإِذَا خَرَجَ قَالَ: غُفْرَانَكَ (3)،  = بَنِيْ آدَمَ إِذَا دَخَلَ أَحَدُهُمْ الْخَلاءَ أَنْ يَقُوْلَ: بِسْمِ اللَّهِ» (1).

(1)

قوله «أَعُوْذُ بِاللهِ مِنَ الْخُبُثِ وَالْخَبَائِثِ»

دليل ذلك ما جاء في المتفق عليه من حديث أنس - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا دخل الخلاء قال: «اللهُمَّ إِنِّيْ أَعُوْذُ بِاللهِ مِنَ الْخُبُثِ وَالَخَبَائِثِ» (2). والمعنى أي أعتصم وألتجئ إلى الله تعالى من الخبث والخبائث، والخبُث بالضم: جمع خبيث، والمراد به ذكران الشياطين، والخبائث جمع خبيثة وهي إناث الشياطين.
والخبْث بالتسكين هو الشر، والخبائث النفوس الشريرة، لكن أي الروايات تقال، نقول: بأن أكثر الروايات هي رواية التسكين، ولأنها أعم من رواية الضم (الخُبث)، فهي تشمل كل نفس شريرة: من جن وشيطان وغيره، بخلاف رواية الضم، فهي مقصورة على ذكران الشياطين وإناثهم.

(2)

قوله «وَمِنَ الرِّجْسِ النَّجِسِ الشَّيْطَانِ الرَّجِيْمِ»

الدليل الذي ورد في ذلك

ضعيف، لكن إن قاله من باب الدعاء فقط وليس على أنه سنة يتعبد بها جاز له ذلك.
(3)

قوله «وَإِذَا خَرَجَ قَالَ: غُفْرَانَكَ»

لما جاء عن عائشة - رضي الله عنها - =203204

الجزء: 1 - الصفحة: 59

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  = حيث قالت: «كَانَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - إِذَا خَرَجَ مِنَ الْخَلاءِ قَالَ: غُفْرَانَكَ» 205. أما الحكمة من قوله - صلى الله عليه وسلم - «غُفْرَانَكَ» إذا خرج من الخلاء فقد قال شيخ الإسلام -رحمه الله- في ذلك: لأن الخلاء مظنة الغفلة والوسواس، فاستحب الاستغفار عقيبه 206. وقيل: بأن مناسبة قوله «غُفْرَانَكَ» هنا أن الإنسان لما تخفف من أذية الجسم تذكر أذية الإثم، فدعا الله أن يخفف عنه أذية الإثم كما منَّ عليه بتخفيف أذية الجسم، وهذا هو اختيار ابن القيم 207 -رحمه الله-، واختاره أيضًا شيخنا 208 -رحمه الله-.
أما قول بعض العلماء مناسبة ذلك؛ لأنه انحبس عن ذكر الله في هذا الوقت، فيسأل الله المغفرة له لعدم ذكره إياه حال قضاء حاجته، فهذا فيه نظر؛ لأنه انحبس عن ذكر الله بأمر الله، وإذا كان كذلك فلم يعرض نفسه للعقوبة؛ ولهذا الحائض لا تصلي ولا تصوم، ولا يسن لها أن تستغفر الله؛ لأنها تركت الصلاة والصوم أيام الحيض ولم يقله أحد ولم يأت فيه سنة، هذا ما أفاده شيخنا 209 -رحمه الله-.
وقيل: لأنه قد يحدث فيه ما لا ينبغي أثناء قضاء الحاجة.
والصحيح أن قول=

الجزء: 1 - الصفحة: 60

الْحَمْدُ للهِ الَّذِيْ أَذْهَبَ عَنِّيْ الأَذَى وَعَافَانِيْ (1). وَيُقَدِّمُ رِجْلَهُ اليُسْرَى فِيْ الدُّخُوْلِ وَالْيُمْنَى فِي الْخُرُوْجِ (2)، وَلا يَدْخُلُهُ بِشَيْءٍ فِيْهِ اسْمُ اللهِ تَعَالَى إِلاَّ مِنْ حَاجَةٍ (3)،  = «غُفْرَانَكَ» مشروع بغض النظر عن السبب.

(1)

قوله «الْحَمْدُ للهِ الَّذِيْ أَذْهَبَ عَنِّيْ الأَذَى وَعَافَانِيْ»

الحديث الوارد في بيان هذا الذكر ضعيف (1)، لكن كما ذكرنا سابقًا إن قاله من باب الدعاء لا من جهة السنية والتعبد به فلا بأس، أما جعل ذلك سنة تقال عند الخروج فلا يشرع لضعف الدليل الوارد فيها.
(2)

قوله «وَيُقَدِّمُ رِجْلَهُ اليُسْرَى فِيْ الدُّخُوْلِ وَالْيُمْنَى فِي الْخُرُوْجِ»

وذلك لأن الرجل اليمنى أحق بأن تقدم في الأماكن الطيبة وأحق بالتأخير عن الأذى ومحله، ولذا جاء عن النبي - صلى الله عليه وسلم - الأمر بالانتعال باليمنى قبل اليسرى، وعند الخلع يبدأ باليسرى قبل اليمنى وذلك تكريمًا لليمنى، لكن هل يقال عند الأكل: لي البداءة باليمنى ثم يجوز لي أن آكل باليسرى؟ نقول: لا، هذا خطأ لأن ما يشترك فيه العضوان كدخول الخلاء مثلاً فتقدم فيه اليمنى أولاً ثم تتبعها اليسرى، أما ما يختص به أحدهما كالأكل والشرب فلا ينبغي أن تبدأ باليمنى ثم اليسرى بل تقتصر فيه على اليمنى.

(3)

قوله «وَلا يَدْخُلُهُ بِشَيْءٍ فِيْهِ اسْمُ اللهِ تَعَالَى إِلاَّ مِنْ حَاجَةٍ»

دليل ذلك حديث أنس - رضي الله عنه - قال: «أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - لَبِسَ خَاتَمًا، نَقْشُهُ مُحَمَّدٌ رَسُوْلُ اللهِ، = (1). الحديث الذي ورد في ذلك أخرجه ابن ماجه (1/ 110) لكن ضعفه كثير من أهل العلم: قال البوصيري في الزوائد رقم (23) حديث ضعيف ولا يصح بهذا اللفظ عن النبي - صلى الله عليه وسلم - شيء وإسماعيل بن مسلم الكي متفق على تضعيفه، وقال النووي في المجموع (1/ 79) إسناده ضعيف، وضعفه الألباني في الإرواء - رقم (53).

الجزء: 1 - الصفحة: 61

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  = فَكَانَ إِذَا دَخَلَ الخَلاءَ وَضَعَهُ» (1). هذا الحديث ضعفه بعض أهل العلم وبعضهم صححه، لكن على اعتبار ضعف الحديث نقول: بأنه إذا دخل الخلاء بشيء فيه ذكر الله، كره له ذلك؛ لأن ذكر الله تعالى يصان باللسان حال دخوله الخلاء، فمن باب أولى ما كتب عليه، بدليل أن المحدث يمنع من مس المصحف دون تلاوته، لكن يستثنى من ذلك إذا كانت هناك حاجة، كأن يخاف على هذا الشيء من سرقة ونحوها، فهنا يجوز له أن يدخل به نظرا للحاجة.

  • تنبيهان:

أولاً: هل الشريط يأخذ هذا الحكم؟

الصحيح أنه لا يأخذ هذا الحكم بل يجوز له الدخول به.
ثانيًا: هل القول بالكراهة أيضًا يشمل المصحف؟ استثنى بعض العلماء المصحف، فقال: بأنه يحرم دخول الخلاء به، سواء كان ظاهرًا أو خفيًّا، وذلك لأن المصحف أشرف الكلام ودخول الخلاء به، فيه نوع من الإهانة له.
لكن نقول: بأن الإنسان إذا أراد دخول الخلاء، ينبغي إذا كان معه مصحف أن لا يدخل به، فيضعه في مجتمع الناس، أو يعطيه أحدًا يمسكه حتى يخرج، لكن إن خاف أن يسرقه، فلا بأس أن يدخل به.210

الجزء: 1 - الصفحة: 62

وَيَعْتَمِدُ فِيْ جُلُوْسِهِ عَلَى رِجْلِهِ الْيُسْرَى (1). وَإِنْ كَانَ فِي الْفَضَاءِ، أَبْعَدَ وَاسْتَتَرَ (2)،  (1)

قوله «وَيَعْتَمِدُ فِيْ جُلُوْسِهِ عَلَى رِجْلِهِ الْيُسْرَى»

الحديث الذي ورد في ذلك وهو حديث سراقة بن مالك قال: «عَلَّمَنَا رَسُوْلُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - إِذا أَتَيْنَا الْخَلاءَ أَنْ نَتَوَكَّأَ عَلَى الْيُسْرَى وَأَنْ نَنْصِبَ الْيُمْنَى» (1) هذا الحديث ضعيف لا يحتج به.
لكن قيل: بأن الاعتماد على اليسرى أسهل لخروج الخارج، فإذا ثبت هذا طبّيًّا فيكون الاعتماد على اليسرى من باب مراعاة الصحة، لكن كون الاعتماد عليها سنة هذا فيه نظر؛ لأن الحديث الوارد فيها ضعيف.
(1)

قوله «وَإِنْ كَانَ فِي الْفَضَاءِ، أَبْعَدَ وَاسْتَتَرَ»

دليل ذلك ما جاء في الصحيحين من حديث المغيرة بن شعبة - رضي الله عنه - قال: «كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - فِي سَفَرٍ فَقَالَ، يَا مُغِيرَةُ خُذْ الإِدَاوَةَ فَأَخَذْتُهَا فَانْطَلَقَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - حَتَّى تَوَارَى عَنِّيْ فَقَضَى حَاجَتَهُ وَعَلَيْهِ» 212، وبما رواه أبو داود عن جابر - رضي الله عنه - أنه قال: «كَانَ - صلى الله عليه وسلم - إِذَا أَرَادَ الْبَرَازَ انْطَلَقَ حَتَّى لا يَرَاهُ أَحَدٌ» 213. لكن إن كان في الفضاء وهناك شيء يمكنه الاستتار منه دون الحاجة إلى الإبعاد جاز له ذلك، كأن يكون هناك حائط أو كثيب رمل أو نخل ونحوه.211

الجزء: 1 - الصفحة: 63

وَارْتَادَ مَوْضِعًا رَخْوًا (1)، وَلا يَبُوْلُ فِيْ ثُقْبٍ وَلا شَقٍّ (2)، وَلا طَرِيْقٍ وَلا ظِلٍّ نَافِعٍ، وَلا تَحْتَ شَجَرَةٍ مُثْمِرَةٍ (3)،  (2)

قوله «وَارْتَادَ مَوْضِعًا رَخْوًا»

الارتياد أي الطلب، أي أن يطلب موضعًا رخوًا، وهو المكان اللين الذي لا يخشى منه رشاش البول، فإن كان في مكان لا يوجد فيه شيء رخو، فهنا يدنى ذكره من الأرض حتى لا يحصل الرشاش.
(3)

قوله «وَلا يَبُوْلُ فِيْ ثُقْبٍ وَلا شَقٍّ»

ونحو ذلك مثل البلوعة التي هي مجمع الماء الوسخ، دليل ذلك حديث عبد الله بن سرجس «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - نَهَى أَنْ يُبَالَ فِي الْجُحْرِ، قَالُوْا لِقَتَادَةَ: مَا يُكْرَهُ مِنْ الْبَوْلِ فِي الْجُحْرِ، قَالَ: كَانَ يُقَالُ إِنَّهَا مَسَاكِنُ الْجِنِّ» (1). وهذا الحديث ضعفه بعض أهل العلم، وبعضهم صححه، لكن على الإنسان حال بوله أن يتقي هذه الأماكن، فإنه يخشى عليه أن يخرج شيء يؤذيه.
(1)

قوله «وَلا طَرِيْقٍ وَلا ظِلٍّ نافِعٍ، وَلا تَحْتَ شَجَرَةٍ مُثْمِرَةٍ»

أي لا يقضي حاجته عند هذه الأشياء، والنهي هنا للتحريم، أما الشق والثقب فالنهي فيها للكراهة؛ دليل ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم -: «اتَّقُوا اللَّعَّانَيْنِ قَالُوْا: وَمَا اللَّعَّانَانِ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: الَّذِي يَتَخَلَّى فِي طَرِيْقِ النَّاسِ أَوْ فِي ظِلِّهِمْ» 215. وقول المؤلف «وَلا ظِلٍّ نافِعٍ» يؤخذ منه أن النهي إنما خصص في الظل الذي ينتفع به الناس، فلو قضى حاجته في مكان لا يجلس فيه الناس فلا يقال =214

الجزء: 1 - الصفحة: 64

وَلا يَسْتَقْبِلُ شَمْسًا وَلا قَمَرًا (1)،  = بالتحريم، وهذا مفهوم قوله - صلى الله عليه وسلم -: «أو ظلهم» يعني الظل الذي هو محل جلوسهم.
وقول المؤلف «وَلا تَحْتَ شَجَرَةٍ مُثْمِرَةٍ» أي ثمرة مقصودة أو محترمة، فقولنا مقصودة أي يقصدها الناس ولو كان ثمرها غير مطعوم، فما دام الناس يقصدون هذه الشجرة فلا يجوز البول أو التغوط عندها، وقولنا: أو ثمرة محترمة كثمرة النخل أو البرتقال ونحو ذلك مما يؤكل ثمره، فهذه لا يجوز التغوط عندها ولو كانت غير مقصودة لأن الثمر طعام محترم.

(1)

قوله «وَلا يَسْتَقْبِلُ شَمْسًا وَلا قَمَرًا»

الصحيح من المذهب كراهية ذلك 216، لكن ليس هناك دليل على كراهية ذلك وإنما عللوا ذلك لما فيه من نور الله أو لأن معهما ملائكة.
والصحيح عندي عدم الكراهة لعدم الدليل بل ولثبوت الدليل الدال على جواز ذلك وهو قوله -صلى الله عليه وسلم- «وَلَكِنْ شَرِّقُوْا أَوْ غَرِّبُوْا» 217. ومعلوم أن من شرق أوغرب والشمس طالعة فإنه يستقبلها، وهذا ما ذهب إليه أكثر الحنابلة 218، وابن سعدي 219، وشيخنا 220 -رحمه الله-.

الجزء: 1 - الصفحة: 65

وَلا يَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ وَلا يَسْتَدْبِرُهَا (1)؛ لِقَوْلِ رَسُوْلِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - «لا تَسْتَقْبِلُوا الْقِبْلَةَ بِغَائِطٍ وَلا بَوْلٍ وَلا تَسْتَدْبِرُوْهَا» *.
وَيَجُوْزُ ذلِكَ فِي الْبُنْيَانِ (2)  (1)

قوله «وَلا يَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ وَلا يَسْتَدْبِرُهَا»

دليل ذلك ما ذكره المؤلف من حديث أبي أيوب الأنصاري - رضي الله عنه -، واتفق الأئمة الأربعة (1) على ذلك إذا كان في غير البنيان.
(2)

قوله «وَيَجُوْزُ ذلِكَ فِي الْبُنْيَانِ»

وهو قول جمهور أهل العلم 222، وبه قال سماحة الشيخ ابن باز 223 -رحمه الله-، دليل ذلك حديث ابن عمر - رضي الله عنهما - حيث قال: «رَقِيْتُ عَلَى بَيْتِ أُخْتِيْ حَفْصَةَ فَرَأَيْتُ رَسُوْلَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَاعِدًا لِحَاجَتِهِ مُسْتَقْبِلَ الشَّامِ مُسْتَدْبِرَ الْقِبْلَةِ» 224. وذهب شيخ الإسلام 225 وابن القيم 226 وهو قول أبي حنيفة 227 ورواية عن أحمد 228 إلى القول بالتحريم في البنيان، وحجتهم في ذلك حديث أبي أيوب الأنصاري المتقدم، أما حديث ابن عمر - رضي الله عنهما- فأجابوا عنه =221 * أخرجه البخاري في أبواب القبلة - باب قبلة أهل المدينة وأهل الشام - رقم (386)، ومسلم في كتاب الطهارة - باب الاستطابة - رقم (264) من حديث أبي أيوب الأنصاري - رضي الله عنه -.

الجزء: 1 - الصفحة: 66

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  = بعدة إجابات منها: 1 - أنه محمول على ما قبل النهي.
2 - أن حديث أبي أيوب قول وحديث ابن عمر فعل والقول مقدم على الفعل، والفعل لا يعارض القول لأن فعله - صلى الله عليه وسلم - يحتمل الخصوصية أو نسيانًا أو عذرًا آخر.
وهناك قول ثالث في هذه المسألة وهو إحدى الروايات في المذهب (1)، وهو قول شيخنا محمد بن صالح العثيمين (2) -رحمه الله-: وهو القول بجواز استدبار القبلة دون استقبالها في البنيان، وذلك لأن النهي عن الاستقبال محفوظ ليس فيه التفصيل، والنهي عن الاستدبار مخصوص بالفعل، وأيضًا فإن الاستدبار أهون من الاستقبال، لكن الأفضل عنده -رحمه الله- أن لا يستدبرها إن أمكن.

تنبيهات

: أولاً: هل يكفي الانحراف عن جهة القبلة؟ المذهب 231 على أنه يكفي انحرافه عن الجهة، وشيخ الإسلام 232 يرى أنه لا يكفي انحرافه عن الجهة، فالانحراف اليسير لا يكفي عنده، بل ينحرف كثيرًا.
ثانيًا: ما الحكم إذا استقبل القبلة حال الاستنجاء دون قضاء حاجته؟ الصحيح من المذهب الكراهة، وقال البعض: بأن لا يكره، وقال بعضهم: يتوجه التحريم 233.229230

الجزء: 1 - الصفحة: 67

فَإِذَا انْقَطَعَ الْبَوْلُ مَسَحَ مِنْ أَصْلِ ذَكَرِهِ إِلَى رَأْسِهِ، ثُمَّ يَنْتُرُهُ ثَلاثًا (1)، وَلا يَمَسُّ ذَكَرَهُ بِيَمِيْنِهِ (2)،  ثالثًا: النهي عن استقبال القبلة جاء لأنها أشرف الجهات وأعظمها وذلك لأن فيها بيته - سبحانه وتعالى - فلا بد من تعظيمه قال تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ (1). رابعًا: أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بالتشريق أو التغريب خطاب لأهل المدينة ومن جرى مجراهم، أما من كان في جهة الشرق أو الغرب فإنه يتحول إلى الجنوب أو الشمال بحيث لا يكون مستقبلاً القبلة.

(1)

قوله «فَإِذَا انْقَطَعَ الْبَوْلُ مَسَحَ مِنْ أَصْلِ ذَكَرِهِ إِلَى رَأْسِهِ، ثُمَّ يَنْتُرُهُ ثَلاثًا»

ما ذكره المؤلف -رحمه الله- هنا الأدلة الواردة فيه ضعيفة، ولذا نقول: لا يسن مسح أصل الذكر، وهو ما عند حلقة الدبر؛ لأنه لم يصح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وكذا لضرره بالإنسان من جهتين: الأولى: إضراره بالذكر حيث يؤذي المجاري البولية.
الثانية: إضراره بالشخص نفسه حيث يصيبه بالوساوس التي تفسد عليه حياته، ولذا نقول بأنه لا يستحب فعل ذلك، أما النتر فهو أقرب إلى البدعة من السنة، ولذا قال شيخ الإسلام (2): «النتر بدعة وليس بسنة فلا ينبغي فعله».

(2)

قوله «وَلا يَمَسُّ ذَكَرَهُ بِيَمِيْنِهِ»

أي يكره فعل هذا؛ لأن من إكرام اليمين أن=234235

الجزء: 1 - الصفحة: 68

وَلا يَتَمَسَّحُ بِهَا (1)، ثُمَّ يَسْتَجْمِرُ وِتْرًا (2)،  لا يمسكه بيده اليمنى حال قضاء حاجته لورود النهي الوارد في حديث أبي قتادة - رضي الله عنه - حيث قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «لا يُمْسِكَنَّ أَحَدُكُمْ ذَكَرَهُ بِيَمِيْنِهِ وَهُوَ يَبُوْلُ ... » (1). لكن هل هذا مقيد بحال البول أم هو مطلق؟ قولان (2): الأحوط عندي ما قاله شيخنا -رحمه الله- حيث قال: «الأحوط أن يتجنب مسه مطلقًا» (3).

(1)

قوله «وَلا يَتَمَسَّحُ بِهَا»

أي يكره فعل ذلك لنفس الدليل وقوله - صلى الله عليه وسلم - فيه « ... وَلا يَتَمَسَّحْ مِنْ الْخَلاءِ بِيَمِيْنِهِ» (4) فإن مسح صح مع الكراهة.

  • تنبيه: لم يذكر المؤلف الاستنجاء باليمين، ولكن حكمه أيضًا الكراهة؛ لحديث سلمان الفارسي - رضي الله عنه - حيث قيل له: قَدْ عَلَّمَكُمْ نَبِيُّكُمْ - صلى الله عليه وسلم - كُلَّ شَيْءٍ حَتَّى الْخِرَاءَةَ؟ قَالَ فَقَالَ: أَجَلْ لَقَدْ نَهَانَا أَنْ نَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ لِغَائِطٍ أَوْ بَوْلٍ أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِالْيَمِيْنِ أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِأَقَلَّ مِنْ ثَلاثَةِ أَحْجَارٍ أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِرَجِيْعٍ أَوْ بِعَظْمٍ» (5).

(2)

قوله «ثُمَّ يَسْتَجْمِرُ وِتْرًا»

لأمره - صلى الله عليه وسلم - بذلك ففي المتفق عليه من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «وَمَنْ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ» 241، والأمر هنا =236237238239240

الجزء: 1 - الصفحة: 69

ثُمَّ يَسْتَنْجِيْ بِالْمَاءِ (1)، فَإِنِ اقْتَصَرَ عَلَى الاِسْتِجْمَارِ أَجْزَأَهُ (2)،  = للاستحباب والسنية لا للوجوب بدليل ما ورد في الرواية الأخرى «مَنْ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوْتِرْ مَنْ فَعَلَ ذلِكَ فَقَدْ أَحْسَنَ وَمَنْ لا فَلا حَرَجَ» (1) وإن كان الحديث ضعفه بعض أهل العلم، لكن جمهور أهل العلم حملوا الأمر على الاستحباب لا الوجوب.
وقولنا بالاستحباب هنا ليس معناه أنه يجوز له أن يستجمر بأقل من ثلاث مسحات كما سيأتي بيانه وإنما المراد به أن يقطع الاستجمار على وتر فإن مسح ثلاثاً ثم احتاج إلى أكثر فإنه يجوز له أن يزيد رابعة لكن الأفضل أن يجعلهن خمسا أو سبعا لقطع الاستجمار على وتر.

(1)

قوله «ثُمَّ يَسْتَنْجِيْ بِالْمَاءِ»

أي إذا استجمر بالحجارة فإنه يستحب أن يستنجي بالماء وذلك لأنه أكمل في التطهر، فالأحجار تزيل عين النجاسة فلا تباشرها اليد والماء يزيل ما بقي من النجاسة.
(2)

قوله «فَإِنِ اقْتَصَرَ عَلَى الاِسْتِجْمَارِ أَجْزَأَهُ»

حتى مع وجود الماء وأجمع المسلمون على جوازه وإجزائه بالحجارة، دليل ذلك حديث سلمان السابق وحديث ابن مسعود - رضي الله عنه - وفيه: «أَتَى النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - الْغَائِطَ فَأَمَرَنِيْ أَنْ آتِيَهُ بِثَلاثَةِ أَحْجَارٍ فَوَجَدْتُ حَجَرَيْنِ وَالْتَمَسْتُ الثَّالِثَ فَلَمْ أَجِدْهُ فَأَخَذْتُ رَوْثَةً فَأَتَيْتُهُ بِهَا فَأَخَذَ الْحَجَرَيْنِ وَأَلْقَى الرَّوْثَةَ وَقَالَ: هَذَا رِكْسٌ» 243.242 = في الاستنثار والاستجمار - رقم (237)

الجزء: 1 - الصفحة: 70

وَإِنَّمَا يُجْزِئُ الاِسْتِجْمَارُ إِذَا لَمْ تَتَعَدَّ النَّجَاسَةُ مَوْضِعَ الْحَاجَةِ (1). وَلا يُجْزِئُ أَقَلُّ مِنْ ثَلاثِ مَسَحَاتٍ مُنَقِّيَةٍ (2)،  - تنبيه: الأفضل الاستنجاء بالماء لأنه أبلغ في النظافة ولأنه كان من فعله - صلى الله عليه وسلم - بخلاف ما ذكر عن بعض السلف القول بكراهية الاستنجاء به معللا لذلك بأن يده ستلوث بالنجاسة، والصحيح أن الأفضل الاستنجاء بالماء.

(1)

قوله «وَإِنَّمَا يُجْزِئُ الاِسْتِجْمَارُ إِذَا لَمْ تَتَعَدَّ النَّجَاسَةُ مَوْضِعَ الْحَاجَةِ»

مثل أن ينتشر الخارج على شيء من الصفحة، أو يمتد على الحشفة امتدادًا غير معتاد فلا يجزئ فيه إلا الماء، وتعليل ذلك أن الخارج هنا خرج عن حده المعتاد، فخرج عن حد الرخصة، ولأن الأصل وجوب إزالة النجاسة بالماء.
وذهب شيخ الإسلام (1) إلى أنه يجزئ الاستجمار ولو تعدى خارج الصفحتين؛ لعموم الأدلة ولم ينقل عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في ذلك تقدير.

(2)

قوله «وَلا يُجْزِئُ أَقَلُّ مِنْ ثَلاثِ مَسْحَاتٍ مُنْقِيَةٍ»

هذا هو المذهب 245، وبه قال الشافعي 246 وأكثر أهل العلم، منهم شيخ الإسلام ابن تيمية 247 -رحمه الله-.
وذهب مالك 248 وأبو حنيفة 249 إلى عدم اشتراط المسح ثلاثًا، وإنما المشترط الإنقاء فمتى حصل الإنقاء أجزأ لأن الحكم يدور مع العلة.
والصحيح القول بعدم الإجزاء؛ لحديث سلمان الفارسي وفيه قوله «نَهَانَا =244

الجزء: 1 - الصفحة: 71

وَيَجُوْزُ الاِسْتِجْمَارُ بِكُلَّ طَاهِرٍ يُنْقِي الْمَحَلَّ، إِلاَّ الرَّوْثَ وَالْعِظَامَ (1)،  = رَسُوْلُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِأَقَلَّ مِنْ ثَلاثَةِ أَحْجَارٍ» (1) والنهي يقتضي عدم الوقوع في المنهي عنه، ولأن الغالب أن الإنقاء لا يحصل إلا بثلاث مسحات.

  • تنبيه: هل يجزئ المسح بحجر واحد ثلاث مسحات، أم لا بد من ثلاثة أحجار؟ هذا محل خلاف بين أهل العلم، والراجح في ذلك أنه إذا كان الحجر ذا شعب، وله ثلاث اتجاهات، أو أكثر، فإنه يجزئ المسح به ثلاثًا؛ لأن العلة معلومة، وبه قال شيخنا (2) -رحمه الله-.
    وذهب سماحة شيخنا ابن باز (3) -رحمه الله- إلى القول بأنه لا يجزئ بأقل من ثلاثة أحجار أخذًا بظاهر حديث سلمان السابق.

(1)

قوله «وَيَجُوْزُ الاِسْتِجْمَارُ بِكُلَّ طَاهِرٍ يُنْقِي الْمَحَلَّ، إِلاَّ الرَّوْثَ وَالْعِظَامَ»

أما الروث والعظم فلحديث ابن مسعود - رضي الله عنه - قال: نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يستنجى بعظم أو روث وقال: «فَإِنَّهُمَا زَادُ إِخْوَانِكُمْ مِنْ الْجِنِّ» 253، ولحديث ابن مسعود أيضًا أنه جاء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - بحجرين وروثة، فَأَخَذَ الْحَجَرَيْنِ وَأَلْقَى الرَّوْثَةَ وَقَالَ: «هَذَا رِكْسٌ» 254، أي نجس لكن إن استخدمهما هل يجزئه الاستنجاء بهما؟250251252

الجزء: 1 - الصفحة: 72

وَمَا لَهُ حُرْمَةٌ (2)، وَاللهُ أَعْلَمُ.
روايتان لأحمد (1): إحداهما لا يجزئ، والأخرى يجزئ، واختارها شيخ الإسلام (2) -رحمه الله-، وعللوا ذلك لأن النهي عن استعمالهما لا لكونهما لا ينقيان بل لكونهما زاد إخواننا من الجن ولذا أدى إلى إفسادهما.
ولعل الرواية الأولى هي الأرجح؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم - من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - «إِنَّ النَّبِىَّ - صلى الله عليه وسلم - نَهَى أَنْ يُسْتَنْجَى بِرَوْثٍ أَوْ بِعَظْمٍ وَقَالَ: إِنَّهُمَا لا يُطَهِّرَانِ» (3).

(2)

قوله «وَمَا لَهُ حُرْمَةٌ»

أي كل ما كان محترمًا، فإنه لا يجوز الاستنجاء به، وذلك كطعام بني آدم وطعام دوابهم، وكذا كتب العلم الشرعية، وبالجملة كل ما فيه نفع وله حرمة في الحياة لا يجوز الاستجمار به.255256257

الجزء: 1 - الصفحة: 73

بَابُ الْوُضُوْءِ

(1). لا يَصِحُّ الْوُضُوْءُ، وَلا غَيْرُهُ مِنَ الْعِبَادَاتِ، إِلاَّ أَنْ يَنْوِيَهُ (2)؛ لِقَوْلِ رَسُوْلِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» *،  الشرح

(1)

قوله «بَابُ الْوُضُوْءِ»

الوضوء في اللغة مشتق من الوضاءة وهي الحسن، أما في الاصطلاح فمعناه: "الغسل والمسح لأعضاء مخصوصة على صفة مخصوصة"، وأضاف شيخنا رحمه الله لفظة "التعبد لله عز وجل" (1) في تعريفه، ولعل هذا أوجه وأولى.
والوُضوء بضم الواو هو اسم للفعل وهو المصدر، أما بالفتح الوَضوء فيكون اسمًا للماء الذي يتوضأ به.
واختلف فيه؛ هل هو خاص بهذه الأمة أم كان مشروعًا من قبل؟ فالذي اختاره شيخ الإسلام خصوصيته لهذه الأمة (2)، والصحيح أن الوضوء ليس من خصائص هذه الأمة، بل الذي اختصت به هو الغرة والتحجيل وهو قول شيخنا (3) رحمه الله.

(2)

قوله «لا يَصِحُّ الْوُضُوْءُ، وَلا غَيْرُهُ مِنَ الْعِبَادَاتِ، إِلاَّ أَنْ يَنْوِيَهُ»

وذلك لأن العبادات مأمور بها، فلابد من النية، فهي شرط في جميع العبادات، فعليها يترتب صحة العمل وإجزاؤه وقبوله.258259260 * أخرجه البخاري في باب بدء الوحي - رقم (1)، ومسلم في كتاب الإمارة - باب قوله - صلى الله عليه وسلم - إنما الأعمال بالنية وأنه يدخل فيه الغزو وغيره من الأعمال - رقم (1907) من حديث عمر ابن الخطاب - رضي الله عنه -.

الجزء: 1 - الصفحة: 74

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  -

تنبيهات

: أولًا: هل يشرع النطق بالنية؟ اختلف الفقهاء في حكم التلفظ بالنية: فالحنفية 261 في المختار عندهم، والشافعية 262، والحنابلة 263 على أن التلفظ بها سنة ليوافق اللسان القلب.
لكن هل النطق بها يكون سرًّا أم جهرًا؟ فالحنابلة 264 على أن النطق بها يكون سرًّا، والشافعية 265 على أن النطق بها يكون جهرًا، وقال المالكية 266 بأن التلفظ بها يجوز والأولى تركه إلا الموسوس فيستحب له التلفظ بها.
والصواب من هذه الأقوال أنه لا يشرع التلفظ بها لا سرًّا ولا جهرا بل يكره، وهذا قول لبعض الحنفية 267 والحنابلة 268؛ لأنه لم يأت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - دليل يدل على النطق بها، ولم يحفظ عنه ذلك، ولم يكن صحابته - رضي الله عنهم - ينطقون بها لا سرًّا ولا جهرًا، وهذا هو اختيار شيخ الإسلام 269 وسماحة شيخنا ابن باز 270 وشيخنا محمد بن صالح العثيمين 271 - رحمهم الله -.

الجزء: 1 - الصفحة: 75

ثُمَّ يَقُوْلُ: بِسْمِ اللهِ (1).

ثانيًا: يستحب تقديم النية على غسل اليدين؛

لأنه أول المسنونات، ويجب تقديمها على الوجه والمضمضة والاستنشاق؛ لأنه أول الواجبات، ويجب استصحاب حكمها إلى آخر الوضوء.
ثالثًا: معنى قول المؤلف «لا يصح الوضوء إلا بنية» أي يقصد بغسل الأعضاء رفع الحدث الذي يمنعه من الصلاة ونحوها، فإن كان قصده غسل الأعضاء من أجل التنظيف، أو من أجل التبريد لهذه الأعضاء فقط، لا بقصد رفع الحدث لم يرتفع حدثه بذلك.

(1)

قوله «ثُمَّ يَقُوْلُ: بِسْمِ اللهِ»

اختلفت الرواية في المذهب 272 في حكم التسمية في الوضوء، فالمذهب القول بالوجوب؛ لحديث أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - «لا صَلاةَ لِمَنْ لا وُضُوءَ لَهُ وَلا وُضُوءَ لِمَنْ لَمْ يَذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ» 273. والرواية الأخرى أنها سنة، وليست بواجبة، وهي الذي اختارها ابن قدامة 274 -رحمه الله- وقال: «ظاهر مذهب أحمد أن التسمية مسنونة في طهارة الأحداث كلها»، وبهذا قال مالك 275، والشافعي 276، وأبوحنيفة 277. قال الإمام أحمد -رحمه الله- : «لا يثبت فيها حديث، ولا أعلم فيها حديثًا له إسناد جيد» 278. =

الجزء: 1 - الصفحة: 76

وَيَغْسِلُ كَفَّيْهِ ثَلاثًا (1)،  =قلت: فمن صحح حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - فإنها تكون عنده واجبة ولا يصح الوضوء إلا بها ومن لم يصححه فإنها لا تكون واجبة عنده، لكن الأفضل عندي أن يقولها احتياطًا فإن تركها ولو عمدًا صح وضوؤه.

ذكر بعض التنبيهات في التسمية

:

أولاً: من توضأ داخل الحمام

هل يشرع له التسمية؟ ذكرنا فيما سبق أن العلماء لهم قولان في التسمية؛ منهم من قال: بالوجوب، ومنهم من قال: بالاستحباب، فعلى قول من قال بالوجوب، فإنه يأتي بها، وتزول الكراهة لذكرها في الحمام؛ لأن الكراهة تزول عند الحاجة إلى التسمية، وهي مأمور بها عند أول الوضوء، فيسمي ويكمل وضوءه.
وعند من قال بالاستحباب، فإنه لا يأتي بها داخل الحمام لكراهة ذكر الله فيه، بل يسمي في قلبه وليس بلسانه.
ثانيًا: من نسي أول الوضوء ثم ذكرها في أثنائه؟ المذهب (1) أنها تسقط سهوًا، وقيل بأنها لا تسقط سهوًا وهي إحدى الروايتين في المذهب (2)، وعلى ذلك فإنه يبدأ وضوءه من جديد.
والصحيح أنه متى ذكرها أتى بها ولا إعادة لما توضأه ولو تركها جاهلا أو ناسيًا لا إعادة عليه ولو قلنا بالوجوب لأنه معذور بالجهل والنسيان.

(1)

قوله «وَيَغْسِلُ كَفَّيْهِ ثَلاثًا»

هذا من سنن الوضوء، يعنى غسل الكفين ثلاثًا؛ دليل ذلك ما جاء في الصحيحين من حديث عثمان - رضي الله عنه - في وصفه لوضوء =279280

الجزء: 1 - الصفحة: 77

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  = رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وفيه «فَأَفْرَغَ عَلَى يَدَيْهِ مِنْ إِنَائِهِ فَغَسَلَهُمَا ثَلاثَ مَرَّاتٍ» 281. وإن تحقق طهارتهما هل يأتي بالسنة فيغسل يديه؟ نعم، يأتي بها تحقيقًا للسنة.

  • تنبيهات: أولاً: إن كان المتوضئ قائمًا من نوم ليل فالمذهب 282 على أنه يجب غسلهما لقوله - صلى الله عليه وسلم - «إذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ فَلا يَغْمِسْ يَدَهُ فِي الإِنَاءِ حَتَّى يَغْسِلَهَا ثَلاثًا فَإِنَّهُ لا يَدْرِيْ أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ» 283، فالأمر مقتضاه الوجوب ولا قرينة هنا تصرفه عنه إلى الإباحة وهذا هو الصحيح، لكن هل النوم هنا مطلق النوم أم نوم مخصوص؟ الصحيح أنه مختص بنوم الليل دون النهار؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «فَإِنَّهُ لا يَدْرِيْ أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ» والبيتوتة لا تكون إلا في الليل.
    ثانيًا: إن بات ويده في جراب مثلا هل يلزمه غسلها؟ الصحيح وهو المذهب 284 وجوب ذلك؛ لأن الأمر هنا تعبدي.
    ثالثًا: هل يشترط حين غسلها نية؟ الصحيح أنه يشترط لها نية، لكن هل يشترط لها تسمية؟ نقول: يستحب الإتيان بها 285.

الجزء: 1 - الصفحة: 78

ثُمَّ يَتَمَضْمَضُ وَيَسْتَنْشِقُ ثَلاثًا (1)  رابعًا: هل غسل اليدين لمن قام من نوم ليل يكفي عن غسل الكفين ثلاثًا لمن أراد الوضوء؟ قولان لأهل العلم، ولكن الذي يظهر أن غسل اليدين لمن قام من نوم ليل يجزئه عن غسلهما قبل الوضوء، لكنه لا يجزئه عن غسل الكفين مع اليدين أثناء غسل اليدين.

(1)

قوله «ثُمَّ يَتَمَضْمَضُ وَيَسْتَنْشِقُ ثَلاثًا»

المضمضة معناها إدارة الماء في الفم ثم مجه، والاستنشاق هو إدخال الماء في الأنف وجذبه بالنفس إزالة لما فيه.
واختلفت الرواية عن الإمام أحمد 286 في حكم المضمضة والاستنشاق: فقال مرة أنهما واجبان في الطهارة الصغرى والكبرى؛ لأنهما من الوجه، والوجه مأمور بغسله بغير خلاف، ولأن الذين وصفوا وضوء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذكروا غسلهما فيه، بل لم يثبت عن أحد ممن وصفوا وضوء - صلى الله عليه وسلم - أنه تركهما.
والرواية الثانية عنه: أن الاستنشاق وحده واجب؛ لورود الأمر به كما قال - صلى الله عليه وسلم - «إِذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْتَنْشِقْ بِمَنْخِرَيْهِ مِنَ الْمَاءِ ثُمَّ لِيَنْتَثِرْ» 287. والرواية الثالثة: أن المضمضة والاستتنشاق واجبان في الطهارة الكبرى دون الصغرى لأن الكبرى واجب فيها غسل كل ما أمكن غسله من الجسد، وهذا مذهب أبي حنيفة 288.

الجزء: 1 - الصفحة: 79

يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا بِغَرْفَةٍ أَوْ ثَلاثٍ (1)،  = وذهب جمهور أهل العلم (1) إلى أنهما سنة وليسا بواجب، والصحيح وجوبهما في الطهارتين الصغرى والكبرى.
أما قوله «ثَلاثًا» وهذا سنة في غسل جميع الأعضاء، عدا الرأس؛ فإنها تمسح مرة واحدة، وقد جاء عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه توضأ فغسل وجهه ثلاثًا، ويديه مرتين، ورجليه مرة، كما جاء ذلك في صحيحي البخاري ومسلم (2)، ولذا كان الأفضل أن ينوع الإنسان في وضوئه، فيغسل أعضاء وضوئه مرة، أو مرتين، أو ثلاثًا، وكل ذلك سنة.

(1)

قوله «يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا بِغَرْفَةٍ أَوْ ثَلاثٍ»

هذا هو بيان كيفية المضمضة والاستنشاق، وقد وردت فيه ثلاث كيفيات: الأولى: ما ذكرها المؤلف أن يجمع بينهما بغرفة واحدة أي ثلاث غرفات.
الثانية: ثلاث مرات من غرفة واحدة لكل من المضمضة والاستنشاق، وهذه الكيفية ضعيفة.
الثالثة: أن يجعل للمضمضة ثلاث غرفات وللاستنشاق ثلاث غرفات، فيكون المجموع ستًّا، وهذه مع القول بجوازها، إلا أنه لم يرد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - الفصل بين المضمضة والاستنشاق في حديث صحيح، وقولنا بجوازها لأن الكيفية ليست بواجبة.289290

الجزء: 1 - الصفحة: 80

ثُمَّ يَغْسِلُ وَجْهَهُ ثَلاثًا (1)، مِنْ مَنَابِتِ شَعَرِ الرَّأْسِ إِلَى مَا انْحَدَرَ مِنَ اللَّحْيَيْنِ وَالذَّقَنِ (2)،  (1)

قوله «ثُمَّ يَغْسِلُ وَجْهَهُ ثَلاثًا»

وهذا من فروض الوضوء لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ (1) والواجب في غسل الوجه مرة واحدة تعم جميع الوجه، والزيادة عليها مستحب، لكن لا يزيد عن الثلاث، وكما ذكرنا أن الإنسان الأفضل له أن ينوع في وضوئه، فيغسل تارة مرة، وتارة مرتين، وتارة ثلاثًا، وإن خالف بين الأعضاء فجعل أحد الأعضاء مرة، والآخر مرتين، والآخر ثلاثًا، جاز له ذلك، وكله سنة، والوجه هو ما تحصل به المواجهة، أما حده فقد حدده المؤلف بقوله: (2)

قوله «مِنْ مَنَابِتِ شَعَرِ الرَّأْسِ إِلَى مَا انْحَدَرَ مِنَ اللَّحْيَيْنِ وَالذَّقَنِ»

هذا هو حد الوجه المأمور بغسله، فهو من منابت الشعر، وقد حده بعض العلماء بأنه منحنى الجبهة من الرأس، وهذا هو مكان إنبات الشعر المعتاد، أما الأقرع 292 فيغسل الشعر النابت على الوجه ويجب غسل ما تحته إن كان يصف البشرة.
أما الأجلح 293، فيغسل من منحنى الجبهة من الرأس.
أما اللحيان فهما العظمان اللذان في أسفل الوجه النابت عليهما الأسنان، والذقن مجمع اللحيين، فإن كان في الذقن شعر طويل هل يغسل؟ قولان في المذهب 294؛ أصحهما القول بوجوب غسل ما استرسل من اللحيين=291

الجزء: 1 - الصفحة: 81

وَإِلَى أُصُوْلِ الأُذُنَيْنِ (1). وَيُخَلِّلُ لِحْيَتَهُ إِنْ كَانَتْ كَثِيْفَةً، وَإِنْ كَانَتْ تَصِفُ الْبَشَرَةَ لَزِمَهُ غَسْلُهَا (2)،  = والذقن، وهذا هو الأحوط والأولى، وهو اختيار شيخنا (1) -رحمه الله-.

(1)

قوله «وَإِلَى أُصُوْلِ الأُذُنَيْنِ»

يعني به وتد الأذن، وحدده البعض بأنه البياض بين العارض والأذن وهذا من الوجه.
(2)

قوله «وَيُخَلِّلُ لِحْيَتَهُ إِنْ كَانَتْ كَثِيْفَةً، وَإِنْ كَانَتْ تَصِفُ الْبَشَرَةَ لَزِمَهُ غَسْلُهَا»

لما كانت اللحية تشارك الوجه في معنى المواجهة جعل لها المؤلف حكماً خاصا بها.
و

اللحية إما كثيفة وإما خفيفة

، فالكثيفة هي التي تستر البشرة أي لا ترى البشرة من كثافتها، فتخليلها سنة، وبه قال الأئمة الثلاثة (2)، لكن اختلفت الرواية في

حكم غسل المسترسل من اللحية

؛ فالمشهور من المذهب وجوب غسله، وقيل: لا يجب غسله.
والصحيح وجوب غسل المسترسل من اللحية؛ لأن اللحية وإن طالت تحصل بها المواجهة، فهي داخلة في حد الوجه، وهذا هو قول شيخنا 297 -رحمه الله-.
أما اللحية التي تصف البشرة قال المؤلف -رحمه الله- «لَزِمَهُ غَسْلُهَا» بل وغسل ما تحتها؛ لأنه تبع لها، وهذا قول واحد في المذهب.
فالحاصل أن البشرة تأخذ حكم الظاهر إذا بدت في اللحية مع وجوب غسل اللحية كما ذكرنا.
أما في الطهارة الكبرى فيجب وصول الماء إلى ما تحت اللحية كثيفة كانت =295296

الجزء: 1 - الصفحة: 82

ثُمَّ يَغْسِلُ يَدَيْهِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ ثَلاثًا (1)، وَيُدْخِلُهُمَا فِي الْغَسْلِ (2)،  =أو خفيفة لقول عائشة - رضي الله عنها- في صفة غسل النبي - صلى الله عليه وسلم - « ... حَتَّى إِذَا ظَنَّ أَنَّهُ قَدْ أَرْوَى بَشَرَتَهُ أَفَاضَ عَلَيْهِ الْمَاءَ ثَلاثَ مَرَّاتٍ» (1). أما أدلة تخليل اللحية فمنها ما رواه أبو داود وغيره عن أنس - رضي الله عنه -: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - كَانَ إِذَا تَوَضَّأَ أَخَذَ كَفًّا مِنْ مَاءٍ فَأَدْخَلَهُ تَحْتَ حَنَكِهِ فَخَلَّلَ بِهِ لِحْيَتَهُ وَقَالَ: هَكَذَا أَمَرَنِيْ رَبِّيْ عَزَّ وَجَلَّ» (2).

  • تنبيه: في صفة تخليل اللحية: لتخليلها صفتان هما: الأولى: أن يأخذ كفًا من ماء ويجعله تحتها حتى تتخلل به.
    الثانية: أن يأخذ كفًا من ماء ويخللها بأصابعه كالمشط أفاد ذلك شيخنا (3) -رحمه الله-.
    ومعنى التخليل تفريق شعر اللحية وإسالة الماء بينه.

(1)

قوله «ثُمَّ يَغْسِلُ يَدَيْهِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ ثَلاثًا»

هذا من فروض الوضوء، قال تعالى: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ (4)، وقوله: «ثَلاثًا» هذا سنة ولكن كما ذكرنا الواجب مرة واحدة والزيادة عليها سنة.
(2)

وقوله «وَيُدْخِلُهُمَا فِي الْغَسْلِ»

أي يدخل المرفقين في الغسل؛ لأنهما من جملة محل الفرض المأمور بغسله.

  • تنبيهان: أولاً: في حالات مقطوع اليد:298299300301

الجزء: 1 - الصفحة: 83

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =الحالة الأولى: إن كان القطع دون المرفقين غسل ما بقي منه إلى الحد المأمور بغسله وهو المرفقين لأن العجز عن بعض الواجب لا يسقط فعل ما يقدر عليه قال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ 302. الحالة الثانية: إن كان القطع فوق المرفقين فهنا يسقط عنه الغسل لسقوط المحل المأمور بغسله.
الحالة الثالثة: أن كان القطع من مفصل المرفق غسل رأس العضد على الصحيح من المذهب 303. ثانيًا: هل يستحب الزيادة على الفرض في غسل المرفقين كأن يغسل العضدين مثلاً؟ قولان لأهل العلم؛ الأول: استحباب مجاوزة محل الفرض في الوضوء، وهذا ما عليه الشافعية 304 والحنابلة 305؛ لحديث أبي هريرة وفيه «فَمَنْ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يُطِيلَ غُرَّتَهُ فَلْيَفْعَلْ» 306. القول الثاني: أنه لا يشرع ولا يستحب مجاوزة محل الفرض، وهذا هو مذهب مالك 307 وإحدى الروايتين عن الإمام أحمد 308 واختارها شيخ =

الجزء: 1 - الصفحة: 84

ثُمَّ يَمْسَحُ رَأْسَهُ مَعَ الأُذُنَيْنِ، يَبْدَأُ بِيَدَيِّهِ مِنْ مُقَدَّمِهِ، ثُمَّ يُمِرُّهُمَا إِلَى قَفَاهُ، ثُمَّ يَرُدُّهُمَا إِلَى مُقَدَّمِهِ (1).  =الإسلام (1)، وبه قال الشيخ عبد الرحمن السعدي (2)، وشيخنا (3)، وهو الصحيح؛ وذلك لأن الذين وصفوا وضوء النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يذكروا إلا أنه يغسل اليدين إلى المرفقين وكذا الرجلين إلى الكعبين.
أما دليلهم فهو موقوف على أبي هريرة، وفعل أبي هريرة مبني على اجتهاده فقد يصيب وقد يخطئ، فالمرء غير معصوم إلا الأنبياء والمرسلين فيما يبلغونه عن الله تعالى.

(1)

قوله «ثُمَّ يَمْسَحُ رَأْسَهُ مَعَ الأُذُنَيْنِ، يَبْدَأُ بِيَدِهِ مِنْ مُقَدَّمِهِ، ثُمَّ يُمِرُّهُمَا إِلَى قَفَاهُ، ثُمَّ يَرُدُّهُمَا إِلَى مُقَدَّمِهِ»

هذه هي صفة مسح الرأس التي هي فرض من فرائض الوضوء، قال تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾.
وليست هذه الصفة واجبة فعلى أي صفة مسح أجزأ، دليل هذه الصفة ما رواه البخاري ومسلم من حديث عبد الله بن زيد في وصفه لوضوء النبي - صلى الله عليه وسلم - وفيه « ... ثُمَّ مَسَحَ رَأْسَهُ بِيَدَيْهِ فَأَقْبَلَ بِهِمَا وَأَدْبَرَ بَدَأَ بِمُقَدَّمِ رَأْسِهِ حَتَّى ذَهَبَ بِهِمَا إِلَى قَفَاهُ ثُمَّ رَدَّهُمَا إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي بَدَأَ مِنْهُ ... » (4).

تنبيهات

: أولاً: في قوله «ثُمَّ يَمْسَحُ رَأْسَهُ مَعَ الأُذُنَيْنِ» فالأذنان من الرأس لقوله - صلى الله عليه وسلم - =309310311312

الجزء: 1 - الصفحة: 85

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  = «الأُذُنَانِ مِنَ الرَّأْسِ» (1) وهو منصوص على مسحهما؛ لقوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾.

ثانيًا: هل يؤخذ ماء جديد للأذنين؟

لا خلاف في المذهب (2) بأنه يجزئ مسحهما بماء الرأس للأدلة التي ذكرناها من كون الأذنين من الرأس، لكن اختلفت الرواية في المذهب (3) هل الأفضل أن يأخذ ماءً جديدًا للأذنين أم الأفضل مسحهما بماء الرأس؟ والصحيح عندي أن الأفضل عدم أخذ ماء جديد للأذنين لأن الذين وصفوا وضوءه - صلى الله عليه وسلم - ذكروا أنه مسح رأسه وأذنيه بماء واحد، وهذا ما اختاره شيخ الإسلام (4) -رحمه الله-.

ثالثًا: السنة عدم تكرار مسح الرأس أكثر من مرة،

هذا هو الصحيح من المذهب 317؛ لأنه لم يثبت عن النبي فعله وذلك من خلال الذين وصفوا وضوءه بل جاء في بعض ألفاظ الحديث «كَانَ يَمْسَحُ رَأْسَهُ مَرَّةً وَاحِدَةً» 318 فلا يستحب الزيادة على المرة، وهذا اختيار شيخ الإسلام 319 -رحمه الله-.313314315316

الجزء: 1 - الصفحة: 86

ثُمَّ يَغْسِلُ رِجْلَيْهِ إِلَى الْكَعْبَيْنِ ثَلاثًا (1)، وَيُدْخِلُهُمَا فِيْ الْغَسْلِ (2)، وَيُخَلِّلُ أَصَابِعَهُمَا (3)،  =رابعًا: الصحيح في المذهب (1) عدم استحباب مسح العنق؛ لأنه لم يثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فيه حديث صحيح، وهذا اختيار شيخ الإسلام (2) -رحمه الله-.

(1)

قوله «ثُمَّ يَغْسِلُ رِجْلَيْهِ إِلَى الْكَعْبَيْنِ ثَلاثًا»

هذا أيضًا فرض من فرائض الوضوء، دليله قوله تعالى: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ (3)، ولم يخالف أحد في هذا الفرض إلا الروافض؛ فهم يخالفون أهل السنة في غسل الرجلين في أمور ثلاثة: 1 - أنهم يرون المسح على الرجلين دون الغسل.
2 - أنهم يرون أن المسح على العظم الناتاء في ظهر القدم، وهذا هو تعريف الكعب عندهم.
3 - أنهم لا يرون المسح على الخفين بل يرون تحريمه.

(2)

قوله «وَيُدْخِلُهُمَا فِيْ الْغَسْلِ»

الضمير يعود على الكعبين؛ وهما العظمان الناتئان اللذان بأسفل الساق من جانب القدم.
(3)

قوله «وَيُخَلِّلُ أَصَابِعَهُمَا»

يعني أصابع الرجلين وهذا ليس بواجب بل هو سنة دليل ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم - للقيط بن صبرة «أَسْبِغِ الْوُضُوْءَ وَخَلِّلْ بَيْنَ الأَصَابِعِ» 323 وإن كانت الأدلة التي جاءت بتخليل الأصابع لا تخلو من مقال، لكن ما دام =320321322

الجزء: 1 - الصفحة: 87

ثُمَّ يَرْفَعُ نَظَرَهُ إِلَى السَّمَاءِ (1)، فَيَقُوْلُ: أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيْكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُوْلُهُ (2). وَالْوَاجِبُ مِنْ ذلِكَ النِّيَّةُ (3)،  =أن هناك من صحح هذه الأدلة فالقول بسنيتها أقرب، وهو أحد القولين في المذهب (1).

(1)

قوله «ثُمَّ يَرْفَعُ نَظَرَهُ إِلَى السَّمَاءِ»

أي يسن فعل ذلك هذا إذا صح الحديث فيها وهو قوله - صلى الله عليه وسلم - «مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوْءَ ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ» (2)، وهذه الزيادة يعنى «ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ» زيادة حكم عليها كثير من أهل العلم بالنكارة، فالذي أراه أنه لا يشرع فعلها.
(2)

قوله «فَيَقُوْلُ: أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيْكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُوْلُهُ» هذا أيضًا من سنن الوضوء، وقد ورد في ذلك حديث عند مسلم: أن من قال هذه الكلمات «فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ الثَّمَانِيَةُ يَدْخُلُ مِنْ أَيِّهَا شَاءَ» (3).

وهناك زيادة أخرى لم يذكرها المؤلف وهي صحيحة وهي قول «اللَّهُمَّ اجْعَلْنِيْ مِنَ التَّوَّابِيْنَ وَاجْعَلْنِيْ مِنَ الْمُتَطَهِّرِيْنَ» (4).

(3)

قوله «وَالْوَاجِبُ مِنْ ذلِكَ النِّيَّةُ»

وقد سبق الكلام عليها.324325326327

الجزء: 1 - الصفحة: 88

وَالْغَسْلُ مَرَّةً مَرَّةً (1)، مَا خَلا الْكَفَّيْنِ (2)، وَمَسْحُ الرَّأْسِ كُلِّهِ (3).  (1)

قوله «وَالْغَسْلُ مَرَّةً مَرَّةً»

وقد تكلمنا أيضًا عن ذلك فيما سبق، وقلنا: بأنه جاء عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه غسل أعضاءه مرة ومرتين وثلاثًا، وأيضًا عنه: أنه خالف بين أعضاء الوضوء فغسل بعضها مرة والأخرى مرتين وثلاثًا، وقلنا: بأن هذا كله سنة، لكن الواجب هو غسل جميع الأعضاء مرة مرة، والزيادة على ذلك سنة.
(2)

قوله «مَا خَلا الْكَفَّيْنِ»

لأن غسلهما سنة، إلا إذا كان قائمًا من نوم ليل، فهنا يكون غسلهما واجبًا كما ذكرناه سابقًا.
(3)

قوله «وَمَسْحُ الرَّأْسِ كُلِّهِ»

هذا هو الصحيح والمشهور من المذهب 328، وفي رواية في المذهب 329 أنه يجزئ مسح أكثره.
والصحيح أنه لا يجزئ مسح بعض الرأس، وهو اختيار شيخ الإسلام 330، وبه قال شيخنا 331 -رحمه الله-، ولذا من مسح بناصيته دون بقية رأسه فإنه لا يجزئه؛ لقوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ 332 والباء ليست للتبعيض كما زعم البعض.

  • تنبيه: إن غسل الرأس دون أن يمسحه هل يجزئه؟ قولان: والذي عليه المذهب 333 أنه يجزئه بشرط أن يمر يده على رأسه وإلا فلا.
    والذي قاله شيخنا 334 في هذه المسألة أن المسح أفضل من الغسل؛ لوروده في=

الجزء: 1 - الصفحة: 89

وَتَرْتِيْبُ الْوُضُوْءِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا (1)،  =القرآن، لكن إجزاء الغسل مطلقًا عن المسح فيه نظر، أما مع إمرار اليد على الرأس فالأمر في هذا أقرب.

(1)

قوله «وَتَرْتِيْبُ الْوُضُوْءِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا»

هذا أيضًا من الواجبات التي يجب مراعاتها في الوضوء، وهذا ظاهر المذهب 335، وهو الصحيح، وبه قال الشافعي 336 وشيخ الإسلام 337 وشيخنا محمد 338 -رحمه الله-.
وذهب الحنفية 339 والمالكية 340 وهو رواية عن أحمد 341 إلى القول بسنية الترتيب.
دليل من قال بالوجوب أن الله تعالى ذكر الوضوء في قرآنه مرتبًا وأدخل ممسوحًا (وهو الرأس) بين مغسولات (وهي الوجه والمرافق والرجلان)، والعرب لا تفعل ذلك إلا لفائدة، والفائدة هنا هي للترتيب.
ومن الأدلة أيضًا أن الذين ذكروا صفة وضوئه - صلى الله عليه وسلم - ذكروه مرتبًا وفق ما جاءت به نصوص القرآن بل لم يأت عن بعضهم أنه خالف في مرة فغسل الوجه بعد المرفقين أو قدم الرجلين قبل غسل الوجه ونحوه، وقد قال - صلى الله عليه وسلم - «أَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللهُ بِهِ» 342.

الجزء: 1 - الصفحة: 90

وَأَنْ لا يُؤَخِّرَ غَسْلَ عُضْوٍ حَتَّى يَنْشَفَ الَّذِيْ قَبْلَهُ (1).  -

تنبيه: هل يسقط الترتيب بالجهل والنسيان

؟ في رواية في المذهب (1) القول بسقوطه؛ لأنهما عذر.
وقال آخرون: بأنه يسقط جهلاً ولا يسقط نسيانًا.
والصواب أن الوضوء لا يسقط جهلاً ولا نسيانًا؛ لأنه عبادة واحدة، فكما أن الصلاة إذا اختلف الترتيب فيها فسجد قبل أن يركع نسياناً، فإنها لا تجزئه، فكذلك الوضوء، وهو قول شيخنا -رحمه الله-.
(1)

قوله «وَأَنْ لا يُؤَخِّرَ غَسْلَ عُضْوٍ حَتَّى يَنْشَفَ الَّذِيْ قَبْلَهُ»:

هذا الحكم يعبر عنه الفقهاء بالموالاة وهي واجبة في ظاهر المذهب 344، وبها قال المالكية 345، وهو اختيار شيخ الإسلام 346، وبه قال شيخنا 347 -رحمه الله-.
وذهب الحنفية 348 والشافعية 349 وبعض الحنابلة 350 إلى القول بسنية الموالاة، وعللوا ذلك؛ بأن الله تعالى أمر بغسل الأعضاء وهو حاصل بالموالاة وعدمها.
والصحيح القول الأول لأنها عبادة واحدة لا يمكن تجزئتها بل جاءت نصوص السنة تدل على ذلك فلم يكن النبي - صلى الله عليه وسلم - يفصل بين أعضائه في الوضوء بل لما «رَأَى رَجُلاً يُصَلِّيْ وَفِيْ ظَهْرِ قَدَمِهِ لُمْعَةٌ قَدْرُ الدِّرْهَمِ لَمْ يُصِبْهَا الْمَاءُ فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - أَنْ يُعِيْدَ الْوُضُوءَ وَالصَّلاةَ» 351.343

الجزء: 1 - الصفحة: 91

وَالْمَسْنُوْنُ التَّسْمِيَةُ (1)، وَغَسْلُ الْكَفَّيْنِ (2)، وَالْمُبَالَغَةُ فيِ الْمَضْمَضَةِ وَالاِسْتِنْشَاقِ، إِلاَّ أَنْ يَكُوْنَ صَائِمًا (3)،  -

تنبيهات

: أولاً: قول المؤلف -رحمه الله- «وَأَنْ لا يُؤَخِّرَ غَسْلَ عُضْوٍ حَتَّى يَنْشَفَ الَّذِيْ قَبْلَهُ» هذا بشرط أن يكون في زمن معتدل خال من الريح أو شدة الحر والبرد.
ثانيًا: في رواية لأحمد (1) أن الموالاة حدها يكون بطول الفصل عرفًا لا بنشاف الأعضاء أي لا بد أن يكون الوضوء متقاربًا وهذا المرجع فيه إلى العرف، لكن العرف قد لا ينضبط في هذه الحالة ولذا كان الأقرب القول بنشاف الأعضاء وهو قول شيخنا (2) -رحمه الله-.
ثالثًا: إذا فاتت الموالاة لأمر يتعلق بالطهارة مثل أن يكون على يديه حائل يمنع من وصول الماء كبوية مثلاً فينشغل بإزالتها في أثناء وضوئه فتنشف الأعضاء فهنا لا يضره.
هذه جملة من سنن الوضوء:

(1)

قوله «وَالْمَسْنُوْنُ التَّسْمِيَةُ»

وقد سبق ذكر الخلاف فيها.
(2)

قوله «وَغَسْلُ الكَفَّيْنِ»

هذا من السنن، وقد ذكرنا أيضًا أن هذا خاص بمن لم يقم من نوم ليل.
(3)

قوله «وَالْمُبَالَغَةُ فيِ الْمَضْمَضَةِ وَالاِسْتِنْشَاقِ، إِلاَّ أَنْ يَكُوْنَ صَائِمًا»

وهي سنة على الصحيح من المذهب 354.352353 = (175)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (1/ 36) رقم (161).

الجزء: 1 - الصفحة: 92

وَتَخْلِيْلُ اللِّحْيَةِ وَالأَصَابِعِ (1)، وَمَسْحُ الأُذُنَيْنِ (2). وَغَسْلُ الْمَيَامِنِ قَبْلَ الْمَيَاسِرِ (3)، وَالْغَسْلُ ثَلاثًا ثَلاثًا (4). وَتُكْرَهُ الزِّيادَةُ عَلَيْهَا (5)،  =وفيه قول آخر أنها واجبة - أي المبالغة فيها -. والصحيح سنيتها؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم - للقيط بن صبرة « .. . وَبَالِغْ فِي الاِسْتِنْشَاقِ إِلاَّ أَنْ تَكُوْنَ صَائِمًا» (1).

(1)

قوله «وَتَخْلِيْلُ اللِّحْيَةِ وَالأَصَابِعِ»

سبق بيان ذلك.
(2)

قوله «وَمَسْحُ الأُذُنَيْنِ»

أي أنه سنة، والصحيح وجوب مسحهما؛ لأنهما من الرأس كما ذكرنا ذلك.
(3)

قوله «وَغَسْلُ الْمَيَامِنِ قَبْلَ الْمَيَاسِرِ»

يعنى: يبدأ باليمنى قبل اليسرى في غسله لأعضاء وضوئه، وهما اليدان والرجلان، وهذا لقول عائشة - رضي الله عنها- «كَانَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - يُعْجِبُهُ التَّيَمُّنُ فِي تَنَعُّلِهِ وَتَرَجُّلِهِ وَطُهُوْرِهِ وَفِي شَأْنِهِ كُلِّهِ» (2) وهذا من باب إكرام اليمنى، فإن قدم اليسرى على اليمنى في غسل الأعضاء فإنه يجزئه، لكنه خالف السنة.
(4)

قوله «وَالْغَسْلُ ثَلاثًا ثَلاثًا»

سبق بيان ذلك.
(5)

قوله «وَتُكْرَهُ الزِّيادَةُ عَلَيْهَا»

أي يكره الزيادة على الثلاث؛ لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: جاء أعرابي إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فسأله عن الوضوء، فأراه ثلاثًا ثلاثًا ثم قال: «هَكَذَا الْوُضُوءُ فَمَنْ زَادَ عَلَى هَذَا أَوْ نَقَصَ فَقَدْ =355356

الجزء: 1 - الصفحة: 93

وَالإِسْرَافُ فِي الْمَاءِ (1). وَيُسَنُّ السِّوَاكُ عِنْدَ تَغَيُّرِ الْفَمِ (2)،  =فَقَدْ أَسَاءَ وَظَلَمَ» (1)، فالزيادة عن الثلاث غير مشروعة بل مكروهة.

(1)

قوله «وَالإِسْرَافُ فِي الْمَاءِ»

أي يكره الإسراف في الماء، وإن كان الحديث الذي يحتج به فيه ضعف أعني حديث سعد - رضي الله عنه - وفيه قول النبي - صلى الله عليه وسلم - له: «مَا هَذَا السَّرَفُ؟ فَقَالَ: أَفِي الْوُضُوْءِ إِسْرَافٌ؟ قَالَ: نَعَمْ وَإِنْ كُنْتَ عَلَى نَهَرٍ جَارٍ» (2)، ولكن القواعد العامة في شريعتنا تدل على عدم الإسراف، لاسيما أن الله تعالى نهى عنه وبيَّن أنه لا يحب أهله، قال تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ (3)، وقوله - صلى الله عليه وسلم - «إِنَّهُ سَيَكُونُ فِيْ هَذِهِ الأُمَّةِ قَوْمٌ يَعْتَدُوْنَ فِي الطَّهُوْرِ وَالدُّعَاءِ» (4). (2)

قوله «وَيُسَنُّ السِّوَاكُ عِنْدَ تَغَيُّرِ الْفَمِ»

أي تتأكد سنية السواك عند تغير الفم، دليل ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم -: «السِّوَاكُ مَطْهَرَةٌ لِلْفَمِ مَرْضَاةٌ لِلرَّبِّ» 361، وفي هذا الحديث فائدتان عظيمتان: الأولى: دنيوية وهي كونه مطهرة للفم.357358359360

الجزء: 1 - الصفحة: 94

وَعِنْدَ الْقِيَامِ مِنَ النَّوْمِ (2)، وَعِنْدَ الصَّلاةِ (3)؛ لِقَوْلِ رَسُوِلِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - «لَوْلا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِيْ لأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلاةٍ» * وَيُسْتَحَبُّ فِيْ سَائِرِ الأَوْقَاتِ إلَّا لِلصَّائِمِ بَعْدَ الزَّوَالِ (4).  = الثانية: فائدة أخروية أنه مرضاة للرب، فبهذا الفعل البسيط يحصل الإنسان على أجر عظيم.
(1) قوله «وَعِنْدَ الْقِيَامِ مِنَ النَّوْمِ» هذا مما يتأكد له السواك حديث حذيفة قال: «كَانَ النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - إِذَا قَامَ مِنْ اللَّيْلِ يَشُوْصُ فَاهُ بِالسِّوَاكِ» (1). (2) قوله «وَعِنْدَ الصَّلاةِ» ذكر المؤلف دليل ذلك وهو حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - «لَوْلا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِيْ لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلاةٍ».

(3)

قوله «وَيُسْتَحَبُّ فِيْ سَائِرِ الأَوْقَاتِ إِلاَّ لِلصَّائِمِ بَعْدَ الزَّوَالِ»

هذا هو المذهب 363، أي لا يستحب للصائم بعد الزوال؛ وذلك بدليلين: الأول: بدليل النهي عن التسوك بعد الزوال للصائم، فعن عليّ مرفوعًا «إِذَا صُمْتُمْ فَاسْتَاكُوْا بِالْغَدَاةِ وَلا تَسْتَاكُوْا بِالْعَشِيِّ» 364. الثاني: بدليل قوله - صلى الله عليه وسلم - « .. لَخُلُوْفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ ... » 365.362 * أخرجه البخاري في كتاب الجمعة - باب السواك يوم الجمعة - رقم (838)، ومسلم في كتاب الطهارة - باب السواك - رقم (252).

الجزء: 1 - الصفحة: 95

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =وفي رواية أخرى في المذهب 366 أنه مسنون قبل الزوال وبعده، واختار هذه الرواية شيخ الإسلام 367، وهو قول الحنفية 368، والمالكية 369، واختارها شيخنا 370، وهو الصحيح.
دليل ذلك حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - وحديث عائشة - رضي الله عنهما- السابقين، فلم يستثن النبي - صلى الله عليه وسلم - وقتًا دون وقت.
وأيضًا حديث عامر بن ربيعة - صلى الله عليه وسلم - حيث قال «رَأَيْتُ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - مَا لا أُحْصِيْ يَتَسَوَّكُ وَهُوَ صَائِمٌ» 371 والحديث حسنه الترمذي وضعفه بعض أهل العلم.
أما الإجابة على أدلة من قال بكراهية التسوك بعد الزوال، فنقول: بأن الحديث الأول ضعيف لا تقوم به الحجة، وحديث « .. لَخُلُوْفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللهِ تَعَالَى مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ ... » لا يدل على كراهية التسوك بعد الزوال وإنما هو من باب الإخبار بمحبة الله تعالى لخلوف فم الصائم، ولذا جاء عند الطبراني عن عبد الرحمن بن غنم قال: سَأَلْتُ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ: أَتَسَوَّكُ وَأَنَا صَائِمٌ؟ قَالَ: نَعَمْ، قُلْتُ: أَيَّ النَّهَارِأَتَسَوَّكُ؟ قَالَ: أَيَّ النَّهَارِشِئْتَ، إِنْ شِئْتَ غُدْوَةً، وَإِنْ شِئْتَ عَشِيَّةً، قُلْتُ: فَإِنَّ النَّاسَ يَكْرَهُونَهُ= = فضل الصيام - رقم (1151) من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -.

الجزء: 1 - الصفحة: 96

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =عَشِيَّةً، قَالَ: وَلِمَ؟ قُلْتُ: يَقُولُونَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَخُلُوْفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيْحِ الْمِسْكِ»، فَقَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ، لَقَدْ أَمَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - بِالسِّوَاكِ حِينَ أَمَرَهُمْ، وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ لا بُدَّ أَنْ يَكُوْنَ بِفَمِ الصَّائِمِ خُلُوْفٌ وَإِنِ اسْتَاكَ وَمَا كَانَ بِالَّذِيْ يَأْمُرَهُمْ أَنْ يُنْتِنُوْا أَفْوَاهَهُمْ عَمْدًا، مَا فِيْ ذَلِكَ مَنَ الْخَيْرِ شَيْءٌ، بَلْ فِيْهِ شَرٌّ ... » (1).

تنبيهان

:

أولاً: الصحيح أنه يحصل من السنية بقدر ما حصل من الإنقاء

فتحصل السنية إذا تسوك الإنسان بخرقة أو إصبع ونحوه بخلاف من قال باشتراط العود للسواك.
ثانيًا: هل يستاك باليد اليمنى أم اليد اليسرى؟ على أقوال عند أهل العلم، والذي أراه أن الأمر واسع لعدم ثبوت نص واضح في المسألة.372

الجزء: 1 - الصفحة: 97

بَابُ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ (1). يَجُوْزُ الْمَسْحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ، وَمَا أَشْبَهَهُمَا مِنَ الْجَوَارِبِ الصَّفِيْقَةِ الَّتِيْ تَثْبُتُ فِي الْقَدَمَيْنِ (2)،  الشرح:

(1)

قوله «بَابُ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ»

مناسبة ذكر

باب المسح على الخفين

بعد باب الوضوء؛ أنه لما كان المسح بدل عن الغسل الذي هو الأصل ناسب أن يأتي به هنا.
والمسح على الخفين دلت على مشروعيته أحاديث كثيرة، قال الحسن البصري (1) -رحمه الله-: «حدثني سبعون من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه مسح على خفيه»، وقال الإمام أحمد (2): «ليس في نفسي من المسح شيء فيه سبعون حديثاً عن النبي - صلى الله عليه وسلم -».

(2)

قوله «يَجُوْزُ الْمَسْحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ وَما أَشْبَهَهُمَا مِنَ الْجَوَارِبِ الصَّفِيْقَةِ الَّتِيْ تَثْبُتُ فِي الْقَدَمَيْنِ»

دل على جوازه الكتاب والسنة والإجماع.
أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ 375، فقوله: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ جاءت فيه قراءتان صحيحتان: إحداهما: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ بالنصب عطفًا على ﴿وُجُوهَكُمْ﴾ فتكون الرجلان مغسولتين؛ لأن حكمهما هنا حكم الوجه.373374

الجزء: 1 - الصفحة: 98

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =الثانية: ﴿وَأَرْجُلِكُمْ﴾ بالجرّ عطفًا على ﴿رُؤُوْسِكُمْ﴾ فتكون الرجلان ممسوحتين؛ لأن حكم الرأس المسح، والذي بيّن ذلك السنة، فقد جاءت بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا كانت رجلاه مكشوفتين غسلهما، وإن كانتا مستورتين مسح عليهما.
وأما دلالة السنة على ذلك فكثيرة، منها حديث المغيرة بن شعبة - رضي الله عنه - قوله توضأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأهويت لأنزع خفيه، فقال: «دَعْهُمَا فَإِنِّيْ أَدْخَلْتُهُمَا طَاهِرَتَيْنِ» (1). وأما الإجماع فقد نقل ابن المنذر الإجماع على جوازه واتفق أهل السنة على مشروعيته (2).

- تنبيه: في شروط المسح على الخفين على المذهب (3) مع بيان الراجح

في ذلك: 1 - أن يكون الخف طاهرًا، فإن كان نجسًا فلا يجوز المسح عليه، دليل ذلك: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى ذات يوم بأصحابه وعليه نعلان فخلعهما في أثناء صلاته، فجاء إليه جبريل فأخبره أن به أذى أو قذرًا فخلعهما - صلى الله عليه وسلم -. وجه الدلالة أنه لا يجوز الصلاة فيما فيه النجاسة، ولأن النجس إذا مسح عليه بالماء تلوث الماسح بالنجاسة، فلا يصح المسح عليه إذًا.
2 - أن يكون مباحًا، فإن كان محرمًا لكسبه كأن يكون مغصوبًا أو مسروقًا، =376377378

الجزء: 1 - الصفحة: 99

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =ومحرمًا لعينه كأن يكون الخف من جلد محرم مثلاً، أو تكون الجوارب من حرير هذا بالنسبة للرجل، أو يكون في الجوارب صور، فهنا لا يصح المسح عليها، وذلك لأن المسح على الخفين رخصة لا تستباح بالمعصية، هذا هو الصحيح في المذهب، وفي رواية أخرى يصح مع التحريم.
3 - كون الممسوح عليه ساترًا للمفروض: أي للمفروض غسله من الرجل، أي لا يتبين شيء من الرجل، فإن كان في الخف أو الجورب ونحوه خرق فإنه لا يجوز المسح عليه، وهذا هو المشهور من المذهب، وذلك لأن القدم إذا بدا بعضها كان الظاهر منها حكمه الغسل، والجمع بين الغسل والمسح لا يجوز، فتعين الغسل للجميع.
وفي رواية في المذهب بجواز المسح على المخرق الذي يمكن متابعة المشي به، ولا دليل على اشتراط عدم الخرق للجورب ونحوه، ولأنه مادام اسم الخف أو الجورب باقيًا، فإنه يجوز المسح عليه، وهذا هو الصحيح، وهو قول شيخ الإسلام 379، وشيخنا 380 - رحمهما الله -. 4 - إمكان المشي بهما عرفًا، أي يكون الخف مما يمكن الانتفاع به عرفًا كأن يكون من جلد أو قماش ونحوه مما جرت العادة المشي به، أما إن كان مما لا يمكن المشي به كالزجاج والخشب ونحوه مما لا يصح أن يكون خفًّا أو جوربًا فلا يصح المسح عليه.

الجزء: 1 - الصفحة: 100

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  5 - أن لا يصف البشرة، هذا هو المذهب وبه قال سماحة شيخنا عبد العزيز ابن باز 381 -رحمه الله-.
والصححيح أنه لا يشترط أن يكون الجورب صفيقًا لا تبدو من ورائه البشرة فليس في السنة ما يدل على اشتراط ستر الرجل في الخف أو الجورب وما شابهه وهو اختيار شيخ الإسلام 382 وشيخنا 383 - رحمهما الله -. 6 - ثبوتها بنفسها أو بنعلين إلى خلعهما، فلو ثبت بشده فلا يجوز المسح عليه هذا هو المذهب.
والصحيح أنه لا يشترط هذا الشرط لعدم ورود الدليل، وهذا هو اختيار شيخ الإسلام 384 وهو قول شيخنا 385 -رحمه الله-.
7 - أن يكون لبس الخفين أو الجوربين بعد كمال الطهارة، فلو غسل أحد القدمين ثم أدخلها في الخف أو الجورب ثم غسل الأخرى ثم أدخلها في الخف أو الجورب فلا يصح بل لا بد من كمال الطهارة ثم اللبس، هذا هو المذهب، وهو الصحيح، لأنه الأولى والأحوط؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم - «فَإِنِّيْ أَدْخَلْتُهُمَا طَاهِرَتَيْنِ» وهذا قول الشيخين 386، وقال شيخ الإسلام 387 بعدم اشتراط هذا الشرط.

الجزء: 1 - الصفحة: 101

وَالْجَرَامِيْقِ الَّتِيْ تُجَاوِزُ الْكَعْبَيْنِ (1) فِي الطَّهَارَةِ الصُّغْرَى (2)، يَوْمًا وَلَيْلَةً لِلْمُقِيْمِ وَثَلاثًا لِلْمُسَافِرِ (3)،  (1) قوله «وَالْجَرَامِيْقِ الَّتِيْ تُجَاوِزُ الْكَعْبَيْنِ» الجرموق بضم الجيم هو نوع من الخفاف يلبس فوق الخفين في البلاد الباردة.
(2) قوله «فِي الطَّهَارَةِ الصُّغْرَى» أما في الكبرى فلا يجوز المسح بدليل حديث صفوان بن عسال - رضي الله عنه - قال: «كَانَ - صلى الله عليه وسلم - يَأْمُرُنَا إِذَا كُنَّا سَفَرًا أَوْ مُسَافِرِينَ أَنْ لا نَنْزِعَ خِفَافَنَا ثَلاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيْهِنَّ إِلاَّ مِنْ جَنَابَةٍ لَكِنْ مِنْ غَائِطٍ وَبَوْلٍ وَنَوْمٍ» (1).

(3)

قوله «يَوْمًا وَلَيْلَةً لِلْمُقِيْمِ وَثَلاثًا لِلْمُسَافِرِ»

هذه هي المدة التي يجوز فيها المسح، وباشتراط المدة للمسح قال أبو حنيفة 389، والشافعي 390، وأكثر أهل العلم، وذهب مالك 391 إلى عدم الاشتراط، أما شيخ الإسلام 392 فيرى عدم توقيت مدة للمسح في حق المسافر الذي يشق اشتغاله بالخلع واللبس كالبريد المجهز في مصلحة المسلمين والصحيح اشتراط المدة، وهو قول جمهور أهل العلم وبه قال الشيخان 393، دليل ذلك حديث عليٍّ - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «جَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - ثَلاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيَهُنَّ لِلْمُسَافِرِ وَيَوْمًا وَلَيْلَةً لِلْمُقِيْمِ» 394، وكذا حديث صفوان =388

الجزء: 1 - الصفحة: 102

مِنَ الْحَدَثِ إِلَى مِثْلِهِ (1)؛ لِقَوْلِ رَسُوْلِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - «يَمْسَحُ الْمُسَافِرُ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيْهِنَّ، وَالْمُقِيْمُ يَوْمًا وَلَيْلَةً» *.
وَمَتَى مَسَحَ ثُمَّ انْقَضَتِ الْمُدَّةُ، أَوْ خَلَعَ قَبْلَهَا، بَطَلَتْ طَهَارَتُهُ (2).  = ابن عسال السابق.

(1)

قوله "مِنَ الْحَدَثِ إِلَى مِثْلِهِ"

هذا هو المشهور من الروايتين وهو المذهب (1)، وفي الرواية الأخرى (2) من حين المسح بعد الحدث، وهذا هو الصحيح، وبه قال الشيخان (3)، دليل ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم - «يمسح المقيم» «ويمسح المسافر» ولا يمكن أن يصدق عليه أنه ماسح إلا بفعل المسح.
(2)

قوله «وَمَتَى مَسَحَ ثُمَّ انْقَضَتِ الْمُدَّةُ، أَوْ خَلَعَ قَبْلَهَا، بَطَلَتْ طَهَارَتُهُ»

هذه هي بعض مبطلات المسح على المذهب وهي: أولاً: انقضاء المدة، فالصحيح من المذهب 398 أنه بانقضاء المدة المعتبرة في المسح تبطل الطهارة، دليل ذلك مفهوم أحاديث التوقيت، وهذا هو الراجح.
وقيل بأن الطهارة لا تبطل بانقضاء المدة، وهو قول شيخ الإسلام 399، وبه قال شيخنا محمد االعثيمين 400 -رحمه الله-؛ وذلك لأن الطهارة وجدت بمقتضى دليل شرعي ولا دليل على بطلانها.395396397

الجزء: 1 - الصفحة: 103

وَمَنْ مَسَحَ مُسَافِرًا ثُمَّ أَقَامَ (1)، أَوْ مُقِيْمًا ثُمَّ سَافَرَ، أَتمَّ مَسْحَ مُقِيْمٍ (2).  ثانيًا: خلع الممسوح عليه قبل انقضاء المدة، هذا هو المذهب (1) وهو الصحيح، وقيل: أنه إذا خلعه وهو على طهارة ثم لبسه لا تبطل الطهارة بذلك، وهو اختيار شيخ الإسلام (2)، وبه قال شيخنا (3) -رحمه الله-.

(1)

قوله «وَمَنْ مَسَحَ مُسَافِرًا ثُمَّ أَقَامَ»

أتم مسح مقيم إن بقي من المدة شيء، وإن انتهت المدة خلع، وذلك لانقطاع السفر، ولأن المسح ثلاثة أيام لمن كان مسافرًا.
(2)

قوله «أَوْ مُقِيْمًا ثُمَّ سَافَرَ، أَتمَّ مَسْحَ مُقِيْمٍ»

هذا هو المذهب 404؛ وذلك تغليبًا لجانب الحظر احتياطًا.
وفي رواية للإمام أحمد 405، وهي التي رجع إليها الإمام، واختارها الخلال أنه يتم مسح مسافر؛ لأنه وجد السبب الذي يستبيح هذه المدة قبل أن تنتهي مدة الإقامة، وهذا مذهب أبي حنيفة 406، وهو قول شيخنا 407 -رحمه الله-.
والصحيح المذهب، أي أنه يتم مسح مقيم عملاً بالأحوط، والعمل بالأحوط في العبادات أولى.401402403

الجزء: 1 - الصفحة: 104

وَيَجُوْزُ الْمَسْحُ عَلَى الْعِمَامَةِ (1) إِذَا كَانَتْ ذاتَ ذُؤَابَةٍ (2)، سَاتِرَةً لِجَمِيْعِ الرَّأْسِ إِلاَّ مَا جَرَتِ الْعَادَةُ بِكَشْفِهِ (3)،  (1)

قوله «وَيَجُوْزُ الْمَسْحُ عَلَى الْعِمَامَةِ»

بخلاف من قال بعدم الجواز كالحنفية (1) فإنهم يقولون: لا يجوز المسح على العمامة لأنه لا يلحقه المشقة بنزعها، وكذا قال المالكية (2) إلا إذا كان في نزعها ضرر عليه.
وأما الشافعية (3) فقالوا: لا يجوز المسلح على العمامة لأداء فرض مسح الرأس في الوضوء بل لابد من مسح شيء من الشعر، فإن كان عليه عمامة فلابد من مسح ناصية الرأس، واستحب أن يتم المسح على العمامة.
والصواب في ذلك هو المذهب.
دليل الجواز حديث المغيرة بن شعبة - رضي الله عنه - قال: «تَوَضَّأَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - وَمَسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ وَالْعِمَامَةِ» (4)، وعن عمرو بن أمية الضمري قال: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَمْسَحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ وَالْعِمَامَةِ» (5).

(2)

قوله «إِذَا كَانَتْ ذاتَ ذُؤَابَةٍ»

أو محنكة وهي التي يدار منها مرة أو مرتين تحت الحنك، هذا هو المذهب 413. والصحيح أنه لا يشترط كون العمامة ذات ذؤابة أو محنكة، والنصوص الواردة في ذلك جاءت «ومسح على عمامته»، ولم =408409410411412

الجزء: 1 - الصفحة: 105

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  = يذكر فيها قيود أخرى، وليس هناك أدلة على كونها محنكة أو ذات ذؤابة وهذا هو اختيار شيخ الإسلام (1) -رحمه الله-.

(1)

قوله «سَاتِرَةً لِجَمِيْعِ الرَّأْسِ إِلاَّ مَا جَرَتِ الْعَادَةُ بِكَشْفِهِ»

وذلك كالأذنين، وكمقدم الرأس وجوانب الرأس، فهذه يعفى عنها لمشقة التحرز منها، لكن

هل يجب مسح مقدم الرأس إذا كان لابسًا للعمامة؟

الصحيح أنه لا يجب مسح مقدم الرأس وجوانبه، وهو اختيار شيخ الإسلام (2) -رحمه الله-.

تنبيهات

: أولاً: اشترط بعض الفقهاء للعمامة شروطًا منها: 1 - أن تكون العمامة لرجل، فالعمامة لبسها من خصائص الرجال، والمرأة منهية عن التشبه بالرجال، فلا تمسح عليها، أما إذا احتاجت إليها ليرد ونحوه، فقيل بجواز المسح عليها.
2 - كون العمامة مباحة لا محرمة كمغصوب أو حرير، أو أن تكون مشتملة على محرم، كأن يكون عليها صور ونحوه وفي جواز المسح روايتان 416. 3 - أن تكون ذات ذؤابة أو محنكة وقد تكلمنا على هذا الشرط سابقًا، وقلنا: إنه لا يشترط كونها ذات ذؤابة أو محنكة.
4 - أن تكون ساترة لما لم تجز العادة بكشفه.
5 - أن تكون طاهرة العين.414415

الجزء: 1 - الصفحة: 106

وَمِنْ شَرْطِ الْمَسْحِ عَلَى جَمِيْعِ ذلِكَ، أَنْ يَلْبَسَهُ عَلَى طَهَارَةٍ كَامِلَةٍ (1).  ثانيًا: يكون المسح لأكثر العمامة وإن مسح الكل فلا حرج ويستحب إذا كانت الناصية بادية أن يمسحها مع العمامة.
ثالثًا: هل يشترط للعمامة توقيت كالخف؟ قولان: الأول أنه يشترط لها قياسًا على الخف.
الثاني أنه لا يشترط، وبه قال ابن حزم (1)، وذهب إليه الشوكاني (2)، وهو قول شيخنا (3) -رحمه الله-، لكنه قال: لو سلكنا سبيل الاحتياط فلم تلبسها إلا على طهارة وفي المدة المحددة للخفين لكان حسنًا.
قلت: وهذا عندي أحوط.

رابعًا: هل يشترط لبسها على طهارة؟

قولان: والصحيح أنه لا يشترط لبسها على طهارة وهو قول شيخنا -رحمه الله-.

(1)

قوله «وَمِنْ شَرْطِ الْمَسْحِ عَلَى جَمِيْعِ ذلِكَ، أَنْ يَلْبَسَهُ عَلَى طَهَارَةٍ كَامِلَةٍ»

أما اشتراط الطهارة لجواز المسح على الخفين فهذا لابد منه.
لكن اشتراط طهارة كاملة بمعنى أنه يفرغ من الوضوء كاملاً ثم يلبس الخف أو الجورب، فهنا يجوز المسح.
أما إذا فرغ من الرجل اليمنى ثم لبس الخف أو الجورب ثم لما انتهى من اليسرى لبسها فالمشهور من المذهب 420 عدم الجواز؛ لأنه لا يصدق عليه كونه أدخلهما طاهرتين كما في حديث المغيرة بن شعبة وفيه قوله - صلى الله عليه وسلم -: «دَعْهُمَا =417418419

الجزء: 1 - الصفحة: 107

وَيَجُوْزُ الْمَسْحُ عَلَى الْجَبِيْرَةِ (1)،  =فَإِنِّيْ أَدْخَلْتُهُمَا طَاهِرَتَيْنِ» (1)، وذهب شيخ الإسلام (2) إلى أنه يجوز إذا غسل اليمنى أن يلبس الخف ثم يغسل اليسرى ويلبس الخف.
والذي يظهر أن الأولى والأحوط ألا يلبس المتوضئ الخف والجورب إلا بعد كما الطهارة لمفهوم حديث المغيرة بن شعبة المتقدم، وهذا هو اختيار الشيخين (3). أما العمامة فقد سبق بيان عدم اشتراط لبسها على طهارة.

(1)

قوله «وَيَجُوْزُ الْمَسْحُ عَلَى الْجَبِيْرَةِ»

الجبيرة في الأصل هي ما يجبر به الكسر، أما في عرف الفقهاء فهي: ما يوضع على موضع الطهارة لحاجة، مثل الجبس الذي يكون على الكسر، أو اللزقة التي تكون على الجرح، أو ما يسمى بلزقة الظهر التي توضع على الألم الموجود فيه، فهذه يجوز المسح عليها، وتكون الطهارة بالمسح عليها كاملة، فمتى نزع الجبيرة أو اللزقة وما شابه ذلك، فإن طهارته تبقى ولا تنتقض.
لكن لما كانت الأحاديث الواردة فيها ضعيفة، اختلف أهل العلم في المسح عليها، فالمؤلف قال: يجوز، ومن أهل العلم من قال: بأنه يسقط تطهير محل الجبيرة؛ لأنه عاجز عن تطهيره، ومنهم من قال بل يتيمم لها ولا يمسح.

وأقرب الأقوال في ذلك أنه يمسح عليها، لكن

هل يتيمم مع المسح؟

قولان 424؛ الصواب أنه يغنيه المسح عن التيمم فلا حاجة إلى التيمم.

  • تنبيه: الجرح الموجود في أعضاء الطهارة لا يخلو من أربعة أمور:421422423

الجزء: 1 - الصفحة: 108

إِذَا لَمْ يَتَعَدَّ بِشَدِّهَا مَوْضِعَ الْحَاجَةِ (1) إِلىَ أَنْ يَحُلَّهَا (2)،  الأول: أن يكون الجرح مكشوفًا ولا يضره الغسل فهنا يجب غسله إذا كان في محل الغسل.
الثاني: أن يكون الجرح مكشوفًا ويضره الغسل دون المسح فهنا يجب مسحه.
الثالث: أن يكون مكشوفًا ويضره الأمران الغسل والمسح فهنا يتيمم له بخلاف من قال أنه لا يتيمم.
الرابع: أن يكون مستورًا وهو محتاج إلى ما يستره به فهنا يمسح على الساتر ويغنيه عن الغسل ولا يتيمم.
(1) قوله «إِذَا لَمْ يَتَعَدَّ بِشَدِّهَا مَوْضِعَ الْحَاجَةِ» وذلك لأن الجبيرة جاءت لحاجة، فتقدر بقدرها، والحاجة هي الكسر، وكل ما قرب منه مما يحتاج إليه في شدها، فإن كان هناك زائد فيها ولا حاجة له وجب نزعه لكي يتمكن من غسل ما تحته.
(2) قوله «إِلىَ أَنْ يَحُلَّهَا» فمتى برئ الكسر أو الجرح فهنا يجب إزالة الجبيرة ونحوها؛ لأن السبب الذي كان من أجله يمسح عليها زال.

  • تنبيه: الفروق التي تخالف فيها الجبيرة الخف: هناك فروق بين المسح على الجبيرة والمسح على الخفين، ومن هذه الفروق: أولاً: يشترط في الخف لبسه على طهارة بخلاف الجبيرة فعلى الصحيح أنه لا يشترط لبسها على طهارة، والمذهب في هذا الشرط على قولين، الصحيح عدم الاشتراط.
    ثانيًا: أن المدة في المسح على الخف معينة، بخلاف الجبيرة فإنه يمسح عليها ما دامت هناك حاجة لوجودها.

الجزء: 1 - الصفحة: 109

وَالرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ فِيْ ذلِكَ سَوَاءٌ (1)، إِلاَّ أَنَّ الْمَرْأَةَ لا تَمْسَحُ عَلَى الْعِمَامَةِ (2).  ثالثًا: أن الجبيرة يمسح عليها في الحدثين الأكبر والأصغر، بخلاف الخف فإنه يمسح عليه في الحدث الأصغر فقط.
رابعًا: أن الجبيرة لا تختص بعضو معين بخلاف الخف فإنه يختص بالرجل.
خامسًا: أنه يجب المسح على الجبيرة كلها بخلاف الخف.
سادسًا: المسح على الجبيرة عزيمة والمسح على الخف رخصة.

(1)

قوله «وَالرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ فِيْ ذلِكَ سَوَاءٌ»

فهم سواء في المسح على الخف والجورب وغيره وكذا الجبيرة ونحوها.
(2)

قوله «إِلاَّ أَنَّ الْمَرْأَةَ لا تَمْسَحُ عَلَى الْعِمَامَةِ»

لما ذكرناه، لكن هل يجوز لها أن تمسح على خمارها؟ قولان: الصحيح أنه يجوز لها أن تمسح على خمارها، إذا كان هناك داع لذلك، كبرودة الجو، ومشقة نزعه، فالتسامح في هذا لا بأس به، وإلا فالأولى أن لا تمسح، ولم ترد نصوص صريحة في هذا الباب.

ذكر بعض التنبيهات الخاصة بهذا الباب

:

أولاً: إذا كان الرأس ملبدًا

بحناء أو غيره فيجوز المسح عليها لثبوته عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وهذا يدل على أن في طهارة المسح شيئًا من التسهيل.
ثانيًا: الصحيح جواز المسح على اللفافة إذا كانت على القدم لأن صاحبها يعذر أكثر من الخف، وهذا رأي شيخ الإسلام 425 وهو ترجيح شيخنا 426، والمذهب 427 يرى عدم المسح.

الجزء: 1 - الصفحة: 110

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ثالثًا: من كان يلبس شرابًا (جوربًا) وعليه نعال وأراد أن يمسح على النعال، فلا حرج في ذلك بشرط أن تبقى النعال حتى تتم المدة، فإن خلعها بعد المسح فقد انتهى المسح في حقه، إلا أن يتوضأ أولاً ويغسل رجليه.
رابعًا: لا يجوز المسح على الخفين إذا كانت الطهارة طهارة تيمم؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم - «فَإِنِّيْ أَدْخَلْتُهُمَا طَاهِرَتَيْنِ» (1). وبناء على ذلك لو أن رجلاً ليس عنده ماء أو كان مريضًا لا يستطيع استعمال الماء في الوضوء فإنه يلبس الخفين ولو على غير طهارة وتبقيان عليه بلا مدة محدودة حتى يجد الماء أو يشفى من مرضه وذلك لأن الرِّجل لا علاقة لها بطهارة التيمم.
خامسًا: لا بأس أن يدخل الإنسان يده من تحت الجورب ولا يبطل المسح بذلك.

سادسًا: من خلع جوربه وهو على وضوء وأراد أن يعيد لبسه

فإن كان هذا الوضوء هو الأول أي لم ينتقض وضوؤه بعد لبسه فلا حرج عليه أن يعيد لبسه ويمسح عليه.
أما إن كان الوضوء وضوءًا مسح فيه على جوربه فإنه لا يجوز له إذا خلعه أن يلبسه ويمسح عليه لأنه لا بد أن يكون قد لبسها على طهارة بالماء وهذه طهارة بالمسح.

سابعًا: من شك في ابتداء المسح

فإنه يبني على اليقين فمثلاً لو شك هل مسح لصلاة الظهر أم صلاة العصر فإنه يجعل المدة لصلاة العصر لأن الأصل عدم المسح.428

الجزء: 1 - الصفحة: 111

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ثامنًا: لا تشترط النية عند الوضوء لجواز المسح على الخفين وغيرهما لأن هذا العمل علق الحكم فيه على مجرد وجوده فلا يحتاج إلى النية.
تاسعًا: في كيفية المسح على الخفين وهي أن يضع الماسح يديه على مقدم الخف أو الجورب ثم يجرها إلى الأعلى حتى يجاوز بها الكعبين وله أن يبدأ بالرجل اليمنى فإذا انتهى رجع إلى اليسرى وله أن يمسح كلتيهما معًا والأمر في ذلك واسع ولله الحمد.

عاشرًا: من لبس جوربًا فوق جورب

أو لبس خفًّا على خف فهنا حالتان: الحالة الأولى: أن يلبسهما على طهارة من وضوء فهنا لا إشكال في جواز المسح على الأعلى، فإن خلع الأعلى بعد المسح عليه فإنه لا يتوضأ حتى يخلع الثاني ويغسل الرجلين؛ لأنه خلع الممسوح عليه فإذا خلعه بطل المسح.
الحالة الثانية: أن يلبس الجورب الآخر بعد المسح على الجورب الأول فلا بأس بذلك لكن لا يمسح على الأعلى: لأن الحكم يتعلق بالممسوح عليه وتكون المدة تكون من بداية المسح على الأول، وهذا هو المذهب (1) خلافًا لرأي الشيخين (2).

الحادي عشر: إذا كانت إحدى الرجلين مكشوفة

والأخرى عليها خف فإن الواجب أن يخلع الخف أو الجورب الآخر عند الوضوء ثم يغسل رجليه لأن المسح يكون على الخفين أو الجوربين جميعًا، اللهم إلا إذا كانت الرجل المستورة بها وجع فهنا يمسح لعلة المرض.429430

الجزء: 1 - الصفحة: 112

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

الثاني عشر: الأفضل لمن كان لابسًا للخف أو الجورب

ونحوه أن يمسح عليها أما خلع الملبوس وغسل الرجلين فهذا خلاف السنة، اللهم إلا إذا كان الخلع لغرض صحيح كالحاجة إلى تنظيف الرجل.

الجزء: 1 - الصفحة: 113

بَابُ نَوَاقِضِ الْوُضُوْءِ

(1) وَهِيَ سَبْعَةٌ (2): الْخَارِجُ مِنَ السَّبِيْلَيْنِ عَلَى كُلِّ حَالٍ (3)،  الشرح: (1) قوله «بَابُ نَوَاقِضِ الْوُضُوْءِ» نواقض الوضوء أي مبطلاته ومفسداته، وهي قسمان: أحدهما: أحداث تنقض الوضوء بنفسها وذلك كالغائط والبول والمذي والفساء والضراط ودم الاستحاضة.
الثاني: أسباب وهي ما كان مظنة لخروج الحدث وذلك كالنوم واللمس.
وأما من حيث الحكم فهي نوعان: مجمع عليها ومختلف فيها كما سيذكره المؤلف.
(2) قوله «وَهِيَ سَبْعَةٌ» هذا على سبيل الاستقراء والتتبع على المذهب وإلا قد تكون أقل أو أكثر كما سنوضح ذلك إن شاء الله.

(3)

قوله «الْخَارِجُ مِنَ السَّبِيْلَيْنِ عَلَى كُلِّ حَالٍ»

سواء كان معتاداً أو غير معتاد، فالمعتاد كالغائط والبول فهذا ينتقض بغير خلاف، قال الله تعالى: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ 431، وقوله - صلى الله عليه وسلم - «لا تُقْبَلُ صَلاةُ مَنْ أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ» قَالَ رَجُلٌ مِنْ حَضْرَمَوْتَ: مَا الْحَدَثُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟ قَالَ: فُسَاءٌ أَوْ ضُرَاطٌ 432. أما غير المعتاد كالدود والحصاة ودم المستحاضة وسلس البول، فهذه أيضًا ينقض الوضوء بها.

الجزء: 1 - الصفحة: 114

وَالْخَارِجُ النَّجِسُ مِنْ غَيْرِهِمَا (1)، إِذَا فَحُشَ (2). وَزَوَالُ الْعَقْلِ إِلاَّ النَّوْمَ الْيَسِيْرَ جَالِسًا أَوْ قَائِمًا (3)  (1)

قوله «وَالْخَارِجُ النَّجِسُ مِنْ غَيْرِهِمَا»

أي من غير السبيلين، وهذا الخارج إما أن يكون بولاً، أو غائطًا، فهذا ناقض للوضوء، سواء قل أو كثر، أو خرج من بقية البدن غير السبيلين، وذلك كمن تجرى له عملية جراحية يوضع له أسترة مثلاً ليخرج من خلالها البول أو الغائط، وقد قال بعض العلماء: إن المخرج إن كان من فوق المعدة فالخارج كالقيء إن كان كثيرًا نقض وإلا فلا، وإن كان المخرج تحت المعدة فالخارج ينقض بكل حال.
و

إذا كان الخارج غير البول والغائط

، كالدم والقيء وماء الجروح، فهذه على المذهب (1) نجاسة، فإن كانت كثيرة فإنها ناقضة للوضوء.
والصحيح أنها غير ناقضة، وهي إحدى الروايتين في المذهب (2).

(2)

قوله «إِذا فَحُشَ»

أي كثر، واختلفت الروايات في المذهب (3) في قدر الفاحش: فقيل قدر الفاحش شبرًا في شبر، وقيل قدر الكف، وقيل قدر ما يرفعه الإنسان بأصابعه الخمس، وقيل قدر الدرهم، وقيل بل يرجع ذلك إلى العرف والصحيح أن المعتبر ما اعتبره أوساط الناس قلة وكثرة، وهذا رواية في المذهب، وهو اختيار شيخنا (4) -رحمه الله-.

(3)

قوله «وَزَوَالُ الْعَقْلِ إِلاَّ النَّوْمَ الْيَسِيْرَ جَالِسًا أَوْ قَائِمًا»

زوال العقل نوعان

: زوال بالكلية كالجنون، وزوال تغطية لمدة معينة، وذلك كالنوم والإغماء=433434435436

الجزء: 1 - الصفحة: 115

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =والسكر وما شابهه، فإن زال عقله بجنون أو إغماء أو سكر، فيسيره وكثيره ناقض، وقد نقل ابن قدامة الإجماع (1) على ذلك، وعليه استئناف الطهارة.

أما النوم فقد اتفق الفقهاء على أنه ناقض في الجملة لا بالجملة، ولذا اختلفوا في الأمور التي يكون فيها النوم ناقضًا: فالمذهب (2) على أن

النائم له ثلاث حالات

: الحالة الأولى: أن يكون نومه مضطجعًا، فينتقض وضوؤه سواء كان النوم كثيرا أو قليلا، وهو قول الحنفية 439 والمالكية 440 والشافعية 441. الحالة الثانية: أن يكون نومه قعودًا، فإن كان كثيرًا ينقض، رواية واحدة في المذهب 442، وقال المالكية 443، والشافعية 444 لا ينقض وإن كثر إن كان متمكنًا من الأرض.
أما إن كان النوم يسيرًا فقد اختلفت الرواية في المذهب: فقيل لا ينقض، وقيل ينقض بكل حال، وهذه الرواية ظاهر المذهب.
الحالة الثالثة: أن يكون نومه عن قيام أو ركوع أو سجود، وهنا أيضا اختلفت الرواية في المذهب 445: فقيل ينقض لانفتاح محل الحدث، والرواية=437438

الجزء: 1 - الصفحة: 116

وَلَمْسُ الذَّكَرِ بِيَدِهِ (1)،  =الأخرى لا ينقض إلا إذا كثر، والرواية الثالثة التفريق بين كونه راكعًا أو ساجدًا أو قائمًا، فإن كان نومه عن قيام أو ركوع فلا ينقض؛ لأنه لا يستثقل معه النوم بخلاف إن كان ساجدًا.
وهذه حاصل الاختلاف في هذه المسألة، وهناك أقوال أخرى وتفريعات لها في المذاهب.
والراجح في هذه المسألة أن من نام نومًا مستغرقًا فيه بحيث أنه لو انتقض وضوؤه لم يحس ولا يشعر بنفسه، فقد انتقض وضوؤه وإن كان نام نومًا غير مستغرق فيه كنعاس ونحوه بحيث يشعر لو انتقض وضوؤه أحس بنفسه لكون نومه يسيرًا ويغلب على ظنه أنه لم يحدث فلا وضوء عليه سواء كان مضطجعًا أو قائمًا أو راكعًا أو ساجدًا وهذا هو اختيار شيخ الإسلام (1) والشيخين (2) - رحمهم الله-.

(1)

قوله «وَلَمْسُ الذَّكَرِ بِيَدِهِ»

هذا هو الصحيح في المذهب 448، وبه قال مالك 449 والشافعي 450، وهو قول سماحة شيخنا عبد العزيز بن باز 451 -رحمه الله-.
وذهب أبو حنيفة 452 إلى القول بعدم نقض الوضوء من مس الذكر، وهو إحدى الروايتين عن أحمد 453؛ لحديث قيس بن طلق عن أبيه طلق بن حبيب قال: =446447

الجزء: 1 - الصفحة: 117

وَلَمْسُ امْرَأَةٍ لِشَهْوَةٍ (1)،  = قال رجل: يَا نَبِيَّ اللَّهِ مَا تَرَى فِيْ مَسِّ الرَّجُلِ ذَكَرَهُ بَعْدَ مَا يَتَوَضَّأُ؟ فَقَالَ: «هَلْ هُوَ إِلاَّ بَضْعَةٌ مِنْهُ» (1). أما دليل المذهب فهو حديث بسرة بنت صفوان أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «مَنْ مَسَّ ذَكَرَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ» (2)، ولقوله - صلى الله عليه وسلم - «مَنْ أَفْضَى بِيَدِهِ إِلَى ذَكَرِهِ لَيْسَ دُونَهُ سِتْرٌ فَقَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْوُضُوءُ» (3). وذهب شيخ الإسلام (4) إلى القول بأن الوضوء من مس الذكر مستحب مطلقًا سواء كان بشهوة أو بغيرها وهو اختيار شيخنا.
والذي يظهر لي - والله أعلم - أن مس الذكر إن كان بشهوة فالقول بالوضوء أولى جمعًا بين الأدلة واستعمالاً لكلا الدليلين، فحديث طلق يحمل على مسه بلا شهوة، وحديث بسرة يحمل على مسه بشهوة.

(1)

قوله «وَلَمْسُ امْرَأَةٍ لِشَهْوَةٍ»

هذا هو المشهور من المذهب 458، وهو قول مالك 459. وفي رواية أخرى عن الإمام أحمد 460 أنه ينقض مطلقًا؛ لعموم قوله تعالى: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ 461.454455456457

الجزء: 1 - الصفحة: 118

وَالرِّدَّةُ عَنِ الإِسْلامِ (1)، وَأَكْلُ لَحْمِ الْجَزُوْرِ (2)؛ لِمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -، قِيْلَ لَهُ: أَنَتَوَضَّأُ مِنْ لُحُوْمِ الإِبِلِ؟ قالَ: «نَعَمْ، تَوَضَّؤُوْا مِنْهَا»، قِيْلَ: أَفَنَتَوَضَّأُ مِنْ لُحُوْمِ الْغَنَمِ؟ قالَ: «إِنْ شِئْتَ فَتَوَضَّأْ، وَإِنْ شِئْتَ فَلا تَتَوَضَّأْ» *  = وذهب شيخ الإسلام (1) إلى القول بأنه لا ينقض مطلقًا، وهو قول الشيخين (2) حيث قالا: "إن مس المرأة لا ينقض الوضوء، إلا إذا خرج منه شيء"، وهو الصحيح عندي؛ لأنه هو الذي يقوم عليه الدليل، فالنبي - صلى الله عليه وسلم - قبل بعض نسائه ولم يتوضأ، ولأن الأصل سلامة الطهارة وبراءة الذمة، فلا يجب الوضوء إلا بدليل سليم لا معارض له، ولأن النساء موجودات في البيوت وتعم البلوى بهن، ولو كان مسهن ناقضًا للوضوء لبينه الله تعالى.
أما قوله تعالى: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ فالمراد به الجماع، كما قال بذلك حبر الأمة ابن عباس - رضي الله عنه -، لكن إن توضأ استحبابًا لا وجوبًا فهذا أحسن.

(1)

قوله «وَالرِّدَّةُ عَنِ الإِسْلامِ»

وهذا هو المذهب (3)؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (4) وبهذا قال شيخ الإسلام (5) -رحمه الله-، وهو الراجح.
(2)

قوله «وَأَكْلُ لَحْمِ الْجَزُوْرِ»

وهذا من مفردات الإمام أحمد 467، وبه قال=462463464465466 * أخرجه مسلم في كتاب الحيض - باب الوضوء من لحوم الإبل - رقم (360) من حديث جابر بن سمرة - رضي الله عنه -.

الجزء: 1 - الصفحة: 119

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =شيخ الإسلام 468 والنووي 469 والشوكاني 470 وكذا الشيخان 471، دليل ذلك ما استدل به المؤلف من حديث جابر - رضي الله عنه - 472، وكذا حديث البراء وفيه قوله - صلى الله عليه وسلم - «تَوَضَّؤُوْا مِنْ لُحُوْمِ الإِبِلِ» 473 والأمر هنا للوجوب.
وذهب جمهور أهل العلم 474 إلى القول بعدم وجوب الوضوء من أكل لحوم الإبل والأدلة على خلاف ما ذهبوا إليه.

  • تنبيه: هل يدخل الكرش والكبد والشحم والكلية وما هو دون اللحم المعروف في وجوب الوضوء منه؟ قولان لأهل العلم: الأول: أنه لا فرق بين هذه الأجزاء وبين اللحم، وهو قول في المذهب 475، وبه قال الشيخ محمد العثيمين 476 وابن سعدي 477 - رحمهما الله -. وهناك قول آخر في المذهب: أنه لا ينقض بغير اللحم الذي هو الهبر فالكرش والكبد ونحوه لا ينتقض به، وهذا هو المشهور من المذهب 478، وبه قال =

الجزء: 1 - الصفحة: 120

وَمَنْ تَيَقَّنَ الطَّهَارَةَ، وَشَكَّ فِي الْحَدَثِ، أَوْ تَيَقَّنَ الْحَدَثَ، وَشَكَّ فِي الطَّهَارَةِ، فَهُوَ عَلَى مَا تَيَقَّنَ مِنْهُمَا (1).  =سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز (1) -رحمه الله-.
والصحيح عندي القول بأن أكل هذه الأعضاء (وألحق بالكرش والكبد اللسان والأذنين) ناقض للوضوء؛ لأنها تدخل في مسمى اللحم، ولأنه ليس في شريعتنا حيوان تتبعض أجزاؤه حلاً وحرمة، وطهارة ونجاسة، ونحو ذلك، لكون أجزاء الإبل كلها واحدة.

(1)

قوله «وَمَنْ تَيَقَّنَ الطَّهَارَةَ، وَشَكَّ فِي الْحَدَثِ، أَوْ تَيَقَّنَ الْحَدَثَ، وَشَكَّ فِي الطَّهَارَةِ، فَهُوَ عَلَى ما تَيَقَّنَ مِنْهُمَا»

هذه قاعدة مهمة جدًّا وهي أن اليقين لا يزول بالشك، فالأصل عدم النقض، ومن تيقن الحدث وشك في الطهارة فالأصل أنه محدث لأنه هو المتيقن، دليل هذه القاعدة الهامة حديث عبد الله بن زيد - رضي الله عنه - قال: شكي إلى النبي الرجل يجد شيئًا في بطنه ويشكل عليه هل خرج منه شيء أم لا؟ فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا يَنْصَرِفُ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيْحًا» 480.479

الجزء: 1 - الصفحة: 121

بَابُ الْغُسْلِ مِنَ الْجَنَابَةِ

(1). وَالْمُوْجِبُ لَهُ: خُرُوْجُ الْمَنِيِّ (2)، وَهُوَ: الْمَاءُ الدَّافِقُ (3)،  الشرح:

(1)

قوله «بَابُ الْغُسْلِ مِنَ الْجَنَابَةِ»

اقتصر المؤلف -رحمه الله- هنا على ذكر بعض موجبات الغسل، وهي: الجنابة، وإلا فموجباته أيضًا: الحيض، والنفاس، والإسلام على الصحيح من أقوال أهل العلم، وكذلك الموت.

تنبيه: جميع موجبات الغسل لا توجب إلا الغسل

دون الوضوء لعدم الدليل على إيجاب الوضوء.
(2)

قوله «وَالْمُوْجِبُ لَهُ: خُرُوْجُ الْمَنِيِّ»

لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ (1) ولحديث أم سليم - رضي الله عنها- قالت: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِيْ مِنَ الْحَقِّ هَلْ عَلَى الْمَرْأَةِ مِنْ غُسْلٍ إِذَا هِيَ احْتَلَمَتْ؟ فَقَالَ رَسُوْلُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: «نَعَمْ إِذَا رَأَتِ الْمَاءَ» (2). (3)

قوله «وَهُوَ: الْمَاءُ الدَّافِقُ»

هذا شرط في المني الخارج الذي يوجب الغسل وهو كونه دفقاً أي بشدة، دليل ذلك قوله تعالى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ﴾ 483. لكن هل يشترط حصول اللذة في خروجه؟ قولان لأهل العلم: المشهور من المذهب 484 أنه لا بد من حصول الشهوة بخروجه، =481482

الجزء: 1 - الصفحة: 122

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  = بخروجه، فلو خرج لمرض أو برد فلا غسل فيه، وبه قال مالك (1) وأكثر أهل العلم، وهذا هو الصحيح، وبه قال شيخنا (2) -رحمه الله-.
وفي قول آخر في المذهب (3) وجوب الغسل سواء خرج بشهوة أو بغير شهوة، وهو قول الشافعي (4). فلو خرج المني بدون دفق ولا لذة سواء كان لمرض أو برد ونحوه فيجب فيه الغسل، والصحيح القول الأول.

تنبيهات

: أولاً: يعرف المني بثلاث علامات: الأول: خروجه دفقًا يعنى بقوة وشدة وعجلة.
الثاني: تميزه برائحة معروفة فمني الرجل يشبه رائحة طلع النخل ورائحة العجين ومني المرأة أصفر رقيق.
الثالث: فتور البدن بعد خروجه.
ثانيًا: لا يشترط الدفق واللذة إذا خرج المني من نائم فمتى وجد المني إذا استيقظ وجب عليه الغسل لحديث أم سليم السابق لأن النبي لم يشترط أكثر من رؤية المني فدل ذلك على وجوب الغسل إذا رأى المني سواء أحس به أم لم يحس.

ثالثًا: إذا استيقظ فوجد بللاً فما الحكم؟

485486487488 الجزء: 1 - الصفحة: 123

وَالْتِقَاءُ الْخِتَانَيْنِ (1)،  =نقول هنا إن كان متيقنًا أن هذا البلل مني فهنا يجب الغسل، وإن كان متيقنًا أنه ليس بمني فهنا لا يجب عليه الغسل بل الواجب عليه أن يغسل ما أصابه لأن حكمه هنا حكم البول.

رابعًا: إن كان يجهل هل هو مني أم لا؟

نقول إن كان يجد ما يحال الحكم عليه بكونه منيًا أو مذيًا أحيل الحكم عليه وتكون الإحالة هنا بأن يتذكر مثلاً هل احتلم؟ فإن تذكر أنه احتلم جعله منيًا وإن تذكر أنه فكر في الجماع جعله مذيًا، فإن لم يتذكر لا هذا ولا هذا ولا يوجد ما يحيل عليه الحكم فالأصل الطهارة هنا.

خامسًا: إذا أحس بانتقال المني فحبسه

هل يجب الغسل؟ المذهب (1) يرى وجوبه؛ لأنه انتقل من محله.
وفي رواية في المذهب (2) أنه لا غسل عليه؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- علق الاغتسال على رؤية الماء فلا يثبت بدونه.
وهذه الرواية اختارها ابن قدامة (3)، وهي ظاهر كلام الخرقي (4)، وهي اختيار شيخنا (5) -رحمه الله- وهي الراجح.

(1)

قوله «وَالْتِقَاءُ الْخِتَانَيْنِ»

معناه تغييب الحشفة في الفرج، سواء كانا مختونين أو لا، ويحصل ذلك بتحاذي الختانين، فإذا غابت الحشفة من وراء حائل =489490491492493

الجزء: 1 - الصفحة: 124

وَالْوَاجِبُ فِيْهِ: النِّيَّةُ (2)،  =وجب الغسل أيضًا، وهذا أحد الوجهين في المذهب (1). قلت: هذا إذا كان الحائل رقيقًا لا يمنع اللذة يجب الغسل وإلا فلا وهذا أقرب والأحوط أن يغتسل وهو قول شيخنا (2) -رحمه الله-.
لكن هل يشترط للغسل نزول المني عند التقاء الختانين؟ لا يشترط نزول المني عند التقاء الخنتانين بل يجب الغسل وإن لم ينزل لقوله - صلى الله عليه وسلم - «إِذَا جَلَسَ بَيْنَ شُعَبِهَا الأَرْبَعِ وَمَسَّ الْخِتَانُ الْخِتَانَ فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ» (3) وفي لفظ «وَإِنْ لَمْ يُنْزِلْ» (4). أما القول بأنه لا يجب إلا بالإنزال فهو قول ضعيف؛ لأنه نسخ كما قال أبي ابن كعب - رضي الله عنه - «أَنَّ الْفُتْيَا الَّتِيْ كَانُوْا يَفْتُوْنَ أَنَّ الْمَاءَ مِنَ الْمَاءِ كَانَتْ رُخْصَةً رَخَّصَهَا رَسُولُ اللَّهِ فِيْ بَدْءِ الإِسْلامِ ثُمَّ أَمَرَ بِالاِغْتِسَالِ بَعْدُ» (5).

(1)

قوله «وَالْوَاجِبُ فِيْهِ: النِّيَّةُ»

وبوجوبها قال مالك 499، والشافعي 500، وقال الحنفية 501 بل سنة، والصحيح أنه واجبة؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم - «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» 502.494495496497498

الجزء: 1 - الصفحة: 125

وَتَعْمِيْمُ بَدَنِهِ بِالْغَسْلِ، مَعَ الْمَضْمَضَةِ وَالْاِسْتِنْشَاقِ (1)  =و

النية نيتان

: الأولى: نية العمل ويراد بها إرادة الإنسان الغسل.
الثانية: نية المعمول له والمراد بها التقرب إلى الله تعالى بهذا الغسل وطاعته في ذلك وهذه يغفل عنها الكثير.

(1)

قوله «وَتَعْمِيْمُ بَدَنِهِ بِالْغَسْلِ، مَعَ الْمَضْمَضَةِ وَالاِسْتِنْشَاقِ»

هذا هو الغسل الواجب وهو المجزئ، أما الغسل الكامل فهو المشتمل على السنن الواردة فيه وصفته أن ينوي ثم يسمي ويغسل يديه ثلاثًا، ثم يغسل فرجه وما لوثه ويتوضأ ويحثي على رأسه ثلاثًا ترويه ويعمم بدنه ويدلكه ويتيامن ويغسل قدميه في مكان آخر هذه هي صفة الغسل الكامل.
وسيذكر المؤلف صفة الغسل الكامل مع ذكر الدليل، ومن أدلة ذلك أيضًا: حديث عائشة رضي الله عنها: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - إِذَا اغْتَسَلَ مِنَ الْجَنَابَةِ يَبْدَأُ فَيَغْسِلُ يَدَيْهِ ثُمَّ يُفْرِغُ بِيَمِيْنِهِ عَلَى شِمَالِهِ فَيَغْسِلُ فَرْجَهُ ثُمَّ يَتَوَضَّأُ وُضُوءَهُ لِلصَّلاةِ ثُمَّ يَأْخُذُ الْمَاءَ فَيُدْخِلُ أَصَابِعَهُ فِيْ أُصُوْلِ الشَّعْرِ حَتَّى إِذَا رَأَى أَنْ قَدْ اسْتَبْرَأَ حَفَنَ عَلَى رَأْسِهِ ثَلاثَ حَفَنَاتٍ ثُمَّ أَفَاضَ عَلَى سَائِرِ جَسَدِهِ ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ» (1).

وقوله «تَعْمِيْمُ الْبَدَنِ» المراد به غسل الظاهر منه، وما كان في حكمه من الباطن، وهو ما يمكن وصول الماء إليه، لكن

هل يجب غسل باطن الفرج من حيض أو جنابة؟

الصحيح أنه لا يجب، وهذا أصح القولين في المذهب 504، =503

الجزء: 1 - الصفحة: 126

وَتُسَنُّ التَّسْمِيَةُ (1)، وَأَنْ يَدْلُكَ بَدَنَهُ بِيَدِهِ (2)، وَيَفْعَلَ كَمَا رَوَتْ مَيْمُوْنَةُ، قَالَتْ: «سَتَرْتُ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم -، فَاغْتَسَلَ مِنَ الْجَنَابَةِ، فَبَدَأَ فَغَسَلَ يَدَيْهِ، ثُمَّ صَبَّ بِيَمِيْنِهِ عَلَى شِمَالِهِ، فَغَسَلَ فَرْجَهُ وَمَا أَصَابَهُ، ثُمَّ ضَرَبَ بِيَدِهِ عَلَى الْحَائِطِ أَوِالأَرْضِ، ثُمَّ تَوَضَّأَ وُضُوْءَهُ لِلصَّلاةِ، ثُمَّ أَفَاضَ الْمَاءَ عَلَى بَدَنِهِ، ثَمَّ تَنَحَّى فَغَسَلَ رِجْلَيْهِ» (3) *.
= وبه قال شيخ الإسلام (1) رحمه الله.
وقوله «مَعَ الْمَضْمَضَةِ وَالْاِسْتِنْشَاقِ» القول بوجوبهما في الغسل محل خلاف، فالجمهور على سنيتها وهو قول في المذهب (2)، والصواب أنه لا يصح الغسل إلا بهما يعني المضمضة والاستنشاق كما ذكر المؤلف، وهو المذهب، وبه قال شيخنا (3) رحمه الله، وقد ذكرنا دليل ذلك في الوضوء.

(1)

قوله «وَتُسَنُّ التَّسْمِيَةُ»

محل خلاف كما ذكرنا: فالمذهب (4) على وجوبها، وابن قدامة (5) هنا يقول بسنيتها، وهذا ما يرجحه شيخنا (6) رحمه الله، أي أنها ليست بواجبة في الوضوء ولا في الغسل.
(2)

قوله «وَأَنْ يَدْلُكَ بَدَنَهُ بِيَدِهِ»

وذلك ليصل الماء إلى جميع البدن واختلف في وجوب الدلك، والصحيح أن يقال: إذا علم أنه لا يصل الماء إلا به فهنا يجب وإن وصل بدونه فمستحب.
=505506507508509510 * أخرجه البخاري في كتاب الغسل - باب التستر في الغسل عند الناس - رقم (277).

الجزء: 1 - الصفحة: 127

وَلا يَجِبُ نَقْضُ الشَّعْرِ فِيْ غَسْلِ الْجَنَابَةِ إِذَا رَوَّى أُصُوْلَهُ (1).

=قوله «وَيَفْعَلَ كَمَا رَوَتْ مَيْمُوْنَةُ، قَالَتْ: «سَتَرْتُ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم -، فَاغْتَسَلَ مِنَ الْجَنَابَةِ ... » هذا الحديث فيه صفة الغسل من الجنابة والمراد به الغسل الكامل، أما الغسل المجزئ فقد سبق بيانه وهم أن ينوي ثم يسمي ويعمم بدنه بالغسل مرة واحدة مع المضمضة والاستنشاق.

وقول ميمونة - رضي الله عنها- «ثُمَّ أَفَاضَ الْمَاءَ عَلَى بَدَنِهِ» فيه دليل على أنه لا يشرع غسل البدن ثلاثًا وهو أحد الوجهين في مذهب أحمد (1)، وبه قال شيخ الإسلام (2) -رحمه الله-.
وقولها «ثَمَّ تَنَحَّى فَغَسَلَ رِجْلَيْهِ» أي غسلهما في مكان آخر غير الذي كان يغتسل فيه، وهذا ليس سنة مطلقة، بل عند الحاجة يشرع ذلك، أما لو كانت الحمامات نظيفة مثلاً أو كان المحل الذي يغتسل فيه نظيفًا فلا بأس بأن يغسلهما فيه.

(1)

قوله «وَلا يَجِبُ نَقْضُ الشَّعْرِ فِيْ غَسْلِ الْجَنَابَةِ إِذَا رَوَّى أُصُوْلَهُ»

لكن

هل يجب نقضه في غسل الحيض والنفاس؟

المذهب 513 يرى وجوب ذلك لحديث عائشة - رضي الله عنها- لما أخبرت النبي - صلى الله عليه وسلم - أنها حائض فقال: «انْقُضِيْ رَأْسَكِ وَامْتَشِطِيْ» 514 وفي لفظ «انْقُضِيْ شَعْرَكِ وَاغْتَسِلِيْ» 515. =511512

الجزء: 1 - الصفحة: 128

وَإِذَا نَوَى بِغَسْلِهِ الطَّهَارَتَيْنِ، أَجْزَأَ عَنْهُمَا (1).  =وفي رواية في المذهب (1) أنه لا يجب نقض الحائض لشعرها في الحيض، دليل ذلك حديث أم سلمة - رضي الله عنها- قالت: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي امْرَأَةٌ أَشُدُّ ضَفْرَ رَأْسِي فَأَنْقُضُهُ لِغُسْلِ الْجَنَابَةِ قَالَ: «لا إِنَّمَا يَكْفِيْكِ أَنْ تَحْثِيْ عَلَى رَأْسِكِ ثَلاثَ حَثَيَاتٍ ثُمَّ تُفِيْضِيْنَ عَلَيْكِ الْمَاءَ فَتَطْهُرِيْنَ» (2). وحملوا حديث عائشة السابق على الاستحباب لا على الوجوب، وهذا هو الصحيح، وهو اختيار الشيخين (3).

تنبيه: هل يجب غسل المسترسل من الشعر؟

المشهور من المذهب (4) وجوب غسل المسترسل سواء كان مظفورًا أم لا، وقيل: لا يجب غسل المسترسل من الشعر بل الواجب غسل ما لم يتم غسل البشرة إلا به، أما المسترسل فلا يجب.
قلت: ولكن الاحتياط أن يغسل جميع الشعر ما لم يشق عليه.
هذه مسائل في النية:

(1)

قوله «وَإِذا نَوَى بِغَسْلِهِ الطَّهَارَتَيْنِ، أَجْزَأَ عَنْهُمَا»

أي إذا نوى الطهارتين الصغرى والكبرى بغسله أجزأه، وهذا هو المشهور في المذهب 520، وهو الصحيح، وبه قال شيخ الإسلام 521 والشيخان 522. دليل ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ 523 والتطهير هنا الاغتسال=516517518519

الجزء: 1 - الصفحة: 129

وَكَذلِكَ لَوْ تَيَمَّمَ لِلْحَدَثَيْنِ وَالنَّجَاسَةِ عَلَى بَدَنِهِ أَجْزَأَ عَنْ جَمِيْعِهَا (1)،  =بدليل الآية الأخرى: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ (1)، وكذا قوله - صلى الله عليه وسلم - «وَفِي الْمَنِيِّ الْغُسْلُ» (2)، وقوله - صلى الله عليه وسلم - «فَإِذَا أَقْبَلَتْ حَيْضَتُكِ فَدَعِيْ الصَّلاةَ وَإِذَا أَدْبَرَتْ فَاغْسِلِيْ عَنْكِ الدَّمَ ثُمَّ صَلِّيْ» (3)، فلم يذكر النبي - صلى الله عليه وسلم - سوى الغسل، ولم يذكر الوضوء، ولأنهما عبادتان من جنس واحد فتدخل الصغرى في الكبرى كالعمرة مع الحج، فمتى فعل ذلك أجزأه مع تركه للأفضل وهو الإتيان بصفة الكمال.
وفي رواية أخرى في المذهب (4) أنه لا يرتفع الأصغر إلا بوضوء مع الغسل بفعله قبله أو بعده.
والصحيح الأول لما ذكرناه من الأدلة، لكن الأفضل والأولى أن يأتي الإنسان بالسنة في غسله فيتوضأ وضوء الصلاة كما فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم يأتي بالغسل.

(1)

قوله «وَكَذلِكَ لَوْ تَيَمَّمَ لِلْحَدَثَيْنِ وَالنَّجاسَةِ عَلى بَدَنِهِ أَجْزَأَ عَنْ جَمِيْعِهَا»

أي إذا نوى بتيممه الحدث الأصغر والأكبر والنجاسة الموجودة على البدن أجزأه ذلك؛ لعموم قوله - صلى الله عليه وسلم - «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» 528، لكن إن نوى أحدها كأن ينوي بتيممه الحدث الأكبر دون الأصغر أو العكس أو نوى عن نجاسة =524525526527

الجزء: 1 - الصفحة: 130

وَإِنْ نَوَى بَعْضَهَا فَلَيْسَ لَهُ إِلاَّ مَا نَوَى (1)  = بدنه فقط، فإنه لا يجزئ، هـ وهذا كله مبني على القول إن التيمم مبيح وليس برافع، كما سيأتي بيانه إن شاء الله.
والصحيح أنه رافع للحدث، وإذا قلنا بذلك فلو نوى بتيممه رفعه الحدث الأكبر فقط، وسكت عن الأصغر فإنه يرفعهما جميعًا على الصحيح من أقوال أهل العلم.

(1)

قوله «وَإِنْ نَوَى بَعْضَهَا فَلَيْسَ لَهُ إِلاَّ مَا نَوَى»

النية مع الغسل لها أربع حالات كما ذكر ذلك بعض أهل العلم: الحالة الأولى: أن ينوي رفع الحدثين جميعًا وبينا الحكم آنفًا.
الحالة الثانية: أن ينوي الأكبر ويسكت عن الأصغر، فالمذهب كما ذكر المؤلف أنه ليس له إلا ما نوى، فيرتفع الأكبر ولا يرتفع الأصغر.
والصحيح أنه يرتفع الحدثان جميعًا لدخول الطهارة الصغرى في الكبرى، وللأدلة التي ذكرناها في الحالة الأولى، وبهذا قال شيخ الإسلام 529، وشيخنا 530 -رحمه الله-.
الحالة الثالثة: أن ينوي مالا يباح إلا بغسل ووضوء، فينوي الغسل للصلاة ولم ينوي رفع الحدث، فالصحيح أنه يرتفع عنه الحدثان لأن الصلاة لا تصح إلا بارتفاع الحدثين.
الحالة الرابعة: أن ينوي بغسله فعل ما يباح به فقط، دون الوضوء، كقراءة القرآن، أو المكث في المسجد، ولم ينو رفع الحدثين، فهنا يرتفع حدثه الأكبر، فإذا أراد الصلاة أو مس المصحف فلا بد من الوضوء.

الجزء: 1 - الصفحة: 131

بَابُ التَّيَمُّمِ

(1). وَصِفَتُهُ: أَنْ يَضْرِبَ بِيَدَيْهِ (2) عَلَى الصَّعِيْدِ الطَّيِّبِ (3)  الشرح:

(1)

قوله «بَابُ التَّيَمُّمِ»

التيمم في اللغة القصد، وفي الشرع: «هو التعبد لله تعالى بقصد الصعيد الطيب لمسح الوجه واليدين بنية»، والأصل في مشروعية التيمم قوله تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ (1) في موضعين من كتاب الله، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: «إِنَّ الصَّعِيْدَ الطَّيِّبَ طَهُوْرُ الْمُسْلِمِ وَإِنْ لَمْ يَجِدِ الْمَاءَ عَشْرَ سِنِيْنَ فَإِذَا وَجَدَ الْمَاءَ فَلْيُمِسَّهُ بَشَرَتَهُ فَإِنَّ ذلِكَ خَيْرٌ» (2)، وقوله أيضًا: «عَلَيْكَ بِالصَّعِيْدِ فَإِنَّهُ يَكْفِيْكَ» (3)، وقوله أيضًا: «جُعِلَتْ لِيَ الأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُوْرًا» (4)، وأما الإجماع فقد انعقد على مشروعيته.
(2)

قوله «وَصِفَتُهُ: أَنْ يَضْرِبَ بِيَدَيْهِ»

المراد باليدين هنا الكفان، وحد اليدين كما هو معروف من أطراف الأصابع إلى الكوعين.
(3)

قوله «عَلَى الصَّعِيْدِ الطَّيِّبِ»

الصعيد يطلق في اللغة على عدة معان، فيطلق على وجه الأرض وما يتصاعد عليها من تراب ورمل وحجر وجبس وغير ذلك، وقيل: يطلق على التراب وحده، ولكن الأول هو الأصوب.531532533534

الجزء: 1 - الصفحة: 132

ضَرْبَةً وَاحِدَةً (1)،  =ومن هنا اختلفت الرواية في المذهب (1)

هل يجوز التيمم بغير التراب

أي بكل ما على وجه الأرض من تراب ورمل وحجر وجبس وغير ذلك أم لا يجوز غير التراب؟ نقول: بأن المذهب على اشتراط التراب وأنه لا يجزئ غيره.
والصحيح أنه يجوز التيمم بكل ما تصاعد على الأرض من تراب ورمل وجبس ونحو ذلك، وهذا هو اختيار شيخ الإسلام (2) وقول شيخنا (3) -رحمه الله-، وهو المذهب عند الحنفية (4) والمالكية (5). وقوله «الطيب» المراد الطاهر، فيشترط فيما يتيمم به الطهارة، وهذا فيه إشارة إلى أن التراب ينقسم إلى ثلاثة أقسام كالماء: طهور، وطاهر، ونجس، فالتراب الطاهر يعني المستعمل أو المتساقط من الوجه أو الكفين بعد التيمم، على المذهب لا يجزئ لكونه ترابًا مستعملاً.
والصواب: كما ذكرنا في الماء، فكما أن الماء إما طهور أو نجس فكذلك التراب إما طهور أو نجس، فلا وجود للطاهر في الماء ولا التراب على الصحيح من أقوال أهل العلم كما ذكرنا.

(1)

قوله «ضَرْبَةً وَاحِدَةً»

هذا هو السنة، أي أن التيمم يجزئ بضربة واحدة، يمسح بها وجهه وكفيه، وذلك لأن الله تعالى قال: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ 540 والمسح يحصل بضربة واحدة وتراب واحد فلا يجب أكثر من ذلك.535536537538539

الجزء: 1 - الصفحة: 133

فَيَمْسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ وَكَفَّيْهِ (1)؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - لِعَمَّارِ: «إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيْكَ هَكَذَا» وَضَرَبَ بِيَدَيْهِ الأَرْضَ، فَمَسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ وَكَفَّيْهِ.
=وقد اختلف الفقهاء في هذه المسألة على ثلاثة أقوال: فمنهم من قال إن التيمم ضربة واحدة، وهذا هو مذهب الحنابلة (1)، والمالكية (2). وقال الشافعية (3) أن التيمم يكون بضربتين ضربة للوجه وضربة للكفين.
وقال بعض السلف بأنه يكون بثلاث ضربات.
والصحيح هو المذهب، دليل ذلك ما جاء في المتفق عليه من حديث عمار ابن ياسر - رضي الله عنه - وفيه قوله - صلى الله عليه وسلم -: «إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيْكَ أَنْ تَقُوْلَ بِيَدَيْكَ هَكَذَا، ثُمَّ ضَرَبَ بِيَدَيْهِ الأَرْضَ ضَرْبَةً وَاحِدَةً ثُمَّ مَسَحَ الشِّمَالَ عَلَى الْيَمِيْنِ وَظَاهِرَ كَفَّيْهِ وَوَجْهَهُ» (4). وهذا هو اختيار شيخ الإسلام (5)، والشيخين (6) - رحمهم الله -.

(1)

قوله «فَيَمْسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ وَكَفَّيْهِ»

أي يمسح بيديه وجهه ثم كفيه، وذلك لأن الوجه مقدم على اليدين كما في قوله تعالى: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ وكما في حديث عمار بن ياسر - رضي الله عنه -: «إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيْكَ أَنْ تَقُوْلَ بِيَدَيْكَ هَكَذَا» وضرب بيده الأرض فمسح بهما وجهه وكفيه.541542543544545546

الجزء: 1 - الصفحة: 134

وَإِنْ تَيَمَّمَ بِأَكْثَرَ مِنْ ضَرْبَةٍ، أَوْ مَسَحَ أَكْثَرَ، جَازَ (1). وَلَهُ شُرُوْطٌ أَرْبَعَةٌ (2): أَحَدُهَا: الْعَجْزُ عَنِ اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ، لِعَدَمِهِ (3)،  (1)

قوله «وَإِنْ تَيَمَّمَ بِأَكْثَرَ مِنْ ضَرْبَةٍ، أَوْ مَسَحَ أَكْثَرَ، جَازَ»

هنا مسألتان:

الأولى في التيمم بأكثر من ضربة

قال المؤلف يجوز ذلك، لكن هذا فيه تفصيل، فإن كان المراد بالزيادة هنا ضربة أخرى بحيث تصير ضربتين فهذا قد وقع فيه خلاف كما مرَّ بنا.
والصواب أنها ضربة واحدة، وإن كان المراد بالزيادة أكثر من ضربتين فهذا غير مشروع.
المسألة الثانية في الزيادة عن مسح اليدين إلى الكوعين، قال المؤلف «أَوْ مَسَحَ أَكْثَرَ، جَازَ» أي مسح زيادة عن الكوعين فمسحهما إلى المرفقين قال المؤلف يجوز ذلك.
والصواب أن المسح يكون إلى الكوعين، لكن إن مسح إلى المرفقين جاز كما قال المؤلف؛ لأن نصوص السنة الصحيحة جاءت إلى الكوعين، والأحاديث التي وردت في المسح إلى المرفقين ضعيفة.

(2)

قوله «وَلَهُ شُرُوْطٌ أَرْبَعَةٌ»

الضمير في قوله «له» يعود على التيمم.
(3)

قوله «أَحَدُها: الْعَجْزُ عَنِ اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ، لِعَدَمِهِ»

أي لعدم وجود الماء نهائيًا، فهنا يشرع التيمم لقوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ 547.

الجزء: 1 - الصفحة: 135

أَوْ خَوْفِ الضَّرَرِ بِاسْتِعْمَالِهِ؛ لِمَرَضٍ (1)، أَوْ بَرْدٍ شَدِيْدٍ (2)  (1)

قوله «أَوْ خَوْفِ الضَّرَرِ بِاسْتِعْمَالِهِ؛ لِمَرَضٍ»

هذا هو العجز الحكمي أي أنه واجد للماء لكن عجز عن استعماله لخوف مرض، فهنا يشرع له التيمم لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ (1). مثاله رجل مريض به حمى شديدة، أو به قروح في بدنه، أو أجري له عملية جراحية، فقال له الطبيب: إن اغتسلت ستموت أو سيزداد مرضك، فهنا يخاف على نفسه فينتقل من استخدام الماء إلى التيمم؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ (2).

(2)

قوله «أَوْ بَرْدٍ شَدِيْدٍ»

أي يخاف من شدة البرد فإنه يتيمم، لكن إن أمكنه أن يسخن الماء لزمه تسخينه، فإن لم يجد ما يسخن به يتيمم لأنه يخاف على بدنه من الضرر.
دليل هذا الحكم حديث عمرو بن العاص - رضي الله عنه - حين عدل إلى التيمم مع وجود الماء لما كان جنبًا، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: «يَا عَمْرُو صَلَّيْتَ بِأَصْحَابِكَ وَأَنْتَ جُنُبٌ» فَأَخْبَرْتُهُ بِالَّذِيْ مَنَعَنِيْ مِنَ الاِغْتِسَالِ وَقُلْتُ إِنِّيْ سَمِعْتُ اللهَ يَقُولُ: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾، فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا» 550.548549

الجزء: 1 - الصفحة: 136

أَوْ خَوْفِ الْعَطَشِ عَلَى نَفْسِهِ، أَوْ مَالِهِ أَوْ رَفِيْقِهِ (1)، أَوْ خَوْفٍ عَلَى نَفْسِهِ، أَوْ مَالِهِ فِيْ طَلَبِهِ (2)، أَوْ إِعْوَازٍ إِلاَّ بِثَمَنٍ كَثِيْرٍ (3)،  (1)

قوله «أَوْ خَوْفِ الْعَطَشِ عَلَى نَفْسِهِ، أَوْ مَالِهِ أَوْ رَفِيْقِهِ»

هذه أمور ثلاثة ذكرها المؤلف على سبيل التمثيل لا الحصر، فمتى خاف العطش «عَلَى نَفْسِهِ أَوْ مَالِهِ» كأن يكون معه حيوان، إن استعمل الماء تضرر أو هلك، أو «رَفِيْقِهِ» كأن يكون معه رفقة والماء الذي معه قليل فإن استعمل الماء عطشوا وتضرروا فهنا نقول: يعدل إلى التيمم ويدع الماء له ولرفقته.
وهنا مسألة: إن أمكن المسافر حمل ماء معه لوضوئه، هل يلزمه حمله؟ قولان: الأول: أنه يلزمه حمل الماء لوضوئه إن أمكنه.
والثاني: أنه لا يلزمه حمله؛ لأن الاستعداد للوضوء قبل وجوبه لا يجب.
والصواب الأول، فكما يستعد لسفره وترحاله لأمور معاشه فهنا يلزمه الاستعداد للعبادة حتى يؤديها على الوجه المطلوب منه.

(2)

قوله «أَوْ خَوْفٍ عَلَى نَفْسِهِ، أَوْ مَالِهِ فِيْ طَلَبِهِ»

أي أنه مع وجود الماء يخاف إن ذهب للوضوء أو الغسل أن يهلك لما في الطريق إليه من السباع والهوام ونحو ذلك، أو يخاف إن ذهب إليه أن يسرق ماله أو سيارته أو خيمته، فهنا يشرع له التيمم.
(3)

قوله «أَوْ إِعْوَازٍ إِلاَّ بِثَمَنٍ كَثِيْرٍ»

أي متى تعذر حصول الماء إلا بثمن كثير وهذا قد يحصل للإنسان أحيانًا كحال سفره مثلاً فلا يكون معه ماء فيذهب إلى المحلات لشرائه، فهل يلزمه شراؤه لوضوئه وغسله؟ نقول في ذلك تفصيل: أولاً: إن كان الماء لا زيادة في قيمته بل ثمنه عادي ويستطيع فاقده أن يشتريه =

الجزء: 1 - الصفحة: 137

فَإِنْ أَمْكَنَهُ اسْتِعْمَالُهُ فِيْ بَعْضِ بَدَنِهِ (1)، أَوْ وَجَدَ مَاءً لا يَكْفِيْهِ لِطَهَارَتِهِ، اسْتَعْمَلَهُ، وَتَيَمَّمَ لِلْبَاقِيْ (2).  = فهنا يجب عليه شراؤه؛ لأنه يدخل في حكم الواجد له.
ثانيًا: أن يكون الماء فيه زيادة في السعر فينظر هنا إلى هذه الزيادة، إن كانت الزيادة يسيرة ولا يتضرر شراؤها لزمه الشراء، وإن كانت الزيادة كثيرة فينظر في هذه الزيادة هل تجحف بماله أم لا؟ فإن كانت لا تجحف بماله ففيها قولان في المذهب (1): الأول: لزمه الشراء وهذا يميل إليه شيخنا (2) -رحمه الله-، والقول الثاني: لا يلزمه الشراء لأن فيه ضرر.
والذي يظهر لي أنه إن كانت الزيادة باهظة خارجة عن العادة فلا يلزمه الشراء وإلا لزمه الشراء.

(1)

قوله «فَإِنْ أَمْكَنَهُ اسْتِعْمَالُهُ فِيْ بَعْضِ بَدَنِهِ، أَوْ وَجَدَ مَاءً لا يَكْفِيْهِ لِطَهَارَتِهِ، اسْتَعْمَلَهُ، وَتَيَمَّمَ لِلْبَاقِيْ»

أي إن أمكنه استعمال الماء ببعض بدنه مثل أن يكون بعضه صحيحًا وبعضه جريحًا، أو يخاف البرد على نفسه.
(2)

قوله «أَوْ وَجَدَ مَاءً لا يَكْفِيْهِ لِطَهَارَتِهِ، اسْتَعْمَلَهُ، وَتَيَمَّمَ لِلْبَاقِيْ»

وكذلك من كان عنده بعض ماء يكفي غسل بعض الأعضاء فإنه يستعمله ويتيمم للباقي، وقد اختلف الفقهاء في هذه المسألة على أربعة أقوال: الأول: أنه يلزمه استعمال الماء؛ لأمرين: ليصدق عليه أنه عادم الماء، ولعموم قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ 553، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: «وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ=551552

الجزء: 1 - الصفحة: 138

الثَّانِيْ: الْوَقْتُ، فَلا يَتَيَمَّمُ لِفَرِيْضَةٍ قَبْلَ وَقْتِهَا (1)،  = بِأَمْرٍ فَأْتُوْا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» (1). الثاني: أنه لا يجمع بين الطهارتين، بل يكفيه التيمم ولا يلزمه استعمال الماء، إلا إذا كان الماء يكفي لاستخدام نصف الأعضاء فأكثر، فهنا يستعمل الماء ولا يتيمم.
الثالث: أنه يستعمل الماء مطلقًا فيما يقدر عليه ولا يتيمم.
الرابع: إن كان أكثر بدنه صحيحًا غسله ولا يتيمم، وإن كان أكثره جريحًا يتيمم ولا غسل عليه.
والصواب: ما ذهب إليه المؤلف، وهذا هو قول شيخنا (2) -رحمه الله-.

(1)

قوله «الثَّانِيْ: الْوَقْتُ، فَلا يَتَيَمَّمُ لِفَرِيْضَةٍ قَبْلَ وَقْتِهَا»

هذا هو الشرط الثاني من شروط التيمم وهو الوقت، والمقصود به دخول وقت الفريضة، فيشترط للتيمم دخول الوقت، وهذا مبني على القول بأن التيمم مبيح لا رافع، وعلى هذا فيقتصر فيه على الضرورة.
وقد اختلف الفقهاء

هل التيمم مبيح لما تجب له الطهارة أم رافع للحدث؟

وقبل ذلك نوضح

الفرق بين كونه مبيحًا وكونه رافعًا،

فنقول: أ - أننا إذا قلنا بأن التيمم مبيح، فإذا نوى بتيممه عبادة لم يجز له أن يؤدي ما فوقها، مثاله: تيمم لنافلة فلا يصلي بتيممه فريضة؛ لأن الفريضة أعلى، أو تيمم لمس مصحف لم يصل به نافلة؛ لأن الوضوء للنافلة أعلى من مسح المصحف=554555

الجزء: 1 - الصفحة: 139

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  = أما إن قلنا بأنه رافع للحدث جاز له أن يصلي به فريضة أو يصلي نافلة، فحكمه حكم الماء حينئذ.
ب - أننا إذا قلنا بأنه مبيح فإنه يبطل بخروج وقت الصلاة؛ لأن المبيح يقتصر فيه على وقت الضرورة.
أما إن قلنا بأنه رافع جاز له أن يصلي بتيممه أكثر من فرض مادام لم ينقض تيممه بأي ناقض.
ج - أننا إذا قلنا بأنه مبيح اشترط أن ينوي ما يتيمم له، فإن نوى رفع الحدث فقط لم يرتفع.
أما إن قلنا بأنه رافع للحدث فإنه لا يشترط ذلك.
هذه هي بعض الفروق بين كونه مبيحًا أو رافعًا.
والراجح من القولين أنه رافع للحدث، وهذا هو مذهب الحنفية 556 ورواية في مذهب أحمد 557، وهي اختيار شيخ الإسلام 558 والشيخين 559؛ لأنه بدل عن طهارة الماء، والبدل له حكم المبدل، فكما أن طهارة الماء ترفع الحدث فكذلك طهارة التيمم، ولذلك سماه الله تعالى طهورًا في قوله: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ 560. وأيضًا سماه النبي - صلى الله عليه وسلم - طهورًا في قوله: «جُعِلَتْ لِيَ الأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُوْرًا» 561 والطهور هو ما يتطهر به، وعلى هذا فقول المؤلف «فَلا يَتَيَمَّمُ لِفَرِيْضَةٍ قَبْلَ =

الجزء: 1 - الصفحة: 140

وَلا لِنَافِلَةٍ فِيْ وَقْتِ النَّهْيِ عَنْهَا (1).  = وَقْتِهَا» مبني على القول بأنه مبيح وليس برافع، والصواب أنه يجوز له أن يتيمم قبل وقت الفريضة.
لكن هل يشرع له أن يؤخر الصلاة إلى نهاية وقتها لعله يجد الماء؟ اتفق الفقهاء على أن تأخير الصلاة بالتيمم آخر الوقت أفضل من تقديمه لمن كان يرجو الماء آخر الوقت، أما إذا يئس من وجوده فيستحب له تقديمه أول الوقت.
والصواب أنه يصلي في أول الوقت إلا إذا علم أن الماء سيأتي بعد نصف ساعة مثلاً كأن يذهب أحد الرفقة لإحضار الماء، فهنا نقول: أخِّر الصلاة في هذه الحالة.

تنبيه: يترجح تقديم الصلاة في أول وقتها في ثلاث حالات

: الأولى: إذا علم عدم وجود الماء.
الثانية: إذا ترجح عنده عدم وجود الماء.
الثالثة: إذا لم يترجح عنده شيء.

(1)

قوله «وَلا لِنَافِلَةٍ فِيْ وَقْتِ النَّهْيِ عَنْهَا»

أي لا يتيمم لنافلة في وقت النهي، ولكن هذا خاص بالنوافل المطلقة، أما ما كان له سبب فهل يتيمم له؟ على كلام المؤلف لا يتيمم لأي نافلة وقت النهي.
والصواب أن له أن يتيمم لذوات الأسباب في أي وقت على الصحيح من أقوال أهل العلم، وخلاصة الكلام في هاتين المسألتين نقول كما قلنا في المسألة التي قبلها، يجوز له أن يتيمم في أي وقت شاء، ويجوز له أن يصلي بتيممه ما شاء من الصلوات، سواء كانت نافلة أو فريضة ما دام أنه باق على تيممه، وهذا هو قول الحنفية 562 - كما ذكرنا - والشيخين 563، إلا إن وجد الماء فهنا يبطل تيممه ويجب عليه أن يستعمل الماء.

الجزء: 1 - الصفحة: 141

الثَّالِثُ: النِّيَّةُ، فَإِنْ تَيَمَّمَ لِنَافِلَةٍ، لَمْ يُصَلِّ بِهِ فَرِيْضَةً، وَإِنْ تَيَمَّمَ لِفَرِيْضَةٍ، فَلَهُ فِعْلُهَا، وَفِعْلُ مَا شَاءَ مِنَ الْفَرَائِضِ وَالنَّوَافِلِ، حَتَّى يَخْرُجَ وَقْتُهَا (1). الرَّابِعُ: التُّرَابُ، فَلا يَتَيَمَّمَ إِلاَّ بِتُرَابٍ طَاهِرٍ، لَهُ غُبَار (2).  (1)

قوله «الثَّالِثُ: النِّيَّةُ، فَإِنْ تَيَمَّمَ لِنَافِلَةٍ، لَمْ يُصَلِّ بِهِ فَرِيْضَةً، وَإِنْ تَيَمَّمَ لِفَرِيْضَةٍ، فَلَهُ فِعْلُهَا، وَفِعْلُ مَا شَاءَ مِنَ الْفَرَائِضِ وَالنَّوَافِلِ، حَتَّى يَخْرُجَ وَقْتُهَا» هذا هو الشرط الثالث من شروط التيمم، وهذا أيضاً يقال فيه كما قيل في المسألتين السابقتين، أن هذا محمول على أنه مبيح، والصواب أنه رافع، فمتى تيمم لفريضة أو نافلة أو غيرهما مما يتيمم له صحَّ له أن يصلي ما شاء من الفرائض والنوافل، فلا وجود لهذا الشرط على القول الراجح، أما نية التيمم فلا شك أنها شرط لصحته؛ لأن الأعمال بالنيات.

(2)

قوله «الرَّابِعُ: التُّرَابُ، فَلا يَتَيَمَّمَ إِلاَّ بِتُرَابٍ طَاهِرٍ، لَهُ غُبَار»

هذا هو الشرط الرابع من شروط التيمم، واشترط فيه ثلاثة أوصاف: الأول كونه ترابًا، والثاني كون التراب طاهرًا، والثالث كون التراب له غبار.
أما اشتراط التراب فقد سبق بيان الراجح أنه لا يشترط كون المتيمم به ترابًا، بل يجوز أن يتيمم بكل ما على وجه الأرض من رمل وأحجار وجبس وغيرها.
أما اشتراط الطهارة له أيضًا فهذا مبني على القول بأن التراب ينقسم إلى طهور وطاهر ونجس كالماء، وهذا أيضًا لا اعتبار له في الشريعة كما ذكرنا ذلك وقلنا بأنه يجوز له أن يتيمم بتراب مستعمل ونحوه إلا إذا كان نجسًا فلا يجوز.
أما اشتراط الغبار في التراب فهو المذهب عند الحنابلة 564، وقال بعض =

الجزء: 1 - الصفحة: 142

ويُبْطِلُ التَّيَمُّمَ مَا يُبْطِلُ طَهَارَةَ الْمَاءِ (1)، وَخُرُوْجُ الوَقْتِ (2)، وَالْقُدْرَةُ عَلَى اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ (3)،  =العلماء منهم ابن سعدي (1) بأنه لا يشترط الغبار، وهذا قول شيخنا (2) -رحمه الله-، دليل ذلك حديث عمار - رضي الله عنه - وفيه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - «ضَرَبَ بِكَفَّيْهِ إِلَى الأَرْضِ ثُمَّ نَفَخَ فِيْهِمَا» (3)، والنفخ يزيل الغبار وأثر التراب، وعلى ذلك يجوز التيمم على جدار الإسمنت وعلى البلاط ولو لم يكن عليه غبار، وذلك لأنهما الأصل في تكوينهما أنهما من الأحجار والتراب وغيره مما يكون على وجه الأرض، أما الجدران التي عليها بوية فلا يصح عليها التيمم، ولا على الفرش الموجودة في المنازل؛ لأنها ليست مما على وجه الأرض، إلا إذا كان عليها شيء يعلق باليد من تراب وجبس وإسمنت أو غبار ونحوها فيجوز له ذلك.

(1)

وقوله «ويُبْطِلُ التَّيَمُّمَ مَا يُبْطِلُ طَهَارَةَ الْمَاءِ»

هذا لا إشكال فيه يعني أن نواقض الوضوء السابقة هي ناقضة أيضًا للتيمم.
(2)

قوله «وَخُرُوْجُ الْوَقْتِ»

والصحيح أنه مع خروج وقت الصلاة يبقى التيمم كما ذكرنا ذلك سابقًا.
(3)

قوله «وَالْقُدْرَةُ عَلَى اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ»

ويكون ذلك إما بأن يكون مريضًا=565566567

الجزء: 1 - الصفحة: 143

وَإِنْ كَانَ فِيْ الصَّلاةِ (1).  =فبرئ، أو يكون عادمًا للماء فوجده، يقول المؤلف هذا أيضًا يعد من نواقض التيمم؛ لأنه واجد للماء في هذه الحالة، وهذا هو الصحيح؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «إِنَّ الصَّعِيْدَ الطَّيِّبَ طَهُوْرُ الْمُسْلِمِ وَإِنْ لَمْ يَجِدِ الْمَاءَ عَشْرَ سِنِيْنَ فَإِذَا وَجَدَ الْمَاءَ فَلْيَتَّقِ اللهَ فَلْيُمِسَّهُ بَشَرَتَهُ فَإِنَّ ذلِكَ خَيْرٌ» (1)، وهذا بإجماع أهل العلم، فمتى وجد الماء بطل التيمم.

(1)

قوله «وَإِنْ كَانَ فِيْ الصَّلاةِ»

هذا إشعار بأن المسألة فيها خلاف، وصورتها: أن يتيمم إنسان لعدم الماء وعندما شرع في الصلاة وجد الماء، هل نقول يلزمه الخروج من الصلاة لكي يتوضأ أم نقول له أكمل الصلاة؟ هذا محل خلاف بين الفقهاء: فالحنفية 569 والمذهب عند الحنابلة 570 على بطلان صلاة المتيمم إذا وجد الماء في الصلاة لأن الأصل إيقاع الصلاة الوضوء، ولبطلان الصلاة بزوال سببها وهذا القول هو ما يميل إليه شيخنا 571 -رحمه الله-؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «فَلْيَتَّقِ اللهَ وَلْيُمِسَّهُ بَشَرَتَهُ فَإِنَّ ذلِكَ خَيْرٌ».568

الجزء: 1 - الصفحة: 144

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =وذهب المالكية (1) وهو قول للشافعية (2) ورواية في مذهب الحنابلة (3) بأنها لا تبطل لوجود الإذن بالدخول في الصلاة بالتيمم والأصل بقاؤه.
قلت: والذي أميل إليه أنه يحولها نافلة أي يكملها نافلة ثم يصلي الفريضة بطهارة الماء، وبهذا يجمع بين الأدلة؛ لأن تحويل الفريضة إلى نافلة جائز، فلو كان الإنسان يصلي منفردًا ثم حضرته جماعة يجوز له أن يحول هذا الفرض إلى نافلة ثم يصلي مع الجماعة الفريضة، وما ذكرناه هو الأحوط من قولنا إن صلاته تبطل؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ (4).

خلاصة ما نقول في التيمم

: أ - التيمم الصحيح هو المذكور في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ 576. ب - صفته أن يضرب التراب بيديه ضربة واحدة، ثم يمسح بهما وجهه وكفيه كما جاء في الصحيحين من حديث عمار بن ياسر - رضي الله عنه -: «إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيْكَ أَنْ تَقُوْلَ بِيَدَيْكَ هَكَذَا ثُمَّ ضَرَبَ بِيَدَيْهِ الأَرْضَ ضَرْبَةً وَاحِدَةً ثُمَّ مَسَحَ الشِّمَالَ عَلَى الْيَمِينِ وَظَاهِرَ كَفَّيْهِ وَوَجْهَهُ» 577. جـ - المشروع هو ضربة واحدة للوجه والكفين.
د - ... يشترط أن يكون التراب طاهرًا أي غير نجس.572573574575

الجزء: 1 - الصفحة: 145

بَابُ الْحَيْضِ (1).  الشرح:

(1)

قوله «بَابُ الْحَيْضِ»

الحيض في اللغة: السيلان، يقال: حاض الوادي إذا سال، واصطلاحًا: دم طبيعة وجبلة يخرج من قعر الرحم في أوقات محددة معلومة، وهذا يخرج النفاس والاستحاضة.
والحيض أمر كتبه الله تعالى على النساء فينبغي عليهن أن لا تضيق صدورهن بسببه خصوصًا في رمضان وعند الحج والعمرة.
ومما ينبغي أيضًا أن ننبه عليه أنه لا ينبغي للمرأة أن تأخذ ما يمنع نزول الدم إلا لأمر ضروري كالحج والعمرة مثلاً، أما ما تفعله بعض النساء من منع الدم من أجل أن تصلي رمضان أو من أجل أن تصوم رمضان فالأولى عدمه فتترك الأمور على طبيعتها.

وقبل الشروع في شرح

باب الحيض

أبيّن بعض القواعد في هذا الباب بحيث يسهل على الطالب فهمه لا سيما وأن بعض أهل العلم قال: إن من أصعب أبواب الفقه ثلاثة أبواب: الحيض والربا والطلاق.
فنقول: لا تخرج النساء حال الحيض عن خمسة أحوال: الأولى: أن تكون مبتدأة.
الثانية: أن تكون معتادة.
الثالثة: أن تكون مميزة.
الرابعة: أن تكون مستحاضة.
الخامسة: أن تكون متحيرة.
ولا تكاد أحكام الدماء تخرج عن هذه الأحوال الخمسة.

الجزء: 1 - الصفحة: 146

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  = الحالة الأولى: المبتدأة: تعريفها: هي المرأة التي يأتيها الحيض لأول مرة، أي لم يتقدم لها حيض قبل ذلك وهذه فعلاً لا تدري كم يستمر معها الحيض، هل سيبقى معها يومًا أو يومين أو ثلاثة.
الحكم في هذه الحالة: المذهب 578 بأنها تجلس يومًا وليلة ثم تغتسل وتكون من الطاهرات حكمًا، فتصوم وتصلي ولا تعيد الصلاة وتؤدي جميع العبادات حتى وإن جازو الدم أقل الحيض لأنه مشكوك فيه، ولا يجوز للزوج أن يطأها في الزمن المجاوز لأقل الحيض قبل تكراره لأن الظاهر أنه حيض وإنما أمرت بالعبادة لبراءة الذمة فتعين ترك وطئها احتياطا ويجب عليها متى طهرت أن تغتسل مرة أخرى.
وذهب جمهور أهل العلم من الحنفية 579، والمالكية 580، والشافعية 581 إلى أن المبتدأة يجب عليها ما يجب على الحائض، فتجلس مادامت ترى الدم إلى خمسة عشر يوما ثم تغتسل وتؤدي جميع العبادات، وهذا هو الصواب، وهو رواية في المذهب 582. وذهب شيخنا 583 إلى أن المبتدأة ترجع إلى عادة نسائها كأختها وأمها، وهو رواية في المذهب أيضًا 584، لكن قول الجمهور هو الأصوب والأضبط للمرأة.

الجزء: 1 - الصفحة: 147

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الحالة الثانية: المعتادة: تعريفها: هي التي لها عادة منضبطة (خمسة أيام، أو ستة أيام، أو سبعة أيام) فنقول لهذه المرأة المعتادة: اجلسي عادتك إلا إذا فعلت ما يؤثر على الدم كتناول حبوب أو وضع اللولب فتنتقلين إلى حكم المتحيرة وسيأتي.
أما إذا لم تفعلي ما يؤثر على الدم فنقول: إذا زاد الدم عن هذه الأيام المنضبطة، اغتسلي وتحفظي وصلي وتوضئي لكل صلاة.
الحالة الثالثة: المميزة: تعريفها: هي امرأة أطبق عليها الدم لكن دمها متميز عشرة أيام دم أحمر يميل إلى السواد ثخين له رائحة وهذه هي صفة دم الحيض التي ينبغي أن تعرفها النساء معرفة جيدة: أ - يميل إلى السواد.
ب - ثخين غليظ.
جـ - له رائحة نتنة.
فما دام دمها متميزًا نقول: اجلسي الدم المتميز وما عداه اغتسلي وتحفظي وصلي.
الحالة الرابعة: المستحاضة: تعريفها: هي امرأة أطبق عليها الدم شهرًا أو شهرين أو ثلاثة، نقول: هذه امرأة مستحاضة، فإن كانت متميزة فإنها تجلس تميزها، وإن كانت معتادة تجلس عادتها، وإن كانت متحيرة نقول: تجلس خمسة عشر يومًا، وما زاد يعتبر دم فساد أي استحاضة، فتتوضأ لكل صلاة وتتحفظ وتصلي وتأتي بجميع العبادات.

الجزء: 1 - الصفحة: 148

وَيَمْنَعُ عَشَرَةَ أَشْيَاءَ: فِعْلَ الصَّلاةِ، وَوُجُوْبَهَا (1)،  الحالة الخامسة: المتحيرة: تعريفها: هي الآن أكثر الأحوال حدوثًا في وقتنا بسبب استعمال ما يمنع الدم، أو ما يمنع الحمل، أو استعمال بعض الأمور التي تمنع الدورة.
والمتحيرة هي التي تكون عادتها في شهر سبعة أيام، وفي شهر آخر ثمانية أيام، وفي شهر عشرة أيام، فهذه نقول: إنها متحيرة، ونقول لها: إذا كان الدم غير مميز وليس لكِ عادة تعرفينها، فاجلسي إلى خمسة عشر يومًا إذا كان متصلاً.
أما إذا كان يجيء في شهر خمسة أيام ثم ينقطع والشهر الآخر سبعة أيام ثم ينقطع والذي يليه ثمانية أيام أو عشرة أيام وهكذا فنقول: متى انقطع الدم عنكِ فيلزمكِ الاغتسال وتؤدين ما عليكِ من العبادات، وهذا هو الذي نرجحه.
ويرى شيخنا (1) -رحمه الله- أنه لا أقل للحيض ولا لأكثره، بل ما دام على وتيرة واحدة فإنه يعتبر دم حيض.
لكن الصواب أنه إن زاد على خمسة عشر يومًا تأخذ حكم الطاهرات وهذا هو الأحوط، ولا يعقل في واقع النساء أن يزيد الدم على خمسة عشر يومًا، ولهذا الذين يقولون لا حدّ لأكثره قولهم غير منضبط، فنقول لهم: لو جلس الدم سبعة وعشرين يومًا هل تقولون إنه دم دورة، ولهذا كان قول الجمهور هو الأحوط إن شاء الله.

(1)

قوله «وَيَمْنَعُ عَشَرَةَ أَشْيَاءَ: فِعْلَ الصَّلاةِ، وَوُجُوْبَهَا»

أي يمنع الحيض عشرة أشياء، أولها فعل الصلاة ووجوبها، والمراد بفعل الصلاة أي أداؤها في زمن=585

الجزء: 1 - الصفحة: 149

وَفِعْلَ الصِّيَامِ (2)،  =الحيض، ودليل ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم -: « .. أَلَيْسَ إِذَا حَاضَتْ لَمْ تُصَلِّ وَلَمْ تَصُمْ ... » (1) وقوله أيضًا: « ... فَإِذَا أَقْبَلَتِ الْحَيْضَةُ فَدَعِي الصَّلاةَ ... » (2)، وهذا بإجماع أهل العلم، فمتى صلت المرأة وهي حائض فهي آثمة، وهنا ننبه على خطأ يقع فيه كثير من النساء، فتراها مثلاً إذا ذهبت إلى حج أو عمرة أو كانت في جمع من النساء ثم جاءها الحيض لم تخبر أهلها حياءًا منهن فتصلي معهم أو تؤدي مناسك الحج والعمرة معهم، وهي بهذا تكون آثمة.
والمراد بقوله «وَوُجُوْبَهَا» أي لا تجب عليها الصلاة لأنه سبحانه أسقط عنها الوجوب بحيضها، فلا يجب عليها قضاؤها لقول عائشة رضي الله عنها: «كَانَ يُصِيْبُنَا ذَلِكَ فَنُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّوْمِ وَلا نُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّلاةِ» (3)، وهذا بإجماع أهل العلم.

(1)

قوله «وَفِعْلَ الصِّيَامِ»

هذا هو الأمر الثالث الذي تمنع منه المرأة حال حيضها وهو الصيام وذلك للحديث المتقدم « .. أَلَيْسَ إِذَا حَاضَتْ لَمْ تُصَلِّ وَلَمْ تَصُمْ .. » لكن

هل يمنع الحيض وجوب الصوم؟

لا، بل يجب على المرأة الحائض الصوم، ولكنه لا يصح منها حال حيضها، بل متى طهرت يجب عليها قضاؤه لقول عائشة - رضي الله عنها - المتقدم «فَنُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّوْمِ وَلا نُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّلاةِ».586587588

الجزء: 1 - الصفحة: 150

وَالطَّوَافَ (1)،  =أما عن الحكمة في أمرها بقضاء الصوم دون الصلاة فقيل: الحكمة أن قضاء الصلاة فيه مشقة لتكرارها، أما الصيام فلا يتكرر إلا مرة واحدة في السنة، وهذا من كمال رحمته سبحانه وتعالى وشفقته بالمرأة.

(1)

قوله «وَالطَّوَافَ»

هذا هو الممنوع الرابع للمرأة حال حيضها، وهو قول الجمهور من المالكية 589، والشافعية 590، والحنابلة 591، فلا يجوز لها أن تطوف بالبيت حال حيضها لا لحج ولا لعمرة ولا لطواف نفل، دليل ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم -: «افْعَلِيْ كَمَا يَفْعَلُ الْحَاجُّ غَيْرَ أَنْ لا تَطُوْفِيْ بِالْبَيْتِ حَتَّى تَطْهُرِيْ» 592. فالمرأة الحائض لا يجوز لها أن تطوف؛ لأن من شروط الطواف الطهارة، ولأن المرأة الحائض لا يجوز لها أن تدخل المسجد الحرام.
وذهب الحنفية 593 إلى صحته مع الكراهة التحريمية لأن الطهارة له واجب وهي غير طاهرة وعليها بدنة، وذهب شيخ الإسلام 594 إلى عدم اشتراط الطهارة للطواف بل يستحب له.
لكن الصواب ما ذهب إليه الجمهور من اشتراط الطهارة له، وهي إحدى الروايتين في المذهب 595، وهذا ما أفتت به اللجنة الدائمة 596.

الجزء: 1 - الصفحة: 151

وَقِرَاءَةَ الْقُرْآنِ (1)، وَمَسَّ الْمُصْحَفِ (2)،  (1)

قوله «وَقِرَاءَةَ الْقُرْآنِ»

هذا هو الممنوع الخامس للمرأة حال حيضها، فلا يجوز لها أن تقرأ القرآن، وهذا محل خلاف بين الفقهاء: فالجمهور على أن الحائض لا تجوز لها قراءة القرآن.
وذهب المالكية (1) إلى جواز قراءة الحائض للقرآن.
والراجح من القولين هو جواز قراءة الحائص وكذا النفساء للقرآن، وهو اختيار شيخ الإسلام (2)، وسماحة شيخنا الشيخ عبد العزيز بن باز (3)، وشيخنا الشيخ محمد العثيمين (4) - رحمهم الله - وذلك لعدم ثبوت ما يدل على النهي، وقياس ذلك على الجنب قياس مع الفارق.

(2)

قوله «وَمَسَّ الْمُصْحَفِ»

هذا هو الممنوع السادس للحائض، فلا يجوز لها أن تمس المصحف إلا من وراء حائل أو تمسك بشيء تتصفح به، وذلك لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «لا يَمَسُّ الْقُرْآنَ إِلاَّ طَاهِرٌ» 601، وهذا هو قول جمهور أهل العلم، واستثنى المالكية 602 من ذلك المعلمة والمتعلمة فإنه يجوز لها مس المصحف.
والصواب أنه لا يجوز لهن مس المصحف مطلقًا.
وهل المحدث حدثًا أصغر يجوز له مس المصحف؟ محل خلاف بين أهل العلم؛ =597598599600

الجزء: 1 - الصفحة: 152

وَاللُّبْثَ فِي الْمَسْجِدِ (1)،  =أصح الأقوال فيه أنه لا يجوز له أن يمس المصحف، وهو رأي الشيخين (1).

(1)

قوله «وَاللُّبْثَ فِي الْمَسْجِدِ»

هذا هو الممنوع السابع، وهو قول جمهور الفقهاء؛ لحديث عائشة رضي الله عنها في صحيح مسلم، فعن عائشة رضي الله عنها قالت: قَالَ لِيْ رَسُوْلُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - «نَاوِلِيْنِي الْخُمْرَةَ مِنْ الْمَسْجِدِ» قَالَتْ فَقُلْتُ إِنِّي حَائِضٌ فَقَالَ «إِنَّ حَيْضَتَكِ لَيْسَتْ فِي يَدِكِ» 604، واحتجوا أيضاً بما رواه البخاري ومسلم من أمر النساء الحيض أن يعتزلن المصلى في العيد 605. وفي رواية في المذهب 606 جواز لبث الحائض وكذا النفساء في المسجد إذا توضأت وأمنت تلويثه، وذلك لعدم ورود الحديث الصحيح الصريح في المنع.
والذي نراه أنه لا يجوز لها أن تجلس في المسجد، ولكن لها أن تعبر المسجد لحاجة، وهذا هو قول الشيخين 607.

  • تنبيه: أولاً: اختلف الفقهاء في دخول الحائض مصلى العيد: فالحنفية 608 والشافعية 609 علاجواز دخولها، والحنابلة 610 على عدم جواز الدخول.603

الجزء: 1 - الصفحة: 153

وَالْوَطْءَ فِي الْفَرْجِ (1)،  =فالذين قالوا بجواز الدخول لأنه ليس له حكم المسجد فلا يأخذ حكمه، والذين قالوا بعدم الجواز احتجوا بقوله -صلى الله عليه وسلم- في حق الحائض وليعتزلن المصلى.
والذي يظهر لي أن المصلى ليس مسجدًا فيجوز لها الدخول لكن تبتعد عن محل صلاة الناس.
ثانيًا: مصليات المدارس، هل تدخل في حكم المساجد في منع الطالبات والمدرسات الحيض من دخولها؟ الظاهر أنها لا تأخذ حكم المساجد فيجوز للحائض دخولها والجلوس فيها.

(1)

قوله «وَالْوَطْءَ فِي الْفَرْجِ»

هذا هو الممنوع الثامن، وهذا بإجماع أهل العلم، لا يجوز للرجل أن يجامع زوجته وهي حائض؛ لقوله تعالى: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ 611. أما المباشرة فيما دون الفرج فلا بأس بها؛ لقول عائشة رضي الله عنها: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَأْمُرُنِيْ أَنْ أَتَّزِرَ وَأَنَا حَائِضٌ ثُمَّ يُبَاشِرُنِيْ» 612. ومن وطئ زوجته في فرجها حال حيضها فعليه التوبة والاستغفار ويتصدق وجوبًا في المذهب 613 بدينار أو نصف دينار؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم - في الذي يأتي امرأته وهي حائض: «يَتَصَدَّقَ بِدِينَارٍ أَوْ نِصْفِ دِينَارٍ» 614، وهذا هو قول الشيخين 615. =

الجزء: 1 - الصفحة: 154

وَسُنَّةَ الطَّلاقِ (1)، وَالاِعْتِدَادَ بِالأَشْهُرِ (2)  =وذهب جمهور الفقهاء إلى عدم وجوب الكفارة بل يستغفر ويتوب، وهو قول الحنفية (1) والشافعية (2) وقول في المذهب (3). والذي يترجح عندي أنه لا تجب كفارة على من وطئ امرأته وهي حائض ولكن تستحب في حقه ويجب عليه التوبة والاستغفار، وتحمل الأحاديث على الاستحباب في إخراج الكفارة، والذي يدل على ذلك التخيير بين الدينار ونصفه، إذ لا تخيير في جنس واحد بين الأقل والأكثر.
أما مقدار الدينار فهو على قول شيخنا أربعة جرامات وربع، والذي قررته في كتاب الزكاة وهو الراجح: ثلاثة جرامات ونصف، وإذا أردنا أن نعرف قيمته نسأل أهل الذهب في وقت إخراجه، كم قيمة جرام الذهب ونضرب القيمة في ثلاثة ونصف.

(1)

قوله «وَسُنَّةَ الطَّلاقِ»

هذا هو الممنوع التاسع، و

معنى قوله «سُنَّةَ الطَّلاقِ»

أنه إذا طلق زوجته في الحيض فليس طلاقًا سنِّيًّا بل هو طلاق بدعيّ، وطلاق السنة أن يطلقها في طهر لم يجامعها فيه.
(2)

قوله «وَالاِعْتِدَادَ بِالأَشْهُرِ»

أي أن المرأة التي تحيض يمنعها الحيض من الاعتداد بالأشهر، وإنما تعتد بالحيض ثلاث حيض، أما إن كانت لا تحيض فتعتد بالأشهر، ودليل ما ذكره المؤلف قوله تعالى: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ 619.616617618

الجزء: 1 - الصفحة: 155

وَيُوْجِبُ الْغُسْلَ، وَالْبُلُوْغَ، وَالاِعْتِدَادَ بِهِ (1)، فَإِذَا انْقَطَعَ الدَّمُ، أُبِيْحَ فِعْلُ الصَّوْمِ (2)،  (1)

قوله «وَيُوْجِبُ الْغُسْلَ، وَالْبُلُوْغَ، وَالاِعْتِدَادَ بِهِ»

هذه هي موجبات الحيض: أولاً: أنه يوجب الغسل، وذلك عند طهرها، دليل ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ (1)، ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ أي اغتسلن، وهذا بالإجماع عند أهل العلم، أي يجب على المرأة إذا طهرت من حيضها الاغتسال، والغسل هنا كالغسل من الجنابة، وهل يلزم المرأة أن تنقض ضفائرها؟ نقول: لا، ولا يلزم أن تغسل كل شعرها، وقد سبق بيان ذلك

ثانيًا: البلوغ، أي يوجب الحيض البلوغ، فمتى حاضت المرأة حكم ببلوغها، و

علامات البلوغ للرجل والمرأة

ثلاثة: إنزال المني بالاحتلام وغيره، وإنبات شعر العانة، وتمام خمس عشرة سنة.
أما المرأة فتزيد على ذلك أمرًا رابعًا وهو الحيض.
ثالثًا: الاعتداد به، هذا من موجبات الحيض أيضًا، فالمرأة التي تحيض تعتد بالحيض، أما إذا كانت لا تحيض لصغر أو لكبر أو لأمر طارئ فتعتد بالأشهر.
ومعنى قولنا تعتد بالحيض: أن تحيض ثم تطهر ثم تحيض ثم تطهر ثم تحيض ثم تطهر، فهنا تمت عدتها بعد طلاق زوجها.
(2) قوله «فَإِذَا انْقَطَعَ الدَّمُ، أُبِيْحَ فِعْلُ الصَّوْمِ» أي إذا انقطع دم المرأة الحائض ولم تغتسل أبيح فعل الصوم، بل كان واجبًا عليها إن كان صوم فريضة كرمضان، مثال ذلك: امرأة انقطع الدم عنها بالليل ولم تتمكن من الاغتسال قبل الفجر، فيلزمها الصوم حتى وإن لم تغتسل لأن الصوم لا يشترط له =620

الجزء: 1 - الصفحة: 156

وَالطَّلاقُ (1)، وَلَمْ يُبَحْ سَائِرُهَا حَتَّى تَغْتَسِلَ (2)، وَيَجُوْزُ الاِسْتِمْتَاعُ مِنَ الْحَائِضِ، بِمَا دُوْنَ الْفَرْجِ؛ لِقَوْلِ رَسُوْلِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «اصْنَعُوْا كُلَّ شَيْءٍ غَيْرَ النِّكَاحَ» (3).  =الطهارة وإنما الطهارة تشترط لفعل الصلاة.
(1) قوله «وَالطَّلاقُ» أي إذا انقطع الدم أبيح الصوم والطلاق ولو لم تغتسل، فلا يلزم أن تغتسل المرأة إذا طهرت من الحيض لوقوع الطلاق، ولا يأثم الزوج بذلك، لكن يأثم إذا طلقها أثناء الحيض.
وهل يقع الطلاق إذا طلقها أثناء الحيض أم لا يقع؟ قولان لأهل العلم كما سيأتي بيانه إن شاء الله في كتاب الطلاق.

(2)

قوله «وَلَمْ يُبَحْ سَائِرُهَا حَتَّى تَغْتَسِلَ»

أي لم يبح غير فعل الصوم والطلاق بلا اغتسال وما سواهما من العشرة المذكورة فلابد لها من الاغتسال وهي: الصلاة ووجوبها، والطواف، وقراءة القرآن، ومس المصحف، واللبث في المسجد، والوطء في الفرج.
(3)

قوله «وَيَجُوْزُ الاِسْتِمْتَاعُ مِنَ الْحَائِضِ، بِمَا دُوْنَ الْفَرْجِ؛

لِقَوْلِ رَسُوْلِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «اصْنَعُوْا كُلَّ شَيْءٍ غَيْرَ النِّكَاحَ» أي يستمتع الرجل من الحائض بما دون الفرج.
وهل تجوز المباشرة فيما عدا ما بين السرة والركبة؟ قولان: أصحهما تجوز المباشرة؛ لأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قال: «اصْنَعُوْا كُلَّ شَيْءٍ إِلاَّ النِّكَاحَ» (1).

و

هل تجوز المباشرة فيما بين السرة والركبة

عدا الفرج؟ جمهور الفقهاء على المنع، وهو قول في المذهب 622، وعللوا بأن المرأة تتزر، وما دامت تتزر فلا تباشر فيما يغطيه الإزار، واحتجوا لذلك بقوله - صلى الله عليه وسلم - لما سئل عن ما يحل للرجل=621

الجزء: 1 - الصفحة: 157

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  = من امرأته وهي حائض؟ قال: «لَكَ مَا فَوْقَ الإِزَارِ» 623، لكن الصواب جواز المباشرة دون الفرج خاصة؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم - «اصْنَعُوْا كُلَّ شَيْءٍ إِلاَّ النِّكَاحَ» وهو المذهب عند الحنابلة 624. لكن إن استمتع بها فيما دون الفرج هل يلزمه غسل؟ الجواب: لا يجب عليه الغسل إلا أن ينزل، أما المرأة إذا أنزلت وهي حائض استحب لها الغسل للجنابة لئلا يبقى عليها أثر الجنابة، ولأنها قد تحتاج إلى قراءة القرآن للتعلم والتعليم.
لكن هنا مسألة قد تحتاج إليها المرأة وهي إذا طهرت المرأة في أي ساعة من نهار في شهر رمضان، هل يلزمها الإمساك بقية اليوم؟ الصحيح: أنه لا يلزمها الإمساك؛ لأننا نُعَرِّف الصيام بأنه الإمساك بنية التعبد لله بالإمساك عن الطعام والشراب والجماع من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، فكون المرأة التي طهرت ظهرًا أو عصرًا أو ضحى تمسك بقية اليوم لا معنى لإمساكها، وسيأتي بيان ذلك - إن شاء الله - في كتاب الصيام.
وقول المؤلف -رحمه الله- «وَيَجُوْزُ الاِسْتِمْتَاعُ مِنَ الْحَائِضِ بِمَا دُوْنَ الْفَرْجِ» محمول على عدم الخشية من الوقوع في الجماع المحرم، وإلا فلو علم الرجل أنه لا يستطيع أن يملك إربه من الوقوع في الجماع المحرم وقت الحيض فإنه يحرم عليه المباشرة فيما دون الفرج؛ لأن كل ما يؤدي إلى محرم فهو محرم.

الجزء: 1 - الصفحة: 158

وَأَقَلُّ الْحَيْضِ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ (1)، وَأَكْثَرُهُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا (2)،  (1)

قوله «وَأَقَلُّ الْحَيْضِ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ»

هذا هو المذهب (1)، وهو قول الشافعي (2)، وعند الحنفية (3) أقله ثلاثة أيام، وعند مالك (4) الدفعة الواحدة حيضة إلا أنه لا يعتد بها في الأفراد في الطلاق.
وذهب شيخ الإسلام (5) إلى أنه لا حد لأقل الحيض ولا لأكثره بل مرد الأمر عنده إلى ما استقرت عليه عادة المرأة، وهذا هو رأي ابن سعدي (6)، وشيخنا (7) -رحمه الله-، والذي نرجحه هو قول الشافعية والحنابلة لأنه هو القول المنضبط الذي تستطيع المرأة أن تضبط به الدم وأن تعرف أقله وأكثره.
أما تحديده بهذا الحد فإن الشيء إذا لم يكن له حد فإنه يحد في الشرع بأقل شيء عادة، وأقل الشيء من الأيام هو يوم وليلة، وأما حده بخمسة عشر يومًا هو نصف شهر حيث لا يعقل أن تحيض المرأة أكثر الشهر ولا يمكن أن يكون زمن الطهر أقل من زمن الحيض.
(2)

قوله «وَأَكْثَرُهُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا»

هذا هو المذهب 632 وهو قول المالكية 633، والشافعية 634. أما الحنفية 635 فيرون أن أكثره عشرة أيام، وقد سبق اختيار شيخ الإسلام وشيخنا -رحمه الله-، والذي نرجحه هو القول الأول لما ذكرناه في المسألة السابقة.625626627628629630631

الجزء: 1 - الصفحة: 159

وَأَقَلُّ الطُّهْرِ بَيْنَ الْحَيْضَتَيْنِ ثَلاثَةَ عَشَرَ يَوْمًا (1)، وَلا حَدَّ لأَكْثَرِهِ (2). وَأَقَلُّ سِنٍّ تَحِيْضُ لَهُ الْمَرْأَةُ تِسْعُ سِنِيْنَ (3) وَأَكْثَرُهُ سِتُّوْنَ (4).  (1)

قوله «وَأَقَلُّ الطُّهْرِ بَيْنَ الْحَيْضَتَيْنِ ثَلاثَةَ عَشَرَ يَوْمًا»

وذلك لأننا قلنا أن أقل الحيض يوم وليلة، وأكثره خمسة عشر يومًا، فإذا تصورنا أن أقله يوم وليلة، فكم تحيض المرأة في الشهر؟ ثلاث مرات، وإذا تصورنا أن أكثره خمسة عشر يومًا فإنها لا تحيض إلا مرة واحدة.
وذهب شيخ الإسلام (1) وهو قول شيخنا (2) -رحمه الله- إلى أنه لا حد لأقل الطهر، والراجح ما ذهب إليه المؤلف.
(2)

قوله «وَلا حَدَّ لأَكْثَرِهِ»

أي لا حد لأكثر الطهر؛ لأنه مبني على الحيض، فالحيض قد يزيد وقد ينقص.
(3)

قوله «وَأَقَلُّ سِنٍّ تَحِيْضُ لَهُ الْمَرْأَةُ تِسْعُ سِنِيْنَ»

هذا هو المذهب (3)، وعللوا لذلك بأن هذا هو المعتاد، و

الصواب أنه لا حد للسن

الذي تحيض له المرأة، وبما أنه وجد من النساء من تحيض لثمان سنوات، فيكون الاعتماد على أوصاف الدم أولى، لكن ما ذكره المؤلف بناء على الغالب عند النساء.
(4)

قوله «وَأَكْثَرُهُ سِتُّوْنَ»

هذا ما رجحه المؤلف، والمشهور في المذهب 639 أن أكثره خمسون سنة، ومن فرّق بين النساء العربيات والأعجميات قال: إن العربيات إلى سن الستين والأعجميات إلى سن الخمسين.
والصواب أنه لا حد لأكثره لاسيما أنه قد وجد من تحيض لأكثر من ستين سنة، فما دام وجد من تحيض لأكثر من خمسين أو أكثر من ستين فلا يحد، وهذا هو=636637638

الجزء: 1 - الصفحة: 160

وَالْمُبْتَدَأَةُ إِذَا رَأَتِ الدَّمَ لِوَقْتٍ تَحِيْضُ فِيْ مِثْلِهِ، جَلَسَتْ (1)، فَإِنِ انْقَطَعَ لأَقَلَّ مِنْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، فَلَيْسَ بَحَيْضٍ (1)،  =مذهب الشافعية (1)، ورواية في مذهب الحنفية (2)، وهو اختيار شيخ الإسلام (3) وشيخنا (4) -رحمه الله-.

(1)

قوله «وَالْمُبْتَدَأَةُ إِذَا رَأَتِ الدَّمَ لِوَقْتٍ تَحِيْضُ فِيْ مِثْلِهِ، جَلَسَتْ»

المبتدأة هي التي رأت الدم لأول مرة في وقت تحيض لمثله، حدَّه المؤلف لسنّ التاسعة، والصواب أنه لا حد لأوله كما سبق.
(2) وقوله «جَلَسَتْ» أي اعتبرته حيضًا تترك الصلاة والصيام وسائر العبادات بل كذلك لا يقربها زوجها لأجل ذلك الدم.

(3)

قوله «فَإِنِ انْقَطَعَ لأَقَلَّ مِنْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، فَلَيْسَ بَحَيْضٍ»

وذلك لأنهم يحدّون أقل الحيض بيوم وليلة، فإن جاوز الدم ذلك أي جاوز يومًا وليلة ولم يتجاوز أكثر الحيض وهو خمسة عشر يومًا فهو حيض ما دام أكثر من يوم وليلة وأقل من خمسة عشر يومًا، فهذه هي المبتدأة، فإذا تكرر ثلاثة أشهر بمعنى واحد صار عادة.
لكن هل يلزم أن يتكرر الدم على المبتدأة لتصبح عادتها؟ المذهب 644 يرى تكراره ثلاثًا ليصبح حيضًا كما سيذكره المؤلف، والصواب أنه لا يلزم تكراره، بل متى رأت الدم ولم يتجاوز أكثر الحيض فهي عادتها.640641642643

الجزء: 1 - الصفحة: 161

وَإِنْ جَاوَزَ ذلِكَ وَلَمْ يَعْبُرْ أَكْثَرَ الْحَيْضِ، فَهُوَ حَيْضٌ (1)، فَإِذَا تَكَرَّرَ ثَلاثَةَ أَشْهُرٍ بِمَعْنًى وَاحِدٍ، صَارَ عَادَةً (2)، وَإِنْ عَبَرَ فَالزَّائِدُ اسْتَحَاضَةٌ (3)، وَعَلَيْهَا أَنْ تَغْتَسِلَ عِنْدَ آخِرِ الْحَيْضِ (4)،  =وخلاصة القول في قول المؤلف أنه إذا انقطع في أقل من يوم وليلة فهو دم فساد، لا يمنع الصلاة ولا الصوم ولا سائر العبادات.

(1)

قوله «وَإِنْ جَاوَزَ ذلِكَ وَلَمْ يَعْبُرْ أَكْثَرَ الْحَيْضِ، فَهُوَ حَيْضٌ»

أي إذا جاوز الدم أقل الحيض وهو يوم وليلة، ولم يجاوز أكثره وهو خمسة عشر يوما فهو حيض.
(2)

قوله «فَإِذَا تَكَرَّرَ ثَلاثَةَ أَشْهُرٍ بِمَعْنًى وَاحِدٍ، صَارَ عَادَةً»

ذكرنا هذه المسألة سابقًا، وقلنا بأنه لا يلزم تكرار الدم ثلاثة أشهر ليصبح عادة للمرأة، بل متى جاءها الدم وتجاوز اليوم والليلة ولم يتجاوز خمسة عشر يومًا صار عادتها ولا يلزم من ذلك تكراره.
(3)

قوله «وَإِنْ عَبَرَ فَالزَّائِدُ اسْتَحَاضَةٌ»

أي إن عبر أكثر الحيض وهو خمسة عشر يومًا فالزائد استحاضة؛ لأنه تجاوز أكثر الحيض، فخرج عن كونه دم حيض، بل هو دم فساد لا يمنع الصلاة والصوم، لكن نأمرها أن تتوضأ لكل صلاة، وأن تتلجم لئلا يصيب الدم ثوبها.
(4)

قوله «وَعَلَيْهَا أَنْ تَغْتَسِلَ عِنْدَ آخِرِ الْحَيْضِ»

أي عند تمام خمسة عشر يومًا، وهذا وجوبًا؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «دَعِي الصَّلاةَ قَدْرَ الأَيَّامِ الَّتِيْ كُنْتِ تَحِيْضِيْنَ فِيْهَا ثُمَّ اغْتَسِلِيْ وَصَلِّيْ» 645.

الجزء: 1 - الصفحة: 162

وَتَغْسِلَ فَرْجَهَا وَتَعْصِبَهُ (1)، ثُمَّ تَتَوَضَّأَ لِوَقْتِ كُلِّ صَلاةٍ، وَتُصَلِّيْ (2)، وَكَذَا حُكْمُ مَنْ بِهِ سَلَسُ الْبَوْلِ (3)، وَمَنْ فِيْ مَعْنَاهُ (4)،  (1)

قوله «وَتَغْسِلَ فَرْجَهَا وَتَعْصِبَهُ»

أي يجب على المستحاضة عند غسلها أن تغسل فرجها وتعصبه عند آخر الحيض؛ لأنها أتمت الحيض وإن كان ينزل معها الدم، أما دليل غسل فرجها فهو قوله - صلى الله عليه وسلم - في المستحاضة: «فَاغْسِلِيْ عَنْكِ الدَّمَ وَصَلِّيْ» (1)، وأما دليل عصب الفرج ما جاء في حديث أم سلمة رضي الله عنها في شأن المستحاضة وفيه «فَلْتَغْتَسِلْ ثُمَّ لِتَسْتَثْفِرْ بِثَوْبٍ ثُمَّ لِتُصَلِّ فِيْهِ» (2) ومعنى الاستثفار هو شد الفرج بخرقة عريضة أو قطنة تحتشي بها المرأة، أما الآن فيمكن أن تستخدم الحفائظ الحديثة ويكفيها ذلك.
(2)

قوله «ثُمَّ تَتَوَضَّأَ لِوَقْتِ كُلِّ صَلاةٍ، وَتُصَلِّيْ»

أي المستحاضة يجب عليها الوضوء لا الغسل، وذلك عند وقت كل صلاة، فمتى أرادت الصلاة يجب عليها الوضوء، ويجزئها وضوؤها، لفعل السنن القبلية والبعدية، ولا يلزمها إعادة الوضوء.
(3) قوله «وَكَذَا حُكْمُ مَنْ بِهِ سَلَسُ البَوْلِ» قياسًا على المستحاضة، فيجب عليه الوضوء لكل صلاة، ثم يصلي هذه الصلاة، ولا يجوز له تأخيرها حتى يخرج وقتها.
(4) قوله «وَمَنْ فِيْ مَعْنَاهُ» كمن يخرج منه الريح باستمرار، فإنه يأخذ حكم =646647

الجزء: 1 - الصفحة: 163

فَإِذَا اسْتَمَرَّ بِهَا الدَّمُ فِيْ الشَّهْرِ الآخَرِ (1)، فَإِنْ كَانَتْ مُعْتَادَةً، فَحَيْضُهَا أَيَّامُ عَادَتِهَا (2). وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مُعْتَادَةً وَكَانَ لَهَا تَمْيِيْزٌ- وَهُوَ أَنْ يَكُوْنَ بَعْضُ دَمِهَا أَسْوَدَ ثَخِيْنًا، وَبَعْضُهُ أَحْمَرَ رَقِيْقًا- فَحَيْضُهَا زَمَنُ الأَسْوَدِ الثَّخِيْنِ (3)  =المستحاضة قياسًا عليها؛ لكونه من أهل الأعذار، فيجب عليه الوضوء، ولا يلزمه إن خرج منه شيء أثناء الصلاة، بل عليه أن يستمرّ في صلاته ولا يلتفت للخارج.

(1)

قوله «فَإِذَا اسْتَمَرَّ بِهَا الدَّمُ فِيْ الشَّهْرِ الآخَرِ»

شرع المؤلف -رحمه الله- في بيان الحالات التي تمر بها المرأة المستحاضة، ومعنى قوله «فإذا استمرَّ بها الدم في الشهر الآخر» أي لم ينقطع عنها الدم حتى دخل بها في الشهر الذي يلي عادتها.
(2)

قوله «فَإِنْ كَانَتْ مُعْتادَةً، فَحَيْضُهَا أَيَّامُ عَادَتِهَا»

هذا هو القسم الثاني وهي المرأة المعتادة، وقد مرّ بنا القسم الأول وهو المبتدأة وسبق بيان حكمها.
أما المرأة المعتادة فقد قال المؤلف «فحيضها أيام عادتها» ما دامت لها عادة محدودة فنقول لها: اجلسي أيام عادتك خمسة أو ستة أو سبعة أو ثمانية فما زاد عن هذه الأيام فليس بحيض إلا إذا أخذ نفس مواصفات الحيض أو تسببت المرأة في تغير دورتها كأن تكون استعملت مانعًا أو وضعت لولبًا، فالحاصل أن المعتادة حيضها أيام عادتها، وما عدا أيام العادة فليس بحيض، بل استحاضة.

(3)

قوله «وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مُعْتَادَةً وَكَانَ لَهَا تَمْيِيْزٌ- وَهُوَ أَنْ يَكُوْنَ بَعْضُ دَمِهَا أَسْوَدَ ثَخِيْنًا، وَبَعْضُهُ أَحْمَرَ رَقِيْقًا- فَحَيْضُهَا زَمَنُ الأَسْوَدِ الثَّخِيْنِ» هذا هو القسم الثالث من أقسام النساء المستحيضات وهي المرأة التي لها تمييز، أي التي =

الجزء: 1 - الصفحة: 164

وَإِنْ كَانَتْ مُبْتَدَأَةً، أَوْ نَاسِيَةً لِعَادَتِهَا، وَلا تَمْيِيْزَ لَهَا، فَحَيْضُهَا مِنْ كُلِّ شَهْرٍ سِتَّةُ أَيَّامٍ، أَوْ سَبْعَةٌ؛ لأَنَّهُ غَالِبُ عَادَاتِ النِّسَاءِ (1).  =يتميز بعض دمها عن بعض.
وعلامات دم الحيض كما أسلفنا هي: العلامة الأولى: أن يكون أسود.
العلامة الثانية: أن يكون ثخينًا.
العلامة الثالثة: أن يكون له رائحة كريهة.
فإن وجدت هذه العلامات الثلاث حكمنا بأنه دم حيض، فإذا تغيرت هذه الصفات وأصبح الدم خفيفًا أحمر غير ثخين، وليس له رائحة تحول إلى دم استحاضة أي إلى دم فساد، فحكم هذه المرأة -أي التي لها تمييز أن أيام حيضها هي التي تكون صفة الدم فيها على الصفات المذكورة - فإنها تجلس هذه الأيام ولا تصوم ولا تصلي عملاً بتمييزها.
لكن إن كانت المرأة لها عادة وتمييز فأيهما تقدم، العادة أم التمييز؟ اختلف الفقهاء في ذلك، والذي يظهر أن التمييز يقدم على العادة؛ لأن دلالته في الحس أقوى من دلالة العادة.

(1)

قوله «وَإِنْ كَانَتْ مُبْتَدَأَةً، أَوْ نَاسِيَةً لِعَادَتِهَا، وَلا تَمْيِيْزَ لَهَا،

فَحَيْضُهَا مِنْ كُلِّ شَهْرٍ سِتَّةُ أَيَّامٍ، أَوْ سَبْعَةٌ؛ لأَنَّهُ غَالِبُ عَادَاتِ النِّسَاءِ» هذا هو القسم الرابع وهي المتحيرة، وهي كما ذكر المؤلف المبتدأة أو الناسية لعادتها، أو التي لا تمييز لها، فهذه - قال المؤلف - يكون حيضها من كل شهر ستة أيام أو سبعة، وما عداها من الأيام يكون استحاضة ما دام الدم متواصلاً، وعلل لذلك بأنه غالب عادة النساء، ودليل ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم - لحمنة بنت جحش: «إِنَّمَا هَذِهِ رَكْضَةٌ مِنْ رَكَضَاتِ الشَّيْطَانِ فَتَحَيَّضِيْ سِتَّةَ أَيَّامٍ أَوْ سَبْعَةَ أَيَّامٍ فِي عِلْمِ اللهِ ثُمَّ اغْتَسِلِيْ حَتَّى إِذَا رَأَيْتِ أَنَّكِ قَدْ طَهُرْتِ وَاسْتَنْقَأْتِ فَصَلِّيْ ثَلاثًا وَعِشْرِيْنَ لَيْلَةً أَوْ أَرْبَعًا =

الجزء: 1 - الصفحة: 165

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =وَعِشْرِيْنَ لَيْلَةً وَأَيَّامَهَا وَصُومِيْ فَإِنَّ ذلِكَ يَجْزِيْكِ وَكَذَلِكَ فَافْعَلِيْ فِي كُلِّ شَهْرٍ كَمَا تَحِيْضُ النِّسَاءُ وَكَمَا يَطْهُرْنَ مِيقَاتُ حَيْضِهِنَّ وَطُهْرِهِنَّ وَإِنْ قَوِيَتِ عَلَى أَنْ تُؤَخِّرِي الظُّهْرَ وَتُعَجِّلِي الْعَصْرَ فَتَغْتَسِلِيْنَ وَتَجْمَعِيْنَ بَيْنَ الصَّلاتَيْنِ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَتُؤَخِّرِيْنَ الْمَغْرِبَ وَتُعَجِّلِيْنَ الْعِشَاءَ ثُمَّ تَغْتَسِلِيْنَ وَتَجْمَعِيْنَ بَيْنَ الصَّلاتَيْنِ فَافْعَلِيْ وَتَغْتَسِلِيْنَ مَعَ الْفَجْرِ فَافْعَلِيْ وَصُومِيْ إِنْ قَدِرْتِ عَلَى ذلِكَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: وَهَذَا أَعْجَبُ الأَمْرَيْنِ إِلَيَّ» 648. وقال شيخنا 649 -رحمه الله- في حكم هذه المرأة المتحيرة تجلس غالب عادات نسائها كأمها وأختها وخالتها وعمتها ثم تغتسل وتصلي وتصوم.
وقد اختلفت الروايات في المذهب 650 في هذه المسألة: فقيل إنها تعتبر بأقل الحيض وهو يوم وليلة، وما زاد على ذلك يحتمل الحيض والاستحاضة، والصلاة ثابتة في ذمتها بيقين، فلا تتركها بالشك.
ورواية أخرى في المذهب 651 أن المتحيرة تعتبر بأكثر الحيض وهو خمسة عشر يومًا؛ لأن الأصل في الخارج أن يكون دم حيض، فتعمل بذلك ما لم تتيقن أن الخارج دم استحاضة، ولا يتم التيقن إلا إذا جاوز الدم خمسة عشر يومًا.
والذي نرجحه أنها ترجع إلى غالب عادات نسائها كأمها وأختها وخالتها وعمتها، وهي إحدى الروايات في المذهب 652 واختارها شيخنا 653 -رحمه الله-؛ =

الجزء: 1 - الصفحة: 166

وَالْحَامِلُ لا تَحِيْضُ (1).  =لأن اشتراك الأقارب في هذه الأمور أقرب ما لم يكن الدم على وتيرة واحدة بنفس الصفات فهنا تجلس أكثر الحيض.

(1)

قوله «وَالْحَامِلُ لا تَحِيْضُ»

أي إن جاءها دم فهو دم فساد، وهذا هو قول الحنفية 654 والحنابلة 655، وعللوا لذلك بتعليلات منها: أـ أن الشرع جعل الحيض علامة على براءة الرحم من الحمل، فلو جاز اجتماع الحمل مع الحيض لما كان علامة على عدمه.
ب - الطلاق في الحيض محرم، أما بعد تبين الحمل فهو جائز، فلو كان الدم الذي تراه الحامل حيضًا لما جاز الطلاق فيه.
ج - أيضًا قالوا بأن دم الحيض يتحول إلى غذاء يتغذى به الجنين، فلو خرج شيء لخرج على غير الوجه المعتاد.
ومن هنا قال الفقهاء بأن الدم الخارج من الحامل لا يعتبر حيضًا، بل هو دم فساد لا يمنع الصلاة والصوم وسائر العبادات، وهذا هو قول سماحة شيخنا ابن باز 656 -رحمه الله-.
وذهب المالكية 657 والشافعية 658 وقول في مذهب أحمد 659 واختارها شيخ الإسلام 660، وشيخنا 661 إلى أنه يمكن للحامل أن تحيض، لاسيما إن كان حيضها منضبطًا، وجاءها في نفس أيام عادتها ونفس =

الجزء: 1 - الصفحة: 167

إِلاَّ أَنْ تَرَى الدَّمَ قَبْلَ وِلادَتِهَا بِيَوْمَيْنِ، أَوْ ثَلاثَةٍ، فَيَكُوْنُ دَمَ نِفَاسٍ (1).  =مواصفات دم الحيض، وكان يتكرر معها في كل حمل، فهذا يعتبر حيضًا، وهذا هو الصواب.

(1)

قوله «إِلاَّ أَنْ تَرَى الدَّمَ قَبْلَ وِلادَتِهَا بِيَوْمَيْنِ، أَوْ ثَلاثَةٍ، فَيَكُوْنُ دَمَ نِفَاسٍ» أي يأخذ الدم الخارج قبل الولادة بيوم أو يومين حكم دم النفاس، ولا تصلي ولا تصوم، وهذه المسألة محل خلاف بين الفقهاء: فالمذهب (1) وأكثر الفقهاء على أنه نفاس، ومنهم من يرى أنه لا يعتبر نفاسًا، بل هو دم فساد، لا تترك العبادات بخروجه، وهو قول الحنفية (2)، ورأي عند الشافعية (3).

والذي نرجحه أنه إن كان هذا الدم الذي خرج قبل الولادة بيوم أو يومين مصاحبًا له الطلق وعلامات الولادة فيعتبر نفاسًا وإلا فلا، وسيأتي بيان ذلك في باب النفاس.
وإن رأت المرأة الدم قبل الولادة بيوم أو يومين أو ثلاثة ثم بعد الولادة انقطع عنها الدم، فنقول هذه المرأة نفست قبل ولادتها، وبعد الولادة لا تعتبر نفساء.

تنبيهات

: أولاً: استعمال ما يمنع الحيض جائز بشرطين: أ - أن لا يكون فيه ضرر على المرأة.
ب - أن يكون ذلك بإذن الزوج إذا كان له تعلق به، مثل أن تكون معتدة به=662663664

الجزء: 1 - الصفحة: 168

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =على وجه تجب فيه نفقتها فتستعمل ما يمنع الحيض لكي تطول المدة، ومن ثم تزداد على زوجها نفقتها فلا يجوز لها أن تستعمل ما يمنع الحيض حينئذ إلا بإذنه.
وأيضًا إذا ثبت من خلال أطباء مسلمين عدول موثوق فيهم أن منع الحيض يمنع الحمل فلا بد من إذن الزوج.
وإذا قلنا بجواز استعمال ما يمنع الحمل فنقول بأن الأولى للمرأة عدم استعماله إلا لحاجة؛ لأن ترك الطبيعة على ما هي عليه أقرب لاعتدال الصحة والسلامة.
ثانيًا: استعمال ما يجلب الحيض جائز بشرطين: أ - أن لا تتحيل به على إسقاط واجب، مثل أن تستعمله قرب شهر رمضان من أجل أن تفطر، أو تستعمله من أجل أن تسقط به الصلاة أو عبادة من العبادات.
ب - أن يكون ذلك بإذن الزوج لأن حصول الحيض يمنعه من كمال الاستمتاع بزوجته فلا يجوز استعمال ما يمنع حقه إلا برضاه، وإن كانت مطلقة فإن فيه تعجيل إسقاط حق الزوج من الرجعة إن كان له رجعة.

الجزء: 1 - الصفحة: 169

بَابُ النِّفَاسِ

(1). وَهُوَ: الدَّمُ الْخَارِجُ بِسَبَبِ الْوِلادَةِ (2)، وَحُكْمُهُ حُكْمُ الْحَيْضِ فِيْمَا يَحِلُّ وَيَحْرُمُ وَيَجِبُ وَيَسْقُطُ بِهِ (3).  الشرح:

(1)

قوله «بَابُ النِّفَاسِ»

النفاس في اللغة بكسر النون من نفَّس الله كربته كما جاء في الحديث: «مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا نَفَّسَ اللهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ» (1)، فالمرأة بالنفاس يتنفس عنها كربة من أعظم الكرب الدنيوية وهي وضع الحمل، قال تعالى: ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ﴾ (2)، وقال: ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا﴾ (3). وفي الاصطلاح هو «دم يخرج من المرأة بعد الولادة، أو معها، أو قبلها بيوم أو يومين أو ثلاثة مع الطلق» أما بدون الطلق فالذي يخرج قبل الولادة دم فساد، وقد سبق أقوال الفقهاء مع بيان الراجح في هذه المسألة.

(2)

قوله «وَهُوَ: الدَّمُ الْخَارِجُ بِسَبَبِ الْوِلادَةِ»

ولو قبلها بثلاثة أيام فأقلّ كما ذكرنا سابقًا، ودم النفاس في الأصل دم الحيض المحتقن في الرحم الفاضل عن رزق الولد، فلما خرج الولد تنفس الرحم فخرج بخروجه.
(3)

قوله «وَحُكْمُهُ حُكْمُ الْحَيْضِ فِيْمَا يَحِلُّ وَيَحْرُمُ وَيَجِبُ وَيَسْقُطُ بِهِ» هذا بيان حكم دم النفاس، فحكمه كالحيض.665666667

الجزء: 1 - الصفحة: 170

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =وقوله «فِيْمَا يَحِلُّ» من الاستمتاع بها فيما دون الفرج والمرور من المسجد بدون تلويث.
وقوله «وَيَحْرُمُ» من الوطء في الفرج وسائر العبادات.
وقوله «وَيَجِبُ» أي فيما يوجبه من الغسل إذا طهرت.
وقوله «وَيَسْقُطُ بِهِ» ما يسقط عنها كالصلاة والصوم، لكن الصوم لابد من قضائه إذا طهرت، والصلاة لا تقضى، هذا معنى كلام المؤلف.
لكن هناك فروق بين الحيض والنفاس، منها:

  • الحيض يحسب من العدة، والنفاس لا يحسب من العدة، فلو طلقها قبل النفاس فهنا بمجرد الوضع تنتهي عدتها، وإن طلقها بعد الوضع فلا بد من ثلاث حيضات بعد النفاس ولا أثر للنفاس في العدة.
  • البلوغ، فالحيض تبلغ به المرأة، أما النفاس فليس علامة على بلوغ المرأة؛ لأنها بلغت بما هو قبله وهو الإنزال؛ لأنها لا تحمل إلا إذا أنزلت.
  • مدة الإيلاء تحسب فيها مدة الحيض وأما النفاس فلا تجب، فإذا حلف ألا يطأ زوجته سنة ثم ولدت فلا تحسب مدة النفاس من الأربعة أشهر التي تحدد له، إما أن يطأ أو يطلق.
  • الطلاق في الحيض محرم، أما في النفاس فجائز.
    وذهب سماحة شيخنا 668 إلى أنه لا يجوز التطليق حال النفاس بل يحرم ولا يقع على الصحيح.
  • يكره وطء النفساء عند بعض الفقهاء إذا طهرت قبل الأربعين، ولا يكره=

الجزء: 1 - الصفحة: 171

وَأَكْثَرُهُ أَرْبَعُوْنَ يَوْمًا (1)، وَلا حَدَّ لأَقَلِّهِ (2)، وَمَتَى رَأَتِ الطُّهْرَ، اغْتَسَلَتْ، وَهِيَ طَاهِرَةٌ (3)،  = وطء الحائض إذا طهرت قبل نهاية عادتها.

(1)

قوله «وَأَكْثَرُهُ أَرْبَعُوْنَ يَوْمًا»

هذا على الصحيح من أقوال أهل العلم، وهو قول الجمهور، وقيل: أكثره ستون يومًا وهذا هو قول المالكية (1) والشافعية (2) ورواية في مذهب أحمد (3)، وقيل: لا حد لأكثره، وهذا هو اختيار شيخ الإسلام (4). والصحيح أنها إذا رأت الدم لأكثر من أربعين يومًا لم تكن نفساء، فلا تلتفت المرأة لما زاد عن الأربعين، إلا إذا وافق عادتها، وإن لم يوافق عادتها فلا تلتفت إلى هذا الزائد عن الأربعين، بل تغتسل وتصلي وتصوم وتؤدي سائر العبادات، وهذا هو اختيار سماحة شيخنا (5) -رحمه الله-.

(2)

قوله «وَلا حَدَّ لأَقَلِّهِ»

بإجماع أهل العلم، كما نقل الإجماع على ذلك الترمذي حيث قال: «أجمع أهل العلم من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - ومن بعدهم أن النفساء تدع الصلاة أربعين يومًا إلا أن ترى الطهر قبل ذلك» (6)، فمتى انقطع دمها قبل الأربعين اغتسلت وصلت وصامت باتفاق أهل العلم.
(3)

قوله «وَمَتَى رَأَتِ الطُّهْرَ، اغْتَسَلَتْ، وَهِيَ طَاهِرَةٌ»

أي متى رأت النفساء الطهر أثناء الأربعين فيجب عليها الاغتسال وتأخذ حكم المرأة الطاهرة بذلك؛ لأن النفاس كما ذكرنا لا حد لأقله.669670671672673674

الجزء: 1 - الصفحة: 172

فَإِنْ عَادَ فِيْ مُدَّةِ الأَرْبَعِيْنَ، فَهُوَ نِفَاسٌ أَيْضًا (1).  (1)

قوله «فَإِنْ عَادَ فِيْ مُدَّةِ الأَرْبَعِيْنَ، فَهُوَ نِفَاسٌ أَيْضًا»

أي إذا عاودها الدم أثناء الأربعين بعد أن طهرت فيأخذ حكم النفاس؛ لأنه لم يجاوز الأربعين، فتتوقف عن الصلاة والصوم، ولا يجوز للزوج وطؤها بعد أن عاودها الدم وغير ذلك مما تمنع منه النفساء، وما ذكره المؤلف هو المذهب (1). وفي رواية في المذهب (2) إن عاودها الدم بعد انقطاعه فهو مشكوك فيه، فتصوم وتصلي وتقضي الواجب، لكنها تتجنب ما يحرم على النفساء كالجماع مثلاً وهذا على سبيل الاحتياط.
والصحيح: إن عاودها الدم وكان العائد دم نفاس بلونه ورائحته وكل أحواله فهو نفاس أيضًا، وهذا هو اختيار سماحة شيخنا ابن باز (3) -رحمه الله-.

  • ذكر بعض التنبيهات التابعة لباب النفاس:

أولاً: المرأة التي تلد ولادة خالية عن الدم

لا تجلس مدة النفاس، ولا يجب عليها غسل، بل تتوضأ وتصلي.

ثانيًا: إذا ولدت المرأة توأمين

فأول النفاس وآخره من أولهما إلا إذا تجدد دم للثاني فإنها تبقى في نفاسها.
ثالثًا: إذا أسقطت المرأة جنينها فلا يخلو السقط من أحوال: الحالة الأولى: أن يكون السقط نطفة، فالدم الخارج دم فساد وليس بنفاس.
الحالة الثانية: أن يكون السقط علقة، فالدم الخارج محل خلاف، والصواب أنه ليس بحيض ولا نفاس.675676677

الجزء: 1 - الصفحة: 173

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =الحالة الثالثة: أن يكون السقط مضغة غير مخلقة، فالمشهور في المذهب 678 أنه ليس بنفاس، وقال بعضهم إنه نفاس، والصحيح أنه ليس بنفاس.
الحالة الرابعة: أن يكون السقط مضغة مخلقة، بحيث يتبين فيه الرأس والرجلان واليدان، فالمذهب 679 وعليه أكثر أهل العلم أنه نفاس.
ولا يتم التخليق إلا بعد واحد وثمانين يومًا، فإذا سقط لأقل من ثمانين فلا نفاس والدم الخارج حكمه حكم دم الاستحاضة، أما إذا بلغ السقط واحدًا وثمانين يومًا فلابد من التثبت، هل هو مخلق أم غير مخلق؟ فإن كان مخلقًا كان نفاسًا وإلا فلا.
إما بعد مائة وعشرين يومًا فهو نفاس قطعاً.
الحالة الخامسة: أن تضع ما تم له أربعة أشهر فهذا نفاس باتفاق الفقهاء، ويغسل السقط ويصلى عليه لأنه مخلوق قد نفخت فيه الروح.
رابعًا: إذا طهرت المرأة قبل الأربعين فالمذهب 680 علاأنه يكره وطؤها، والذي رجحه الشيخان 681 جواز وطئها قبل الأربعين إذا طهرت، وهذا هو الراجح.
خامسًا: كل دم أو صفرة أو كدرة في مدة الأربعين فهو نفاس.
سادسًا: إذا ولدت المرأة بعد دخول وقت الظهر مثلا ونزل منها دم النفاس قبل أن تصلي الظهر واستمر فهل يلزم قضاء الظهر بعد أن تطهر؟ اختلف الفقهاء في هذه المسألة على ثلاثة أقوال:

الجزء: 1 - الصفحة: 174

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =القول الأول: يلزمها قضاء الظهر والعصر معًا؛ لأن العصر مما يجمع مع الظهر، وهذا قول بعض الشافعية (1) ورواية عند الحنابلة (2). القول الثاني: يلزمها قضاء الظهر فقط، هذا هو المذهب عند الشافعية (3) والحنابلة (4) بشرط أن تدرك ما يسع فرض الصلاة.
القول الثالث: لا يلزمها، لا الظهر ولا العصر، وهذا هو المذهب عند الحنفية (5)، والمالكية (6)، ورجحه شيخ الإسلام (7)، وسماحة شيخنا ابن باز (8) - رحمهم الله -، لكن اشترط هؤلاء لعدم وجوب القضاء أن يكون العذر طرأ وقد بقي من الوقت ما يسع الفرض، أما إن تضايق الوقت ثم وجد المانع فعليها القضاء.
والذي يظهر أن القضاء هنا مستحب وليس بواجب.

سابعًا: إذا طهرت المرأة من النفاس في وقت صلاة العصر مثلا،

هل تصلي معها الظهر؟ قولان لأهل العلم: الأول: يلزمها العصر فقط، وهذا قول الحنفية 690، وهو رأي شيخ الإسلام 691 وشيخنا 692 -رحمه الله-.682683684685686687688689

الجزء: 1 - الصفحة: 175

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =الثاني: يلزمها الظهر والعصر، وهو قول المالكية 693، والشافعية 694، والحنابلة 695، ورجحه سماحة شيخنا ابن باز 696 -رحمه الله-، وهو الراجح.
لكن اختلفوا في القدر الذي تجب به الصلاة، والذي يظهر - والله أعلم - أن الإدراك يكون بإدراك ركعة؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلاةِ فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلاةَ» 697. وعلى هذا نقول لهذه المرأة أنها يلزمها الظهر مع العصر إبراء للذمة وعملاً بالأحوط.

الجزء: 1 - الصفحة: 176

فصول الكتاب · 25 فصل
فصول وبل الغمامة في شرح عمدة الفقه لابن قدامة
المقدمةالمقدمة
اسمهالمولد والنشأةتلقيه العلمثناء العلماء عليهمؤلفاتهوفاتهشرح مقدمة المؤلفبَابُ أَحْكَامِ الْمِيَاهِقوله «بَابُ أَحْكَامِ الْمِيَاهِ»قوله «خُلِقَ الْمَاءُ طَهُوْرًا»قوله «يُطَهِّرُ مِنَ الأَحْدَاثِ وَالنَّجَاسَاتِ»:قوله «فَلا تَحْصُلُ الطَّهَارَةُ بِمَائِعٍ غَيْرِهِ»قوله «فَإِذا بَلَغَ الْماءُ قُلَّتَيْنِ»قوله «أَوْ كَانَ جَارِيًا، لَمْ يُنَجِّسْهُ شَيْءٌ، إِلاَّ مَا غَيَّرَ لَوْنَهُ، أَوْ طَعْمَهُ، أَوْ رِيْحَهُ»قوله «وَمَا سِوَى ذلِكَ يَنْجُسُ بِمُخَالَطَةِ النَّجَاسَةِ»قوله «وَالْقُلَّتَانِ: مَا قَارَبَ مِائَةً وَثَمَانِيَةَ أَرْطَالٍ بِالدِّمَشْقِيِّ»قوله «وَإِنْ طُبِخَ فِي الْمَاءِ مَا لَيْسَ بِطَهُوْرٍ»قوله «أَوْ خَالَطَهُ فَغَلَبَ عَلى اسْمِهِ»قوله «أَوْ اسْتُعْمِلَ فِيْ رَفْعِ حَدَثٍ سَلَبَ طَهُوْرِيَّتَهُ»قوله «وَإِنِ اشْتَبَهَ مَاءٌ طَاهِرٌ بِنَجِسٍ»قوله «وَإِنِ اشْتَبَهَ طَهُوْرٌ بِطَاهِرٍ تَوَضَّأَ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا»القول الصحيحقوله «وَإِنِ اشْتَبَهَتْ ثِيَابٌ طَاهِرَةٌ بِنَجِسَةٍ»قوله «وتُغْسَلُ نَجَاسَةُ الْكَلْبِ وَالْخِنْزِيْرِ سَبْعًا إِحْدَاهُنَّ بِالتُّرَابِ»،تنبيهاتقوله «وَيُجْزِئُ فِيْ سَائِرِ النَّجَاسَاتِ ثَلاثٌ مُنقيةٌ»قوله «فَإِنْ كَانَتْ عَلَى الأَرْضِ فَصَبَّةٌ وَاحِدَةٌ تَذْهَبُ بِعَيْنِهَا»قوله «وَيُجْزِئُ فِيْ بَوْلِ الْغُلامِ الَّذِيْ لَمْ يَأْكُلِ الطَّعَامَ النَّضْحُ»:قوله «وَكَذلِكَ الْمَذْيُ»:قوله «وَيُعْفَى عَنْ يَسِيْرِهِ وَيَسِيْرِ الدَّمِ، وَمَا تَوَلَّدَ مِنْهُ مِنَ الْقَيْحِ وَنَحْوِهِ»قوله «وَهُوَ مَا لا يَفْحُشُ فِي النَّفْسِ»قوله «وَمَنِيُّ الآدَمِيِّ»قوله «وَبوْلُ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ طَاهِرٌ»:تنبيهاتثالثًا: إن كانت الرطوبة مستمرة فما العمل؟تنبيهانباب الآنيةثانيًا: الأصل في الآنيةقوله «لا يَجُوْزُ اسْتِعْمَالُ آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ»قوله «فِيْ طَهَارَةٍ وَلا غَيْرِهَا»قوله «وَحُكْمُ الْمُضَبَّبِ بِهِمَا حُكْمُهُمَا»قوله «إِلَّا أَنْ تَكُوْنَ الْضَبَّةُ يَسِيْرَةً مِنَ الْفِضَّةٍ»تنبيهاتثانيًا: الحاجة أدنى من الضرورة،قوله «وَيَجُوْزُ اسْتِعْمَالُ سَائِرِ الآنِيَةِ الطَّاهِرَةِ وَاتِّخَاذُهَا»قوله «وَاسْتِعْمَالُ أَوَانِي أَهْلِ الْكِتَابِ»، وَصُوْفُ الْمَيْتَةِ وَشَعَرُهَا طَاهِرٌقوله «وَثِيَابِهِمْ مَا لَمْ تُعْلَمْ نَجَاسَتُهَا»- تنبيه: هل هذا الحكم خاص بميتة دون ميتةقوله «وَكُلُّ جِلْدِ مَيْتَةٍ دُبِغَ أَوْ لَمْ يُدْبَغْ فَهُوَ نَجِسٌ»ثانيًا: هل يلزم غسل الجلد بعد الدبغ؟قوله «وَكَذلِكَ عِظَامُهَا»قوله «وَكُلُّ مَيْتَةٍ نَجِسَةٌ إِلاَّ الآدَمِيَّ»قوله «وَحَيَوَانَ الْمَاءِ»هل يتناول هذا الحكم جميع ما يكون في الماءقوله «الَّذِيْ لا يَعِيْشُ إِلاَّ فِيْهِ»هل يباح غير ميتة السمك؟قوله «وَمَا لا نَفْسَ لَهُ سَائِلَةً»بَابُ قَضَاءِ الْحَاجَةِقوله «بَابُ قَضَاءِ الْحَاجَةِ»قوله «أَعُوْذُ بِاللهِ مِنَ الْخُبُثِ وَالْخَبَائِثِ»قوله «وَمِنَ الرِّجْسِ النَّجِسِ الشَّيْطَانِ الرَّجِيْمِ»الدليل الذي ورد في ذلكقوله «وَإِذَا خَرَجَ قَالَ: غُفْرَانَكَ»قوله «الْحَمْدُ للهِ الَّذِيْ أَذْهَبَ عَنِّيْ الأَذَى وَعَافَانِيْ»قوله «وَيُقَدِّمُ رِجْلَهُ اليُسْرَى فِيْ الدُّخُوْلِ وَالْيُمْنَى فِي الْخُرُوْجِ»قوله «وَلا يَدْخُلُهُ بِشَيْءٍ فِيْهِ اسْمُ اللهِ تَعَالَى إِلاَّ مِنْ حَاجَةٍ»أولاً: هل الشريط يأخذ هذا الحكم؟قوله «وَيَعْتَمِدُ فِيْ جُلُوْسِهِ عَلَى رِجْلِهِ الْيُسْرَى»قوله «وَإِنْ كَانَ فِي الْفَضَاءِ، أَبْعَدَ وَاسْتَتَرَ»قوله «وَارْتَادَ مَوْضِعًا رَخْوًا»قوله «وَلا يَبُوْلُ فِيْ ثُقْبٍ وَلا شَقٍّ»قوله «وَلا طَرِيْقٍ وَلا ظِلٍّ نافِعٍ، وَلا تَحْتَ شَجَرَةٍ مُثْمِرَةٍ»قوله «وَلا يَسْتَقْبِلُ شَمْسًا وَلا قَمَرًا»قوله «وَلا يَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ وَلا يَسْتَدْبِرُهَا»قوله «وَيَجُوْزُ ذلِكَ فِي الْبُنْيَانِ»تنبيهاتقوله «فَإِذَا انْقَطَعَ الْبَوْلُ مَسَحَ مِنْ أَصْلِ ذَكَرِهِ إِلَى رَأْسِهِ، ثُمَّ يَنْتُرُهُ ثَلاثًا»قوله «وَلا يَمَسُّ ذَكَرَهُ بِيَمِيْنِهِ»قوله «وَلا يَتَمَسَّحُ بِهَا»قوله «ثُمَّ يَسْتَجْمِرُ وِتْرًا»قوله «ثُمَّ يَسْتَنْجِيْ بِالْمَاءِ»قوله «فَإِنِ اقْتَصَرَ عَلَى الاِسْتِجْمَارِ أَجْزَأَهُ»قوله «وَإِنَّمَا يُجْزِئُ الاِسْتِجْمَارُ إِذَا لَمْ تَتَعَدَّ النَّجَاسَةُ مَوْضِعَ الْحَاجَةِ»قوله «وَلا يُجْزِئُ أَقَلُّ مِنْ ثَلاثِ مَسْحَاتٍ مُنْقِيَةٍ»قوله «وَيَجُوْزُ الاِسْتِجْمَارُ بِكُلَّ طَاهِرٍ يُنْقِي الْمَحَلَّ، إِلاَّ الرَّوْثَ وَالْعِظَامَ»قوله «وَمَا لَهُ حُرْمَةٌ»بَابُ الْوُضُوْءِقوله «بَابُ الْوُضُوْءِ»قوله «لا يَصِحُّ الْوُضُوْءُ، وَلا غَيْرُهُ مِنَ الْعِبَادَاتِ، إِلاَّ أَنْ يَنْوِيَهُ»تنبيهاتثانيًا: يستحب تقديم النية على غسل اليدين؛قوله «ثُمَّ يَقُوْلُ: بِسْمِ اللهِ»ذكر بعض التنبيهات في التسميةأولاً: من توضأ داخل الحمامقوله «وَيَغْسِلُ كَفَّيْهِ ثَلاثًا»قوله «ثُمَّ يَتَمَضْمَضُ وَيَسْتَنْشِقُ ثَلاثًا»قوله «يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا بِغَرْفَةٍ أَوْ ثَلاثٍ»قوله «ثُمَّ يَغْسِلُ وَجْهَهُ ثَلاثًا»قوله «مِنْ مَنَابِتِ شَعَرِ الرَّأْسِ إِلَى مَا انْحَدَرَ مِنَ اللَّحْيَيْنِ وَالذَّقَنِ»قوله «وَإِلَى أُصُوْلِ الأُذُنَيْنِ»قوله «وَيُخَلِّلُ لِحْيَتَهُ إِنْ كَانَتْ كَثِيْفَةً، وَإِنْ كَانَتْ تَصِفُ الْبَشَرَةَ لَزِمَهُ غَسْلُهَا»اللحية إما كثيفة وإما خفيفةحكم غسل المسترسل من اللحيةقوله «ثُمَّ يَغْسِلُ يَدَيْهِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ ثَلاثًا»وقوله «وَيُدْخِلُهُمَا فِي الْغَسْلِ»قوله «ثُمَّ يَمْسَحُ رَأْسَهُ مَعَ الأُذُنَيْنِ، يَبْدَأُ بِيَدِهِ مِنْ مُقَدَّمِهِ، ثُمَّ يُمِرُّهُمَا إِلَى قَفَاهُ، ثُمَّ يَرُدُّهُمَا إِلَى مُقَدَّمِهِ»تنبيهاتثانيًا: هل يؤخذ ماء جديد للأذنين؟ثالثًا: السنة عدم تكرار مسح الرأس أكثر من مرة،قوله «ثُمَّ يَغْسِلُ رِجْلَيْهِ إِلَى الْكَعْبَيْنِ ثَلاثًا»قوله «وَيُدْخِلُهُمَا فِيْ الْغَسْلِ»قوله «وَيُخَلِّلُ أَصَابِعَهُمَا»قوله «ثُمَّ يَرْفَعُ نَظَرَهُ إِلَى السَّمَاءِ»قوله «فَيَقُوْلُ: أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيْكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُوْلُهُ» هذا أيضًا من سنن الوضوء، وقد ورد في ذلك حديث عند مسلم: أن من قال هذه الكلمات «فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ الثَّمَانِيَةُ يَدْخُلُ مِنْ أَيِّهَا شَاءَ» (3).قوله «وَالْوَاجِبُ مِنْ ذلِكَ النِّيَّةُ»قوله «وَالْغَسْلُ مَرَّةً مَرَّةً»قوله «مَا خَلا الْكَفَّيْنِ»قوله «وَمَسْحُ الرَّأْسِ كُلِّهِ»قوله «وَتَرْتِيْبُ الْوُضُوْءِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا»تنبيه: هل يسقط الترتيب بالجهل والنسيانقوله «وَأَنْ لا يُؤَخِّرَ غَسْلَ عُضْوٍ حَتَّى يَنْشَفَ الَّذِيْ قَبْلَهُ»:تنبيهاتقوله «وَالْمَسْنُوْنُ التَّسْمِيَةُ»قوله «وَغَسْلُ الكَفَّيْنِ»قوله «وَالْمُبَالَغَةُ فيِ الْمَضْمَضَةِ وَالاِسْتِنْشَاقِ، إِلاَّ أَنْ يَكُوْنَ صَائِمًا»قوله «وَتَخْلِيْلُ اللِّحْيَةِ وَالأَصَابِعِ»قوله «وَمَسْحُ الأُذُنَيْنِ»قوله «وَغَسْلُ الْمَيَامِنِ قَبْلَ الْمَيَاسِرِ»قوله «وَالْغَسْلُ ثَلاثًا ثَلاثًا»قوله «وَتُكْرَهُ الزِّيادَةُ عَلَيْهَا»قوله «وَالإِسْرَافُ فِي الْمَاءِ»قوله «وَيُسَنُّ السِّوَاكُ عِنْدَ تَغَيُّرِ الْفَمِ»قوله «وَيُسْتَحَبُّ فِيْ سَائِرِ الأَوْقَاتِ إِلاَّ لِلصَّائِمِ بَعْدَ الزَّوَالِ»تنبيهانأولاً: الصحيح أنه يحصل من السنية بقدر ما حصل من الإنقاءقوله «بَابُ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ»باب المسح على الخفينقوله «يَجُوْزُ الْمَسْحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ وَما أَشْبَهَهُمَا مِنَ الْجَوَارِبِ الصَّفِيْقَةِ الَّتِيْ تَثْبُتُ فِي الْقَدَمَيْنِ»- تنبيه: في شروط المسح على الخفين على المذهب (3) مع بيان الراجحقوله «يَوْمًا وَلَيْلَةً لِلْمُقِيْمِ وَثَلاثًا لِلْمُسَافِرِ»قوله "مِنَ الْحَدَثِ إِلَى مِثْلِهِ"قوله «وَمَتَى مَسَحَ ثُمَّ انْقَضَتِ الْمُدَّةُ، أَوْ خَلَعَ قَبْلَهَا، بَطَلَتْ طَهَارَتُهُ»قوله «وَمَنْ مَسَحَ مُسَافِرًا ثُمَّ أَقَامَ»قوله «أَوْ مُقِيْمًا ثُمَّ سَافَرَ، أَتمَّ مَسْحَ مُقِيْمٍ»قوله «وَيَجُوْزُ الْمَسْحُ عَلَى الْعِمَامَةِ»قوله «إِذَا كَانَتْ ذاتَ ذُؤَابَةٍ»قوله «سَاتِرَةً لِجَمِيْعِ الرَّأْسِ إِلاَّ مَا جَرَتِ الْعَادَةُ بِكَشْفِهِ»هل يجب مسح مقدم الرأس إذا كان لابسًا للعمامة؟تنبيهاترابعًا: هل يشترط لبسها على طهارة؟قوله «وَمِنْ شَرْطِ الْمَسْحِ عَلَى جَمِيْعِ ذلِكَ، أَنْ يَلْبَسَهُ عَلَى طَهَارَةٍ كَامِلَةٍ»قوله «وَيَجُوْزُ الْمَسْحُ عَلَى الْجَبِيْرَةِ»هل يتيمم مع المسح؟قوله «وَالرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ فِيْ ذلِكَ سَوَاءٌ»قوله «إِلاَّ أَنَّ الْمَرْأَةَ لا تَمْسَحُ عَلَى الْعِمَامَةِ»ذكر بعض التنبيهات الخاصة بهذا البابأولاً: إذا كان الرأس ملبدًاسادسًا: من خلع جوربه وهو على وضوء وأراد أن يعيد لبسهسابعًا: من شك في ابتداء المسحعاشرًا: من لبس جوربًا فوق جوربالحادي عشر: إذا كانت إحدى الرجلين مكشوفةالثاني عشر: الأفضل لمن كان لابسًا للخف أو الجورببَابُ نَوَاقِضِ الْوُضُوْءِقوله «الْخَارِجُ مِنَ السَّبِيْلَيْنِ عَلَى كُلِّ حَالٍ»قوله «وَالْخَارِجُ النَّجِسُ مِنْ غَيْرِهِمَا»إذا كان الخارج غير البول والغائطقوله «إِذا فَحُشَ»قوله «وَزَوَالُ الْعَقْلِ إِلاَّ النَّوْمَ الْيَسِيْرَ جَالِسًا أَوْ قَائِمًا»زوال العقل نوعانالنائم له ثلاث حالاتقوله «وَلَمْسُ الذَّكَرِ بِيَدِهِ»قوله «وَلَمْسُ امْرَأَةٍ لِشَهْوَةٍ»قوله «وَالرِّدَّةُ عَنِ الإِسْلامِ»قوله «وَأَكْلُ لَحْمِ الْجَزُوْرِ»قوله «وَمَنْ تَيَقَّنَ الطَّهَارَةَ، وَشَكَّ فِي الْحَدَثِ، أَوْ تَيَقَّنَ الْحَدَثَ، وَشَكَّ فِي الطَّهَارَةِ، فَهُوَ عَلَى ما تَيَقَّنَ مِنْهُمَا»بَابُ الْغُسْلِ مِنَ الْجَنَابَةِقوله «بَابُ الْغُسْلِ مِنَ الْجَنَابَةِ»تنبيه: جميع موجبات الغسل لا توجب إلا الغسلقوله «وَالْمُوْجِبُ لَهُ: خُرُوْجُ الْمَنِيِّ»قوله «وَهُوَ: الْمَاءُ الدَّافِقُ»تنبيهاتثالثًا: إذا استيقظ فوجد بللاً فما الحكم؟رابعًا: إن كان يجهل هل هو مني أم لا؟خامسًا: إذا أحس بانتقال المني فحبسهقوله «وَالْتِقَاءُ الْخِتَانَيْنِ»قوله «وَالْوَاجِبُ فِيْهِ: النِّيَّةُ»النية نيتانقوله «وَتَعْمِيْمُ بَدَنِهِ بِالْغَسْلِ، مَعَ الْمَضْمَضَةِ وَالاِسْتِنْشَاقِ»هل يجب غسل باطن الفرج من حيض أو جنابة؟قوله «وَتُسَنُّ التَّسْمِيَةُ»قوله «وَأَنْ يَدْلُكَ بَدَنَهُ بِيَدِهِ»=قوله «وَيَفْعَلَ كَمَا رَوَتْ مَيْمُوْنَةُ، قَالَتْ: «سَتَرْتُ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم -، فَاغْتَسَلَ مِنَ الْجَنَابَةِ ... » هذا الحديث فيه صفة الغسل من الجنابة والمراد به الغسل الكامل، أما الغسل المجزئ فقد سبق بيانه وهم أن ينوي ثم يسمي ويعمم بدنه بالغسل مرة واحدة مع المضمضة والاستنشاق.قوله «وَلا يَجِبُ نَقْضُ الشَّعْرِ فِيْ غَسْلِ الْجَنَابَةِ إِذَا رَوَّى أُصُوْلَهُ»هل يجب نقضه في غسل الحيض والنفاس؟تنبيه: هل يجب غسل المسترسل من الشعر؟قوله «وَإِذا نَوَى بِغَسْلِهِ الطَّهَارَتَيْنِ، أَجْزَأَ عَنْهُمَا»قوله «وَكَذلِكَ لَوْ تَيَمَّمَ لِلْحَدَثَيْنِ وَالنَّجاسَةِ عَلى بَدَنِهِ أَجْزَأَ عَنْ جَمِيْعِهَا»قوله «وَإِنْ نَوَى بَعْضَهَا فَلَيْسَ لَهُ إِلاَّ مَا نَوَى»بَابُ التَّيَمُّمِقوله «بَابُ التَّيَمُّمِ»قوله «وَصِفَتُهُ: أَنْ يَضْرِبَ بِيَدَيْهِ»قوله «عَلَى الصَّعِيْدِ الطَّيِّبِ»هل يجوز التيمم بغير الترابقوله «ضَرْبَةً وَاحِدَةً»قوله «فَيَمْسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ وَكَفَّيْهِ»قوله «وَإِنْ تَيَمَّمَ بِأَكْثَرَ مِنْ ضَرْبَةٍ، أَوْ مَسَحَ أَكْثَرَ، جَازَ»الأولى في التيمم بأكثر من ضربةقوله «وَلَهُ شُرُوْطٌ أَرْبَعَةٌ»قوله «أَحَدُها: الْعَجْزُ عَنِ اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ، لِعَدَمِهِ»قوله «أَوْ خَوْفِ الضَّرَرِ بِاسْتِعْمَالِهِ؛ لِمَرَضٍ»قوله «أَوْ بَرْدٍ شَدِيْدٍ»قوله «أَوْ خَوْفِ الْعَطَشِ عَلَى نَفْسِهِ، أَوْ مَالِهِ أَوْ رَفِيْقِهِ»قوله «أَوْ خَوْفٍ عَلَى نَفْسِهِ، أَوْ مَالِهِ فِيْ طَلَبِهِ»قوله «أَوْ إِعْوَازٍ إِلاَّ بِثَمَنٍ كَثِيْرٍ»قوله «فَإِنْ أَمْكَنَهُ اسْتِعْمَالُهُ فِيْ بَعْضِ بَدَنِهِ، أَوْ وَجَدَ مَاءً لا يَكْفِيْهِ لِطَهَارَتِهِ، اسْتَعْمَلَهُ، وَتَيَمَّمَ لِلْبَاقِيْ»قوله «أَوْ وَجَدَ مَاءً لا يَكْفِيْهِ لِطَهَارَتِهِ، اسْتَعْمَلَهُ، وَتَيَمَّمَ لِلْبَاقِيْ»قوله «الثَّانِيْ: الْوَقْتُ، فَلا يَتَيَمَّمُ لِفَرِيْضَةٍ قَبْلَ وَقْتِهَا»هل التيمم مبيح لما تجب له الطهارة أم رافع للحدث؟الفرق بين كونه مبيحًا وكونه رافعًا،تنبيه: يترجح تقديم الصلاة في أول وقتها في ثلاث حالاتقوله «وَلا لِنَافِلَةٍ فِيْ وَقْتِ النَّهْيِ عَنْهَا»قوله «الثَّالِثُ: النِّيَّةُ، فَإِنْ تَيَمَّمَ لِنَافِلَةٍ، لَمْ يُصَلِّ بِهِ فَرِيْضَةً، وَإِنْ تَيَمَّمَ لِفَرِيْضَةٍ، فَلَهُ فِعْلُهَا، وَفِعْلُ مَا شَاءَ مِنَ الْفَرَائِضِ وَالنَّوَافِلِ، حَتَّى يَخْرُجَ وَقْتُهَا» هذا هو الشرط الثالث من شروط التيمم، وهذا أيضاً يقال فيه كما قيل في المسألتين السابقتين، أن هذا محمول على أنه مبيح، والصواب أنه رافع، فمتى تيمم لفريضة أو نافلة أو غيرهما مما يتيمم له صحَّ له أن يصلي ما شاء من الفرائض والنوافل، فلا وجود لهذا الشرط على القول الراجح، أما نية التيمم فلا شك أنها شرط لصحته؛ لأن الأعمال بالنيات.قوله «الرَّابِعُ: التُّرَابُ، فَلا يَتَيَمَّمَ إِلاَّ بِتُرَابٍ طَاهِرٍ، لَهُ غُبَار»وقوله «ويُبْطِلُ التَّيَمُّمَ مَا يُبْطِلُ طَهَارَةَ الْمَاءِ»قوله «وَخُرُوْجُ الْوَقْتِ»قوله «وَالْقُدْرَةُ عَلَى اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ»قوله «وَإِنْ كَانَ فِيْ الصَّلاةِ»خلاصة ما نقول في التيممقوله «بَابُ الْحَيْضِ»باب الحيضقوله «وَيَمْنَعُ عَشَرَةَ أَشْيَاءَ: فِعْلَ الصَّلاةِ، وَوُجُوْبَهَا»قوله «وَفِعْلَ الصِّيَامِ»هل يمنع الحيض وجوب الصوم؟قوله «وَالطَّوَافَ»قوله «وَقِرَاءَةَ الْقُرْآنِ»قوله «وَمَسَّ الْمُصْحَفِ»قوله «وَاللُّبْثَ فِي الْمَسْجِدِ»قوله «وَالْوَطْءَ فِي الْفَرْجِ»قوله «وَسُنَّةَ الطَّلاقِ»معنى قوله «سُنَّةَ الطَّلاقِ»قوله «وَالاِعْتِدَادَ بِالأَشْهُرِ»قوله «وَيُوْجِبُ الْغُسْلَ، وَالْبُلُوْغَ، وَالاِعْتِدَادَ بِهِ»علامات البلوغ للرجل والمرأةقوله «وَلَمْ يُبَحْ سَائِرُهَا حَتَّى تَغْتَسِلَ»قوله «وَيَجُوْزُ الاِسْتِمْتَاعُ مِنَ الْحَائِضِ، بِمَا دُوْنَ الْفَرْجِ؛هل تجوز المباشرة فيما بين السرة والركبةقوله «وَأَقَلُّ الْحَيْضِ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ»قوله «وَأَكْثَرُهُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا»قوله «وَأَقَلُّ الطُّهْرِ بَيْنَ الْحَيْضَتَيْنِ ثَلاثَةَ عَشَرَ يَوْمًا»قوله «وَلا حَدَّ لأَكْثَرِهِ»قوله «وَأَقَلُّ سِنٍّ تَحِيْضُ لَهُ الْمَرْأَةُ تِسْعُ سِنِيْنَ»الصواب أنه لا حد للسنقوله «وَأَكْثَرُهُ سِتُّوْنَ»قوله «وَالْمُبْتَدَأَةُ إِذَا رَأَتِ الدَّمَ لِوَقْتٍ تَحِيْضُ فِيْ مِثْلِهِ، جَلَسَتْ»قوله «فَإِنِ انْقَطَعَ لأَقَلَّ مِنْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، فَلَيْسَ بَحَيْضٍ»قوله «وَإِنْ جَاوَزَ ذلِكَ وَلَمْ يَعْبُرْ أَكْثَرَ الْحَيْضِ، فَهُوَ حَيْضٌ»قوله «فَإِذَا تَكَرَّرَ ثَلاثَةَ أَشْهُرٍ بِمَعْنًى وَاحِدٍ، صَارَ عَادَةً»قوله «وَإِنْ عَبَرَ فَالزَّائِدُ اسْتَحَاضَةٌ»قوله «وَعَلَيْهَا أَنْ تَغْتَسِلَ عِنْدَ آخِرِ الْحَيْضِ»قوله «وَتَغْسِلَ فَرْجَهَا وَتَعْصِبَهُ»قوله «ثُمَّ تَتَوَضَّأَ لِوَقْتِ كُلِّ صَلاةٍ، وَتُصَلِّيْ»قوله «فَإِذَا اسْتَمَرَّ بِهَا الدَّمُ فِيْ الشَّهْرِ الآخَرِ»قوله «فَإِنْ كَانَتْ مُعْتادَةً، فَحَيْضُهَا أَيَّامُ عَادَتِهَا»قوله «وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مُعْتَادَةً وَكَانَ لَهَا تَمْيِيْزٌ- وَهُوَ أَنْ يَكُوْنَ بَعْضُ دَمِهَا أَسْوَدَ ثَخِيْنًا، وَبَعْضُهُ أَحْمَرَ رَقِيْقًا- فَحَيْضُهَا زَمَنُ الأَسْوَدِ الثَّخِيْنِ» هذا هو القسم الثالث من أقسام النساء المستحيضات وهي المرأة التي لها تمييز، أي التي =قوله «وَإِنْ كَانَتْ مُبْتَدَأَةً، أَوْ نَاسِيَةً لِعَادَتِهَا، وَلا تَمْيِيْزَ لَهَا،قوله «وَالْحَامِلُ لا تَحِيْضُ»قوله «إِلاَّ أَنْ تَرَى الدَّمَ قَبْلَ وِلادَتِهَا بِيَوْمَيْنِ، أَوْ ثَلاثَةٍ، فَيَكُوْنُ دَمَ نِفَاسٍ» أي يأخذ الدم الخارج قبل الولادة بيوم أو يومين حكم دم النفاس، ولا تصلي ولا تصوم، وهذه المسألة محل خلاف بين الفقهاء: فالمذهب (1) وأكثر الفقهاء على أنه نفاس، ومنهم من يرى أنه لا يعتبر نفاسًا، بل هو دم فساد، لا تترك العبادات بخروجه، وهو قول الحنفية (2)، ورأي عند الشافعية (3).تنبيهاتبَابُ النِّفَاسِقوله «بَابُ النِّفَاسِ»قوله «وَهُوَ: الدَّمُ الْخَارِجُ بِسَبَبِ الْوِلادَةِ»قوله «وَحُكْمُهُ حُكْمُ الْحَيْضِ فِيْمَا يَحِلُّ وَيَحْرُمُ وَيَجِبُ وَيَسْقُطُ بِهِ» هذا بيان حكم دم النفاس، فحكمه كالحيض.[^fn665][^fn666][^fn667]قوله «وَأَكْثَرُهُ أَرْبَعُوْنَ يَوْمًا»قوله «وَلا حَدَّ لأَقَلِّهِ»قوله «وَمَتَى رَأَتِ الطُّهْرَ، اغْتَسَلَتْ، وَهِيَ طَاهِرَةٌ»قوله «فَإِنْ عَادَ فِيْ مُدَّةِ الأَرْبَعِيْنَ، فَهُوَ نِفَاسٌ أَيْضًا»أولاً: المرأة التي تلد ولادة خالية عن الدمثانيًا: إذا ولدت المرأة توأمينسابعًا: إذا طهرت المرأة من النفاس في وقت صلاة العصر مثلا،
كِتَابُ الصَّلاةِكتاب الجنائزكِتَابُ الزَّكَاةِكِتَابُ الصِّيَامِكتاب الحجكِتَابُ الْبَيْعِكِتَابُ الْوَقْفِكِتَابُ الْوَصَايَاكتاب الفرائضكتاب النكاحكتاب النِّكاحِكِتابُ الصَّدَاقِكتاب الطلاقكِتابُ الظِّهارِكِتابُ الأَطْعِمَةِكتاب الصيدكِتَابُ الأَيْمَانِكتاب الجناياتكِتابُ الدِّياتِكِتابُ الحُدُوْدِكِتابُ الجِهَادِكِتابُ القَضَاءِكِتابُ الشَّهَادَاتِ
جارٍ التحميل